samedi 17 novembre 2012

البطاقة السحرية 3



لم يجب الابن بكلمة واحدة بل تنهد بقوة وأطرق رأسه يفكر، شادر الذهن، خيم الصمت بين الرجلين فاسحا المجال لدخان السيجارتين يتصاعد ملولباً نحو السقف، يحلق في الفضاء الضيق، وقف الدركي، ربت على كتف الرجل المنهار من الحزن والآسى ثم خاطبه بلطف.
- أيَّا- ارجع إلى أهلك والعن الشيطان الرجيم، وروح اترحم على قبر أبيك.. هيا اتكل على الله.
وقف الرجل هو أيضاً، وضع عقب السيجارة داخل منفضة بلاستيكية مهملة في زاوية على المكتب قرب التليفون العتيق، ثم غادر الغرفة في صمت مطبق، في الخارج استقبله أفراد العائلة متسائلين بأعينهم وبحركات أيديهم، نظر إليهم ملياً ثم طلب منهم الانصراف وعدم ركوب رؤوسهم، لأن الرجل بين يدي الدرك ولا يسلمونه مهما كانت الظروف.
فهل يحاربون الجيش؟! ارتفعت احتجاجات متعّددة بين الرجال إلى أن غادر الرهط المكان، يتقاسمهم شعور متناقض من الاعتزاز والشهامة ومن الاهانة والضعف والعجز عن الانتقام وعادة الاعتبار إلى شرفهم المدنس بطلقة رصاص غاضبة، دخل الدركي المسلح ووضع الرشاش في مكانه داخل الخزانة الحديدية وقال لصاحبه متعجباً:
- كأننا مازلنا في العصر الجاهلي! منذ التحاقي بالدرك لم أشاهد مثل العصبية القبلية، رغم انتقالي عبر خمس مناطق نائية وفقيرة وجبلية.
- ما زلت صغير السن ولم تشاهد حوادث كثيرة، سيأتي الوقت المناسب وأحكي لك عن أشياء لا يصدقها العقل.
عشرون سنة من الخدمة وأنا أتقاذف من نقطة إلى نقطة، كل واحدة تنسيك في السابقة.. كان المقتول قوياً ومتجبراً، تصور أنه سيخلد بماله، ولم يكن يتصور يوماً أن هناك من يواجهه أو يتصدى له، ولكن الدنيا لا تدوم لأحد مهما تَفَرعَنّ في رأيي إننا نطلب نقل المجرم إلى المقر الولائي، تفادياً لما قد يخطر في ذهن هؤلاء الناس...


الفصل السادس

ينبغي القضاء، على الخونة والحَرْكَة في كل الأزمان وفي كل بلدان العالم، لا يختلف الأمس عن اليوم، لا طعم للحياة إلا إذا تدحرجت في الهوية السحيقة كل الأقزام وكل القردة وابتلعتها البراكين وحولتها إلى رماد مسحوق يردم في الربع الخالي بعيداً عن كل العيون الحاقدة وكل الأقدام الوسخة كي لا تتلوث أكثر ويتضاعف الشر الأبدي، هكذا تموت الكلاب التي ليس لها ضمير ولا مبدأ في الحياة، جثة هامدة أمام الناس في وضع النهار تتخبط في الدم الأصفر، الدم الأجرب، دم السل، دم الأسنان المتعفنة التي حطمتها المشروبات الكحولية الرديئة.
سال الدم متأخراً جداً وروح الشهيد تتقلب في دجي القبر، لا تريد سكوناً ولا راحة إلا بعد الانفجار الأحمر، كانت تتعذب، منتظرة، لكن طال الإنتظار حتى كاد أن يخلد ومعه خلود القلق والكآبة الروحية، حيثما يخيّم الظلام الحالك على المقبرة، في تلك الليالي المتخاصمة مع القمر، ينبعث أنين خفيف يقطع الكبد، وينتشر في أرجاء الرموس المعشوشية، يتصاعد من تحت قبر يكاد ترابه يستوي مع الأرض بشاهد واحد فقط، مغطى بالحشائش الوحشية والأشواك، مهملاً، يزوره أحد، وصاحبه مجهول الهوية أيضاً- سيندثر بالتأكيد بعد أعوام قليلة حينما يبحث أحد الفقراء عن شاهد يثبته لقبر حديث العهد، فيستولي على الشاهد الوحيد المتبقى، حينئذ، سيرتفع الأنين ويسافر بعيداً مع الرياح البحرية، تبحث عن مستقر لها في جزيرة من جزر الواق واق، لكنني وضعت حداً لهذا الأنين الليلي، الحاد، المخيف، الآن فقط، ستنام روحك يا أخي في اطمئنان وسكون وراحة أبدية إلى أن ينفخ الرب في البوق معلناً عن يوم القيامة، عشرون سنة الروح تتقلب في عذاب لا يطاق، ينبعثُ الأنين، متأوهاً رغم المقامرين أنفسهم على عدم وطء. أرض المقبرة في مثل تلك الليالي السوداء، لقد أرغمهم مرات عديدة على مغادرة المكان ركضاً تاركين "الكرطة" والقطع النقدية والأحذية الموحلة والشموع المشتعلة حيث يستأنس الصوت بالشعلة ويقضي بقية الليلة حائماً حولها، هامساً تارة ونادياً وصائحاً تارة أخرى.
اسكني الآن يا روح ونامي في سكينة أبدية، أرحت ضميري لأنني قمت بما أن أقوم به منذ ذلك الوقت الذي كنا نتسلل ليلاً ونقطع الرقاب المشحمة في السكون المطبق، لنغادرها تتخبط في الدم المتفجر الساخن، كنا نحرس ألا تلطخ أحذيتنا العسكرية بذلك الدم الأصفر المتعفن الأجرب المسلول.
أينك يا زمان.. أينك لو تعود في رمشة عين فقط، لتتمكن من تصفية قطيع ضخم من تلك النعاج المبعبعة الراقصة، لن ينجو أحد، وكلما حفي السكين شحذته من جديد وجعلته يقطع رقبة بقرة هولندية بضربة واحدة لا غير.
أينك يا عمروش، أنت البطل الوحيد عبر كل الحروب والثورات، حينما اشتممت الروائح النتنة، اتخذت القرار الحاسم لتصفية الأجواء وإبخارها بعيداً عن الهواء، النقي للجبال.
أينك يا ليلة ملوزا، تلك الليلة المباركة.. حاصرنا القرية مدججين بالسلاح ومصممين على ذبح كل الخونة، كنت في الفصيلة السادسة والأخيرة، حاولوا المقاومة والدفاع عن النفس ولكنا كنا الأسود وكانوا الذئاب، نطق الرصاص جل جلاله ثم انسلت السكاكين البوسعاديه وارتفعت الأصوات المتوسلة وبكاء الأطفال وعويل النساء ولكننا لم نسمع شيئاً بل قضينا على كل الرجال المسلحين، ثلاث مائة وخمسة عشر جثة هامدة، درس لمن يعتبر، هكذا الثورة وإلا لا.. بعدها أصبح الناس يخافون من الانضمام إلى الجيش الفرنسي.. يخافون من الذبح، اللغة الوحيدة الممكنة مع الخونة، لماذا تحاكم الإنسانية مجرمي حرب الألمان ولا تحاكم مجرمي حرب الجزائر، فتشوا عنهم في كل الأماكن الممكنة التي تعب هؤلاء المجرمين في العثور عليها للإختفاء، ولكنها تتبعت آثارهم وأوقفتهم رغم تغيير الإسم وملامح الوجه بالجراحة التجميلية، أما نحن فنعرفهم ويعيشون بيننا، ونملك صوراً عنهم وهم فوق دبابات الأعداء يجوبون الشوارع، ولكننا لم نفعل شيئاً بل نقلد لهم الأوسمة ونُنَصّبهم في مسؤوليات مهمة، ونضع المكروفون أمامهم لينسجوا لنا حكايات نضالهم المتَخّيلة للتمويه، وبعد كل هذا الخبث، يصرُّ السرجان على أخذ البطاقة.
أعطيته البطاقة الحقيقية التي يستحقها، بطاقة حاسمة تدخله سعيراً مضطرماً من بابه الواسع المفتوح دوماً.. خلق الإنسان ليكون خيراً، ولد الخير والحب مع الإنسان ولكن حب الغير لا يعني الضعف والتسامح مع الأغوال، الغول يبقى غولاً حتى إن تقمص شخصية "أمحند البغل" الطيب الساذج الذي لم يقم بفعل شر أبداً طوال حياته، روحه كلها تسامح وتضحية وعطاء مطلق لا نهاية له، رغم ذلك تغلب على الغول الشرس الماكر الطاغي، بنيته الملأى بالحب والخير.
زدي إحكي لي يا عمتي خديجة.. مْحَاجِبَة واحدة فقط.. لا.. لا.. قصي علينا حكاية الربيب الفرطاس.. لا.. لا.. نقولك.. حكاية لونجا الغنجا... ما زال الحال يا عمتي و"النافخ" ما زال فيه الفحم، إذا غلبك البرد، نغطيك بالحايك ونزيد لك "هيدورة" فوق كتافك.. إحكي لي يا عمتي إحكي..
نستمع إلى زمهرير الرياح المثلجة، تجوب التلال والروابي، وتجرد الأشجار وتعريها وتتركها تتألم وتتأوه وتتمايل ضعفاً، الصمت المريب ومخيف ومطبق، نتكور حول المدفأة الفخارية نتلذذ بطقطقات الفحم المشتعل وأيدينا ممدة فوق الشعلة الباهتة، نتصيد الحرارة التي تساعد، على السهر للاستمتاع بحكايات عمتي خديجة الضريرة، لا تنقطع عن الروي، تنقلنا من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، وتحبب لنا الربيب الفرطاس وامحند الأبله الساذج الطيب "أر، أر، كلنا نسبان السلطان" وتجعلنا نحقد على الغول ونتمنى له الموت دائماً بأبشع الطرق، إنها منبع لا ينضب من الحكايات الشعبية، نحاصرها دوماً بعد العشاء، ننتظر بفارغ الصبر أن تكمل الصلاة ونهجم عليها، نلح ونلح متوسلين، لم نكن نعبأ بتعبها أو مرضها، المحاجية في النهار لها نتائج وخيمة، ستنجبون أولاداً فراطيس، لا يملكون شعرة واحدة فوق رؤوسهم بل ستخلفون البنات فقط وبدون شعر...
يا للمصيبة... بنات وبدون شعر... أعوذ بالله.. لا.. لا.. يا عمتي..
سننتظر الليل، ننتظر، ننتظر... ثم ننام في منتصف الحكاية ونكملها في الحلم أو الكابوس، نتمدد على الحصائر و"الهيادر" وننطلق في سبات عميق لذيذ، نكمل السفر الممتع وهي تروي، تروي وسط الدجى وطقطقات الفحم والشعلة الباهتة، وفجأة حينما تشعر بالصمت المخيم، تتوقف وتسترق السمع ممددة رأسها، ثم بعد أن تتأكد من نوم الجميع، تنهض بتثاقل ملحوظ، ترفع النافخ لتضعه قرب الحائط في زاوية آمنة، تتلمس الأجساد الممددة في أشكال متداخلة بعضها البعض، تسوي الأغطية الصوفية عليها، ثم تلتحق بالزاوية اليمنى وتصعد فوق سريرها الخشبي لترتاح من تعب وشقاء النهار، أصابها مرض الجدري وهي صغيرة، لم تتعلم الركض بعد وأطفأ نور عينيها إلى الأبد، فعاشت في أحضان جدي ثم أبي، كانت ذاكرتها قوية تفوق مسجلات العصر، تحفظ الأغاني والمدائح الدينية والحكايات بأعداد لا تعد، في موسم الصيف، يتخاطفها السكان من بيت إلى بيت، كنت أرافقها مراراً، أسبق كالرجل الشجاع وهي حاطة يدها اليمنى على كتفي وتتبعني، وعلى عاتقي سرد كل كبيرة وصغيرة أراها في الطريق، أسماء الناس وملابسهم وحيواناتهم، وكانت لها قدرة عجيبة في التعرف على صاحب الصوت من الكلمة الأولى، حتى إن سمعته مرة واحدة فقط، تخزن في ذاكرتها كل النبرات وكل النغمات وكل الايقاعات التي وصلت إلى سمعها.
وكنت لاأرفض لها طلباً خوفاً من انتقامها علي بالامتناع عن الحكي.
يرحمك الله يا عمتي العزيزة برحمته اللامتناهية، كان الخير دائماً هو المنتصر على لسانك ينتصر على الشر مهما تجبر الطغاة وتفرعنوا، الغَلَبة للضعفاء، والفقراء رمز الخير والتضحية والفداء، نحزن ونبكي على مصير الأبطال الضعفاء المظلومين ولكننا ندرك في قرارة أنفسنا أن النهاية ستكون سعيدة، سينتقمون لأنفسهم أو ينتقم لهم سلطان عادل أو يتدخل الناس جميعاً.. هكذا الدنيا..
لماذا لم نذبح بدورنا الصاعدين في 19 مارس، الذين لم يتخذوا القرار إلا بعد أن تأكدوا من ضمان الاستقلال وضمان حياتهم بعد الاعلان عن توقف كل المعارك العسكرية، هكذا بكل بساطة أصبحوا مجاهدين ونزحوا من الجبال مع الأبطال الحقيقيين، ثم استولوا على امتيازات كثيرة دون أن يقدموا شيئاً للثورة، ونسوا أرامل الشهداء وأبناءهم يتخطبون في وحل الحياة الشاقة، أسكرتنا نشوة الاستقلال وتسامحنا معهم وفتحنا لهم أذرعنا على مصراعيها، آه على الدنيا الغدارة... لماذا لم ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص دافئة، وسط روائح الغابة العطرة، لحظة واحدة لا غير ويتلاشى كل شيء ويندثر ليصبح فراغاً يتبخر مع الهواء، لو قدر وحدت ذلك، لأخدت الحلم الجميل والعظيم معي، ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص الأخيرة وفي بريق عيني ذلك الحلم الذي لازمني طوال تلك السنين وتبخر مع السنوات الأولى للإستقلال، ثانية واحدة فقط لاغير.. لو كنت أعرف ماذا سيجري، لقابلت صدري لرصاص العدو وارتحت، كدت أفعله بعد موت حورية، تلك الوردة الطاهرة الندية، الشجاعة، التي ضحت بحياة هادئة وفضلت الحلم الممتع وطاردته بروحها وعينها السوداوين الواسعين، الفوسفوريتين ، يقاومان بشراسة وتحد، أضحت في ذاكرتي طيفاً ممتعاً ،حنيناً يجتاحني في لحظات اليأس والهزيمة يجدد طاقتي وشجاعتي، ويمنح بصيصاً من النور المشع، وهدفاً لشقائنا الذي لم يكن يبدو أنه سينتهي يوماً، كانت تلك العيون مغناطيساً يسحرني ويجذبني دوماً ويدفعني إلى التلاحم الكلي، فتنبت حول ذراعي أجنحة ريشية بيضاء ساطعة، وتحثني فجأة في رمشة عين إلى الطيران، في فضاء رحب شاسع مناخه دافىء لا يعرف البرد القارس ولا الحرارة القائظة الصحراوية، أخلد هناك في ذلك الطيران الناعس المخدر، تهزني ريح خفيفة، صعوداً وهبوطاً، وأنا أبحث عن العيون السوداء، الواسعة، فم فجأة يتلبد ذلك الصفاء الشفاف وينطلق دوي الرصاص في صخب يوقظ الأموات من تحت القبور، وتتعالى صيحات المصابين والأوامر الصارمة النافذة إلى الأعصاب كي تزداد شراسة وتصعف فينا عواطف الرحمة والشفقة والخوف إلى أن تختفي كلية وتطغى الرجولة بشلاغمها الكثة الملتوية الشديدة السواد وتنادينا بالصوت الجهوري الرنان، حينئذ فقط تتحول أجسامنا إلى رخام متين وسميك لا يأبه بالجروح ولا بالتعب ولا بالعرق ولا حتى بالرصاص المتلهب الذي يرتطم ويعوج على سطح الأسمنت المسلح، ويفر هارباً منتكس الرأس يتدحرج متعثراً ساقطاً، واقفاً إلى أن يبتلعه الأفق المظلم ونحن نصعد فوق الأحجار الضخمة والتلال والأشجار البلوطية الباسقة ونرفع أذرعنا في ذلك الفضاء الدافىء ما سكين البنادق بعزيمة فولاذية صائحين بملء حناجرنا "يحيا استقلال الجزائر، يحيا استقلال الجزائر.." وشلاغمنا ترقص فرحاً وغبطة على نغم النشيد ثم تلامس بعضها البعض لتكون جداراً يصمد للقنابل الذرية نفسها، أطلت من خلف الشجر الكثيف الأغصان والأوراق مبتسمة ابتسامتها الخجولة المعهودة، حطت بصرها حياء وانقصت من سرعة خطاها ثم توقفت تنتظر بين الخوف والرجاء، كانت خائفة وفرحة في وقت واحد ولم تتمكن من اخفاء ذلك الشعور المتناقض، لم أذق طعم النوم في تلك الليلة، تقلبت فوق الحصيرة وقتاً قصيراً، وحينما أصرت أهدابي على عدم التصالح والالتقاء في التحام لذيذ، انتفضت واقفاً وغادرت المغارة إلى حجرة مسطحة مطلة على الغابة والوادي وجلست أسترق السمع إلى أية خشخسة تحدثها الحيوانات في تنقلاتها الليلية، منتظراً بفارغ الصبر، كم سنوات مضت عن آخر لقاء خاطف قبل الهجرة إلى أحضان هذه الجبال المباركة؟ وكيف تكون الآن؟
وتهت وسط أحلام وتأملات إلى أن انثالت على أشعة الشمس الدافئة، كان ذلك اليوم جميلاً جمال وجوه الملائكة بالاخضرار العائم كل شبر من تلك المساحات الشاسعة وزغرودة الطيور المرفرفة من غصن إلى غصن لاقامة الأوكار وخرير مياه الوادي المثعبن، وسط التلال والغابات الصنوبرية الشاسعة، وظهر الوجه الملائكي، البريء، ليشع أنواره على قلبي "أما زلت تذكرني بعد كل هذه السنين؟" هل ما زلت أذكرك؟ أنا لم أنساك لحظة واحدة حتى أتذكرك، ولكن لماذا الثرثرة الفارغة؟ أنت هنا، وأنا في انتظارك طوال الليل، خفت أن تصلي وتجديني نائماً في سبع نومات كأن الدنيا بخير، ذكية ومتحمسة لأن تقوم بأية مهمة تسند إليها، أصبحت ممرضة تداوي بيديها وعينيها ولسانها معاً، لطيفة، ودودة، أحبها الجميع، خفيفة ومستعدة حتى أثناء النوم، دخلت على قائد الكتيبة وباغتته باصرار، بعد أن التحق بنا مجاهد وزوجته المجاهدة أيضاً "أريد أن أتزوج حورية قبل أن أموت شهيداً في احدى المعارك" تفرسني القائد بنظرة باردة، صارمة وقال "لماذا تفكر في الموت؟ الأعمار بيد الله.. فكر في الحرية، في الاستقلال أحسن.
سندرس طلبك ونجيبك فيما بعد كان العرس رائعاً، ذبحنا خروفاً وحضرنا الكسكسي والشربة وكدنا نطلق الرصاص احتفاء به، لولا الأوامر المحددة التي لا يجوز اختراقها إلا في حالة الدفاع عن النفس، وبمواجهة الجيش الاستعماري، شيدوا لناعشة صغيرة بالقصب والديس قرب المركز ومنحونا عطلة أسبوع كامل، قضيناها بين العشة والوادي سبعة أيام بلياليها ونحن في العسل نسبح، كأننا ولدنا من جديد، ولكننا كنا نتردد يومياً على المركز للمساعدة والقيام بأعمال شتى، انتهى الأسبوع وعدنا طواعية إلى حياتنا العادية، عادت حورية إلى النوم في الغرفة المخصصة للنساء الممرضات، وعدت أنا إلى مكاني القديم، ولم نكن نلتقي إلا مرات نادرة في الأسبوع حينما نفرغ من أعمالنا لنختلي نحن الاثنين بعيداً عن الأعين الفضولية، في العشة أو في منبسط اكتشفناه قرب الوادي، بمحاذاة الماء العذب، بعد أقل من ثلاثة أشهر، سافرت إلى الحدود الشرقية لمرافقة وحراسة قائد الولاية مع مجموعة قليلة من المجاهدين الأقوياء، القادرين على تحمل مشقة السفر مشياً، وسط الغابات والأودية والجبال والهضاب، وحينما عدنا بعد خمسة أشهر كاملة، صدمت بالخبر المفجع، ونحن في طريق العودة، وصلتنا أخبار انتقال المركز إلى مكان آخر، لأن الجيش الفرنسي اكتشف المقر الأول وقنبله بالطائرات الحربية.
كان الخبر خاماً بدون تفصيل، قلقنا وتساءلنا بعيوننا قبل أصواتنا، ولكن القائد طمأننا فأمسكني من ذراعي بلطف غير عادي وانزوى بي بعيداً تحت شجرة بلوط ضخمة وسَوَّطني بالفاجعة بعد مقدمة طويلة في الشجاعة والايمان بالله والتضحية في سبيل الوطن، ظننت أنه سيكلفني مرة أخرى بمهمة عسكرية صعبة، يكون احتمال العودة منها ضئيلاً، ولم يتبادر إلى حلمي الجميل أن حورية ستفارق الحياة هكذا بكل بساطة، دون أن أتمكن من رؤيتها مرة أخرى، كنت أتصور أننا سننجو من جحيم الحرب لنرى معاً نور الاستقلال، لنتمتع إلى الأبد، كان حلمنا كبيراً لأحد له وطويلاً لا نهاية له، لم نكن ندرك حتى بحواسنا ما معنى النهاية، كانت حاملاً وكتمت عني السر، كي لا أحمل معي هما أضافياً، لربما كانت تحلم أن عودتي ستزامن ولادتها وستلاقيني بأجمل هدية يمكن أن تقدمها زوجة لزوجها ولي العهد، فارس شجاع سيحمل الراية بعدي، بعد مغادرة المقر بسرعة خاطفة مع ظهور أسراب الطائرات المقنبلة للتلال المجاورة كلها، ووصول أخبار مفادها أن فصائل متعددة من المظليين تتقدم بسرعة نحو المركز، أصيبت حورية بمخاض شديد اثر الركض والخوف وحمل المتاع الثمينة من الأسلحة والوثائق ومساعدة الجرحى على السير، أبعث الولادة المبكرة، شعرت بألم حاد بعد أول توقف لاستعادة النفس فأخذتها ممرضة إلى مغارة قريبة ومكثت معها، على أن يبعث المجاهدون من يأخذهم بعد هدوء الجو وانسحاب الطائرات والمظليين، كانت الولادة عسيرة وقاهرة في منتصف الليل، ليلة خريفية عاصفة وممطرة، أنجبت طفلاً وسيماً، ارتفع صياحه في الدجى واختلط بعواء الذئاب وزمهيرير الرياح الباردة التي تنفذ إلى العظام وتمتص رحيقها، فأصرت حسب ما روت لي الممرضة فيما بعد، على تسميته جمال تقليداً لاسم بطل الوحدة العربية الذي كانت تعتز به وتستمع دوماً إلى خطبة في اذاعة المركز، نامت قليلاً بعد الولادة ولكن في الصباح أصابها نزيف قوي فقدت دماً كثيراً، ولم تقدر الممرضة على انقاذها رغم محاولتها المستميتة في ايقاف سيلان الدم، فلفضت حورية أنفاسها الأخيرة مع ظهور الأشعة الأولى للشمس الشاحبة بين الغيوم الرمادية، ماذا تفعل الممرضة المسكينة والرضيع طفق يبكي من الجوع وهي لا تملك حليباً لا في صدرها ولا في المعلبات.
مددت الجسم الهامد بخشوع وغطته بالرداء الوحيد ثم احتضنت المولود الطري بحنان وعيناها غاصة بالدموع، فأنطلقت راكضة تبحث عن أول منزل يمنحها الحليب لإنقاذه من الهلاك المحتمل، في السهل، دخلت أول منزل عثرت عليه قرب الغابة فشرب الرضيع من حليب الماعز ثم بعثت صاحبة البيت ابنها الغير لطلب ابنتها المتزوجة التي ولدت طفلاً منذ شهر فقط كي ترضعه، وهناك في ذلك المنزل، وجدته أحمر الخدين بعد شهرين ونصف من ولادته ثم قرأت الفاتحة على قبر حورية داخل المغارة، الممرضة هي التي طلبت من صاحب البيت أن يرافقها مع ابنيه لدفن المجاهدة الشهيدة في نفس المكان الذي توفيت فيه، وهناك ستظل نائمة في سكينة تامة وسط الروائح الغابية العطرة وزغردة الطيور المتنقلة بين الأغصان المورقة، محمية من الأمطار والثلوج والحرارة.
في تلك المغارة راودها آخر حلم وآخر أمنية، فلماذا نزعجها، طُلب مني إحضار رفاتها كي يشيد لها ضريح ضخم بين رفاة الشهداء، الأخرين، ليجتمعوا في الموت مثلما كانوا مجتمعين في الحياة، لكنني رفضت بعنف واصرار وحذرتهم من ذكر الموضوع أمامي، إنها زوجتي على سنة الله ورسوله، وأنا الوكيل الشرعي عنها، أريد أن تبقى في ذلك المكان المنعزل الجميل مثل عينيها الفوسفورتين، لماذا انقطعت عن زيارتها في السنوات الأخيرة، ماذا أصابني هل نسيتك يا حورية أعوذ بالله.. أي معصية ارتكبت ،أول فعل أقوم به بعد خروجي من هذا القفص، هو زيارتها مهما كان الجو، ممطراً أو عاصفاً أو قائظا لا يهم.. ينبغي الوقوف على قبرها وتلاوة القرآن كاملاً، ترحماً على روحها، كم استغرق من الوقت حتى أفرغ  من الترتيل الخاشع الكلي ليس مهما الوقت، بل المهم هو القراءة المتواصلة، ستكون في شهر رمضان، سأعتكف في المغارة شهراً بأسره أصوم لي ولها، أصلي لي ولها، سأكلم روحها الطاهرة، سيصاحبني جمال ليعرف قبر أمه والمكان الذي رأى فيه النور لأول مرة، يا للمسكين لم يشاهد إلا الظلام الدامس ولم يسمع الازمهيرير الرياح وعويل الذئاب الجائعة، لذلك كان طبعه حزيناً يميل إلى الانطواء والصمت، قابلته الدنيا بوجهها المخيف وضمته بلحنها الكئيب، لم يسأل يوماً عن قبر أمه وعن ظروف ولادته، كأنه كان يعلم بالسر المريع الذي لا يظهر إلا في الكوابيس، معكراً النوم الهادي، يذكرنا بوجودها، بأحلامها، وبالفاجعة الموشمة، كان يدرك بشاعة الموقف، فزاحة جانباً، وردمه في أعماق البحار، كي يتفرغ للدنيا، ويبتسم لها بملء شدقيه، ويفتح لها صدره برحابة وابتهاج الدنيا للاحياء فقط.. "الحاضر أعطيه، الراقد غطيه، والغائب خليه" هكذا كانت عمتي خديجة تقول لنا دوماً، ولكن حورية لن تموت ستبقى حاضرة إلى الأبد، تطارد نومنا، لولا السرجان الطماع، أكلته نيران السعير الملتهب الذي أصر على الزواج بها لكانت حية ترزق ولتزوجتها في فرح الاستقلال، ولأقمنا عرساً فريداً من نوعه يدوم سبعة أيام بليالها.. عرساً يليق ببنات السلاطين ولظهرت كأميرة حكايات عمتي، يتعجب من جمالها كل الحاضرين، ولدعوت كل المجاهدين الذين أعرفهم، الجنود والضباط معاً، بذلك يكتمل فرح الحرية الحقيقي... الدنيا الغدارة، تأخذ ولا تعطي، والموت ظالم لا يرحم، لا يعرف الشفقة، ولا يفرق بين الطيب والشرير، بين الشيطان والملك.


الفصل السابع

- لماذا قتلته يا أبي.. لماذا؟
تثبت جمال بأصابعه المرتعشة في الشباك الحديدي الصديء.. محملقاً في وجه أبيه الكئيب، وفي العيون الذابلة، المتعبة، علامة السهر والسهاد الطويلين، والذقن الأشعث الذي نسي طعم موس الحلاقة، لم يبق في الوجه الطويل إلا بريق العينين المتلألىء، وحركة الحدقتين الخاطفة من اليمين إلى اليسار، كأنها تعبر عن انتصار عظيم، لا يحدث إلا مرة كل سبعة قرون، كان الضوء خافتاً في القاعة التي تفتقر إلى النوافذ المطلة على الضوء الساطع في الخارج، وقف الأب وفقة مترنح لا يقوى على الوقوف على رجليه طويلاً، لم يكن يريد رؤية أحد من أفراد العائلة أو الأصدقاء، لأنه يمقت كلمات العتاب والنظرات المتهمة، حينما جاء الحارس وأخبره بالزيارة تساءل عن هوية الزائر، فلم ينهض من مكانه إلا بعد أن سمع اسم "جمال"، حينئذ فقط انتعل البلغة المطاطية، البنية اللون، السميكة، وجرجر قديمه تجاه ردهة اللقاء، خلف الحارس الضخم.
- أنت أيضاً تعاتبني يا ولدي.. ألم تدرك بأنني تأخرت، كثيراً في اراحة عذاب الأرواح البريئة، الطاهرة.. كان ينبغي أن أفعل ذلك منذ زمن بعيد، ولكن الحروف المقدسة المسطرة على الجبين، لا تمحي أبداً.. أبداً..
كان الأب يفيض بالأسرار التي يريد البوح بها إلى ابنه، تراكمت في ذهنه واختلطت وتسابقت للتعبير عن نفسها، وتعثرت على عتبة الشفتين، وأجهضت في الرحم قبل الإكتمال.
- أنت تجهل مكان قبر أمك حورية.. لنذهب سوياً إلى زيارته والترحم على روحها الطاهرة، وأثناء الطريق سأروي لك الحكاية الجميلة التي لم تسمع مثلها أبداً..
من الضروري أن تسمعها وتحفظها وترويها لأبنائك، ينبغي أن تفتخر بأمك وتروي قصتها في كل مكان حتى يعرفها الناس جميعاً، كبيراً وصغيراً، رجالاً ونساء.
لم يجد جمال القدرة ، جف حلقه وتصاعد البكاء إلى عينيه، حاول منع الدموع من أن تطفح دون جدوى، فاضت وانهمرت على الخدين، تردد قليلاً، ثم أخرج منديله ومسح الدموع جيداً، تنفس الصعداء وتشجع وقال في نبرة مرتبكة:
- لماذا انتظرت كل هذه المدة إذن/؟ لماذا لم تحقق انتقامك أيام الثورة/؟ كان الأمور سهلة أنذاك، وكان ذبح الخونة فعلاً مشروعاً وحميداً، أما اليوم، فبعد عشرين سنة من الاستقلال، لا يقبله أحد.. أصبحت مجرماً في نظر الناس والقانون../ قاطعه الأب منتفضاً:
- لا.. لا تردد هذه الكلمة أمامي، أبوك مجرم!!! هراء، هذيان، من قال لك هذا؟ إن قتل الخونة نضال، بل عبادة.. أنا أخلصت القرية من الجرثومة المسوسة، أنت صغير يا ولدي ولا تفهم مثل هذه الأمور.. لو عشت حياة الذئاب المشردة التي عشناها نحن وسط هذه الجبال طوال تلك السنين، لما تسامحت مع أدنى فعل للخيانة، ولأصبحت قاسياً لا تعرف الرحمة والشفقة تجاه أولئك الذين تنعموا بالأمس وتداعبوا مع الاستعمار وما زالوا ينعمون اليوم آمنين مطمئنين ثم يتعنترون علينا بقوة الجاه والعلاقات الشخصية مع السلطة الحاكمة.. أنا لم أتسامح أبداً معهم لو كنت أملك زمام السلطة في هذه البلاد لنفيتهم إلى أقاصي الصحراء ولأجبرتهم على الاقامة هناك في الفلاة الشاسعة ولشيدت حولهم جداراً سميكاً ودائرياً مثل جدار الصين يصدهم عن الخروج، ولرميت عليهم كل الجراثيم المعدية كي تعشعش في أجسامهم الأوبئة القاتلة مثل الكوليرا والسل والجذام، ويتفتت لحمهم وعظامهم ويتساقط على التراب، وهم يهيمون بوجوههم في حركات حلزونية على الرمل الساخنة مثل الفولاذ المذوب، وعلى رؤوسهم تنشال أشعة الشمس المضطربمة كأطنان الضغط مثل الذي يسود في أعماق البحار.. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة.. لا تقدر على شيء من هذا كله..
إندهش جمال من كلام أبيه الحماسي ومن عاطفة الحقد والكراهية تجاه الثورة بالأمس القريب، التي تسكنه وتمكن من اخفائها وعدم الجهر بها، لم يسمع جمال أباه يتكلم بهذه الكيفية من قبل "صحيح أنه لم يكن يفاتحه في مثل هذه الموضوعات الحساسة، ولكنه كان يستمع إليه مراراً، وهو يروي بعض ما حدث له في سنوات الحرب لزوجته أو لصهره، أين كانت كل هذه الشحنة كامنة؟ هل صدق فرويد في قوله أن الانسان يطرد العواطف والأفكار الكريهة غير المحببة من طرف الوسط الاجتماعي إلى منطقة اللاشعور ولا يجهر بها إلا في الأحلام أو في الأزمات النفسية والانهيار العصبي القوي.
هكذا تساءل جمال مع نفسه قبل أن يقول في هدوء تام:
- الحروب دائماً قاسية يا أبي ومرعبة، ولكن الناس تنسى وتتأقلم مع واقع السلم الجديد، يجب أن نطوي الصفحة القاتمة وندير وجوهنا نحو المستقبل، نحو الحياة..
- كيف تريدني أن أنسى وهم يذكروننا دائماً بالماضي، إنهم يعيشون معنا يومياً وعبرهم تقفز إلى الماضي الشفاف، لو تابوا.. لو تواضعوا.. لنسينا بدورنا، أما وهم على هذه الشاكلة، يستحيل التخلص من الماضي، كلما كنت أرى السرجان، تحاصرني وجوه عزيزة إلى قلبي وتطلب مني الثأر لها، كي ترتاح في قبورها، وأنا أمكث هائجاً، قلقاً، ممزقاً بين النسيان والعفو، بين الانتقام والثأر، يصيبني الأرق، أريد الانفلات من جلدي والهروب بعيداً، بعيداً لعلي أنسى.. ولكنني لم أنس، بل أصبحت تلك الوجوه تشرف على رأسي بعد النوم مباشرة، وتقضي الليل معي نتخاصم ثم نتصالح، نجتمع في نفس الأماكن الماضية ثم نفترق وأبقى دائماً وحيداً في بلاد غريبة لاأعرفها، لا حنين ولا رفيق، أماكن صخرية، تنبعث منها أصوات الأموات، يقشعر منها البدن، ثم ينزل عليَّ حزن رهيب، يكاد يقتلني غماً وخنقاً، وألقى بنفسي في الهاوية أطلق صرخة للرب الذي خلقني ولكن الصرخة تنتحر في حلقي وتخرس فجأة، أحرك ذراعي في الفضاء، أبحث عن شيء صلب أتشبث به، لكنني لا أجد إلا الفراغ ثم الفراغ ومعه الظلمة الساحقة، لا بصيص نور في الأفق، وأنا على هذه الصورة ولم يمض من الوقت إلا ساعة أو ساعتين ففقط، ألعن الشيطان وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم أقرأ الفاتحة وبعدها سورة الناس مرات متتالية، وبصوت مرتفع ليرجع إليّ النوم الهادىء، ولكن كل ذلك دون جدوى، وأقضي بقية الليل أتقلب في الفراش، يقظاً أشد ما تكون اليقظة أعمل على مطاردة الوجوه وهي تحاصرني من جديد في يقظتي إلى أن يطلع الفجر وأقوم للصلاة يتكرر مثل هذا مرات عديدة في الشهر الواحد، زرت كثيراً من الأولياء، ولم ينفع فيهم واحد.
بعد كل هذا كيف تريدني أن أنسى أن أطوي الصفحة، أنتم جيل الاستقلال يمكنكم النسيان والعيش بدون ثقل الماضي، لأنكم لم تعرفوا هذا الماضي إلا عبر التلفزة والسينما والصحف، الثورة التحريرية بالنسبة إليكم تشبه كثيراً أفلام الوسترن وأفلام المافيا.
هي حقيقة في خيالكم فقط.. أما نحن..
سكت الأب عن الكلام فجأة، شعر بالتعب يسري في جسمه، ترنح قليلاً، رجع إلى الوراء التفت حوله، يمسح الغرفة ببصره، باحثاً عن كرسي يستريح عليه قليلاً، فلما لم يجد أتكأ براحة يديه على الحائط، وهو يتنهد بصعوبة فائقة، كانت الغرفة مستطيلة الشكل وفارغة تماماً من أي أثاث منزلي يذكر، أهلكت الرطوبة السقف الذي تخللته قطع صغيرة من الدهن وبقيت متدلية آهلة للسقوط في أية لحظة، ومن يحدق النظر جيداً في الزوايا، يشاهد خيوط العنكبوت المتشابكة، وقطرات من الماء تتلألأ كلما أنبعث الضوء الخافت من الحبابة الكهربائية المغبرة المثبتة وسط السقف، بجانب جمال، وقفت امرأة عجوز، تنصح شاباً لم يتجاوز عمره العشرين، ربما كان ابنها، وهو صامت مطرق الرأس يكتفي بالسمع وهز جبهته وجبينه، تتكلم  المرأة الملحقة بالحايك، بصوت خافت، تعاتب ابنها لأنه لم يستمع إلى نصائحها مما أوصله إلى السجن، لو كان أبوه- أي زوجها- على قيد الحياة لعرف كيف يؤدبه وينقذه من مخالطة الأشرار.
خاف جمال على صحة أبيه حينما شاهده يتمايل تعبا، وتخوف أكثر على أعصابه بعد الذي سمعه في حماس قوي، عن تلك الوجوه الغريبة التي تطارده دوماً عبر الأحلام واليقظة، تعكر نومه وتجلب له الأرق والقلق والكآبة، لم يتعود جمال على مناقشة أبيه في آرائه، بل لم يتعود على المناقشة معه أصلاً، فكان دائماً يكتفي بالسماع والموافقة وإذا صدر من الأب شيء يخالفه، يعلق عليه سراً دون الجرأة على الجهر به، هل يبوح له بأن الجريمة التي أراحت ضميره أبعدت الوجوه المحاصرة، فإنها حطمت كل أحلامه هو، أين حورية تلك الفتاة التي أحبها أبوه بعنف في شبابه وما زال يحبها دون شك رغم مرور سنوات طويلة على موتها، انهارت أحلام جمال وتبخرت كل المشاريع التي شيدها برفقة شفيقة، أيعقل أن ترغب شفيقة في رؤيته بعد الذي حدث؟
وكيف يكون موقفه هو إذاً رآها في بداية السنة الدراسية المقبلة؟ تأكد يقينا أنهما لن يتقابلا أبداً، وسيتحول الحب المتين إلى حقد متين أيضاً، كان يتصور أن جراح الثورة قد التأمت وأن النفوس قد شفت وأن طول السنين قد محى الآلام وغطت الورود المتفتحة الأشواك المسننة، ولكن أباه استحضر الماضي كله حتى كاد يصبح حاضراً فعلاً.
في نادي الحي الجامعي، حينما كانت التلفزة الوطنية تخصص حصصاً كاملة لذكريات الثورة وتمجيد الشهداء واحياء البطولات والمعارك الكبرى، كان القرف بادياً على معظم الوجوه بحيث يغادر الحاضرون القاعة شاتمين، غاضبين على فكرة تخليد الماضي والاستماتة في استحضاره في كل مناسبة وما أكثر المناسبات، كان جمال وأصدقاؤه يفضلون العودة إلى الغرفة وملء الفراغ بالحديث العلمي أو الرياضي أو لعب الورق أو المطالعة بتصفح المجلات الأروبية الملونة، أفضل من متابعة هذه الحصص حول الرصاص والموت والخطب الرنانة المعسولة، كان الرأي الغالب أن الثورة التحريرية انتهت من زمان، فالافضل الاهتمام بالمستقبل الاقتصادي للبلاد، ومحاولة الالتحاق بالركب الحضاري للغرب.
ويسترسل بعض من سافر إلى أوروبا في مقارنة البذخ الظاهر على هذه البلدان، وامكانياتها التكنولوجية الرائدة والفقر البادي للعيان في بلدان العالم الثالث، حيث لا يعيش الناس الا وسط المشاكل والأزمات المتنوعة في كل لحظة من حياتهم، لذلك لم يهتم جمال بتاريخ الثورة، ولم يقرأ كتاباً واحداً عنها مهما كان صغيراً، كل ما يعرفه من أسماء وحوادث، التقطها سمعاً من هنا وهناك، دون أن يركز انتباهه في الالمام بتفاصيلها، ساد الصمت بين الأب والابن، وانقاذ كل واحد منهما خلف تأملاته، شارد الذهن يبحث عن التعبير اللائق المناسب في مثل هذا المقام، فيما كانت المرأة العجوز مسترسلة في نصائحها وعتابها تلوك في الكلام ولا تمل التكرار والشاب واقف قبالتها لم ينبس ببنت شفة غائب عنها ينتظر بفارغ الصبر نهاية الوقت المخصص للزيارة فيراه الحارس الضخم، يصفق براحة يديه الواسعتين لينقذه من الوابل الذي ما فتئت أمه تمطره به منذ وصولها دون أن تدري هل هذه  النصائح هي، الأليق والأنسب والأفيد في مثل هذا الظرف، وفجأة دون مقدمات انتقلت إلى ارشادات الأكل، واصفة بدقة المؤونة التي أحضرتها في قفة ضخمة تكفي لأسبوع كامل، فوصفت المأكولات التي ينبغي البدء بها قبل أن يلحقها التعفن فهي تكفيه لبداية الأسبوع والمأكولات التي تحافظ على صحتها الغذائية كي يؤخرها لنهاية الأسبوع بفضل هذه القفة لا يحتاج إلى أكل السجن لأنها ستزوره في الأسبوع المقبل وستجلب له قفة أخرى مملوءة أنواعاً وأصنافاً من المأكولات اللذيذة، ارتبك جمال حائراً، لم يعرف أي سلوك يتبع، أقلقه الصمت المبالغ الذي طال بينهما، فكر في انهاء الزيارة قبل موعدها، لكنه تراجع وسأل أباه بصوت مبحوح.
- هل تحتاج شيئاً من البيت أو من السوق؟ لقد أحضرت معي قليلاً من الأكل ولوازم الغسيل والحلاقة..
كان الأب غائباً، شادر الفكر لم يستمع جيداً إلى حديث ابنه، كان غارقاً في هذيان داخلي مستمر يحيي الماضي الذي أدركه التلف والنسيان، حملق في وجه جمال بعينين غائبتين ثم استرسل في الحديث كأنه لم يتوقف قط عن الكلام.
- سأحكي لك لماذا أنهيت حياة ذلك الكلب، استمع جيداً أنت الوحيد الذي لا أريد أن يعاتبني ويتهمني زوراً وبهتاناً.. صمت قليلاً من الوقت كأنه يبحث عن الحدث أو العبارة التي سيبدأ بها هذا الاعتراف القسري، ثم أنطلق في اسهال كلامي مقضب، سريع كأنه أن الوقت قصير لا يتسع للحكاية بأسرها، انتبه الشاب الواقف بجانبه إلى القصة فأظهر اهتمامه للاستماع، أدار وجهه نحو الأب، ترك أمه تلوك نصائحها للوقاية من البرد وسوء التغذية، تحمس مصطفى عمروش للرواية، نسى التعب والانهيار الجسدي والنفسي، في اللحظة التي توقفت الأم عن الثرثرة منتبهة إلى الحكاية المروية بحماس، دخل الحارس الضخم يجر جبال الشحم المكدس على جسمه بصعوبة، تنحنح ثم صفق معلناً نهاية الزيارة.
سكت الأب عن الكلام ونظر تجاه الحارس بفضول زائد ثم قال:
- في الزيارة المقبلة، أحكي لك القصة بكل تفاصيلها، سلّم على جميع أفراد العائلة، وقل لهم بأنني في صحة جيدة ولا أريد أن تقلقوا عليّ..
أنسحب بخطى متثاقلة متبوعاً بالشاب الذي ما زالت أمه تمطره بالنصائح تلو النصائح، أنتظر جمال دخول الحارس المتمايل تحت وزن شحمه المتدفق من كل الجهات إلى بهوهم، ناوله القفة المغطية بمنديل مزركش، وغادر السجن بأسرع ما يمكن بعد أن تخلص من الأسئلة الملحاحة للأم، التي بادرته بالكلام دون استئذان، وهما يجتازان عتبة البهو الذي يفتح على الساحة الكبيرة المبلطة ببلاطات مربعة رمادية اللون، نظيفة وخالية من العباد والأشجار، مشت بجانبه ردحاً من الزمن، وهي تحكي قصة ابنها الذي لم يسمع نصائحها واختلط بمجموعة من اللصوص وأصبح يشاركهم سرقاتهم الليلية، إلى أن وقع في قفص الشرطة مؤكدة بأن ابنها طيب القلب، فلولا أولئك الأشرار الذين أغروه بالمال واللباس الفاخر المستورد، لما كان الآن داخل السجن، شاركهم مرتين فقط، وحينما أراد الانسحاب، هددوه بالقتل، وهو يتيم ليس له أب يدافع عنه ولا أخ كبير، لعنت الحظ الذي رزقها بتسع بنات كلهن معتكفات في البيت دون زواج ولا عمل.
روت الأم كل ذلك وهما لم يجتازا السياج الخارجي، كأنها أمام القاضي تستعطفه وتتوسل إليه بالافراج عن ابنها البريء.
كان جمال حزيناً وكئيباً وأفكاره مبلبلة، ذهنه مشتت، لا يقدر على التركيز، أقلقته الأم المسكينة بحكاياتها وأحتار كيف يفلت منها دون أن يجرح عواطفها، فاغتنم فرصة قطع الطريق إلى الرصيف المقابل لسياج السجن، حيث تأخرت قليلاً، تنتظر مرور شاحنة محملة بالبضائع فأسرع خطاه دون أن يلتفت وراءه، قاصداً محطة الحافلات للعودة إلى قرية عين الفكرون، كان حزيناً لأن أباه سيقضي بقية حياته في السجن، جريمة قتل تعاقب بسنوات كثيرة مهما كانت دوافعها مشروعة نفسياً واجتماعياً، كان كئيباً لأنه سيفقد شفيقة، التي أحبها منذ الطفولة نهائياً، منذ اللحظة التي شاهد فيها الجثة الهامدة الملطخة بالدماء، ممددة وسط المقهى، وهو يتساءل بمرارة عن الفائدة التي جناها أبوه من وراء هذه الجريمة الجنونية في محاولة بائسة لإقناع نفسه بأن سلوك أبيه كان على حق.
حوافز منطقية! أحب أباه منذ الطفولة المبكرة واعتبره رجلاً كاملاً ولم يكن يتصور أن هذا الأب الطيب البشوش الهاديء، سيحمل البندقية في لحظة جنون ويطلق عياراً كاملاً على انسان، لم تخطر الفكرة على ذهنه بتاتاً، كان البندقية في الرواق المنزلي محكمة بحزام جلدي سميك لا يمسها أحد، حتى أضحت تحفة عادية تزين البهو كباقي التحف الزخرفية التي تعتني بها زوجة أبيه بعناية فائقة بازالة الغبار عنها وتنظيفها دوماً بقطعة قماش أبيض ناصع، وكم من مرة شاهدها وهي تزيل البندقية من مكانها وتجلس على البلاط وسط البهو لتنظيف الأجزاء المختلفة ابتداء من الأخمس مروراً بيد التعمير وعلبة المغلاق وقنطرة الزناد وصولاً إلى الماسورة ذات الثقبين، دون أن تجرأ على تفكيكها خوفاً من عدم معرفة تركيبها أو لأنها تتصور أن البندقية قطعة واحدة ملتحمة لأتفك، ثم ببطء ملحوظ كأنها تحمل صحناً من البيض، ترجعها إلى مكانها وتثبتها بإحكام، حينما كان جمال صغيراً كان يشاهد
 أباه يحملها على كتفه الأيمن باعتزاز جلي، ويغادر البيت في الصباح الباكر ولا يعود إلا مع غروب الشمس، وفي حمالته الجلدية بعض الأرانب أو الطيور التي قضى اليوم كاملاً في ملاحقتها عبر التلال المجاورة للقرية، كان يخصص نهاية كل أسبوع للصيد البري، ثم بعد سنوات انقطع نهائياً عن هوايته، فأصبحت البندقية لا تبرح مكانها إلا للتنظيف، تساءل جمال مراراً لماذا لا يبيعها أبوه وينتفع بمالها حيث أنه لا يحتاج إليها، ولكن بعد التفكير وجد بأنها تحفة حربية يعزز بها ماضيه كلما تقدمت به السن مثلما يفعل الرياضيون بالكؤوس والميداليات التي تعلق على صدورهم في أيام العز والنجاح، في السنوات الأخيرة لم يعد يعير أي اهتمام لتلك البندقية المعلقة باحكام، لقد أضحت جزءً لا ينفصل عن أثاث البيت، لو كان يعرف مصيرها لاختطفها في دجى الليل ولدفنها في مكان قفر، لا يصل إليه الشيطان نفسه، ولكن هل هناك من يتنبأ بمصيره؟


الفصل الثامن

غصت القاعة الواسعة بالمجاهدين الذين لم ينقطعوا عن الحديث الحار، بل أصر معظمهم على استحضار حوادث الأمس وروايتها بحماس مفرط مع اسناد الدور البطولي الأول لأنفسهم بكل تواضع واعتزاز مع اشراك الحاضرين كمشاهدين صادقين آمنين على أقوالهم، تبعثروا عبر ارجاء الصالة الواسعة مثنى وثلاثى ثم اختاروا لأنفسهم الأماكن الملائمة ومكثوا ينتظرون الافتتاح الرسمي للاجتماع، كان مكتب المنصة مرتفعاً قليلاً عن بقية الكراسي ومغطى بمقاش سميك أزرق اللون، وخلف المنصة على الجدار، بمسافة أقرب إلى السقف منه إلى البلاط علق اطار خشبي بداخله صورة شمسية لوجه جاد وصارم، يفرض الهيبة ويبعث في نفوس المحدقين إليه طويلاً شعوراً يمتزج فيه الخوف والاحترام إلى درجة التقديس، بصر نافذ، وشلاغم كثة سوداء، احتلت نصف الوجه، كانت الصورة بالأبيض والأسود ويبدو على الاطار الخشبي مسحة من الغبار تراكم عليه سنوات، ربما لم تنظف الصورة منذ تعليقها أول مرة، كأن الخادم لم يجد الجرأة الكافية لمواجهة البصر الثاقب المتحدي والاقتراب منها لإزالة الغبار المتراكم عبر الأيام والشهور، تأخر مصطفى عمروش قليلاً في مكتبه منشغلاً بجمع الوثائق لاحضارها إلى قاعة الاجتماع وفيما كان يستعد للخروج، دخل عليه رئيس البلدية وصافحه بحرارة غير اعتيادية وابتسامة عريضة نفعية، رجل في مقتل العمر، قوي البنية وأصلع الرأس، اشتغل "مُسَبِّلاً" أيام الثورة وساعد كثيراً من الشبان على الالتحاق بصفوف الجبهة وجمع الاشتراكات الشهرية من السكان بطريقة ذكية جعلته يقدم كمية مالية مرتفعة في نهايةكل شهر إلى المسؤول المكلف بايصالها إلى الأخوة في الجبال، ذاق مرارة السجون والتعذيب بعد وشاية مجهولة ومكث زهاء سنتين إلى أن أخرج في غمرة أفراح الاستقلال حينما فتحت أبواب السجون على مصراعيها ولفظت من بداخلها قبل أن يتعفَّن، خاض معركة انتخابات المجلس الشعبي البلدي مراراً فكان عضواً عادياً في الفرة الانتخابية الأولى ثم أصبح نائب رئيس البلدية في الفترة الانتخابية الثانية إلى أن تقلد أعلى منصب في قرية عين الفكرون في الانتخابات الأخيرة وبمساعدة كبيرة وجلية من السرجان الذي كان يرافقه دوماً في الحملة الانتخابية ولم يكن يتوقف أو يمل من مدحه وذكر خصاله كرجل صالح للخدمة العامة، وكن السرجان سخياً في توزيع أمواله على الذين يشك في كسب أصواتهم، مما أدى به إلى الاعلان قبل أسبوع أن تقديم المشروبات الساخنة والباردة سيقدم مجاناً في مقهاه يوم الانتخابات، الناس تشرب وتزيد بلا حساب، خزينة السرجان هي التي تدفع وإذا انتخب صديقه رئيساً للبلدية سيقيم حفلاً باذخاً لجميع أهل القرية بلا تفريق بين الأصدقاء والأعداء وسيكون المشوي هو سيد المأكولات وكل المصاريف هدية من السرجان إلى قرية عين الفكرون، في تلك الأيام كان المرشح بصحبة السرجان يعرض كل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنقل نهائياً القرية من التخلف والعزلة، وذلك بمساعدة مقاولات السرجان الذي أخذته غيرة لا حد لها على قريته الفقيرة، فأراد أن يعمل لإخراجها من الوحل لتكون في مستوى استقبال أكبر المسؤولين في الحكومة دون خجل، لم يكن مصطفى عميروش ينتظر مجيئه، ولم تكن تربطه علاقة متينة كالتي تربط بين صديقين حميمين يتمتعان بثقة متبادلة ويملكان ماضياً مشتركاً يجمعهما، أو يقرب شعورهما بالألفة والطمأنينة، تعرف عليه بعد الاستقلال في اجتماعات المجاهدين، فأصبحا يلتقيان مراراً للنظر في بعض القضايا المشتركة، ولم يكن مصطفى عمروش يجهل صداقته بالسرجان، ابتسم في داخله ساخراً ومستهزئاً لقد أدرك بحكم التجربة قصده من هذه الزيارة الخفيفة، " ها قد جاء "المير" ليرد جميله إلى الذي أوصله إلى الكرسي الوثير، جاء الكلب يدافع عن سيده ويصد عنه الأعداء، اشترى السرجان بماله نصف رجال القرية وأوصلهم إلى مناصب لم يكونوا يحلمون بها وها هم اليوم يظهرون مخالبهم للذوذ عنه واعطائه حقاً لا يستحقه مثلما أعطى لهم مالاً ومناصب لا يستحقونها، سخاء متبادل لكنهم لا يعرفون مصطفى عمروش، رأسه صلب كالاسمنت المسلح، إذا تماسك لا يكسره أحد وناشف كالصحراء القاحلة، تحفر ألف كيلومتر بالبلدوزر الروسي ولا تعثر على قطرة ما، وإن كانت لا تصلح حتى لشرب البقرة سأمرغ أنوفهم في الوحل وأمسح بهم غبار الشوارع ليدركوا أن الرجال رجال وان دارت الدنيا على قفاها يصمدون أمام الرعود والبروق والزلازل والفيضانات الهوجاء والرياح العاصفة التي تكنس في طريقها أشجار الكاليتوس والصفصاف مثما تكنس البعوض والفراشات.. دعهم ينبحون إلى غاية البحة ثم البكم.. قالوا ناس زمان "القافلة تمر والكلاب تنبح، خليهم ينبحوا".. صباح الخير سي مصطفى.. تبدو حيوياً ونشيطاً هذا الصباح "ادن، ادهن، لا يفيد معي لا دهان ولا عسل.. ابصق ما بجوفك ودعنا نستريح.." علق مصطفى عمروش في صمت على تحية الزائر ثم رد التحية بصوت هادىء أزاح الكرسي وألصقه مع المكتب وخطا خطوات قليلة يريد الالتحاق بقاعة الاجتماعات، لكن رئيس البلدية الأصلع أوقفه بلطف ممعناً فيه النظر ثم قال بلهجة متوسلة مستعطفة: كن رحيماً ومتسامحاً يا سي مصطفى، الدنيا لا تدوم لأحد، رجل مسن ترحمه في أيامه الأخيرة، نزوة شيخ هرم أراد بطاقة يتصور أنها تدخله الجنة تماماً مثل الطفل الصغير الذي يصرخ ويتمرغ على الأرض من أجل لعبة يتلهى بها ساعة ثم يرميها ليبحث عن أخرى، الشيخ الهرم مثل الطفل والحزب لا يخسر شيئاً، ومعظم المجاهدين موافقون على منحه بطاقة النضال رغم أنهم يعرفون أنه لم يناضل ولم يشارك في الثورة، ولكن الأيام تمر والناس تنسى وهو رجل يساعد القرية ببعض الانجازات الضرورية لتطورها...
- البطاقة ليست عادية أو تافهة لا تساوي شيئاً، إنها ليست ورقة بيضاء وعليها الصورة الشمسية فقط، بل هي رمز الثورة، إعادة اعتبار لرجال ونساء لبوا نداء جبهة التحرير الوطني ويدركون تمام الادراك أن نسبة النجاة بأرواحهم ضئيلة جداً، ومعظمهم دفع الثمن بحياته وترك أرملة ويتامى لم يملأ وأعينهم من ملامح وجوههم بعد أن مات معظمهم وهو مشتاق إلى وجه أمه الحنون أو نظرة زوجته الحزينة وهو يودعها أو صياح أطفاله المرحين، إن حمل هذه البطاقة شرف، لا يناله الخونة والحَرْكية، كانوا يُذبحون من الرقبة كالخرقان "بالبوسعاني" الصديء والذين نجوا من الذبح رغم أدلة الخيانة القاطعة ضدهم ينبغي أن يأكلوا الخبز ويغلقوا أفواههم ولا ينبشوا كثيراً لربما يطلع الزبل رأس مجاهد ما..
انقطع عن الكلام برهة من الزمن، تردد في إكمال الفكرة ثم فضل السكوت والانسحاب من الغرفة مباغتاً رئيس البلدية الذي لم يعثر على حجة يطيل بها الحديث والبقاء وحيدين داخل المكتب.
في الصالة الكبيرة ما زالت الأحاديث الثنائية والثلاثية مستمرة في صخب وحماس ظاهرين، صعد مصطفى عمروش إلى المنصة متبوعً برجلين، جلس الثلاثة ينتظرون أن يخيم الصمت للشروع في العمل، تنحنح مصطفى ودق على الطاولة دقات خفيفة بأصابعه وحينما التفت جميع الحاضرين نحو المنصة، بسمل طويلاً للاستعداد النفسي ثم "حَزْيلَ " مردداً العبارات  العادية الجاهزرة التي ما فتيء يرددها في كل اجتماع منذ أصبح مسؤولاً على فرع منظمة المجاهدين بقرية عين الفكرون مصراً على تحسينها واضافة كلمة مناسبة رنانة سمعها من أفواه المسؤولين الحزبيين في الاجاعات العديدة في المحافظة أو العاصمة ثم باشر الموضوع بجد ورزانة.
نجتمع اليوم في جلسة استثنائية فريدة من نوعها، لم يحدث مثلها منذ الاستقلال في قريتنا ولا أظنه يحدث في أماكن أخرى من الوطن، قضية تبدو غريبة، خارجة عن  المألوف، ولكننا لا ينبغي أن نستغرب من أي شيء في هذا الزمن، الذي فقدت فيه القيم معانيها النبيلة، وأصبح كل واحد يخيط لها قميصاً مثلما يليق به هو دون غيره، يلفظ القميص المتين جانباً ويلبسها قميصاً رثاً ممزقاً، لا يصمد أمام أول نسمة من البرد الخريفي المثلج، أطلب من الجميع إلا يجهروا بأرائهم إلا بعد تمحيص القضية جيداً، ويصارحوا ضمائرهم ويستحضورا أمامهم تلك الوجوه المشعة بالارادة والشجاعة والايمان المطلق بتحرير الوطن، هذه الوجوه التي عاشت معنا أياماً وشهوراً وسنوات، حينما كنا لا نشبع نوماً ولا خبزاً، ونتذكر تلك الوعود التي تلفظنا بها أمام أرواحهم المحتضرة قبل أن ندفنهم بسرعة البرق بين معركتين ملتهبتين، أن نتذكر تلك السهرات على ضوء القمر، نحلم بمثل هذا اليوم، وتلك الأناشيد المتعالية وسط الظلام، والتي كانت تبعث الدموع إلى العيون المتعبة الناعسة لتضاعف العزيمة والصبر ومواصلة الكفاح إلى أن ينسحب آخر عسكري فرنسي من هذه الأرض الطيبة، المسقية بدم الشهداء الطاهر...
تعالت عبر القاعة غمغمات وتمتمات تترحم على أرواح إخوة السلاح، اغتنم مصطفى عمروش الفرصة وسكت ملياً، ينظر إلى الأوراق المبعثرة أمام عينيه، كأنه يستنجد بها لاكمال خطابه، وحينما شعر بوخز النظرات المصوبة تجاهه، وبالصمت الذي حاصره أكمل قائلاً- إن جميعكم يعرف الهدف من هذا اللقاء، ولكنني سألخص المشكلة، كي تتضح الأمور ويرتفع اللبس، تقدم السيد تكوش أحمد الملقب بالسرجان بطلب إلى منظمة المجاهدين، يريد أخذ بطاقة نضال تشهد أنه شارك في صفوف المنظمة المدنية للجبهة، ولحد الآن الملف متوقف تنقصه شهادتان يدلي بهما مجاهدان معروفان بمشاركتهما الواسعة أيام الثورة، وبسلوكهما النزيه أيام الاستقلال ولحد الأن الملف بدون امضاء، لأن المعني بالأمر لا يعرف عنه مشاركته مع الجبهة، بل بالعكس، فإن سلوكه في تلك الأيام كان مشكوكاً في وطنينته وسمعنا أقوالاً كثيرة لا نذكرها إلا عند الضرورة، والآن النقاش مفتوح لمن له رأي في القضية.
عاد الصمت من جديد يغطي الأجواء ويختلط بدخان السجائر المتكاثر السابح في الفضاء المتصاعد نحو السقف ومعه الأفكار المزدحمة التي تغلي داخل رؤوس متعددة، تريد المروق من سجنها لتسبح بدورها في الفضاء الرحب ، ممتزجة بالدخان والصمت، ولكنها تأبى الانعتاق.
تعمق من الانزعاج والقلق السائدين في تلك اللحظات، لحظات انتظار من سيفتح باب النقاش ويكسر الصمت وينقذ الجالسين من الانبهار والتيه والحيرة، تبودلت نظرات متسائلة مترددة لثوان عديدة، كأنه دهر بوزنه الثقيل، تحرك رئيس البلدية في مكانه، منزعجاً قليلاً، طاف ببصره حول القاعة ثم عدل من جلسته وقال بصوت مرتفع كي يسمع الجميع..
- أظن بأن سي أحمد، لو لم يكن متيقناً من مساعدته للثورة لما تقدم لطلب بطاقة النضال، صرح لي منذ فترة بأنه أعطى مائة ألف فرنك ضربة واحدة فيما كانت الناس لاتمنح إلا أربعين دورو في الشهر، أعطاها لجيلالي بن علي "المَسّبل" الذي ألقي عليه القبض فيما بعد وأعدم، كما كشف له بعض الأسرار الخاصة بالثكنة ويكون قد أوصلها إلى الأخوة بدون شك زيادة على كميات المؤونة التي أعدها لإيصالها إلى المركز، عبأ له ثلاثة أحمرة في ليلة واحدة، والجيلالي بن علي رحمه الله استشهد قبل الاستقلال بشهور قليلة، لذلك لم يتمكن السرجان من الاتصال بالمجاهدين ثانية.
"دافع عن سيدك أيها القواد.. لم لا يكون هو الذي باع الجيلالي إلى السلطات الفرنسية وقدمه إلى المقصلة، اختفى الجيلالي المسكين في ظروف غامضة وأعدمه الجيش الفرنسي بعد شهر فقط من ايقافه بعد تعذيب وحشي... أما سي مصطفى فهو على دراية بأمور كثيرة.. سأفجرها على رؤوسكم بعد قليل.." ثم رأيي أن بطاقةى النضال اليوم لا تفيد ولا تضر وهو كبير السن، فلا أمانع من أعطائها له وننهي هذه المشكلة الهامشية التي تخصص لها اجتماعاً بأكمله عوضاً عن دراسة بعض القضايا المصيرية..
وقبل أن يستوي رئيس البلدية في جلوسه، واضعاً رجلاً على رجل، راضياً بتدخله ودفاعه عن صديقه، انتفض شيخ مسن، نحيل بعمامة بيضاء، لف بها رأسه رغم الحرارة المرتفعة، كان منزوياً في آخر الصالة فوقف بثبات بظهره المقوس قليلاً وصاح بانفعال:
- يحسدوننا حتى على البطاقات التي نحملها في جيوبنا، نتلمسها من حين لآخر، كي نشعر برجولتنا التي نخاف أن تتبخر في هذا الزمن المقلوب سفيراً على عفير، أنا لا أعرف بأن السرجان شارك في الثورة ولا أعطى مالاً ولا مؤونة، كنت أعرف الجيلالي معرفة جيدة ولم يحدثني يوماً عنه، كيف تريدون له أن يتبرع بالأموال وهو الذي كان يرفض البيع ديناً للفقراء، بل كان يرفض البيع لأهالي المجاهدين ويغلق حانوته في جوههم.
واليوم تريدون ادخاله بيننا كمجاهد وربي.. ورأس كل الشهداء.. لو دخل المنظمة، لن تروا وجهي بعد اليوم في هذا المقر.. اذهبوا وابحثوا عن كل الخونة والحركية وعلقوا لهم الأوسمة وامنحوهم بطاقات العضوية في الثورة.. واطردونا نحن لأننا فقراء، لا نبرد ولا نسخن، استولى على كل شيء في القرية، ما بقي له إلا أن يأتي هنا ويهبط لنا سراويلناو.لم يقعد الشيخ في مكانه بل رفع خيزرانه واتجه نحو الباب لمغادرة القاعة، يرتعش جسمه من الغضب والانفعال الشديد، ألح عليه مصطفى عمروش بالبقاء الحاحاً متواصلاً، وقبل أن يصل إلى وسط القاعة، كان محاطاً برجلين يلطفانه ويطلبان منه الجلوس وابعاد النرفزة، انصاع لرغبة الأصوات الصادرة من كل مكان بين صفوف الكراسي وعاد إلى مكانه الأول رغم إلحاج مجاهد لإجلاسه بجانبه..
هدّأ الجوّ وتناول الكلمة مصطفى عمروش من جديد ولفظ الحياء جانباً وبصق كل ما بجعبته من أسرار خبأها لسنوات أثقلت كاهله وخاف أن يلحقه الموت صدفة ويدفن السر معه.
فروى قصة الخيانة بتفاصيلها مثلما سمعها عن الخادمة العجوز بهدوء في البداية ثم تصاعد الحقد والندم على عدم معرفة الخبر في حينه، فانفعل وعلا صوته وضرب ضربات قوية على الطاولة، ويطلق من عينيه بريقاً مضيئاً، خيّم صمت جنائزي على الحاضرين أجمعين وانبهروا للخبر المفاجيء الصاعق، وجد بعضهم حجة دامغة ونهائية لرفض اعطاء البطاقة للسرجان وشملتهم غبطة داخلية واطمئنان للعثور على القرينة التي طالما بحثوا عنها في ذاكرتهم المبلبلة بتقديم العمر وتباعد السنوات، فيما صعق الآخرون وفقدوا أصواتهم كأن اعصاراً غزيراً باغتهم في عرس وهم يرتدون البذل الأنيقة المخصصة لمثل تلك الحفلات وهم ممددون على الحصائر والزرابي في عرصة الدار، تحت أشجار التين واللوزو الرمان، فينزل عليهم دفعة واحدة في سيل عارم ليأخذوا دوشاً بارداً دونما رغبة أو استعداد، فبعد أن اطمأنوا ليلة البارحة، في قصر السرجان على أن الاجتماع سيكون شكلياً فقط، وأنهم يمثلون الأغلبية الساحقة وستجهز البطاقة مباشرة بعد الاختتام ليوصلوها بأنفسهم إلى صاحبها، الذي سيرقص رقصة "هدّاوية" للتعبير عن قوته المطلقة وسطلته الكليانية على قرية عين الفكرون.
نخرهم القلق والخجل من جديد وشاهدوا الهزيمة والفضيحة مجسدتين أمام أعينهم، بأقدام ضخمة ثابتة، ومخالب مرعبة.
ولكن لحظة الدهشة المباغتة لم تدم طويلاً، إذ وقف رجل وسط القاعة دون استئذان من رئيس الجلسة مثلما تجري العادة في كل التجمعات الرسمية، ووجه أصابعه نحو المنصة مهدداً ومنذراً.
- إنها تهمة خطيرة يا سي مصطفى.. وستتحمل مسؤوليتك وحدك.. وسنطلب احضار هذه المرأة لتدلي بشهادتها أمام الجميع...
قاطعه مصطفى عمروش بعنف صائحاً:
- أنك تشكك في قولي كأنني مجرم أخاف من الحبس.. سأتحمل مسؤولية الاعتراف، وأنا مستعد لأشهد حتى أمام عزرائيل.. للأسف الشديد.. ماتت العجوز قبل أقل من سنة، لذلك أبقى أنا الشاهد الوحيد على قيد الحياة أو لنبحث عن "مسيو غوميز" لعله ينفي قولي هذا، وندون شهادته عوضاً عن شهادتي.. وأنا مقتنع بأن اعتراف العجوز صحيح مائة بالمائة، لأنها لم تبحث عني أوعن غيري لتعلن الخبر، بل التقيت بها صدفة، وعرفت الخبر صدفة أيضاً ثم أنها لم تقصد من اعترافها شيئاً، لافائدة مادية ولا معنوية، عاشت فقيرة خادمة وماتت معدومة.. مات ابنها شهيداً إنه سي عبد القادر بن حليمة الله يرحمه برحمته الواسعة وتاه ابنها الثاني في مصانع أو مناجم فرنسا، لماذا نشك في شهادتها؟ هل هناك ما يناقضها؟ السرجان كان صديق "مسيو غوميز" هاذ خبر شائع يعرفه الجميع، ثم أن العجوز كانت خادمة عند ذاك القَاوري، كل المعلومات تدعم خبر الخيانة، لم يكن السرجان حتى متعاطفاً مع الثورة، كان يحتمي عن الفرنسيين للحفاظ على حانوته ولإثراء جيوبه، شاركت بنفسي مع دورية من المجاهدين، اقتحمت منزله ليلاً لنحذره من غلق حانوته في وجه عائلات المجاهدين وسي حميد كان حاضراً معنا...
أيّا أتكلم ياسي حميد.. أوقف.. أوقف.
التفتت الخزرات كلها نحو الرجل النحيل السن، الذي انتفض وافقاً، مؤيداً كلام مصطفى عمروش وروى ببطء وقائع تلك الليلة بتفاصيلها مع التأكيد على جميع الأقوال الواردة كأن لم يمر على الوقائع الا شهورٌ قليلة، ما زالت ذاكرته حية ومنقوشة نقشاً عميقاً ومتيناً.
- في أي سنة، حدثت هذه الزيارة الليلة؟ تلعثم سي حميد وتلكأ لمدة ثوان ثم أجاب، محركاً يده اليمنى في حركة دائرية تابعة لنبرات صوته المترددة.
- الله أعلم.. إن لم تخني ذاكرتي كان ذلك في سنة 1959...
ولم ينتظر السائل اكمال الجواب فوقف، وعلق قائلاً:
- أربع سنوات قبل الاستقلال.. الله نفسه يقبل التوبة حتى في فراش الموت، فكيف للجبهة أن لا تقبلها؟ هل فعل السرجان بعد ذلك، شيئاً يخالف أوامر الجبهة؟ هناك في المجاهدين من كان في الجيش الفرنسي موجهاً الرشاش ضد "الخاوة" ثم التحق بالثورة قبل سنة من الاستقلال ومع ذلك فهو اليوم مجاهد وثوري ومسؤول في أجهزة السلطة، فكيف تُقبل توبة البعض ونُرفض توبة البعض الأمر والسرجان على كل حال لم يحمل السلاح ولم يقتل أحداً خلافاً للبعض.. وأضم صوتي لصوت شيخ البلدية لأقول أن البطاقة بالنسبة لسي أحمد، لا تنفعه، لا تضره كما أنها لا تضر منظمة المجاهدين.. والقرية تستفيد من ثروته وتنهي مشكلة من المفروض أن لا تظهر أصلاً.
ساد ضجيج وسط القاعة لأن ثلاثة رجال وقفوا دفعة واحدة ونطقوا معاً غاضبين ورافضين الاقتراح، كل واحد منهم أصرّ وألح على أن يتكلم قبل الآخرين مما اضطر أمين الفرع لأن يتدخل ويفرض الانضباط ثم منح الكلمة لأكبرهم سنا ، تدخل وأفاض في الحديث ناقماً على الخونة والتجار الجشعين السارقين الذين لا يخافون الله وأن صلاتهم وصيامهم باطل ووصل به الغضب إلى شتم السرجان ونعته بأرذل الصفات.
تحمل رئيس البلدية قليلاً ثم رفع صوته لأن يوقف هيستريا الرجل، فلازمته في ذلك بعض الأصوات المؤيدة مما خلق جواً مشحوناً واتهامات ثنائية متبادلة بصوت مرتفع أجش، إلى أن وصل الأمر برجلين إلى التعارك الجسدي، فتدخل الآخرون لتهدئة الجوّ.
وبعد ذلك غادر القاعة بعض العصبيين من الناقمين على السرجان، رغم الحاح مصطفى بألا يفعلوا، كثر الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل وارتفعت أصوات جهورية في فوضى متشابكة، يصرخ الجميع ويهدد ولا أحد يستمع صخب يتعالى وضجيج مزعج مما أضطر مصطفى بعد استشارة الرجلين إلى الإعلان عن اختتام الاجتماع على أن يعقد في يوم لاحق سيحدد فيما بعد.



الفصل الأخير

انخفضت الحرارة قليلاً، ومالت الشمس بجلال نحو المغيب، وطفق سكان قرية عين الفكرون يغادرون أوكارهم حيث كانوا مختفين من الأشعة المنثالة المسببة للرعن والصداع المزمن نائمين في اغفاءة قصيرة، خفيفة، ينتظرون برودة الجو، كي يبرزوا أنوفهم عبر الشوارع والأزقة الضيقة تماماً مثل الحلازن التي تغادر ثقابها وتلطل إلى الخلاء براداراتها، بعد سقوط الأمطار الخريفية الأولى غير آبهة بالأيدي الصغيرة التي تلتقطها بخفة وحماس وتلفظها داخل دلو أو كيس نيلوني، ويا للعاب السائل على الأفواه كلما ترائى للعين الصحن المملوء باللحم الحلزوني المطبوخ في الثوم والبطاطا والمرق الأحمر المفلفل.
إن الحرارة المضطرمة السائدة في بداية هذه الصائفة غير عادية مما أدى بالكثير من الشيوخ إلى التشاؤم والتطير من المستقبل القريب، فأكثروا الدعاء وأطالوا في أداء الصلوات، وكانوا يغلسون إلى المسجد كل مساء بعد العشاء، ويمكثون داخله متحملين الحرارة إلى حد الاختناق والروائح الكريهة المنبعثة من الجوارب المهترئة والأحذية المطاطية الشتوية التي ما زالت ترافقهم، ليذكروا الله طالبين منه ابعاد الكوارث عن عباده المؤمنين، في الساعات القليلة التي تلي الظهيرة مباشرة، تفرغ  شوارع القرية من الراجلين والواقفين الشاردين، وتبدو كقرية شبحية، هاجرها أهلها لسبب ما، الكلاب بدورها تنزوي في أماكن مظللة بمحاذاة بعض الأسوار أو تحت كراسي الساحة العمومية التي تتوسط المباني وتقابل مقر البلدية العتيق الذي شيدته الادارة الفرنسية في بداية القرن لإرساء أول احصاء كامل لسكان المنطقة قصد المراقبة ثم التجنيد الاجباري في حروب بعيدة، وسمع مصطفى عمروش عمته خديجة تروي عن سلوك الموظفين الفرنسيين يسبقهم القايد بقنوره الصاعد كالمئذنة نحو السماء وبَرْنوسه الصوفي الساطع وأسئلتهم الغريبة، يدونون الاجابات التقريبية للسكان دون أن يتحققوا منها جيداً، ثم يعطون لكل صاحب أسرة ورقة بيضاء، خربشوا عليها علامات لا يفهمها أحد حتى أولئك "الطلبة" الذين يحفظون القرآن ذهاباً وإياباً، لم يتمكنوا من فك رموزها رغم تثبيت أبصارهم عليها لدقائق طويلة وتقليبها مرات عديدة ثم يعيدونها إلى أصحابها قائلين: "هذه لغة الكفار، ونحن لا حاجة لنا بها" وفي النهاية استغربت الكثير من العائلات من تلك الأسماء الغريبة المستهترة من بومَعْزة وبومعيزة وبوحْمَارة وبوبَقرْة بوفَرْد وبوعنزة وبوجَحْش ودْمَاغ العتروس وبوجاجة وبوالفول وبوشلاغم وبورَجْلة إلى آخر القائمة التي لاحد لها، فصبر الناس وتعودوا على هذه الألقاب، ولكن مجرد مرور فرحة الاستقلال، تهاطلوا على البلدية يريدون تغيير تلك الألقاب الحيوانية، ولما أحيلوا إلى المحكمة، تراجع الكثير منهم لأن في أذهانهم ، دخول المحكمة يعني الخروج منها إلى السجن غير أقصر طريق ممكن . لم يتنبه مصطفى عمروش إلى هذه الظاهرة إلا بعد أن تقلد منصبه في قسمة عين الفكرون وبدأت تمر قوائم المجاهدين والمناضلين والمترشحين إلى المجلس الشعبي البلدي وقوائم المنتخبين وأعضاء الاتحادات الجماهيرية، فاستغرب من شاكلة بعض الألقاب وتساءل كيف اقتنع بها أصحابها وأصبحت تلازمهم كظلهم، حينئذ تذكر حكايات عمته خديجة وتفاصيلها الكثيرة حول أول عملية احصاء سكاني عرفتها المنطقة.
يغلق التجار أيضاً أبواب محلاتهم أثناء القائظة ويتلحقون بمنازلهم ليتيهوا في حسابات حانوتية يوجهدون أنفسهم في البحث عن أقصر وأربح طريق لجمع أكبر كمية ممكنة من النقود، ومع أذان العصر، يتشجع الشيوخ لاختراق تلك الحرارة التي تكون قد انخفضت، ليلتحقوا بالمسجد، وبعد انتهاء الصلاة، يتجرأ المدمنون على لعب الدومينو لمغادرة برودة البيت، وحجز طاولة وكراسي في المقهى المعتاد منتظرين وصول بقية أعضاء الفرقة المتأخرين، ومع الضربات القوية المدوية للقطع المستطيلة البيضاء على الطاولات المتجاورة التي تكاد تتلامس فيما بينها، يتبخر الصمت مع الحرارة، لفسح المجال واسعاً للضجيج والصخب والصياح وكلاكسون السيارات الحاد وركض الأطفال عبر الأزقة الضيقة، أثناء فترة القيلولة، كان مصطفى عمروش في منزله، ممداً فوق السرير، حائراً في أمره وأمر السرجان الذي يصر على أخذ البطاقة، تائهاً في ذكريات الماضي البعيد، وساخطاً على كثير من رفاقه لأنهم وقفوا مع مناصرة السرجان في اجتماع الصباح، أما السرجان فقد خرج من بيته قلقاً، غاضباً في بداية الظهيرة بجلابية صحراوية، بعد أن حاول التمدد والنوم دون جدوى، لقد أخبره أحد أصدقائه من المجاهدين الذين حضروا الاجتماع الصباحي، أنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق في شأن ملفه، وأن مصطفى عمروش أجهر أمام الجميع متهماً إياه بخيانة الشهيد سعيد ستوح الجريح الذي كان مختفياً عند العجوز لالة فطومة، كان السرجان يتناول غذاءه حينما رن جرس الهاتف، وأخبره الصديق بتفاصيل الاجتماع، أخرسه الخبر وانقطعت شهيته، وأصبح قصره ضيقاً، يريد أن ينفجر داخله، لذلك غادره راجلاً قاصداً وسط القرية بالضبط إلى مقهاه لعله يصادف بعض معارفه، ليزيل الهم والغم بمرافقتهم، كانت صالة المقهى الواسعة فارغة من الزبائن في مثل تلك الساعة من النهار، ركض الخادم نحوه بمجرد أن لمست رجلاه العتبة الخارجية، ورحب به مهللاً ثم خيره بين أحسن الأماكن التي يفضل شرب قهوته فيها، غمغم السرجان كلاماً بين شفتيه واتجه صوباً إلى المصرف الخشبي الطويل، اتكأ عليه بمرفقه، وطب كأس ماء بارد يلفظ به العطش جانباً وقهوة ثقيلة، ثم رفع ذراعه الأيسر ومسح العرق المتلألأ على جبينه بكم الجلابية، مرّر النادل قطعة قماش بالية، مثقوبة على مساحة المصرف الفوقية، أمام السرجان الذي رفع مرفقيه بتثاقل وامتعاض ظاهرين، ثم قدم له القهوة مع السكرية البلاستيكية التي يحوم حولها الذباب، بعد ذلك فتح الثلاجة الكبيرة وأخرج زجاجة ماء تتصبب عرقاً، وانتقى كأساً نظيفاً من صندوق الأواني الموضوع قرب آلة القهوة العصرية التي غزت المقاهي الجزائرية في السنوات الأخيرة، مما أجبر الزبائن على استحداث مصطلح جد جديد يتلفظونه بالضغط على الشفتين كأن الكلمة وحدها لا تكفي للتعبير عن المعنى المراد، فيضيفون لها حركة الشفتين المضمومتين بقوّة ظاهرة مع ضغظ اللسان مع أعلى الحنك "قهوة بريس، يرحم والديك" فحطها أمام السرجان الشارد الذهن، كان يحدق في سحنته عبر المرآة المربعة، الكبيرة المثبتة أمامه على الجدار المقابل للشارع الرئيسي للقرية، شرب السرجان من الزجاجة مباشرة، في جرعة واحدة متواصلة حتى استوفى نصفها ثم حطها بقوة على المصرف وتنفس الصعداء، وقرب الفنجان إلى شفتيه ورشف القهوة بصوت مسموع كعادته دائماً، أدرك الخادم أن السرجان في حالة نفسية متوترة دون أن يحدد جوهرها مابين الغضب والحزن والارهاق النفسي، لذلك فضل الصمت والانشغال بغسل الكؤوس والفناجين والملاعق وترتيبها على اللوحات الخشبية المتراصفة أمامه.
مكث السرجان على تلك الحالة، متكئاً على المصرف، شادر الفكر، سارحاً في خيالات شتى متناسياً القهوة، مدة من الزمن، حتى أيقظه رجل يدلف من الباب بصوته الرنان الطاغي على الصمت المخيم والجوّ المختنق، تصافح الصديقان وتبادلا التحيات بحرارة، سر السرجان لرؤية صديقه القديم بومالح عبد المالك الذي وصل القرية في نهاية الصبيحة، قادماً من العاصمة لزيارة عائلية، احتضنه السرجان بقوة كالغريق الذي يتشبث بقطعة خشبية لعلها توصله إلى الشاطىء قائلاً.
- بعثك الله إلي في هذا اليوم الملعون، لتنفذني من تعنت بعض الرعاة، لماذا لم تضرب لي تليفوناً من العاصمة، لانتظرتك.
- خير إن شاء الله.. لا تقلق يا سي أحمد.. الدنيا مليئة بالرجال، كلمتك في البيت منذ ربع ساعة وقيل لي بأنك خرجت راجلاً، فقلت إنك لا تكون إلا في المقهى، أو عند بعض زملائك.. الحمد لله أنني وجدتك، هكذا تكون لدينا فترة أطول للمناقشة، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك..هيا بنا نبحث عن مكان بارد خارج القرية تحت الأشجار.. الجو مختنق في المقهى.. لا يطاق..
- اشرب حاجة باردة أولاً ثم..
قاطعه بومالح عبد المالك برفض مأدب ولكن السرجان أصرّ وألح وطلب له ليمونادة، فأسرع النادل وحطها أمامه بارتباك بعد ذلك غادر الرجلان المقهى يتجاذبان أطراف الحديث، متوجهين إلى سيارة بيجو 504، رمادية اللون ممعدنة، تعكس أشعة الشمس المنثالة بلا شفقة، إلى درجة يصعب النظر إليها ببصر ثاتب لمدة طويلة، كانت متوقفة في الشارع الرئيسي مقابل المقهى مباشرة، لاحظ السرجان أن السيارة جديدة، وصلت لتوه من ميناء مرسيليا، ما زال النيلون يغطي المقاعد الداخلية، فبارك لصاحبه الاقتناء اللامع والباذخ، وسأله عن ثمنها ودون انتظار استرسل صاحبه في سرد تفاصيل متعددة عن كيفية الشراء وتدبير العملة الصعبة بنسبة منخفضة، وكيف أنه توصل إلى التحصل على رخصة لاستيراد السيارات الخاصة من وزارة المجاهدين، رغم أنه اقد استفاد من رخصة أولى قبل قبل سنوات واشترى بها سيارة أيضاً، مما أعفاه من دفع ضريبة الحمركة، وكيف أخرجها من الميناء في يوم وصولها وهي معبأة بالبضائع المتنوعة من جهاز الفيديو والزرابي وقطع غيار والملابس الفاخرة وصندوق موز من النوع الرفيع دون أن يدفع ديناراً واحداً، لكونه يعرف صديقاً قديماً يشتغل جمركياً برتبة نقيب، انتظره عند النزول من الباخرة وساعده على العبور فوراً حارقاً طابور السيارات التي ينتظر أصحابها منذ يوم أو يومين، متذمرين خائفين ومستعدين للتنازل عن لباس أو خرطوشة من السيجارة الامريكية الفاخرة، أو زجاجة ويسكي، كي يتخلصوا من الطابور الممل والتفتيش والمستفز، الذي يمتد نصف نهار كامل إذا كانت السيارة التجارية معبأة إلى حد الفيضان، انطلقت السيارة الفاخرة، المكيفة عبر الشارع العريض وقبل أن تجتاز البناية الأخيرة انعطفت إلى اليمين وسلكت طريقاً ترابياً، مخلفة وراءها غباراً متطايراً، لم يزعج الرجلين لأن النوافذ الزجاجية المدخّنة السوداء مقفولة، وأنغام الموسيقى تنطلق من الراديو كاسيت المثبت في الوسط أسفل لوحة القيادة.
بدأ السرجان يفقد كآبته وقلقه ببطء، وهو يستمع إلى حديث صديقه الذي ينتقل من موضوع إلى موضوع، وهو يقهقه بملء شدقيه، هذه القهقهة الدالة على أن الرجل في حالة نفسية يحسد عليها، وأنه لا يشكو من وجع دماغ أو ألم في البطن وحالته المادية ميسورة، ابتعدت عن الأزمات منذ دهر بعيد، اكتفى السرجان بالاستماع وطرح بعض الأسئلة للاستفسار منتظراً الوقت المناسب لاخبار صديقه بما جرى هذا الصباح في الاجتماع، تدحرجت البيحو قليلاً واهتز الجسمان بداخلها بعد عبورها على حفرة عميقة وواسعة تكاد تشق عرض الطريق كله، ثم توقفت تحت ظل مجموعة كبيرة من أشجار الكاليتوس الشامخة وسط القارعة، دون أن تترك فسحة لمرور سيارة ثانية، المكان منعزل، لا يختلف إليه أحد في مثل هذا الوقت من النهار وتحت هذه الحرارة الملتهبة.
استمع بومالح عبد المالك إلى شكوى السرجان بأذان صاغية، رغم أنه كان قد استمع إليه قبل ذلك في تلك الليلة التي زاره فيها هذا الأخير في بيته في العاصمة، ومما زاد من حيرته إصرار صديقه الغبي على أخذ البطاقة مهما كان ثمنها غالياً ومن قسمة عين الفكرون بالذات، حاول بلباقة أن يقنعه بأن البطاقة اليوم لاقيمة له عند جميع الناس وأن فترة الثورة التحريرية مضت وكادت تصبح في طي النسيان والأرشيف، ولا يتذكرها الناس إلا في المناسبات التي ستقل سنة بعد سنة حتى يصبح الاحتفال بها لا يقام إلا مرة واحدة كل عشر سنوات، إن ماله الكثير يغنيه عن كل بطاقات الدنيا، وينفذ به إلى عين الشيطان إذا أراد، كان يتكلم بهدوء ويختار العبارات المناسبة كي لا يجرح صديقه ويوصله إلى التراجع عن مشروعه الجنوني، ولكن السرجان مثل مسمار جحا تماماً، لم يقتنع بالحجج والأدلة التي قدمها له بومالح، بل لم يكن يستمع إليه بوعي تام لأنه كان يفكر في الكيفية التي يرغم بها مصطفى عمروش على الامضاء على الملف المقدم منذ فترة، النائم في أدراج مكتب من مكاتب قسمة المجاهدين، انفعل بجد على صديقه وعاتبه على محاولة  اقناعه على التراجع عوضاً عن مساعدته في الحصول عليها، قال له بأن مكانته عنده كبيرة وهو يقدّره ويحترمه منذ اليوم الذي بحث عنه في بيته ليبيع له المواد التموينية من الفرينة والزيت، في ذلك اليوم عرفه رجلاً يمكن العول عليه في الأوقات الصعبة، وأضاف أن المسألة بالنسبة إليه الآن هي مسألة كرامة وشرف قبل كل شيء آخر، خاصة بعد أن اتهمه مصطفى عمروش بالخيانة علانية وفي اجتماع رسمي، وهو لا يملك دليلاً مادياً ولا شاهداً واحداً حياً، وأنه سمع الخبر بعد الاستقلال بسنوات من عجوز، شاخت وبدأت تخرف، هي اليوم تحت التراب، لا يمكنها الادلاء بشهادتها، وقال السرجان أيضاً بأن مصطفى عمروش هو الذي اختلق الحدث من خياله للاساءة إليه لأنه أراد الزواج من حورية التي كانت متعلقة به، في الوقت الذي كان هو في الجبال، أكد السرجان بأن حكاية الزواج بحورية هي التي بقيت تسيطر على نفسية عمروش، فبقي حاقداً عليه إلى حد الآن، فأقسم أنه لو كان على علم بتلك العلاقة العاطفية بينهما، لتراجع نهائياً عن الخطوبة، وتساءل لماذا لم تصارحه حورية بذلك، لكان شهماً ولتصرف تصرفاً عاقلاً، ولاعتذر بسهولة عن الاقدام على الزواج، خاصة أنه كان يملك زوجة وأولاداً، فمن السهل العثور على أسباب الرفض.
تكلم السرجان كثيراً وبحماس ملحوظ حتى أزبد فمه ونشف حلقه وصديقه يستمع بامعان، يحفر في مخه لعله يصادف حلاً ينقذ به الموقف الحساس، وبعد مدة اقترح بومالح تكوين وفد من المجاهدين والاختلاء بعمروش في مكتبه في مقر القسمة، في صباح الغد، ومحاولة اقناعه بالامضاء والكف عن الاتهامات الباطلة، لم يستبشر السرجان خيراً بهذه المبادرة التي اعتبرها ضعفاً وتوسلا إلى رجل لا يستحق كل هذه المكانة، بل طلب من بومالح استعمال نفوذه القوي في الجهاز المركزي للحزب واحالته على التقاعد أو نقله إلى مكان بعيد، كي يهدأ ويعود إلى مكانته الحقيقية ويتخلى عن دور البطل الذي يتقمصه منذ مدة، وافقه صديقه بشرط تكوين الوفد أولاً ربما سيقبل الوساطة وتنتهي المشكلة في أمان وسلام، طال النقاش واحتدّ بين الصديقين، ولم يشعرا بالظل الذي أنزاح بعيداً عن السيارة حتى أصبح نصفها الخلفي كله تحت أشعة الشمس القائظ، فانسلت الحرارة إلى الداخل مجلبة معها العرق وصعوبة التنفس.
تنبه بو مالح إلى تغير الجوّ، فأرخى رباطة عنقه، ثم نظر إلى الساعة أمامه على لوحة القيادة واقترح على صديقه مغادرة المكان والعودة إلى المقهى، انخفضت الحرارة قليلاً وبدأ نسيم خفيف مننعش يرفرف في الفضاء مبشراً بقدوم ليلة طرية تساعد على السهر والنوم في ارتياح وانتعاش.
اتجهت السيارة إلى قصر السرجان وتوقفت قرب المسبح الذي أبهر بومالح وتضاعفت حيرته حول السبب الذي من أجله يلح السرجان على طلب البطاقة وهي لا تنفعه في شيء.
- لاتقلق يا سي عبد المالك، خمس دقائق أغير هذه الجلابية وأرجع..
- خذ راحتك..
بعد مدة وجيزة، انفتح الباب الخشبي المزخرف وظهر السرجان أنيقاً ببذلة صيفية خفيفة، لونها أزرق سماوي وقميص شفاف، أبيض اللون ورباطة عنق، وحذاء أسود لماع، ركب البيجو بجانب صديقه وانطلقت السيارة متدحرجة، لا تحدث أي صوت كأنها بدون محرك، قاصدة القرية.
دخلا المقهى الذي بدأ يكتظ برواد الكرطة وضجيجهم المتعالي، اتجه السرجان صوبا نحو الهاتف واتصل ببعض زملائه يطلب منهم الالتحاق به في المهقى للترحيب بالضيف، التقى الأصدقاء حول فناجين القهوة، زجاجات الليمون المثلجة وانبسطوا في استحضار ذكرياتهم المشتركة، يلطقون ضحكات مرتفعة، بدون تردد ولا خجل، اللاحق الأخير هو طبيب القرية الوحيد الذي يملك عيادة طبية، بعد أن اشتغل في المستوصف مدة سنين طويلة، بمجرد أن تلقى المكاملة الهاتفية، تصرف بذكاء في إبعاد المرضى القلائل تاركاً الحرية للممرض المساعد الذي يقوم بوظيفة البواب أيضاً، في البحث عن عذر مقبول لاقناعهم بمنطقية غيابه، كانوا جميعاً واقفين في الركن الداخلي للمصرف، يحتسون القهوة المجانية التي يفتخر السرجان بتقديمها لأصدقائه المقربين، أكمل الطبيب العدد السابع بعد التحاق كل من رئيس البلدية ومحاسب صندوق الضمان الاجتماعي وتاجرين، واحد في الخضر والفواكة والثاني في مواد البناء والأواني المنزلية، جميعهم تربطهم بالسرجان علاقة صداقة ومصالح مشتركة، لم يتول رئيس البلدية هذه المسؤولية الحساسة في القرية إلا بمساعدة السرجان بماله ونفوذه والعيادة التي يشتغل بها الطبيب هي ملك للسرجان باعها له بغير ثمنها الحقيقي، وأصبح بذلك طبيب العائلة يكشف عن أفرادها في بيوتهم، أما التاجران فهما أيضاً يساعدهما دائماً على ايجاد السلع المفقودة أينما كانت، أما المحاسب، فلولا السرجان لكان الآن يقبع في السجن يلوك ندمه وحسرته لضياع سنوات طويلة من عمره، كان يزاول مهنتين معاً، الأولى رسمية في الضمان الاجتماعي والثانية سرية كمحاسب خاص لأملاك السرجان، وكثيراً ما كان يختلس أموالاً من صندوق المؤسسة إلى أن اكتشف أمره مدير شاب عين حديثاً في القرية، فهرع المحاسب شاكياً وباكياً إلى السرجان الذي تفضل بسد الفراغ المالي وانقاذه من السجن المؤكد والضغط على المدير الشاب كي لا يفصله من منصبه، ومن تلك الحادثة، والمحاسب كالكلب الذليل أمام سيده، يدير له أملاكه مجاناً إلى غاية استرجاع المبلغ المسدد كاملاً.
أنقذه السرجان لأنه كان يتصور أن سرقة أموال الحكومة مسموح به مادام كل المسؤولين يتصرفون في هذه الأموال كأنه رزقهم الحلال في بناء الفيلات وشراء السيارات واستخدام عمال المؤسسات العمومية في خدمات خاصة.
أعاد بومالح عبد المالك سرد قصة شراء سيارته الفاخرة أمام مسامع الأصدقاء، وهو يتحاشى ذكر بعض المعلومات التي تسيء إلى شخصيته، فتشعب الحديث حول أسعار السيارات بالدينار والعملة الحرة وقيمة الفرنك الفرنسي في السوق السوداء، والتفضيل بين أنواع السيارات إلى أن وصل الحديث إلى موضوع اجتماع تلك الصبيحة، انصبت العيون نحو رئيس البلدية، تنتظر التفاصيل، فارتبك قليلاً واكتفى بتصريح بخيل ملتفتاً حوله، خائفاً من الآذان الصناعية التي تلتقط الخبر وتوصله مباشرة إلى القسمة فمثل ذلك الكلام لايجهر به في المقهى بل في جلسة سرية  بعيدة عن الفضوليين.
- لم نتخذ قراراً نهائياً بعد.. سنعقد اجتماعاً ثانياً في الأسبوع المقبل.
ثم نظر إلى وجه السرجان بجد، يريد طمأنته.
- لاتقلق ياسي أحمد.. لا يضيع حقك ما دمنا موجودين .
تبحر فلاحة وسط صخب ضربات الدومينو وصيحات اللاعبين المتكرره
عادت الكآبة إلى نفس السرجان بعد أن تذكر من جديد مشكلته التي جلبت له الغضب والأرق في كل أيام الشهرين الماضيين، شعر بالأمان أمام أصدقائه، وأراد أن يظهر لهم أنه الأقوى دائماً وأبداً، فقال في غضب حماسي.
- حينما يحط السرجان عينيه على شيء ما، مهما كان بعيداً، سيناله وإن طال الزمن، القبطان "فرانسوا موريس" وما أدراك ما "فرانسوا موريس" لم يثبت ضدي تهمة مادية رغم أنني كنت أهرب من الثكنة كل ليلة وألتحق بحانة مدام جَرْمان، لأسهر مع بعض الأصدقاء ونشرب حتى نصبح مثل  اللوحة، ثم نعود إلى الثكنة بعد منتصف الليل عبر الجدار المرتفع، لم يقبضوا عليَّ أبداً ولو مرة احدة، في احدى الليالي، كنت قاصداً الحانة، فإذا بفرانسوا موريس يمر علي بسيارته الخاصة مع زوجته، نظر إليَّ بغضب وشراسة، لم يتوقف ولم يقل شيئاً، أدركت أنه سيطلب الثكنة ليرسلوا دورية عسكرية للقبض علي، فعدت أدارجي بسرعة الريح، ودخلت غرفتي فيما كانت الدورية تبحث عني مفتشة كل حانات المدينة، وفي الغد استدعاني القبطان وشكرني بنفسه وقال لي "أنت عسكري حقيقي، سنعتمد عليك في تحقيق بعض المهمات الصعبة" ولو أروي لكم مغامراتي في الجيش الفرنسي لقضينا الليلة بكاملها ولا نأتي حتى على نصفها، واليوم بعد أن شاب رأسي من محن الدنيا، أصادف نملة تعترض طريقي، ولا أستطيع عفسها والمرور بسلام حينما جندت في الجيش، مصطفى هذا كله يرضع أصبعه ويفعلها في سراويله وقالوا ناس زمان "لي فاتك بليلة، قاتك بحيلة"، سأجعله يبحث عني ويتوسل إلي كي أشفع فيه، وأنقذه من المصيبة التي ستنزل على رأسه الناشف مثل رأس البغل، وحينئذ أذكره بتعنته وأتفرج عليه، يحقد علي لأنني أردت الزواج بحورية، لو كانت بنت عائلة محترمة لاستمعت إلى أبيها وعملت بأوامره، ربما تكون فقدت عذريتها معه قبل صعوده إلى الجبال، فخافت من الفضيحة والتحقت به، سلوك ساقطة تمنح بكارتها للرجل ثم تركض وراءه لعله يتزوجها، وهل كانت زوجته وحده فقط وسط رجال انقطعوا عن مضاجعة النساء منذ سنوات، فهل تتبختر بينهم كالحمامة ولا توقظ شهواتهم المكبوتة ربما كانت الجبهة تنظم ماخوراً سرياً متنقلاً مثلما فعلت أمريكا في حرب فيتنام، لرفع همة جيوشها، وكانت حورية واحدة من الساقطات ، يتهافت عليها الرجال ويزدحمون في طابور طويل..
- احتشم على عرضك يا سي أحمد، وخلي الطفلة ترتاح في قبرها..
التفت السرجان، إلى الرجل المسن الذي قاطعه بنبرة حادة، أراد منها النهي والتهديد معاً، كان واقفاً يتابع لعب الدومينو على طاولة قريبة من المصرف، ويستمع خلسة إلى حيدث السرجان وأصدقائه، كان يعرف عائلة بوزهير وحكاية حورية من أولها إلى آخرها، فاستنكر افتراءات السرجان وشتائمه المجانية، لم يتحمل سماعها وتدخل لايقاف الهذيان، وقبل أن يجيبه السرجان فكر بو مالح في تغيير مجرى النقاش بوضع حد للجلسة ومغادرة المقهى، لأن مثل هذا الكلام سينتشر كالبرق وسيصل آذان عمروش مصطفى دون ريب، استنفر هو الآخر من التهم الفاحشة التي تمس حورية كشهيدة الثورة وسمعة الجبهة والمجاهدين أنفسهم، كان يعرف جيداً حورية أيام كانت ممرضة ولم يسمع عنها مثل هذه التهم، تردد في ايقافه، مراعياً حاتله النفسية المتدهورة، محاولاً اقناع نفسه بأن مثل هذا الهراء لا يتلفظ به هو في حالة نفسية طبيعية.
انقطع السرجان فجأة عن الكلام بعد أن فاجأه الشيخ المسن بهذا التحدي الواضح، فغمغم عبارات مبهمة بين شفتيه ثم قال مزمجراً، وأصابعه الماسكة زجاجة ليمون مبللة ترتجف بوضوح.
- واش دخلك ياسي.. أختك.. أمك.. زوجتك.. هذا المقهى ملكي أنا، وأنا حر أتلفظ بالكلام الذي يعجبني، ويريحني، وإذا لم يرضيك، روح اشتكي لربك.. أخرج من هذا المقهى وإلا جرجرتك كالكلب الأجرب.. هيا أعط الريح لرجليك..
تكلم السرجان بصوت مرتفع، انتبه له الزبائن، وصمتوا ملتفتين كلهم نحوه، الجالسون والوافقون، الداخلون والخارجون، تحجرت قطع الدومينو وأوراق الكرطة بين أصابع اللاعبين، وساد الهدوء داخل الصالة الواسعة، ابتلع الشيخ المسن الشتم بمرارة، حدق في وجه السرجان برهة من الزمن، بتلك النظرة الحاقدة التي تنطلق منها شرارة الغضب والعجز معاً، ثم بصق على الأرض بقوة وانطلق نحو الباب مغادراً المقهى، اشتاط السرجان غيظاً وعطرسة، أراد اللحاق به، لكن أصدقاءه أمسكوا ذراعيه وهدأوه بعبارات المجاملة والمدح، فاكتفى بالشتم البذيء والتهديد، وهو يحرك جسمه الممتلىء المسجون بين أذرع عديدة قوية وثابتة، سكن الجو قليلاً، وعاد اللاعبون إلى حسابهم وصياحهم وارتفع الضجيج من جديد، فيما حاول بو مالح عبد المالك ابعاد الغضب والتوتر عن صديقه بتغيير مجرى الحديث الذي شارك فيه بقية أفراد المجموعة مدركين القصد من ذلك، عاد الجو إلى ما كان عليه، ولكن السرجان لم يهدأ بعد، كان دمه يغلي وقلبه يخفق بقوة مزعجة، وذهنه مبلبل، شادر، يمنعه من المشاركة في الحديث.
- "أصبح الرعاة المقملين يجهرون بأوامرهم تجاهي بكل برودة دم، ولا يخافون ولا يستحون من روائحهم النتنة التي تتبعهم إلى غاية القبر، غلطتي أنا الذي فتحت المقهى لكل من هب ودب، يدخلون إليها حاملين معهم روائح البقر، والماعز والزبل والقمل والبرغوث والقراد، ويلطخون البلاط بأحذيتهم المطاطية الموحلة، ويتركون الجراثيم المسممة بشفاههم، على الفناجين والكؤوس، سأغير طبيعة هذا المقهى من الغد، أغلقه لمدة أيام وأفتحه بعد ذلك صالون شاي بأثمان مضاعفة وأمنع الكرطة والدومينو واستورد طاولة البريج، ليصبح مكاناً محترماً لا يدخله إلا كبار القرية، يجدون فيه راحتهم ويتناقشون في التجارة والمال بكل هدوء لا يزعجهم كلب بن كلب أو حلوف بري متوحش، لا يهم إن كان دخله بسيطاً، المهم هو سمعة الصالون وصده للحثالة المقملين، هذا هو ثمن طبيتي مع الناس، سأغير طريقة معاملتي معهم، بما فيهم مصطفى الذي يحسب نفسه الوحيد الذي ناضل لتحرير البلاد، كأن الثورة بدأت وانتهت به، إنه نكرة لا يعرفه أحد، ست سنوات في الجبال ولم يتجاوز رتبة جندي بسيط، لو كنت مكانه لأصبحت على الأقل رائداً، إن لم أكن عقيداً، أجلس في الطاولة مع ديغول، أتفاوض معه عن مصير الجزائر. آه... لماذا لم ألتحق بالثورة في حينها، لكنت اليوم وزيراً أو ضابطاً سامياً أحل واربط، سلطة المال مغرية ولكن السلطة السياسية أغرى وأقوى، هل التي تتحكم وتوجه كل السلطات الأخرى من سلطة المال والعلم. آه.. لو كنت أعرف لما فاتتني الفرصة/ كيف غابت عني وأنا صاحب ذكاء وحيل، ألتقطها في السماء قبل أن تهبط الأرض، كيف فاتتك يا سرجان، وأنت لا تفوتك الفرص الرابحة أبداً، تشم روائحها على بعد كيلومترات، وتخطط لها في رمشة عين، أردت أن أربح الطرفين، أن أكون مع الفائز دائماً، ومع الأقوى، لماذا لم أصعد حينما سمعت بمفاوضات أفيان، خاصة بعد هروب مسيو غوميز، الذي أدرك النييجة المحتومة، وراح يدبر أموره هناك في فرنسا قبل فوات الأوان، أريد أن آكل نفسي من الندم حينما أتذكر.. كنت غبياً حقاً وإلا لما فاتتني تلك الفرصة الذهبية، وتجعلني اليوم ألهث خلف بطاقة مزيفة، أنا أول من يدرك بأنها لا تنفعني بتاتاً، خاصة وأنا تجاوزت الستين، ورغم تفاهتها سآخذها بالمليح أو القبيح لا يمكنني التخلي عنها الآن بالذات والرجوع إلى الوراء بعد ما حدث هذا الصباح.
سأدافع عن براءتي، وأختلق شهوداً يشهدون بأنني ساعدت الثورة، أعطيت المال والمؤونة مرات عديدة، وأنقذت أهل القرية من الجوع، كنت أبيع للفقراء ديناً، ومات بعضهم دون أن يسدد قسطه من المال، صحيح أنني أخبرت مسيو غوميز عن مكان اختفاء الجريح، ولكنني فعلت ذلك للضرورة، ولم أكن أتوقع أنه سيلفظ أنفاسه تحت التعذيب، كنت أتصور أنهم يستجوبونه أياماً ثم يودعونه السجن، وبتلك الكيفية أنال رضى مسيوغميز، وتزداد ثقته بي ولكن.. أخطأت التوقع ومات الاثنان معاً، الجريح والعجوز التي أخفته في بيتها، حظك سعيد يا السرجان، لقد ماتت الخادمة التي استمعت إلى حديثنا، من باب المطبخ، الشاهدة الوحيدة.. اطمئن ياسي أحمد ولا تقلق نفسك.. في تلك السن، كان مصطفى في الجبال بعيداً عن القرية، فكيف يشهد ضدي/ إن شهادته باطلة لا تؤخذ بعين الاعتبار عند أحد، سيرفضها كل المجاهدين.."
تاه السرجان في ذكريات متشعبة ولم يتابع حديث أصدقائه الذين نسوا الحادثة وانغمسوا في قهقهات متعالية وسرد ملح ونكت لتلطيف الجو والترفيه عن أنفسهم، تفطن بومالح إلى شرود السرجان وعبوسه، هزه من كتفه مستغرباً كيف لا يضحك للنكتة، فطلب من الطبيب اعادة روابتها كي يتمتع بها ويرمي من على كتفيه الأحزان ويضحك بطلاقة، ولكن السرجان لم يستسغ النكتة واكتفى بالابتسامة الصفراء لا غير.
في هذه اللحظة، نزل الصمت على القاعة الواسعة كالصاعقة، جمد الزبائن في أماكنهم لا يحركون ساكناً ولا ينطقون حرفاً، بعد التحقق من هوية القادم نحو المقهى، انتفض الجميع في صخب فوضوي، بازاحة الطاولات واطاحة الكراسي على البلاط قاصدين جميعاً الباب الخارجي لمغادرة القاعة قبل وصول الزائر الخطير، كان مصطفى عمروش يتقدم في الشارع الرئيسي بخطى ثاتبة وقسمات صارمة معولة على فعل رهيب، مصوباً بصره الحاقد الذي تنطلق منه شرارات لامعة تختلط مع الضوء الساطع المنعكس على مأسوأأ ببببأاأسورة البندقية، اللامعة، كان يضغط على أسنانه بقوة مرمرية، تلك القوة الحازمة التي تسربت إلى كل شبر من جسمه النحيل، خاصة في اليدين الذين يمسكان البندقية مصوبة إلى الأمام بثبات الصخر، تصنّم الناس في أماكنهم عبر الشارع الكبير، فاغرين أفواههم من الدهشة والحيرة القاتلة، وتوقفت سيارة صغيرة، غادرت أنظار سائقها قارعة الطريق لتتثبت على البندقية اللامعة تحت الأشعة الشمسية المنثالة بقوة في نهاية هذه الظهيرة، تسارع الناس داخل المقهى في فوضى عارمة، وانسحبوا بخفة تاركين السرجان وجماعته واجمين مبهورين قرب المصرف الخشبي العتيق، كاتمين أنفاسهم، مضربين عن الثرثرة التي أطربتهم طوال الظهيرة، توقف الدم في عروق السرجان بعدما تعرف على القادم وتحقق من البندقية المصوبة تجاهه، وأصبح لو وجهه مصفر كليمنونة ذابلة، ممتقع، أدرك في لمح البصر أن ساعته قد دقت بأجراس فولاذية ضخمة، لما يعرف من جدّ القادم والذي لا يمزح بمثل هذه السلوكات السيركية، بحركات غير ارادية، ابتعد الأصدقاء عن السرجان، بعدما أدركوا بدورهم القصد المهول، وخافوا أن يشملهم الانتقام وتصيبهم الرصاصات الملتهبة، تاركينه مصنماً، جامداً، تائهاً لا يقدر على اتخاذ أي قرار، أو التلفظ بأي حرف، وقف مصطفى عمروش على العتبة، ودون أن يغيّر من حركة البندقية التي استواها قرب حزامه، لفظ السرجان بنظرة شزراء، حاقدة، وقال بنبرة حادة.
- أصبحت حورية الشهيدة عندك ساقطة هل أنت الذي افتض بكارتها، يا واحد الحلوف.. جيفة.. كان من المفروض أن تذبح من الرقبة قبل الاستقلال كي تستريح روح سي السعيد ولالة فطومة.. اعترف بأنك خائن وحركي..
أراد أن يقول كلاماً كثيراً، تزاحم في ذهنه، ولكنه سكت فجأة، خاف أن يضعف ويتراجع عن قراره، الكلام الكثير مجلبة للشفقة والعطف، ينبغي أن لا يلين.
حرك فكه الأسفل، ضاغطاً على أسنانه حتى بانت عروق خديه، فيما كان السرجان واجماً مسنداً ظهره على المصرف، يريد الدفاع عن نفسه بالرد واقناع قاتله المؤكد ببراءته، فغمغم عبارات لم تتجاوز شفتيه، ورفع ذراعيه على مستوى وجهه كأنه يردّ بها ضربة أو صفعة، حينئذ، تحركت سبابة اليد اليمنى لمصطفى، ضاغطة على الزناد بدون شفقة، فانطلقت الرصاصة الأولى مدوية واستقرت في صدر السرجان الذي أطلق صيحة حادة، وارتكز على ركبتيه، فأضاف له المنتقم رصاصة ثانية في الرقبة حيث انفجر الدم المتوقف فوق البلاط المغطى بالغبار بحركة خفيفة، طوى عمروش مصطفى البندقية وأخرج الخرطوشين المدخنين، وملاء غرفة النار بخرطوشين جديدين، بلونهما الأحمر مثل لون الدم السائل على البلاط، ثم رفع بصره من البندقية وصوّبه على الجثة التي ما زالت أطرافها- الذارعين والرجلين- تتخبط وسط الدم، أصدرت شخيراً بطيئاً ضاعف من الحركة العشوائية، ثم فجأة همدت وانقطعت عن الحركة.
تسمرت عينا مصطفى عمروش على الجثة لثواني ثم أبعد بصره ومسح به القاعة تجاه بومالح الذي انكمش في زاوية تحت الطاولة، ينتظر خائفاً مرتجفاً، خاصة بعد أن شاهد بعينيه المذعورتين انفجار الدم من الرقبة الهامدة على الأرض، اقترب مصطفى خطوات تجاهه وقف وخاطبه بغضب متدفق من نبراته:
- انهض يا واحد الكلب.. يدنس دم الشهداء أمامك وأنت تسمع كالطحان.. مجاهد تاع قلاوية.. واش رأيك لو نفرغ فيك هذه المكحلة.. أتكلم..
كاد يضغط على الزناد، ولكنه ترددّ في آخر ثانية، لقد تخلص من الخائن الحقيقي ولم يرد أن يتحول إلى مجرم يقتل بدون سبب، التفت كلية تجاه الشارع تاركاً بومالح بين الحياة والموت، خائفاً، يشعر بسائل ساخن ينهمر مع رجليه، يكاد دمه يتوقف عن الجريان، وقلبه ينفلت من صدره.
في الشارع، توقفت الحركة وتحاشر الناس مبحلقين، مذعورين، لا يعرفون ماذا يفعلون بأجسامهم الساكنة على الرصيفين والقارعة، ينتظرون دون أن يجرأ أحدهم عن الكلام أو حتى عن القيام بحركة يد خفيفة، توقف مصطفى عمروش على العتبة، يتفرس هذه الوجوه المجهولة وهذه العيون الحائرة المتسائلة عن سبب هذه الجريمة، والبندقية في قبضة يده اليمنى تتدلى في ارتخاء كامل، وشعر بالنظرات المتهمة المعاتبة، فجمع أنفاسه، أراد أن يخبرهم بالسبب الذي دفعه إلى قتل السرجان، ترددّ، وفكر مع نفسه أنهم يعرفون بدون شك ومنذ زمن بعيد، الناس تعرف كل شيء وتتكلم في الخفاء وتشير بأصابع اتهامية في الخفاء والعلانية، في مثل قرية عين الفكرون، الكل يعرف الكلّ عن الكل، شعر بتعب مباغت وبجسمه ينهار كأن حملاً ثقيلاً تسلط على كتفيه، ومن بين الوجوه الكثيرة الحائرة تعرف على ابنه جمال بجانب وجه صغير، جميل كوجه طفلة بريئة، لم يصدق عينيه، أرجع ذلك إلى التعب، أغمض عينيه، فتحهما، مازال وجه جمال يحدقه، يعاتبه متسائلاً عن هوية المقتول، حائراً وخائفاً، يدير وجهه في صمت بين حبيبته وبين العيون المذعورة المحلقة حولهما، شعر مصطفى عمروش بالبندقية تنفصل من يده وصوت غليظ يأمره بالمشي تنبه إلى رجال الدرك الذين يحيطونه بحذر، ابتسم ابتسامة انتصار ولا مبالاة واستسلم دون مقاومة.

النهاية فيفري 1988



رقم الايداع في مكتبة الأسد الوطنية :

البطاقة السحرية : رواية / محمد ساري -[دمشق]: اتحاد الكتاب العرب ، 1997- 115ص ؛18سم .

1-813.03 س1    ب                                                2- 813.009615 س1 ب
3- العنوان                                                                4- ساري.
ع- 831/6/997                                                                      مكتبة الأسد


البطاقة السحرية- رواية- محمد ساري.

رواية إنسانية تاريخية تعالج قصة حب وبطولة شعب وتصور حياة القطر العربي الجزائري الشقيق إبان ثورته المباركة، والعلاقات الإنسانية الصادقة وبأسلوب فني مشوق وحوار نابض بالحياة والغوص في عمق وروح اللهجة العربية الجزائرية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire