-
يا حرام على مصر، يا حرام على مصر يا حرام عليك يا مصر أم الدنيا. ردد سامي وضرب
جبينه بكفه.
وقفت الدنيا على رأسها. عمت المجاعة
مصر كلها وتسلطت الأوبئة على الشعب المسكين البسيط، فمن نجا من الكوليرا سقط فريسة
مرض الزهري والطاعون الأسود حتى ملأت رائحة الموت الخياشيم، ودخلت الزنزانات
المغلقة، وشوارع القاهرة رحل العديد من المساجين السود حمدت ربي أني داخل القضبان
أثناء تلك القتامة التي محت الحياة حولي وحتى الشمس اللاهبة التي باتت كئيبة
باهتة، كانت الأنباء شاهد عصر على قسوة الحرب الضروس التي جرت الشعوب الضعيفة ومصر
إلى حافة الهاوية. حرقت الجثث أو طحنت بجنازير الدبابات الثقيلة. باعت الحرة
طفلها، والصبية جسدها وغزت همجية القرون الوسطى شوارع القاهرة تتاجر بالرقيق
الأبيض مقابل لقمة العيش.
أنباء رهيبة كانت تصلنا. تعلمت كيف
أكره الإنكليز، فلا الجيش جيشنا، ولا اللغة لغتنا.
سألني المدعي العام:
- ما الذي دفعك إلى صفوفهم؟
أجبت:
- أحببت رؤية مصر.
استغرب المدعي العام قولي. نظر إلي
بدهشة كمن يعاين مجنوناً..
- تدخل الجيش فقط ليأخذوك إلى مصر؟
- نعم سيدي..
تأكد عند ذلك من سذاجتي أن يكن من
جنوني.
في اليوم السابع من محاكمتي المرهقة.
ثارت علي أسناني. تفجر رأسي من الألم: ولم أقو على تركيز مخي، جروني إلى عيادة
طبيب يهودي اسمه((صموئيل)) كان يهودياً قذراً بلا قلب. أدخل الكلابة في فمي وخلع
لي ضرسين سليمين دون مخدر. صحت من الألم ورفسته بالبسطار على وجهه. أعادوني إلى
الزنزانة لم يتوقف النزيف كدت أختنق بالدم وعندما رآني الحارس رثى لحالي وأشفق
علي... أخبر الشرطة العسكرية. نقلوني إلى المستشفى وخاطوا الجرح الذي لم يندمل.
كانت فترة المستشفى وقلع الضرسين،
ومرارة الألم فترة راحة واستحمام لي. لم تلبث أن انتهت سريعاً، فقد أعادوني إلى المحكمة
مثل كلب أجرب وقرأوا علي التهمة التي تلخصت كالتالي:
- الهروب من الحرب بالسلاح الكامل.
- كنت بحاجة إلى إنسان من أهلي
ووطني. فرغم قسوة الموقف ظلت ذاكرتي تعيدني إلى دمشق. احتل هذا الحلم ذهني. كان
الأمل الذي يمدني بالشجاعة والصبر.
أعادوني إلى القاضي، للمرة الأخيرة
سألني:
- العمر
- ستة عشر عاماً
حدق في الأوراق، ثم أدخل يده في درج
المكتب وأخرج ورقة كان قد زورها عيّاد ليصبح العمر ثمانية عشر عاماً. ثم أخرج
الوثيقة الأصلية التي جاء بها الشيخ العميل من دمشق، وقارن بين الاثنتين.
قال القاضي عاقد الحاجبين مع ظل ابتسامة
بصوت مهيب بعد معاينة استنطاقي الأسبق:
- أهذه تذكرتك؟
أجبت: نعم.
- تكلم، كيف تطوعت بالجيش.. جيش
بريطانيا العظمى.
عدت أؤكد ونظري إلى الأرض:
- أحببت أن أرى مصر، لا علاقة لي
بالإنكليز ولا بالحرب. ترجم رجل وقف إلى جانبي. كان بديناً ذا وجنتين منتفختين
ونظارتين هبطتا إلى أرنبة أنفه.
ضحك الحاضرون بصوت عال. تقبلت نتيجة
المحاكمة بفرح عارم. حكم علي بالسجن مدة أسبوعين مع تسريح من الجيش لصغر سني.
ظل موضوع غلاء الخبر يؤرق الناس في
حياتهم اليومية وبات الهم اليومي الذي يقض مضاجعهم، ويلون سهراتهم بقصص العوز
والتقتير.
خرجت من البيت المجاور المرأة
الليبية التي كانت تودع حليها عندنا إثر كل يمين طلاق يطلقه زوجها. كانت تحمل
حقيبة ملابس واحدة. وتجر ثلاث بنات ذاهلات عن المصير خلفها. فتحت أمي الباب راجية
إياها أن تخزي الشيطان ريثما يتم الصلح بينها وبين زوجها:
- الصباح رباح يا أم نادية.
- لا، لن أعود إليه، واللّه لن يرى
ظفري بعد اليوم.
همدت الأصوات نهائياً في المنزل. ثم
تغير شيء حولنا. دخل الحارة طنبر خشبي يجره حصان أصهب.
توقف أمام بيت أم ناديا المهجور.
أنزل العتال أثاثاً ملفوفاً بعناية، وآلات معدنية كبيرة حديثة، وكرسياً دواراً تناوله
رجل مخضب الشعر في الخمسين من عمره. علّق الرجل قطعة نحاسية مستطيلة على الباب.
حفر عليها: كامل السمان طبيب أسنان وجراح.
تلهّت الحارة بالزوار الجدد، وأغمضت
عينيها عن رجل غريبة دبت لعملاق ضخم الجثة تفوح من فمه رائحة عجيبة ذات أبخرة
واخزة، يرتدي قنبازاً مفتوحاً كالحاً وشالاً يضمه حول وسطه بزنار جلدي عتيق.
يأتينا كل يوم.. يترنح في مشيته يمنة ويسرة إلى أن يصل إلى دكة ترابية يجلس قرب
برميل القمامة القلاب. ثم يخرج رغيف خبز التقطه من الفرن ويقضمه على مهل. تدفع
قذارة شكله وشعره الطويل اللزج الأولاد إلى الضحك والسخرية منه، وأحياناً إلى ضربة
بالحجارة وشد الزنار ينفلش القنباز المهترئ عن بدن عار في عز الشتاء.
يلكزه خبيث:
- حميدو، أين كنت البارحة؟ لا تخجل،
قل، قل.
وينط آخر:
- اعترف لك حشاش.
ترف عينا حميدو الزائغتان بحثاً عن
معين. لا يجد. يعود ساهماً تائهاً في جلسته.
- حميدو.. إبك.. أين بيتك؟. حميدو
ارقص.
يترنح حميدو ثقيلاً، يدب بخوف مبهم.
يدور دورتين ثم يقع على الأرض.
- شوفوا المجنون. حميدو، غني يا
وابور اجري، حميدو ابكي.
يمسح حميدو عينيه. تهر منهما دمعتان
حقيقيتان. يبحث عن عود ثقاب، يمد يده مستنجداً. ويضربه الصبي هيثم، يدوس حسن على
قدمه يبقى حميدو ضعيفاً حتى الموت.
حشاش، حشاش يخرب بيتك، ما وجدت غير
هذه الحارة حتى توسخها... أمامك القميم في العفيف، هناك تستطيع أن تحشش على مهلك.
سلطان زمانك. يا اللّه انقلع. يميل الغريب على جنبيه ويعود في اليوم التالي أشد
إلحاحاً على جلسته مترنحاً مهاناً لا واعياً. كل ما تعرفه الحارة عنه. أنه خرج من
السجن حشاشاً اتهمه زوج أمه بالسرقة. طرده من البيت، وسلمه إلى الشرطة.
تنبعث من عيادة الطبيب(كامل السمان)
أغنية يومية أسيانة بصوت(لور دكاش) الرخيم الصداح. أغنية واحدة لا تتغير وكأنها
أبدية. (آمنت باللّه. نور جمالك آية، آية من اللّه. آمنت باللّه).
ألفت في عودتي من المدرسة ظهراً رؤية
امرأة تركية شقراء الشعر تلف شعرها المنسق الأملس بشبكة سوداء ناعمة تعقصه على شكل
قلب فوق الجبين العالي.
كانت قصيرة القامة، بنظرة نبيلة تنبئ
عن ماض عريق. ترتدي طقماً أسود يطل من قبته الرسمية قميص أحمر. تنتعل في قدميها
حذاء من الفلين السميك. تهرول خلفها امرأة سوداء لا تحاذيها أبداً، ولا تكلمها فقط
تتبعها كظلها.
يطغى النداء الدافئ من حنجرة(لور
دكاش) على أزيز الآلة المرعبة لنخر الأسنان. يتلصص الأولاد من ثقوب الخص الخشبية
المتقابلة. يدفعهم فضول ما إلى فعل ذلك لا يدري أحد كنهه. فعل صبياني محرم على
الكبار ومباح للصغار.
تصمت الآلة. لا ينير الضوء الخافت
الغرفة، بل يسهم في تهييج الخيال، يتبادل الأشقياء الكلام.
- أين يده، قدمه، فمه... ولكن هي،
أين هي؟
تظل الخادمة جالسة وحيدة في الردهة.
صنم قُدَّ من أبنوس قديم. تلف سيكارة وتدخن بصمت لاهية عن العالم. أتراها جالسة
معها مجرد حماية.. أم ماذا؟
تخرج المرأة التركية. تمشي فتتبعها
المرأة الأخرى. تتكرر اللقاءات. وتكبر الإشاعات. وتتأجج الغيرة الحمقاء في الصدور.
لابد من كبش فداء يبرد الدم يجب أن
يسيل الدم حاراً قانياً كي يغسل أعتاب الحارة من رجس الشيطان. ولكن متى. لابد من
توقيت.
يتلمظ الرجال حسرة كلما تهادت
التركية. عيناها دائمتا النظر إلى الأمام. لا مباليتان بالخطوات المتلصصة التي
تتبعها.
فيما كانت الحمية تدفعها المروءة
تثور لتدمر، وتحطم، وتقتل، وتذبح باسم الشرف، انتهت اللقاءات العاطفية بصمت، دون
دم بعد أن غادر الطبيب الحارة تلقائياً. جمع حوائجه وغاب.
حلّ محله طبيب نفسي جلب فرنسية جميلة
معه. شهق الرجال وغمغمت النسوة حسرة:
- أجنبية!
تظل النساء حاضرات غائبات مكبلات حتى
العظم، هي في الشورت الأبيض وهن بالمانطو الأسود.
تنقر شكواهن آذان الأزواج بلا ثمرة.
صب حضورها برداً على القلوب المتعصبين جميعاً. فما عادوا يتذمرون من رائحة الخمر
ولا صوت الموسيقا الضاجة في الليل. ولا من نباح الكلب الرابض خلف الباب. ارتخت
مفاصلهم كما ارتخت معارضتهم لجارهم(كريم) صاحب الأراضي الواسعة في الغوطة عندما
جاء بطفلة بنت أشهر ورماها بين أيدي أخواته العانسات قائلاً:
يتيمة الأبوين سجلوها تحت اسم فريدة
العبد اللّه
لم تتجزأ واحدة على فتح فمها عن
أصلها، وكيف جاءت. من أبوها؟
فجرت البنت اللقيطة عاطفة الأمومة
المكنونة في صدورهن.
- التربية غالية. قالت جدة رفيقتي
المتهالكة على الحياة.
هذه ابنة كريم ولا يعترف بها خوف
الفضيحة. يا لطيف اقطع يدي إن لم تكن من صلبه. رغم القيل والقال والهمسات قبلتها
الحارة. تسللت رخاوة إلى عيني أبي الصقريتين. نادى عربية التي فقدت ولدها وظلت
مقيدة بنا وقفت واجفة القلب.
- نعم سيدي.
- إذا كان في ودك أن تتركينا وتذهبي
إلى أهلك فأنا أوصلك بيدي. ربما تجدين ابن الحلال الذي يسترك في الضيعة. أطرقت
المسكينة برأسها إلى الأرض وانهمرت دموعها.
- يا سيدي. الموت معكم أرحم. أين
أذهب من عيون أهلي؟
سكت محزوناً، وهز رأسه مستغفراً ربه،
ودعاه في سره.
ظل الفقر والجوع الهم اليومي للناس.
جابت مصفحات إنكليزية شوارع دمشق لمدة أربعة أيام كي ترغم الفرنسيين على
الانسحاب.... رمى جنودها البسكويت والعلكة للأولاد وفرقوا الطحين الزيرو على
الأفران... وعندما انسحبوا.... عاد الخبز الأسمر إلى موائد الشوام وعمر التشاؤم
قلوبهم.
علق أحدهم: حكم لصوص أنذال.
عيد الجلاء!
استيقظت دمشق على فرحة كاسحة... فرغت
الدنيا من جيوش الاحتلال الفرنسية. لأول مرة تتحرر البلاد بعد أربعمئة سنة حكم
عثماني وثلاثين سنة حكم فرنسي..
فرح ووجوه باسمة، وآمال تعمر
الصدور.... اللّه أكبر.
قال أبي متحمساً:
- هل نقوى على تحمل هذا الفرح يتفجر
في الصدور. في ودي لو أضم الناس جميعاً بذراعين خالصتين من البغضاء، هل يمكن للمرء
الذي فتح عينيه على المظالم والإضرابات والمظاهرات والغلاء والقتلى والشهداء أن
ينسى هذا اليوم؟ عيد الجلاء.
لابد أن الكبار فهموا معنى عيد
الجلاء أكثر منا نحن الصغار عشنا عيداً ملوناً لا يماثله عيد في العالم على كثرة
الأعياد. هبت الحارات والأخيار، والكبير والصغير هبة واحدة وقلب واحد للاحتفال
بعيد الجلاء. ذبحت الخرفان ووزعت الهدايا والحلوى. وارتفعت الزينات. غناء موسيقى
حماسية مذيعون يتناوبون.... ضجيج وفرح... من قبة السيار في آخر خط المهاجرين إلى
الشيخ محي الدين... ومن سوق ساروجة إلى سوق الحمدية. وباب الجابية والسويقة إلى
القصاع وباب توما، وحيّ الأمين. سجاد على الجدران مشاعل الكشافة ليلة العيد لمبات
كهربائية متصالبة على النوافذ والشرفات. أسهم نارية ملأت السماء عيون ساهرة تنتظر
الغد. السابع عشر من نيسان عيد الجلاء تاريخ جديد لنضال مرير منذ هجوم التتر وحتى
آخر فرنسي.
مضينا في الصباح رجالاً ونساءً
وأطفالاً وشباباً وشيبا إلى شارع بيروت تتفجر رغبة الحياة الحرة من مآقينا. أصبحت
سوريا جمهورية عربية مستقلة رئيسها شكري القوتلي.
صرخ عادل من السرادق:
- تعيش سورية، يالدمشق العظيمة...
افرحي لشهدائك لقتلاك.
علق أبي:
- الآن جاء دور الشباب. نحن عملنا
واجبنا دوركم يا أولاد
لعل غرابة وتنوع نماذج النساء التي
تعثرت بها، ورأيتها قربي خاضعة لتعليمات اجتماعية صارمة أثرت بعمق في مشاعري، كل
شيء في الناس كان مشوهاً... حتى تصرفات أمي واخوتي البنات حين كان الأمر يتعلق
بالتقاليد والعادات والأعراف السائدة... خنوع وملل ورتابة عيش.
شكلنا أنا ورفيقتي((نورس)) ثنائياً
جيداً في الصف. جمعنا تطلع نحو الثابت في المجتمع... الوطن، الفكرة، الثورة... أما
المتحول فيجب أن تكون التقاليد البالية المتوارثة.
كانت نورس مرجعاً في قواعد اللغة
العربية، وكنت أنا بأجنحتي المفرودة دوماً نحو الريح كتلة مشاعر وأحاسيس لا تنضب.
أقرأ بين السطور وأستوعب وأعب من ثروة المفردات.
ذات صباح. تمسحت بي زميلة في الصف
اسمها((سوسن)) يموج على كتفيها شعر أسود طويل مفرق بجديلتين، ويرتسم على شفتيها
الدقيقتين خط من الزغب الأسود الواضح فوق بشرة بيضاء. رفت أهدابها الوطفاء على
عينين واسعتين ذئبيتين.
نبرت هامسة: سلمى تحملين سراً؟
حدجتها بنظرة قاسية أرخت يدها عن
كمي.
- شوفي، معي رسالة غرام.
تراجعت خجلة.
- لا تخافي... لي
- مجنونة، لو سمعتك الموجهة. فضيحة،
ثم طرد.
- خذي اقرئيها، وغداً ترجعينها.
موافقة؟ دستها في جيبي.
كنت أرتعش خوفاً، ماذا لو وقعت في يد
أخي؟ هل يصدقني؟
تركتني أتخبط بحيرة واجمة ساخرة على
نحوٍ صبياني، وهربت.
أحدث نفسي:
- هذه البنت النصف رجل تجد فتى
أحلامها، وتقع في الحب ياللمهزلة.
اشتريت من دكان صغيرة على ناصية حارة
الرئيس مجلة الاثنين واحدى روايات ارسين لوبين وخبأتهما بين كتبي.
أحببت هذه المغامرة الصغيرة، كبرت
تطلعاتي. سئمت الكتب التاريخية الوصفية، والكتب الصفراء في مكتبة أبي واجتهادها
الذي توقف وبحثت عن الممنوع والمجهول واللامألوف الصعب. يضيق رأسي بحمل أفكاري كما
تضيق ملابسي وتنبئ بتغيرات فيزيولوجية تقلقني وتفرحني. استدار الكتفان والردفان
تحت الخصر النحيل وامتلأ النهدان ضراوة.
غلفت سوسن تقربها المفاجئ مني أمام
التلميذات بمجلة، ضمنتها رسالة زهرية اللون كتبت بخط جميل.
هذه هي الثانية تلمع عيناها إذ تحكي.
- هل تصدقين يا سلمى، يعبدني،
يعبدني، يقبلني قبلات طويلة حارة. ويضغط على ثديي بقوة فأطير من النشوة اللذيذة
أخشى أن أغيب عن الوعي بين يديه. يريد أن يأكلني.
- وأهلك؟
- في غرفة الجلوس.. آخر اطمئنان.
سلمى إذا هبت رياحك فاغتنميها. لا تكوني غبية.
- صرت مثقفة يا سوسن. منذ متى؟
دبكت بقدمها:
- لو رأيته يا سلمى. لو رأيته. رجل
ناضج كامل مثقف موشى الشعر بخيوط من فضة. نظارتان على أنف معتدل، وفم مدلوق ذقن
مبرومة. يداه، يداه يداه. كم أحب يديه تمتصان قوتي، تهدّان مقاومتي...
لم أسمع بقية حديثها، رحت أتخيل شكل
العاشق المتيم الذي يكتب الأشعار ولا تفهمها. رسمت للعاشق صوراً شتى. لم تنطبق أي
منها على من أعرف.
قلت لها:
- وما دوري أنا... أنا بالذات؟
- أنت شاطرة بالعربي، أنت ثقتي،
أرجوك ساعديني، كلماته كبيرة علي ما رأيك لو كتبت جواباً باسمي. أنا كسلانة
بالعربي.
انحنت وقبلت يدي بذل.
خامرني شعور خبيث. لم لا أتلاعب
بعواطفها، وأساومها على تقبيل قدمي ثمن كل رسالة أخطها.
ضحكتُ من أفكاري الجهنمية، وطمأنتها:
- طيب، طيب. أشوف.
حبست نفسي في الحمام وقرأت. كانت
أشعاراً حقيقية، وتشابيه صعبة وتراكيب معقدة أرفع من مستوانا المدرسي في الصف
الثامن. فالكلمات جميلة حارقة تقطر جوى وشكوى. تبنيتها، اعتبرتها ملكاً خاصاً بي
وحدي. مددت بيني وبين الشاعر خيوطاً حريرية خلقتها كلمات عاطفية.
انكب على رسالة((سوسن)) مشوقة إلى تفريغ
شحنة الصبا في بدني التي تتوق إلى الانفجار. كبسني شوقي إلى ولوج حياتها الخاصة.
وقّعت سوسن حذره بالحرف الأول من
اسمها في ذيل الرسالة المزينة بقلوب حمراء. ثم رسمت قلباً يقطر دماً.
- اللعينة!
تابعتها وضحكت منها، وعندما مررت
لسانها على الظرف شعرت بهول تهوري. تساءلت"
- لم أزج نفسي في لعبة خطرة. لماذا
أغمس أصابعي في أهواء فتاة تتلمظ شهوة وأحلاماً بالتحرر من ربقة العذربة كما تدعي.
دون أي شعور بالمسؤولية.
سرقت مداراة الأعراف سكينتي.
- هل أقوى يوماً على التسلل إلى
أحضان فتى أحلامي. وأقف أمامه عارية لا يسترنا سوى الظلام كما تفعل((سوسن)) يومياً
بعد أن يأوي أبواها إلى فراشهما.
تبادلني النظرات في يوم آخر، أفهم.
مزيداً من الرسائل ولكني لن أقبل أن أكون الثانية بعد أن تقرأ الرسالة أولاً. عرضت
شروطاً مليئة بالابتزاز:
- أفتح الرسائل أولاً.
انصاعت مرغمة.
أحسستني تعيسة للشر الذي تفجر في
أعماقي، والغيرة التي تأكلني فجأة.
- أمجرد احتكاك بسيط مع أناي
الداخلية تحولت إلى لا((إنسانة)). أمدتني بالرسائل على نحو منتظم، صباح كل سبت.
تعلقت بها وعصرت قلبي قطرة قطرة. وسوسن سعيدة لاهية ناعمة بالحب، تجول يدا حبيبها
حرتين في ثناياها جسدها اللاهب. تحكي لي بسذاجة بريئة عن مداعباته، وعن ابن
الجيران الذي يلاحقها ويقرصها من فخذها. وأستاذ الإنكليزي الذي يلمس شعرها
بأنامله. ولم تتطرق أبداً إلى الرسائل.
ذات حين دعتني إلى بيتها كي نشرب
الشاي، ونستمع إلى اسطوانة((مجدلينا)) الراقصة.
وهناك مع فنجان الشاي التقيته. مشهد
مضحك هرب من فيلم مصري. ابتسم ابتسامة عريضة مغرية دبقة.
- آنسة سلمى. أخمن؟
أجبته بابتسامة عريضة مماثلة.
تسلقت عيناه شفتي. تعلقتا بفمي. ثم
درجتا على وجهي ويدي وجسدي. قرأت اللعب في عيني رجل مخادع شبق مجرب.
دخلت((سوسن)) بالقهوة. رشفت من
فنجاني رشفة ساخنة. ورشف من فنجانه رشفة. وبلمحة بدل الفنجانين، وبهدوء تام أشعل
سيجارة((بافرا)) وراح يدخنها على مهل، ويتأملني من خلال الضباب الكثيف، تجاهلت
حركته الصبيانية التي لا تليق بسنواته الخمس والثلاثين. كسر الصمت. قال ممازحاً:
- حكت لي سوسن عنك... قالت إنك تحبين
كتابة الرسائل. ثبت عينيه في مؤق عيني. فاجأني بكلامه. خسرت اللعبة. كشفني ببساطة.
ياللغبية التي لا تؤتمن على سر)).
- لا. لا أحب، أجبت غاضبة.
تناولت محفظتي وهرولت نحو الباب.
رفعت يدي مودعة.
- عندكم درس خاص.
تنتقل سوسن متباهية كفراشة من جميل
إلى أجمل ومن طالب إلى أستاذ ومن ابن مدينة إلى ابن ريف، تمسك بتلابيبهم وتزحلقهم.
يمر أسبوع تملّهم واحداً إثر واحد. حتى فاحت رائحة نتنة وامتلأ بطنها، وعلى باب
المدرسة ناولها طالب طب ثلاث رصاصات ثأراً لكرامته. خطفت الروح من بدنها وقضت على
مستقبله، ثم أسلم نفسه للشرطة.
كنت قد كتبت قصة سوسن على مزاجي
الخاص، ودفعتها إلى حافة الموت بسكين حادة. عندما قتلت شعرت بأني مدانة ومشاركة في
تلك الجريمة بنحوٍ أو بآخر. عفت الطعام والنوم، وكرهت نفسي، ذبحتني القفزة القاتلة
التي قامت بها. تساءلت:
- ترى لو أهملت طلبها أما كان
الأفضل؟ ظلت جثتها الملطخة بالدماء المرمية تحت الأقدام ماثلة في مخيلتي ورافقتني
سنوات طويلة زرعت الهلع في قلبي.
تلونت الأيام بعد أربع سنوات من
الاستقلال فقط. تحولت من زهر إلى رمادي، ومن رمادي إلى أسود حسب الظروف والأهواء
السياسية التي أطلت فجأة على حياة الشوام، برز وجه عسكري ينادي بتغيرات اجتماعية
مظهرية مثل الغاء الطربوش والشروال. وحمل الدعوة أزلام مُتكسّبون داروا بها على
منافيخ الحارات.
قال أبو عجاج الحمصاني الذي ارتدى
البدلة الرسمية لأول مرة في حياته بصوت مسموع:
- معلوم يا أخي... بدنا رجال تحارب
بفلسطين، هذا رد على هزائم فلسطين. همس زكردي في أذنه وفي يده خيزرانة رفيعة:
- أسلحة فرنسية وصورة الزعيم على
السبطانات، هكذا سمعت ما شاء اللّه وكان!
- حبيبي هذا رجال وليس ديكاً كما
أقول لك. كان في السجن، سجنته فرنسا. اتفق على شراء أسلحة متطورة. رفع دعوى على
الحكومة الفرنسية وطالب بأوسمته.
طارت طابة من خرق قماشية ملفوفة على
واجهة أبي عجاج فكسرت الزجاج.
خرج أبو عجاج من دكانه مهتاجاً
غاضباً.
- لك أين هو... وينه الكلب، ابن
الكلب.
هرب الولد وتخبأ في زاروب ضيق وصرخ
مناكداً:
- أبو عجاج... حسني بك يا عزنا!
بسرعة غيرت؟
لم تهدأ الحكايا. ذعر الناس حين
استيقظوا صباحاً على أجساد محكومة تتدلى من حبال المشنقة في ساحة المرجة، فأغلقوا
أبوابهم تحسباً من مفاجآت تالية، وما هي إلا ليال من شهور ستة من الأحداث
المتسارعة الدامية في سوريا ولبنان حتى انفجر الوضع الجديد ولمّا يثبت أركانه. دخل
عادل مهتاجاً مضطرباً إلى البيت:
- انقلاب جديد... انتبهوا كتيبة
مصفحة تجوب شوارع المدينة. لا تخرجوا من الدار. أنت سامي، وأنت سلمى....
- خير إنشاء اللّه؟ سأل سامي...
- مشروع سوريا الكبرى... رد على
تحرشات إسرائيل في الظاهر والباطن بعلم اللّه...
وقعنا في هم المفاجآت. مرة من انقطاع
الكهرباء. ومرة من انقطاع مياه الفيجة. وباتت الأضواء الخافتة بالألوان النيلية
على النوافذ تنذر بالشؤم وتُؤرّث الخوف.
فيما كانت الشام تتطلع إلى تثبيت
الحلم الديمقراطي عبر مجلس نيابي أمين على مقدراتها ويوسع نواة الأحزاب الوطنية من
خلال الطلاب والمثقفين من خلال الأساتذة الذين عادوا من أوروبا بعدما نهلوا من
العلم والخبرة، وتشبعوا بالأفكار التحررية، تعرفت وتعمقت علاقتي بالفنان التشكيلي
أحمد.
كان شاباً حنطياً حاد التقاطيع معبأً
بذخيرة ديناميكية من الجدية، كتلة أعصاب مكهربة.
لفّه خيالي، وحفظته أحلامي، وراقبه
زهوي. اندفعت خلفه بقوة كهرطيسية لاهية عن احتمالات التقول.
تابعت نشاطه، أقرأ ما يكتب في الفن
والفكر أستذكر بيني وبين نفسي ما يكتب في الصحف المحلية من تعليق، فاجأتني تقاطيعه
الحادة منذ اللقاء الأول فيما استقرت عيناه على وجهي. بت أترصد خطواته: محاضرة في
جمعية الفنون، ومعرض في صالة الفن الحديث، تعليق في الندوة الثقافية، ومنتدى
سكينة، والنادي العربي. كنت واحدة بين حاضرات وحاضرين.
وقفت، يوماً بينهم صغيرة مترددة
أسأله، وما عساي أن أسأله وأنا لم أتجاوز الكفاءة.
همستُ بصوت خافت خجل كلمات مبهورة
حول كتاب أصدره عبد السلام. ابتسم. تعلق شيء ما بيننا.
سأل عن سبب اهتمامي بهذا الكاتب
بالذات. كشفتني رعشات شفتي ويدي. لملم أفكاري المبعثرة بلطف حول أسلوب المؤلف، كان
رأيه أن المعنى المحرض يجب أن يستلم الريادة بعيداً عن الإسهاب والتفاصيل السطحية.
بعد أيام، أخذ يمدني بمواعيد
المحاضرات صابراً على غيابي في أحيان. أدمنت على لقائه وأنا خائفة، أخذته
انشغالاته بعيداً عني، بات أسير المقالة اليومية والمطابع التي تفتح فاهاً كالغول.
أحمد يعرض وينشر تعليقات ساخرة، تعج
بالمرارة والضحك، تثير نقمة الحكومة الانقلابية الجديدة تكبر حلقته يدعو إلى تكتل
الفنانين في نقابة تصونهم وتحمي حقوقهم. فن واقعي يعالج الأمور الراهنة ويضم
اليميني واليساري في عصبة متحررة من أي ارتباط خارجي قد يشوه اسمها لا لدكتاتورية
الحزب الواحد متمثلاً بحركة التحرير التي عمت دعايتها الدوائر والجامعة، والمدارس
والأسواق
كانت الحركة غائمة الأهداف، طافية
على السطح في الهواء الطلق لا جذور شعبية. لها بعيدة عن البنى التحتية لخصتها
جريدة((الإنشاء)) بعناوين من مثل:
- حركة الفترة وليس التحرير فقط
- ضم عدد ضخم من الأصوات
- شعارات حرة لشعب حر
- المستقبل: الروح والجسد
لكن الحكم كان في واد والشعب في
واد.. جاء حين تفجرت فيه العواطف المكبوتة. أعلن عن إضراب عام في الجامعة، انضمت
إليه ثانويات التجهيز للبنين والبنات، وأغلقت المدارس بعد تحطيم النوافذ بالحجارة،
خرجت أعداد كبيرة من الطلاب بمظاهرة تدعو إلى إسقاط الدكتاتورية.
لاحقت المباحث المنظمين فسقط عديدون
في حبائلها كما سقط عادل في فخ الاعتقال، كشفت الواجهة الديمقراطية عن وجهها
الكاذب.
ظل انتماء أخي عادل السياسي سراً
خافياً علينا.
اشتد أوار الصدام بين العسكر
والأهالي، وامتلأت سجون القلعة والشيخ حسن والمزة بالمقابل. ظل أحمد على خطه
اليساري يقاوم بضراوة إغراءات الوزارة المعروضة عليه، يئس المتكسبون من احتوائه
فسُّرح من سلك التعليم ومن الصحيفة، ووضع تحت الإقامة الجبرية في البيت.
طال غياب عادل عنا، رحنا نعد الأيام
ننتظر خطواته، أرقنا القلق وأرثته أخبار التعذيب. أدخلت التمنيات الطيبة من
الأصحاب والجيران خناجرها في حلوقنا لتنكأ جراحنا كلما حاولنا تضميدها، وكأننا
غسلنا أيدينا من جثة ميت.
أخيراً، خرج أخي عادل من السجن صدر
عفو عام عن بعض المعتقلين لعدم توفر الأدلة.
عاد نصف حي يجر جسماً نحيلاً يابساً.
فتحت أمي عينيها من غيبوبة السكري
الذي أكل عافيتها.
- رجع عادل. همس سامي في أذنها.
وأمسك كفيها النحيلين مطمئناً. صدر عفو عنه.
دخل عادل عليها وأخذ يمرغ وجهه
بيديها... نفر الدمع من مآقينا.
خفف نجاحي في الكفاءة بعض الآلام
التي ركبتنا تماثلت أمي نحو الشفاء وتجلست في سريرها النحاسي الأصفر.. هاقد عادت
الضحكة إلى عينيها الكابيتين.
داعبتها بقولي:
- ماما تتلامح أمامي الجامعة. سنة
وهوب يا جامعة... ساعتئذ ماذا أفعل.. احزري، ماذا أفعل. وقفزت فوق سريرها وضممتها
تبسمت بوهن.
أرنو حالمة حزينة إلى ما كان ملكي
قبل أن ينبشه هشام على نحو مباحثي من بين طيات ملابسي الداخلية. هتك سر مذكراتي،
ومزق قصة الحب التي كتبتها عن سوسن. ففقدت مع ثورته الذكورية أهم أفكاري.
عادت العصفورة التي قضمت القضبان
بأسنانها إلى العش مهيضة الجناح منتوفة الريش لتلتقط من الحب ما يسمح به.
سقى اللّه أيام الجمعيات الأدبية
الذهبية والمنتديات الثقافية. هاجت بي الأشواق بعيداً عن الحزن. كتبت قصيدة
بعنوان: ((إلى فنان)). أرسلتها متفائلة إلى صحيفة الفيحاء وانتظرت حتى مللت وعيل
صبري.
وفجأة بعد أيام طويلة ظهر اسمي إلى
النور.
تلفنت إلى أحمد، وسألته رأيه متوجسة.
رد بلا نفس:
- أثارت أعصابي. أثارتني
شعرت بخجل من تعليقه. لضمت الإهانة
- أنت لا تحب ما أكتب. يعني أن أكف
عن الكتابة. أنسحب بشرف... لم لا تصفعني على خدي؟
- اكتبي: ولكن لا تتركي عواطفك
مكشوفة متداولة و...
- أفهم من ترميزك أنها سيئة. قلها
بصراحة.
- على هذا النحو نعم. اخرجي من ذاتك
إلى الآخرين، إلى الناس.
انطويت على قهرٍ قاسٍ. فمزقت أوراقي
التي سودتها وكبرت معي.
- رميتها في موقد الحمام بملء
إرادتي. واتخذت قراراً بأن أترك المدرسة وأعيش حياة دعة أسوة ببنات الحارة انتظر
العريس. بكيت طوال الليل. لاحظت أمي احمرار الجفنين وطفحاً خفيفاً على وجهي.
نادتني:
- سلمى، ما هذه، حساسية على جلدك.
على وجهك. يجب أن يراك الدكتور.
- وجهي، ركضت إلى المرآة. تلمست
حبيبات حمراء منتفخة بشعة شوهت بشرتي. وكأنها جدري الماء.
هجمت على الطعام بشكل مرضي، لم أجد
تفسيراً لذاك الاضطراب الجسماني وزيادة الإفرازات.
- هل كنت أعاقب نفسي؟ لا يمكن. شيئاً
فشيئاً استرجعت صوابي وتوازني. فهمت بأن الصدمة التي أكلتها ضرورية، وأنها انعطافة
جادة لابد منها في مسيرتي الفنية. إن أردت المتابعة.
تشبث الهوى بي، وتشبثت به. اصطلي
بناره.. عاجزة عن رد وهجه. عدت مكبلة مزعزعة أقتل غيرتي التي أججتها فتاة سمراء
نحيلة القد طويلة القامة كصبي أعجف تلبسها فكر يساري غائم ومضطرب تسللت إلى مخدعه
ليلاً. نقلت الخبر ابنة خالته المكبوتة على رغبة الحب.
تغيرت الأحوال السياسية بعد الانقلاب
الأخير، صدر عفو عن أحمد. بحث مجدداً عن صحيفة أخرى تتبنى أفكاره. عاد فشدد من
لهجته ضد الدكتاتورية التي خلقتها الانقلابات منذ أن بدأها بطلها((حسني الزعيم))
وما جرته على البلد من ويلات وتمزيق نفسي وخلقي أدى إلى عدم الاستقرار وفقدان
الثقة بين الأخ وأخيه. نسي الرسم واللوحات والمعارض وما عاد يعبأ بانزلاق فنان
تشكيلي نحو الإفلاس.
تناوب أحمد حسب سياسة الصحيفة على
كتابة الافتتاحية مع كاتب يميني اتضح أنه داعية حزب الشعب، يتعارضان ثم يلتقيان في
مطالب أهمها:
حرية التعبير، تعدد الأحزاب، نظام
ديمقراطي سليم.
لفتت لهجة المقالات النقدية اهتمام
الناس فأقبلوا على شراء الصحيفة. هكذا رجع أحمد بعد لأي مرير إلى تثبيت أقدامه في
عالم الصحافة.
تدخل عادل الرجل الثاني في البيت في
مسيرة حياتي. أقنع أبوي بنقلي إلى الثانوية الأدبية حيث عين أستاذاً للرياضيات
فيها. تحظى المدرسة بسمعة جيدة ومستوى رفيع باللغة الإنكليزية.
كان في نيته أن يبعدني عن أحلامي
التي شم رائحتها عشية سمعني أكلم أحمد بالهاتف. لم يجابهني. ولم يسألني. تركني مع
مواجهة نفسية ومحاسبة مميتة بدت أقسى من السوط على جلدي والقهر في ضميري. وفي حالٍ
من التأهب المضني لسؤال أو جواب قد يأتي.
لم يسعني الرفض. برزت أمام نقلي إلى
مدرسة أخرى مشاكل عدة:
- قالت أمي: المدرسة بعيدة عن
المهاجرين والأقساط غالية، تشكل عبئاً جديداً على العائلة.
ذلل عادل العثرات جميعاً:
- أنا المسؤول:
تغير نمط حياتي. فمن جو متزمت خانق
إلى تباسط ومناقشة وحرية في التعبير وصدام في الآراء حول التاريخ والحكم ونظام
الحكم.
صرت أستيقظ مبكرة قبل موعدي السابق
بساعة. يرافقني أخي، نركب الترام ونهبط في بوابة الصالحية، ثم نمشي في الحي الضيق
المضموم على دخانه وروائح الطعام الزكية وهذا ما أغضب والدتي. وبعد أيام تراخى
الحبل الذي لف حول عنقي حين ملّ أخي مرافقتي وحررني من رقابة عاتية.
أخذت بالجو الجديد. طال دربنا أم قصر
أنا وأحمد، بتنا نلتقي يومياً. تترافق خطواتنا مشياً متوازناً. هو على رصيف، وأنا
على رصيف نضحك على منظرنا. ثم نجده جميلاً في ظروف بلدنا.
فاجأتني أنظمة المدرسة غير العادية
برسالة فكرية تبشيرية حزبية حول مشروع((سوريا الكبرى)) تطرح منطلقاتها في الصفوف
مع الأساتذة والتلميذات وتتداول البنات صحيفة يومية تحمل شعارات الحزب السوري.
في الباحة لمحتني معلمة اللغة
العربية الآتية من الجامعة الأمريكية في بيروت.
- سلمى، أملنا كبير في نشاطك
وحيويتك. أتوسم فيك مستقبلاً مشرقاً. سرني إطراء الأستاذة هيفاء. حسبت كلامها
مسايرة بوصفي أخت عادل الشريف الذي ذاعت موهبته بالرياضيات.
سارت الأمور بعد لأي سيراً طبيعياً.
توثقت صلتي بها. وصلتها بي. كانت المدرسة قصراً بديعاً أثرياً ذا طابع شامي. هندسة
معمارية مدروسة، واسعة فسيحة بساحة كبيرة مشجرة بالكباد والنارنج والليمون تشقها
سلالم حجرية ملونة ضيقة تؤدي إلى متاهات الغرف الكثيرة في الطابق الثاني والثالث
المشرعة للشمس.
في درس التاريخ وجه الأستاذ ميشيل
حديثه بنحو غير متوقع، قال في جملة ما قال:
- ليست المرأة شفة تتلمظ، ولا جسداً
يتلوى. هي من تكون كالملكة سمير أميس.
- الملكة سمير أميس؟ سألت مهتاجة:
- أجل، سمير أميس ملكة حكى عنها
التاريخ الملكة الأسطورية لبلاد آشور وبابل. تنسب التقاليد إليها تأسيس مدينة بابل
وحدائقها المعلقة تمجيداً لشجاعة زوجها الملك نينوس.
- يا اللّه. تنهدت.
أضاف وكأنه يلقي درساً في التاريخ
في عام 1748 كتب عنها((فولتير))
مسرحية تراجيدية، وقبله عالج الموضوع ذاته كريبّيون.
تدخلت ابنة المدير زميلة الصف:
- أستاذ، لا تنسى أوبرا روسيني التي
وضع موسيقاها بافتتاحية رائعة عام/ 1825 .
علق مبتسماً راضياً:
- ابتعدنا عن الدرس.
- ماذا يعني.
- تساءلت دهشة.
قبل الانصراف. نادتني
المعلمة((هيفاء))
- سلمى، أنت مدعوة إلى الشاي في بيت
المدير هنا في المدرسة، انتظريني في الباحة.
تلكأت مترددة... ولكن..
- لن تتأخري. ستتعرفين على زميلات من
كافة الصفوف.
دفعني الفضول إلى قبول الدعوة.
رأيت وجوهاً مألوفة. جلست المعلمة
هيفاء قرب النافذة في زاوية مهملة تراقب مدى انسجامنا مع ما نسمع تتلاعبني أفكار
شتى تحملني إلى صباح عطلة فيه رن الجرس في بيتنا. فتحت الباب. وقفت قامة فارعة
بوجه متطاول أسمر وعيني واسعتين كحيلتين. خلفها بانت فتاة قصيرة بدينة، ابتسمتا في
وجهي. نبرت الطويلة متعجلة.
- جئنا من قبل أحمد. أنا نائلة أدرس
في كلية الحقوق. ورفيقتي أسماء من اللاذقية. تدرس العلوم.
تنحيت مرحبة ومتعجبة. كانتا أكبر
سناً مني بنحو خمس سنوات على الأقل.
ظلت البنتان واقفتين على أقدامهما
- لن نأخذ من وقتك. ندعوك إلى أمسية
شعرية ثم حوار بمناسبة عيد المرأة العالمي، في 8 آذار. تشارك في الأمسية
الشاعرتان: أم جمانة وعزيزة، حول حقوق المرأة، ثم حديث لمناقشة مشروع إيزنهاور،
وسوريا الكبرى والهلال الخصيب سنحتفل بعيد المرأة العالمي احتفالاً شعبياً في نادي
العائلات بالقصاع. وهذه دعوة لك.
أخرجت إحداهما من حقيبتها بطاقة
بيضاء مطبوعة. على غلافها اسمي.
تكررت الدعوات. أحببتها. صارت نافذة
واسعة، وكتاباً أعيش بين سطوره على أرض الواقع. يمتد بيت المحامية الشاعرة أم
جمانة طولاً بدهليز يدفع الغرف إلى جانب واحد.
في أول زيارة. رأيت بضع بنات في مثل
سني جلسن متلحفات بالخفر. زينت الجدران لوحات أصلية لفنانين عرفتهم. ولوحة صغيرة
بتوقيع أحمد. في زاوية قبع بيانو أسود لماع. انسدلت على النوافذ ستائر مخملية
خضراء تلائم الأرائك القليلة المتناثرة بأسلوب أوروبي. وكثير من الكراسي الخيزران.
امتلأت الكراسي بعد نصف ساعة. ثم
دخلت صاحبة البيت. استغربت شكلها. امرأة بدينة قصيرة جداً سمراء غامقة. شعر أجعد
قصير ملموم فوق نافوخها، تترنح في مشيتها. رحبت بنا بوجه بشوش أزال الغم عن نفسي.
ألقت نكات ظريفة كسرت جو الصمت وبدأت
تحكي عن وضع المرأة المتردي في البلد. يا إلهي. هكذا تعيش المرأة ولا نعرف عنها
شيئاً. باسم الشرف تقتل، وباسم العائلة تموت، وباسم الأولاد تحرم. وباسم... انقلبت
المحامية في نظري إلى أنثى جميلة رشيقة ساحرة، استطاعت أن تغرد هموم المرأة على
بساطٍ صريح دون الاتكاء على أحد. كسبتنا منذ الجولة الأولى. خرجنا من عندها مفعمات
بأهمية دور المرأة المتعلمة في توعية المجتمع الأمي المشلول الذي تمثله معظم
النساء.
في ذهني أخذت تدور كلمات قالتها:
- الحرية، والعلم... العلم يأتي
بالحرية. إذا لم تتعلم الواحدة منا فلن تخرج من قوقعتها إلى الهواء الطلق. من خلال
الحماس طرحت أسئلة ذات طابع أنثوي صميمي تجاوز بعضها الهموم الصغيرة إلى هموم
أشمل. نقطة سوداء تم التوقف عندها: هدايا النقطة الرابعة التي وزعت على المدارس،
وفي علبها السم المدسوس لأجيالنا.
هالتني الكلمات الكبيرة الجريئة. في
زمن الغليان.
انتشلني أستاذ التاريخ من سهومي
مبتسماً:
- سلمى مشغولة عنا. ليست معنا
إطلاقاً. سمعت أنك تكتبين شعراً.
تبسمت:
- مجرد محاولة، أستاذ..
- أحب هذه المحاولات، أطلعيني عليها،
ربما أنشرها في صحيفتنا. سأعرفك على شاعر رقيق قوي المشاعر لعلك سمعت باسمه((خازن
نمر))
- قرأته. أحب شفافيته، ليتني أتعرف
عليه. صوره مثل لوحة بالألوان المائية.
تساءلت في قرارتي: -لم قال
صحيفتنا... من هو؟ ماذا يعمل؟ ما خلفيته؟ من وراءه؟
انكمشت مرتبكة. هأنذي أدخل في لعبة
أخرى... أنزلق في خطين متعارضين يجب أن أحذر خطواتي. جئت إلى هذه المدرسة كي أرمم
لغتي الأجنبية لا أكثر.
مرت الأيام مليئة بالجدية والمثابرة.
نلت حظوة حسدتني عليها الكثيرات.
كانت حلم كل فتاة منظمة حزبياً، هي رؤية زعيمة الحزب السوري.
كنت خالية الذهن ساذجة لا أعي أهمية
وقيمة تلك المقابلة.
عندما دخلت بيتها المتواضع في عين
الكرش، تقدمت نحو سيدة شاحبة جميلة المحيا، رشيقة القوام نحيلة الجسد غارقة
بالسواد رفعت يدها بالتحية.
انبرت الأستاذة هيفاء متعجلة تقدمني:
- سلمى شاعرة الصف.
رأيت السيدة الحزينة في لوحة كبيرة
على الجدار. تعلقت على خدها دمعة.
- أهلاً بشاعرتنا الصغيرة، يسعدني أن
أراك. قالت كلماتها فصيحة واضحة، لم نلبث في بيتها سوى دقائق. انتهت الزيارة عندما
دخلت بنتان صغيرتان. حيتا برفع يديهما.
انتظرت((هيفاء)) في الردهة خرجت
مستبشرة:
- حظك كبير يا سلمى. تركت انطباعاً
حلواً في نفسها.
- الفضل لك. أجبت مجاملة بحياء.
خفت من الانجرار والتمزق خلف دعوات
ولقاءات أخرى لا أقوى على الاستمرار فيها، تراجعت. تحاشيت الكلام مع((هيفاء)) خارج
الصف عن الزيارة غير العادية. تشاغلت بالمذاكرة. تخبأت خلف مناقشة الأوضاع في
بلدنا حتى يئست مني. من ترويض المهرة الجامحة التي لا تعترف بقيد مذ خلعت الرسن من
عنقها ومهما كان الثمن. في الواقع، ما كنت بقادرة على الانصياع تحت أوامر والتمزق
الفكري بين اليمين واليسار. ثم أقف متفرجة مذبذبة منافقة.
تجاوزت((هيفاء)) عن دلعي كما وصفته،
فصلت بين القناعة والاقتناع، ثم حسمت الأمر بذكاء وتفهم كبيرين لوضع قربني من
صداقتها وأبعدني عن كثير من المشاكل مع الإدارة والمدير الذي اكتشفت أنه كان
غارقاً بحبها.
ركبني الشيطان مرة، اقتربت من غرفتها
المعلقة في متاهة السلالم من الطابق الأخير في المدرسة... أحزنني ما رأيت، تقشف
بادٍ لأبسط قواعد الراحة، مثل غرفة عسكري يؤدي الخدمة الإلزامية بسرير حديدي،
وطاولة جرداء قذرة عليها طابعة باللغتين العربية والإنكليزية وتحت أرجل الطاولة
علبة معدنية امتلأت بورق الكربون الأسود والأزرق.
تربعت على الجدار صورة قديمة للمعلمة
مقصوصة من صحيفة عربية لبنانية مع فريق من شباب الجامعة أثناء التخرج.
- كم هي جميلة هذه الشابة الجامعية،
تأملتها بإعجاب. على قصاصة أخرى كلمات: الحكم بالإعدام على قتلة الزعيم اللبناني
رياض، وقعت على سر دفين، قبضت على حياة امرآة تتسلل الروح من بدنها لحظة، لحظة،
حزنت حزناً أليماً على هذه الهاربة من بهجة الشباب إلى عزلة قاتلة مقرفة بين أربعة
جدران لا تتعدى ستة أمتار مربعة ولا تصلح إلا زنزانة لأعتى المجرمين، أو زريبة
للدجاج.
هيفاء هاربة من وجه العدالة قاتلة.
تملكني ذهول. انسحبت ببطء ألملم خطواتي المسروقة على صرير السلم الخشبي الفضاح،
وأنا أهمهم.
- ماذا تخبئ الأيام؟
تسللت إلى الباحة، اختلطت مع البنات،
ربتت هيفاء على كتفي وسألت:
- سلمى، ما أخبار أحمد؟
نقزتُ في مكاني، حسبتني أخفيت
عواطفي، ووسدتها بئراً عميقة، ها هي واضحة كعين الشمس.
ضحكتْ من ارتباكي:
- هل قرأت عمر أبو ريشه؟
|
قفي لا تخجلي مني
|
|
فما أشقاك أشقاني
|
|
كلانا مر بالنعمى
|
|
مرور المتعب الواني
|
أضافت: عسى أن يكون صادقاً معك؟
- من؟
- أحمد، رأيتكما معاً أكثر من مرة.
ما من مجال للمراوغة، هاجمت بلا
تحسب:
- أحلم أن أكون جديرة به، هو الكاتب
والفنان الذي يملأ اسمه دمشق.
غادرتني باسمة.
ندهت على ملكة جمال المدرسة. تقدمت
قامة سامقة بشعر أسود منسدل بنعومة الحرير، وجه يقطر لطفاً وجاذبية فهمت الآن لم
ترك ميشيل أستاذ التاريخ ابنة عمه وعلقها جوىً وهياماً.
مرّ بجانبي سعد أستاذ العلوم، رفع
يده محيياً.
- سلمى، لم نعد نسمع أخبارك؟
هززت رأسي.
- اقترب الفحص أستاذ، يجب أن أنجح
حتى لا أسود وجه أخي.
- ألم تخبرك الآنسة هيفاء؟
اختارتك المدرسة للمسرحية الجديدة.
أجبت:
- حفلة مسرحية يعني تدريبات ودوام
إضافي، لا، لا أستاذ، وجع رأس أنا في غنى عن المشاكل.
- وجع جميل.
تركني... راودتني أحلام عن خشبة
المسرح، التصفيق، أحمد. تجسد المسرح في خيالي لعبة حلوة عانقتها أعادني في أفكاري
صوت الآنسة هيفاء.
- سلمى، وصلت صور مسرحية زنوبيا من
بيروت قدمتها طالبات وطلاب الجامعة الأمريكية، ولقيت نجاحاً باهراً، مرّي علي حتى
أطلعك عليها. أنا موجودة في الإدارة أرجو أن تتحقق المسرحية بشكل جيد في دمشق
أيضاً: ضمت يديها إلى بعضهما وكأنها تصلي.
- ولكن..
- لا اعتراض، أراك مسحوقة الإرادة،
خاملة، ما هذا؟.
- أعني أن المسرحية بحاجة إلى ملابس،
وديكور، وإكسسوارات، فمن أين نأتي بها، ونحن نسمع بأن المدرسة تشكو من عجز في
ميزانيتها ووزارة المعارف لا تساعد، والأقساط المورد الوحيد.
- هذه أمور محلولة، نستعير الملابس
من الفرقة السورية أما المكياج ومعلمي الرقص والإلقاء، فهناك متطوعون.
- والأهل؟.
- هذه مهمتك، تصرفي.
ما كدت أضع رأسي على المخدة حتى برزت
في وجهي مشاكل جديدة.
منها الظهور على الخشبة أمام جمهور من
الناس لا يزال يزدري الممثل ويدعوه بالمشخصاتي، لم لا أنتقي درباً معبداً مثل بقية
البنات؟ هند مثلاً التي علمتنا التانجو والرومبا والسامبا.
- أين تعلمت الرقص يا هند؟.
- في نادي الضباط مع أبي، أبي ضابط
طيار، ألا تعرفين؟.
-أبوك من علمك الرقص؟..
تتعجب، إذن لم لا يرقص أبي معي
أيضاً؟ تخيلت سليل قضاة دمشق يرقص، ضحكت من أفكاري المجنونة، ألا يكفي ماحل بجارنا
أستاذ الموسيقى الذي درس الكمان في أرقى معهد للموسيقى في باريز، وعاد بفكر متحرر
ليعلم التلاميذ أصول قراءة النوتات وعندما علم ابنته العزف ورقصة التانجو وكذا أبناءه
وصحبها إلى النادي الموسيقي في الشهداء ماذا كانت النتيجة؟
ازور عنه الجميع، وأنكره المثقف
والجاهل: لا حقته أقوالهم:
- جاء المزيكاتي، وذهب المزيكاتي،
عمل من ابنته فرجة.
يارب.. كيف أتصرف دون أن أدخل تجربة
ممضة لا تقلب البيت على رأسي من أساسه.
ركبت تمثيلية بيت حول تمثيلية
المدرسة. يفهم أهلي العلم، المدرسة. أما المسرح، وتجسيد أفكار المؤلف والمخرج على
منصة فهذا غير مرغوب فيه بتاتاً.
ألبست مشاركتي ثوب الأمر الإداري.
ولم أتطرق مطلقاً إلى أدوار الرقص مع زميلتي أميرة بدور فارس الأحلام المحبوب. ولا
بدور راقصة المعبد.
وكما خمنت وتوقعت، في البداية ثورة عنيفة ذات
طابع قطعي. ابنة الشريف في آخر الزمن ممثلة، من بعد بدأت الأرض الصخرية تستجيب
لضرباتي اليومية المتواصلة حتى تراخت اللا.
بدت تدريباتنا عشوائية وحركاتنا لا
رابط بينها، نبكي حيث يجب أن نضحك، ونضحك حيث يجب أن نبكي. نعتمد على ماينغل في
رأسنا الجاهل عن فن التمثيل دون وجود مخرج مختص. قمنا بتجسيد الأدوار كما فهمناها
نحن الصغيرات نبدل من رأسنا ونغير من رأسنا. كان دوري ( رئيس الكهنة) في مملكة
زنوبيا. رجل داهية منافق، جاسوس يعمل لحساب الرومان.
وعندما ارتديت الثوب الأسود الطويل
الكاهن شاب دخل الكهنوت حديثاً ضحكت الآنسة هيفاء من شكلي: وشعرك؟ سألت.
تلمستُ جدائلي الكستنائية الطويلة.
- أقصه آنسة.
بدوت سعيدة مندفعة رغم يقيني بأن
الحزن رفيق مخلص لي. قررت أن أدخل التجربة بعيداً عن الكتب الجادة التي يدفعني
أحمد إلى قراءتها. تعبت من اللحاق به ومازال يسبقني بمراحل قد لا أعرفها أبداً،
وقد لا أقبض على الزمن والحقيقة من كتب التاريخ المزور.
كان المسرح شيئاً خارقاً للعادة، لا
يستوعبه وصفي، مزيجاً من فلسفة الوجود، الفن، والتاريخ، تواصل جماعي.. وإلى ذلك
متعة نفسية، وتجاوز.
تساءلت:
- هل تجاوزت المحرمات بقبولي هذا
الدور. ولكن ماعساي أن أفعل وأنا التي تتفجر الأسئلة في رأسي حول الكون والكائنات
والناس والوطن، والوطنية هل أنا مجنونة أمشي على رأسي غير آبهة بالعائلة،
وبالتقاليد والمحرمات؟ ترقرقت الدموع في عيني.
حضرني شوقي وغلبني يأسي من أحمد...
أنا لا أشعر بالأمان إلا ورأسي على كتفه. أرمم بقايا المخزون في شراييني حتى لا
يشمت أحد بالألم الذي يملؤني، وماذا بعد؟
لابد من لا. حددت وقتها رغبة في
ترتيب ماتبعثر من ذهني في الدروب المتشعبة التي أثقلها التفكير بالنجاح والفشل
ولقاء أحمد المذعور المخطوف من فم الغول. تناسيت شرور العالم ومؤامراته علينا..
حتى أثقلني التعب. ثلاثون يوماً من التدريب اليومي.
ثم توفيت المسرحية في أواخر نيسان
كوداع لصف البكالوريا.
لم يخف تزيين وجهي باللمسات الرجالية
ملاحمي. لحية صغيرة مدببة وشعيرات موزعة على جانبي وجهي. شعر قصير ملموم تحت
قلنسوة كبيرة هبطت فوق جبيني، وثوب فضفاض ضم خصري بحبل مبروم مثل زاهد.
أثار ظهوري بتلك الهيئة ابتسامة
عريضة لاحظتها على وجه أحمد الذي كنت قد دعوته. لم أفسر معناها، ولكنها أثارت غيظي.
هاهو يضحك مني.
اندمجت بدوري غير مبالية، أديت الدور
بكبرياء مغايرة لما أراده المؤلف.
انسحبت أخيراً متراجعة إلى الداخل كي
أغير هندام الروح وأستعيد رغبة الحياة.
تحررت من اللباس الكهنوتي. انقلبت من
فوري إلى دور آخر في المسرحية غدوت فارساً مرغوباً من الفتيات الجميلات يختار قلبه
واحدة هي (الملكة زنوبيا).
عندما أسدل الستار وقفت لحظة صامتة
وحدي وسط ديكورات ملونة أشيع وقتاً امتلأ بالحياة والنشاط.
بكيت في ليلة لا تنسى. أهو انغمار،
انغماس، تواجد، هلع، اضطراب.. مجموعة انفعالات إنسانية أيقنت أنها لن تعود أبداً..؟
ركضتُ إلى الأستاذ سعيد كي يمسح عن
وجهي بقايا المكياج لألحق بأخوي عادل وسامي قرب الباب الخارجي.
حملت الآنسة هيفاء صحيفة النصر مزهوة
سعيدة، كأنها طردت حزن العالم من قلبها المسكون بالألم.
- سلمى.. سلمى. انظري هذه الكلمات في المربع
الأسود. نجحنا. اقتربت من أذني همست. أحمد كتب بضعة أسطر أيضاً.
- صحيح؟.. طرت من الفرح.
عززت مكانتي معه وفقدتها مع العائلة.
ثارت علي ابنة عم لي بنميمة من مجهولين. كانت قد اتخذت من بيت جدي مقراً لدعوة
سلفية نصف أمية بعيداً عن جوهر فقهي حقيقي. غيرت في لون أسقفه الدار الخشبية الثمينة
المحفورة والملونة. والمنقوشة بالأزاهير، والمرشوشات بماء الذهب والفضة. جعلتها
مطلية بالكلس الأبيض. قلبت قاعاته التي شهدت أفراح وأتراح العائلة على مدى مئات
السنين وأحالتها إلى كتاتيب شيخية بدائية.
زارتنا هذه المبشرة الملفوفة بملاءة
سوداء مزمومة عند الخصر يقطر السم من ذقنها، ويلهب العينين الخضراوين.
ركضت أمي إلى المطبخ مبتهجة بالضيفة
الكريمة. تود أن تضيف صنفاً آخر إلى الطعام. سمعت صراخاً وصوتاً يهدد.
- يابن عمي، يابن عمي، معقول أن تمثل
سلمى دور كاهن في مسرحية وتظهر أمام الرجال. هذه بنت زقاق، وليست "بنت
الشريف"....
حق علينا التأديب رحم الله جدها
القاضي. مايقول فيها لو خرج من قبره، مايقول فينا. لكان أنكرنا ولعننا..
أحس الوالدان بالحرج وبالخطر يهدد ابنتهما. حملا
درع الحماية بشراسة أثارت عجبي. فتفجرت دموع الفرح من عيني. خرجت منتصرة مرة أخرى
وهذه المرة ضمن عائلتي.
رد والدي بحزم: سلمى لم تخرج عن
طوعنا، نحن سمحنا لها بذلك. وضمن جو المدرسة، هرولت ابنة عمي إلى الشارع، ولم تعد
إلى بيتنا أبداً.. لكنها ظلت تنتقل كالمكوك من بيت إلى بيت لتؤجج النيران ضدي.
يدرك والدي وحده مدى طموحي. فتح
المحفظة الجلدية الصغيرة، ونتر منها مئة ليرة سورية:
- اشتري ياسلمى ماترغبين.
زوت أمي بين حاجبيها معاتبة.
- اسوارة في يدها أفضل.
- حسن هذه مني، والأسوارة منك.
لم أطلب بلساني ذهباً ولا فضة. كنت واحدة من
كثيرات تبحث عن كيانها، عن وجودها، عن شخصيتها، تدافع مثلما يدافعن عن ذات أنثوية
حرة تأتي في المقام الأول.
تنفس الدمشقيون نسائم الصيف الحارة.
توجهوا نحو آخر خط الترام في المهاجرين ليشاهدوا سباق الخيل الذي يقدمه أبو عبدو
الغاوردي وأبناؤه. يتحرك موكبهم التقليدي الفرساني بخيول مطهمة مزدانة الأعناق
بالأطواق والسلاسل صبيحة كل جمعة من الميدان إلى المهاجرين في جلال مهيب إلى ساحة
مكشوفة تتجمع فيها مئات النساء والرجال والأطفال. تبدأ التحية بكر وفر وإقدام
وتراجع يلهب الآلاف بالتصفيق، ويفجر الحماس، ثم يعود موكبهم الرائع وكأنهم عائدون
من ساحة حرب فرسان على صهوات جيادهم يزين جبينهم إكليل النصر. يلاحقهم هتاف
الإعجاب.
أغلقت الجمعيات الثقافية أبوابها
بسبب الحر. رحل من رحل إلى بلودان والزبداني. أو جبل لبنان. بقي أحمد يساهر
الأوراق في عملٍ مضنٍ يرسم لوحات روائع. اعتكف يترجم مسرحية لغوغول. تقطعت أخباره
وتعذر اللقاء. وصبر الهاتف علينا. فالمطبعة غول لا يرحم.
ظلت المدرسة النافذة الوحيدة التي لا
تسيجها القضبان. أنطلق مهاجرة، أحمل رفة قلبي في الصدر الموجع أحاوره في سري وأنا
في الطريق.
- ترى هل أراه، أم لا أراه، هل أراه
أم لا أراه. وفجأة يهبط قلبي. وينذر باقات متناغمة لا تتوقف إلا عندما ينطلق
جامحاً عابراً الرصيف نحوي.
هاهو آت بعد غياب يرمي الرسالة في
كفي أوسدها صدري. ترى كم مرة قرأت كلماتها حتى انعدمت الأحرف وباخ الحبر.
ماذا يقول هذه المرة؟ يفلسف الحياة
والعطاء.
(ساذجة أنت ياسلمى أنت ساذجة وبريئة.
الحب حب متكامل مصهور بالجسد والفكر والإحساس. أتدرين ماقيس وليلى سوى أسطورة
العجز عن الحب الكامل الحقيقي.
سلمى مزقي المألوف والسائد، تجاوزي
نفسك، مزقي الأشواك التي وضعها المتكسبون. كوني امرأة كاملة الأنوثة متحررة من
عبودية المواصفات التي وضعها المتكسبون، كوني امرأة كاملة الأنوثة متحررة من
عبودية المواضعات).
أهي دعوة إلى الانعتاق من ربقة
التابوهات. والاقتراب من النار. ارتعدت مزقت الرسالة. لم أجد أحمد بين سطورها.
أصبح رجلاً آخر فقد صبره. عدت أجر رفات قلب ميت... يعذبني شوقي إليه. ترى هل أقوى
على ضمه دون وجل. يريد روحي عارية صادقة مع نفسي أولاً. لا أكذب عليها مرة واحدة.
أمضيت ليلة معتمة تحجر الضوء فيها
انسكبت ظلمته على إنسانيتي تتلظى بثورة الشباب.
نعود في صباح آخر لنلعب لعبة طفلية
مضحكة. أمشي على رصيف ويمشي على رصيف. كيف نلتقي وأين. سؤال أمضنا. أفي بيته الذي
ينغل بالأفراد، أم في بيتي المفعم بالأعراف حتى الاختناق.
مقاهي دمشق مفتوحة للرجال ومغلقة في وجه العشاق.
لم يبق أمامنا سوى السينما. هذه الصالات التي عاشت قصتنا الغريبة.
ماكان أحمد ليرضخ لمثل هذه العلاقة الصبيانية
كما يدعوها.
سرعان مايثور ويتململ:
- فكرت أن أستأجر بيتاً.
- أنت، وفي دمشق لتعيش وحدك؟
يشدني من يدي ويقهقه:
- لا ليس لوحدي.
ترى كم ظللنا هاربين في أزقة ضيقة
وحارات مجهولة ونظرات متهمة. يسايرني ويضغط على أعصابه وهو العائد من بلاد بعيدة
حيث يصل المحبان فيها إلى غايتهما مباشرة، تتلجلج الأنثى فيّ أمام قبلة. تتنازعني
رغبتنا في التمرد والخضوع. أبقى بين مد وجزر ممزقة في علاقة محرمة بين رجل وفتاة.
قال باستغراب:
- لم لا تسأليني عن الزواج شأن البنات عندما
يتعرفن على أول شاب. مجرد أن يقول لهن مرحبا، يلقين الأنشوطة حول عنقه. حيرتني معك
ياسلمى. ماذا تعنين؟!
رفضتُ الخوض في أي حديث مشابه، وفي
زعمي أني أخرق ثغرة في سد إرثي منيع أقوى مني. وصلتني همسات مغرضة حول انهماك
الأهل بالبحث عن عروس له. مثلت دور اللامبالية.
تنتصر الكبرياء تطغى على وجهي ومسام
جلدي. تنز قطرات ندى من شعري في لحظات اللقاء المذعور، وأنا أهرب متخفية من
عشيرتي... إلى حبي الكبير.
آه يا أحمد، كم أحس بالأمان معك؟
داعبته قائلة:
- أحمد ، سمعتُ أن العائلة نشطة خلف
البنات الحلوات في هذه الأيام. قرأ في عيني الحريق، وقرأتُ في عينيه الاستسلام.
كلانا يتلظى ويمشي عكساً إلى غايته.
تجاهل كلامي. احترمت صمته.
لم يك الخبر كاذباً، ولا مجرد إشاعة
ملفقة. عقد قرانه على بنت مضمومة الشفتين على آهات مكبوتة في صدر أعجف، وقامة
قصيرة، ودراية كبيرة بالكنس والطبخ.
ولم يتخلص أحمد من حلقة العشيرة. كان
برغياً في عجلتها. لم ألومه على ضعفه؟ أليس منا ومن هذا البلد؟
أحزنني خضوعه وهشاشة ثوريته على
الأعراف. هاهو أول من سقط في شبكة احتجاجاته، ولم يقو على انتشال نفسه منها. جللني
غضب ونفور منه. فما عدت أريد أن أفهمه، ولا أريد أن أعرفه. انشطر إلى خليتين.
جسدين، فكرين، تمالكت خيبتي. آه لو ينفجر هذا القلب إلى شظايا.
مشيت في الطريق. توقفت أمام محل
للبوظة.
- ممكن أن أستعمل الهاتف؟
أدرت الأرقام التي أحببتها. انسكب صوته الصافي
في أذني.-ألو.
صمتَ، صمتُ، بادرتهُ:
- مبروك أستاذ أحمد.
- تأخرت بالهاتف. انتظرته منذ فترة.
استيقظت في اليوم التالي، كالموتى،
صفراء، خرقاء. مومياء. أجر قدمي إلى المدرسة. وكأني مساقة إلى المقصلة. فقدت كل
بهجة. تساءلت:
- أكنت أتعلم، وأتعرف، وأستكشف، وأحارب سواد
الحياة من أجله؟!
انتصرت عائلته على الحب. كانت تعرفني
تخشاني. تخشى تحرري المورّد.
حاولت في الأيام التالية أن أضمد طعنة السكين
المثلمة، لكنه ذات يوم عاد... قابلني واجهني كلمني، شدّ على يدي. قال إنه فسخ.
استعدت روحي. ظفرتُ به ظفرت به، هو
لي وأنا له، ولن تتمكن امرأة أخرى أن تسلبه مني. قد تحظى بالجلد واللحم. ولكن ليس
بقلبه. حاورت نفسي فيما كان يقترب بخطواته العجلى المتسارعة. تفرست في جسده النخيل
المتمايل ويديه المعروقتين، وأصابعه الطويلة المتناسقة. حسبته مسيحاً أهو المسيح
بعينه.
تراوح علاقتي بأحمد مكانها، تختمر
على جمر هادئ. لم تعد لقاءاتنا في الأزقة المهجورة وبين المقابر في الجبل. فقد
ساعدنا الحظ، سافر سعيد رفيق أحمد إلى بولونيا لنيل دكتوراه في الفيزياء. أشفق
علينا فقدم لنا مفتاح بيته.
نجم عن هذه النقلة، بل القفزة فزع
أكبر، وآلية شديدة الوطأة مثل كابوس مزعج. حشرتني بين رحى الطاحون. أثناء ذلك
تشكلت رابطة للكتاب السوريين. وعمت المظاهرات العنيفة المدينة وحلب وحمص داعية إلى
إسقاط حكم الشيشكلي، ساندها تمرد عسكري في حلب قادة نقيبان.
حسم الموقف لصالحهما انحياز قادة
المنطقة الوسطى حمص. ترددت أثناءها إشاعة بأن لواءين عراقيين تحركا إلى جانبهم.
وتسربت إشاعة أخرى بأن السعودية تدخلت حقناً للدماء.
يبدو مصفحتين مدججتين بالأسلحة شقتا
صفوف المظاهرات إلى نصفين ووقع المقدور.
سرعان مانبذنا همومنا أمام متغيرات
متسارعة حلت بالوطن. أفقنا صباح 1954، على بيان موجه إلى الشعب السوري يعلن
الإطاحة بحكم الشيشكلي.
مل الشعب حوادث العنف، وأخبار
الاعتقالات، والإضرابات والفوضى، ففي صيف تلك السنة وحدت الأحزاب التقدمية أهدافها
ودعت إلى انتخابات بديلة حرة شعبية تثور على الرجعية وضمن خط سياسي ديمقراطي،
وصولاً إلى الاشتراكية.
عاد شكري القوتلي رئيساً للجمهورية.
تنفست المدينة الصعداء بعد أن تصدعت
سنوات متوالية. لفظت القشع الصدئ من صدرها، وارتخت أعصابها، عم الفرح والحزن..
الحزن خوفاً من تمزق جديد، فالأيام حبلى بالثارات والتصفيات، والولاء لفئة دون فئة
أخرى. من يدري بالغد. ربما اعتقالات أخرى وانتماءات، واجتهادات، وربما انفجارات.
فالموقف لم يتبلور بعد.
وعاد من سمّوا بالمحاليق إلى التمختر
في شارع الصالحية، يزينهم شباب متفجر وعنجهية صارخة بعد أن تخلصوا من إعدام محقق.
سرت شائعة أيام الانقلاب الأول تتهمهم بإلقاء القنابل والعبث بالأمن.
رن جرس الهاتف صباحاً، تناولت
السماعة:
- سلمى، باختصار، ضحك الحظ في وجهك،
وافق وزير المعارف على بكالوريا موحدة، بدل بكالوريا بقسمين، أنا في المطبعة، ثم
سكت الهاتف.
- معقول ، غير معقول، سنة واحدة فقط
وإذا أنا في الجامعة؟ جننت فرحاً، سأعبر سورها الحديدي إلى القاعات الفسيحة المطلة
على الحديقة حيث يتجمع الطلاب أمام كلية الآداب.
تساءلت كطفلة وجدت نفسها في محل
للألعاب كلها جميلة ومغرية. تتلون الأحلام. تتزاحم، تتناقض، ماذا دهاني، هل فقدت
القدر ة على التركيز؟ الجامعة، الجامعة، اللقاءات، النقاش، الحرية.. صحت وأنا أخلع
قميص النوم عنّي:
- في سبيل الجامعة. نحيا أو نبيد!
صفنت لحظة، يجب أن أراه، ولكن كيف؟
ركبت رأسي.. أينما كان، في الطريق، في المعمل، في الباص... أمام الناس، مع الناس
لايهم لن أعدم وسيلة. فاجأته في المطبعة يتابع تصحيح البروفات قبل إرسالها إلى
الطباعة منكباً على الطاولة ظهره إلى الباب، وإلى جانبه عامل صغير. لم أ در، أسرّه
وجودي أم أغضبه. كانت نظرته متسائلة.
سلم الأوراق إلى العامل، وانتحى
جانباً دون كلام. أفسح لي الطريق. مشى، مشيتُ كطفلة مذنبة.
البناء قديم لارتوش على جدرانه
القذرة. أبواب مسدودة، وأرض وسخة. فتح باباً إلى اليسار وقال:
- تفضلي...
قرب النافذة المغبشة من هباب
السيارات. العارية من الستائر. قبع رجل في مثل سن أحمد، زميله في العمل يمج الدخان
من سيجارة. ويراقب سحائبه الملتفة في الغرفة المغلقة. دار في كرسيه المعدني. وقف
مسلماً. لمحت في عينيه نظرة جريئة. ابتسم متخابثاً، وكأنه يصل حديثاً انقطع قبل
هنيهة.
- البروفات جاهزة أستاذ أحمد؟
- حاضر أخي حبيب، دوماً حاضر..
وابتسم غامزاً نحوي.
- لا تنسَ مقالتك النقدية، يجب أن
تصل إلى المطبعة اليوم. من الضحية هذه المرة، الفنان أم الفن التشكيلي؟ وضحك
لنكتته. حمل بعضه وأوراقه، وقبل أن يغادر رازني بعينيه الصغيرتين المجربتين
متأنياً مستكشفاً، ربما المسافة التي قطعتها مع أحمد. قال:
- ليت الآنسة سلمى تترجم لنا قصة من
الأدب الأمريكي الحديث، هنري جيمس مثلاً. الكتاب عندي. ثم التفت نحوي:
- كيف لغتك؟
- أنا؟ رددت ساهمة أراقب أسنانه
المسودة بفعل الدخان.
- طبعاً، أنتِ.
- مازلتُ في العاشر. لا تعتمد علي.
تباسط بالحديث، وخرج.
عقد أحمد حاجبيه مستاءً من تصرفات
رفيقه، عقّب باقتضاب:
- اترك الأمر لنا.
ارتميت بين ذراعيه أنبش صدره وأتلفح بأضلاعه.
سمعت وجيب قلبه. نسيت نفسي، تمنيتُ لو أقضي عمري معه، أموت هنا على الكتفين
العريضين يضمانني بحنان وقوة همست لنفسي:
- إنه لي، إنه لي..
نقرة على الباب، انفصلنا، دخل الآذن
يحمل صينية القهوة. نبر بأدب:
- طلبها الأستاذ حبيب.
مسحت عينا الرجل الطويل النحيل كنخلة
باسقة أطراف قدمي، ثم تراجع نحو الباب بلطف:
- إنشاء الله تعجبك أستاذ.
أهي أطيب قهوة ذقتها في حياتي. أهي
أحلى أمنية قطفتها من النجوم. أم أحلى فجر؟ غمرتني متعة الظفر. علي أن أختار.
- مارأيك بما طلبه حبيب؟
- سؤال متعجل.
رفع رأسه نحوي. رأيت غيرة واضحة في
عينيه. قال: عندما تشربين القهوة، غادري، فما اعتاد العاملون في المطبعة زيارات
مماثلة. غرس عينيه في شفتي. جرّني إليه وقبلّني.
في الدرب الملتوي نحو المرجة حيث
محطة الترام وحوانيت الحلوى شعرت بالجوع، اشتريت قطعة مبرومة واحدة.
- واحدة، قال البائع دهشاً؟
- واحدة.
تسكعتُ أمام المكتبات. قلبت الكتب،
والكتب المترجمة. خفق قلبي. هذا اسمه، اسم (أحمد الخالد) مؤطر بالأحمر على كتاب
(غوغول).
تتبادل التوأمان دمشق وبيروت
المعرفة. وددتُ لو أشتري سالومي، الأم، الزنبقة السوداء، درب إلى القمة، تاييس،
أورى، الحي اللاتيني.
استعدت معنوياتي التي أوشكت على
الانهيار بفضل نشاط ابنة العم المتزمتة كان أبي اسعدنا، فالعلم عنده خبز مقدس يحلف
عليه. من أجله دفع ذهباً لإخوتي في مدرسة الفرير، وللبنات في مدرسة إيطالية. باع
دكاكين وبيوتاً جميلة.
منعني التفكير من النوم.
- يافتاح ياعليم. قالت أمي وهي تفرك
عينيها بالمنشفة. ماخلصنا قراءة؟ أرى دليل الهاتف في يدك. خير؟
- أبحث عن رقم إلهام حداد. سمعت أنها
افتتحت مدرسة خاصة قد أشتغل عندها معلمة.
سكتت قليلاً ثم رمقتني:
- لا تتعجلي، لست بحاجة إلى العمل.
أبوك موجود انتظري البكالوريا. أين أحلام الجامعة؟
تدفق الكلام تباعاً من فمها.
إذن هي لا تمانع، هذه بادرة طيبة. لو
تدري كم أحتاج إلى أشياء وأشياء.
- طيب، هات بشارة، قلتها وأنا أندفع
نحوها وأقبلها.. خلص، صرت بالبكالوريا. وافق وزير المعارف على دمج البكالورتين
اعتباراً من هذه السنة. يعني السنة القادمة بكالوريا موحدة، ما سمعت الإذاعة؟!
تراجعت مرتاحة إلى المطبخ، فاحت
رائحة القهوة بمذاق لذيذ منعش. نوّر
الغرفة وجه أبي المشرق بابتسامة حانية.
- صباح الخير سلمى، شربتِ القهوة؟
هجمتُ عليه أعانقه:
- معقول بابا، بعد البكالوريا...
الحقوق... مافينا كاني ماني.
- المحاماة والقضاء مهنة العائلة.
سألتُ: صحيح. أنا أنحدر من سابع قاضٍ ليس بينهم
امرأة متعلمة؟
- طبعاً غير صحيح. ابنة أخي سعاد أول
امرأة درست الحقوق في بلدنا.
- بابا، هات البشارة أنت أيضاً، صرت
بالبكالوريا.. يعني قصر الدرب وحدوا البكالوريا. ما سمعت الخبر البارحة؟ أصبح
بالإمكان الجمع بين العمل والجامعة.
مد وجهه نحوي:
- وهذه قبلة.
أبعدتني أخبار طازجة عن خواطري
وصلتنا دعوة ملحاحة حارة تنز غيثاً من صهري صبري أفندي الذي استعاد وجاهته بين
بدوٍ في آخر نقطة من شمالي البلاد. ضمنّ رسالته كلاماً كبيراً عن نجاحاته في زراعة
القمح والقطن. لم ينسَ أن يذكر ما اشترى لأختي من ذهب ملأ يديها وأذنيها وحتى
قدميها. وفي آخر الرسالة أن أم البنات حامل للمرة الثالثة منذ أن سافرت بعد عدة
إجهاضات.
من خلال الأسطر فهمنا أنه اقتنى
سيارة فخمة (بونتياك) زيتيّة وأجر سائقاً سريانياً سيكون تحت تصرفنا عندما يقرر
والدي المجيء.
رمى الرسالة جانباً:
-سنرى ، عقب والدي، ونفخ ضيقاً من
صدره.
رقصت فرحاً، صيفية رائعة، هأنذي
أنطلق إلى أفق آخر.
تساءلت:
- ترى كيف أصبحت مها؟ أما زالت
جميلة، نحيلة فارعة.
قرأنا الرسالة مرات، بادرت أمي بطيبتها المعهودة
إلى توزيع الحلوى ابتهاجاً بالأنباء الجيدة التي رفضها إخوتي ساخرين.
- القمحة المسوسة لا تعطي إلا قمحاً
مسوساً.
تنذرني عين أبي بالتروي. اقتربت منه
أتدفأ بذراعه همست: بابا، أينما ذهبت أذهب معك. لا فكاك مني. ألا تشتاق إلى
حفيداتك.
- أنا معك ياسلمى، البعد جفاء. ربت
على كتفي وتمتم:
- لابد من بحث الأمر. سيئاته.
وحسناته مع أخوتك.
تواترت القصص عن صبري أفندي عبر
الأصدقاء والمعلمين العائدين من هناك.
- ذهب أبيض بين يديه، قطن بالأطنان..
أرض خصبة، رخيصة وفلاحون فقراء، جاء صبري أفندي في الوقت الملائم. حظ.. ووجه آخر
للعملة الواحدة مستور بطبقة هشة تصبو إلى الكشف عنها. ولن يطول ذلك.
أطار المال صواب مها. أغمضت عينيها
عن تحرشات زوجها بالفلاحات. وانغماسه حتى أذنيه في الرذيلة. وأغلقت سمعها عن همسات
تدور في غرفة الخادمة الكردية. خرجت أختي من إهاب الخفر والحياء بعد أن كانت ترف
عيناها من صوت عالٍ أو صفقة بابٍ حادة مفاجئة في بيت أهلها، تمسك أمي رأسها من
أخبارها.
- العمى جنت مها، جنت البنت.
بعد لأي وافقت والدتي على سفرنا. كان
يوماً قائظاً من شهر تموز.
أطلت علينا سيارة فخمة بلونيها
الرائعين الأخضر الزيتي والأخضر الفاتح ملأ انسيابها البديع عيون الجيران. دار
حولها الأولاد في الحارة، وتلمسوا أضواءها وأطلقوا زمورها.
حمل السائق سهيل الحقائب وعلب
الحلوى، رتبها في صندوق السيارة الواسع بعناية.. ثم أخرج برادي القهوة والشاي من
جيب الباب المخفي وسأل بأدب:
- هل تتكرم المدام. بملئه بالقهوة؟
الطريق طويلة والقهوة تساعدني على الانتباه.
كان السائق شاباً لا يتجاوز العشرين لطيفاً أزرق
العينين، أشقر الشعر طويل الجذع. ارتاحت أنفسنا إلى تصرفاته. شد أبي من همته
مرحباً ونحن نركب السيارة.
- الله يبارك بالشباب.
أبدى سهيل لهفة لإرضائنا، دخلت
دماثته قلوبنا كأحد أفراد العائلة. توقف عند أول محطة للبنزين على مشارف حمص. نفخ
الدواليب، ثم خرج بنا إلى ضفاف العاصي في حماة.
كان المنظر ساحراً، والنواعير تدور
وتدور، وتئن، تجرف الماء ثم تصبه في قناة طويلة تروي أراضي حماة الخصبة. أسرع
سهيل، مد بساطاً قماشياً مقلماً. وفرد كراسٍ من المعدن الخفيف.
- فنجان قهوة على العاصي ينعش القلب، مارأيك
ياعم؟
ضحك والدي برضى: المليح لا يحتاج إلى
مشورة.
- والآنسة، استدار نحوي متسائلاً
بعينين ضاحكتين.
- مافي كلام، أجبته.. لكن بعد أن
نأكل من الزوادة، أخشى عليها من الحر. وضبّت أمي أقراص الكبة والكفتة، والباذنجان
المقلي في السلة الصغيرة.
تناول الشاب السلة.
أكلنا، استروحنا هواءً عليلاً هب من
العاصي يحمل نسائم رطبة جففت العرق. تخلصنا من أحذيتنا، نراقب الغروب الفاتن الذي
زحف سريعاً على المياه الخضراء الداكنة.
علق أبي:
- الماء حياة الدنيا. أنظروا، وأشار بيده نحو
غيضة طويلة عامرة بالأشجار الكثة. بدت مثل كتلة سوداء متزاحمة على ضفتي النهر
بشريط طويل ملتوٍ انساب مع جريان الماء. سرحنا مع المنظر وارتخت أعصابنا وهاجرت
خواطرنا إلى دمشق.
همّ سهيل:
- لنلحق بحلب لنبيت ليلنا هناك.
الفندق محجوز والغرف مهيأة، لا مشكلة من هذه الناحية.
- ماعرفناه عن المنطقة الشرقية نتف
لا تفصح عن الحقيقة.
رد سهيل:
- أرض بكر خصبة، آبار ارتوازية حفرها
الرأسماليون الحلبيون. جاؤوا بالتراكسات الحديثة. قلبت الأرض نحو الشمس، الأرض
صالحة لزراعة الأرز وأجود أنواع القطن.
- وشوارعها، وحدائقها؟ أعني مدينة
أختي.
- جميلة خططها الفرنسيون على نحو
حديث حضاري، شوارع مستقيمة، وحارات منظمة مثل أوروبا، وأضاف:
- قد تصبح أكبر منافسة لبيروت، موقع
استراتيجي مفتوح على تركيا شمالاً والعراق شرقاً وحتى إيران. تدفق الكلام من فمه
حاراً وكأنه يستظهر درساً. بلاد مفتوحة على التهريب. كل شيء موجود فيها. من الدخان
إلى الكهربائيات.
عندما أشرفنا على خان شيخون ومعرة
النعمان صاح أبي مردداً بيتاً لأبي العلاء:
صاح، خفف الوطء، فما أديم الأرض إلا
من هذه الأجساد.
تلمست كتفه متعبة، وغمرني نعاس عجيب،
توقفنا على الطريق العام، شربنا الماء، وغسلنا وجوهنا، ثم تابعنا إلى مدينة حلب.
نزلنا في فندق (الكونتيننتال) الذي بدا مهيباً تزين واجهاته الثريات النحاسية
الأثرية.
لاحظت عراقة الأثاث والخشب المصقول
القديم، والسرير العريض، زينت الجدران لوحات زيتية أصيلة، وامتدت على الأرض سجادة
عجمية منقوشة بأجمل الطيور. نمنا بلا هز كما يقال. استيقظنا ظهراً. حركنا عضلاتنا
الميتة من المشوار الطويل وخرجنا نتفرج على المدينة الرائعة بأبنيتها الحجرية
البيضاء. شاب يترنّح في زاوية الشارع.. يخبئ قنينة العرق في جيب ستره الداخلية
يمتصها قطرة قطرة.
- مسكين، بعد قليل سيقع ويدوسه الناس بأرجلهم.
ضحك الرجلان من كلماتي.
في عتمة الليل وقد خفّ استعارّ
القيظ، سرنا شرقاً نحو دير الزور على هدي الأضواء الأمامية، في طريق وعرة صحراوية،
ترابية، غير معبدة، شقتها دواليب الشاحنات المحملة بالبضائع من حلب إلى العراق.
كانت الدروب تتطاول أمامنا كلما لحقت بنا سيارة. كنا كمن ألقي في اليم بلا طوق
نجاة، بين سماء زرقاء وبحر هائل هدّار.. شعرنا أننا بين فكي لونين ترابيين غامقين
رمليين تواصلا ثم ابتعدا ثم تواصلا. تلال وهضاب. قطعنا مساحات واسعة في قلب الصحراء.
توقف السائق عدة مرات ليمسح زجاج الضوئين الأماميين. بعد نصف ساعة نثر العجاج
ذراته على اللوح الزجاجي العريض، تسلل الرمل الناعم إلى الحلق والصدر. توقفنا مرة
أخرى أمام عمود رملي انتصب فجأة غاشياً مهاجماً صافراً مرعباً، ثم تلاشى شيئاً
فشيئاً. وترك أمامنا تلة.
بدت وجوهنا مضحكة في ضوء السيارة
الباهت. مرشومة ببودرة بيضاء محت من ملامحنا الحواجب والأهداب. اجتزنا أرض جرداء
مسلوخة عن المدينة ويد الإنسان، مرمية، منبوذة مقهورة عطشى. كانت محطات البنزين
المتناثرة والمتباعدة معلماً مضيئاً مشرقاً ضمن واحات من السراب.
مررنا بخيام كالحة غبراء مصنعة من
شعر الماعز فاحت منها رائحة الماعز والغنم والسمن البلدي... مضينا نسير ليلاً
ونهاراً نتفيأ الشمس الحارقة. من خيام البدو ملأنا أوعيتنا وسلالنا باللبن والخبز
واللحم المشوي والبيض والجبن الأبيض. فاجأتنا بيوت طينية. وأحياناً قرى هاربة من
عمق التاريخ صامدة رغم أنف الطبيعة القاهرة بجدران قائمة وطاقات صغيرة وأبواب
قصيرة خوف الطوز.
يرحب البدو بنا، تقول نظراتهم أنهم
تعودوا على رجل غريبة... وحتى على رؤية أجانب من كل لون يحملون أدواتهم للتنقيب عن
الآثار حول الفرات العظيم.
قال سهيل:
- رغم احتكاك هؤلاء البدو بالأجانب،
مازالوا يحافظون على بدائية مفرطة ساهمت في تأصيلها قسوة الطبيعة، وشح المياه
وهجمات العشائر الغازية.
خلال ساعات متواصلة من الحديث مع
النفس أو الصمت، أو الأسف على الأراضي البور، وصلنا دير الزور عند المغيب، ومررنا
فوق الجسر المشرف على النهر العظيم. بضع مقاهٍ على ضفة النهر تشوي السمك المسكوف.
تبعثر رجال هنا وهناك يشربون القهوة أو الشاي. ويدخنون النارجيلة. عضنا الجوع.
فلنجرب حظنا مع المسقوف. اختار أبي وسهيل جلسة مريحة قربنا الكرسي القش من حافة
النهر كانت السماء صافية لا غيم فيها. ولا رفة نسمة. على الضفة الثانية تحركت كتلة
سوداء مبهمة المعالم في الظلمة. حركات عشوائية ثم فجأة اشتعلت بها النيران سرعان
ما أضحت كتلة لاهبة كالشمس أضاءت سطح الماء المتجمد. عوى صوت امرأة، وطقطقت عظام،
وقف الرجال لحظة ثم عادوا إلى كراسيهم.
علق أحدهم:
- مجنونة أخرى حرقت نفسها. هذه
الرابعة في أسبوع واحد.
حضر الأكل... لم أستطع فتح فمي بلقمة واحدة..
ظللت أبكي وبقي أنين المرأة المقهورة يضغط على أعصابي بجلال الموت. التهبت الآدمية
دفعة واحدة. صبت على بدنها الكاز.. وانتهت هكذا. وبغفلة من الزمن والأحباب التهمها
شيء ماسكن أعماقها.
حاول أبي وسهيل تهدئتي، فلم يفلحا.
فالحظ الأسود ينتظرني في مفاجآت لم تكن في الحسبان وعلى موعد دائم معه.
ردد الجرسون وهو يلملم بقايا الحسك
عن الطاولة ويرميها في النهر: حادثة مألوفة تتكرر باستمرار.. وأضاف: الدم هام في
هذه الديار.
أعاد سهيل وضع الكوفية على رأسه،
وأبي أيضاً... درجت السيارة على الجسر الشامخ ذاته في الشمال الشرقي.
قطعنا مسافة.. وفجأة هبت علينا رائحة
بيض فاسد، سددت أنفي.
- ماهذه الرائحة؟
- أرض كبريتية، وصلنا الآن إلى رأس
العين، قال السائق: هذه المياه تكفي لغسل أمراض جميع السوريين.
- عميقة؟ سألت.
- ما أحد يعرف، لو سقط فيها حجر لما سمعنا صوت
ارتطامه. ياحرام، نبع يغلي بالنار. فمه مفتوح وخطر، وليس حوله حمامات للاستطباب.
- قد يقع أحد فيه.
- هو هو كل يوم حادث... رد بصوت
عادي.
عادت الطبيعة إلى مهاجمتنا. يتثاءب
السائق بملل، فالمناظر الرتيبة تدفعنا إلى اليأس. أسأل بين لحظة وأخرى:
- الطريق طويل.
يرد:
- هو هو.. دون أن يلتفت إليّ.
ثلاثة أيام ننام نهاراً ونمشي ليلاً.
من بعيد سمعنا ناقوس كنيسة، لاحت بشائر بني آدم، هاهو الفردوس الموعود.
- هوذا.. البيت ذو الواجهة الحجرية
والباب الحديدي، المصقول، خفق قلبي، رأيت امرأة قرب الباب تدلي بطنها، وتجمع على
رأسها شعراً جعد كثيف، من أذنيها تدلى قرطان ذهبيان كبيران يحملان سمة تلك
المنطقة، عانقتنا أختي وناحت على كتف والدها.
- هذه مها..؟!
اقترب صهري، انحنى مرحباً بشوشاً
بملء فمه. صاح:
- مريم.. أبوشيرو!
هرول رجل مجدوع الأنف وهرولت امرأة
شابة طويلة نحيلة القد، جميلة المحيا، حملت على رأسها لفّة كردية كبيرة، وبرز من
أطراف ثوبها الأحمر سروال طويل امتد حتى الكعبين.
- عمي، شاي، أم قهوة؟ وأنت ياسلمى...
ماشاء الله صرت صبية.
- دايماً حلوة، أما قلت لك، زغردت
ضحكة مها الصافية.
- ليمون، نحتاج إلى شوال ليمون، ثم قهوة ثقيلة،
بابا دائخ الله يعينكم، الداخل مفقود على طريق بلدكم، والواصل مولود.
عادت مها بإبريق ليمون معصور محمرة
الجفنين. رسمت ابتسامة حلوة على ثغرها، وجلست قربنا تتلمسنا بيديها غير مصدقة.
- الغداء يا مها.. أنسيتِ حالك؟!
- مالي قلب ياصبري، اتركني معهم، خمس
سنوات محرومة منهم.
قامت على مضض تحضر الطاولة، فاحت رائحة زكية،
توهج خروف محشو بحمرة قانية، تلألأ بالدهن.
طال الليل علينا، أذن الصبح ومازلنا على جلستنا
نحكي ونحكي. تنبهت حواسنا حتى مات النوم في أعيننا.
استقبلنا اليوم التالي بالمهنئين،
انتقلت الحارة الدمشقية بتقاليدها وحرارة عاطفتها إلى هنا، عمر البيت بايفون،
ومارلين، ومادلين، وعبد الله وسعد وجورج وفيرا، كل حمل صحناً ترحيباً بنا.
هدأت العاصفة وتوضحت ملامح أختي مها
التي تضخم جسدها، وانتفخ بطنها كالطبل، ملأت الأساور الذهبية ذراعيها حتى الكوعين،
ضحكتْ من دهشتي فبانت أضراسها المذهبة البشعة.
- آه لو تراها عين أمي وهي على حالها
الجديدة مثل هدية المجنونة، أهذه مها ذات التقاطيع النبيلة، والقامة الرشيقة،
والحركة الخفيفة؟ لم أر سوى كتل لحم مباركة تهتز وترتج بعيداً عن الأناقة الشامية.
هذه شيخة بدوية ممرعة، زوجة شيخ، وليست مها التي أعرفها.
التقت أفكاري بأفكار أبي، ضبطته
يراقب تحولها ويتعوذ:
-
لاحول ولا قوة إلا باللّه.
تضخمت الولائم، فهمت الآن لم تعّرض جسد الصبية
إلى التورم والترهل. ستلحق العدوى بي لو بقيت، فالفن المطبخي الحلبي والجزراوي،
والشامي يملأ المائدة بروائح البهارات التي تسيل لها اللعاب. هكذا تطامن صبري
أفندي إلى غرق زوجته في الشحم واللحم، كي يتفرغ هو لأعماله، مضاربة بالمراهنات،
وتخليص أرض من فلاح أو حجز أرض على آخر أو رفع حجز من هناك، أو رفع حجز من هناك.
يأكل كالمنشار، يسلخ ولا يرحم.
تقزز أبي من الموائد، وعافت نفسه
الفراغ القاتل والجلسات اليومية وحديث أسعار القمح والقطن والدودة، همهم وأقسم
معلناً عن ضجره وعزمه على العودة قبل أن تسخن الأرض تحتنا، وننسى هلعنا من هجوم
الطبيعة الضاري.
حلف المضيف بالطلاق ثلاث مرات، وهكذا
بقينا مرغمين نعاند الزمن ويعاندنا.
اقترحت الجارة فيرا، التي تدس يدها في جيب صهري،
وترتاح لعطاياه أن نقوم برحلة إلى الضيعة حيث هواء صحراوي يبلل ليلنا، ويهدهد
نومنا، ثم نشهد سباق الخيل بين فرسان البدو.
كان الطريق إلى البولادية وعر
المسالك شديد المتعرجات، والانحدارات كادت أن تنزلق السيارة إلى الهاوية عدة مرات.
انطويت أشد على بطني بكلتا يدي أمنع
الإقياء، لم أقو على الصمود تقيأت مافي جوفي داخل السيارة وعلى ثيابي، كما تقيّأ
غيري، استمرت السيارة بحملها الثقيل، واهتزازها المضني تنقلنا من أكمة إلى أكمة،
تهبط في وهدة وترتقي إلى درب ضيق لا تسلكه إلا الدواب، شعرنا باقتراب الموت،
تساءلنا بخوف:
- هل سترمي جثثنا إلى الكلاب والوحوش
الضارية في الفلاة وتكون هذه الرحلة إلى جهنم رأساً؟ تشبثت العيون القلقة بالسماء،
وأطبقت الشفاه على تسليم بالقدر، أخيراً انبسطت الأرض كالكف.
سارت المركبة على خير، انزلقت
الهوينا تجتاز نهراً عريضاً يفصلنا عن الضيعة، كانت سيارة الجيب قوية عالية وحدها
تستطيع أن تخترق المياه الدفاقة دون خشية من انطفاء الموتور. كبس السائق على
البنزين، فانطلقت كالعروس، عادت إلينا سكينتنا، تنفسنا الهواء والصعداء، شقت النهر
رويداً رويداً، ثم خفت صوت المحرك.
- يالله، ونحن في عرض النهر، صرخت.
صرخ السائق مهدئاً:
- لا تخافوا، لا تخافوا ياجماعة،
بسيطة، دوماً نقع في المطب ذاته.
قاطعته أختي المنفوخة كالضرف.
- يازلمة،خطوة وندرك حتفنا، علقت
الأعشاب بالدواليب.
ملأت خيالي أفلام الرعب أغمضتُ عيني، واستسلمت
للمجهول.
هدأنا أبي:
- لا ذعر، ولا غضب، حال الرجل مثل حالنا،
ماباليد حيلة إلا أن ندعو الله ليبتسم لنا الحظ. باءت محاولات الشاب الجادة
بالفشل، أدار المفتاح، أغلق الباب، انحنى يمنى ويسرة... لا فائدة، انقطع الأمل.
دفع الحظ فلاحاً نحونا هرول مسرعاً، هلل بيديه من الضفة الأخرى، ضاع صوته وصوتنا
في هدير النهر، حرك الفلاح يديه، ثم غاب، غابت معه قلوبنا، والماء يرتفع إلى خاصرة
الجيب.
- ياجماعة لا تتحركوا رجاء، كرر
السائق بعينين حمراوين.
فجأة لاح الفلاح ومعه مجموعة من الناس.
- جاء الفرج مع المجموعة، صرخنا.
أنزلوا حصانين مع فارسين وحبال إلى
الماء، وبدأت عملية الجر لسفينة نوح التي بدأت تغرق، ذقنا طعم الموت.. ثم نجحت
عملية الإنقاذ. وعدنا إلى الحياة.
قطعنا النهر خلف الأحصنة نحو النجاة.
في الضيعة ارتمينا على فرش ممددة على الأرض مغطاة ببسط صوفية ملونة بنقوش رائعة،
جلست أختي مثل خاتون في الزاوية وحولها ألقيت مخدات عالية، مسحت وجهها من العرق،
شربت لبناً، ثم رأيناها فجأة وقد أغفت في مكانها، رمت زوجة المرابع حراماً صيفياً
جديداً عليها.
توسطت المربع طاولة منقوشة عليها صدر
نحاسي كبير وفي داخله صفت فناجين القهوة المرة والركوة.
اقتحمت رائحة الشواء أنوفنا، هب
الفلاح إلى الخلاء يثير همم النسوة. تداخل الغداء والعشاء. انتصف المغرب ولما يفّك
أسر الخرفان الثلاثة التي ذبحت على شرفنا.
اقترب صبري أفندني من أبي وقال:
- مارأيك بكأس من اللبن الطازج؟ أم تفضل الحليب
من ثدي الماعز؟
- اللبن.
- ذقنا لبناً أطيب من القشدة، وبلمح
البصر فرش أولاد الفلاح المرابع شرشفاً حموياً مقلماً على الأرض فوق السجاد. فاحت
رائحة خبز الصاج الذهبي. قرب رجل طستاً من يد أبي ثم يدي صب الماء من إبريق نحاسي
غسلنا أيدينا، ثم دار على الآخرين.
صاح صاحب الدعوة:
- يالله ياجماعة، وأنت ياشيخ سلومي،
الأكل على قدر المحبة. تحرك من زاوية الخيمة المزخرفة المشغولة بأناة من عيدان
قصبٍ بديع شاب في الثلاثين من عمره كان قد سبقنا. هجمت قامة مديدة زادها اللباس العربي
هيبة، رد كوفية بيضاء عن كتفيه.
تململت مها في مكانها غمزتني، ركضت
نحوها.
- ألست جائعة يامها؟! يجب أن تأكلي
شيئاً من أجل الطفل، أما أنا فأكاد أموت من الجوع.
- أرخي ثوبك ياسلمى، هذا شيخ عشيرة
شمر السلومي، شباب، ومال لا تأكله النيران.. يوم في دمشق، وآخر في حلب، والآن في
فيينا، تدرج نحو أوروبا.
- ياسلام!
لم أخف ضحكة صغيرة اغتالها أبي مع
ازورار، تنبهت إلى نفسي، سددت فمي بيدي.
همست:
- وكيف يتفاهم معهم،بأية لغة؟
- في خدمته سكرتير.
- يحكي عنه؟
- اخرسي وعودي إلى الطعام، لا فائدة منك، خائبة.
جلبتُ صحنين باللحم واقتربت منها.
أحسست بنظرات شيخ العشيرة الدبقة على
وجهي، نظرات بدوي جريء، كور خبز الصاج واللحم بأصابعه الثلاث. ورماها في فمه،
صدمني احتقان قبيح في عينيه.
- مها، عيناه بشعتان مثل الجمر.
- تراخوما، تراخوما، كل أهالي المنطقة الشرقية
مصابون بها بسبب الطوز والعجاج.
- يالطيف، ما أبشعه.
- مجنونة، نصف بنات حلب يرتمين على قدميه.
- بل على ماله. متزوج؟
- متزوج.
- طبعاً. هؤلاء يتزوجون صغار السن،
عادة العشيرة . الزوجة الأولى ابنة العم.
- ماشاء الله، ومادخله معكم ومعنا وكأنه من
أصحاب البيت، شغلنا مرتبط به. أراضيه بين يدي صهرك.
-فهمتُ الآن سبب الدعوة الحارة . تجارة وزيارة بل زيادة نعجة جديدة تضم
إلى قطيعه. رقيق أبيض يباع شرعاً بالزواج، ويقّبن بالمال والأراضي.
- مجنونة ، موتي مع أحلامك.
أجبت بعصبية:
- أفضل من الموت مع لص ابن لص يتحكم
في جلساتنا وحياتنا.
تنبه صبري أفندي. صفق بيديه محدثاً
ضجة:
- القهوة تقتل الدسم.. أعلن صهري..
لم يكذب السلومي حدسي. فقد حضر إلى
العشاء في اليوم التالي بسيارته الخمرية الشيفروليه المكشوفة كي يدعونا إلى العشاء
في مطعم (كربيس).
تلمظ وتضوع الطعام الحلبي، قال بلهجة
بدوية غريبة:
- يا الله ياجماعة.
يحتل مطعم (كربيس) موقعاً
استراتيجياً في البلدة الصغيرة الملمومة على بعضها، والواقعة على الحدود الشرقية
الشمالية. يسميها أهلها (الفردوس) ويطلق الغرباء عليها بلدة التهريب لجميع أنواع
السجائر والبلوريات، والسجاد والغنم من تركيا. تلتف حول المطعم دور مدير المنطقة،
ورئيس المخفر والبلدية، ومحكمة الصلح، وسوق الصاغة. وخارج الدائرة الأولى توزعت
المدارس الابتدائية.
تقدمنا صهري. ركض الجرسون يدله على الطاولة
المحجوزة، رافقه بناظريه. التفت إلينا:
- نصف الأهالي بوليس، والنصف الآخر مهربون، على
كلِ هذا أفضل مطعم لا تجد مثيله إلا في العاصمة. صاحبه خبيث شاطر يعرف من أين تؤكل
الكتف، وكتف المواطنين بخاصة.
كان المطعم أنيقاً تفوح منه رائحة
بورجوازية أنيقة باذخة جميلة مزيناً بديكورات خشبية تصالبت فوق الجدران وطليت
باللون الأخضر، وفصل بعضها بين الطاولات، تدلت من الأحواض المرمرية أوراق اللبلاب
والختمية وأنواع من الورود والأزهار الصيفية. انتقلت ديارات دمشق، وبحراتها إلى
هنا، سالت من نوافيرها مياه رقراقة شفافة.
قطعة معمارية دمشقية وسط بيوت نصفها
طيني، ونصفها الآخر خيام.
كنا أربعة كباراً ماعدا أولاد أختي، اتخذ السائق
طاولة بعيدة كالعادة، وطلب بطحة عرق مع مازة حلبية، بعد قليل شرف الداعي يحف به
رهط من زلمة باللباس العربي، تفرقوا عنه إلى طاولات أخرى.
فرك كفيه معتذراً وانحنى ويده على
صدره، وجه كلامه إلى أبي وأشار بيده نحو صبري أفندي:
- لا تؤاخذني ياعم. البركة في
الأستاذ. وقعد قبالتي، نقلني أبي إلى كرسي قربه. انخرط الرجلان صهري والسلومي في
حديث مسموم حول تهريب الغنم ومقتل الراعي حمد على يد الحرس التركي، ترك ظلاله
القائمة على وجهيهما:
قالت مها:
- مشاكل مع الحدود لا تنتهي.
اقترح السلومي أن يشرب قدحاً على شرف
والدي. صفق بيديه، هرع النادل.
- بطرس قازان. مافي توما، مافي
أكسترا وطاولة زهر.
- مارأيك ياعم دق بدق.
- محبوسة. فتح الطاولة وتجلس، لا
أعرف غيرها. قهقه بصوتٍ مبحوحٍ. لعب السلومي، اندلق الزهر عليه، وأتاه الحظ، غلب
ضيفه مرات خمساً. فرك يديه مبتهجاً، نتر من جيبه سبحة ذهبية بأحجار كريمة.
وقدمها لأبي.
- هدية للذكرى.. لا تتردد ياعم. هذه عادتنا.
النبي قبل الهدية.
مد أبو هشام الرجل المهيب يده. تحسس
الحبات اللامعة، وتركها ملتوية على الطاولة. نادى السلومي على أحد رجاله. حرك
أصابعه آمراً دون أن يلتفت.
- أين العلبة؟
أخرج الرجل العلبة متزلفاً باسماً تحت شاربين
عنتريين. أدخل المسبحة الثمينة بين طيات المخمل وتهيأ متأدباً.
لم يسع أبي الرفض. أعطاها إلى أختي
دستها في حقيبة يدها الجلدية دون أن تلمس الشرابة المشكوكة بحبات من الزمرد
والياقوت قد تصلح عقداً أو حلقاً.
لكلزتني مها بكوعها:
- هذه مقدمة. مال لا تأكله النيران.
كثرت الدعوات، وتناثرت أثناءها كلمات
مرمزّة تفسر رغبة السلومي في التقرب منا.
- بسببي أنا، من يظن نفسه هذا
البدوي؟ قلت لمها.
- تنازعتني خواطر عدة، وتناهبني مد
وجزر، وإقبال وصد.
ألم يعذبني أحمد ليلة عقد قرانه على
أخرى، وتركني مجنونة محبوسة في قمقم، لا أقوى على الخروج منه تحت وطأة عواطفي
المكسورة، ألم يدعني نهباً للذل وقت أن فكر بثانية، ألم يجرح كبريائي أمام
رفقائنا، وتركني نهب الأقاويل؟ لم لا أرد له الصاع صاعين وأصبح أميرة على بطاح لا
نهاية لها يتسمر الخدم بين يدي. آمر، أنهي. ربما تتحقق أحلامي الكبيرة انطلاقاً من
هذه القرية المعلقة بآخر الدنيا. ابني مدرسة، ومسرحاً وحدائق، أنقل دمشق إلى هنا،
إلامَ الناس ومعظم من قابلتهم هنا كالدواب، يأكلون وينامون ويضاجعون نساءهم مع
روائح المزابل.
هل أرفض الشيفرولية؟ أكون مجنونة
إذن.
استيقظت على صليل خشخشة الأساور في يد مها، ما
الفرق بينها وبين هدية المجنونة.
- ربما سأصبح أنا هدية مجنونة أخرى
ذات يوم.
- قومي.. قومي.. هل رأيتِ حلاماً لمِ
كنت تصرخين؟
- وماذا قلتِ؟ خفت أن أكون قد تلفظت
باسم أحمد.
- قلت مستحيل، لا!
نفضت من رأسي كابوس مها، أنا لستُ مها، لست نعجة
تغرق بالطعام والذهب، الجامعة، هل نسيتها؟ وماذا لو رضي الوالد؟ وأغراه البدوي
بالمال والشباب؟
- ولكنه زعيم عشيرة تتجاوز الآلاف.
ليس بدوياً إطلاقاً.
- وأميّ لا يعرف القراءة والكتابة.
ثلاثون سنة وخلفه عر أولاد يخرب بيته وبيت ماله.
في الصباح جاء مبكراً. حمل حليباً
طازجاً ساخناً من ثدي النعجة، ترفرف حول كتفيه كوفية بيضاء تنسدل فوق ثياب نظيفة
مكوية. داهمت وأنا أقترب من غرفة الطعام حديثاً بين الصابحين، فتلكأت.
- يالله بسم الله الرحمن الرحمين
نقرأ الفاتحة، علا صوت صهري صبري أفندي.
رد أبي اللقمة عن فمه وأجاب:
- كله نصيب، لم العجلة؟ على مهل،
الأيام أمامنا، لن تطير البنت ماتزال صغيرة.
صدق حدسي هاقد شربوا القهوة وتحدثوا، وتناقشوا،
وقصوا وفصلوا حول مستقبلي، حياتي، وأنا في غفلة، هسهست مها فرحة من المطبخ،
لحقتها.
- لك يامجنونة، حظك من السماء، طلب
السلومي يدك، تصوري ست وثلاثون قرية له وحده، وتحت إمرته، أي إمرتك، ملكك، إن شاء
الله يصير نصيب، أعادت: إن شاء الله يصير نصيب، ورفعت يديها كعجوز إلى المولى.
صفنت:
- ست وثلاثون قرية لرجل واحد، ياه
ياللنعيم، الذي سأرفل فيه ويالفرحة أمي التي ستزف البشرى إلى الجيران بعد أن تكون
قد أوصلت الأمانة سالمة إلى أصحابها، إلى الزوج المقبل، أجبت مداعبة:
- ماذ أفعل بها. الحياة واحدة،
وأواجه مشكلاتها وحدي. طار فكري إلى أحمد هل أجرحه كما جرحني يوم تركني إلى أخرى؟
سألت:
- وبماذا أجاب بابا؟
- كزت على شفتيها:
- غريب أمر أبي من يرفض عرض السلومي،
لم يعطِ جواباً، ولم نعرف رأيه.. وأصر على السفر.. ربما أجلّ الموضوع إلى حين
عودته إلى دمشق يوم الخميس القادم.
أصبح وجود السلومي بيننا، وهداياه،
ونكاته، وخرفانه المذبوحة أمراً مألوفاً، صار مصدر قلق لي. لم يك سيئاً لبنت تتشهى
الزواج ولكنه لم يخلق لي بتاتاً، فأنا أريد أن يتركني للتجارب المريرة التي تعيشها
الزوجات المهملات، وتؤدي بأكثرهن إلى الجريمة، إما إلى قتله، أو إلى قتلها. هل أضع
القيد في عنقي بملء إرادتي وحريتي لأعيش مع أميّ يضمني إلى حريمه مستقبلاً؟ من
يرده، يصدّه، من يردعه، ولديه أكبر قوة محركة في العالم: المال!
أقلقتني الأسئلة الصعبة لاختيار
أصعب.
جهزتُ مها زوادة لسفرنا، واشترت
الهدايا رداً على هدايانا، وخلعت من معصميها سوارين ذهبيين دقة الماس.
- هذه هدية مني لك.
قلبت السوارين بين يدي.. وغضبت من تصرفاتها..
شعرت بإهانة.
لِمَ لم تشتر جديدين..؟
قرأت أفكاري: هات، هات يدك، عنيدة،
وألبستني إياهما غصباً.
أمرت الخادمة الكردية بتحضير
المرتديلا، واللحم المقدد، أوجعني مجرد التفكير بعناء السفر والعودة عبر الفيافي
ذاتها.
ثلاثة أيام أخرى من لوعة الوداع قضيناها
لم تنسنا ماسنعانيه من الحر والغبار والخوف من الطبيعة المتحولة حتى مدينة حلب.
لاح أحمد على البعد، عبر الرؤى، عبر
رعشات القلب وتقلصات الحلق حتى الاختناق. أحمد بكل روائه، وتحوله، وعقده، وتأرجحه
بين عادات موروثة، وانطلاقة العقل الحكيمة العلمية. مغموس بالسياسة حتى قراقيط
أذنيه، مهدد بالتسريح كلما تبدل مسؤول وجاء مسؤول.. فكرت كذلك: من الحماقة والغباء
الفاحش أن أترك مصيري عائماً في قارب مهدد أبداً بالغرق، والتشرد بعيداً عن
السكينة البيتية والأولاد، أجّل أبي موضوع الساعة إلى حين، لعله خاف من اتخاذ موقف
دون موافقة أمي وعشيرة آل الشريف.. بالأغلب احترقت الطبخة بين يدي صبري أفندي
ومها.
في صباح مبكر.. غادرنا القرية
المفتوحة على الخيرات دون أسف، مللنا الراحة المصطنعة:
بدا أبو هشام متحمساً راضياً عن
قراره. أزاح هما عن صدره، ماكنتُ لأرضى أن أعود خاسرة.
قررتُ مواجهة أحمد بالأمر. في أول
لقاء، شرحت ماحدث ببساطة متناهية كما لو أن الأمر يعني فتاة أخرى. تأملني فترة
طويلة بدون كلام.
تقول عيناه:
- يالك من ممثلة فاشلة، عجزت وسلمت
أمام أول هزة، نترت قصيدة جديدة كتبتها أثناء وجودي في قرية (الفردوس) وطلبت منه
أن يعطيني رأيه صراحة بها.
قرأها مرتين ثم تبسم رضى. ربت على
كتفي ولفني بحنان قائلاً:
- هذه سلمى التي أريد...
رغم العاطفة المشبوبة المتحيرة بين
أسطرها؟ تساءلت:
- عاطفة صادقة، وهذا سر جمالها.
- أعجبتك.. قلها.. قلها.. لم تخبئ
الفرح؟
- لا أدري.. دائماً أخاف من الفرح.
أرجح جسده يمنة ويسرة ثم أبقاه واقفاً صلداً كالحجر وأضاف:
- هذه كلمات تعلق بالذهن.
طرت فرحاً، تعمشقت على الحيطان الملساء.. أخيراً
نطق كلمة حلوة. هو ذا رجلي، رجلي الذي أريد.
فرط مشروع الزواج بضغط من أخي عادل..
يظل عادل مثقفاً متوازناً ومنفتحاً ولا تهمه المغريات الآنية التي لا يدري أحد
إلامَ ستؤدي في آخر المطاف. عاشت الرحلة شهراً معنا، لونت أحاديثنا، وغيرت طعمها
وسمرها في السهرات العائلية.
وردتنا من ليبريا رسالة مطبوعة
باللغة الإنكليزية من أخي المغترب في إفريقيا، استعنت بالقاموس عدة مرات ثم
ترجمتها لامي: كانت الرسالة عبارة عن حديث شاب متعجرف انتسب إلى نادي سباق
السيارات الأمريكي الدولي الذي تموله شركة (فايرستون) العالمية. وكيف أصبح عضواً
بارزاً بعد محاولات ناجحة في ركوب السيارات، ومقرباً من رئيس الجمهورية، كما
أصبح أكبر رامٍ بالمسدس في مدينة هاربل
قرب العاصمة منروفيا، ضربت أمي على صدرها خائبة:
- ياللأخبار المخزية عن نجاحات وهمية
حادت به عن الدرب والهدف.
تساءلت بأسى قبض على قلبي:
- أهي الغربة القاسية جرته إلى تفريغ
الحنين من فؤاده عن طريق العنف. أم التوحد الوحشي في بيئة غير بيئته، أم المال
الذي هبط عليه دون تعب؟ خاب ظن العائلة به. حسبوا حساب كل شيء إلا هذه النتيجة،
حلموا بأنه سيعود بعد خمس سنوات، يحمل الذهب على كفيه، رجلاً صلباً لا ككل
الرجال.. رجلاً خلقته المعاناة.
زاد بكاء أمي تركناها تفرج عن كربها.
علق أبي محزوناً:
- المال السهل يذهب بالطريق السهل.
قال سامي:
- بداية الانتحار.
أجل كان محقاً في قوله. فقد حمل البريد أخباراً
تعيسة عن غرقه في أحضان النساء الإفريقيات في مجتمع أموي لا يملك، هو الإنسان
الشرقي، حق أبنائه الذكور السبعة.
أطلقت أمي تنهيدة: ست محلات تجارية
تمتد من أرض المطار حتى العاصمة ولا تسد الديون وفوائد البنوك؟ أية خيبة لأخي محمد
الفاتح.
رد هشام ممازحاً وساخراً:
- لا تخشي على ابنكِ فهو الأمين
الوفي لتلك المخازن. يعرف كيف يصرّفها.
أتلفن إلى أحمد لمجرد سماع صوته ثم
أغلق السماعة، كشفني، كشف لعبتي.
ترى هل أحس بلهاثي حتى فضح أمري؟
ناولته القصة مترجمة على صفحات ثلاث.
قرأ الصفحة الأولى نبر بثقة:
-لا، لا ليست هذه ترجمة، هذه كلمات
مرصوفة لا تشكل قلب ونبض كاتب مثل (جيمس).
مزق أحمد سهر أسبوع كامل، تناولت المزق المرمية
على الطاولة، واندفعت هائجة خارجة من بيته، همت في الشوارع التي أحبها محبطة، المهاجرين،
عرنوس، الجسر الأبيض، بوابة الصالحية، المرجة، بقيت بالترام، عدت معه حتى آخر الخط
في المهاجرين، بكيت بلا دموع. صممتُ على القطيعة. لابد من اتخاذ خطوة، موقفٍ
حاسمٍ، أعلمته في الليلة ذاتها عن قراري.
- يجب أن نبتعد عن بعضنا، لنجرب
أنفسنا، على كلٍ سأسجل في دورة صيفية قد تلتهم وقتي، وأنت أدرى الناس بقيمة الوقت.
أعلنت مدرسة (الثانوية الأدبية) عن دورة مكثفة للمواد الرئيسية مدتها شهران، وهذه
فرصة لي، أصبحت في سباق مع الزمن. قال متردداً:
- لنجرب، كما.. تشائين.. أنا واثق من
أنها تجربة سخيفة.
انغمست في كتب المنطق، وعلم النفس، والفلسفة على
نحوٍ مرهق. جافاني النوم في تلك الركضة. سرح مدير التربية بعد خلاف جوهري مع وزير
المعارف حول مناهج التدريس وجاءنا مدرساً لمادة العربي. جاءنا من كان يهز أركان
التربية.
في الصف، تعرفت زميلة خفيفة الظل،
لمّاحة، تحب النكتة إذ تخلق جواً مرحاً حولها. بطفولة صبيانية، معاندة للمألوف
قلمت شفتها السفلي بالحبر الأزرق، جعلته وشماً كنساء بلدة السلومي.
ضحك الأستاذ حين رآها. حين دمعت
عيناه. لم يتمالك نفسه من التعليق:
- من أين الآنسة؟
ضحكنا كلنا.
- من الرقة أستاذ.
وفي درس تالٍ، رسمنا جميعاً الوشم
على شفاهنا.
قال الأستاذ مدير المعارف السابق:
- يابنات ، مهلاً، ستجيء إلى دمشق
بدوية من الميادين تجيد الوشم، أرى أن هذا الحبر الأزرق الذي وضع على شفاهكن غير
جميل، فمن أرادت أن تكتحل أو توشم فلتسجل اسمها على هذه الورقة، ونادى على رجاء
صاحبة الفتنة، وسلمها الورقة.
- دوري على زميلاتك من فضلك.
أحسسنا بخطر اللعبة، أوقعتنا اللعينة
في شر أعمالها. قد يطردنا المدير وقد يحرمنا من تقديم الفحص، وهات يا أمل كاذب
بالبكالوريا. غير أنه كرجل ذكي محنك غفر مداعباتنا بأبوة سمحة.
سقى الله تلك الأيام، كمّ مرحنا، وكم
لعبنا، وكم سقطنا في جب البراءة لاهيات عما يخبئ القدر حالمات بالتقاط النجوم.
ها أنذا أشتري صحيفة أحمد، علقني هوس
قراءة الصحف اليومية. أسجل بعض الملاحظات الساخرة على هامش مقالته. (من القلب) كرد
انفعالي لهيمنته علي، أمضّنا الشوق. يعترض أحمد طريقي بعد جفاء.
- مرحباً ، آنسة سلمى...
أسمع تحيته وأكابر.
- البعد جفاء. كفى تمثيلاً فاشلاً، أين أنتِ،
على الأقل اسألي عن إنسان يقلق عليك.
حدثتُ نفسي:
- يقلق علي، كيف ياترى؟ تجاهلتُ
مايرمي إليه. رميت كلمة:
- البكالوريا وصعوبة البكالوريا..
- خطوة، وتتحقق أمانيك حين تطلين على
الجامعة، ساعتئذٍ من يقدر عليك؟
- أملي ضعيف ، مواد صعبة، ووقت قصير.
- هنا تبرز شخصية سلمى الشريف، أم
نسيت؟
حدقت في عينيه وددتُ لو أمزق وجهه
قبلات، ربما غرقت في رغبتي تلك. لم أكذب على نفسي. اعترف بأني أشتاق إليه شوقي إلى
النور. هل أقول له إنني كذبتُ يوم طلبتُ القطيعة، وإنني أنتحر يومياً وإنني
وياللمهزلة، أتلاشى أمام لحظة سقوط العين في العين.
- أراكِ غداً. قال باتاً. استسلمت.
- أراك..
هجم الفحص بكلكله. مئات مثلي، أولا
مثلي يركضن خلف هدف. وهدفي أنا.. الجامعة. أحقق ذاتي، كياني، وجودي، حريتي من خلالها.
يسلّ شهر الامتحان العافية مني.. ولكنه يحمل
الموعود، القرار استثنائي والدورة استثنائية، والنجاح استثنائي.
-وكيف عملتِ؟ سألني أحمد وهو يخاصرني
بغتة.
- وضعتها في جيبي.
- من؟
- البكالوريا، ألا تسأل عنها؟
أطار نبأ النجاح صوابي. وحملني إلى
سموات سبع اخترقت حجاباً خلف حجاب، سبحت فوق غيمات رقاق قطنية دافئة، يؤهلني
النجاح لأي فرع أريده في الجامعة..عدا الطب الذي أخشاه. صحيح أنني لم أحقق درجة
عالية في العلامات، ولكنها قمينة بأن تحملني فوق عتبة صعبة نحو الانطلاق.
من تحت الأقفال، وفوق الأسيجة
الحديدية، رحت ألقاه، وأمشي عذراء حافية على الجمر، أمشي على صوت تصفيق المتفرجين
الذين يزكي اللهيب، يتلبسني رعب قاتل من ألسنة الناس. وها أنذا أمشي إلى مالا نهاية..اخترت الطريق.
أدرك الخطر. وأمضي إليه بقدمي مندفعة متألقة عاجزة أمام ندائه.
عدت إلى التفكير الممض. ماذا حققتُ؟
فجأة وجدتني لا أقبض على برغي صغير في دورة الحياة الهائلة، تساءلت بوعي أشد.
- هل حقاً تحررت بالنجاح من سلطة
الذكورة النتنة؟
استعرضت وجوهاً محبوبة في الوسط الاجتماعي.
لمياء دفعت باسمها إلى التقول ثم انتحرت. عفاف هربت إلى أحضان عجوز يسد جوعها إلى
الملابس الأنيقة والسيارة الفارهة بعد أن تحطمت وحطمت ناديا التي خرقت تقاليد بلدة
ساخرة من أم عجوز وعانس تاهت خلف الغبار. هيام التي وضعت النظارات السوداء على
عينيها ولم تخلعها حتى ماتت. نورس التي أفنت صباها وموهبتها في العمل من أجل مثل لإخوة صغار. أمي التي أطرت حياتها بالعادات
والأعراف، وتأمين رغبات زوج ازدادت سنة بعد سنة مع التغيرات الفيزيولوجية
المنهارة؟ مها التي أضحت نقطة ضمن غبار يعج بقذارة المال والحياة التافهة الدنيئة
المخبوءة في حنايا زوجها الوجيه. مَنْ، مَنْ، التي استطاعت أن تنتشل نفسها حقيقة
وحدها دون كفٍ رفيقة يملؤها الحنان. دون رجلٍ حرٍ انتزع من أعماقه جذور الأنانية
التي تقبر الحب وأدرك تماماً أن المرأة ليست ضلعاً هشاً خرج من خاصرة الرجل ولا هي
وعاء لرغباته. إنها سر الدنيا.
ابتسم بمرارة فائقة لحديث امرأة معي
تجاوزت الخمسين. كانت صامتة جميلة كما الجمال، ذكية داهية، قادرة على تنظيم
الحياة، وأعرف من كثيرات رأيتهن أو مررن بحياتي.
سألتني مرة وهي تربت على رأس آخر
مواليدها:
- كيف يكون الحب بين زوجين ياترى؟
- رفعت حاجبي دهشة من حقيقة صدمتني.
- والأولاد الخمسة من أين أتيت بهن.
- سمعت عن الحب، سماعاً ، والحب في
عرفنا عيب.
هل تعلن المرأة رغبتها بالرجل أيضاً؟
همست خجلة.
حاورت نفسي:
- أكانت حياتها اغتصاباً وجسدها
لحماً مستباحاً طوال ثلاثين عاماً من الزواج؟
تؤرقني ذكرى هذه المرأة، وربما
كثيرات من نسائنا اللواتي قتلهن الخفر. فسقطن أسيرات أحلام اليقظة. فكرت، يجب أن
أتحرك على صعيد العمل إن أردتُ وزناً متكاملاً. تحريت من صديقاتي العاملات.
- البنك، لا، الهاتف، أعوذ بالله،
بائعة، مستحيل. أسلم طريق للمرأة في بلدي
هو التعليم. ولكن التعليم يحتاج إلى دار معلمات وأصول التدريس، وقواعد
الانضباط، هذا هو الطريق الأمين والمنفرج عن كلمة نعم من الأهل.
عشية الخميس وهو يوم مقدس في بلدي
تتم فيه كل الشعائر الدنيوية والدينية، من زواج وختان، وصلة الرحم زارنا قريب ذو
نفوذ في وزارة الاقتصاد يتأبط دكتواره في العلوم السياسية من أمريكا. كان الرجل
بعينيه الزرقاوين الهاربتين من دم هجين عن طريق أمه الفرنسية، ودوداً وذكياً، يفهم
لغة العيون كما يفهم الموسيقى الكلاسيكية. يحمل صوته لطائف النبرات الدافئة.
- ايه يابن العم. كيف وجدت بناتنا.
- في تقدم مروع. يضحك.
يتدخل أبي مسالماً:
- عسى أن لا تكون قد وقعت في حبائل
الأجنبيات.
يضحك ابن العم ويرمقني متوجساً من الانزلاق في
حديث متشعب لا يرغبه.
- أفكار مغلوطة عن نساء الغرب ياعمي.
- يكفي أنهن يستولين على خيرة
شبابنا، فهمت علي. زيوان البلد ولا قمح الجلب. كما يقال.
يحتدم النقاش بينهما وأتفرج. أقول في
سرّي:
- ليتني أسافر أيضاً لأعب من
المعرفة، لماذا نغالط. قلت متوددة:
- هل تساعدني ؟ خدمة بعشرة أمثالها.
أريد أن أجد وظيفة ترضى العائلة عنها.
ضرب كفيه على فخذيه، ووقف متأدباً
يرجو السماح له.
- سأحاول، رد.
- مضى أسبوع. رن الهاتف.
- سلمى غداً لديك لقاء مع مدير البنك
العربي في الحريقة. تعرفين المكان؟
- أسأل عنه لا تقلق علي، شكراً.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire