-هل
قصة البصمات صحيحة؟ أخبرتني خجة التزوير فلم أصدق. زاد ضجري ولم تعد لي رغبة في
متابعة الحديث.
اختصرت الحديث في كلمتين:
-دوختني يا مختار.
تركته دون وداع وعدت من حيث أتيت.
وجدت نفسي بعد عدة أمتار عند باب
الملاّ، فطرقته رغماً عني.. لا أدري لِمَ لم أحب هذا الرجل من كل قلبي، ولا أثق به
أبداً فتحت لي زوجته. رحبت بي وأدخلتني. وأنسلت هي إلى المطبخ رأيت الملاّ يفترش
أرض الصالة بجلبابه الأبيض العريض ولحيته الحمراء، المصبوغة "بحنة يزد"
المهربة. يجفف شعر رأسه الكبير بمنشفة قطنية. مما دل على خروجه للتو من الحمام!
كان الملاّ في الستين من عمره، قصير، ممتلئاً، طويل الوجه، واسع العينين كبير
الأذنين. بينما كانت الخالة رباب طويلة جميلة، تصغره بسنوات قليلة، صحيح أن وجهها
الملطخ دوماً يخدع الناظر، لكن رقبتها تفصح عن حقيقة عمرها.
-احك لي قصة الأرض يا كاكاحمه كيف
اكتشفت التزوير بعد تلك السنين؟
-ستقصها عليك أمي.
اخرسته. تلعثم وقال بعد قليل:
-جسمك متورم يا بني!
-إنها لدغة ثعبان يا حضرة الملاّ!
-ألم تتداو؟
-نعم دهنت جسدي بعصير الصبير، وحقنت
بإبرتين.
-حسناً فعلت.. ألم يكن أفضل لو أخذت
حقنة "الأوس بورين"!
-الأسبرين يا ملاّ عطا اللّه.. اسمه
الأسبرين.
-ماذا عملت أمس يا كاكاحمه؟
-لا أذكر.
-في بيت الآغا، وقبله مع سعدو؟
-إنه أمر اللّه القدير
أخرسته ثانية بردي القاطع. سكت لحظة
وكاد يفتح موضوعاً جديداً لولا زوجته، عادت تحمل صحناً مليئاً بالفول المغطى بطبقة
من البيض المحمر، المقلي بالزبد.
وضعته أمامي، فسحبه ناحيته قليلاً!
ودعاني.
لم أتردد، شاركته الفطور، بشهية
مفتوحة.
ونحن نأكل عاد للأسئلة:
-غبت أسبوعاً عن البيت، فأين كنت
وماذا عملت؟
-لا يا ملاّ، إنها خمسة أيام
بالتمام. ذهبت مع خالتي مريم لإجراء الفحوص الطبية.
-وماذا قالو لك؟ ماذا؟
-كل خير.. وعليه قررت الزواج اليوم.
-مبروك مقدماً.. أخبرتني أمك حفظها
اللّه..
أحسنت الاختيار يا بني، أحسنت وباركك
الله..
إنه ثواب كبير.. ستنقذ هذه المسكينة
هداية من اليأس. "حين هوجمت قريتنا ودوهمت البيوت، وعبث الأوباش بشوف
النساء.. وقتلوا أخي الصغير رحيم، وعبد
الكريم الابن البكر لعم مصطفى مع اثنين من ولد المخرف وغيرهم. فقدت هدهد
بصرها إثر ضربة ماحقة من أخمص بندقية جندي أرعن، على يافوخها.."
-يا لي من غبي! نسيت!
-نسيت ماذا يا بني؟
استفسر عجباً إثر صراخي المفاجئ
فأجبته بهدوء:
-مطالبة السلماني بمصاريف الزواج.
-لا تشغل بالك بهذا الأمر.. سأطالبه
أنا.. لكن، هل فكرت بالمختار؟ العجوز ماتت..
ما الذي يجري؟ ماذا حدث؟ أمي،
افتخار، الملاّ! أمي مانعت، اعترضت لأنها تشتهي أن تكون "شذى" زوجة لي.
وافتخار حاولت العرقلة لأنها تشتهيني، وتتمنى أن تكون زوجتي.. فما هو غرض الملاّ؟
ماذا يقصد هذا العاقر..؟ لو كانت له بنت لقلت إنه يريدني زوجاً لها.
-عمي عبد اللّه لن يمانع.. كلمته
بنفسي، بشهادة السلماني.
-على بركة اللّه.
رددها مرتين، ثم ساد الصمت. رحت أمضغ
الطعام بسكينة، وعيناي تجوبان الصالة، تتطلعان إلى الآيات القرآنية المذهبة
والفضية المنتشرة على مدار الجدران. الهدوء العجيب، المخيم على بيت الملاّ أثار
دهشتي. وعجبي الكبيرين. تذكرت سنوات الطفولة والصبا والشباب. وأقفاص البلابل
والطيور الجميلة المختلفة الألوان والأنواع. تذكرت أعداد الدجاج والديكة الغفيرة،
التي كانت تسرح هنا، داخل البيت وحواليه بكثرة. تذكرت موعظته في المسجد.
كنت صبياً ابن العاشرة أو الحادية
عشرة، حين صحبني أبي مع رحيم إلى المسجد. وسمعنا الملاّ يقول "قال الرسول
(ص): كثروا من الدواجن في بيوتكم ليتشاغل بها الشيطان عن صبيانكم" وأضاف
شارحاً: إن المؤمنين يحبون أن يكون في بيوتهم شيء من الدواجن، مثل الحمام والدجاج.
ليعبث بها صبيان الجن ولا يعبثون بصبيانهم..
وددت أن أسأله لماذا ترك عادته،
وأفرغ أقفاصه. لولا أنني تذكرت قول نصار "عبث الشيطان في خصيتيه
فعقرهما".
-وماذا قررت أن تعمل بعد تسريحك من
الجيش؟
-سأبني مدرسة. وأعيد بناء المسجد.
-المسجد!! وماذا به مسجدنا؟
هتف فزعاً كمن أثيرت حفيظته. فأوضحت:
-سنهد هذا البناء القديم، ونبني ما
يليق بك يا ملاّ عطا اللّه المحترم. رأفة بعمي حسن وخوفاً على المصلين. انتبه إلى
جملتي الأخيرة فحدجني بنظرة غضب وسأل:
-ممن تخاف؟
-من الرياح والأمطار.
ضحك مستخفاً وقال:
-لا أفهم.
-وأنا في المستشفى رأيت حلماً. سقط
السقف على رؤوس المصلين..!
-أعوذ باللّه من حلمك.. اسكت.. اسكت.
هتف محتجاً... فاستنكرت بحدة:
-لم تعجب يا عطا اللّه؟! السقف واقف
على الصلوات. إنه آيل للسقوط. أما تراه كذلك؟
لم يرد سكت احتراماً لشيبته. إذ عادت
زوجته حاملة ابريق الشاي ولوازمه. فتابعت بنبرة جازمة:
-سأبدأ بعد أسبوع.. يوم السبت
القادم.. سأحفر لك الأساس يا حضرة الملاّ.
خاف أن أسمعه كلاماً خشناً فسارع
للقول وهو ينهض قبل الانتهاء من تناول فطوره.
-بارك اللّه بك يا كاكاحمه. بارك
اللّه.. هيّا بنا إلى المسجد.. حان وقت الصلاة.
ونهضت بدوري قائلاً:
-لا.. يا ملاّ. سأذهب إلى الأرض
الشرقية. فلا تنسى عقد القران.. عصر اليوم.. وإذا وجدت يحيى ابن المخرف في المسجد
أرسله لي... قل له كاكاحمه يريدك.
بانت الدهشة على وجهه وهو يمسك كتفي:
-والصلاة! ألم تأت لتصلي؟
-سأؤجلها للمغرب..
-ابق.. أكمل فطورك.. اشرب الشاي..
أنت لم تأكل..
-شبعت.. أكلت كفايتي.. فولكم قديم يا
خالة لكن البيض طازج.. رائع!
-بالهناء والشفاء..
شكرتها وخاطبت الملاّ:
-سأتيك عند المغرب..
ودعتهما وخرجت.
ذهبت إلى الأرض الشرقية، فتضوعت حال
وصولي رائحة أجساد أبي وأجدادي مع ذرات التراب. بها تعبوا وعرقوا، زرعوا وحصدوا
قبل أن يستحوذ عليها السلماني بحيلة خبيثة وغش فاضح مستغلاً جهلنا وعجزنا عن
مواجهته.
شممت رائحتهم فأمتلأ قلبي نشوة. صليت
على تربتها وجلست أسترجع الذكريات ورائحة الأجساد تعشش في أنفي. تذكرت ما حدث أمس.
وتحسست موضع اللدغة تمعنت في الجرح وفحصت الورم ولم أبال أو أعجب بقدر عجبي: كيف
فاتني أخذ أوراق البيع معي بعد توقيع السلماني والشهود عليها!
استرحت لدقائق. أخرجت منجلي ونهضت.
وقفت أتفرج على الأرض الحبيبة التي
عادت لي.
لم أر غير الأعشاب والصبار والصخور.
كان عليّ أن أزيلها كلها، لأبدأ العمل الحقيقي. حرثها وسقايتها وبذرها. احترت بم
أبدأ.. فكرت ثم قطعت صبارة كبيرة. قشرتها وتعريت. وأنا أتساءل لِمَ أهملها
السلماني؟ لم تركها دون زرع!
نزعت ملابسي بالكامل ورحت أدهن جسدي،
بالسائل الصمغي الكريه الرائحة..
وبينما كنت منشغلاً تناهى لي صوت
صفير عال. أعقبه صراخ ساخر:
-استحي على نفسك يا كاكاحمه، وارتد
ملابسك التفت فرأيت يحيى، يقف على بعد مني، يضع اصبعيه بين شفتيه ويطلق صفيراً
مدوياً..
-تعال ساعدني.
ناديته فاقترب وهو يصيح:
-استر نفسك.. استيقظ الناس..
تظاهرت بعدم السمع واستقبلته:
-هل عاد عيسى؟
عجب لمبادرتي:
-لم تسأل عنه؟! ماذا تريد منه؟
-إنه أملي.
-أطوارك غريبة يا كاكاحمه! ألبس..
البس.. الجو بارد.. أمرني ويداه تضعان ملابسي على كتفي. فمازحته:
-ألم تر عارياً من قبل؟ أم إن ما
لديّ أثار عجبك؟!
-أمجنون أنت! أجننت؟!
-أتراك لا تملك مثلي! وبشيرة تستحي
أن تقول..
-عيب!! عيب هذا الذي تقول يا
كاكاحمه.. صار عندي خمسة أطفال! أم أنك تشكك بأختك...
-اللّه أعلم.. كل شيء جائز..
-لعنة اللّه عليك.. لعنة اللّه..
بمعونته رحت ألبس ملابسي، وعيناه
تتمعنان فيّ بحذر وشفقة.
-كيف أنت الآن؟ هل تشعر بتحسن؟
-لا شيء يؤلمني.. لاشيء.. جرح السكين
ينخزني أحياناً.
-الورم طبيعي فلا تهتم.. لكن رائحتك
كريهة! يجب أن تغتسل.
-قالها السلماني فحززت رقبته.
قهقه بصوت عال وسأل:
-أكنت تروم ذبحه حقاً؟!
حنيت رأسي بالإيجاب وأضفت:
-افتدى روحه بالمال..
أبديت قناعتي بما حدث. واسترسلت بما
أذهله:
-وأنت ماذا جئت تفعل هنا؟
-ألم ترسل بطلبي.
-أنا!! متى؟
-أعوذ باللّه.. أخبرني الملاّ الآن..
-الملاّ!! إنه كاذب..
-استغفر اللّه.. ولم يكذب؟ ألم تكن
عنده في..
-قلت لك إنه إنسان كاذب.. كاذب.. فلا
تجادلني..
زعقت بامتعاض.. ثم سرعان ما هدأت.
-ما بك يا بن عمي..
-لا شيء.. لا شيء.. أنا لا أحب
الملاّ ولا أثق به..
-ثمة شيء غريب في عينيك.. قل لي،
عليّ أستطيع مساعدتك.
-ربما أرسلك الملاّ لتساعدني في
تدليك جسدي..
نظر إليّ بارتياب وردد:
-حسناً.. حسناً.. قل لي أنت، ماذا
تفعل هنا في هذا الوقت؟
-ماذا أفعل؟! يا لك من ساذج! إنها
أرضي.. جئت لأنظفها..
-صحيح، سمعت أنك اشتريتها بالمنجل..
مبروك.. مبروك
-أتسخر يا يحيى..!
-أعوذ باللّه.. أعوذ باللّه.. أردت
القول أنك..
-لا يهم.. لا يهم.. لقد جئت لأنظف
أرضي. ألديك مانع؟ لم يبد عليه أنه تأثر بصراخي المقاطع لحديثه ضاعت عيناه بين
الصخور المتناثرة والأعشاب. وصاح:
-هل ستزيل العاقول بالمنجل؟
-أتراه قاصراً.. هذا الذي أعاد الأرض
وحز رقبة الآغا؟
أم أنك تريد أن أحشه بيدي!
-لا.. يمكنك إحراقه، النار أسرع
وأفضل.
-ألا يدمر ذلك الأرض؟
استفهمت منه فقال:
-العاقول لا جذر له.. ويمكنك كنس
الأرض قبل حرثها..
-إنها عملية شاقة يا زوج أختي..
رفض قولي: -دعني أنجزها.. لترى
بعينيك..
أخرج علبة الكبريت من جيبه. استدار
يصد النسيم، الريح الهابة ليمنع الهواء عنه، كي يشعل عود الثقاب فمنعته.
-لا تفعل. لا يحرق بقايا المحاصيل
إلاّ الفلاح الجاهل.. فالنار لا تشعل في الأرض الزراعية.. لأن الحرارة تبدد
البقايا العضوية.
هز يده مستخفاً واستهزأ..
-واللّه عال!! أي محصول هذا؟
قاطعته موبخاً:
-سأصنع منك فلاحاً عظيماً.. إذا بقيت
حياً..
لا أدري كيف انطلقت الكلمات الثلاث
من فمي، أفلتها لساني دون فطنة! مما أذهله فاستوضح على عجل:
-ماذا تقصد؟
سارعت لأتفادى هفوتي. قلت:
-السلماني الكلب قد يغتالني هو أو
الجمولي.
-صحيح، الحذر واجب.. فهذا كلب بلا
أسنان.. لا يستطيع حتى العض.. ولكن الغدر طبيعته..
سكت لحظة وما لبث أن أبدى استغرابه:
-حدثتني بشيرة عن اكتشافك لعملية
التزوير! فما الحكاية؟ حدثته بالتفصيل فدهش وحرضني على الشكوى لينال
"الأوغاد" عقابهم فرفضت، وسخر من "المبلغ التافه" الذي أخذته
كتعويض:
-لا أريد اثارة المشاكل أرسلت بطلبك
لتساعدني أوصيت الملاّ. قبل قليل.. ضحك مقاطعاً فسكتّ.. شعرت بارتباك. هززت رأسي
لاستعيد وعيي. وقلت بحرج.
-صحيح.. نسيت.. كنت في بيت الملاّ..
قبل الفجر! فتصور!!
-إذن طلبتني بلسانك..!! الحمد للّه..
قل لي يا كاكاحمه، صارحني بالحقيقة، ماذا بك بالضبط؟ هل تشعر بشيء؟
-.....
-ماذا قلت لأختي.. افتخار؟ أخبرتني
بشيرة، أنك آذيتها! منذ أمس وهي قابعة في غرفتها، واجمة محزونة. تقلب كفيها على
نار.. افتخار تحبك يا كاكاحمه.. أختي وأعرفها جيداً.. تحبك.. فلا تظلمها..
لم يستطيع أن يخفي عني المرارة التي
راحت تسيل من عينيه وفي لهجته، مما أوجب عليّ التوضيح. وأنا أغالب دموعي خشية
هطولها، والعبرة قبل أن تفضحني:
-لي ظروفي الخاصة التي لن أستطيع
الوقوف في مواجهتها.
-إذن دعني أساعدك.. أقف معك..
-لن تستطيع.. لن تستطيع..
-لماذا؟
استفسر بألم فراوغت:
-تستطيع مساعدتي هنا.. لا تنسى أنني
سأكرمك..
سأضع الأرض تحت تصرفك..
-لا أفهم..
هتف بغبطة كأنه يستجدي المعلومات،
فأخبرته:
-سننظفها ونحرثها معاً.. ثم تبذرها
أنت وتحصدها.. ونتقاسم الربح..
بوغت بالعرض المثير فقال:
-وماذا نزرع؟
-هذا يعتمد عليك.. ولن أتدخل في
شؤونك.. لاحت سعادة كبيرة في عينيه. لاحظتها تفيض من وجنتيه.
-ولم طلبتني أنا بالذات، دون غيري؟!
-إضافة إلى صلة الرحم، يقال: أعط
خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه..هل توافق؟
شبك أصابعه ونظر إلى الأفق. زم
شفتيه، لحس لسانه شاربيه وقال:
-إنه لأمر يستحق التفكير، مادام
السمك في مائة..
-كفى.. لا تتفلسف.. إذا لم توافق
فأمامي الكثير من الرجال.. وأولهم سلطان.. وهو على استعداد ليكون خادماً لي.. لا
شريكاً..
-موافق.. موافق يا كاكاحمه..
-على بركة اللّه.. هيّا شمر عن
ساعديك.. لنبدأ الآن.
-أنت بحاجة للراحة فلا تتعب نفسك ..
ثم إن العمل صعب وشاق.. لن نقدر عليه وحدنا.. يستحسن أن نطلب المساعدة..
وجدت كلامه مقنعاً فشئت الحركة:
-سأطلبها من الأصدقاء.. سأسألهم إن
كان بمقدورهم تقديم يد العون لنا.. انتظر لن أتأخر..
وقف بوجهي معترضاً وناصحاً:
-إلى أين؟ دع الشمس تشرق أولاً..
وليفتح نصار مقهاه..
رن اسم نصار في دماغي! تذكرت
"هبة" الزوجة التي خانته فقتلها.. و"إلهام" الغريبة التي وشت
به فسجنته..! تساءلت مع نفسي: لماذا لا يعود إلى مهنته الأصلية كبناء ليربح أكثر.
-صحيح!! ماذا دهاني؟
-تمدد وارتح.. وسأتلهى أنا..
قال وهو يأخذ منجلي. وقبل أن يشرع في
العمل طرح فكرة مدهشة:
-سأدع موسى يأتي بأغنامه ليرعى بها..
حوافر الخراف والماعز ستحفر الأرض، وستترك مخلفاتها العضوية كسماد لازم..
رحنا نعمل بجد حتى الثامنة صباحاً.
حين قدمت أمي تحمل لنا طعام الفطور:
-لِمَ تتعب نفسك يا بني؟
أبدت أمي مخاوفها كأنها تعاتب يحيى،
الذي أجابها:
-طلبت منه أن يعود إلى البيت فرفض..
-ماذا جلبت يا أمي..؟
أبدلت مسيرة الحديث بسبب إحساسي
بالجوع. وفرحت حين سمعتها تعلن بغبطة:
-وجدت بيضاً وحلاوة تركية في دكان
صالح.
-أراك عدت للشراء منه يا عمتي؟
مازحها يحيى فردت.
-نقدته ديناراً، فأشتريت نصف محله!
-هل أعطيته الدين يا أمي؟
-بفضل اللّه.. لقد فرح كثيراً.. لم
يكن يتوقع أن ندفع له كامل الدين..
-ومن أين جلبت هذا الخبز؟
-جلبته بشيرة..
سكتت فجأة، تبادلت مع يحيى نظرات
عتاب. واستمرت تكشف سراً:
-جاءت زعلانة.. قالت:
-اسكتي يا عمتي.. يرحم والديك..
ابنتك ما عادت تطاق. عملت لنا هوسة قبل الصلاة..
تلاسنا بهدوء.. عرض المشكلة من وجهة
نظره وردته أمي بأدب. ولم أجد بداً من التدخل ونحن نأكل:
-طلقها.. وسأزوجك شذى.. ابنة عمتي..
نصحته فعلقت أمي بامتعاض:
-كل.. كل.. بدأت تجن .. المرض أثر في
عقلك!
-ومتى كان لابنك عقل يا عمتي؟!
ضحكنا. راقبت أمي وهي تمسح دموع
فرحتها، فتذكرت وجه الخالة رباب. وحتى لا أنسى ما خطر على بالي قلت:
-اسمعي يا خجة، يجب أن تربي الدجاج.
لا يعقل أن يظل بيتنا مرتعاً لأولاد الجن.. سأبني لك قفصاً.. في الساحة الخلفية..
ما كدت أنتهي حتى انفجرا في ضحكة
متواصلة أخجلتني.. ولتلافي سوء الفهم أفصح يحيى عن دهشته:
-يوجد عندكم أربعة أقفاص! وهي فارغة
منذ سنة!
-إذن لا نحتاج إلاّ للدجاج.
-دعنا نرى همتك يا كاكاحمه..
حفزتني أمي ونهضت تروم العودة إلى
البيت. لكنها أفادت بحماس قبيل ذهابها:
-بالأمس، جلب لك المختار أوراق
الأرض..
لم أدعها تكمل... سألتها:
-لماذا جاء محمد معه؟
قرقرت حنجرتها بضحكة:
-جاء ليتأكد من وصفة صوف البعير!
ظنني أمزج أبقت الصينية وابتعدت كمن يفر..
وبعد مضي دقائق جاءت افتخار بطعام
ليحيى ما إن وقع بصرها على البيض والحلاوة، حتى دهشت:
-من أشفق عليكما؟
-الآغا السلماني.
تهكم يحيى وعلقت:
-بشيرة أختي، جلبت الفطور لزوجها
الحبيب!
-انكما تكذبان.. بشيرة خرجت زعلانة
دون إفطاره والآغا لا يتكرم بكسرة خبز بعد ما حز المنجل رقبته.. ضحكنا فعقبت..
-سمعت أنهم نقلوه أمس إلى أربيل،
خشية التسمم.
-أراك مهتمة به يا افتخار..!
-تخاف عليك.. فقد يتهور السلماني
ويقدم بلاغاً ضدك.. طرح يحيى مخاوفه فلم أهتم وعادت افتخار لاستغرابها.
-قل لي يا كاكاحمه، أمجنون أنت! كيف
قمت بذلك العمل البشع؟!
-أتريدين أن أحز رقبتك لتعرفي كيف؟
-اللّه يسامحك..
جلسنا ثلاثتنا، نأكل وندردش. ولما
انتهينا انصرف يحيى لجلب من يعاونه. وأفرحته حين دفعته بحماس:
-أخبرهم بأني سأدفع لهم أجوراً..
مضى مسرعاً.. وتشاغلت افتخار بجمع
الأواني، وتنظيف المكان:
-شكراً على مجيئك.. وأسفاً على المشقة..
-.....
-قال لي يحيى: إنك زعلانة عليّ .
فلماذا؟
حاولت النهوض فسمعتها تتنهد:
-أما زلت مصراً على هداية؟
نخزني سؤالها في القلب. فكررت
تصميمي:
-سأتزوجها.. قلت لك ذلك..ولن
أتراجع..
تأملتني بمحبة ممزوجة بحزن وخيبة:
-اللّه لا يعطيك العافية يا
كاكاحمه.. لقد خنتني بعد أن أودعتك أسراري..
-وأنا سأصون السر.. أقطع عهداً لك..
هزت يدها استهانة ومهانة. فأحسست نحوها برغبة العناق.. وكدت أفعل لولا شمس
النهار.. بددت الضباب وعرضتنا على الملأ.. فمنعتني..!
-لماذا يا افتخار لا تباركين زواجي..
ثقي أنني أحبك.. وأخاف عليك.. وأريد لك السعادة..
رفعت كفها بوجهي ودمدمت:
-أنت مجنون.. مجنون!
أجهشت باكية قبل أن تعود مكللة
بالخيبة. راقبتها وهي تبتعد. وحزّ في قلبي الألم.
أستلقيت على كومة الحشائش، وسبحت في
بحار أحلامي.
vvv
-5 -
بعد الظهر، جاءني حسان محملاً
بالمال. تماماً كما وعد السلماني.
كنت في ساحة الدار الأمامية. قابعاً
على الحصيرة، أراقب أمي وهي تنظف أحشاء دجاجة، بعد أن نتفت ريشها، مستعينة بالماء
الساخن.
دق الباب بعنف، رفسها بقدمه. وحين
صاحت أمي عمن يكون، دخل دون استئذان! وانتصب أمامنا يزفر الغل والخنق.
أدركت سبب مجيئه وخمنت محتويات
الكيس، الذي ينام على صدره. فداخلني الفرح، لكن تصرفه الأرعن ألهبني ناراً.
-ماذا تريد؟
سبقتني أمي بسؤاله، بكراهية وغضب.
ولم أحتمل، زعقت بوجهه:
-يا كلب!
ارتبك وحاولت النهوض فارتد خائفاً:
-ما بك يا كاكاحمه؟! ماذا حدث؟!
تعلقت أمي بردني متوسلة:
-اجلس.. اجلس.
ثم التفتت إلى حسان موبخة:
-ألا تستحي! كيف تدخل على هذه
الصورة؟
ظهرت الدهشة في عينيه وهو يقسم:
-واللّه العظيم.. طرقت الباب..
سكت لحظة استرد بها أنفاسه وخاطبني:
-جلبت لك المبلغ الذي وعدك به أبي..
رف قلبي كعصفور طليق يسرح في غابة.
تناسيت لسع النيران وأعلمته:
-إنه حقي يا بن السلماني أحمد اللّه
لأني لم أقدم شكوى.
-كيف حال الآغا يا حسان؟
غيرت أمي لهجتها متظاهرة بالشفقة
والعطف. ولم لا "والدينار يغري الضرير والمقمط بالسرير"!
-بخير يا خالة.. بخير.. أخذناه إلى
المستشفى.. والحمد لله.. الجرح طفيف.. ادعي بأنه جرح نفسه بموس الحلاقة..
اختصر بخبث. فزادت شفقة أمي قالت
وبصرها معلق بالكيس:
-اللّه يعطيه الصحة والعافية..
-شكراً لك يا خالة.. شكراً.. خذ يا
كاكاحمه.. هذه ألف وخمسمائة دينار.. كما طلبت.. تناولت المبلغ من بين يديه. ضغطت
عليه بأصابعي، بفرح غامر.. إنه أعلى بعشر مرات من أكبر مبلغ حضنته يدي.. طوال
عمري..
فرحت به حقاً.. ثم لا أدري لم امتعضت
فجأة. وطفرت دمعتي.. لم يسر قلبي لمنظره.. لم أبتهج به.. لقد جاء بعد فوات الوقت..
بعد..
رميته في حضن أمي. وأوضحت لحسان:
-إنه ديني.. لا فضل لأبيك عليّ.. لا
فضل.. شهد دمعتي فقال مراوغاً:
-يمكنك عدّه..
أجهشت بالبكاء فارتعش وتوسل إليّ:
-إذا أحببت سأعدّه أمامك..
-لا داعي.. لا داعي.. لن أتعب نفسي..
سيعده الملاّ.
-وما علاقة الملاّ بالأمر؟
استفسر عجباً. وتطلعت أمي ناحيتي،
تنتظر توضيحاً. مسحت دموعي وطردته:
-رح أنت.. رح الآن، وتذكر أني لم
أبتزكم أخذت أقل من القليل.
-حاضر.. السلام عليكم..
قبل خروجه أوقفته:
-يا حسان، قل لأبيك عن لساني، ابتعد
عن طريقي ولاتتحرش بي.. وتذكر أن الموت يطلبك.. سيأتيك حتماً، فكفر عن سيئاتك، رد
للناس مظالمهم وأتق اللّه.. وأنت يا حسان لا تفكر بالغدر والطعن بي، وإلاّ..
-أنا!! لا وحق اللّه.. لست كما تظن..
بشهد اللّه أنني لم أتدخل بينك وبين أبي.. هل صدر مني ما يشين..؟
-ربما خشية من المنجل.. لو تدخلت أو
تفكر بالتدخل لقطعت لسانك..
-يا كاكاحمه..
-خفف من غلوائك يا حسان.. ما عادت
أساليب البطش تنفع في قريتنا.. تغير الزمان.. وما من أحد يهابكم اليوم كما كنتم..
البيوت ملأى بالسلاح.. ورصاصة واحدة تكفي.
-السلام عليكم..
ودعنا وخرج يتعثر بقدميه..
ضحكت رغماً عني.. قرقرت ضاحكاً وأنا
أشهد أمي تضع رزمة الدنانير في حضنها كطفل بكر، بينما ذراعاها يتقاطعان فوق بطنها
حرصاً واعتزازاً..!
-عيب هذا الذي تفعله.. عيب، إنه
الآغا!
حدجتها بمرح وذكرتها:
-أنا لم أشتمه يا خجة. قدمت له
النصيحة، فاستفاد. وها هو ابنه أمامك، تأدب في ظرف دقيقة! جاء محارباً فإذا به
يرمي سلاحه قبل أن يصل حلبة الصراع!
-يكفي إنه أعاد لنا..
-يا خجة، هذا المبلغ كبير في عيوننا
لكنه لا يساوي عند السلماني شيئاً يذكر.. إنه يصرف أضعافه في جلسة سمر واحدة.. ثم
ما هذا التغير! ما سبب هذه الشفقة المفاجئة! بالأمس أردت ذبحه أمام عينيك فلم
تقولي عيب!! فما الذي حدث بين الأمس واليوم؟
-أتدري كم عدد الذين جاؤوا محذرين؟
إنه الآغا! أنسيت؟
-اسكتي يا خجة.. اسكتي.. إنه بشر
مثلنا.. لا أكثر..
وهذه الدنانير كانت تقف حاجزاً
بيننا.. والآن تساوينا..
-انت ستجنني .. سأقوم من هنا..
سأبتعد عنك.. سأطبخ.. ثم أنظف غرفتك..
-ولم ياخجة؟!
-قد تأتي بعروسك اليوم أو غداً.. كما
تريد..
-لا تتعبي نفسك.. هدهد لا ترى.. فلا
حاجة.. منعتها ببلاهة وتهور، لم أفطن لهما إلاّ بعد غضبها.
استاءت وهتفت مهددة:
-حرام عليك يا بني.. إذا كنت تبغي
معاملتها هكذا، فلن أسمح لك بتعذيبها.. لن أدعك تتزوجها.. لا لن أدعك شعرت بغلطتي
فحاولت التوضيح:
-لا أريد إتعابك.. سأنظفها بنفسي..
كشرت عن أسنانها ودافعت عن وجهة نظرها:
-ستأتي أمها وخالاتها.. وضيوف
آخرون...
-لن يدخل أحد دارك غيرها..
بهتت، قطبت من جديد.. مدت بوزها
مستفهمة:
-لا أظنك جاداً..
-سنقيم الحفلة في بيت عم مصطفى..
وبعدئذ سأجلب هدهد وحدها.. ولا من شاف ولا من سمع.
لم تصدق. ظهر ذلك في عينيها. قالت:
-أمجنون أنت! ماذا بك؟ إنه عرسك
وسأقيم الدنيا..
-لا أريد.. نظفي غرفتنا فقط.. وأفرشي
لنا على الأرض.. ونامي أنت في..
رفعت يدي مشيراً بإصبعي نحو الخارج..
ولم أكمل ارتسمت على شفتيها ابتسامة عتاب:
-أتريد طردي منذ الآن؟! أهذا جزاء
تربيتي!
-لا....لا يا خجة.. لا تظلميني..
أريد أخذ راحتي ليوم.. لليلة واحدة.. استمتع بوقتي.. أليس الدخول في النعيم..
والتنعيم في شهر العسل من حقي؟
ضحكت أمي من صميم قلبها ومازحتني:
-هداية لا ترى ولكنها تشم..
-يعني.. ماذا تقصدين؟
-لا تدخل عليها برائحتك النتنة هذه..
-أتريدين أن أغتسل؟ وبالأمس لدغني
ثعبان!
-إذن كيف ستتزوج!! كل الذين سمعوا
بنيتك.. استغربوا.. تساءلوا عن قدرتك ومدى تحمل جسمك..
-لا تخافي.. إنه ورم بسيط.. سيزول
بعد يومين..
-إذن أجّل الزواج.. لا تظلم الفتاة
المسكينة.. لا تذلها. إنها لا تستحق إلاّ كل خير..
-الحق معك يا أمي.. سأجلب لك ثلاث
تنكات ماء، لتغسليني بيديك. بعد أن أمر على عمي حسن ليحلق رأسي ولحيتي.
vvv
-6 -
بعد صلاة المغرب، التفت الملاّ نحوي،
بينما كانت عيناي تسرحان في رحاب السماء، وسألني:
-أأنت خائف؟
-أنا!! ممن؟
-من سقوط السقف؟
شعرت بلذاعة السخرية وبنبرة
الاستهزاء الحادة فانزعجت. ودون تردد أو حياء صحت به:
-أتسخر من أحلامي؟
هجس غضبي فشاء حفظ ماء وجهه. قال:
-استغفر اللّه.. رأيتك ساهماً فأحببت
المزاح.. ومزاح المؤمن عبادة يا كاكاحمه.
تدخل عمي موضحاً ومهدئاً فأسكتني.
وتدريجياً تلاشى غضبي واندمجت في
الحديث مع يحيى، والرجال الجالسين قربي. حتى باغتني الملاّ باقتراحه:
-هيّا.. توكلوا على اللّه.. لنذهب..
استغربت واستفهمت منه؟
-إلى أين ياحضرة الملاّ المحترم؟
-إلى بيت عمك مصطفى.. إنهم
ينتظروننا..
كدت أستفسر منه عما يقصده لولا عمي
حسن سارع يقول:
-حضرت اللازم وسأتي مع يحيى
كشاهدين..
أنذاك تذكرت هدهد ومشروع زواجي فزحفت
نحو الملاّ متلهفاً لتقديم هديتي:
-قبل ذهابنا، خذ استلم هذا المبلغ.
إنه مساهمة بسيطة مني في تجديد المسجد..
مددت رزمة الدنانير إليه، أروم وضعها
بيديه. فإذا به يرتد مذعوراً! ويلقيها أرضاً في حركة مستهجنة، تنم عن رفض وتوبيخ!
ويدمدم بصوت مرتعش:
-أعوذ باللّه.. إنه مال حرام..
مغتصب.
إهانة بالغة غير متوقعة، صعقت لها.
ارتعشت وساورني الجنون فصدرت عني كلمات سريعة، غاضبة. دلت على سخط وانزعاج..
وتحركت، كدت أطفر وأنشب أظافري في
رقبة عطا اللّه، لولا أياد قوية شعرت بها تشدني، تحكم قبضاتها على كتفي وذراعي.
وتعيدني إلى موضعي. وتمنعني من تحقيق غايتي.. ولو للحظات..
انفعلت ورحت أسبهم وابتعد الملاّ
هلعاً. وصاح أكثر من شخص محذراً ومتوسلاً: وهدر في أذني صوت خشن يخالطه حزن:
-كفى.. اجلس ولا تتهور.. إنها ليلة
زفافك.. أدرت رأسي في غضب فألفيت المختار مبتسماً كثعلب عجوز. ورأيت عمي متشبثاً
بكتفي.. ثم راح يربت على كتفي في طيبة وحنان.
فتر انفعالي. وبما تبقى منه صرخت دون
إرادة مني:
-لو لم تكن في المسجد للطمتك يا ملاّ
عطا اللّه على رأسك وكسرته. منذ ثلاثين سنة والسلماني يغتصبنا بعلمك، ولم تحرم
أمواله!
ضج المسجد. علا هرج ومرح بعد أن
أنهيت كلامي.. فوجئ الملاّ فارتعش جسده. اكتسب وجهه الطويل اصفرار وهلع.وتلفت
خجلاً إلى المصلين، حيث شخصت إليه الأنظار. وكأنه يستسمحهم ويطلب عونهم.
رأيتهم، يهزون رؤوسهم استغراباً،
ويمطون شفاههم استهجاناً، فازددت ارتعاشاً..
-عيب، يا كاكاحمه، هذا الذي تفعله
عيب..
نهرني يوسف ابن المخرف. وكان يجلس
على بعد خطوات فرفست الأرض وصحت به:
-اخرس يا حقير..
وبحركة سريعة، حملت رزمة الدنانير
وقذفتها في وجهه. فجأر وزمجر. وسمعت يحيى يوبخه ثم يزجره:
-اسكت.
وبينما التزم الجميع الصمت، وراحت
العيون تتطلع إليّ، تحدق فيّ بذهول، تجمهر أكثر من عشرة رجال فوق رأسي، خشية
" تهوري " .مما أشعرني بتعاظم الجو العدائي .
فنهضت محاولاً الخروج، يتلبسني البغض
.
أفسح المتجمهرون الطريق لأمرّ، فأمسك
الملاّ بساقي، ليسمع مني كلمة اعتذار ترد له هيبته .
ولم أبخل . صحت بأعلى صوتي، لأعيد
الاعتبار لنفسي :
-اللّه مكنني من استرداد حقي .
السلماني بعث أبنه ليسلمني المبلغ . وها هو بينكم فأسألوه .. وجئت أتبرع به لبناء
المسجد ... ولم أهبه للملأ ليتزوج امرأة
ثالثة .
ارتفع اللغط والصخب، وتعالت عبارات
السخط والاستنكار . احمر وجه الملا، وانتصبت لحيته الحمراء . وعاد يتوسل :
-انتظر .. سأتي معك ...
-لا ... ابق في محلك يا عطا اللّه
..مثلك لا يصح أن يكون إماماً .. أنت تتشكك حتى في نفسك .. وتوالي السلماني ورهطه
دون حق .. سأذهب بمفردي ... وإياك أن تأتي بعدي .... إياك .. ولعلمك، ألغيتك من
بالي تماماً .
-لا .. يا بني .. لا .. أنت لم ...
لم أسمع بقية كلامه . خرجت وفي صدري يتأرجح لهيب
الغيظ، وفي رأسي يدور صداع .
ابتعدت بضع خطى ثم استدرت والرعشة تسري في دمي .
تذكرت أمراً بالغ الأهمية ..
صوبت العيون أنظارها إليّ، وأنا أقف
عند الباب وأصرخ :
-اسمع يا عطا، قررت إلغاء مساهمتي .
لن أتبرع بشيء، فالذي يعوزه البيت يحرم على المسجد . كما أني فطرت عندك اليوم، صحن
فول وبيض . وسأرد لك ثمنه .
قهقه المختار، وتعالى الصخب والضحك .
لم أبال ... أسرعت خارجاً، فواجهني ظلام أول الليل الباهت ولفحني نسيم عليل، بارد
...
اندفعت إلى بيت عم مصطفى، تعصف بي حمى الرغبة،
للقاء هدهد ورؤيتها .. وفي ذهني تختمر الخطط ويتفاقم ولعي الشديد بها . ويزداد
تصميمي على تنفيذ ما قررته، أثناء رقادي على سرير المستشفى أو أثناء سيري الطويل
في طريق العودة،
استقبلني شقيقها الصغير عرفان
بالصياح :
-كاكا حمه وصل ... وصل ...
انحنيت لأقبّله فدفعني قائلاً :
-رح " بوس " هدهد .. رح ..
ضحكت .. وسمعت من يوبخه ..
-عرفان !! أدخل ..
شاهدت الخالة أمينة وبجوارها عم
مصطفى، يقفان عند الباب، وعلى وجهيهما لاح الذهول .
أخذ الأب يدي بالرحاب . وأدخلني غرفة
الضيوف الصغيرة . وتبعتنا زوجته ..
جلسنا على الأرض . حيث مدت ثلاثة فرش
قطنية، وعدة مقاعد ومساند،على بساط صوفي مزركش جميل، فوق حصيرة نايلون . ومن السقف
تدلى المصباح الزيتي معلقاً بنهاية سلك معدني طويل . وشرّعت النافذة الوحيدة على
مصراعيها رغم النسيم البارد . وأزيحت جانباً الستارة السميكة، المطرزة حوافها بدقة
! فبانت السماء صافية وظهرت النجوم لامعة بوضوح كبير . فأنشددت إليها فرحاً
مدهوشاً .
-أهلاً أبني ... أهلاً ..
قالت أمينة وهي تتربع أمامي مباشرة . بينما جلس
الأب على يميني ...
رأيت الأحراج ينطبع على ملامحه وهو
يسألني ....
-أين الملاّ والجماعة ؟
كانت الرعشة ما تزال متحكمة في
مفاصلي، لذا كان صعباً عليّ أن اضبط نفسي وأهدأ خاصة بعد سماعي اسم الملاّ .
اكتفيت برد مقتضب :
-لن يأتوا ...
لفه الاستغراب وانقبض قلب الأم . اصفر وجهها
بشكل مقيت .
أدركت دون عناء، أنها فهمت من ردي شيئاً
خاطئاً، لايطاق . مما استوجب تبديده دون تلكؤ :
-هدهد ستصبح زوجتي الليلة، إن شاء
اللّه .
أشرقت ملامحها . بان على محياها
الفرح . وهتفت بعينيها السوداوين المكحلتين .
-خجة، أعلمتنا بذلك . ونحن ننتظر
قدوم الملا والرجال ...
تجاوزت أمينة الأربعين قبل خمس سنوات
. لكن طولها لم يتجاوز المترين، وكتلتها اللحمية تخطت الثمانين كيلو غراماً . ومع
ذلك لم تزل بنظر الجميع جميلة فاتنة، ساحرة . وربما أجمل نساء القرية على الاطلاق
..وعلى العكس منها كان مصطفى . نحيفاً كعود القصب . لا شعر له أمرد أملس، سوى لحية
بيضاء تغطي ذقنه البارز . أظهرته بشعاً إلى حد مقبول في الرابعة والخمسين . وعلى
هيئته استنسخ الملائكة بأمر اللّه ابنه غفران ! بينما أخذت هدهد صفات ومحاسن أمها
. ولولا العمى الذي أصابها إثر جريمة الجنود لما سهل التمييز بينهما ...
-لم يأت الملّلا معك !
عاد الأب إلى إلحاحه . فأضجرني :
-قلت لك : إنه لن يأتي .
ذهل، واتسعت عيناه دهشة وحياء .
وازداد ذهولاً واستغراباً حين استرسل
لساني :
-رفضت أن يعقد قراني على هدهد شخصاً
مثله .
-لماذا ؟ !
نطقت أمينة بحيرة وهلع . وكرر مصطفى
سؤالها .
-رفضت الملا أمام الجميع ... في
المسجد .. لاثقة لي به ... لاثقة ..
-ولأنه يتعذر عليّ إيجاد البديل في
هذه الليلة، جئت اقترح عليكما أن تساعداني ..
-بماذا يابني ؟
خيم السكون انتظاراً لجوابي .
بدا عم مصطفى أشبه بالخائف مني، وغير
الواثق من تصرفاتي . فضحكت في سري .. مددت يدي إلى جيبي . تلمست الأوراق التي تخصه
. داخلني الأمان لسلامة عقلي، ومتانة موقفي ...
تطلعت إلى وجه أمينة . فهالني رعبها
وتخوفها المنتظر مما سأقوله . نقلت بصري صوب المصباح الزيتي، وأخيراً نحو السماء .
لمحت النجوم المنتشرة وكأنها قلادة لؤلؤ على صدر زنجية !
حدقت في نجمة مضيئة، حسبتها قمراً
صناعياً . وبقربها رأيت نجمة أخرى أكثر ضياءً . في كل منهما رأيت وجهاً مختلفاً ..
شاهدت " سناء " باسمة مغتبطة، وعمتي " بتول " ساهمة حزينة .
وفجأة برزت بينهما " إلهام
" بقامتها الرشيقة .. حركت ذراعي
لأمسكها فمنعني " مجيد "
( وضع يده على رأسي وهمس : لا تتسرع .. تصرف بعقل ..دون تهور قلت له :
ألم تنصحني بعدم التردد ؟ ألم تقل لي
: إذا أردت فعل شيء يا كاكا حمه فلا تتردد .. وإذا عزمت فتوكل، إن اللّه يحب
المتوكلين .. فضحك وقال : صحيح، لكن لا تنس بقية الكلام .. لا تتردد عن فعل شيء
جيد غضبت وصحت موبخاً :
كل أعمالي جيدة .. وما عاد أمامي
خيار ... ما عدت أميز بين الصواب والخطأ ... فكلما مرت الأيام، كبرت آلامي، وكبرت
معها المرارة التي أحسها في قلبي .. )
-أريد أن أتزوج الليلة . وغداً نكتب
الكتاب .
-تتزوج الليلة !!
دمدمت أمينة ووضعت كفها الأيمن على فمها، دلالة
الارتباك والحياء . وانتفض عم مصطفى . وعيناه تبرزان كعينيّ نسر . وتساءل بغيظ :
-بدون عقد أو شهود !!
هززت رأسي بالإيجاب . فتابع بشيء من
الحدة :
-أأجننت !! أأنت في كامل قواك
العقلية ؟
-نعم .. وهذا دليلي ...
أخرجت ما جلبته من الأوراق . وضعتها في كفيه،
فبوغت .... تمعن فيها بعجب وهمهم :
-من أين حصلت عليها ؟ كيف ؟!
-ما هذه ؟
سألته أمينة فحار . تطلع إلينا
مبهوراً . وأجبتها :
-إنه دليل على حسن تصرفي وسلامة نيتي ... جلبتها لك يا عم مصطفى لتمزقها
... وتنهي تحكم الجمولي فيك ...
-هل دفعت له ... ؟
لم أكن في حالة تسمح لي بالخضوع
لتحقيق مطول . سحبتهامن بين أصابعه المرتعشة، ومزقتها أمام عينيه المبهورتين :
-أنت برئ الذمة ..حر من أي دين ...
وتوقعت أن يلين فإذا به يصيح :
-هذا لا يغير من الأمر شيئاً ...
سنتكلم عنها فيما بعد ..
-هل توافق ؟
-لقد جننت حقاً ! واللّه سأذبحك
وأذبح ابنتي قبل أن أدعكما تفعلان هذا العمل المنكر ....
عجبت، واعتراني الخجل والاضطراب . ثم
الإحباط والانكسار وأخيراً الفزع لغضبه العارم .
تحركت مستديراً بجسمي كله صوبه،
لأواجهه وأطلب منه توضيحاً، سبباً مقبولاً لرد فعله المتشنج .
فسمعت الخالة أمينة تترجاني برقة
متناهية :
-يا بني، لا تشمت بنا الناس، ولا
تكسر خاطر المسكينة .
أجهشت بالبكاء فتمزق فؤادي . أحسست
بالخذلان واجتاحني شعور عارم من التعاطف والمودة، والألم .
وجعلت أنظر إليها بعين الرثاء والأسى
. وناء قلبي بالحزن.
-هل أخطأت يا خالة ؟ هل ارتكبت عملاً
مشيناً ...منكراً ؟
نبهيني من فضلك .. فما قصدت إلاّ
الخير ... واللّه شاهدي .
-كل الخطأ ...
صرخ مصطفى وأكمل بحسرة :
-يا أسفي عليك .... أتدري ماذا يعني
؟
قدح شكه القاتل في رأسي فقاطعته
باستياء :
-اسمع يا عم مصطفى .. أنا لا أعني ما
فهمته .. ولا أقصده ..قلت لك بأن نيتي شريفة ... وأنت خير من يعرفني فلا تسيء بي
الظن ... جئت خاطباً ... فلا تزد همومي ... فطن لحقيقة الوضع فهدأ واستفزني :
- أتستطيع طلب ذلك من شخص آخر غيري ؟
عرفت مرامه فاستنكرته وانبته :
-لِمَ تقلل من شأنك ؟ تهين نفسك
وتهينني معك ! في المعسكر، سمعت بجماعة تتزوج أولاً ثم تعقد القران ... وسألت
مجيداً فأكد لي ذلك .. قال : إن البربر وأغلب سكان شمال أفريقيا يفعلون ذلك أيضاً.
احتد وصاح :
-لا علاقة لنا بهم .. لا علاقة ...
-رغبت في الزواج من هدهد وسأتزوجها .. وثق إنني
لو رغبت في امرأة أخرى .. في أية فتاة من قريتنا ... لما ترددت أبداً في الزواج
منها ... وفي خطفها وكسر رأس أبيها إذا رفض، فزع مصطفى ... أحرجه كلامي . عض شفتيه
كي لا ينجرف بتياري . تبادل مع أمينة نظرات قلقة قبل أن تتمتم :
-نحن لم نرفض ...
-أعرف ذلك ..أعرف يا خالة .. اعتقد أنني تسرعت
في طلبي ... أخطأت فسامحوني .. اعذروني .. اقترحوا عليّ ما يجب أن أفعله ...نبهوني
.. وانصحوني ... تبسم عم مصطفى استرد
عافيته وأعلن :
-غداً نستدعي الشيخ علي من أربيل ...
-على بركة اللّه ... اتفقنا .. سآتي
صباحاً .
اعتذرت مرة أخرى عما قلته . ونهضت،
فتوسلا لإبقائي على العشاء فرفضت ....
لحق بي عم مصطفى إلى خارج البيت يطلب
إيضاحاً،عن الصكوك وسندات الدين والفائدة :
-من أين حصلت عليها ؟ كيف وصلت إليك
؟ الجمولي ، ماذا سأقول له ؟ هل أعطيته حقه ؟ هل ...
-اسمع يا عم مصطفى، الأوراق مزقت
والجمولي المرابي ماعاد يخيفك أو يهددك .. فلا تذكرها ثانية .. لا تأت على سيرتها
لأحد مهما كان .. حتى لخالتي أمينة ... إياك ...إياك .. وإذا سألك .. قل له أنك
سددت ما بذمتك كاملاً
تسمر واقفا في منتصف الطريق . ومضيت
إلى البيت مستاءً مقهوراً .
حدثت أمي -المنهمكة في رص الحاجات
التي اشترتها على رفوف المطبخ -بما جرى، فوبختني على سوء تصرفي، ورعونتي التي لا
تقل عن رعونة مجنون ..!
لم أناقشها . لم أكن في حالة تسمح لي
بذلك . تركتها وتوجهت إلى غرفتي
وضعت رأسي على الوسادة .. حاولت أن
أنام فإذا بي أنهض على حين غرة ... !
( برز لي مجيد . بوجهه العريض الضاحك
وعينيه السوداوين قال لي : -لا تنسى وصيتي .. " النورة " ستعطيك مظهراً جذاباً وتريحك .
قلت : -ولكن هدهد بلا عينين !
قال : -لا تكن غبياً إلى هذه الدرجة
يا كاكا حمه . أصابع الأعمى هي عيونه . بنانها تتحسس أفضل منك . ستشمئز وتنفر منك
إذا بقيت بصوفك.
غضبت وقلت : -أنا لست خروفاً !
ضحك وقال : -استغفر اللّه يا كاكا
حمه ... من قال ذلك ؟
أتظنني أبله لا أميز الخروف عن الطلي ... !
تغاضيت عن سخرتيه وقلت : -أتريد أن
تكرر ألاعيبك معي ؟
بسببك كاد عريفي إسماعيل يثكل نفسه
من الغيظ .. قهقه حتى دمعت عيناه ثم أقسم قائلاً :
-أتظنني أعاملك مثلما أعامل العريف
مونرو ؟ لا .. يا كاكاحمة .. لا .. ثق باللّه العلي العظيم أنني أعزك ... فأنت أخي
الطيب وصديقي المفضل .. ثم أنني لم أغدر به ولم أقصد أذيته .. وعندما نصحته بوضع
البودرة لم أكن أهدف إلا الخير ... لكنه " جحش " لم يستمع للنصيحة جيداً
... لذا احترق جلده .. وضيع فرصة العمر ولقاء حبيبته مارلين مونرو ..)
vvv
-7 -
على مائدة الفطور الزاخرة، الغنية
بالبيض والزبدة والمربى والجبن والحليب، قالت أمي دون مقدمات :
-أوصيت على عشرين دجاجة .... سأملأ
بها الأقفاص، بناء على رغبتك
-حسناً تفعلين ..وسأشتري لك ثلاث
معزات .
دهشت، وعبرت عن ذلك بلسان خائف :
-من سيتولى رعايتها وحلبها ؟
-سيرعاها موسى وتحلبها هدهد ..
اطمأنت وتحمست :
-سيفيدنا حليبها .. سيغنينا عن شرائه
.. وما سيفيض عندنا نبيعه ..
-لا .. سنهبه إلى بيت عمي مصطفى، إلى
حين عودة بقراته . لم تجادل . أبدت موافقتها واقتناعها :
-كما تريد يا بني .. إنها فكرة جيدة
..
-هيّا بنا إليهم ... علينا تهيئة
كافة المستلزمات ... اعترضت بإشارة من يدها؛ واحتجت :
-دعني أكمل فطوري .. الوقت مازال
مبكراً ...
-أنت تثأرين من جوع قديم يا خجة !
تأكلين منذ ساعة ولم تشبعي !
مازحتها فأبدت مخاوفها :
-وأنت لم تمد يدك بعد !
-أنا أكلت وشعبت .. والحمد للّه ...
-أتظنني غافلة عنك .. راقبتك منذ
يومين .. وأنت لست على ما يرام .. على غير عاداتك وطباعك ... ولا تنكر .. فقلبي
دليلي .... ربع ما كنت تأكله سابقاً لا يدخل معدتك ! وبشيرة أخبرتني بأنها رأتك
تتقيأ ما أكلته عندهم !
-أكلت البيض البارحة ..
-عند الملا ! أخبرتني رباب إنك أكلت
نصف البيضة ! ولم تذق الفول ...
مسني الندم على ذهابي ومشاركتهما في
الفطور استكرهت دناءه نفسي واحتقرت رباب
-ما أدق أخبارها ! وما أذلها !
مراقبة الضّيف والتدقيق فيما أكل وشرب، عيب . ... عيب .. وعار ..
-لا يا بني .. لا .. رباب بنت ناس .
وطيبة النفس .
-سأدفع لهما ثمن ما أكلت .. وعدت
الملا بذلك ... ثم أني آخذ كفايتي من الأكل ...
أوضحت لها ودخلت غرفتي ..
وقفت أمام المرآة . ألقيت نظرة شاملة
على جسدي تطلعت إلى وجهي . وعاينت موضع العضة . كان الورم يخف تدريجياً ..
جلست على السرير أراجع ما نفذته، وما
يتحتم عليّ تنفيذه . فوجدت أمامي قائمة طويلة من المشاريع . وطرحت أفكاراً عديدة
جديرة بالاهتمام .. سألت اللّه أن يعينني على إنجازها، وأنا اتجه إلى الحديقة .
قلبت الأرض تمهيداً لشتلها بالورود .
وغسلت الحظيرة غسلاً . ثم نظفت الأقفاص وجددت شباكها المعدنية .. وحين انتهيت كان
النهار قد انتصف، وارتفع آذان الظهر ...
أعدت رغبتي في الذهاب لكن أمي راوغت
وماطلت، حتى العصر .. فما أن حانت الرابعة حتى أبدت حماساً ... !
قدتها إلى بيت عم مصطفى . فبوغتّ بأن
هناك من سبقني بالقدوم ! وجدت الملاّ عطا اللّه، وعبد اللّه المختار وعمي حسن وزوج
عمتي الحاج صالح، ويحيى مع إخويه يوسف وموسى، ونصار ينتظرونني !
في الحال ربطت بين مماطلة أمي
وتعمدها التأخير، وبين حضور هؤلاء وشممت رائحة اتفاق مسبق،جرى خلف ظهري ! لم أبال
وراحت عينياي تفتشان عبثاً عن عيسى .. بأمل رؤيته
بينهم .. علّه عاد وحضر معهم .. !
رحبوا بي، سألوني عن صحتي وأقنعوني
بإتمام العقد على يد الملّا . بعد اعتذاره لي عما بدر منه في الليلة الفائتة .
وقبّل رأسي بمحبة مما أشعرني بالخجل
. فأعلنت موافقتي .
-حسناً يا حضرة الملا . ولكني أصر
على سحب اقتراحي .. قررت أن احتفظ بأموالي .. لمشاريع أخرى .... لن أمنحك فلساً
واحداً ...
-الدنانير عندي يا كاكا حمه وسأعيدها
إليك ..
-عندك !! هل تمزح ؟ من أتى بها إليك
؟ إنها في غرفتي ! نظر إليّ الجميع مدهوشين وضحك الملا قائلاً :
-تركتها أنت أمس في المسجد ..
-أنا ! كيف ؟ ومتى ؟
-ألم ترمها في وجهي قبل خروجك غاضباً
؟!
سخر مني يوسف فتذكرت كل ماحصل ! ضحكت فضحكوا . وبين زغاريد النسوة وتكبير
الرجال، جلبوا هدهد لتحضر عقد القران .
جاءت تتعثر مغمورة بنشوة عارمة،
مصحوبة بأمها وأختي بشيرة . وخلفهن تراءى لي وجه افتخار !
وعلى الرغم من ظهور فرحة هدهد بوضوح،
وسعادتها، انتفض قلبي غماً، امتعضت بشدة .
آلمني رؤيتها مرتدية ثوب الخانم
القديم . أحسست بسكاكين حادة تمزق أحشائي . أشد فتكاً من كأس العميد، وأكثر لؤماً
.. حز في نفسي منظرها .. آلمني جداً فبكيت ...
سألوني والدهشة تعتريهم، عن السبب
الذي دفعني إلى البكاء .
فأجبتهم : إنها دموع الفرح .
ضحكوا ومازحوني، وخطر على بالي خاطر
! وصممت على تنفيذه بعد انتهاء الحفل ... وازددت تصميماً وأنا أتطلع إليها مبهوراً
متحسراً .
ركزت نظراتي فوق أناملها وهي تحاول
تسوية الثوب العريض أنظر إلى وجهها المدور وأسأل اللّه أن يغفر لي ذنبي هذا ..
أحدق مدهوشاً في عينيها المغلقتين فتملأني الغبطة، ويعتريني الندم ويتلبسني تأنيب
الضمير ... ! سحرتني إشراقة الخدين الحمراوين، المرصعين بغمازتين، كإشراقة تفاحتين
ناضجتين . بهرتني بشرتها البيضاء، وشعرها الأصفر المنسرح الطويل . وانشددت إلى
الحاجبين الغليظين والشفتين القرمزيتين، فاشتهيتها .. تمنيت احتضانها .. تقبيلها
.. زرع ابني في أحشائها اليوم قبل الغد .. فمنعني الخجل المرتسم على وجنتيها ..
والحياء الذي ركبها ...
بكيت من جديد ، ليس من فرحي، بل
لنذالتي . لأني سأظلم هذه المسكينة التي لا أستحق ظفراً من أظافرها ... أظلمها
متعمداً ..عن قصد ... ودراية ....
بين ضحكات أمي ونكات بشيرة وتعليقات
افتخار، وتمتمات الملا وتسبيحاته، وهمسات العجائز وصلوات الخالة أمينة تم العقد
...
تم العقد ووزع نصار شراب التوت
والليمون، على المدعوين ... بكؤوس زجاجية نظيفة جلبها معه ... تناولت كأسي . قربته
من شفتيّ فبرز " العميد " أمامي ! تمثل بشخصه يكركر ضاحكاً ! فركبني
الذعر، تحركت للإمساك به فقفز هارباً ! حاولت اللحاق به ... كدت أنهض .. أقفز صوبه
وأصرخ . لكن صوتي بحّ فجأة وشددت بقوة إلى الكرسي .. وصحوت من غفوتي على إثر سقوط
الكأس من يدي ... !
-انكسر الشر انكسر الشر ...
صاح أكثر من شخص .. وأسرعت بشيرة
تنظف المكان . أصرّ المختار على دعوتنا جميعاً إلى العشاء في بيته، فرفضت :
-شكراً لك ياحضرة المختار ...شكراً
.. أنت بحاجة لمن يعينك ...
-لا تخش عليّ .. ستطبخ لنا افتخار
وبقية البنات ...
-إذن أرجو تأجيل ذلك إلى يوم الزواج
... غداً .... إن شاء اللّه بوغتوا لهذا التحول " تأجيل الزواج " فشرحت
لهم :
-زوجتي لن تقل شرفاً وكرامة عن أية
عروس في قريتنا .
والواجب يقتضي الحفاظ على علو
منزلتها ورفعتها . لذا لا يجوز التقليل من شأنها ولا يمكنني الموافقة على إكمال
مراسيم الزواج دون تجهيز كامل ...
-ما الأمر يا كاكا حمه ؟!
استفسر عم مصطفى فأردفت :
-أعدوا للخانم ملابسها وأشكروها ...
-لماذا ؟! ماذا جرى ؟
هتفت أمي بخوف فقلت بحزم :
-سننزل الساعة إلى المدينة، لنشتري
كل ما يلزم هدهد من ملابس ومصوغات وحاجات أخري .. جديدة ..
-بارك اللّه بك يا كاكاحمه .. اللّه
يفتح عليك ... صاح عمي حسن مستحسناً . وتلته بشيرة ثم تعالت كلمات الثناء والإعجاب
والتقدير .
واعترض عم مصطفى بطيبة :
-لا تبذر مالك يا بني .. يكفينا هذا
..
كدت أرد فتدخلت أمي بحدة :
-لا يا مصطفى ... هداية ابنتنا
الحبيبة . وكاكا حمة على حق .. ولقد رزقه اللّه بسببها .. سنشتري لها كل ما ترغب
وسنقيم حفلاً لن ينسى .. أنه عرس أبني الحبيب .
-صحيح يا أمي . هداية تستحق كل خير
.. سنقيم الحفلة غداً ... حفلة كبرى .. ياجماعة، سنقيمها غداً ....
صدح صوت بشيرة المبتهج . وهتف نصار
بفرح :
-سأزين المقهى والساحة المقابلة ...
-بالرفاء والبنين .. بالرفاء والبنين
..
ارتفعت الزغاريد بعد كلام عمي
وتهانيه . وشدّ الرجال على يدي وهم ينصرفون تباعاً . ولحق بهم عم مصطفى . سمعتهم
يتهامسون .. وحدَست أنهم يتفقون . وحين ألححت على أمينة وأمي بضرورة التهيؤ،
للنزول إلى المدينة . تكلمت هدهد لأول مرة وهي تبتسم بملء شدقيها.ويدها تستعين
بحركة معبرة :
-كاكاحمة، أرجوك .. اصرف النظر عن كل
شيء ..هذه الأشياء التي تريد شراءها لا تجلب السعادة . لا أريد شيئاً سوى محبتك لي
وإخلاصك ...
يمتلئ صدري بهجة وتدمع عيناي من فرط
السرور ... أهرع بأخذ يدها و أصارحها :
-يا حبيبتي، أصبحت زوجتي بشرع اللّه
. سأهبك عمري فما قيمة هذه الأشياء وبالأمس رزقني اللّه من أجلك، ببركاته ..
-ما قالته هداية عين العقل يا كا
كاحمه . جلب الرجال هداياهم وسيجلبون المزيد، وهو ما يكفينا وزيادة ... أيدتها
أمها . فأعلنت بشيرة رفضي على لسانها
-مشكورين يا خالة أمينة ... الهدايا
لن تحول بيننا وبين إداء الواجب ... حق هداية لا يجوز التفريط به يا خالة أمينة ..
وما سنشتريه لن يكلفنا بالتأكيد أكثر مما تقدر الحبيبة هداية ... زوجة أخي ...
-هداياي سنختارها معاً... أنا وهدهد
...
اقترحت فإذا بافتخار تحتج :
-لا ... ياأخي .. لا .. لن نسمح لكما ..لن ندعكما تنزلان أنت وهداية أبداً ...
أدهشني اقتراحها وقبل أن أبدي رأياً،
رأيتها تغمز بعينيها لتضمن موافقتي . واستطردت :
-أولاً، اليوم عرسكما ..والتعب مرفوض
.. كما أن النزول إلى المدينة ليس سهلاً ..
-كلام العقلاء ..
أفنت هاجر زوجة عمي حسن وأكملت :
-أمسح وجهك بالرحمن ودع الأمر لغيرك
يا كاكا حمه .
-ماذا تقصدين ؟
سألتها فتطوعت بشيرة للرد :
-غداً صباحاً سأخذ أمي وخالتي أمينة
وافتخار، وتنزل مع يحيى . لنشتري كل ما تريده يا كاكاحمه .
رمقتني افتخار بعين منكسرة، وإن
تظاهرت بالفرح واللامبالاة . فاشتعلت الذاكرة .. شعرت بمعاناتها وعدت أسبر هواجسي
.. وصرخت في أعماقي .. يا مخلف البنات، حامل الهم للممات .
-وكل ما تطلبه هداية وخالتي أمينة .
قلت معقباً فهبت الخالة أمينة قائلة
:
-أنا لا أطلب شيئاً يا ابني .. لا
أطلب شيئاً .. هداية ابنتكم .. خذوها بثوبها
وهمست هدهد برقة ممزوجة بخجل :
-وأنا لا أطلب شيئاً ....
اقتنعت بخطة افتخار واقتراح بشيرة،
فوافقت . وأنا على يقين إن المال لا يتكلم فحسب بل يهدر ...
-لن نتأخر ..سنشتري ما يفيد وينفع،
ونرجع بسرعة . حسمت افتخار الأمر . واستسلمت الخالة أمينة :
-وعند المساء سنزفها إليك بعون اللّه
..
-فكن مستعداً ...
ضحكت النسوة لمزحة افتخار . وركب
الحياء هدهد .
( مثلما ركب عريفي إسماعيل -حين قال
له مجيد مداعباً :
-أكيد أنك أكثرت من تقليب النورة عند
العمل فتسبب بحرق الجلد .. وفاتني أن أخبرك .. نسيت واللّه .. إن كثرة تقليب
العجينة أثناء العمل، أو عند وضعها على الجلد، تزيد حرارتها . ويشتد لهيبها .
-والحل بماذا تنصحني ؟
-ليس هناك من وصفة غير ما ذكرتها لك
يا عريفي..
-نسيتها ..
-خذ قلماً وورقة وأكتبها، لأني لن
أعيدها عليك ثانية ..
-أمرك .. تكلم بسرعة .. تكلم ..
-ياعريفي .. اكتب .. اكتب .... يؤخذ
عدس مقشر ..
يسحق ناعماً ويداف به ماء ورد خالص .
ويطلى به الموضع الذي أثرت فيه النورة .. هذا كل شيء .. أمض بسرعة، أعملها وتعال
.... فلديّ أخبار جديدة مؤكدة عن فقيدة الفن وملكة الإغراء الأولى .
-صحيح .. باللّه عليك حدثني ...
-أهذا وقته رح الآن .. رح .
-أعطني رؤوس أقلام .. أرجوك ...
-ثبت يا عريفي، وبالدليل القاطع إنها
اغتيلت على أيدي رجال المخابرات الأمريكية .. ولم تنتحر كما أشيع ...
-صحيح ... حدثني بالمزيد .. من أين
حصلت ..
-سأحدثك فيما بعد ... الآن اهتم
بمصيبتك .. )
عدنا إلى البيت في حدود العاشرة ليلاً
. فوجدنا مفاجأة مبهرة بانتظارنا . أذهلت أمي وأججت غضبها.
كانت أبواب البيت والغرف والدواليب
مفتوحة على مصراعيها وحاجاتنا مبعثرة بصورة مخزية، وعبثية مما يدل على أن يداً
خبيثة فتشت كل شيء وفي كل مكان .. وأن الزائر الذي استغل خروجنا كان مستعجلاً ..
حزرت السبب فضحكت في سري ورثيت له لأنه خرج خائباً دون أن يجدما يبتغيه
-ما الذي حصل ؟ ! من فعل هذا ؟! من
؟!
-لا تهتمي، زارنا زوج أختك المحترم،
أو أحد كلابه بالتأكيد .
-ولماذا فعل هذا ؟ لماذا ؟
-ظن أنه سيجد أوراقه ... الغبي ...
تصورني غبياً مثله لأخفيها هنا .. نسي أنني كاكا حمه .. توقعت هذه الزيارة منذ
أخذت الملف ..فاته أنني أخذته معي إلى بيت عم مصطفى .. وبينما خرجت أمي تعلن ما
حصل، رحت أعيد ترتيب كل شيء مستعرضاً أثناء ذلك أسماء الذين يحتمل أن يكلفهم
السلماني أو الجمولي باقتحام بيتي لاستعادة الملف، وأفكر بطريقة الانتقام ....
جاء الرجال وعلى رأسهم المختار ....
أبدوا دهشتهم واقتراحاتهم .
-سأقيم القرية واقعدها .. هذه سابقة
خطيرة .
-لا حاجة يا مختار .. لا أريد مشاكل
... أعدك بأن هذا لن يتكرر -أعدك.
vvv
- 8 -
بعد ظهر اليوم الثاني، شعرت وأنا أغط
في النوم بأن هناك من ينادي . في الوقت الذي تضرب جزمته قائمة السرير.
استيقظت فواجهني يحيى ساخراً :
-مساء الخير يا عريس
مساء الخير !! أتمزح ؟
-اسم اللّه عليك ... الساعة الآن الثانية والنصف
...
-هل ...
-نعم . ذهبنا وعدنا وأنت في نوم
العافية . لم نشأ إزعاجك .
-وأين أمي ؟
-في بيت العروس . أوصتني بإيقاظك
لتفطر .. العفو لتتغذى جلبنا لك كباب
أربيل كي تتقوى .. ولتبدل لها هذه ... وضع على الفراش ثلاث علب كارتونية .
فسألته :
-ما هذه ؟
-أقفال، أوصتني عمتي بشرائها للدولاب
ولبابي غرفتها والدار .
-لماذا ؟
-لماذا ؟ !
-أرعبها حادث أمس وعزز مخاوفها ..
أصبحتم أغنياء .. والمال السائب يعلم السرقة .. والحرامي سيعاود هجومه بالتأكيد .
-ابد لها أنت .. ولا تزعجني .
لم استمع لتخرصاته ومزاحه . تركت
السرير ورحت أغير ملابسي واغتسل وآكل .. ثم أتلهى مع الدجاج . إذ أفرحني منظر
الأقفاص المكتظة بها .
-لا تدري كم اتعبتني عمتي، غفر اللّه
لها ! ما أن رأت أقفاص الدجاج في أربيل
حتى طارت فرحاً ... اشترت ثلاثين
دجاجة ! وحملتها أنا مضطراً .. وأجري على اللّه .
قال يحيى بتذمر ومضى .
جاءت أمي وبشيرة وبعدهما جلب سلطان
ما أوصيته من الورود. مما أوجب عليّ زرعها وتنظيمها .. وأخيراً دخلت الحمام لأغتسل وأعطر جسدي المتورم، المتسمم
وتلك الليلة ضجت القرية، بقرع الطبول ونقر الدفوف وعزف المزامير، ودبكات الرجال
ورقص النسوة، وغناء الصبايا وفرح الأطفال . وتطايرت في الجو أسراب الزغاريد .
بقيت في البيت بانتظار مجيء الزفة،
يتملكني الفرح وعذاب الضمير ، مترقباً أن
تأتي هدهد في موكب مهيب . مصحوبة بأمها وخالاتها .
انتظرت حتى جزعت . وطال انتظاري وكدت
أعود إلى الحديقة التي أخذت مني ثلاث ساعات بالتمام .. لولا الضيوف ...
( لا أدري كيف برز العريف مونرو
أمامي فجأة كالحلم، انتصب بشاربيه وعينيه الكبيرتين اللتين لا مثيل لهما في
معسكر الغزلاني، ولا في الموصل كلها .
جاء على غير العادة . فسد بقامته
المديدة فتحة باب المهجع العريضة . فحجب أشعة شمس الظهيرة . المتسللة إلى أسرتنا .
وحل محلها ظله العملاق، الممتد على طول الأرض الإسمنتية .
كنا عائدين تواً من ساحة التدريب .
مستلقين على فرشنا، منهكين . نثرثر ونمزح . نستمع لقفشات مجيد ولنكاته، واصطياده
البارع لسقطات الجنود، وأخطائهم وعثراتهم أثناء أداء التمارين، زلات ألسنتهم .
كان لسانه السليط، الطليق يروي دون
جزع، حين بوغتنا به يتلجلج .. ويتوقف . لأن حركة عند الباب أوحت بدخول أحد ..!
رفعنا رؤوسنا لنتبين هويته، ونحن
نتساءل من يأتينا في هذا الوقت ؟ وقت راحتنا ..
لم نميز العريف في البداية . ودفعنا
التعب و الدموع -التي تملأ العيون بسبب سخرية مجيد -إلى الظن، بأنه شخص أخر . لكن
سرعان ما تكشفت الحقيقة . إذا تقدم ببطء، وسبقه ظله مهرولاً ! تحرك على عجل فتسلق
الجدار المقابل واعتلى جزءاً من السقف الواطئ .
اقترب الجسد الطويل، الخشن منا،
فتوضحت ملامحه . رأيناه فخفقت قلوبنا، وانتفضنا دفعة واحدة . قفزنا إثر صرخة طويلة
مدوية أطلقها مجيد :
-حضرة العر .. يـ ... ف .. إسمـ ...
ا ... عيـ .. ل ..نهوض .
تساءلنا من جديد وبحرقة " ماذا
جاء يفعل ... ؟ "
وقف في وسط المهجع كأسد بابل شامخاً،
مهيباً .
ولأنه كان دوماً سيفاً مصلتاً على
رقابنا، ارتعشت أطرافنا .
في البدء، راز مجيد بنظرة ماكرة،
صارمة . بدا واثقاً أن هذا المكلف المشاكس، يسخر منه . وما صرخته إلاّ دليل ساطع .
لكنه تحاشى الاصطدام معه، خشية من مكيدة أخرى ... يوقعه بها ... وما أكثر مكائده
... !
تطلع إلينا بعينيه الواسعتين فأرهبنا
. حبسنا أنفاسنا بانتظار أن يعلن سبب قدومه . وكما تعودنا فهو أمر لا يسر بأي حال
من الأحوال ...
وتحت دهشة الجميع احتواني بنظراته .
أشعرني بأن لا يرى سواي في المهجع، فأرهبني . ولأنني أعرف فيه حمق الصلف والقساوة
فزاد ارتعاش أطرافي .
وعلى غير توقع مد كفه العريضة، وبسط
راحته باتجاهي . وأمرني بصوته الغليظ !
-احزم أمتعتك يا كاكاحمه، واتبعني .
لوهلة، خيل إليّ أنه أخطأ التشخيص .
أهتز بدني هلعاً ثم جمدت في مكاني مذعوراً كمن يضبط بجرم ...
ولأني الجندي الوحيد "العاقل
" بين الأربعين، لبثت صامتاً، ولم أسأله عما يعينه، وماذا يريد مني . وإن
أمتلأت نفسي بالهواجس والظنون . وتطلعت العيون صوب العريف ليقول كلمة أخرى يصحح
بها خطأه .
-ماذا فعل يا حضرة العريف المحترم ؟
كاكا حمه إنسان طيب وجندي مثالي ..!
تطوع مجيد للاستفسار نيابة عن الجميع
. لم يجبه العريف . استدار عائداً من حيث أتى يتبعه ظله .
وراحت جزمته تدق بعنف على طبلتي
أذنيّ، وليس على الأرض الإسمنتية!
وتفاقم ذعري حين همس مجيد مداعباً :
-جاءك الموت يا تارك الصلاة .
ومن آخر القاعة جاءني كلام مبهم
وضحكة مريرة . وسمعت كلمات تخدش المشاعر والحياء !
-أنا خائف يا مجيد.
-هل ارتكبت شيئاً من وراء ظهري، ولم
تخبرني به ؟
اعرفك، تتظاهر بالسذاجة لكنك من نسل
إبليس ..
-لا .. واللّه ..
-خلاص .. صدقت ..إذن لا تخف .. توكل
على اللّه وامض خلفه .. اجر قبل أن يعود ويعاقبك ابن الحرام .. بسبب التأخير ..
-تعال معي ...
-سآتي .. لأعرف السبب .. تشجع يا كاكا حمه .. تشجع
-تشجعت ...
ساعدني مجيد في لمّ " يطغى
"، وحزم أمتعتي القليلة . وحملها معي .
-لماذا طلبني ؟ أنا بالذات !
سالته بخوف فحثني :
-راجع ما عملته منذ استيقاظك صباحاً
حتى عودتنا إلى المهجع -صحيح أنني لم أفارقك لحظة ... لكن الشيطان مازال حياً يرزق
... ومن يدري فربما أظلمَ عينيّ فلم أره حين قادك إلى وكره .. راجع .. راجع عقلك
..
-سأراجع ... سأراجع ..
راجعت عقلي طوال الطريق إلى مكتب
العريف، فلم أجد ما يستوجب غضبه مني . خاصة وهو يعرفني، يعرفني جيداً ولطالما
نصحني بألا أساير " ابن الكلب مجيد هذا "
-أنا خائف يا مجيد ..
-لا أخفي عليك يا كاكا حمه . فأنا
خائف مثلك . لست مرتاحاً من هذه الدعوة
المفاجئة . وقلبي ينغزني لأن التاسع عشر من آب يوم نحس وشؤم . فيه أعدم الشاعر
لوركا . أجبروه على حفر قبره ليدفنوه فيه ! فعلى ماذا سيجبرونك؟
-لا أدري ...
وصلنا المكتب . ألقينا حملنا، وكدت
ألج فأوقفني مجيد. رتب قيافتي وأوصاني :
-لا تنسى التحية ... إياك .. يجب أن تؤديها لعريفك أبو الحق .. لقد حذرك
.. لا تنسى ....
-لن أنسى .
وعندئذ دفعني، أدخلني عنوة . وبقي هو
قرب أمتعتي واجهني العريف فارتبكت . لكني أديت التحية كما يجب ووفق تعاليم
الانضباط العسكري . ثم وقفت بالاستعداد
الكامل وحسب ما تقتضيه الأعراف قدمت اسمي ورتبتي ووحدتي . مما أفرح العريف فقال :
-أحسنت يا كاكا حمه .. لقد نجح مجيد
في تعليمك .
-منذ شهر وأنا أتدرب عليها ... على
إداء التحية العسكرية .
-عال ...عال ..والآن اسمع ... أنت
جندي جيد، وأخلاقك حميدة .. لذا تقرر نقلك من المعسكر.
-وإلى أين سأذهب ؟
-إلى بيت العقيد رأفت، في قلب الموصل
. اختارك لتكون مراسلاً له . سيأخذك السائق بعد قليل ... لقد زكيتك بنفسي . .
لم أتفوه بكلمة، فاجأني الخبر. لم
أفرح كما اعتقد ولم أشكره كما أراد ..زاغ بصري في أرجاء الغرفة بحثاً عن صور معبودته
ودهشت لأني لم أر شيئاً مما أخبرني به الجنود !
-إنها فرصتك .. فما رأيك ؟
انتبهت لسؤاله فصارحته :
-لست مرتاحاً وقلبي ينغزني و هذا يوم
نحس وشؤم، فيه أعدم الشاعر لوركا ...
دهش العريف فوقف على قدميه مستفسراً
:
-من هو هذا " اللوكا " ؟!
-لا أعرف ...
-لا تعرف !! هذا كلام أكبر من رأسك
... ألم أقل لك لا تساير ابن الكلب هذا ..
هيّا اخرج ... سلم حاجاتك للمخزن وانتظر السيارة .. هيّا، قال لوكا قال استدرت
لأخرج فذكرني :
-التحية .. أدِ التحية يا كاكا حمه
!!
نسيت من جديد ! تبسمت له معتذراً
وقلت :
-السلام عليكم ..
فإذا به يزعق كالمجنون :
-التحية !!أدّ التحية العسكرية وأخرج
..ليأتني مجيد فوراً ... أديتها على عجل وخوف، وخرجت ...
استقبلني مجيد . نقلت له رغبة العريف
فزفر :
-ليذهب إلى الجحيم . إنه يريد سماع
أخبار محبوبته الراحلة . بشرني أنت، طمئني، ماذا يريدون منك ؟ أخبرته فصاح عجباً :
-العقيد رأفت !! احذر يا كاكا حمه .
فهذا حلو اللسان كافر القلب.. قائل ...
-وماذا سأفعل ؟ هل أرفض ؟
-لا .. اسمعني جيداً يا كاكاحمه،
إنها حقاً فرصتك التأريخية كما قال أبو الحق العزيز ...
-لم افهم ..
-عريفي مونرو لم يخترك اعتباطاً .
إنه يبعثك كرأس حربة . يريد أن ينتقم بك من العقيد . لا تستغرب، إنها قاعدة معروفة
هنا ومثبته . فمن يختاره الضابط بنفسه كمراسل، فلا غبار عليه . أما اختيار العريف
فألف علامة استفهام تثار حوله ....
ظل يمازحني بكلمات بذيئة، ويحثني على
ارتكاب المنكر . وأنا أسلم للمخزن كل ما استلمته سابقاً، وبعد خروجنا، ولما وبخته
أخذ يلح بخبث ويشرح لي . وتملصت منه بعد جهد .. ونحن نصل بوابة المعسكر حيث وجدت
السيارة بانتظاري
-واللّه غليت قلبي . فلا تنس أن
تطمئننا . ابعث لي أخبارك بين فترة وأخرى، بيد السائق ...
ودعني ...فصعدت دون كلام بجوار
السائق .
الذي استقبلني بغيظ، معاتباً :
-السلام للّه يا حجي كاكا !
وحين لم أرد أسمعني كلاماً خشناً، لم
أسكت عنه . أخرسته بحدة فازداد غيظاً وامتعاضاً .
-ما بك ؟ وجهك وجه إبليس ! ابتسم
للدنيا يا حجي كاكا ... ابتسم .. واضحك لها تضحك لك .... أنت في الطريق إلى الجنة
... ذاهب أنت إلى بيت العقيد ... لا إلى غرفة الإعدام !! إنهم لم يختاروك عبثاً
... مبروك .. ستشبع " حلاوة " وتتخم " باللوز " .. مبروك لنا
. سيتحسن نسل جيشنا المقدام !
أغضبني فحاولت ردعه . وبخني مدعياً
المزاح ... ثم راح يغني أغنية فاحشة . وبقيت ساكناً، ساهماً .
عند باب البيت العامر أنزلني، وراح
يسبني . لم يتح لي فرصة الانقضاض عليه، وتلقينه الدرس الذي يستحق .. انطلق بسيارته
هارباً ..!
استقبلني عامل الحديقة ببرود . وهو
جندي من الجنوب . ألتقيته في المعسكر مرات عديدة . وفي الموصل مرة، حين نزلت مع
مجيد لشراء بعض الكتب ...
أخذ متاعي القليل وأدخلني إلى
الصالون . حيث كانت " إلهام " تنتظر على أحر من الجمر ...
اختض بدني بشدة . ارتعشت ثم جمدت
مذهولاً، مرتبكاً، وأنا أراها ! شابة في الخامسة والثلاثين . طويلة ممتلئة . وجه
أسمر جميل وعينان براقتان، واسعتان تضجان بالكحلة وشفتان كحبتي الكرز !
بهرتني روعتها وأدهشني قميصها
المزركش الملون !
وصدرها الصارخ . وتنورتها القصيرة،
السوداء . التي تكشف عن ساقين ممتلئين .. رمقتني بنظرة متعالية فشعرت بالاضطراب .
وكأنها قرأتني، فلانت . وكما فعل العريف مونرو فعلت هي . احتوتني بنظراتها
الغريبة، الفاحشة، فنفذت في أحشائي .توغلت
داخلي بعيداً، فأحرجتني . أشعرتني إنها لا ترى بشراً، ولم تر مثلي من قبل !
-ما اسمك ؟
-كاكا حمه سعد اللّه
-وعمرك ؟
-بعد شهر سأدخل في الخامسة والعشرين
...
ضحكت، قهقهت بصوت عال ... وراح ثدياها
يتلاعبان في صدر مكشوف نصفه .
-بعد شهر !!
-نعم ...
-هل يخصك يوسف الصديق بقرابة ؟
لم أفهم قصدها فسكّت فواصلت ضحكها .
-سمعت أنك في مدرسة محو الأمية ! هل
تعلمت القراءة والكتابة ؟
-قليلاً .. أعرف كل الأسماء والأرقام
.
-جيد ..هذا يكفي لتصبح وزيراً ...
لماذا لم تتعلم في طفولتك ...؟
-لا يوجد مدرسة في قريتنا ..
-ولِمَ ؟
-السلماني لا يقبل ..إنه الأغا منير
.
-وأين تعلمت السباحة والركض
والمصارعة والوثب العالي والعريض ؟ !
-في معسكر الغزلاني .. اختارني
الملازم علي ودربني ..
-أعرف .. فزت بها كلها ... وكنت
الأول في جميع الألعاب .. لكن لم اعتزلت ؟
لم أزل مبهوراً بما أراه . لم
أجاملها حتى بابتسامة اعتقدت أن حديثها وحركاتها، لا يتناسبان مع وقارها كزوجة
ضابط .
-اعتزلت !! هم الذين أبعدوني عن سباق
الجمهورية .
قالوا : إن اسمي ...
-كفى ... كفى ..فهمت ..فهمت .. لا تدوخني .
قرأت ملفك جيداً .... أطلعت على كل
التقارير المرفوعة عنك ... وكلها تشيد بأمانتك واخلاصك، وتفانيك في العمل ...فرضيت
بك حالما عرضك عليّ رأفت .
فيجب أن تكون عند حسن الظن بك ....
خفّت بهرة الروعة وغدا الصدر المكشوف كحائط أملس، لا حياة فيه، بالنسبة إليّ
.! وصممت أن أجعله أمراً عادياً كي لا أموت بذهولي . لكني تذكرت قول مجيد "
انتظر سيصير العادي خارقاً ويصبح المألوف
مدهشاً "
فاستعذت باللّه .
-إنه الكلام ذاته، الذي أسمعني إيّاه
العريف إسماعيل .
-هو الذي رشحك لرأفت ..يبدو أنه يحبك
...
-إنه لا يحب أحداً ...
-إلاّ مارلين مونرو .. حدثني رأفت عن
غرامه بها...
قل لي يا كاكا حمه : لماذا لا تؤدي التحية العسكرية ؟
-أحياناً ..أنسى رفع يدي ! أتصورهم
إخوتي فأكتفي بلساني .. بالسلام فقط
-ولم خرس لسانك عند الدخول ... دخلت
عليّ كالأبله، دونما تحية أو سلام ! أنا لا أحب ذلك ... فأرجو ألا تخرس أمامي
ثانية ...
-هل أؤدي التحية العسكرية هنا ؟
-أنت لم تؤدها هناك... فكيف بك هنا
... ؟!
-هل أؤديها، فهميني ؟
-أمامي لا .. أمام رأفت نعم .
-ومن هو رأفت ؟
-عجيب أمرك ... إنه سيدّك العقيد !
صاحت بهزء . ورمقتني من جديد بنظرة
زهو . وبرقت من عينيها إشارات تحذير ونذير . ثم نفخت نفساً كاوياً وأمرت :
-اذهب الآن إلى غرفتك .. إنها هناك
في الحديقة . استرح بعض الوقت .. وسأناديك ..وأرجو ألا تتعبني . .
-هل أنام مع الآخر ؟
-لا ...هذا الجحش سيترك لك الغرفة
... ويعود إلى الثكنة .. طردته ..
...
استيقظت على أصوات الطبول والمزامير
.
نهضت مستغرباً وسألت نفسي "
ماذا يحدث ؟ وعلام هذه الضجة وهذا الصخب
؟"
حملت جسدي الذابل، المتسمم . وتفرجت
عبر النافذة .
وإذا بزفة هائلة ! موكب عرس مثير،
يخترق الشارع الرئيس ويتقدم نحو دارنا .
-ما الأمر ؟! ماذا يحدث ؟
تساءلت من جديد وعيناي تحدقان بذهول
.
وزاد من استغرابي وذهولي، رؤية أمي
وأختي ترقصان في المقدمة ! تملكني نوع خاص من الغضب !
إنها المرة الأولى التي أراهما
ترقصان في حياتي . غضبت حقاً . وتأجج عنفوان حميتي وكرامتي .
وهمّمت بالخروج لتأديبهما لولا أن
وقع بصري على هدهد مرتدية ثوب العرس .
(ودخل مجيد بجلباته الأبيض حاملاً
كتاباً ومجلة .
وهتف : - مبروك .. مبروك يا كاكا حمه
.. جئتك بخبر علمي يفيدك ...
فتح المجلة وشرع يقرأ :
-بعد سنوات مضنية من الجهد
والمثابرة، تم اكتشاف الجين المسؤول عن
الإصابة بمرض فقد الذاكرة ...
ضحكت على حالي، ولطمت جبهتي .
ولبستني رغبة جامحة في الهجوم على هدهد ... غير أني أسرعت، أغسل وجهي وأسرح شعري
.. ووقفت أمام المرآة استقرئ صورتي لثوان ... ثم انطلقت خارجاً لاستقبال عروسي .
vvv
- 9 -
أحسست وأنا أترك السرير قبل الفجر، بنشوة
الاحتراق المقدس، وبنشاط وحيوية فائقين !
كانت هدهد تغط في النوم، متكورة على
نفسها كطفلة صغيرة، ويدها تحت رأسها كأنها تحرس خرقة الدم . التي " تضطجع
" بأمان تحت الوسادة، حتى مجيء الخالة أمينة لتأخذها . كي تمررها على عيون
صديقاتها ومعارفها، متباهية بشرف ابنتها المصون !
قضينا ليلة رائعة . استمتعنا بحديث
الأماني والتمنيات . ولم تنم هدهد إلاّ قبل ساعة فقط . بينما جفاني النوم وبقيت
ساهراً . دون أن يغمض لي جفن ..
-هل أنت راضية، مستأنسة .
هكذا سألتها بالأمس ونحن ننفرد في
غرفتنا بعد العشاء ...
-كل الرضا، وسأكون خادمة مطيعة .
-اسمعي يا هدهد، أنا لا أريد خادمة .
أنا أريد طفلاً . تزوجتك من أجل ذلك .. فلا تخيبي ظني ...
-سأبذل جهدي، يابن عمي . وبفضلك
ومعاونتك لن يعيقني شيء عن إسعادك، إن شاء اللّه ..
استرجعت حديثنا الأول ونزلت إلى
المرآة بخفة .
حرصت على الهدوء والتصرف بما تبقى لي
من عقل، كي لا أزعجها أو أثير مخاوفها . فهي كأي أعمى، نافذة البصيرة متحفزة
الأعصاب، شديدة الانتباه لكل ما يجري حولها .
وقفت استطلع بالمرآة ماطرأ عليّ
وأستبين بها ماجدّ وتغير، بين أمس واليوم . لاحظت ازدياد شحوب عينيّ وأصفرار وجهي
! بينما بدأ الورم الذي خلفه الثعبان، يخف ويتلاشى . فثارت ثائري، استدرت فواجهني
الوجه الجميل .. اشتهيتها وكدت أجن ...
كانت عزائزي مثارة، ولم تكن بحاجة
لمن يثيرها ... لكن ألماً خفيفاً في رأسي منعني من ايقاظها . وأقنعت نفسي بأن
الأيام طويلة .. تكفي وتزيد .. ارتديت ملابسي وخرجت ... غادرت البيت دونما هدف !
وجدت نفسي أقف وسط ساحة القرية، بعد
ثوان فقط . احترت ماذا أفعل ! وإلى أين أتوجه !
كنت ضجراً والسماء كانت ناصعة،
تتلألأ نجومها وتبرق بشكل مثير . ملأت صدري هواء وتنفست بعمق.
سمعت نقيق الضفادع وهي تودع البشر،
لتسبت .
فتذكرت أمي، اشتقت لها وترددت في
الذهاب إلى بيت المخرف، حيث باتت أمس . تركت دارنا على الضد من رغبتي . وذهبت
لتنام مع أختي بشيرة . لتتيح لنا أكبر قدر من
الحرية، في ليلة عرسنا الأولى ..!
أنجزت أربعة أعمال مهمة منذ عودتي .
وبقيت أمامي عشرة أوأكثر . وعليّ إنجازها قبل " الموعد " وقبل "
انقضاء فترة الهدنة "
بالأمس، فكرت وأنا على الفراش وهدهد
تمازحني، بالبئر ! وقررت البدء في حفره وسط الأرض الشرقية ... وذلك بعد تنظيف بئر
المختار، في أرضه المحاذية لأرضي .. قررت ثم ارتأيت ضرورة تأجيل الحفر والتنظيف ..
والشروع في تنفيذ وعدي لعم مصطفى .. واقتنعت أن الوقت مازال مبكراً على البئر ..
ويجب الالتفات إلى ثور السلماني ...
فلقد تمادى في غيه كسيده تماماً .
وآن الآوان لوضع حد لاستهتاره .
أدركت أن الواجب يدعوني أنا دون غيري
لتأديبه، كما أدبت سيده. فكفى ما عمله من فضائح إلى حد الآن ... كفى اتجهت إلى
حظيرة المختار، الخالية من الحيوانات منذ ما يقارب السنة . بعد بيع أغنامه السبعين
دفعة واحدة، إثر خلافه مع موسى، الذي كان يتولى رعايتها ...
اضطررت وأنا أدخل على عجل للانحناء،
كي لا يصطدم رأسي بسقف الباب الواطئ . لكني لم أتخلص من الروائح الكريهة . الروث
وبقايا الخراف والرطوبة والهواء الفاسد ... ولم أجد مفراً من التقدم بحثاً عما جئت
من أجله .
كان خم الدجاج فارغاً . وتناثرت
الصحون والأواني الفخارية على مدار أرضه التي تحتل جزءاً صغيراً من الحظيرة
لاتتجاوز العشرة أمتار . وعلى أعمدته الخشبية وقوائم المرابط نسجت العناكب بكثافة
غريبة، شباكها الواهية، وكذلك فالزوايا والرفوف وظهر النافذة الصغيرة المغلقة، لم
تنج من دنس الشيطان ..
تقدمت فبرز لي خيال " أحمد " فجأة !
تمثل أمامي بوجهه الضاحك .. ثم برقبته المدماة ... فزعت فبكيت .. بكيت بحرقة !
أحمد كان صديقي . ولدنا في أسبوع
واحد ونشأنا معاً . هنا كنا نلعب، ننظف البقرات ونحلبها . نملأ السطول ونتسابق في
حملها إلى المطبخ الواسع . حيث كانت أمه
الراحلة وخالتي مريم قبل زواجها، تغليان الحليب وتصنعان الجبن و " الروبة
" واللبن المصفى، والزبدة بصورة أفضل مما تنتجه الخالة أمينة .
بكيت أحمد، الذي غرّر به الشيطان،
ووسوس له بأن يتجاسر، وينتهك شرف أبيه . ويلبسه ثوب العار طوال عمره . أحمد الذي
ماتت أمه بسببه، ولفظ جده أنفاسه بعد شهر وهو يلهج باسمه .
تذكرت الجد العجوز " أبو لحية
التيس " والنظارة الطبية البيضاء . التي داسها الجنود بأحذيتهم الثقيلة .
وتذكرت جدته التي ماتت قبل أسبوعين
أو أكثر . وتراءت لي عصاها الخيرزان -الموروثة عن زوجها -وهي تنهال على ظهورنا
بسبب أو بدونه، فتلسعنا ..
كان بيتنا القديم المهجور بسبب الجن
لصق بيتها .
الأمر الذي ظل يغرينا -أنا وبشيرة
-على التفنن بسرقة دجاجات العجوز التي ولعت بتربيتها . إضافة إلى الاستحواذ يومياً
على حصتنا من البيض الكثير، والمتراكم .. كنا نبتكر من أجل البيض ما لايستوعبه
العقل ... نبتكر خططاً جهنمية لنيلها ! نتسلل، نحفر، نتخفى، نخلع القفل والمزلاج،
نكسر الباب، نزيل عيدان السور وخشبه، نعمل فتحة، أو نثقب الصفائح الجدارية ! .
وأخيراً أهتدينا إلى حل إثر الحصار الشديد والمراقبة الصارمة ...
كنا نربط حبة " قمح "
كبيرة أو " ذرة " بخيط وندليه من السطح .. وننتظر أن تتكرم علينا دجاجة
غبية وتلتقطها. مما يسهل علينا سحبها إلى الأعلى ..نصعدها بسرعة عجيبة ونذبحها
بعيداً عن عيني خجة اللامعتين .
كنت أحب الجد أكثر من العجوز، أخت
جدتي .. وزاد حبي له حين لقنني درساً لن أنساه، به ختمت فصول السرقة . إذ لم أمد
يدي بعد ذلك إلى شيء لايخصني .. مازلت أذكر كل شيء بالتفصيل ... فذات صباح ماطر،
تسللت كعادتي لأخذ البيض. بعد أن تأكدت تماماً من سلامة موقفي .. فالكلب غداً
صديقي ... يعرفني ويتشمّم رائحتي عن بعد، ويهز رأسه مرحباً بقدومي .. لا يمكن أن
ينبح ويثير ضجة تتنبه إليها العجوز قبل الجميع .. كما أن هدأة الفجر والخيط
الأسود، وسكينة الدجاج، كانت تساعدني إلى حد كبير، مع خفة الثعلب الماكر التي
أتقنتها . تسللت بيقظة وحذر وملأت جيوبي، تماماً كما أفعل كل يوم . وهممّت
بالخروج، فإذا بي أباغت بعصا الخيرزان تعترضني ! ثم ظهر الجد بملابس النوم وبشعره
الأبيض الحاسر وبوجهه الصارم ....وبدا واضحاً أنه كان يراقبني منذ لحظة وصولي ...
خفت أن يضربني أو يوبخني ... لكنه لم يفعل !
حتى أنه لم يسألني عما أفعل هنا وكيف
دخلت، ومن أجاز لي الدخول . لم يبدر منه ما ينبئني معرفته بالسرقة ..!
بكل طيبة وذكاء ودون أن يجرح شعوري
-وأنا ابن الاثني عشر ربيعاً -مازحني ليخفف من رهبتي ... ثم تعمد كسر البيض في
جيوبي ! ففي غفلة مني لطم جيوبي الممتلئة براحة كفيه، بحركة سريعة قوية مباغتة .
ومضى دون كلام ! ابتعد عني ساخراً في
أعماقه وتركني في موقف لا أحسد عليه .
لقنني درساً بليغاً لن أنساه ما حييت . وأكمل أبي الدرس . حيث لقنني "
فلقة خالدة " بسبب ملابسي الملوثة
بالبيض . والتي لم أكن أملك غيرها
وأيقنت حين عرتني أمي ودثرتني
ببطانية سوداء، وتطوعت بشيرة لغسل القماش القديم، الذي لم يجف بسبب البرد إلا بعد
ثلاثة أيام، أيقنت أن الجد لم يتركني عبثاً .. بل " كلف أبي " ووكله
بمهمة الحساب، دون أن يتدخل أو يفتح فاه ..
ترحمت على روحه وروح الجدة " أم شوارب
السخلة " وعلى روح صديقي أحمد . ثم فتشت عن الحبال والمسامير والمطرقة
الخشبية الكبيرة، أخذتها مع أربعة قضبان حديدية قصيرة . حملتها صوب شجرة الجوز
الضخمة . الواقعة على يمين بيت السلماني ..
اخترت المكان المناسب . نظفت الأرض
جيداً بحذائي وبيدي، وثبّت القضبان والمسامير، وجلست لأستريح فارتفعت في تلك
اللحظة زقزقة العصافير وهي تكبر للإله . ومن ثم وهي تحوم بين الأغصان والحشائش .
هدني التعب وتقيأت . وعاودني الصداع
فغفوت .
مرّ أحمد وأمه وجدته مع أختها وأبي
وأخي رحيم، وهبة وخالد أمام عينيّ مروا يضحكون ويبكون في آن واحد ..!
عجبت . أردت سؤال الباكين عن سبب
بكائهم، والضاحكين عما يضحكهم فلم أقدر . إذ نهضت على صوت هادر رن في أذنيّ :
-ماذا تفعل هنا ؟ ما بك ؟
فتحت عينيّ بصعوبة، فألفيت أمي تقف
على رأسي هلعة مستلبة . قبل أن تنحني عليّ متسائلة :
-ما هذا ! لماذا جئت إلى هنا ؟ لماذا
؟
-صباح الخير يا خجة ..
-ما الذي حدث ؟ أتترك فراش العرس
وتنام على الأرض !
-جئت لأعمل ...
-تعمل !! أتعمل في صبحية عرسك ؟ ما
فعلها أحد قبلك ! أمجنون أنت ؟ هل جننت ؟
-لا يا أمي .. لا ....
-لماذا تركت البيت ؟ لماذا تركت
عروسك وحدها ؟ إنها لم تتعرف بيتنا بعد ...
-تركتها نائمة .... فلا تخافي ....
-لم أصدق حين أخبرتني افتخار بأنها
رأتك تغادر البيت .. أنهيت صلاتي وجئتك...
-هل حان وقت الصلاة ..؟
-ألم تسمع الآذان ؟
-لا .. لم انتبه ! وأنت ...
ضحكت قبل أن أنهي كلامي، قهقهت
عالياً . وبدورها ابتسمت كأنها خمنت ما يضحكني :
-أنت لم تغادري البيت بسببي .. قولي
: مالذي أخرجك في هذا الوقت ؟ كأنك لم تنامي ....
-مبروك عليك يا بني ... مبروك ...
تهربت من الإجابة .. وانحنت على رأسي
وقبّلته . استويت جالساً وأخذت رأسها، قبّلته مراراً وقبّلت يديها . وداعبتها :
-المخرف أزعجك .. أليس كذلك ؟
ابتسمت بحياء واعترفت :
-لم يغمض لي جفن طوال الليل . لم
يدعني أنام لحظة ... جن جنونه حين علم بوجودي ...
-ألم تتفقي مع بشيرة وافتخار بعدم
إخباره !
-لم يخبره أحد ولكنه شم رائحتي، كما
يقولون ! تعارك مع يحيى وضرب افتخار التي كانت تجري خلفه، تمسح قطرات بوله .....
شرب قنينتا حليب، وتعش ثلاث مرات !
-هل أسمعك رغبته السابقة ؟ وحبه
العظيم !
ضحكت وهي تجرني من يدي .
-هيّا ... انهض .... يجب أن ترجع إلى
البيت ....
-لم تركت بيتنا يا أمي ؟ ألم أسألك
ألا تفعلي !
-هيّا .. تعال .. عروسك بانتظارك ...
-دعيني أعمل يا أمي .. واذهبي أنت ..
خطيبك بانتظارك .. مازحتها فرددت:
-لعنة اللّه عليه .... تعال ....
تعال ...
حاولت عبثاً إعادتي معها ... غير
أنها اقتنعت بعدم جدوى محاولتها ... أقنعتها بعد جهد بالذهاب وحدها ... فذهبت وهي
تعلن استغرابها، عميق دهشتها لتصرفاتي ... فأنا " عريس " لم تمر ساعات بعد على زواجي ...
بقيت أتابع عملي .... وكدت أنهي
المرحلة الأولى لولا الحاج صالح زوج عمتي ... تناهى صوته عبر مكبر الصوت يقرأ
دعاء الصباح . فأفسد خطتي .. وحتمَ تأجيلها
.. أدركت أنهم سيزعجونني ...هو وبقية الرجال .... سيتتابع خروجهم .. سيأتون إليّ
.. يسلّمون عليّ ويباركون زواجي ويمضون .. وربما سيستغربون وجودي هنا . ويعلنون
دهشتهم .. كما فعلت أمي .... ولما كان الاختباء عن أعينهم شبه مستحيل .. فضلت
العودة إلى البيت ... إذ لم أجد مبرراً لبقائي...
اضطررت للعودة دون تحقيق كامل العمل،
الذي بدأته . وجدت أمي في المطبخ . تحاول إشعال النار في الموقد . لتهيئ لنفسها
إبريق الشاي، ولنا فطور " الصبحية " الذي يفترض أن تجلبه الخالة أمينة
... لكننا ذكرناها برفضنا المسبق، لمعرفتنا " عسر الحال" عندهم ....
أبديت مساعدتي لأمي فأبت ذلك .
دفعتني إلى غرفتي دفعاً .... هامسة في أذني بمحبة :
-مكانك هنا وليس في المبطخ .
أغلقت الباب وراءي بهدوء .. لم تشعر
هدهد بدخولي كانت تسبح في أحلامها ... تستغرق في نومها بارتياح وهناء.... سألت
اللّه وأنا أنزع ملابسي أن يديم علينا الهناء ... دسست جسدي في الفراش . التصقت
بها فتنبهت . تقربت مني أكثر ومدت يديها . راحت تجس بأصابعها . تتلمس ببنانها
أعضائي، كما فعلت أمس ! ولما اطمأنت إلى أن كل شيء في مكانه، احتضنتني بقوة .
-ماذا تفعلين ؟
-أتأكد من سلامتك ...
-لماذا ؟
-لأنني أسعى لأن أبصر من خلالك، ما
عجزت عيناي عن إبصاره .. أريدك أن تكون سالماً معافى دوماً ....
-لم أفهم ...
-... .
-قولي ماذا تقصدين ؟
-رأيت حلماً غريباً ؟
-ياسائر .. يا اللّه .. إن شاء اللّه
خير ... بماذا حلمت يا هدهد ؟
-سقط نابي الكبير العلوي ..!
-اسكتي اسكتي ... لا تعيدي الحلم
ثانية .... ولا تقصيه على أحد آخر ... أياً كان ..
-أمرك .. ابن عمي .... أمرك ....
همست باستسلام .. والطفت يدي ..
قبّلتها بحرارة .. والتصقت بجسدي كأنها تود الذوبان فيه !
vvv
- 10 -
تناولت الفطور مع أمي وهدهد، بحضور
أمها وبشيرة وابنتها . وتغديت قرب المسجد حيث مدت السُفر داخله بمبادرة من الملا،
الذي تطوع بإقامة وليمة كبرى للأهالي احتفاءاً بزواجي ...
حال وصولي توافد الرجال لمباركتي
وتقديم التهاني .... لم يكن عددهم كبيراً .. لكن ما أن حل الظهر حتى جاءت القرية
كلها ... جاؤوا قبل ساعة من الوقت المقرر للغداء ....!
اتسع المسجد بضيقه للرجال القادمين
مع أبنائهم -ولدقائق راح يسمع لهم لغط مكبوت كدوي النحل، سرعان ما تعالى همساً
وتصاعد لغواً وثرثرة حادين . وعندما تأخر " الأكل " بدأت علائم فقدان
الصبر تطفو على الوجوه ! وكادت تتحول إلى شيء كريه وتنطلق من اللسان .
وحين جلبت الصواني ابتدأت المعركة .
وشرعت الملاعق تضرب حافات الصحون، ومن ثم قعورها . وبدا رنينها الرتيب أشبه برنين
السيوف الصدئة، وهي تصطدم بالدروع ...
وطوال الوقت لم تتوقف طقطقة الفكوك وهي تمضغ الطعام، بشراهة وتلذذ . وكثر التلمظ
ولعق الشفاه ومد الألسن، والتهمت الأطباق ولعقت الصحون والكاسات، ومن ثم سال
اللعاب وارتفعت أصوات ارتشاف الشاي ...
لم احتمل ذلك . حاولت أن أصبر نفسي
فعجزت . ولم أجد بداً من أخذ صحني والجلوس في الخارج ...
بعد الوليمة، وبمساعدة عمي حسن، أقام
المختار حفلات ودبكات استمرت طوال اليوم ...
أبدي الجميع فرحتهم بزواجي .
فبالإضافة إلى تهانيهم وتبريكاتهم، دعيت إلى حفلة أقامها يحيى، إلاّ أني لم أطق
صبراً . لم أحتمل دعابات موسى السخيفة وكاد تنوري يفور بوجهه . فأمام جمع الأصدقاء
المدعويين لاطفني :
-أرجو أن توافق يا كاكا حمه على زواج
أمك من أبي ... وتسعى لإتمام الفرح . فأبي لا يطيق البقاء عازباً وخجة تسرح أمامه
وتمرح ... بالأمس جاءته متحدية فألهبته نيراناً حامية ... ثق بأنه سيكتب لها كل
أملاكه .
-قبل أن يفكر المخرف بالزواج، ليوقف
إدراره أولاً .
أفهمته بلغة صريحة فخرس .
وطال الحديث وتشعب . ولم أرغب في
البقاء أكثر ... اعتذرت بالذهاب إلى البيت ..
تسللت هارباً رغم مما نعتهم .
لا أدري كيف خطر بيت جدي المهجور
ببالي . قصدته والأفكار تتضارب في رأسي .. أفكار جديدة مع أخرى قديمة !
تخيلت وأنا في الطريق، الرعب الذي
ركبنا طوال سنين . حتى انتقلنا منه إلى بيتنا الجديد، تاركين كل شيء .. على حاله!
(( عند الباب رأيت جدتي تدب بساقيها،
مستندة على عكازتها . وتنتصب قرب العتبة . لم تزل حدوة الحصان معلقة على الإطار
الخشبي فوق الرأس مباشرة . خوفاً من العين الحسود وتجنباً للشرور ...
-يدبرها اللّه ..
همست بلازمتها المحببة، وهي تبتعد عن
طريقي ...
سمعت طرقات عصاها على الأرض، حتى
اختفت ))
أهتز رأسي، دار بحثاً عنها .. فلم أجد إلاّ
طيفها يحلق في أعالي السموات ... كحمامة بريئة ..مسالمة !
تشجعت .. بسملت ودخلت .
أشعلت المصباح (( فبانت لي عمتي
بتول، منكفئة على التخت تضحك . سلّمت
عليها قلم ترد ! هرعت إلى الحمام .. ودخلت فجريت، أسرعت خلفها .. ووقفت
أراقبها وهي تدلك قدمها بالحجر الأسود . ووجهها " بقرص السبتاج الأبيض ))
استفقت من غفوتي فاعتصرني الألم .
ترحمت على روح جدتي وعمتي ... فمازالت ذكرى الأيام الماضية، راسخة بين جوانحي،
منتعشة حتى اليوم .
دخلت الغرف وصعدت إلى السطح .. وحتى
لا تبقى الخرافات تسيطر علينا ... كان عليّ التخلص من هذا البيت ... لذا قررت هدمه
... سأستفيد من أحجاره بالتأكيد .. سأبنيبها سور الأرض الشرقية .
قررت ووجب أن أحدد الوقت واتفق مع
نصار ... واجهت سعدو عقب خروجي . صار أمامي وجهاً لوجه وهو يقود بغلته .. ويحمل
أكياساً ملأى بحاجات متنوعة، توحي بأعباء كبيرة، وبمسؤوليات أكبر ....
أقبل نحوي متردداً، مقطباً . فانتحيت
به جانباً .
قبّلني رغماً عنه وبارك لي زواجي
وكاد يمضي بعيداً .
فأمسكت كتفه، فذعر . تطلع إليّ
بعينين مدهوشتين، خائفتين . فسألته بلهفة ودون مقدمات :
-ابق معي ...
هالني ما شاهدت على وجهه من معالم
الأسى والحزن العميقين فقلت موضحاً لأخفف من روعه :
-أريد مساعدتك ...
سكت لحظة ثم سألني ساهماً :
-بأي شيء ؟
لم أكن مستعداً للشرح والإطالة :
اكتفيت بالقول :
-تعال وسترى.
-لا ... لا أستطيع .. عندي عمل مهم
.... يمكنك تأجيل ....
أعلن رفضه القاطع، فأزعجني . سحبته
بقوة فأختل توازنه وتكوم تحت قدمي وتناثرت أكياسه على طول الأرض .
اعترض بخبث . فتابعت غير عابئ
بمعارضته . نزعت سرج البغلة . رميته بعيداً وصحت به :
-أنت الذي ستؤجل أعمالك ... تعال معي
... هيّا ... مددت يدي، أعاونه لينهض
فاستفسر ملتاعاً ...
-إلى أين يا كاكا حمه ؟ ماذا تريد ؟
-سترى بأم عينيك ... فلا تخف ... قلت
لك أريد مساعدتك ... فأبق .. احتاجك لتساعدني ... استغرب، وقال ساخطاً :
-أساعدك !! بماذا يا كاكا حمه ؟
-لا تستعجل .. اذهب الآن ... احضر لي
خيطاً سميكاً ومخيطاً كبيراً ... ولا تنسى أن حريتك، حياتك بيدي . وسجنك رهن
إشارتي ...
بهت . دارت عيناه دهشة .. وتكلم
ونظره في نقطة غير محددة:
-ماذا ستفعل بهما ؟
سعدو الخبيث، المتهم بسرقة وكالة
الآغا، والذي أنكر دين أبي كان وسيبقى أكثر أهل القرية موضع ريبتي وشكي ...
-اجلبهما لي بسرعة ... وسترى نفعهما
.. هيّا اذهب وإياك أن تتأخر .. سأنتظرك
عند شجرة الجوز .
ساعدته في لمّ حاجاته .. وتردد في
الذهاب، فدفعته ... حدجني بنظرة ذعر ومضى ....
لا حقته بنظراتي، وأنا اتجه إلى الشجرة ... ورغم معرفتي
بخبثه وإمكانية غدره إلا أني كنت واثقاً من عودته ..
تفحصت القضبان والمسامير المحكمة
الإثبات . ولما داخلني الاطمئنان توجهت إلى بيت السلماني ...
غدا معروفاً للجميع ولع الشاب
المستهتر حسان، في دفع ثورة البكر للتحرش ببقرات القرية، بحجة إخصابها . ولأنه بدأ
يتحرش بعزيزة -بقرة سعدو المدللة -وانتقاماً لما فعله بعم مصطفى، وخشية أن يكرر
فعلته بالبقرات الثلاث اللائي سأشتريهن له، فكرت بحسم الأمر .
أعجبتني شجاعة عم مصطفى، حين وقف
بوجه حسان . صده بحزم وأهانه . تلاسن معه وكادت تنشب بينهما معركة حامية، لولا
تدخل المختار .... فض النزاع حين أيقن عدم جدواه وبعدما أدرك أن عم مصطفى لم يتردد في خوضها دون خوف
... مما شجع حسان على الاستهتار أكثر، وزاد من غطرسته . فأخذ يرسل ثوره، يقوده إلى
حيث ترعى البقرات، مما ولدّلهن جروحاً دامية، أثرت في مردود الحليب . وبالتالي
ولّد لعم مصطفى خسارة يومية . لم يتخلص منها إلاّ ببيع مصدر رزقه اتقاء للشر
وتفادياً للمواجهة المحتملة .. مع حسان ..
لم يشف غليلي ذلك الجرح البسيط، الذي
أحدثته في رقبة السلماني . تمنيت معاودة الهجوم وحز رقبته بالكامل، قطعها ..
ورميها للكلاب .. لن أنسى ما حييت ما فعله بي، إبان سلطته وعمالته لنظام
العصابات التي نصبها الانكليز انتقاماً من
شعبنا . بأمره تم حجزنا -أنا وأحمد وموسى -في كوخ صغير لمدة أسبوع بتهمة مساعدة
الأنصار .
وكان قد غطى أرضيته بالماء بعمق متر.
فتقززت رئتا أحمد . فأخذ يصرخ متألماً، يبكي ويتوسل، فأخرجوه وساوموه . فرضخ ووقع
عهداً بالوفاء والإخلاص للسلماني، وتعهداً بخيانتنا . نفذه بعد شهر .. وكانت السبب في ذبحه ..
منذ يوم الاحتجاز نبعت فكرة الانتقام
في صدري، وترسخت في ذهني ... واختمرت
بمرور الوقت .. ورحت أترقب الفرصة المناسبة للتنفيذ ..وهاهي تتاح لي .. الآن ...
أدبت السلماني أخذت حقي ... فجاء دور حسان ... لم يطمئن قلبي له بعد ...
مشيت بخفة وسرعة، إلى حظيرة السلماني
. كان الوقت ظهراً وحمودة كالعادة يتواجد في هذا الوقت، مع حسان في الوكالة .
عبر البوابة المشبكة رأيت البكر،
مربوطاً . يدور في مكانه بانتظار مجئ حسان
. كي يصطحبه في الجولة اليومية المقررة،
لغرض إشباع حاجاته الجنسية، وإطفاء شهوته المتأججة كالنيران، في موسم
التزاوج هذا ...
تقدمت، رفعت مزلاج الباب . أبعدت
الخشبتين الحاجزتين، واللتين كانتا تعيقان أية حركة يقوم بها الثور للخروج، فيما
لو استطاع التخلص من قيوده .... قطعت الحبل بسكيني . وقدت البكر بهدوء . بدا
مطاوعاً وكأنه اعتقد أنني سأفسحه بدل سيده ! وآخذه ليعتلي مؤخرات البقر ...
أصعدته إلى المكان المطلوب دون
الالتفات لصيحات سعدو المرعوب وهو يقترب هلعاً، مهرولاً :
-ماذا تفعل يا كاكاحمه ؟! ماذا تفعل
؟
-تعال ساعدني من أجل عزيزة ... من
أجل سلامتها ..
-لا.. لا قدرة لي ... لا أستطيع .
سلمني الخيط والمخيط . وانصرف
مذعوراً، وكأني أريد ذبحه هو ..!
ضحكت منه وراقبته . يفر، يسرج بغلته،
ويتوجه إلى بيته .
بهروبه توجب الإسراع . فمادمت وحيداً، فعليّ إضافة إلى الحذر، بذل
أقصى مالديّ من قوة . فالبكر ليس سعدو أو السلماني . وخفت أن تخونني يداي . أو
تبدر منه مقاومة عنيفة، يتولد عنها حركات تؤذيني، ولا أستطيع صدها أو تلافيها . أو
يصدر عنه خوار غير متوقع ينبه الآخرين .
قربته من الشجرة . حشرت رأسه بين
ساعدي، مسّدت رقبته . وانحنيت لأربط قوائمه .
لم يبد أية مقاومة، ولم تظهر منه
ردود فعل مضادة .
إلاّ أن الصعوبة كمنت في طرحه أرضاً،
ومن ثم ربطه بالحبال وشده في القضبان، والمسامير المثبتة منذ الصباح .
ربطته بإحكام، بعناء كبير .. وحسبتني
نجحت وسيتم الأمر بسهولة ... لكن ما أن
نغزت خصيته بالسكين حتى أطلق خواراً، لم
أسمع مثله طوال حياتي ... حتى عند الذبح !
أرهبني الصوت مثلما أرهبني منظر الدم
. انبثق بغزارة أكثر مما انبثق من رقبة السلماني، حين حززتها المنجل ... أخذ
يتحرك، يحاول الانتفاض، الرفس، وأنا منهمك في استئصال فحولته، دون الاهتمام
بمقاومته الضارية التي أسفرت عن انخلاع المسامير.
إذ انخلع المسمار الأول جراء حركته،
وتلاه الثاني والثالث . ثم أفلت القضيب الأول ! دون أن أولي ذلك أي اعتبار. لكن ما
أن تراءى لي القضيب الثاني يهتز، حتى خفت .
تملكني الخوف من نجاح البكر في
الإفلات من قبضتي، قبل الانتهاء من عملي .
انغمست يداي في دمه الأحمر . وتلوثت ملابسي، وتعبت سال عرقي،
تصبب على جبهتي بغزارة ...
-توقف .. توقف .. ماذا تعمل ؟
ضجت الصرخة المتوترة في أذني، فتلفتّ
لمعرفة صاحبها .
لمحت حسان قادماً والسخط يغلي في
شراينيه . لم أبال، تابعت عملي ... فقد كدت انتهي منه .. وبدأت في خياطة الجرح
الذي أحدثته . على الرغم من كل الحركات المستميتة، والمقاومة الضارية التي أبداها
الثور المدلل !
نفعني المخيط الحديدي والخيط الصوفي
المبروم، فراحت أصابعي تعمل بسرعة ومهارة ....
-ماذا فعلت يا مجنون ؟ ! ماذا ؟
صاح حسان وهو يقف على بعد خطوات مني
. مدهوشاً مرعوباً لرؤية دماء عزيزه البكر، الثائر المقيد .
-لماذا ؟ ما الذي حدث لعقلك ؟
صرخ
مستغرباً . وعيناه تتقدان جمراً .
وخشية أن يباغتني بالهجوم . شهرت
سكيني بوجهه:
-سأمزق صدرك ...
هددته وكدت أتقدم ناحيته، لولا فطنته
. تجاهلني واتجه إلى البكر ! في محاولة ذكية لإمرار الحادثة بسلام . انحنى عليه
ليفك رباطه، ويطلق سراحه .
-حذار .. حذار يا حسان ... لاتمد يدك
... إنه خطر ... خطر ...
زعق نصار من بعيد محذراً . وآكمل
آمراً مهدداً حسان من ارتكاب الخطأ الجسيم . وهو تخليص الثور من الحبال، قبل اخماد
مرجله .
مسحت يدي في التراب، ثم في ساق
الشجرة . ونظفت السكين .. وغادرت المكان مبتهجاً .
اعترضني نصار في الطريق .وواجهني
بعتابه :
-لماذا فعلت هذا يا كاكاحمه ؟ لماذا
؟
لم أرد عليه . مضيت قدماً إلى البيت
. فصادفت جوقة الراقصين، المتناثرة . توزع أفرادها بين ذاهل واجم، وقف يترقب وصولي، وبين فضولي مرتاب، هرع إلى حين تمدد البكر مضرجاً بدماء خصيتيه .
وبجواره وقف حسان هلعاً، محتاراً .
-هات الرماد .. الرماد ... اجلبه من
التنور ...
...
جاءني صوت نصار الآمر. ومن ثم مر
حمودة من جانبي مهرولاً ...
في اليوم الثالث من إقامتي، دعتني
إلهام إلى المطبخ . أرسلت ابنها ميسر إلى غرفتي قبل المغرب .
-أمي تريدك .. بسرعة .
قال لي كالببغاء . وذهب ليلازم غرفته
حتى الصباح .
حتى ذلك الوقت اقتصر عملي، على
التسوق . شراء ما تحتاجه السيدة الفاضلة إلهام، من حاجات نسائية خاصة بها . أما
حاجات البيت الضرورية فهي مهمة العقيد رأفت . إذ يبعثها يومياً بسيارة عسكرية قبل
العاشرة صباحاً .
عبرت الصالة الجميلة، ثم ولجت
المطبخ، فرأيتها!
فوجئت برؤيتها كعروس في ليلة زفافها
! أثار عجبي وجهها الملطخ ببهارج الألوان ! وشعرها المرتب، المزين بوردة حمراء !
وصدرها العاري !
صدر عريض مكشوف يتباهى بالثديين
الصارخين !
وساقان عاريتان لامعتان ! وثوب
" ململ " وردي خفيف، يكشف البقية الباقية من الجسد الرشيق، الملتهب .
-" اللّهم اجعلها بقرة "
تمتمت وأنا أتملاها بإعجاب، ودهشة .
-تعال .
نادتني بدلع فتقدمت . سحبت كرسياً
كما أشارت عليّ، وجلست أمامها بقلب يخفق حياءً ...
تقابلنا وجهاً لوجه، فأزداد خفقان القلب ... وبدأت أعرق من شدة
الخجل .
إنها المرة الأولى التي أجالس فيها
أنثى، على هذه الشاكلة .. وأية امرأة ..!
لم يكن يفصلنا سوى شبر واحد، حيث
سمعت زفير أنفاسها المتوتر . ولمحت بريق عينيها اللامعتين، اللتين أشعرتاني
بالرهبة .
استغفرت ربي واستعذت من شر الشيطان
الرجيم .
الذي حدست وجوده مستريحاً على رقبتي !
لدقائق بقينا صامتين ! راحت تتأملني
في شبق ووقاحة، وتأملتها في حيرة ودهشة . وتساءلت في سري " ماذا تريد ؟
" .
وعلى حين غفلة لوت رجلاً على رجل .
فبدا ما تحت الثوب ! فزعت، أحسست
بالكراهية لها، والمقت والاحتقار، تجتاح كياني .
استعذت باللّه من جديد وأبعدت
الشيطان عن رقبتي . وأزحت الكرسي قليلاً، وأدرت رأسي عنها حياءً وارتباكاً .
صحيح أن مجيداً كلمني عن مغامراته .
وحدثني عن النساء العاريات، اللائي نام وسهر معهنّ . لكني لم أر واحدة .. من قبل
.. لم .. واللّه ..
-ماذا بك ؟ لم أدرت وجهك ؟
قهقهت بعد سؤالها المستغرب .
التفتّ مضطراً وسرعان ما ضجرت من
عينيها، اللتين راحتا تنزان شظايا الرغبة الجامحة . وتفاقم ضجري حين أنامت عنقها
بغنج واضح على كفتها الأيمن وسألت :
-هل تجيد الطبخ والنفخ ؟
صمتّ، لم أدر بم أجيب ! إذ لم أعرف
قصدها بالضبط . لم أجد أية علاقة بين الطبخ، وهذا الصدر المضطرب !
-طباختنا العجوز، تركت العمل عندنا
.. اليوم ...
-وتريدين أن أحتل محلها ... أقوم
بمهامها ؟
-بالضبط .. أعندك مانع ؟
-أنا لم أدخل مطبخاً من ...
أخرستني بإشارة من يدها وأكملت :
-لم تدخل مطبخاً من قبل .. ولا تعرف
كيف يقلى البيض .. أعرف كل ذلك .. لا تهتم .. ستتعلم .. لا أحد خرج من بطن أمه طباخاً .. لا أحد ..
كانت عيناها الواسعتان مركزتين في
عينيّ ، حين همست بعد ثوان، بشفتين حمراويين رقيقتين :
-سأعلمك يا كاكاحمه .. ستتعلم على
يدي ..
-أتوافقون على أكل ما أطبخ ؟!
-توافقون !! من تقصد ؟ رأفت لا يأكل في
البيت .
فهو لن يأتي إلاّ مساء الخميس ...
ألا تعرف أنه يبيت في المعسكر ...
فغرت فمي دهشة .. فواصلت :
-لا يذهب عقلك بعيداً ... لا زوجة
ثانية ولا عشيقة :
سكتت . حدقت بي باستهزاء . وتنهدت :
-أتفهم ما يعني عشيقة ؟
-لا ... لا أعرف ...
استوت جالسة فاستترت . فغرت فمها هي
الأخرى مستغربة جهلي التام . وإذ تأكدت من صدقي عادت للقهقهة وبصوت عال! ثم
استفسرت :
-ألا تعرف حقاً أم أنك تمزج ؟
اضطربت .. شعرت بالحرج وأكدت :
-قلت لك لا أعرف .. يعني ... لا أعرف
...
قهقهت من جديد، وراحت تنظر إليّ بنهم
وشبق ... فتملكني الخجل والحياء قرأت في عينيها ما يدعو للحيرة والدهشة .
-ألم تقرأ ذلك في كتاب ؟! في مجلة !
في جريدة ؟!
-أخبرتك أني لم أعرف القراءة
والكتابة إلاّ مؤخراً .
-ألم تشاهد ذلك في السينما، في
التلفزيون ؟
-لا تلفزيون في قريتنا ولا سينما ..
-أمرك أعجب من العجيب، وأغرب ! قل لي
: ألم تسمع بامرأة " فاسدة "؟
-أنت تسألين كثيراً ... قولي : ماذا
تريدين ؟
-ماذا أريد !! لقد توسمت فيك خيراً
يا كاكاحمه . ومع ذلك سأبقيك .. سأدعك تنضج كالتفاحة ... سكتّ استوعب كلامها . خيل
إليّ إنها تستغفلني . تريد سبر معلوماتي . فلم أشأ إظهار غبائي ..
-تذكرت .. تذكرت " هبة " زوجة نصار . كانت
فاسدة فذبحها .. رأيته بعيني .... لكنه
أدعى بأنها هربت من القرية . لم تصدق . بان ذلك على ملامحها، وظهر على لسانها:
-عجيب !! متى حدث هذا ؟ متى ؟ هل
رأيتها حقاً ؟ عاودني الاضطراب شعرت باستحالة شرح الأمر لها :
-نعم .. . والسلماني شهد أنه رآها
تهرب
-من هوالسلماني ؟
-إنه الآغامنير .. عميل السلطة ..
كانت هبة تعاشره سراً ... لذلك ساوم نصار ..
-عال .. جداً عال .. قلت "
تعاشره " . يعني زوجة نصار كانت " عشيقة " السلماني ....
-عشيقة ولكنهم قالوا عنها : "زانية
" .
امتعضت .... لاح الاستياء على محياها
وهي تعترض :
-لا ..هناك فرق شاسع يا كاكا حمه ..
فرق شاسع ... العشيقة .. امرأة شريفة تحب رجلاً محترماً، وتقيم معه علاقة جنسية ..
دون زواج ..
-بالحرام أعوذ باللّه ..
هتفت مستنكراً فاستطردت توضح :
-المهم أنهما متفاهمان ... ولا أحد
يعرف سرهما ... لا أحد سوى اللّه .
-والشيطان .. لأنه دفعهما لعمل
المنكر .
-وأنت، ألا عشيقة لك ؟
-أنا !! استغفر اللّه .
أهتف بفزع فتضحك !
تقرقر حنجرتها بضحكة ماجنة . ويتراقص
ثدياها خلف قميصها الوردي الشفاف.
أصمت يلفني الذهول. وبغته، تستفسر
بخبث :
-ألم تقترب من امرأة، يلتحم جسدك
بجسدها ... ؟
تقيم معها علاقة ؟
صعقت لوقاحتها فصحت متنرفزاً :
-أنا لست فاسداً ... وعندما أنهي
العسكرية سأتزوج .
تزداد ضحكتها ! ويترقرق الدمع في
عينيها .
تصفق بيديها ساخرة وتقول باستهتار :
-أنت " كاكاحمه " فعلاً
... بحق وحقيق ...
تصمت لحظة وتسأل، والضحكة البلهاء
تملأ وجهها :
-اتنتظر حتى ذلك الوقت !
شعرت بأن الاضطراب بلغ عندي شأوا
يمنعني عن التفكير، ومجارتها :
وقفت أهمّ بالانصراف، فاستوقفتني :
-إلى أين ؟
وسألتها بدوري وأنا أتحرك، ابتعد
عنها قليلاً :
-ماذا سأطبخ اليوم ؟
لوت شفتيها بامتعاض . تنهدت بعمق،
وطردتني بإشارة من سبابتها :
-لا تشغل بالك بالطبخ . عليّ أن
أطبخك أنت أولاً يا شاطر ... "
vvv
Slot Review: All the games you need to know and a bonus for
RépondreSupprimerFor any player looking to take an easy ride from SlotCatalog, this is one 수원 출장안마 of the most 김포 출장샵 popular slot games. The 정읍 출장안마 game 통영 출장마사지 comes 안산 출장마사지 with a nice