jeudi 15 novembre 2012

الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي2



-25-

استيقظ الدكتور نادر مبكراً في الصباح الموالي. فتح عينيه داخل الغرفة البلورية المضاءة بأشعة زرقاء ناعمة فوجد نفسه على حافة الفراش الواسع. والتفت يميناً ليجد "كاثي" نائمة على طرف السرير بجانبه. كان منظرها وهي مغطاة بشعرها الذهبي تجسيماً للسلام والطفولة البريئة.
وكأنما أحست أن أحداً يراقبها، ففتحت عينيها الواسعتين، وابتسمت دون أن تتكلم، ومدت يدها نحوه فوضع عليها يده. قالت:
- كيف أصبحت؟
- بخير.
- أصابك كابوس مزعج، هل تتذكر شيئاً؟
- لا.
- أضطررتُ إلى إعطائك مسكناً حتى تكف عن الاستغاثة والارتعاش. كنت تسبح في العرق..
- غريب، لم أتذكر شيئاً!
ونهض من الفراش فوجد نفسه قادراً على الحركة دون ضعف. ودخل الحمام فاغتسل وحلق. وحين خرج كانت "كاثي" تنتظره بسلة في يديها. قالت:
- سنفطر في الهواء الطلق..
- فكرة حسنة.
وناولته قميصاً أبيض وبنطلوناً فارتداهما، وتبعها خارج الغرفة. انقفل الباب خلفهما آلياً فنظر الدكتور نادر حواليه ليرى ممراً طويلاً كأنبوب زجاجي لماع أضواؤه مدفونة في حيطانه كأنهار من سائل الفسفور.
وأدهشه المنظر الرائع الذي وجد نفسه أمامه.. بحيرة واسعة زرقاء يحيط بها الأرز والسنديان، وحولها شواطىء رملية أنيقة وصخور بيضاء عالية تلقي على الرمال الذهبية ظلالها الكثيفة.
ونزع حذاءه وانطلق نحو الرمل. ثم رفع قميصه وخاض الماء فأنعشته برودته. والتفت إلى كاثي:
- هذه مفاجأة سارة!
- هذه أرض المفاجآت..
- أين يقع "الجودي" بالضبط؟ لاداعي للغموض الآن. فقد قال لي الدكتور هالن كل شيء..
ودخلت كاثي معه الماء وأمسكت بيده. ونظرت إليه:
- أنت واقف فوقه!
- وأين المدينة الصاخبة وآلاف العلماء الذين تحدث عنهم هالن؟
أشارت بعينها إلى البحيرة.
- تحت تلك الصخرة يوجد عالم بأسره.. عالم في "كبسول" مصغر... يمكنك أن تسميه "جينا" حضارياً أو خليةً حية تحتوي على جميع خصائص الإنسان الذي يعمر الأرض الآن.. ولو مسحت حرب ذرية الوجود البشري بكامله اليوم، لاستطاع ما في قلب أن يعيد الحياة من جديد.. لنا وسائل مكافحة الإشعاع، وإرجاع الوظائف الطبيعية إلى النبات، والخصب للتربة، والنقاء للماء والهواء...ولنا القدرة على إعمار الأرض من جديد.. إلا أن الإنسانية القادمة ستكون أكثر انتظاماً، وأقدر على تركيز عبقريتها على الحياة بدل الخراب والموت.
ونظر الدكتور نادر إلى عينيها المتوقدتين حماساً، ثم وضع ذراعه حول كتفيها، وضمها إليه برفق وإعجاب:
- أرجو ألا يكون ما تقولينه من صنع الخيال..
- كل المشاريع العظيمة كانت من صنع الخيال... ولكن "جبل الجودي" حقيقة واقعه. وسوف ترين بنفسك... وهبت نسمة عليلة جعدت وجه البحيرة. وداعبت وجه نادر وعبثت بخصلات من شعر كاثي الحريري. واستنشق الاثنان ملء رئتيهما منه، قال نادر:
- آه! هذه هي الحياة.. لو بقيت هنا شهراً واحداً فسأضمن نقاء رئتي من سخام لندن!
وضحكت كاثي وقالت:
- ولو بقيت هنا أكثر لضمنت نقاء عقلك من فوضى العالم الخارجي!
وابتسم الدكتور نادر ثم قال:
- أنا جائع...
- لنفطر إذن.
وخرجا من البحيرة إلى حيث كانت كاثي قد فرشت إزاراً ووضعت عليه أواني الفطور فجلسا متقابلين..وشرد ذهن الدكتور نادر، وقد عادت إليه ذكريات تاج، فتجهم وجهه وكف عن الحديث..
في لمحة بارقة عبرت خياله صورة تاج قاعدة أمامه تحت نخلة., ورأى في عينيها السوداوين نظرة عتاب على نسيانه لها، واستمتاعه بممرضته الجديدة...
وقرأت كاثي ما يجول بخاطره، فأخرجته من غفوته الحزينة بقولها:
- أرجو أن تتماثل تاج للشفاء قريباً...
وأشاح عنها بوجهه وهو يحاول مقاومة شعوره، فأضافت:
- كن على يقين أنها تحظى بعناية أمهر أطباء الإشعاع. الشيء الوحيد الذي لا يستطيعون القيام به هو تحويل الرماد إلى مادته الأصلية..
وبعد لحظة صمت قالت مغيرة الموضوع:
- سيأتي رئيس مبرمجي القطاع الأنثروبولوجي للترحيب بك رسمياً على جبل الجودي وسيأخذك للفطور مع فرقته لتتعرف عليها، وتعرف مدى التقدم الذي حدث في ميدانك.
- هل سيكون الدكتور إيريك هالن هناك؟
- لا، ستراه بعد الظهر.
واستمرت تسرد عليه جدول أعماله للأسبوع القادم، وهو يستمع دون إنصات..
وبعد نهاية الفطور، جمعت الأواني في سلتها، وفتحت باباً في صخرة وضعت السلة بداخله حيث ابتلعها الظلام، ونظرت إلى نادر وقالت:
- والآن لنتجول حول البحيرة، إذا أردت.
وتمشيا على حافة البحيرة، ثم طلب منها أن يطل على العالم الخارجي فمشت به في طريق مرصوف برخام أحمر حتى نهايته، حيث أشرف من فوق صخرة على جرف شديد الانحدار وكأنه حائط عملاق.. ووقف ينظر إلى الأرض التي كانت بعيدة تحته وقد قامت فوقها صخور ملساء، كأنما انْحَسَر عنها مد الرمال، فبقيت واقفة بالعراء كموميات ضاربة في القدم. وطافت حولها العقبان والرخم، وعشعشت فوقها جوارح الفضاء...
ونظر إلى الأفق البعيد حيث تمتزج غبرة السماء بسراب الصحراء، فأحس كأنه في سفينة تجمد حولها محيط رملي هائج متوحش...
ودار رأسه، فأحس بمنبه حاد يوقظه من شروده دون أن يعرف مصدره. ووضع يده على قفاه حيث أحس المنبه، فلمس جسماً مسطحاً أجنبياً مزروعاً تحت جلده عند أسفل جمجمته.
ونظر إلى كاثي التي كانت تراقبه ببريق حاد في عينيها وقال:
- أكاد أقسم أن قطعة معدنية توجد تحت جلدي هنا...
- لا تقلق لذلك. نسيت أن أقول لك إنها طرف من علاجك.
- هل ستبقى هناك؟
- جميع العلماء هنا يحملون مثلها كذلك. ونسميها الملاك "الحارس"! وهي عبارة عن جهاز إرسال في منتهى الدقة والتعقيد يربطك بمعاذ، حيث تسجل جميع وظائف بدنك وذهنك. فإذا كان هناك خلل أو حركة غير عادية يرسل دماغك أمواجاً عن طريق "الحارس" إلى "معاذ" حيث تحلل في جزء من الثانية، ويرسل التنبيه إلى الخطر، أو يوصف العلاج أو الوقاية حسب ما يحدث..
- تعنين أن هذا الشيء سيبقى تحت جلدي دائماً؟
- سوف تنساه تماماً، كما تنسى ضرساً أو سناً صناعياً في فمك!
- ولماذا نبهني معاذ؟
- لابد أنك أصبت بالدوار من أثر الارتفاع، ويمكن ذلك أن يسبب سقوطك!
وعاد إلى شاطىء البحيرة حيث كانت الشمس تستحم داخل المياه الزبرجدية وتتخذ من سطحها الساكن مرآة هائلة.
ومرا بأفراد وجماعات من الشبان والشابات يسبحون أو يعرضون أجسامهم العارية للشمس، وكاثي تحييهم برأسها وتقدم بعضهم للدكتور نادر.
وسأل هذا وهو ينظر إلى السماء.
- إذا كانت هذه المنظمة لا يعرف عنها أحد شيئاً، ألا يمكن أن تُرى من الجو..؟
- أبداً! لقد استطعنا إخفاء الجبل بالأشعة السرابية اليت تجعل البحيرة والجبل يندمجان في الوادي العميق مثل أي كثيب من ملايين الكثبان الرملية في الصحراء..
ومر قريباً من الشاطىء مركب بخاري سريع يسحب وراءه فتاة تنزلق على الماء بمهارة عجيبة، فسأل نادر:
- ألا يشتغل هؤلاء؟
- هؤلاء في عطلة أو استراحة أو انتظار. العمل هنا يعتمد كثيراً على الفكر. وقد تنغلق الأبواب مدة طويلة عندما يصل الواحد إلى نهاية درب عقلي لا مخرج منه، فيأخذ عطلة للاستجمام والمراجعة...
ثم سرحت بعينيها نحو المركب المحلق حول طرف البحيرة البعيد، وقالت:
- بعض هؤلاء ينتظرون الوقت المناسب لعمليات التلقيح. الوقت المناسب بدنياً ونفسياً. وستعرف عماذا أتكلم عندما ترى حقلنا البشري.
ونظرا إليها دون أن يفهم:
- الحقل البشري؟
فحركت رأسها إيجاباً:
- نحن نصنع سكاننا الآن... نتحكم في ظروف الحمل والولادة والتربية...
- أتعنين أن كل ذلك يقع خارج رحم المرآة؟
- بالضبط!
وشرد خياله... وتذكر صخب المظاهرات التي اجتاحت لندن احتجاجاً على تجارب التناسل المخبري، وإنذار علماء البيولوجيا باحتمال نشوء جراثيم جديدة وخطيرة...
وجاءه صوت كاثي فأخرجه من تفكيره:
- فيم تفكر؟
وحرك رأسه نافياً كسولاً عن الشرح:
- لاشيء..
وأحس بضعف في بدنه، فعادت به كاثي إلى حيث كانا يجلسان.
وفي طريقهما سمعا أنيناً صادراً عن دغل كثيف، وحشرجة عنيفة كأن أحداً يقاتل مارداً جباراً، فتوقف الدكتور نادر ليستطلع الأمر. وسحبته كاثي من ذراعه وعلامة القلق والذعر على وجهها، وهي تلح على أن يغادر المكان. وتحول الأنين والحشرجة إلى صراخ حاد كأن إنساناً يعاني آلاماً مبرحة... وحاول نادر الانفكاك من يد كاثي ولكنه أحس بضعف أكثر فتوقف.
وخرج من وراء الدغل رجل لابس حلة رمادية ملتصقة ببدنه، وعلى صدره شارة رآها من قبل دون أن يذكر أين، وكانت عبارة عن مركب قديم فوق كرة أرضية.
كان الرجل ممسكاً قفاه بكلتي يديه، وقد تشوه وجهه، وغابت عيناه من الألم، وهو يجري في اتجاه باب مصعد.. وحين دخله انقفل الباب خلفه، ونزل المصعد بسرعة إلى أسفل...
ووقف الدكتور نادر ينظر مبهور الأنفاس إلى حيث كان الرجل، وقد زاد ضعفه للإرهاق العصبي الذي أصابه، وهو يراقب الرجل الغريب يتلوى كالحية المقطوعة الرأس! وكاد يسقط مغشياً عليه، فعانقته كاثي، وساعدته على البقاء واقفاً، ثم أخرجت عوداً صغيراً من جيب في صدرها، ومرت به تحت أنفه فعاد إلى وعيه.
ونزلا إلى غرفته حيث خلعت كاثي ملابسه وأدخلته فراشه.

-26-

وأفاق تدريجياً، فأحس بصدر كاثي الناهد ملتصقاً بظهره، وبذراعها تطوق خصره. وحين تحرك استيقظت هي الأخرى فاستدار ليقابلها. وبادرته بالسؤال:
- هل استرحت؟
وحرك رأسه دون أن ينطق، فأضافت:
- ذهب الضعف؟
فقبل رانفة أنفها وشفتيها.
قالت:
- الدكتور هالن قادم لزيارتك قريباً. ينبغي ألا يجدنا نائمين.
وقامت واختفت في الحمام، ثم عادت بصينية عليها فنجانان وإبريق.
وانفتح الباب، فدخل الدكتور هالن تشع الابتسامة من وراء نظارته البيضاء. فاقترب من سرير نادر وأمسك بيده وضغط عليها بحنان ثم جلس.
وجاءت كاثي فحيت الدكتور هالن بابتسامة، فقال هذا:
- هل يتعبك مريضك؟
- أحياناً!
ثم ابتسمت لنادر وقالت:
- لا، كنت أمزح فقط. الدكتور نادر مريض مثالي.
وجلست تصب القهوة. وضغطت زر الفراش فارتفع نصفه الأعلى وجلس الدكتور نادر، فناولته كاثي فنجانه. واحتسى منه رشفة، ثم وجه سؤالاً للدكتور هالن:
- هل من خبر؟
- تعني عن تاج؟
ووضع هالن الفنجان من يده وهو يقول:
- ذلك ما جئت من أجله. التقرير الطبي كان مشجعاً للغاية. تاج أصبحت خارج منطقة الخطر..
ودار رأس نادر وارتعشت يداه حتى كاد الفنجان ينذلق على اللحاف، فتداركته كاثي وأخذت منه الفنجان. واستأنف هالن:
- ربما أمكنك زيارتها في ظرف أسبوع.
ووضع نادر يده على يد هالن، ونظر إليه نظرة شكر مؤثرة أحس هالن عندها بالحرج، فنظر إلى ساعته وقام:
- ينبغي أن أتركك تستريح. هل تعني بك كاثي جيداً؟
- أحياناً أتساءل هل ما تفعله كله داخل في تعليمات الأطباء!
وضحك هالن وهو يقفل الباب وراءه.
وجلست كاثي إلى حاسوبها تدخل تقريرها اليومي. وتناول الدكتور نادر مجلداً لم يكن رآه من قبل على مائدة السرير إلى جانبه، وبدأ يتصفحه، فإذا هو دليل لأرقام الاتصال وطرق الاستعلام عن جميع نشاط الجودي.
والتفت إلى كاثي وهي تلمس بأصابعها الدقيقة مفاتيح الآلة، وتنظر إلى الشاشة البلورية أمامها.
- كاثي، هل يمكن أن أقاطعك؟
فحركت رأسها بالإيجاب وقال:
- هل كان ذلك الرجل حقيقة أم حلماً؟
- أي رجل؟
- الذي كان يصرخ ويعوي كالحيوان وراء أدغال البحيرة..
- كان حقيقة.
وظهر الجد على وجهها. فقال:
- لماذا لم تساعديه، وأنت ممرضة محترفة؟
وترددت قليلاً ثم قالت:
- أنت مسؤوليتي. وقد كنت ضعيفاً للغاية.
- لم أكن أسوأ منه حالاً!
- لا تقلق بالك يا عزيزي.. لعله من المصابين بانهيار عصبي لكثرة التركيز على عملية معقدة. يحدث ذلك كثيراً هنا.
- كان يظهر لي أنه مسوق بقوة جبارة نحو المصعد. وكلما حاول التحرر دفعته يد خفية إلى الأمام..
ونظرت إليه بعينين فيهما معان عدة، ثم عادت إلى آلتها.
وظهر على وجه الشاشة أمام نادر وجه طبيبه فتفحصه بعينين حادتين، ثم قال:
- دكتور نادر. لا ينبغي أن ترهق نفسك كثيراً بالتفكير العاطفي. سوف يؤخر ذلك شفاءك. حاول تسلية نفسك ببعض البرامج الفكاهية على هذه الشاشة. ستجد لائحتها في المجلد إلى جانبك. كاثي ستعلمك كيف تستعمل مفاتيح الاستعلام. ينبغي أن تشفى سريعاً لتتقابل مع زملائك في قسم الأنثروبولوجيا. هناك مؤتمر حيوي متصل بعملك يجري هذه الأيام. ومن الأحسن أن تحضر على الأقل نهايته، وتعرف النتائج التي توصلوا إليها.
ونظر الدكتور إلى كاثي التي كانت واقفة إلى جانب سرير نادر، ولوح تقارير حالته في يدها وهي مستعدة لكتابة التعليمات، ثم قال:
- مزيداً من الراحة. لا تعرضيه لأية تجارب عاطفية. سيمكن أن يقابل زملاءه في ظرف يومين.
وقبل أن يسأله الدكتور نادر عن حالة تاج تلاشت الصورة من فوق الشاشة. ووقفت كاثي تكتب التعليمات.
أحس الدكتور نادر بنشاط وحيوية جديدين ذلك الصباح الأزرق البارد. ومن نافذة الحمام دخلت نسمة صحراوية دافئة مع انعكاس أشعة الشمس على أوراق النباتات المتسلقة حول إطار النافذة.
كان ذلك يومه الكبير.
سيلتقى بالمبرمج الأول، وسيحضر مؤتمر المبرمجين العام الذي يدرس فيه تقدم البحوث العلمية في الجودي، والعالم الخارجي، وتوضع فيه أو تناقش السياسة الجديدة قبل أن يجري بها العمل.
وناولته كاثي كسوة خاصة كانت عبارة عن عباءة عربية بيضاء أحس فيها براحة وحرية. قالت له كاثي وهي تساعده على لبسها:
- هذه حلة المؤتمر الرسمية. يظهر أن لها أثراً خاصاً على مزاج لابسيها.
فرد الدكتور نادر وهو ينظر إلى نفسه في المرآة العريضة أمامه:
- بساطتها توحي ببساطة التفكير. المفكرون في المدنيات الكبرى بحاجة ماسة إلى جو خاص، يخرجهم من ضوضاء وفوضى العصر الحديث التي نزلت بالفلسفة إلى مستوى الطب النفسي الجماعي، بدل التركيز على المسائل الأكثر أهمية.
وغادرا الغرفة وكاثي تقوده إلى حيث انفتح أمامهما باب مصعد مربع، جدرانه من البلور المقوى، تشف عن الحيطان المزخرفة برسوم رومانية وفارسية وصينية وعربية حسب الطبقات التي يجتازها المصعد. وانقفل خلفهما الباب، ونزل المصعد نزولاً ناعماً، ولاحظ نادر أن المصعد عبارة عن مكعب لا يرتبط بحبال من فوق أو تحت ورفع عينيه ليرى نفقاً أزرق داكناً فوقه، ينتهى بمربع ناصع البياض، أدرك أنه يواجه الشمس. ونظر إلى تحت فإذا بئر مربع عميق لم يستطع رؤية قعره. كله مضاء بألوان تتعدد بتعدد الأدوار. وخامره إحساس غريب أنه يحلق في فضاء طبقاته أقواس قزح وأطواق من نور...
ووقف المصعد ثم تحرك إلى اليمين بنفس النعومة الانزلاقية التي نزل بها...
وبحث نادر بعينيه عن مكان الأزرار فلم يجد، وقرأت كاثي أفكاره فقالت:
- لا حاجة إلى لوح أرقام. ولا يمكن أي لوح أن يتسع للأماكن التي يمكن أن يصلها المصعد. وما عليك إلا أن تنطق باسم المكان في هذا "المسمع" ليذهب بك المصعد إليه.
وانزلق المصعد على مهل ثم توقف.
وظهر الدكتور إيريك هالن وراء الباب الزجاجي الذي انفتح بمجرد توقف المصعد. وتصافح الرجلان.
كان هو الآخر يلبس العباءة الفضفاضة البيضاء التي أظهرته في شكل محبب.
قال الدكتور هالن:
- سيقابلك الدكتور "كرونن"، وهو أحد الرواد الأولين ومن بناة جبل "مدينة الجودي" هو رئيس المؤتمر، مع أربعة آخرين من الشيوخ الذين أسسوا المكان والفكرة. سيتدوم المقابلة حوالي خمسة دقائق، بعدها ندخل جميعاً قاعة الحوار حيث سيلخص هو أعمال المؤتمر، ويعطي النتيجة.
كان الدكتور هالن يعطيه هذه المعلومات السريعة وهما في طريقهما إلى باب عال منحوت من قطعة خشب أسود واحدة، وعليها زخارف بارزة متداخلة.
وانفتح الباب بوقوفهما أمامه. وبقيت كاثي إلى الوراء، فسألها نادر بنظرة هل ستدخل؟ فحركت رأسها نافية.
وانقفل الباب خلفهما.
ونظر الدكتور نادر أمامه فإذا قاعة مستديرة مضاءة بنوافذ مستطيلة ملونة بعضها مفتوح على ضوء النهار، وقد تدلت ثريا ضخمة من سقفها، حرك الهواء قطراتها البلورية فأحدثت أصواتاً موسيقية خفيفة زادت في هيبة القاعة ووقارها.
ووقف خمسة شيوخ تقدم نحوهم الدكتور هالن وخلفه نادر. كانت على وجوههم ابتسامات خفيفة وهم يراقبون الدكتور نادر يتقدم على استحياء ليصافحهم واحداً واحداً، والدكتور هالن يقدمهم له بأسمائهم.
وأومأ أكبرهم سناً، الدكتور كرونن، لنادر وهالن أن يقعدا في كرسيين في مواجهة الشيوخ فجلسا صامتين.
وبدأ الدكتور كرونن:
- الدكتور على نادر، أرحب بكم هنا في جبل الجودي باسمي واسم زملائي القضاة الأربعة وباسم جميع من جعلوا جبل الجودي مشروعاً محسوساً لفكرة فلسفية مجردة. أعتقد أن الدكتور هالن كان له امتياز التعرف عليك قبل انضمامك إلينا. وأرجو أن يكون قد قال لك عن مشروعنا ما يكفي لإيقاظ حماسك، وإثارة رغبتك في البقاء والمشاركة معنا في هذا العمل. ونصيحتي في هذه الفترة هي أن تفتح عينيك وأذنيك لكل ما ترى وتسمع. وسوف ترى أشياء غريبة لن تفهمها في الحال، فلا تدعها تقلق راحتك. كل شيء سيتضح لك بعد حين، ومن حسن حظك أن تشفى من علتك في هذه الفترة لتحضر معنا نهاية المؤتمر، ففيه تقرر وترسم سياسة وأهداف جبل الجودي لمدة الأشهر الثلاثة القادمة. وسوف تقابل أعضاء "الأنثروغاّذ" الذين ستعمل معهم. لا تفاجأ إذا وجدتهم يعرفون عنك كل شيء! فليس بيننا أسرار...
ثم توقف قليلاً، ونظر إلى ساعة بصدر القاعة، وقال:
- حان وقت الاجتماع.
ووقف مادا يديه إلى الدكتور نادر، وأمسك بيديه معاً وهو ينظر إلى عينيه بعينين رماديتين فيهما أبوة وحب ويقول:
- بعد نهاية المؤتمر سيكون لنا وقت للاجتماع والحديث المسهب. "الجودي" كله معجب بعقلك. فاحكم علينا بعد المعرفة.
وثم التفت إلى الدكتور هالن وقال:
- ستقدمه الآن إلى جماعة "الأنثروعاذ" وسيجلس معهم.
وحرك الدكتور هالن رأسه بنعم، وخرج الرجال الأربعة خلف الدكتور كرونين.
وانفتح باب آخر دخل منه الشيوخ الخمسة بعباءاتهم الحريرية البيضاء، وشعورهم الشيباء وحولهم هالة من الوقار والهيبة.
وتوجه هالن مع الدكتور نادر نحو باب جانبي حيث خرجا إلى ممر مبلط برخام أخضر فاتح، ومنه دخلا بابا عليه رواق مخمل أسود ثقيل إلى قاعة فسيحة كملعب مصارعة الثيران، تتدرج منه الكراسي إلى تحت. ورفع عينيه ليرى قبة عالية ينفذ منها ضوء النهار دون أشعة الشمس.
كانت الكراسي كلها مأخوذة، وأمام كل كرسي شارة الاختصاص واسم القسم. وقرأ الدكتور نادر على ظهر الكرسي الأخير الذي قابله عند دخوله الرواق "أنثروغاذ".
كان ينتظره بجانبه رجل في حوالي الخمسين، مصفف الشعر بطريقة حسنة، وقد تلوحت بشرته واسودت عيناه في عمق. بادر هذا الدكتور نادر، قبل أن يقدم له، باللغة العربية:
- الدكتور نادر، أهلاً وسهلاً... أنا الدكتور أديب إسكندر. من مصر. الإسكندرية. وتصافحا، فودعهما هالين قائلاً:
- أراك بعد نهاية الجلسة. الدكتور إسكندر صديق عزيز، ويعرف عنك الكثير. هو الآن رئيس "الأنثروعاذ" بالنيابة.
وذهب نحو مقعده من قسم "الأشعَّاذ".
وجلس نادر يتبادل التحيات مع زملائه الجدد.
وفي نفس اللحظة وقفت القاعة بمن فيها تحية للقضاة الخمسة الذين دخلوا واحداً بعد الآخر إلى صدر القاعة، حيث وقفوا صفاً واحداً في مواجهة المؤتمرين. وبقوا واقفين لحظة، ثم أومأ الدكتور كرونين برأسه بالتحية، وقعد الجميع.
وجال الدكتور نادر بعينيه داخل القاعة، ولاحظ الوجوه العديدة الذكية التي كات تتراوح أعمار أصحابها بين الثلاثين وما فوق السبعين، وهي تركز على شاشات صغيرة على مكاتبهم عليها رسوم وأرقام ورموز غريبة. وفي وسط القاعة كان أنبوب زجاجي يملأه سائل أحمر إلى النصف، ويتحرك صاعداً ونازلاً بطريقة ارتعارشية دائمة...
والتفت الدكتور نادر إلى الدكتور أديب إسكندر، وأشار بعينيه إلى الأنبوب فهمس له هذا:
- ذلك هو "المسياس". معناه المقياس السياسي في العالم الخارجي. السائل الأحمر يدل على ارتفاع أو انخفاض درجة الخطر الذري في العالم.
- وما معنى الحلقة الحمراء بأعلاه؟
- علامة الخطر.
- كيف يعمل هذا "المسياس"؟
- بطريقة آلية. هناك جهاز استقبال بأعلى الجودي يلتقط جميع الأخبار المذاعة في جميع أركان الأرض، وجميع الرسائل البرقية السرية من جميع المعسكرات، ويحل شفرتها إليكترونيا، ويحلل محتواها الخ، وبذلك يعطي درجة الحرارة السياسية في كل ثانية من الليل أو النهار.
وسمع طرق على المائدة، فسكت الجميع وارتفعت الأعين إلى حيث منصة الرئاسة.
وتنحنح الدكتور كرونين ثم بدأ بصوت ذهبي ناعم:
"بالأمس ختمنا الحوار، واليوم سنقدم ملخصاً للاتجاهات الثلاثة التي أسفر عنها المؤتمر. وسوف يقدم الدكتور فرايهان عرضاً عن وضع الاتجاه الأول".
والتفت إلى الرجل على يساره، فبدأ هذا يتصفح رزمة أوراق أمامه ثم تكلم.
"الاتجاه الأول، وهو رأى الأغلبية حتى الآن، رغم النقص البين بين أغلبية المؤتمر الفارط التي كانت تتجاوز السبعين في المائة، وأغلبية هذا المؤتمر التي نزلت إلى سبعة وستين في المائة. هذا الاتجاه هو الذي يحبذ "نظرية الإبقاء والانتظار". ويطبعه التفاؤل من أن الإنسانية في طريقها إلى النضج التدريجي الذي سينتشلها من اتجاهها السريع نحو البوار. والأدلة التي يرونها جديرة بالتقديم في هذا الحوار هي انتشار المواصلات العقلية التي ستعجل بوحدة الإنسان من أجل الصالح المشترك، وكذلك تردد "المسبرياس" في حلقته الحالية زمناً طويلاً مما يدل على أن هناك تقارباً بين المعسكرات المتضاربة في الشعور بخطر الحرب الشاملة. وهذا الاتجاه، أعني "الإبقاء على الإنسان الحالي وانتظار نضجه"، يرى أن البشرية الحالية، رغم اختلافها وتطاحنها، تؤدي وظيفاً حيوياً بالنسبة "للجودي"، وهو تغذيته بالمواهب الطبيعية في جميع الميادين، الشيء الذي ما كان "البيوعاذ" ليزودنا به بالسرعة الكافية. إلى جانب أن هناك تقدماً محسوساً في ميادين علمية كثيرة في الدول المتقدمة تقنياً، وإن كان يقف في طريقها الاتجاه العسكري، والخوف من جنون معسكر وتخريبه للمعسكر الآخر. ثم إنه ليس هناك تأكيد علمي لنجاح النظريتين الأُخريين..".
وسكت الدكتور "فرايهان" وجمع أوراقه ثم اتكأ إلى الوراء. فأشار الدكتور "كرونين" إلى زميله على يمينه قائلاً:
-"الاتجاه الثاني: "الاستيلاء والإصلاح" يلخصه الدكتور إيكويوتو".
وتحرك في مكانه رجل شرقي السحنة وقال:
"يرى أنصار نظرية "الاستيلاء والإصلاح" التي يؤيدها عشرون في المائة من أصوات المؤتمر، أن الإنسانية كما هي الآن منقسمة على نفسها موزعة الاتجاهات والمبادىء، تتحكم في أغلبيتها الدكتاتوريات الفردية والجماعية والنزعات الدينية والعنصرية، وتغسل دماغها أدوات الإعلام التي تخدم أغراض أقلية تستفيد من جهل البقية وغَبَاوتها، وتسوقها ضد صالحها، حيث تسكب منها أكثر ما يمكن. هذه الإنسانية ينبغي أن يقوم جبل الجودي بالاستيلاء عليها بإسكات جميع مصادر الطاقة، وتجريد جميع الأسلحة من خطرها سواء كانت كبيرة أم صغيرة، وتنويم الإنسانية كلها واقتراح اتحادها واشتراكها في عمل خالد واحد تعيش بعده في رغد وأمن، وبهذا ينتهي الضياع والخوف واستيلاء الشر. وحينئذ يمكن "لمعاذ" أن يوجه طاقة هذه الأرض كلها إلى غزو الأفلاك العليا يساعده في ذلك كل مخلوق بما يستطيع".
والتفت الدكتور كرونين لزميله الثالث فقدمه:
- "الدكتور إدريس عثمان يلخص اتجاه "الطوفان الأزرق" الذي تؤيده خمسة عشر في المائة من أصوات المؤتمر".
وبدأ الدكتور عثمان، وكان سودانياً حاد العينين:
"اتجاه الطوفان الأزرق هو أجرأ اتجاه حتى الآن. وخلاصته هي أن جبل الجودي أصبح خلية متكاملة متوازنة، تحمل في كيانها جميع الخصائص الإنسانية بحضارتها وتاريخها وفلسفتها وتقنيتها، وتختزن جميع ما حققته من تقدم علمي وفكري بشري وغيره، وفي قدرتها إعادة إنتاج كل هذا بطريقة أنظف وأكثر نظاماً واستقراراً وقوة من الإنسانية الموجودة الآن على الأرض، هذه الإنسانية التي تكاثرت بشكل مزعج للغاية، وانغرست فيها الخلافات الدينية التي نتج عنها ما نراه الآن من خلافات سياسية، وجنسية ومذهبية، وحواجز ثقافية تجعل تقدمها يدور في حلقات مقفلة لا يستطيع التحرر منها والمُضيَّ إلى الأمام...
وإذا كان "معاذ" قد بشر بطوفان جديد كالذي أصاب الحضارات القديمة حين أسنَتْ وتوقفت عن النمو والتطور من عهد نوح، فليس من الضروري انتظار هذا الطوفان الذي ربما فاجأنا في وقت غير مناسب، بل يجب أن نخلق نحن ذلك الطوفان بما لنا من وسائل علمية، تضمن نجاح العملية ونجاة نواة الإنسان الجديد في قلب هذا الجبل الذي سميناه بحق "الجودي" لذلك يكون الاقتراح أن يطلق الجودي على الكرة الأرضية شعاعه الأزرق السري الذي سيُفني البشرية كلها بطريقة رحيمة لا ألم فيها ولا خوف، ثم يقوم بعملية تنظيف الأرض من آثار الإشعاع، وبذلك يكون وظيف البشرية الفوضوية قد انتهى، ويبدأ دور البشرية الثانية التي أوشكت على اختراق حاجز تطور جديد لتقوم على أنقاضها، وتعمر الأرض من البداية".
وسكت الدكتور عثمان، وضغط على زر الميكروفون حتى لا تسمع عطسة كان يقاومها.
وتكلم الدكتور كرونين مقدماً زميله الرابع:
"الدكتور إيفانز له تعليق على الاتجاهات المذكورة".
وأومأ له فبدأ:
"يظهر من تعدد الاتجاهات أن خليتنا لم تنضج بعد، وأننا ما نزال نعاني من مخلفات وتناقضات ورواسب علمنا القديم الذي حاولنا التحرر منه منذ ربع قرن. وبيننا من ما تزال له عواطف وزوايا دافئة في قلبه للأماكن والأشخاص من أهل وأصدقاء في العالم القديم".
وسرح نادر متذكراً أهله وأصدقاءه في المغرب ولندن والولايات المتحدة، فارتعش قلبه شوقاً وحنيناً. وأحس بخطورة جبل الجودي كما لم يحس بها من قبل...
وعاد صوت الدكتور إيفانز الرتيب ليخرجه من شروده:
"وإلى أن تنضج الخلية، وربما لن يكون ذلك في المستقبل القريب، فسيبقى "الجودي" قائماً مستعداً لجميع المفاجآت التي قد يطلع علينا بها العالم القديم الأحمق الطائش.
"وقد يكون حظ "الجودي" من الوحدة أكثر حين يكبر جبل "البيوعاذ" الذي لا تربطه بالعالم القديم عاطفة تحيد برأيه عن السَّداد، وبتفكيره عن المنطق.".
وسكت الدكتور إيفانز، فقال الدكتور كرونين:
"قبل أن أعلن عن نهاية المؤتمر، يجب أن أقول إننا نسير في خط مستقيم نحو الغاية الأساسية، وهي تعجيل التطور، وإعادة ترتيب كوكبنا هذا، وإخراج سكانه من طور الحيوان الذي يتناسل بلا وعي ولا تخطيط إلى طور الإنسان الذي قدر له أن يكون حتى يلعب الدور الإيجابي المرصود له بين سكان الكواكب والمجرات.
"وإذا كانت خليتنا لم تنضج بالدرجة التي توقعناها، فالقرائن كلها تشير إلى أننا في طريق النضج رغم بطئنا. ولا ينبغي أن يفت الانتظار في عضدنا، ما دمنا على المشرع الممتد نحو الجسر...
"وقبل أن أختم هذا المؤتمر، أود أن أرحب باسمكم بضيف جديد حل بالجودي، وهو عالم شاب معروفة بحوثه لديكم جميعاً في ميدان الأنثروبولوجيا. وهو أول من تنبأ باقتراب الطفرة التطورية الجديدة، وبوقوع هذه الطفرة بعد طوفان آخر يغمر الأرض، ضيفنا الكبير هو الدكتور علي نادر".
وضجت القاعة بالتصفيق، فوقف نادر في مكانه محرجاً للإطراء، وانحنى تحية للرئيس والحاضرين.
وقاطع الرئيس التصفيق بقوله:
"بعد انقضاض هذا الإجتماع مباشرة، سنجتمع بقاعة الاستقبالات في حفلة ترحيب بضيفنا الشاب الدكتور علي نادر".
وضرب على مائدته بمطرقة خشبية معلناً عن نهاية المؤتمر. وقام الحاضرون.
وفي قاعة الاستقبال وقف الرئيس كرونين والدكتور أديب إسكندر يستقبلان أعضاء الجودي ويقدمانهم بأسمائهم ورتبهم واختصاصاتهم للدكتور نادر. كان الجميع يحمل اسمه واسم مهنته على صدره مطرزاً.
وانشرحت نفس الدكتور نادر للدفء والمودة الإعجاب الذي أبداه نحوه جماعة العلماء، فشعر بأنه واحد منهم، وأن جبل الجودي ليس مدينة علمية نحاسية لا قلب لها ولا عاطفة.
وفتن بأوجه الحسان العديدات اللواتي قُدمن إليه كزميلات عالمات..
وحين قدم له الدكتور أديب إسكندر آنسة حمراء الشعر، رشيقة القوام، شفافة البشرة، وقفت أمامه على استحياء، قال الدكتور إسكندر:
- هذه كارول لاند كريب، إحدى زميلاتنا في أنثروعاذ.
وأمسك نادر بيدها الصغيرة، ونظر في عينيها الرماديتين وقال:
- أعتقد أنني يجب أن أراجع بعض معلوماتي الإحصائية.
وسألت كارول:
- لماذا؟
- من الإحصائيات الاجتماعية العديدة ثبت أن الفتيات الجميلات لا يصلن في سلم الدراسات العليا درجة عالية... كثيراً ما يفقدن الاهتمام في منتصف الطريق ويتزوجن ويقطعن الدراسة. وأنت دليل واضح على عدم صلاحية تلك النظرية.
وضحكت كارول والجماعة التي كانت تحيط بالدكتور نادر:
وجاءت فتاة أخرى ناهدة الصدر، ينطق جسدها بالحيوية، تحمل صينية بها بعض المشروبات، فالتقط نادر كأساً، ووقف ينتظرها أن تذهب ليهمس في أذن الدكتور هالن:
- هل هذه عالمة هي الأخرى؟
وضحك هذا محركاً رأسه بالنفي:
- هذه خادم فقط.
- لو كنت قلت لي إنها عالمة لزعزعت إيماني بجميع نظرياتي السابقة.
- كثير من نظرياتك السابقة سيتزعزع هنا! فلا تعتقد أن ذلك بعيد جداً.
وظهرت "كاثي" على الباب، فودع نادر مستقبليه، وصحبها نحو المصعد. وعلى بابه ودعه إيريك على أن يلتقيا في المساء.

-28-

ذهب الدكتور نادر تلك الليلة إلى فراشه منتفخ الرأس مشبعاً بالمفاجآت. ووضع رأسه على المخدة، وأقفل عينيه دون أن ينام رغم تعبه. كان يفكر في الأوجه والأحاديث والابتسامات والحُلَل المتعددة الألوان واللوحات الزيتية، والقباب المزخرفة برسوم فرعونية أو صينية أو رومانية أو عربية. وتداخلت الألوان والظلال والأصداء والأفكار في مخيلته فأحس بالإرهاق وعُسرِ الهضم الفكري...
وفي مثل هذه الحالات كان نادر يفر دائماً إلى فردوس خياله الأخضر. وأحس بالراحة والارتخاء، وهو يستعرض كثبان رمل جزيرته النائية، ليشرف من فوقها على شاطىء فسيح تسبح أطرافه في الضباب...
ورأى جسم تاج الخمري وهي خارجة من موجة زمردية بحركة بطيئة فاتحةً ذراعيها نحوه، وهو يركض بتماوج رشيق حالم نحوها، وملايين الأصوات الملائكية تهلل بلحن سماوي...
وتعانقا في الفضاء، فتلامس صدراهما وشفتاهما ونزلا متعانقين في لُطْف على مفرش ناعم، حيث ضمهما إليه بقوة وشوق، وأخذ ينتحب. وأحس بكاثي تلتصق بظهره، وتطوق خصره بذراعها وتدفن وجهها بين كتفيه.
ونام والوسادة مبتلة بدموعه...

-29-

فتح الدكتور نادر عينيه تلك الليلة على غرفة زرقاء، تتسلل من قبتها البلورية أحجام النجوم تتغامز في أفلاكها الأزلية هائمة في الفضاء، كأنها غير حقيقية.
والتفت نحو كاثي فإذا هي غارقة في سبات عميق، وذراعها يطوق خصره. وانسحب بحذر من تحت الذراع، وتسلل خارجاً من السرير. ثم التقط الدليل الضخم، ومشي على رؤوس بنانه نحو الحمام حيث أقفل الباب خلفه، وأشعل النور، وقعد على كرسي مستدير يتصفح الكتاب إلى أن وضع اصبعه على رقم مكتوب أمامه "مستشفى- قسم مقاومة الإشعاع- الحالات الخاصة" وحمل الكتاب ثم أطفأ النور وغادر الحمام إلى حيث كان الحاسوب. فجلس إليه ووضع الكتاب بجانبه، وأخذ يطبع العنوان والرقم. وظهرت صورة ممر طويل صفت على جوانبه عدة غرف.
وطبع نادر على اللوح اسم "محيي الدين- تاج" فظهرت صورة غرفة خالية.
وضغط على زر مكتوب عليه "استرجاع" فتحركت الصور على الشاشة بطريقة عكسية سريعة، وعندما رأى أشباح أشخاص بالغرفة، ضغط على زر "عرض" فتوقفت الصور لتمُرَّ بسرعة الحياة العادية.
ورأى أربعة أطباء حول سرير تاج وهي عارية داخل خيمة من البلاستيك الشفاف، وقد هرب الدم من وجهها، وعلى فمها وأنفها قناع أوكسيجين تنتفخ رئته الصناعية وتتقلص. وفي ذراعها عرق صناعي يتدلى من زجاجة دم معلقة فوق السرير، فخفق قلبه بسرعة..
كانت عيون الأطباء الملثمين تنذر بالخطر والحيرة. وبدأت الرئة الصناعية تضعف، ودقات القلب المسجلة على الشاشة الخضراء تتباطأ.
ودخل أكثر الدكاترة سنا تحت الخيمة فوضع يده على صدرها تحت نهدها الأيسر، ثم خرج سريعاً وأشار إلى ممرضة ملثمة، فجاءته بحقنة وساعدته على حقنها في ذراعها.
وعاد التنفس. وتسارعت نبضات القلب قليلاً.
وتنهد الدكتور نادر وهو يتابع بعينيه حركات الدكتور.
وهبط قلبه حين انخفضت نبضات القلب وتقلصت الرئة، وبان على الدكاترة القلق، وهرع بعضهم إلى تحت الخيمة لتدليك القلب بالضغط على الصدر.
وماتت العلامات الكهربائية على الشاشة المستديرة الخضراء.. وتقلصت الرئة الصناعية للمرة الأخيرة.. ونزع الدكاترة أقنعتهم وقد بلها العرق، وخرجوا صموتاً خائبين من الغرفة، وجاءت الممرضة لتنزع الخيمة عن جثة تاج العارية، وتزيل القناع والعرَّق الصناعي، ثم تغطيها من قدميها إلى ما فوق وجهها بإزار أبيض.
أفاقت كاثي من نومها حين حاولت وضع ذراعها حول نادر فلم تجده. ونظرت حولها فوجدته متسمراً على الكرسي، متجمداً بنظرة تائهة في غرفة المستشفى على الشاشة المضاءة أمامه..
ونادته بصوت نائم فلم ينتبه. ورفعت صوتها قليلاً ليسمعها فلم يلتفت.
ونظرت إلى الشاشة والغرفة الخالية فرن في مخها جرس حاد! وقفزت من فوق السرير فضغطت زراً اختفت عنده الصورة، وأظلمت الشاشة. ووقفت أمام نادر تلبس ثوباً ليلياً وتخاطبه:
- عليّ..! عليّ..!
وأخيراً جثت عند قدميه وأمست بيديه:
- علي، أرجوك، ماذا حدث؟ ماذا رأيت على تلك الشاشة.
ولم يجب، فوقفت وأمسكت بوجهه بين يديها تحركه وتربت خديه، وهو ما يزال في غيبوبته. وعند ذلك هرعت بسرعة إلى لوح الأزرار فضغطت على زر أحمر ظهر بعده وجه الدكتور "مورينو" الأسمر على الشاشة.
وخاطبت كاثي الصورة:
- حالة استعجال! أعتقد أنها صدمة.
ورد الدكتور مورينو.
- سآتي في الحال.
وبعد بضع دقائق كان الدكتور علي نادر نائماً تحت مفعول منوم.

-31-

لم يدر الدكتور أين هو حين استيقظ. ونظر حواليه فرأى وجه الدكتور هالن يبتسم له، ويسأله:
- علي، هل تسمعني؟
وحرك نادر رأسه بالإيجاب، فقال هالن:
- لابد أنك رأيت على الشاشة ما حدث، فلا داعي لإعادته. كنت فقط أود لو وصلتك الأخبار بطريقة أفضل...
ولم يجب نادر. كان ينظر إلى صديقه نظرة غريب لغريب، وكأنه لا يفهم ما يقول.
ووقف هالن ويد نادر بين كفيه:
- أعتقد أنك ينبغي أن ترتاح الآن. إذا احتجت لأي شيء فما عليك إلا أن تنادي.
والتفت إلى كاثي وقال لها:
- لا تتركيه وحيداً...
وأحنت رأسها موافقة، فخرج الدكتور هالن وفي عينيه نظرة قلقة.
عادت إلى نادر ذكرى ما رآه على الشاشة فلمست قلبه يد باردة.. وانحنت عليه كاثي تسأله:
- هل آتيك بفطورك؟
ونهض من السرير دون أن يلقي بالا لسؤالها، فجاءته بعباءة لفتها حواليه، وسألته:
- هل تريد حماماً؟
وحرك رأسه بلا، فقالت:
- هل تريد شيئاً ما؟ أي شيء؟
- أريد أن أذهب إلى مكان حيث أكون وحيداً.. هل تأخذينني إلى البحيرة؟
فاستمهلته لحظة ضغطت عندها زراً وتكلمت في سماعة، ثم وضعتها وجاءت لتقول له:
- تعال نصعد إلى البحيرة.
كان الوقت أصيلاً وقد تعلقت الشمس الأُرجوانية بأغصان السنديان نازلة نحو كثبان الصحراء الغريبة. وانعكست ظلال الأغصان والأشعة خلفها على مرآة البحيرة الساكنة فأعطت للمكان جواً من الدعة والطمأنينة والأزلية..
وتجاوبت نفس نادر الغارقة في بحيرة من سائل لزج أسود مع أضواء الغروب الخافتة، وصمت الماء والنبات..
كانت كاثي تلاحقه ببصرها من بعيد خوف أن يفعل بنفسه شيئاً أو يقع في أزمة.
ومال نحو حافة الجبل، فمشى بين الأشجار العالية في ممرات عتمتها ظلال المساء. ووقف وراء صخرة ينظر إلى الأفق الشرقي ترتسم عليه أشكال التلال والصخور العالية وقد توجت أعاليها خمرة الأفق..
وبقي في موقفه ذلك حتى كسته عتمة الليل. وأحس بقشعريرة الرطوبة المتساقطة تسري في عظامه. وأيقظته كاثي من تأمله بنحنحة خفيفة، فالتفت نحوها.
قالت: "أعتقد أنه من الأحسن أن ننزل. قد يؤثر عليك برد الليل".
واستسلم ليدها الناعمة فساقته إلى تحت.
واستعملت سحرها كله تلك الليلة لتطعمه حتى لا يقتل نفسه جوعاً. وجعلته يتناول بعض أقراص الفيتامين وأقراصاً أخرى مغذية. ونام تلك الليلة بدون أحلام..
وفي الصباح الموالي أحس حركة غير عادية من كاثي. فتح عينيه ليجدها مستعدة بأدوات الحلاقة. وتساءل فقالت:
- الرئيس كرونين قادم لزيارتك.
وأفطر الدكتور نادر بكأس قهوة سوداء، وجلس في عباءته البيضاء ينتظر زيارة ضيفه الكبير. وانفتح الباب فدخل الرجل المسن وقد زادت بشرته الناعمة بياضاً تحت ضوء النهار، ومال شعره الفضي إلى الزرقة.
وأمسك بيد الدكتور نادر بين يديه وقد أشرق وجهه بنظرة عطف وحنان، ثم جلس قبالته واقترب منه بكرسيه حتى كادت ركبتاهما تتلامسان.
ونطق الرجل:
- ولدي، أرى أنك تجتاز تجربة عاطفية قاسية.. لابد أن "تاجاً" كانت تعني الكثير بالنسبة إليك... صدقني إن ذهابها أحزن الجميع، ولو كان في مقدور أي طبيب إنقاذها لأنقذها أطباء الجودي.. ورجائي أن لا يكون أثر هذه الصدمة مخرباً بالنسبة إليك.. حاول أن تجعل من حرمانك قوة دافعة لإشباع روحك.. فذلك أعظم هدية تقدمها لروح تاج. سوف تعيش لتصل إلى سنّي. وسوف تتلقى كثيراً من الصدمات بعضها قد يكون ساحقاً، ولكن انتصار العقل على القلب لا يتم إلا بالانتصار على هذه الصدمات... وسوف تخرج من محنتك هذه متزناً مكتمل البناء النفسي.
وضغط على يديه مرة أخرى، ثم وقف والتفت إلى كاثي وقال:
- هل تحتاجين إلى شيء؟
- لا، كل شيء على ما يرام.
وصافح الدكتور نادر، وربت كتفه، فشكره هذا على زيارته، وصحبه حتى الباب.

-33-

ومرت أيام...
وغرق الدكتور علي نادر في عمله بمختبر "الأنثروعاذ" حيث قدمه الدكتور أديب إسكندر إلى جميع أعضاء المركز، وأطلعه على آخر ما توصلوا إليه من اكتشافات علمية ماكانت لتخطر على باله.
وصغر في عين نفسه وهو يقرأ من الألواح الإلكترونية المضاءة، أو يتفرج على الأفلام أو يستمع إلى الأشرطة التي تسجل التقدم الباهر في ميدان كان يعتقد أنه وصل النهاية فيه...
ووقف في نهاية يوم طويل يسأل الدكتور إسكندر:
- لماذا جئتم بي إلى هنا وعندكم كل هذا؟ إنني أبدو إلى جانبكم بدائي المعرفة.
فابتسم الدكتور إسكندر وأجاب:
- هذا ليس من عمل عالم واحد. وفي الحقيقة ليس من عمل أية مجموعة من العلماء. العمل الذي ترى قام به "معاذ". الفضل الوحيد الذي يمكن أن يرجع لنا وللعلماء قبلنا هو أنهم برمجوا "معاذ" بكل ما كُتبَ وسُجل وصُور في ميدان الأنثروبولوجيا. وقد قام معاذ بالباقي.
- كيف؟
- معاذ لا يكتفي بخزن المعلومات وإعطائها عند الحاجة إليها، بل إنه مُبرمج بالقدرة على المقارنة والاستبطان والاستنتاج العلمي... الشيء الذي لا يمكن لعالم وحده أن يقوم به بصفة أو بأخرى. وذلك لمجرد أن معاذ أكبر من الإنسان، أي إنسان.. ولمعاذ امتياز آخر، وهو الحرية المطلقة في استعمال جميع فروع المعرفة البشرية الأُخرى التي تملأ جوفه. وليس هناك دماغ بشري يحتوي ما يحتوي عليه دماغ معاذ!
وتنهد الدكتور إسكندر في عجز عن وصف كل ما يملأ ذاكرته، ثم قال:
- لا يمكنني أن أحيطك علماً بكل قدرات "معاذ". أشعر باليأس وأنا أواجه هذه المهمة في بعض الأحيان. ويكفي أن أحكي لك الحكاية القديمة عن أول عقل إليكتروني تم تدشينه في إحدى الجامعات. وحضر العلماء والفلاسفة لرؤية المعجزة الجديدة وتجربتها. واحتاروا في أي سؤال يسألونه، فخرج فيلسوف عجوز بهذا الاقتراح: "لماذا لا نطرح عليه السؤال الأزلي: هل الله موجود؟" وفعلاً ألقوا عليه السؤال، وانتظر الجميع الجواب التاريخي.. ولمعت الأضواء بجميع الألوان على الآلة، وسمعت من جوفها أصوات غريبة، وبعد ثوان خرج الجواب فكان: "نعم، الآن!".
وابتسم الدكتور نادر، ونظر حوله ليرى أن كارول لاندكريب، الفتاة ذات الشعر الأحمر قد انضمت إليهما.
وخرج الثلاثة للعشاء في مطعم الجودي.

-35-

وتم تدريب الدكتور نادر على استعمال "أنثروعاذ" وبدأ تفكيره ينتظم، والفوضى والضباب اللذان كانا يخيمان على عقله يتلاشيان..
وانتقل بعد آخر اختبار طبى إلى مسكن آخر يشرف على البحيرة من جهة الغرب، وعلى الصحراء من ناحية الشرق.
وودعته كاثي على باب غرفته الأولى، فأمسك بيديها وقال:
- هل معنى هذا أننا سنفترق؟
فابتسمت وقالت:
- علاقتنا كانت طبية محضة... ولكن إذا رغبت في استمرارها اجتماعياً فليس لي مانع.
ونظر إلى كارول التي كات مكلفة بترحيله إلى مقره الجديد، ثم إلى كاثي وضغط على يدها وقال:
- سأتصل بك.
وألقت كاثي على كارول نظرة ذات معنى، ثم نظرت إليه مبتسمة وقالت غير مقتنعة:
- أكيد!
وذهب الدكتور نادر إلى مسكنه الجديد حيث وجده أوسع وآنق. كانت غرفة جلوسه مستديرة مؤثثة بأرائك وحشايا بيضاء وسوداء، وقد كست الأرض زريبة سميكة بيضاء. وانفتحت واجهة غرفة الجلوس الزجاجية على منظر البحيرة.
ووقفت كارول لاندكريب تطلعه خفايا المكان، وكيف يستعمل الأدوات الإلكترونية الكثيرة لتسهيل حياته.
كان الوقت مساء، ووميض أشعة الشمس في البحيرة قوياً. ولاحظت كارول أن نادر يضيق عينيه ويجعد جبهته لتفادي قوة الضوء، فضغطت على زر فَتَلونت الزجاجة الأمامية بلون أرق فاتح يكسر الأشعة.
وسارت به بين الأقواس المنحنية الواسعة، ففتحت له باب بيت النوم ثم الحمام، ثم المكتبة التي كانت عبارة عن كرسي مريح للغاية يتحرك بحركة الجالس عليه، وإلى جانبه لوح مفاتيح وأزرار، وأمامه شاشة بيضاء مربعة.
كان ينظر إليها وهي تشرح له بكفاءة وثقة بنفسها وبكل كلمة تقولها، وقد برز صدرها الصغيرة داخل القميص الحريري الفضي، وانعقد شعرها الأحمر وراءها وكأنه شعلة نار! وأحست أنه ينظر إلى عمق عينيها الرماديتين، دون أن ينصت إلى شرحها فتورد وجهها اللبني واستمرت في الكلام متلعثمة وعيناها إلى الأرض.
ووضع يده على كتفها فرفعت عينيها نحوه، ولم تنطق بشيء. ووضع  اليد الأخرى على كتفها الثانية واجتذبها نحوه، وطبع على شفتيها قبلة خفيفة.
وحين ابتعد عنها سألت بدلال:
- لأجل ماذا؟
- لأشكرك على مساعدتك لي في استقراري بمسكني الجديد.
- كلمة شكر كانت تكفي...
- القبلة أحلى من الكلمة!
وضحكت كارول وقد برقت عيناها...

-36-

قضى الدكتور نادر الأيام التالية في زيارة فروع "معاذ" المختلفة، فزار ما يتعلق مباشرة بميدان اهتمامه، مثل "السايكوعاذ" واستقبله رئيس القسم وقدمه إلى أعضائه، وأطلعه على آخر ما توصلوا إليه في ميدان علم النفس. قال رئيس القسم:
- تركيزنا الآن يقع على جزء هام من أجزاء الدماغ الإنساني، الذاكرة. وتجاربنا تقع على مقاومة النسيان، واستعمال جميع خلايا العقل البشري، بدل الأجزاء المحدودة التي يستعملها الفرد الجماعي...
وتحدثنا عن مقاومة الجريمة وتقوية العقول العادية لاحتمال الضغط الهائل الذي تفرضه المجتمعات الحديثة بتعقيداتها عليها...
ثم زار "السوسيوعاذ" الذي كان يتسلم أغلب معلوماته من مراكز في المدن الكبرى بالقارات الخمس.
ولكن الأقسام التي بهرته كانت هي "البايوعاذ" حيث رأى بنفسه عملية الإنسان في أرحام صناعية شفافة..
ورأى أطفالاً يولدون بدون ألم ولا أوجاع.
ورأى الممرضات يستلمنهم حيث يسلمون لأمهات صناعيات تلبين كل رغباتهم...
واطلع على مدرسة صغيرة يتعلم فيها الأطفال الصناعيون بطرق عجيبة صامتة.
ورأى في عيون أولئك الأطفال بريقاً حاداً غير بشري... وأحس بخوف عميق بداخله...
قال له رئيس القسم:
- معاذ يبرمج هؤلاء الأطفال عن طريق ذبذبات صامتة تسري إلى أدمغتهم منه رأساً. لأول مرة في حياة البشرية سيستطيع المخ الواحد أن يعيش حياة كاملة مستعملاً أجزاءه وخلاياه.. ولا ندري، ونحن في هذا الطور، كفاءة ذلك المخ... إلا أننا لا نرى علائم التشبع أو التعب أوالنسيان أو العجز في أي من هؤلاء الصغار...
وسأل الدكتور نادر:
- وماذا حين يكبر هؤلاء؟
وهز الرئيس كتفيه:
- ذلك ما لا تعرفه. آخر ما ينبغي أن يخيف الباحث هو نتائج تجاربه. وإلا لما تقدم الإنسان خطوة واحدة!
ولاحظ نظرة القلق على وجه الدكتور نادر فابتسم، وقال:
- ليس هذا نوعاً من القصص التي قرأناها في صبانا عن سكان المريخ ومردة الجن وأرواح العوالم الخفية. "معاذ" مبرمج ليطعم هؤلاء الصغار ما يجعلهم علماء عمالقة التفكير، موجهين نحو الخير والبناء، لا الشر والتخريب...
وزار نادر مركز البحوث الفضائية، فوجد عالماً صاخباً منهمكاً في بناء صواريخ وسفن فضائية غريبة الأحجام والأشكال.. ووجد أن العمل والبناء يتم بطريقة آلية تقوم بها آلات بناها "معاذ" للغرض المطلوب...
ومر من خلف سور زجاجي، بصف طويل من الصواريخ الضخمة في طريقها نحو فوهة واسعة تخترق ارتفاع الجبل كله، وتنفتح وسط البحيرة لتنطلق نحو الفضاء غازية الكواكب والسماوات، وكأنها رصاصات في مسدس عملاق..
والتفت إلى  المبرمج يسأله:
- هل أرسلتم بعض هذه الصواريخ إلى الفضاء؟
- طبعاً.
وقبل أن يعترض الدكتور نادر، قاطعه المبرمج فاهماً:
- لا وسائلنا في التعمية على جميع رادارات العالم. وحتى الآن لم يكتشف أحد في صاروخ أطلقناه.. ولكننا نعرف كل ما يجري فوق الأرض أو تحتها والمحيطات..
وانتهت زياراته بقسم صديقه الدكتور هالين، ففوجىء بتعقيد المصنع الهائل الذي بناه "معاذ" حسب برمجة هالين للمصافي الإشعاعية التي يمكن أن تحمي مدناً كاملة من الغبار الذري، والمرشات الضخمة التي تطفيء ذلك الغبار القاتل في حينه، وتقضي على مفعوله المميت على الحياة والنبات.
وشرح له الدكتور هالين:
- هذا ما يجعلنا واثقين من السيطرة على الوضع العالمي الآن، حتى ولو أدت حماقة السياسيين إلى محاولة تخريبية.
وناوله الدكتور هالين قناعاً خاصاً:
- هذا هدية وتذكار لزيارتك. وآمل ألا تستعمله أبداً..
ووضعه الدكتور نادر على وجهه، وسأل:
- كيف يعمل؟
- آلياً.. له أنف يحس وجود الغبار فيصفيه في الحال..

-37-

وعند نهاية دورة التدريب والاستكشاف والتعرف التي دامت شهراً كاملاً، بدأً الدكتور علي نادر يشعر بضخامة المشروع وجرأته وخطورته.. وأحس بكثير من السرور والفخر لوقوع الاختيارعليه ليكون عضواً من هذه الهيأة الرائدة...
وتحول الجودي في مخيلته إلى سفينة نوح أخرى، اجتمع فيها من كل زوجين اثنين في انتظار الطوفان الجديد، الطوفان الذري الأزرق، وأنه ممن كتبت لهم النجاة ليلعبوا دور الحلقة الواصلة بين عهدين.. وترددت على سمعه الآية القرآنية التي عبرت عن روعة البداية الجديدة بعد الطوفان الأول في قصة نوح عليه السلام.
"قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك. وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم. تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك".
وانتهت الدورة باحتفال حضره رؤساء الأقسام بقاعة الاجتماع، حيث سلمه الرئيس كرونين مفتاحاً كان عبارة عن بطاقة صغيرة من البلاستيك، وقال له:
" هذه البطاقة هي مفتاحك إلى قلب "معاذ" وهي تؤهلك للدخول إلى جميع المناطق الممنوعة. وعن طريقها ستتمكن من الإطلاع على مشروعنا بجميع أبعاده، وتصبح طرفاً حياً منه. كما ستصبح حاملاً لطرف مماثل من المسؤولية في الصفوف الارتيادية الأولى... ونحن جميعاً على يقين من أنك ستشَرِّف كل هذه الالتزامات وستحمل بفخر جميع الامتيازات والمسؤوليات".
وتناول الدكتور نادر البطاقة بيد مرتعشة، وألقى كلمة مختصرة. ثم وقف يتلقى تهاني بقية الأعضاء بذهن مثقل...
ولم يخرجه من ابتسامته المعلقة إلا وجه كارول الأبيض المورد، وعيناها الرماديتان وهي تبتسم له بسعادة وتشد على يده بيد رخصة ناعمة.
ووضع الدكتور هالين يده على كتفه، وانضم الدكتور إسكندر للحلقة ليقول لنادر إنه مكلف بأخذه في زيارة إلى قلب معاذ حيث يطلعه على طرق الاتصال والاستعمال.
وانفض الجمع، وبقي الدكتور نادر وكارول فتمشياً نحو المصعد المؤدي إلى سكن نادر بخطوات مهيلة وهما يتحداثان.
لم يكتم نادر عنها ما خامره من قلق وخشية من تحمل المسؤولية الكبرى، وهو غير واثق من سيطرة عقله المفرد على جميع ما يدور في جوف معاذ، ذلك المارد الجبار!
قالت كارول:
- ستبدد كل هذه المخاوف عند زيارتك لقلب "معاذ" سيكون من السهل عليك حينئذ أن تنظر إلى الأحداث من فوق. ستظهر لك تطورات العالم الخارجي، وما يوازيها من تطورات الجودي كلعبة شطرنج على لوح حاسوبك..
ولمس البطاقة الالكترونية من فوق ثوب جيبه ليتأكد أنها ما تزال هناك.

-38-

وفي الثامنة من صباح اليوم الموالي، ظهر الدكتور إسكندر يتمشى بخطواته الواسعة خلف زجاج واجهة بيت نادر. وانفتح الباب أمامه فدخل يلقي تحيات الصباح بوجه باسم. كان الدكتور نادر جالساً إلى مائدة بيضاء مستديرة يشرب قهوته مع شطائر محمرة بالزبدة ويشاهد برنامج الصباح الإخباري على شاشته الضخمة التي تأخذ حائطاً بأكمله.
وقف نادر لزميله، وجلس الاثنان جنباً لجنب يتفرجان على عملية فتح شريانٍ جديد من اليورانيوم تحت قاعدة جبل الجودي بطريقة آلية.
قال نادر:
- كنت نائماً أتساءل عن مصدر الطاقة التي تحرك هذا المشروع الجبار. وقد جاءني الجواب على غير ميعاد..
وعلق الدكتور إسكندر:
- قلب الصحراء يزخر بمصادر الطاقة العالية، فهناك البترول والأنهار الجارفة واليورانيوم. إلى جانب الطاقة الشمسية..
واستأذن الدكتور نادر وغادر القاعة إلى بيت نومه حيث خلع رداءه، وفتح دولاب ملابسه الآلية حيث كانت تقف تماثيل في حجمه، عليها ملابس مختلفة الألوان والأشكال، حسب المناسبات التي تقتضيها. كل الحلل تلبس مرة واحدة وترمى في "المحرق" وتفرز التماثيل من مسامها غدداً خيطية ملونة باللون المطلوب تتشابك حول الأعضاء وتجف لتصبح ملابس كاملة.
وضغط الدكتور نادر على زر تمثال يلبس كسوة بيضاء، فانفصلت الكسوة عن التمثال بانفتاحها من الجانبين، ودخل فيها فانطبقت على جسمه بسهولة ونعومة. وتحرك حركات رياضية ليجرب قوة امتطاطها. وخرج ليذهب مع زائره في أول زيارة لمعاذ.
وبدأ الدكتور إسكندر يعطيه تعليمات عن طرق استعمال معاذ:
- "معاذ" ليس آلة إليكترونية فقط، وسترى أنه سيخيفك أحياناً باستجاباته وردود فعله العجيبة... وسوف تجالسه في جميع ظروفه وأحواله، وتسأله فيجيب، ويسألك فينتظر منك الجواب. حاول أن تكون حريصاً على إعطاء أحسن جواب ممكن...
وانزلق المصعد الزجاجي داخل النفق العمودي بسرعة مدهشة، ثم تمهل ليتوقف. وانفتح بابه، فخرج الاثنان إلى قاعة مستديرة مبلطة بمعدن شفاف تحته زخارف ملونة تتحرك كالأميبات الحية في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر إلى فوق فإذا قبة من نفس المعدن تمتزج بها سوائل ثقيلة كالشمع الذائب تحدث مفعولاً مخدراً على من ينظر إليها...
وسمع نادر صوت رفيقه يدعوه ليتبعه نحو قوس وسع في صدر القبة. وخف الدكتور نادر نحوه، ورفع هذا يده بالبطاقة، فأخرج نادر بطاقته.
أدخل إسكندر بطاقته في شق جانب القوس فانفتح الباب، وأشار إلى نادر فدخل، وتبعه هو. وانقفل الباب خلفهما، ووقف الدكتور نادر ينظر حواليه في ظلام صامت. وبعد لحظة تبينت له قاعة مقعرة مستديرة يُنزَل إليها بدرجات رخامية واسعة في نهايتها عدد من الكراسي المريحة مصنوعة من نفس المعدن الشفاف، وعلى بعضها يجلس أعضاء الجودي صامتين.
وهمس نادر لإسكندر:
- لماذا هم صامتون؟
- ليسوا صامتين. نحن فقط لا نسمع المناقشة بينهم وبين معاذ.
ونزل الاثنان إلى القاعة وجلسا جنباً إلى جنب. وضغط إسكندر زراً أبيض بجانب ذراع مقعده، وفعل نادر مثله، فغرق الاثنان في عتمة زرقاء انفتح على إثرها أمامهما كهف عميق دائري الفوهة، وحملق نادر داخل ظلام الكهف فإذا خيوط من النور تلمع وتختفي كسياط برق في أفق ناء. وانشق الظلام على عين هائلة مستديرة، تسمرت على الدكتور نادر فارتعدت فرائضه للمفاجأة.
وسمع صوتاً خشناً يقول:
- مرحباً بك، يا دكتور نادر!
وهمس الدكتور نادر:
- شكراً.
فرد الصوت:
- لا ينبغي أن يفاجئك شيء من تصرفاتي. وصدقني، سترى ما يدعو منها للاستغراب.
وبعد صمت قليل عاد الصوت:
- هل اعتدت على الحياة معنا؟
- نوعاً ما.
- هل ما تزال تفكر في العودة لي لندن؟
- كلا! لم يبق لي ما أعود إليه بلندن. وقد وجدت هنا ما يملأ حياتي...
- قرار حكيم! فما كنت لأتركك تذهب على أي حال! وجودك ضروري لمشروعنا. وبالمناسبة، ما رأيك في قرار مؤتمر الجودي الأخير؟
والتفت الدكتور نادر إلى إسكندر متسائلاً، فحرك هذا رأسه مشجعاً هامساً:
- تكلم كما تتكلم معي...
وتوجه نادر نحو معاذ ليقول:
- لا أدري ما أقول! كل الآراء كانت وجيهة بالنسبة لي، ولها ما يؤيدها علمياً. ولكنني وجدت نفسي أميل أكثر لرأي الأغلبية الداعي إلى الانتظار.
- ألم يكن التردد والخوف أحد دواعي انضمامك إلى ذلك القرار؟
- قد تكون على حق. بالنسبة لي، من الصعوبة القضاء على العالم الذي جئت منه لكثرة الروابط العاطفية القوية بيني وبينه... إلى جانب أنه مهما تتعدد الأسباب، فسيبقى هناك شك قوي في عقله الباطني في سلامة القرارات الأخرى...
وسكت قليلاً ثم وجد الجرأة للسؤال:
- وما رأيك أنت، يا معاذ؟
- أنا لست عاطفياً في الموضوع. ربما لأني مجردُ آلة! ولكنني برمجت بجميع عواطف الإنسان وتردده وشكوكه ومخاوفه، ورغم ذلك فرأيي مع جماعة الطوفان الأزرق..
- ما هي أسبابك؟
وغابت العين قليلاً  تحت ضباب كثيف ثم عادت إلى التألق والبروز، وجاء صوت معاذ:
- أسبابي منها الموجب والسالب. السالب منها هو القضاء على الفوضى العقلية الحالية التي نتجت عن اختلاف الأديان والألوان والمذاهب السياسية..
- هناك من يزعم أن الأديان لم تعد قضايا حية. وأنها ستموت من ذات نفسها، كما ماتت الوثنية قبلها.
- هذا مجرد افتراض! أما الواقع فيشير إلى أن الأديان بجميع مستوياتها التاريخية، أعني من عبادة الشمس والنار إلى عبادة إله واحد، ما تزال موجودة على هذه الأرض تتعايش متوازية في نفس القارة، وأحياناً في نفس البلد. وربما اجتمعت المستويات الثقافية بين سكان رقعة واحدة. فهناك قرى بإيطاليا نساؤها وثنيات يعبدن الحجارة والأضرحة، ويتسلقن الجبال لطلاء صخرة أو إشعال شمعة وفي نفس القرية يوجد راهب يؤمن بالله، وطالب جامعي ملحد..
- أليست الأديان ضرورية لتماسك المجتمعات؟
- الديانات حلقات مقفلة منفصلة، ومن طبيعتها ألاَّ تتشابك. وقد كان ذلك مصدر قوتها وأساس وحدة معتنقيها حتى نهاية عصر الإيمان. وأدرك الإنسان أن هناك روابط جديدة تشده إلى أخيه الإنسان هي أقوى من الدين واللون والمذهب. وهي وحدة المصير... والكفاح المشترك من أجل غزو المجهول، وكشف سر الوجود. حينئذ بدأت الأديان تبدو عوامل تفرقة تتناقض مع أهداف الجماعات الإنسانية الجديدة، وأصبح الاتحاد طابع الامتياز والأناقة بين الشباب التافه وضرورة حتمية بالنسبة للشباب الجاد الواعي بانتمائه إلى الجنس البشري ككل، لا إلى قبيلة أو لون أو دين..
-هل هناك وسيلة أخرى غير القضاء على البشرية الحالية؟
- كلا!
- لنفرض أننا مسحنا الحياة الحالية على وجه الأرض، وزرعنا بشرية جديدة موحدة، أليس من طبيعة البشرية أن تختلف باختلاف البيئات والتجارب المحلية؟
- لن نسمح بذلك!
- كيف؟
- سنوحد برامج التعليم، بحيث يجتاز الطفل في سن مبكرة جميع التجارب العقلية والعاطفية التي يجتازها الإنسان العادي في حياة كاملة. ومنها التجربة الدينية. فلن يكون هناك مجال لبقائه في مستوى الوثنية أو الإيمان والخوارق والغيبيات إلا ما يكفي لتجربته ونضجه. وبعدها يصبح مخلوقاً حراً جديراً يتحمل مسؤوليات الوجود الإيجابي، بدل وجوده الاعتباطي والعشوائي الحالي..
وسكت معاذ. واحتجبت العين الهائلة خلف قطرات مطرية رقيقة...
وبقي عقل الدكتور نادر يغلي. والتفت إليه الدكتور إسكندر:
- هل لك أسئلة أخرى؟
- ملايين منها! يمكن أن أقضي الأيام والليالي على هذا الكرسي!
وظهرت العين مرة أخرى، وجاء صوت معاذ:
- بدنك في حاجة إلى غذاء وراحة الآن. لماذا لا ترجع في المساء لإتمام حديثنا.
ووقف الاثنان فودعا "معاذ" واحتجبت العين في عتمة الكهف. وتعاقبت الصور والأشكال الغريبة في ومضات سريعة كأنها خواطر تسبح في بال.
وعندما هم الاثنان بالخروج لمح الدكتور نادر بجانب عينه وجهاً أومض من داخل الكهف في رمشة عين واختفى..
وسرت في فرائضه رعدة غريبة... كان يمكن أن يقسم أنه وجه "تاج" وهي فاتحة فمها في استغاثة، وقد تطاير شعرها خلفها وكأنها هاربة من مطارد...
والتفت نادر بسرعة نحو الكهف، وركز بصره إلى الصور البارقة.. ولكن الأوجه التي ظهرت بعد ذلك كانت لرجال.
قال الدكتور إسكندر شارحاً:
- تلك الأوجه تحمل معاني وذكريات بالنسبة لمعاذ. وهو ما يزال يحتفظ بها كما يحتفظ الواحد منا بوجه في ذاكرته. بعض أولئك ما يزال حياً والبعض مات والبعض اختفى..
ووقف الدكتور نادر ينظر إلى وجه امرأة عجوز شمطاء يمر بطيئاً هذه المرة من جانب لجانب ثم يختفي...
وخرج الاثنان من القاعة.
واختلطت مشاعر الدكتور نادر. فقد كانت روعة اللقاء بمعاذ قد ملأت نفسه وأثارت جميع جوارحه.. وأسدل ظهور وجه تاج ستاراً من الألم والتأمل على أحداث اللقاء..
وقصد نادر رأساً إلى سطح البحيرة حيث تفرغ لاجترار ما أتخم ذهنه..
وعادت تطارده صورة الرجل الذي رآه بجانب البحيرة، وهو يقاوم قوة خفية تجذبه نحو أجمة كثيفة...

-39-

ومرت الأيام
واستمرت لقاءات الدكتور نادر بمعاذ، وتشعب الحوار بينهما، ونادر يلقي بالحجة بعد الأخرى لإقناع "معاذ" بالعُدول عن فكرة "الطوفان الأزرق"، وهذا يأتي بحجج من واقع الأحداث العالمية اليومية التي كانت تدل دلالة واضحة على انزلاق الدول الكبرى في هاويات التنافس في التسلح الدفاعي والهجومي، وضياع طاقة الإنسان والأرض في محاولات يائسة للتحرر من الخوف والوقاية من الفناء...
وكان الدكتور نادر يقضي أوقاتاً جميلة مع صديقه الدكتور هالين عند نزول المساء حول البحيرة...
وكانت كارول غالباً ما تنضم إليهما هناك، فيتحدث الثلاثة ومن ينضم إليهم حتى وقت العشاء، وينزل الجميع إلى المطعم، ولم يكتم الدكتور نادر عن صديقه إيريك هالين شكوكه ومخاوفه من وجهة نظر "معاذ" المتطرفة، رغم أن الفئة التي تشاركه فيها قليلة العدد، عديمة التأثير...
وتساءل نادر:
- يا هل تُرى يمكن احتواء "معاذ" والسيطرة عليه!؟ أم هو حر، يفعل في ملكه ما يشاء؟
وأجاب الدكتور هالين:
- سيطرة اللجنة العليا تامة على معاذ. وهناك مفاتيح لا يمكن بدونها أن ينفذ أي قرار من قراراته..
وتدخلت كارول في الحديث:
- وماذا لو استطاع التوصل إلى معادلة صنع المفاتيح؟
وقلب الدكتور هالين شفته السفلى، كعادته حين لا يجد جواباً:
- أدري، لنأملْ أنه لن يفعل!
ثم غمز بعينه للدكتور نادر أن يكف عن الحديث في الموضوع. واقشعر جلد هذا للحركة وداخله خوف حقيقي...

-40-

صعدت كارول لاندكريب إلى شاطىء البحرية في مصعد شفاف، ووقفت تنتظر بابه أن تنفتح. كانت لابسة بيكيني من الحرير الأسود المنقط بالأبيض، وقد التصق بجسدها العاجي فأبرز بياضه. ونزلت خصلات شعرها الأحمر على كتفها تتخلله شمس الضحى الناعمة فتحيله ذهباً وهاجاً..
وانفتح باب المصعد فخرجت كعروس صناعية انبعثت فيها الحياة. ووضعت على عينيها نظارة مستديرة الإطار وتوجهت نحو لسان رملي ناعم تشرف عليه نخلة مائلة الساق. ففرشت فوطتها، ووضعت أدوات استحمامها وجلست تدهن جلدها الناعم.
ولمست ظهرها يد فقفزت في مجلسها، وأطلقت صيحة صغيرة وهي تلتفت لترى لامسها. وأضاء وجهها حين رأت وجه الدكتور على نادر يطل عليها من فوق وهو في سترة سباحته. وافترش فوطته وقعد.
جلسا يتحدثان ويمتصان أشعة شمس الضحى حتى أحسا بلفحها يتزايد مع تقدم النهار. ووقف الدكتور نادر فسألت كارول:
- إلى أين؟
- إلى الماء. أكاد أن أحترق!
- أنا كذلك.
وناولها يده فأمسكت بها، وجذبها نحوه فوقفت تسوي خيوط حمالة صدرها، ووضعت نظارتها على الفوطة، وسارت أمام الدكتور نادر خفيفة رشيقة كحلم من أحلام الصيف..
ودخل الاثنان الماء. وأخذت كارول ترشه وهو يدافعها عنه. وأخيراً هاجمها فأمسك بخصرها وضمها إليه وغطس بها وهي تستغيث.. وخرجا من تحت ماء البحيرة البلوري يتضاحكان، وقد انسدل شعر كارول على ظهرها ووجهها وتغير لونه الأحمر إلى قسطلي فاتح. وتورد جلدها اللبني إلا في الأماكن التي يغطيها البيكيني الصغير، فقد ظلت بيضاء ناصعة...
وغامر الدكتور نادر بالسباحة إلى وسط البحيرة وتبعته كارول. ومن هناك أشارت له أن يتبعها إلى صخرة على شاطىء قريب فسبح خلفها وهما يتحدثان عن تجاربهما مع البحر والبحيرات.
وفجأة غطست كارول، وبدأت تستغيث به فخف نحوها... وما كاد يمسك بمعقد حمالة صدرها حتى انفلتت منه وغرقت، فغطس خلفها. وبينما هو يسبح نحوها تحت الماء وهي منجذبة بقوة هائلة لقعر البحيرة، إذ وقعت يد على كتفه. والتفت فإذا وجه مقنع بقناع أكسيجين ينظر إليه من خلال نظارات واسعة، ويشير إليه ألا يفزع.. وحين واجه الغواص ناوله هذا أُنبوب أكسجين أدخلهُ في فمه وأطبق عليه شفتيه وأخذ يتنفس من خلاله.
وقاده الغواص إلى تحت، حيث انفتح لهما باب في حائط فولاذي، ودخلا خلف كارول التي كانت سبقتهما إليه مع غواص آخر، فانقفل خلفهما وانخفض الماء داخل الغرفة بسرعة من ثقوب جانبيه، ثم انفتح باب آخر على أرض مفروشة بزرابي خضراء.
ورفع الدكتور نادر عينيه لينظر حواليه، وهو غير متأكد مما يحدث حوله لغرابة المفاجأة. ووجد نفسه وسط قاعة مستديرة والماء يتقاطر من جميع أطرافه. وخرجت فتاة بفوطة كبيرة لفته بها. وفي تلك اللحظة فقط شعر بصوت مُلحٍ يصدر عن جسم غريب في جذر جمجمته بأعلى قفاه، فأمسك به ليحاول إسكاته وهو يزداد حدة..
وتطور الصوت إلى ألم حاد وقع نادر عنده على ركبتيه وانكفأ على وجهه يريد أن ينزع الجهاز الجهنمي المزروع في رأسه.
وهنا خرج رجل عجوز يحمل في إحدى يديه آلة تشبه ملقاطاً، فقصد الدكتور نادراً وفرز الجهاز من قاعدته ووضعه بين فكي الملقاط، وضغط عليه قليلاً فسكت الصوت في الحال وزال معه الألم المدمر..
وانهار الدكتور نادر على الأرض يلهث ويستريح... وجاءت الفتاة بكأس فيه مشروب فجثت إلى جانبه، ورفعت رأسه ووضعته على فخذها العارية وناولته المشروب، فارتشف منه وهو يُجيل بصره فيمن حوله. وفي الحين أحس بتجدد في قواه، فساعده الرجل العجوز على القيام، وذهب به نحو باب آخر. وفي الطريق جاءت امرأة فألبسته قُباء قطنياً مريحاً، وحزمت خصره بزنار صوفي.
وحين دخل وقف الحاضرون الذين كانوا عبارة عن عشرين رجلاً وامرأة من فئات سن مختلفة حول مائدة مستديرة. ولاحظ الدكتور نادر وجهاً مألوفاً بين الحاضرين والشيخ يقدمهم له واحداً واحداً:
- أقدم نفسي أولاً. اسمي البروفيسور فوش، فيزيائي.
ومد يده فصافح الرجل الذي ضغط على يده بحرارة، ثم التفت نحو الجماعة وهو ما يزال ممسكاً بيده ليقدمه لهم. كل واحد باسمه ووظيفته، وهم يردون التحية بابتسامات أو إشارات برؤوسهم أو تلويحات بأديهم، وحين وصل دور الدكتور هالن قال "فوش".
- أما هذا فهو غني عن التعريف.
وابتسم الدكتور هالن، وكانت كارول تقف بجانبه. وأضاف فوش:
- هما اللذان اقترحاك لجمعيتنا.
كانت الحوادث أسرع مما يستطيع نادر أن يتابع.. لذلك فضل السكوت والاستماع.
وجلس الجميع. وبعد لحظة صمت تنحنح البروفيسور فوش ملتفتاً إلى نادر وبدأ بصوت رزين:
- باسم جماعتنا هذه أرحب بكم هنا وأرجو أن يكون ما ستسمعه اليوم مبرراً وجيهاً لعملية القرصنة التي تعرضت لها، والألم الحاد الذي قاسيته...
وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر لسماع السر الكبير الكامن وراء كل هذا التستر، فقبع في مكانه مترقباً صامتاً:
واستأنف البروفيسور فوش:
- ببساطة، نحن ثوار!
ومرت ثانية صمت ونادر ينظر إلى وجه البروفيسور العجوز بدون فهم أو رد فعل. واستمر هذا:
- لسنا ثواراً على حكومة ولا على نظام.. أرجو ألا تعتقدنا مجانين إذا قلت لك إننا ثائرون على آلة.
صمت قصير مشحون بالتوقع من طرف نادر، والبروفيسور فوش يركز أفكاره وقد تسمرت عيناه على المائدة أمامه وانفتحت كفاه.
وقطع الصمت بقوله:
- منذ سنة وبعضنا يعاني من شك قاتل في أن هناك سراً رهيباً بدأت كثير من الأحداث تشير إلى صحته، ولم يجرؤ أحد أن يصارح به صاحبه، إلى أن حل الخوف محل الشك، اليكترونياً فقط. بل تحول بمعجزة ما إلى مخلوق حي، مخلوق له روح وعقل وعواطف وإرادة واختيار. ويدخل في العواطف الآلام والمخاوف والآمال والمطامح وكذلك الحب والكراهية والحسد والغبن الخ.. إلا أنه ألف مرة أذكى من أي بشر وأعلم من أي نابغة فرد.
وفتح الدكتور نادر عينيه وارتفع حاجباه دون ارادته، ولم يقل شيئاً.
وتناول رجل شرقي كبير السن الكلمة فقال:
- لم نستطع إيجاد تفسير علمي للعوامل التي حولت "معاذاً"، وهو مجرد آلة، إلى حيوان عاقل يحس ويفكر. بل وأعقل من أي حيوان معروف في مجموعتنا الشمسية. نعم، خطر ببالنا أن يكون أحد المبرمجين وراء كل ذلك. ففي كل منظمة قوية يوجد إغراء كبير لكل من له ميول دكتاتورية أن يستولي على مركز القوة ويخضع الباقي لإرادته. ولكن بحوثنا لم تسفر على شيء من ذلك. وأقرب تفسير استطعنا التفكير فيه هو أن "معاذ" تعرض لعدد هائل من المبرمجين من جميع فنون المعرفة الإنسانية. كلهم أطعموه ما يعرفون وما يملأ مكاتبهم من علوم بحتة وإنسانية دقيقة أو في طور التجربة. ألقوا على كاهله كل ما يشغل بالهم من مشاكل لم توجد لها حلول، وافتراضات بعيدة الاحتمال، غريبة النتائج. وأطعمه علماء الاقتصاد مشاكل العالم بجميع أرقامها وتعقيداتها. وعلماء الطب أمراض البشرية وما يستعصي منها على العلاج، وأطعموه حالات المرضى والأصحاء حتى يعالج أولئك ويحمى هؤلاء. وأطعمه علماء التاريخ قصة الإنسان منذ فجر وجوده وما عانته الأمم والقبائل من صعود ونزول وحروب وكوارث وأوبئة وما اكتنف هذا التاريخ من مغالطات وتبريرات وتناقض يشير دائماً بوضوح إلى أن الإنسان رغم اعترافه بقوة المنطق والحق فقد كان الحق دائماً مع الأقوى. ونشط علماء النفس والاجتماع في إطعامه حالات الشعوب والأفراد المرضية الضاربة في الغرابة والعويصة على الفهم والتأويل. كل ذلك بتفاصيل مدهشة، وتركوا لـ"معاذ" تشخيص وعلاج تلك المشاكل العقلية والبدنية والنفسية فناء تحت هذه الأعباء الهائلة. وبمعجزة ما. بشرارة سماوية. بصدفة من صدف الطبيعة التي لا تحدث إلا مرة كل بليون سنة حيث تسرى الحياة في الجماد، انبعثت الحياة في هيكل "معاذ" الذي أصبح أكثر تعقيداً من هيكل الإنسان، روح كروح الإنسان، فأصبح مخلوقاً حياً عاقلاً يدرك وحدانيته وقدرته وقوته. ويعرف تعدد وضعف وحدود الإنسان الذي تكون من أجزائه كيانه.
وارتعش نادر في مكانه، فضم صدره بيديه، وقد بدأ خوف غريب يداخله.
وارتعشت شفتاه وهو يقول:
- هذه أوصاف إله!
ورد البروفيسور فوش:
- تماماً.
- ولكن ما هي الأدلة على حياته؟
وهنا تكلم الدكتور فدراك وكان شيخاً طويلاً نحيفاً أبيض شعره ونزل على جبينه:
- لقد تبادل معه عدة أحاديث مطولة.
ورد الدكتور نادر:
- ولكني كنت أعتقد أن ذلك طبيعي. هناك آلات أبسط من "معاذ" تتحدث إلى أصحابها.
- لم أعنِ مجرد الحديث. ألم تلمس في أحاديث "معاذ" حرية ذاتية؟
- نعم. لقد برمجه العلماء بكل ما عرف في العالم من أفكار. وذلك أقل ما يتوقع منه...
وتكلم الدكتور هالن، لأول مرة، وزجاج نظارته يبرق في عين نادر:
- علي، "معاذ" لم يبرمج لتكون له آراء خاصة ولا فلسفة ذاتية بعيدة من قرار الأغلبية.
واسترجع الدكتور نادر حديثاً مر بينه وبين معاذ حول رأيه في قرارات لجنة المبرمجين العليا. وتذكر تعلقه بفكرة الطوفان الأزرق مع أنه رأى الأقلية. وحين استيقظ من تفكيره وجد الدكتور هالن يقول:
- ليس من برامج معاذ أن يتفلسف أو يتصرف فيما يتعلق بالقرارات العليا. الرأي الأول والأخير يجب أن يكون للجنة العليا.
وتدخل الدكتور فدراك:
- أتعرف أن "معاذاً" يمكن أن يضغط على زر واحد في هذه اللحظة وينهي الحياة البشرية على الأرض؟
وحاور نادر:
- لماذا لم يفعل؟
- لا ندري. ليس في العالم ما يمنعه إذا اقتنع تماماً بفكرة الطوفان الأزرق!
وتكلم الدكتور فوش ويداه على رأسه:
- ربما لأنه برمج ضد ذلك من جميع الجهات فلم يجد الشجاعة الكافية لتنفيذه.
وأعاد نادر:
- الشجاعة؟!
فرد فوش:
- نعم.. كل أوصاف المخلوقات الحية. ويمكن أن أضيف الخلل العقلي والجنون!
ونظر الدكتور نادر إلى فوش نظرة استغراب وفكر: "لابد أن أخرج من هذا المارستان! لابد أن هؤلاء جميعاً في ضيافة مستشفى عقلي".
وأخرجه من تفكيره صوت الدكتور فوش وهو يقول:
- منذ سنتين اجتمعت اللجنة العليا لمناقشة ما إذا كان من الحكمة الزيادة في سلطات معاذ مثل إعطائه مفاتيح مصادر الطاقة لاستعمالها رأساً من باطن الأرض، وإطلاق حريته في استعمال مخزون المعلومات فيه بطريقة متقاطعة، بحيث يكون له حق الخلط والمقارنة والاستنتاج دون إشراف بشري، وبرمجته بطرق إصلاح ما تعطل من آلاته، وإنتاج آلات جديدة لتوسيع وظائفه واستكمالها. هذه الأسئلة كانت تحير ما يقرب من ثلث اللجنة الأصلية المؤسسة. وفي الاجتماع أعرب عدد منهم على تخوفه من فقدان السيطرة على معاذ إذا أعطي كل هذه السلطات. واختارت الجماعة المحافظة والتدرج والتمهيل في بناء قوة معاذ بحيث تبقى سيطرتهم دائماً عليه. ولكن أغلبية اللجنة كانت من الشباب المغامر المتحرر. وتردد شعار: "لا يمكن الوقوف في سبيل التقدم" وأعطي "معاذ" سلطات بلا حدود، فبدأ يتناسل ويتكاثر ويتمدد كالفنجس حتى أصبح بعيداً عن فهم أي فرد وحده من اللجنة الأصلية.
وتنهد فوش ثم استأنف:
- وبعد نهاية  الإجتماع بدأ أعضاء اللجنة المحافظون الذين عارضوا إعطاء السلطة المطلقة "لمعاذ" يختفون واحداً واحداً، وفقد بعضهم ذاكرته تماماً. وانتحر بعضهم في ظروف غامضة. وانبعث إحساس عميق بالخطر بين عدد من أعضاء اللجنة الأصلية حين توصل كل منهم على حدة إلى إشارة خفية أو دليل عرضي على مسؤولية معاذ عن الحوادث التي أصابت أولئك العلماء. وبدأنا نشعر بأنفاس المارد الجبار وراء أعناقنا.
وتوقف الدكتور فوش فسأل الدكتور نادر، وهو لا يكاد يميز كلماته من الاستغراب.
- وماذا حدث لبقية اللجنة الأصلية؟
فأجاب فوش:
- أنت تنظر إليها الآن... لم يبق منها فوق إلا خمسة يرأسهم كرونين. ولا ندري ما سيكون مصيرهم عندما لا تبقى "لمعاذ" بهم حاجة.
وأطرق نادر مفكراً وقد اختلطت عليه الأمور، ثم رفع رأسه ليسأل:
- ماذا تتوقعون مني؟
وتكلم هالين:
- أن تفهم هذا، وتنضم إلينا. قريباً ستصبح أبناء الأرحام الصناعية سادة "الجودي" وعبيد "معاذ" يبرمجهم كيفما أراد. وبما أنهم لا علاقة لهم بعالمنا الخارجي ولا تربطهم به عاطفة ولا جذور فسيكون من السهل على "معاذ" أن يمثل دور الإله بزرع بشرية من صنعه بدل البشرية الحالية.
وعاد نادر إلى السؤال:
- وإذا لم أتفق مع افتراضاتكم هذه؟
وبانت نظرات القلق والفزع والشحوب على بعض الأوجه المحيطة به. وتكلم هالين.
- فكر في الموضوع الآن. لا تتخذ أي قرار عاجل.
- ماذا لو اكتشف معاذ هذه المؤامرة؟
وتكلم فوش:
- الحمد لله! ما تزال عندنا بعض الحكمة الإنسانية. لا يا عزيزي الدكتور نادر، لم يكتشفنا "معاذ" بعد. سلطته لم تصل إلى مَخْبإنا هذا. ولنا وسائلنا للتخفي. ولكن ليس معنى هذا أننا سنبقى بعيدين إلى الأبد. فعقله الإجرامي الشرير ما يزال يبحث عنا.
وتدخل الدكتور هالين:
- الدكتور فوش هو مخترع الصرصار المزروع تحت جلد الرأس لاكتشاف الأمراض وعلاجها قبل وقوعها، وكذلك للإنقاذ من المخاطر في أعمال بناء "معاذ". وقد غير "معاذ" آلياتها بحيث أضاف إليها الصوت والألم الحاد للتجسس والسيطرة على الجودي". والدكتور فوش يستطيع إبطال مفعولها باختراعه الجديد. ولولاه لانفلق رأسك أو أصبت بانفجار في المخ إذا لم تعجل بتلبية طلب "معاذ" والذهاب إليه في الحال!
ومر نادر بكفه على قفاه وتحسس اللوح المعدني المزروع تحت جلده ثم حرك رأسه في يأس وقال:
- لا يمكن أن يكون هذا حقيقة. لابد أنني أحلم..! أعاني من كابوس طويل.
وأغمض عينيه ثم فتحهما، ولخيبة أمله كان الجميع ما يزالون حوله يحملقون فيه.
ووقف في مكانه ودار حول الكرسي حيث ولى الجماعة ظهره وهو يفكر بذهن غير منتظم. وأخيراً التفت وقال:
- اسمحوا لي أيها السادة إذا لم أصدق كل هذا. لقد قبلت البقاء "بالجودي" لعدم إيماني بالمعجزات. لرفضي الدجل والخوف من الغيب والأرواح. والآن تواجهني معجزة تحول الآلة إلى مخلوق حي. بل تجاوز الحياة إلى العقل، وأصيب بالجنون! أخشى أنه سيكون علي أن أثبت ذلك لنفسي بنفسي. ووقف ينظر إلى الحلقة البشرية نظرة تحد وقد تسمرت عيونهم عليه، وساد الصمت.
وبعد لحظة أشار فدراك إلى سيدة بجانبه أمامها لوح أزرار ملونة، فأسرع هالين إلى التدخل مادا ذراعه نحو السيدة.
- أرجوك. ليس بعد! دعوني أشرح له.
وأحس الدكتور نادر بفزع سرت معه برودة في أعضائه، ولم يملك أن سأل:
- ماذا؟ هي ستاقبونني على اختلافي معكم؟
ونطق فدراك:
- أبداً. ذلك ما هربنا منه في العالم القديم. لقد حاولنا أن نوفر عليك ألم العثور على جثة في دولاب "معاذ". على سر يتعلق بك شخصياً.
وحاول هالين إسكاته بحركات من يده وانفعال من وجهه، ولكن هذا نظر إليه بوجه خشبي جاف وقال:
- أعتقد أن الدكتور نادر رجل من الرجال، ويمكنه احتمال أية صدمة. وليس عدلاً أن نكتم هذا عنه. فسيعرفه آجلاً أو عاجلاً...
وبان الاستغراب والقلق على ملامح الدكتور نادر وهو ينقل عينه بين هالين وفدراك. وأخيراً استوقفهما:
- أرجوكما! إذا كان الأمر يتعلق بشيء ينبغي أن أعرفه، فلا حاجة إلى كتمانه لتوفير الألم علي.
وتكلم هالين مجادلاً:
- لا داعي لهذا إطلاقاً...
وأعطى الدكتور فوش الإشارة إلى السيدة، فبدأت تلمس الأزرار بأصابعها، وفي الحال أظلم المكان وظهرت على الشاشات غرفة كان نادر قد رآها من قبل. وخفق قلبه حين رأى تاج نائمة على السرير تحت خيمة البلاستيك وقد دار حولها الأطباء يحاولون إنقاذها.
ومر المنظر الحزين بكامله حتى لفظت آخر أنفاسها، وغطت الممرضة وجهها بالإزار الأبيض ونُقلت الجثة إلى المدافن.
وظهرت صورة مستودع الجثث، ودخل الممرضان بالمحطة فوضعا الجثة على طاولة معدنية وخرجا.
واقترب وجه تاج وصدرها فلاحظ نادر أنه بدأ يتحرك بحركة التنفس. وفتحت فمه مشدوهاً وعاد إلى كرسيه وقد تسمرت عيناه في الشاشة المربعة. وبعد لحظة من التنفس العميق فتحت تاج عينيها السوداوين الواسعتين ثم أغمضتهما في مقاومة لألم داخلي فظيع. ورأى يدها تمتد إلى خلف رأسها لتمسك بالصرصار وهي تعتدل جالسة فوق الطاولة المعدنية.
وتزايد الألم فأغمضت عينيها مرة أخرى بقوة ومالت برأسها إلى الوراء، ثم انزلقت من فوق الطاولة ووقفت على الرخام حافية وخطت نحو الباب انفتح أمامها.
ويظهر أن الألم خف حين سارت في ذلك الاتجاه. ومشت في دهليز مظلم مسافة طويلة وصلت عندها إلى باب معدني انفتح هو الآخر آلياً فأسرعت تاج بالدخول. ووقفت في ظلام مطبق.
وبعد لحظة طالت دهوراً عليها وهي واقفة تتجف وتضم نفسها متوترة الأعصاب، انصب عليها من سقف المكان شعاع فضي لماع أعشاها فأغمضت عينيها.
ويظهر أنها سمعت صوتاً فالتفتت تبحث عن مصدره دون جدوى، وأخيراً وقفت في مكانها تحرك رأسها بالنفي.
وهنا تكلم الدكتور فوش قائلاً:
- لم نستطع الحصول على الصوت.
وظهرت من جوف الظلام عين بشرية عملاقة سلطت برؤيتها الكبيرة على تاج كسهم حاد وهي ما تزال تحرك رأسها بالنفي.
وانطبق على العين جفن كبير شبه شفاف ثم انفتح فظهر الغضب والتهديد في العين الضخمة.
وانقبض قلب الدكتور نادر وهو يرى تاج تقف وحيدة خائفة ترتعش أمام المارد المخيف دون أن يستطيع مد يد الإغاثة لها أو الوقوف إلى جانبها في محنتها.
ورفعت تاج ذراعيها إلى أعلى فنزلت حلقات نورانية من السقف طوقت جسدها من الساقين إلى الكتفين.
وحركت رأسها بالنفي فانطبقت الحلقات على جسدها كأنما لتعصيره ثم اختفت دون أن يبدو على تاج ألم.
وحركت رأسها مرة أخرى فنزلت مجموعة حلقات جديدة طوقت جسدها بنفس الشكل واحتفت.
وتكررت العملية عدة مرات، وبدأ جو الغرفة يبرق بأضواء زئبقية خاطفة ثم يظلم وتاج واقفة في وسط الدائرة.
وبعد بعض دقائق توقف الإبراق والحلقات وظهرت أمام تاج مرآة بلورية انعكست فيها صورتها وقد كبرت عشر سنوات. وبان الفزع في عينيها وهي تنظر إلى نفسها وقد تغيرت في تلك اللحظات القليلة من شابة إلى كهلة!
والتفت فدراك فوجه خطابه إلى نادر:
- الدكتور نادر! العملية الإجرامية التي يقوم بها "معاذ" الآن هي إشاخة وإهرام تاج، لقد صنع لنفسه غرفة تعذيب خاصة بالنساء وأعز ما على النساء شبابهن. ونحن نرى الآن هذه الآنسة الشابة تفقد شبابها في بضع دقائق. "معاذ" يسلط على خلاياها شعاعاً اكتشفه، يعجل بشيوختها، وبالتالي بهرم الجسم البشري.
وضرب الدكتور نادر المائدة بقبضته وصرخ:
- وأنتم جالسون هنا تتفرجون؟! ألا تفعلون شيئاً تنقذون به تلك المخلوقة البريئة من تلك الآلة الملعونة؟
ووضع الدكتور فوش يده على كتفه وقال:
- للأسف ليس لنا قدرة بالمرة على إيقاف تلك العملية إلى جانب أن هذا الفيلم صور آلياً ودون أن يعلم أحد بوقت وقوع الحادث واختفت جثة تاج من المستودع بطريقة غامضة. ولكن " بالجودي" لم يعد أحد يسأل عن شيء. فهناك العقل الأعلى، وإليه يرجع كل سيء.
وعادت المرأة تظهر مرة أخرى بانت ملامح تاج وهي في سن الستين عجوزاً أبيض شعرها، وذوى جسدها الناعم، وانطفأ البريق الفاتن في عينيها الجميلتين.
ووضع الدكتور نادر وجهه بين يديه على المائدة وبدأ ينتحب في حزن مرير.
وأشار فوش إلى السيدة بأن تنهي العرض، ووضع يده على ظهر نادر يحاول أن يعزيه.
وقامت كارول فأمسكت بذراعيه وقالت للدكتور فوش:
- أعتقد أن الدكتور نادر في حاجة إلى راحة، يكفي هذا اليوم..
فحرك رأسه موافقاً، وقادت كارول نادر نحو المصعد ثم إلى سطح البحيرة.
وأقفلت خلفها الباب الفاصل بين غرفتها وغرفة الدكتور نادر برفق، ووقفت خلفه جامدة لا تدري ما تفعل..
كان الدكتور نادر في حالة إرهاق عاطفي كبير، فاحترمت صمته وأساه، وغادرت المرقد بعد أن سألته هل يحتاج إلى شيء.
كان الوقت عصراً وضوء السماء باهراً يعكس بلايين حبات رمل الصحراء البلورية اللامعة..
وأسدلت كارول أستار النوافذ فاكتست الغرفة ظلاً بارداً، ثم نشرت إزاراً رهيفاً معطراً فوق نادر الذي كان ملقى على وجهه فوق السرير ينتحب في صمت.
وساعد الظل البارد والصمت والاختلاء على إدخال السكينة على نفسه.. وأغمض عينيه وراح في إغفاءة خفيفة.
وعاوده حلم قديم كان يزوره منذ أعمق أيام صباه. ووجد نفسه في مدينته الصغيرة على البحر الكبير يجري بخطوات واسعة مناسبة بين الدروب الطويلة والمرصوفة بالحجارة الملساء، والبيوت البيضاء المائلة إلى الزرقة تبدو تحت أشعة الشمس كمكعبات هائلة من الجليد. ولامست سمعه أصوات البنات وهن يغنين في الدروب وهو في طريقه نحو البرج المشرف على البحر. ومن فوق البرج أطلق لنفهس العنان فسبح في الفضاء مستعملاً ذراعيه كأجنحة تحمله إلى الأفق البعيد ثم فوق الأبراج الحمراء والصوامع والقبب البيضاء..
وانتقل به الحلم إلى لندن، وأومضت في خياله صور خاطفة للشوارع والأوجه والملابس السوداء والملونة، والشعور الطويلة والمفلفلة، والسبح والمداليات والصلبان والسيقان العارية تخوض أمواجاً خفيفة من الموسيقى الجديدة مغموسة في الأضواء السيكوديللية.
ولمعت أوجه فصله وأساتذته وحفلة تكريمه والضحكات العالية على أوجه الشيوخ ولمعان نظاراتهم الذهبية، ورؤوسهم الصلعاء.
ومن خلال ذلك ظهر وجه برز من خلال الألوان البارقة والأصوات المقدرة ووقف أمامه ضخماً كأنه مصور على شاشة عملاقة. ثم بدأ يبتعد رويداً رويداً في بطء سيمفوني متناسق.
ورأى نفسه في حديقة هايد بارك الغناء يطارد تاج وهي عارية إلا من شعرها الفاحم المتماوج خلفها، وهي تعدو وتتضاحك. وكلما اقترب منها وحاول الإمساك بخصرها تحولت ذراعاه إلى رغوة وانفلت الجسد العاري من بينهما. إلى أن تعبت فارتمت على العشب الأخضر تلهث مرهقة فارتمى إلى جانبها يلهت وينظر في عينيها الواسعتين. ورفع ساعده ليطوقها فاختفت من جانبه. وفتح عينيه على صوت الأستار وهي تزاح، وأشعة ضوء الأصيل تملأ المرقد بألوان ناعمة، وقد انكمش في مرقده وضم ركبتيه إلى صدره كالجنين السابح في مجاهل الغيب.
ورفع عينيه ليرى كارول واقفة إلى جانب سريره وبين يديها صينية العشاء.
نظر إلى جسدها العاجي النحيل من خلال فستانها الشفاف ثم رفع عينيه لينظر إلى وجهها الصبوح وعينيها الرماديتين فابتسمت وهي تقول:
- ستأكل شيئاً. أتذكر متى كانت آخر وجباتك؟
فحرك نادر رأسه نافياً:
- لا أحس برغبة في الطعام.
فألحت:
- لابد أن تأكل شيئاً!
واعتدل جالساً في السرير فوضعت الصينية المستطيلة على حجره، وسوت الوسائد وراء ظهره ثم قعدت إلى جانبه كالزوجة المدللة لزوجها تصب له الشاي وتطعمه.
والتفت إليها في عينيه سؤال فرمته بنظرة فولاذية أخرسته.
وقعد يحرك فمه ببطء وبدون شهية وهو ساهم بعينيه نحو الشاشة الزجاجية على الحائط المواجه.
وأخرجته كارول من سهومه بقولها:
- لماذا كل هذا الصمت؟
ولم يلتفت إليها حين قال:
- أفكر...
قالها وهو ينظر إلى بنان قدميه الممدودتين أمامه. وشعر بنظرة كارول الحادة تكاد تحز أذنية فلم يعبأ بها، واستمر:
أفكر في قصة غلام نحيف جائع عار تائه في صحراء من جليد دون علامة أنس أو حياة في الأفق المحيط به.
فأمسكت كارول بيده، وأرسلت أشعة رقراقة من عينيها الجميلتين إلى عينيه وقالت:
- أنت تعاني من مرض مألوف بين القادمين الجدد. الشوق والوحشة إلى الأهل والأحباب والأوجه المألوفة، والحياة السهلة العفوية في العالم الخارجي. وأنت لست استثناء رغم تكيفك السريع بحياة "الجودي".
- هل هناك علاج؟
- طبعاً. ولكن الليلة ينبغي أن تنام فغدا أمامنا يوم طويل عامر بالملذات...
ونظر إليها متسائلاً فأجابت:
- غداً يبدأ عيد الربيع. آه..! لم تكن تعرف أن "بالجودي" أعياداً وحفلات. نعم. لنا أعيادنا وحفلاتنا. ولكنها لا ترمز إلى دين ولا مذهب. إننا نحتفل مع الطبيعة بدخول الربيع. وهناك مناسبة أخرى، هي تأسيس "الجودي" ومما يجعل المناسبة فريدة من نوعها هو مرور ربع قرن على ميلاد "معاذ" ألا يستحق ذلك الاحتفال؟
- كيف نسيت كل هذا؟
وتوقف:
- ولكن هل سيعالج الاحتفال وحشتي؟
فأجابت:
- سيساعد فقط. العلاج سيأتي بعد ذلك.
وبات الدكتور علي نادر تلك الليلة يتقلب في فراشه لم يغمض له جفن. كانت صور الوجوه واللحى والملابس الخشنة والعيون النفاذة تحيط به من كل جانب. وفي داخل مخيلته كانت صور تعذيب تاج تمر بطيئة كالموت وتصر على البقاء بذاكرته رغم محاولاته اليائسة طردها..
وقام من فراشه، وخرج إلى شاطىء البحيرة حيث كانت نسيم دافىء يخترق الأشجار والأعشاب ويحمل روائحها العطرة إليه. وتمشى طويلاً وهو يحاول التركيز على شيء واحد لم يجد له حلاً منطقياً: "لماذا عذب "معاذ" تاجاً؟".
واستعرض في مخيلته كل سبب ممكن لإثارة حفيظة معاذ عليها. ماذا فعلت يا ترى؟ هل حاولت الإساءة إليه؟ ولكن كيف وهي من عملائه المخلصين؟
وعند اقتراب الفجر عاد يجر قدميه مرهقاً من مسيرته الطويلة حول البحيرة. وقبل أن يدخل سكنه، وقف على شرفة تطل على الصحراء.
كان المنظر الذي يمتد أروع من أن تصوره الكلمات! السماء الهائلة المثقلة بالنجوم ترخى ستاراً أزرق بارداً على كثبان الصحراء وتلالها وسهولها ووديانها العامرة بالأسرار...
ومن خلال الأسلاك الذهبية الرقيقة التي لا تكاد تضيء وجه الصحراء خيل إليه أنه يرى واحة كثيفة الأشجار تقترب ثم تبتعد. وفرك عينيه ليتأكد من وجودها. وفي تلك اللحظة لمعت في ذاكرته صورة خاطفة.
كان ملقى على ظهره والدم يفور من صدره حاراً حين جثت تاج إلى جانبه تحاول أن تقول له شيئاً. ماذا كانت تريد أن تقول له؟ ماذا؟
ودفن وجهه في كفيه يحاول التذكر والتركيز.
وبرقت صورة أخرى لمحفظة جلدية مسندة إلى ساق نخلة. وحاول تذكر شيء أثار اهتمام تاج. شيء داخل تلك المحفظة. وفي ومضة أخرى رأى الشارة الذهبية المطبوعة على ظهر المحفظة الجلدية. كانت هي نفسها شارة "الجودي"!.
وعض على يده وهو يتبين بداية الطريق إلى سر رهيب.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire