يا شياطين الأرض! يباح لكم كل شيء
والعالم أصم وأعمى! الضعف يولد الضعف.. والقوة تفعل ما تريد.. وأنا ملقى على أرض
الزنزانة الحرشاء.. أعد الضربات التي تكيلونها لي.. غداً يوم آخر!
-من هم أصحابك؟!
-أي أصحاب؟!
-الذين تمشي معهم.
-أمشي مع كل الطلاب.
-يا كلب.. الذين تمشي معهم دائماً.
نطقت بأسماء كثيرة، لا أدري إن كان
اسما فاروق وعبد الكريم منها.
-أحضروهم.
-لا علاقة لهم بما يسألون عنه.
-يا ابن الكلب.. وما شأنك أنت. ثم
انهال علي بعصاً ربما كانت رجل كرسي تحطم من الغيظ. ألقى بها فوق رأسي فاندفعت
الدماء بحماسة تضاهي حماسة ذلك المتوحش في ضربي. لم أشعر بما حدث، فقد تمددت في
أرض الزنزانة نائماً وربما فاقداً الوعي.
ببطء أعدت فتح عينيّ. أزحت حشرة كانت
ترقد بسلام على جسدي.. لم أحرك رأسي فالتصقت نظراتي بسقف الحجرة الواسعة. إذن لم
تتهدم الأسطح ولم تتحلل الأشياء.
-كم الساعة الآن؟!
وأنا الذي فقد الإحساس بالزمن بعد أن
أمضيت ثمانية عشر شهراً متنقلاً من سجن إلى آخر. عجبت من أمري ومن لهفتي على هذا
الزمن الضائع. نظر إلي الجندي بإشفاق. هذا ظني! بإشفاق.
-الثامنة صباحاً.
إنه صباح صيف في مدينة الكرك.. ما
زالت حرارة الجو محتملة... تسللت بعض النسمات الصباحية عبر النافذة فأنعشت روحي.
نهضت متثاقلاً. غسلت وجهي ورأسي فازداد انتعاش روحي.. إذن هي الحياة مرة أخرى.
-صباح الخير يا محمود.
-أهلاً يوسف.
-أحمد الله إننا لا زلنا أحياء.
-الحمد لله. ردد.
جاورته صامتاً. تأملنا السماء
الصافية معاً. التفت إلى باقي الرفاق فوجدتهم مشغولين بالحديث عن ليلة أمس. قلت
لنفسي ما كان قد كان ولقد كتب لنا عمر جديد.
-متى تراهم يطلقون سراحنا؟
أحد الأسئلة التي لا يستطيع محمود
الإجابة عليها، لكنه انطلق من بين شفتي. نظر إلي وصمت لثوان، ثم قال بجدية ظاهرة.
-لا أظنهم يحتجزوننا مدة أطول.
تجمعنا حول طعام الإفطار. كانت روحنا
المعنوية قد ارتفعت. لا زال القتال مستمراً، لكن بعيداً عن الكرك. وهناك محاولات
جادة لإيقافه. الرئيس ناصر كان قد غادر دنيانا إلى دنيا أخرى والكل يشارك في وداعه
للمرة الأخيرة.
-كل المبعدين يتجهون إلى ساحة السجن.
صاح الجندي، ثم ردد نداءه مرة أخرى،
تجمعنا في الساحة. إحساسي إنهم سيطلقون سراحنا.
قال الجندي:
-نحن عادة لا نحتجز المبعدين أكثر من
يومين أو ثلاثة ولكن لظروف القتال الدائر طالت مدة احتجازكم ونحن بالطبع نأسف
لذلك. وقد قررت بلدية الكرك إعطاء كلاً منكم ثلاثة دنانير وستخرجون من السجن بعد
لحظات.
ثلاثة دنانير وهناك دينار أعطاه لنا
جنود الاحتلال في فلسطين يكون المجموع أربعة. عليك أن تواجه الحياة مسلحاً بأربعة
دنانير. لن يغتصبها منك أحد. لقد حصلت عليها بلا مقابل. وتلك الدنانير الستة التي
قضيت شهراً كاملاً تعمل في حقول البرتقال من أجلها. كانت ثروة كبيرة. حملتها في
جيب سروالك المهترئ وذهبت إلى المنزل. كان ابن خالتك قد توفي منذ أربعة أيام. لم
تشعر بذلك الحزن الدفين الذي ألم بخالتك وبكل الجيران. فأنت طفل رغم بلوغك الرابعة
عشر.
-ألا تذهب لمشاهدة فيلم "لورنس
العرب"؟ قال مصباح أبو الجاز. رفيق الطفولة وجار لنا.
-متى؟ سألت.
-اليوم مساءً.
-لا بأس.
لم يخطر ببالي أن أيام الحداد طويلة
وعلي مراعاة ذلك وأن لا أتمتع بما تجود به الحياة علي. جيبي مملوءة بالدنانير،
وهذا فيلم عن لورنس والعرب يمثله عمر الشريف في أول ظهور له على الشاشة العالمية.
ولم لا أذهب؟! لقد مات ودفن.
كان جالساً أمام باب حجرته وبجواره
ذيبه. سلة مملوءة بالجميز والعنب والتين الشوكي كانت أمامه. يتناول من كل نوع حبة،
يخلطهم في فيه ثم يزدرد الخليط باستمتاع. يبدو أنني قطعت عليهم سيل الأحاديث
العذبة. ارتدى ثوب الذئب. برزت أنيابه. ظهرت الأخاديد المعبرة عن الغضب بين
حاجبيه.
-هل حقاً ذهبت إلى السينما؟!
نظرت إليه وقلبي يرتجف. ها قد حانت
لحظة الحساب. وماذا في ذلك؟! لم أطلب منه أن يعطيني نقوداً لأذهب!! حتى إن تجرأت
وطلبت فلن يعطيني. ذات مرة كان رفاقي كلهم يريدون الذهاب إلى السينما. لم أملك حتى
مليماً لأفعل ذلك. جاورته وهو على وشك أن ينام.
-أعطني عشرة قروش يا أخي.. أصدقائي
يريدون الذهاب إلى السينما وأنا أريد أن أرافقهم.
كانت آمالي كبيرة بأنه سيعطيني.. لكن
وبكل قوته قذف ملء فيه بصاق على وجهي.
-يا كلب.. تريد أن تذهب إلى
السينما؟!
الآن علي أن أواجه الموقف.
-فعلت..
-يا كلب وابن خالتك قد توفي منذ مدة.
يا رب السماوات والأرض.. وما دخلي
أنا بذلك. رحمه الله.. هذا كل ما أملك أن أقول له.
-هات ما عندك من نقود.
تابع تجهمه.. هي جالسة بجانبه تتصنع
البراءة وهي كل البلاء. لديه الاستعداد لأن يستولي حتى على أفكاري. هي تشجعه.
محصور بين طمعه وحقدها.
أخرجت كل ما في جيبي وألقيته بين يديه..
صحوت على أصوات صاخبة في الممر
الفاصل بين الزنازين. لا بد وأنهم قد ألقوا القبض على مجموعة أخرى. لم أفهم لغتهم.
لكنني أيقنت من أن مجموعة مهمة قد ألقى القبض عليها. لم أكن أعرف الوقت ولا رغبة
لدي لمعرفته..
-قف..
-لا أستطيع فقدماي متورمتان..
-قف يا كلب يا ابن الكلب..
جاهدت نفسي ووقفت. لحظات وأغلقت فتحة
صغيرة في باب الزنزانة. عرفت أن مهمتي قد انتهت. تراخت قدماي فوقعت على الأرض
الحرشاء. بقيت مستلقياً إلى أن فتح الباب.
-قف..
تحاملت على نفسي مرة أخرى.
-أذهب إلى الحمام. أملأ هذا الإناء
بالماء.
نظرت إلى الإناءين. كلاهما قذر. لم
تطاوعني نفسي في حمل أحدهما.
-ألا تعرف؟! ونظر إلي الجندي
باحتقار.
صمت..
-خذ هذه.
اختار لي الأكثر قذارة. حملت جسدي
وسرت ببطء كسلحفاة أضناها طول السفر.
-من أنت؟!
-ما تهمتك؟!
-من اعتقل معك؟!
كانت الأسئلة تتقاذف حولي من خلف
الأبواب ولا قدرة لدي على الإجابة، ربما خوفاً ورهبة.
-لا زال دمه يتدفق من رأسه.
أحسست بالألم فمددت يدي تتحسس رأسي..
مادة لزجة التصقت بشعري، رفعتها.. نظرت إليها.. مصبوغة بلون أحمر. إذن هي الدماء.
ألقيت بيدي فوق الجرح النازف وضغطها علها توقف الدماء. وصلت الحمام. جدرانه مصبوغة
باللون البني الغامق. انقبض صدري وأنا داخله. قطرات دماء متناثرة على أبواب
الحمامات. الإضاءة كانت خافتة تثير الخوف في النفس. قضيت حاجتي بسرعة. أمرني
الجندي أن أملأ الإناء بالماء لأستعمله في مسكني الجديد. فعلت ما إن دخلت زنزانتي
حتى استلقيت على الأرض متعباً منهك القوى.
-الإفطار.
قذف لي الجندي قطعة خبز مع أشياء لم
أتبينها ولكن من أين تقبل النفس بالطعام. عافته، تركته كما هو. لم أكن أدخن في تلك
الفترة، وإلا لكانت أيامي أكثر سواداً مما هي عليه.
-أحمل أشياءك وأخرج. أمرني الجندي.
فعلت. وأنا سائر على الدرج، صرخ علي
أن أتوقف. توقفت بماذا ينادونك في الشارع "عبيد" قلت.
-اذهب.
ذهبت. كنت أعتقد أن زنزانتي الصغيرة
هي السجن، وسأمكث فيها طويلاً. وجدت نفسي بين مجموعة من المساجين في حجرة واسعة.
وجوههم ليست متجهمة كما أنا. اعتادوا على السجن، فتكيفت أحاسيسهم به.
-من أنت؟ سألني أحدهم.
-يوسف.
-هل اعترفت؟!
-بماذا؟
-إذن لا تتكلم عن شيء هنا.
صمت. طال صمتي. كنت أستمع إلى خليل
أبو خديجة وهو يتحدث عن السرية وعدم الثرثرة والانضباط.
-المهمة شاقة. قال:
-ومتى سنتدرب على السلاح؟! سأل
فاروق.
-هذه مسألة مهمة. قال عبد الكريم.
لم أتكلم. تذكرت تلك اللحظة التي
أخذني فيها عبد الكريم إلى منزله في جباليا وعرض علي قنبلة يدوية. ازدادت حماستي.
رجوته أن يعطيني إياها لأقذفها على أول سيارة عسكرية تصادفني في الطريق.
-أيها المتهور!! عليك بالتدريب أولاً
وإلا انفجرت القنبلة في يدك وقتلتك أنت أولاً.
وها نحن نطالب بالعمل. شعر خليل
بمقدار حماسنا. أراد أن يرجعنا إلى أرض الواقع.
-عليكم بالتدريب أولاً، كما عليكم أن
تتعلموا الكثير ثم تبدؤون بالعمل.
نبدأ العمل حقاً؟! بدأنا نرتشف
القهوة التي قدمها لنا خليل. أشعلت لفافة تبغ قدمها لي فاروق. قررت على أثرها أن
أشتري بعضاً من اللفائف. تسللنا خارج المكتب ثم خارج المعهد. الطريق ثانية إلى بير
زيت.
-لا زال هناك متسع من الوقت. فلنذهب
إلى القدس. راقت لي الفكرة ووافق عبد الكريم، وهكذا ذهبنا إلى الطريق المؤدية إلى
القدس حيث توقفت حافلة اندسسنا فيها..
من هنا مرّ صلاح الدين وفي هذه
البقعة نزل عمر بن الخطاب عن راحلته وركب خادمه مفاتيح القدس يتسلمها عمر لا خوف
عليكم اليوم عمر كنيسة القيامة رفض أن يصلي فيها المسجد العمري باب العامود حي
المغاربة القدس هدية سهلة عاصمتنا عاصمتهم لا بأس إلى حين سأصلي في القدس وإلا
فنحن معتادون على التمر واللبن قتلوه وغاده زهرة يصعب قطفها إنها كل شيء سقطت
القدس غاده لن تسقط حائط المبكى النبي سليمان إلى حين متى إلى حين متى هذا الحين
لا أعرف غادة تعرف وسنعرف جميعاً الصخرة آثار قدم الرسول العظيم أنه آخر الأنبياء
آه لكننا حاربناك بشراسة تشعر بالرهبة وأنت بداخله آلا يشعرون بالرهبة عندما
يفكرون أنهم فقدوه بائع على الرصيف كم ثمن هذا القميص لا يلزمني علبة لفائف أشعل
فاروق واحدة وهكذا فعل عبد الكريم وأنا وضعتها في جيبي أصبحت مدخناً لا بأس القدس
وعمر ثم صلاح الدين لبيك لا تبتئس إلى حين هشام بن عبد الملك مسجداً يتسع لآلاف
المصلين إنه الأقصى في القدس من هنا صعد الرسول الكريم إلى العلا عاصمتهم إلى حين
ذيبه رأس دبوس لا يتوقف عن وخز جسدك تائه في شوارع ضيقة إنها شوارع القدس.
أوقفت فتاة جميلة فاروق. كلمته بلغة
لا يتقنها. ردد بعض الكلمات بالإنجليزية. أوهمها أنه قدم حديثاً إلى المدينة. وضعت
يدها في يده. إنها الآخر الذي نخشاه. أشار لنا بعينه أن غادرا. لم نفعل.
-هيا يا فاروق. صاح عبد الكريم.
التفتت إلينا. اكتشفت اللعبة. صاحت
بكلمات لا نعرفها. قفز فاروق هارباً. التحق بنا. حثثنا الخطى ثم توارينا عن
الأنظار.
-أيها الموبوؤون.. حسدتموني فهربت
فريستي.
-أو تعملها؟
-بالتأكيد.. صاح من الغيظ.
-يا ولد ابحث عن أصلك، فربما كنت
منهم.
-كنت أشبعتك ضرباً الآن.
-الحمد لله أنك ليس كذلك.
-ها قد حضرت الحافلة.
هذا آخر عهدي بالكرك. استلمت
الدنانير الثلاثة أما الرابع فقد انتهى مع أيام السجن. أول شيء فعلته: اشتريت حذاء
جديداً. لأول مرة اشتري حذاء. لقد رفض ذيب أن يشتري لي واحداً يوم قبلت في كلية
بير زيت. تحطمت القضبان وها أنت ذا وحدك، تملك قرارك. حقاً دنيا الله الواسعة.
الكرك. خطوات وتتكئ أقدامنا على أرضنا. لكن هذه الخطوات هي المستحيل بعينه. جاورت
محمود في طريقنا خارج السجن. لم يشتر شيئاً. ومن محطة الحافلات ركبنا في أول سيارة
ذاهبة إلى عمان.
سحرتني الطبيعة الجميلة، الوديان،
المرتفعات، الأرض بنية اللون.. أشجار كثيفة تغطي بعض الجبال، قمتها عارية كصلعة
عجوز أثقلت الشمس عليها فبدأت تلمع.
وحدك كل هذه الأرض ملكك السيد الآمر
الناهي الطريق إلى عمان طويلة أطلق السائق العنان لسيارته محمود في المقعد الأمامي
ربما يفكر في زوجته وأولاده وغادة بسمة الحياة وزهرتها ذيب جرح دام في الخاصرة
ماذا ستفعل التحق بقوات الثورة وإن عاكستك الظروف ابحث لك عن منحة دراسية كنت تحلم
بالجامعة وأنت في السجن كلية الطب وسماعة الطبيب مدلاة من أذنيك السيارة واللفافة
وغادة بجانبك والوطن هل ستبحث لك عن وطن جديد لا يمكن شراؤه وذيبه غصة في الحلق
وقلم الحبر الذي رفض أن يعطيه لك وأهداه لأختها مصيبة هو في البيت اتركيه لا تزيدي
عقده قال لها وكما ترين ها أنذا أعطي القلم الذي طلبه لأختك أخفيه عنه ولم يدر
أنني أسمع كل شيء وعندما خرج من الحجرة وجدني مكوماً أمامها محطم النفس مهترىْ
الأعصاب أنت هنا سألني ولم أجبه تاهت نفسي بين الأمل والضياع عمان تنتظرك وكيف
السبيل إلى الإلتقاء بغادة ستفعل هي الأيام التي تقرر عمان أمنية تتحقق على طريقة
القدر أبعدوك إليها وها أنت تحتضنها بذراعيك هي تفعل ذلك المنازل المتناثرة تلفت
النظر ماذا يعمل أصحابها في هذه الأرض المسحوقة ولم تسأل.
-ها نحن على مدخل عمان. قال السائق.
البدايات ليست مشجعة. عاصمة وهذا
مدخلها؟ انتظر حتى تغوص في قلب المدينة.. كيف كنت تتصورها؟ كما الأفلام؟؟ دائماً
تقبع في أحلامك.. حتى غادة.. جزء من هذه الأحلام. تريدها كما صورتها أحلامك.. هي
كذلك. تحدثها وكأنك في مشهد من فيلم.. سقطاتك مدوية. لحظة أن تركتها في المكتبة
وحدها. مرت أيام وأنت تجلد ذاتك بسياط الندم...
-غادة.. ما رأيك في رحلة إلى رام
الله؟
قلت لها على استحياء. غمرتني
الأحاسيس الناعمة. غلفت حروف كلماتي. يتردد صداها في داخلي، وأنا موزع بين الأمل
والعدمية. رجوت الأحلام أن تتحقق.. انتظرت.. أسقطت نظرة على الغيوم المضيئة. تنسل
منها قطرات الندى.
-هيا. قالت.
نظرت إلى مجموعة أشجار بالقرب منا.
أوراقها الخضراء تتكاثر. تجمعت العصافير فوقها. غردت بأعذب الألحان. أزهرت الورود.
الشعر الناعم المتساقط على الجبهة البرونزية ارتعش من السعادة. هيا.. هل كنت
مستعداً لذلك؟ أظنني. فقد على مصروفي الشهري من الكلية.. هيا.. يا نسمة رقيقة حركت
الحياة الراكدة في أجزائي.. هيا.. ما بعد البدايات... هيا.. الجرح النازف في النفس
الملتاعة بدأ يبرأ.. هيا.. لنبدأ من جديد.
جاورتها. تسللنا من باب الكلية.
انبثقت كوردة تتفتح. الدكتورة نهله.. نهله القدسي التي أضفت على محاضرات اللغة
نسمة من تلك التي تؤجج الأحاسيس.
-إلى أين؟!
انطلقت نغمات لحن تسحر المشاعر.
-إلى رام الله.
أجبنا معاً. بحسها المرهف كانت قد
أيقنت من حقيقة مشاعرنا. تميزنا في الفصل أفرد لنا مساحة رطبة في عقلها. تشعر
بمودتنا لها، ونحن كذلك.
-إني ذاهبة إلى هناك... أترافقانني؟!
عندما تتكاثف الغيوم، ينهمر المطر
بلا توقف. تصب.. تصب.. تصب مياهها بغزارة حتى ترتوي الأرض وتتشبع بالمياه. زهرة
تتفتح بين يدي، وأخرى تحتضنها. الحياة تتبسم.. إي والله إنها تبتسم. أنهل من
رحيقها أيها المتعطش أبداً للسعادة. أسبح في مياهها الدافئة. اترك مشاعرك تتحرك.
-ومن غير الدكتورة نهلة ينثر الورد
في طريقنا.
قلت، ولا أعرف من أين أتتني الجرأة
لأقول ما أقول. كما أن الكلمات تدفقت من بين شفتي بلا تردد. ابتسمت الدكتورة نهله،
وهكذا فعلت غادة. اقتربت من نافذة السيارة وغادة بجانبي. سبحت في أطياف من الرائحة
الزكية القادمة من الاثنتين. سحرتني اللحظة. ومنها التصقت بي الشجاعة والرقة معاً.
-إذن انتظرا دقائق حتى يحضر زوجي
ونذهب معاً.
-سنسير على الأقدام حتى تلحقا بنا.
-لا بأس.
ابتعدنا قليلاً. لمحتها وهي تغمرني
بنظراتها. تهت في أجوائها. انعدمت اللغة. تحدثت روحي.
-ها أنت ذا تقول كلاماً جميلاً.
قالت. أحسست بنظرات الإطراء في صوتها
فتاهت روحي. تجولت بين أحاسيسي. انعدمت الأشياء داخلي إلاّ صوتها. شعرها فاحم
السواد ينساب على كتفيها ويخفي جبهتها.
-أو تعتقدين إنني مملوء بالهموم
فقط؟!
-لم أكن أعرف أنك كتلة من الأحاسيس
والمشاعر.
كنت أشعر بها. وها هي تنتثر أمامي.
-اللحظة طاغية. أنستني ذاتي. أنت يا
غادة..
ثم صمت. كرهت أن أحول أفكاري إلى
كلمات. أرغب أن أتركها تتحدث وحدها. ظني أن غادة أحست بذلك.
-ها أنت تعود أنت.
فلسفة راقية هذه. أنت تعود أنت. رددت
كلماتها بصمت. استولت علي كلياً. استسلمت. ما أروع أن تستسلم لمن تحب!! تحولت إلى
كم هائل من الأحاسيس الغارقة في بحر هادئ من السعادة الشفافة.
-ذكاؤك سّر جمالك، ربما جمالك سّر
ذكائك.
-يا للروح الهائمة.
-أتجول في دنياك. لا ترهقني كثرة
الأزقة.
-مخبأ في داخلك أنت. وفي لحظة تنطلق
من ذاتك.
-أنت من يملك اللحظة.
-أحب..
توقفت بجانبنا. احتوانا المقعد
الخلفي للسيارة. صمت. غادة صمتت. الدكتورة وزوجها صمتا. كل شيء صامت. انسابت
السيارة في الطريق المنزلق من أعلى الجبل. الجمال كله تجسد في الطبيعة الجبلية
لبير زيت. كما أنه بجانبي وأمامي. ما أروع أن تحتضن الجبال بعينيك وأحاسيسك.
-ما رأيكما في زيارة قصيرة لمنزلنا؟
قالت الدكتورة نهله.
-وهي فرصة لنتحدث معاً. قال زوجها.
-لا نريد أن نتأخر كثيراً. قلت.
-إذن مرة أخرى. قالت الدكتورة.
نزلنا في وسط المدينة. التقت يدانا
فتشابكتا. هل مسكّ تيار كهربائي خفيف يدغدغ أجزاءك كلها؟ هذا حدث لي. تنقلنا من
شارع إلي آخر. تجولنا في عيون الناس ومعالم المدينة. تركت الصمت يتمدد بيننا. إنها
اللغة العذبة التي تعشقها النفس. تسلل الزمن رغم إرادتنا. مالت الشمس إلى الغروب.
تطاولت ظلال المنازل. لم نشعر بها. بالقرب من مطعم تائه في أحد الأزقة توقفنا.
-سندويشتان من الفلافل.
-وزجاجتا كوكاكولا. قالت غادة.
قابلتها على طاولة متواضعة. نظرت إلى
وجهها المكسو بغيوم توشك أن تلقي بأثقالها على الأرض. أعشق المطر والغيوم التي
تحمله.
-أما كان علينا أن نلبي دعوة
الدكتورة؟ غردت.
-وأترك هذه اللحظة تتدحرج من يدي.
-أوتعتبرها لحظة؟!
-وما العمر غير لحظات أنت هي.
-كنت أحس بما في عقلك.
-وأنا كنت أحس بذكائك، أستنشق عبيرك،
وأتيه في فضاء عينيك.
مرة أخرى تركنا الصمت يشاركنا. تركت
أفكاري تسبح في ثنايا ذكائها. تجرأت ومددت يدي تلمس الغيوم المتناثرة فوق جبينها.
أزحتها جانباً فاستدار القمر أمامي. تهت في أوديته. بدأت تهتز أطرافي. هذا الفضاء
كله لك. كم من الوقت مكثنا والصمت ثالثنا؟! أظنه طويلاً. لا رغبة لدي لأن أعرف.
أفقنا على صوت يطلب من الناس أن يلزموا منازلهم بعد ساعة.
-لحظتنا قاربت على نهايتها. قالت:
بدأت تحتضن كلماتي. تداخلت أفكاري
وأفكارها. يا لجمال اللغة. الصمت وحروف الكلمات وصوت ناي قادم من بعيد.. هي إذن
اللحظة التي تغرق فيها. عشقت هذا الغرق.
-توقف قسري. قلت:
-هي كذلك. قالت.
اصطحبت يدها. أصابعها بين يدي. قطرات
ندى تكثفت في صباح يوم بارد. تسللت البرودة إلى جسدي. تهت في هذه الدنيا. دنياي
بعيداً عن ذيبه. في لحظات كنا داخل حافلة في طريقنا إلى بير زيت.
ها هي عمان. مكفهرة ومحطمة الأوصال.
تتأوه من الألم والرغبة. ساكنة كطفل أنبته والدته عندما أخطأ. إنها تتعذب. دموعها
سالت على خديها فرسمت شوارع ضيقة تعج بالناس المهمومين. عمان الأمنية والانطلاق.
لا أراك مرحبة. لا تتسرع في الحكم عليها. إنها تظهر خلاف ما تبطن. الزهور تحتاج
للماء حتى تتفتح. لعلها في لحظة ولادة... بعدها تنطلق من جديد. إنها فاعلة. نزلنا
من السيارة. محمود وأنا وبعض الرفاق. وفي أحد المكاتب المنتشرة في خاصرة المدينة
صاحبنا رجل مرحباً بنا إلى فندق مجاور.
فندق الخيام. شاركني محمود النجار
الحجرة. نعم الرفقة. قلت: ما أن استقرينا داخلها حتى تخلصت من ملابسي. أخذت حماماً
دافئاً ثم استلقيت على السرير استسلمت لنوم عميق. ظني أن محمود فعل ذلك أيضاً.
vvv
عندما رأيته قادماً ازداد انكماشي في
ذاتي. تسللت من رأسها إلى أسفل، إلى الحصن المنيع الذي فيه لن تطالني يد. مع
تدافعي لامست أطرافي معظم أحشائها. تألمت وصرخت. هذا الصراخ وسط الدجى يثيرني
ويثيره. اختبأت في زاويتي المفضلة. هدأت حركتي. ضغطت جسدي لأحتل أضيق مساحة منها.
أردت أن أريحها وأريحه. بدأ الخوف الذي سببه لي يتسرب مني. نظراته الحانية عليها
وعلي أدخلت السكينة إلى نفسي. بدأت أتأمله من جديد. هذا الرجل قوي الشكيمة وصلب
الملامح يتحول إلى كتلة من الأحاسيس المرتجفة تنتشر في أرواحنا. هي وأنا. أحببته.
أحببت خوفه عليها. وهو في خوفه عليها كان حقاً خائفاً علي. يوسف الهلالي!! هذا من
سأدعوه أبي. كلمة انفلتت من بين شفتي كثيراً دون أن يسمعها هو. وعندما بدأت أطلقها
في الفضاء اللامنتهي، لم يسمعها هو. نسيتها.
-كيف حدث هذا؟ سألته.
-لا تستعجل الأحداث. انتظر.
يا لهذه الكلمة المنطلقة أبداً منه
ومنها. "انتظر!!" حياتهم كلها انتظار. قلت لنفسي. على أي حال سأنتظر.
لكنه أثار اهتمامي بقضية الأب. كيف نسي تلك الكلمة؟! الآن فقط بدأت أحس بمعاناته.
-حان الوقت وآن لك أن تنطلق. قالت:
رغم لهفتي على الخروج إلى المكان
الأوسع إلا أن الأمر هالني. سأتركها؟! ثم ماذا بعد؟! ستكون بجانبي. هذا ما قلته
لي. الفرصة أمامك الآن. انظر إليها من الداخل. إنها مفرودة أمامك وأنت حر الحركة.
فعلت. أول ما لفت انتباهي هو قلبها المملوء بالمحبة.
-كيف عرفت ذلك؟! سألته.
-مرة أخرى تعود للأسئلة التي لا
إجابة عليها. أنت تعرف أنني تحسست قلبها. لم أستطع أن أسبح داخله. لكنه بدا
صغيراً، وعندما لامسته بدأت جزيئات المحبة تنتثر حوله وتغمرني. حبالها الصوتية
التي دفعتها بإصبع قدمي دقيقة ومتناسقة. صوتها نغمة ساحرة سابحة بين الأرواح
الهائمة. أما عقلها، فمملوء بالأفكار الزاهية. لا يحمل تلك الأفكار الفاسدة التي
تملأ كثيراً من العقول المعطوبة. بشرتها من الداخل تميل إلى اللون البني. جدرانها
نحيلة وقوتها في نحولها. استغرقني التدقيق في داخلها وقتاً طويلاً، حتى أنني
تناسيت من حولها. تركتها مستلقية في فراشها وأخذت أنظر حولها. تلك المرأة النحيفة
يقولون أن اسمها سكيبه هي من سيتولى مهمة اقتلاعي من حصني وقذفي بين جمرات النار
لأخطو خطواتي الأولى في طريق عذابي. أما الهلالي الكبير فقد اقترب منها. انحنى
عليها. أمسك بيدها بين يديه. ويبدو أنه قدّر مدى آلامها، فتدفقت مشاعره.
-سعدى!
نظرت إليه نظرة خافتة، محبة وممتنة.
تسربت إليه، فازداد خفقان قلبه.
-الانتظار يا سعدى، أملي ألا يطول.
بعدها سترتاحين.
ماذا يعني هذا الهلالي الكبير؟! وهل
تنبأ بما قد يحدث؟! أبعد هذا الخاطر عنك. قال الكلمة بحنان زائد. ملأها بكل محبته
لها. كانت قوية وهو يحب القوة. طريقها مستقيمة وهو يحب الطريق المستقيم. ضغط على
يدها، فتسللت أحاسيسها إلى يده.
-يوسف..
رجعت من شرودي إليها. أجبتها بمحبة
تضاهي محبته لها. دارت بيدها حولي. ليس أنت يا قلبي. إنني أريد يوسف الكبير. هو
بجانبك ويمسك بيدك. قلت لها.
-يوسف.. نادته مرة أخرى.
-أنا بجانبك.
-عبيد في طريقه إلينا..
-تقصدين يوسف.
-سمه ما شئت، لكنني سأدعوه عبيد.
-نحن في انتظاره.
-هو أمانة في عنقك!!
يا رب السموات والأرض، هذه السعدى..
عرفت اسمها. ألم تسمعه يخاطبها؟! ما الذي تفكر هي فيه؟! أمانة في عنقه، وذيب يلبي
احتياجاتي.. وأنت يا سعدى، ماذا سيحدث لك؟! انتفضت من الفكرة الحزينة، تقافزت في
كل أنحائها، فصرخت صرخة قوية مدوية. انتفض لها الهلالي الكبير، فصرخ في سكيبه أن
تبدأ العمل.
-هيا اخرج. قالت سكيبه.
-لن أخرج. قال.
-لا تكن عنيداً.
خرج. خطواته تائهة، بطيئة ومتعرجة.
التفاتاته للخلف كانت أضعاف خطواته. وعندما وصل الباب أمسك به. استدار.
-سعدى.. الله معك ولن ينسانا.
تجاهلت سكيبه، وبقيت معها وحدي. تمددت
بقدر ما سمحت هي لي.
هذه هي بداية معرفتي بالاسترخاء.
أخذت عيناي وقتاً أطول مما اعتادتا لتنفضا جفونها وتدوران ببطء في ساحتيهما
الثلجيتين. أبقيت على جسدي مسترخياً في الفراش الوثير الذي داعب أطرافي للمرة
الأولى منذ سنوات. لا زال محمود نائماً. ربما مسترخياً مغمض الجفنين مثلي. مددت
يدي إلى علبة سجائري وسحبت لفافة أخذت أدخنها باستمتاع. لقد أصبحت مدخناً شرهاً.
أدخلت كماً من الدخان إلى رئتي.. أبقيته لحظة، ثم أطلقت سراحه ببطء. تابعته وهو
يتصاعد إلى سقف الحجرة. تأملت أفكاري!! ما أسهل انتقالها. تتقافز كضفدع حول بركة
من المياه الراكدة.
سجن رام الله الذي لم نمكث فيه سوى
أسابيع قليلة كان أفضل السجون بعدها إلى سجن نابلس المركزي كان إسطبلاً لخيول
الجنود الأتراك قال لي النابلسيون الذين التقيتهم فيه مازن العكر وحسين الحداد
وماهر نسيت اسم عائلته وكان هناك تيسير شاهين أيضاً ماذا حدث لكل هؤلاء الأصدقاء
لا أعرف كنت عنيداً أكره الاندلاق على الآخرين أدافع عن حقي بشراسة كان ذلك في
ليلة رمضانية وكنت أنا من سيحضّر طعام السحور لأفراد مجموعتي وكان سامر النابلسي
يحضّر لمجموعته حاول أن يأخذ دوري رفضت تيسير في مجموعتنا وماذا في ذلك دعني أستعمل
الموقد أولاً لا لن تفعل إنه تيسير ومن هذا التيسير صحا على صراخنا عرف القصة
أتركه أولاً قال لسامر ومنذ تلك الحادثة أصبح لا يرتاح لي وعندما نقلوني إلى حجرة
أخرى عتبت على تيسير لأنه لم يعترض أرسل لي قائلاً انتظر انتظرت وحفظ كلمته رجعت
إلى الحجرة ويوم زارنا ممثلو الصليب الأحمر طلب منا أن لا نتكلم معهم احتجاجاً
حاولت كسر القرار نهرني بشدة عرفت أن رفيقيّ عادل ومحمد طلبا من ممثلي الصليب
الأحمر ان ينقلوا زوارهم من غزة إلى نابلس ولم ينسني الرفيقان زيارته الأولى في
نابلس وكنت قد أوقفت سنة بدون محاكمة فلم تكن هناك قضية ضدي أخبرته بذلك لم يعلق
كان الألم يرتسم على وجهه أحسست به كانت هديته بعضاً من البرتقال خجلت أمام رفاقي
لكنهم قدروا ذلك مكثفاً عدة أشهر هناك ثم انتقلنا إلى سجن غزة كنا ثلاثة في سيارة
عسكرية وجندي حراسة في المقدمة أوثقوا أيدينا بسلاسل من الحديد ثم وضعوا عصابات
على أعيننا حتى لا نرى شيئاً وفي الطريق تجرأ عادل وأرخى العصابة عن عينيه همس
بصمت لا أحد هنا فعلت أنا مثله وكذلك محمد وأخذنا بمناظر بلدنا الجميلة الخضرة
مترامية الأطراف وفجأة توقفت السيارة ونزل جندي استدار بسرعة إلى الخلف فلحظ أن
عصابة عادل مدلاة أسفل عينيه فكان نصيبه عدة لطمات على وجهه أخذنا نضحك كثيراً بعد
أن تابعت السيارة سيرها لم نقتنع وأرخيت العصابة مرة أخرى فارتسمت مناظر بلادي
الجميلة في الذاكرة الحية.
-يوسف.
-صباح الخير يا محمود.
-صحوت مبكراً.
-لا أعتقد ذلك.
نزلنا إلى الطابق الأرضي من الفندق.
تناولنا طعام الإفطار معاً. ثم أخذنا ندخن ونرتشف القهوة بتلذذ. دخل رجل وسيم
وتكلم مع الموظف الجالس في الفندق. أشار إلينا فاتجه الرجل إلى حيث كنا.
-أهلاً بالرفاق.. قال.
-أهلاً بكم. أجبنا.
-أنا أبو صخر ومسؤول عنكم مؤقتاً.
-أهلاً بأبي صخر.
وفي مكتب للمنظمة على أطراف جبل
الجوفة قابلنا باقي المبعدين. اللقاء الأول خارج القضبان. شيء من الماضي يلتصق بك،
يشدك إليه وأنت بكل قواك تحاول الإفلات منه. ها هو مجسد أمامك، مرسوم على الوجوه.
-علينا مقابلة أبي نضال، فهو مسؤول
الداخل. قال محمود.
قلت لأقابله وبعدها أقرر ما سأفعل.
مستقبلي كله معلق في هذه اللحظة. وأبو نضال هذا كان معلمي في المرحلة الابتدائية.
حماسه كان طاغياً. أعرفه جيداً. أما نائبه أبو الرائد فهو أيضاً كان مدرساً في
المدرسة الثانوية بجباليا ومن سكان مخيمنا. اللقاء اللحظة، بعده ربما يتضح شيء من
الصورة. حان الوقت. حجرة مؤثثه جيداً نظرت إلى الاثنين عندما فتح الباب. يلبسان
جيداً. لا بأس إنهما ثائران. لكن لا يبدو عليهما غبار الثورة.
-يوسف الهلالي.
تقدمت. حارس بالباب. لا بد من الحذر.
فأنت في مكتب ثوار. تفحصني جيداً. غرز نظراته في جوانب شتى من جسدي.
-أجلس.
جلست.
-كم مكثت في السجن يا يوسف؟! سألني
أبو نضال.
-ثمانية عشر شهراً. قلت.
تمتم للحظات ثم.
-يكون المبلغ الذي سنقدمه لك مائة
وثمانين ديناراً.
-عشرة دنانير عن كل شهر. قال أبو
الرائد.
يا للثمن الرخيص. قلت لنفسي. كل شهر
بعشرة دنانير. لو كانت أيام المعاناة تحسب بهذه الطريقة لأصبحت من أصحاب الملايين.
كل شهر عشرة دنانير. ثم ماذا أعمل بعد ذلك؟ علي دخول السجن مرة أخرى لأحصل على
قوتي..
-وماذا أفعل بعد ذلك؟! حولت أفكاري
إلى كلمات.
-انتظر حتى نحصل لك على منحة دراسية.
قال أبو نضال.
هو مدرسي القديم ويعرف مقدرتي
العلمية.
يريد أن يرسلني في بعثة دراسية. وهل
من أجل ذلك أنا فعلت ما فعلت؟! ليكن ما يكون، ولنترك الأيام تقرر ما تريد.
-والتنظيم؟! سألت بلا روح.
-سننظم لك وضعاً. قال:
وبعد أيام صادفت أبا الرائد في
المكتب. أشار لي بعينه أن أتبعه. فعلت وبعد لحظات لحق بنا رجل طويل القامة وسيم
القسمات.
-هذا هو أبو خليل، مسؤولك التنظيمي.
رتب معه أوضاعك. ثم غادرنا.
-يا رفيق يوسف متى يلائمك حتى نجتمع
أسبوعياً؟
-لا عمل لي، فالوقت المناسب لك هو
مناسب لي.
-صباح كل يوم اثنين. أيناسبك؟!
-لا بأس.
ومرّ الأسبوع الأول، ثم ذهبت يوم
الاثنين صباحاً إلى منزله الذي وصفه لي. ولم أجده. قلت لعله في مهمة. وفي الاثنين
التالي خرج لي بملابس النوم. واعتذر أنه لم ينم. قلت في نفسي يا سبحان الله.. هذا
هو العمل وإلا فلا! لم ينم.. وماذا كنت تعمل طوال الليل. تمزقت كل أحلامي.. وحيد
مرة أخرى ولا قدرة لدي لعمل شيء. تتطاول القضبان أمامك. حاول أن تقتلعها!! كلما
اقتلعت أحدها برز مكانه اثنان. يا لقسوة الواقع. اتجهت أفكاري منحى آخر. لا فائدة
في مثل هؤلاء الناس.
-أليس ذاك الرجل هو الأستاذ عزيز
قدوره.
سألت عبد الكريم عندما مررنا أمام
المبنى الأمامي من معهد المعلمين برام الله.
-إنه هو.
ذهبنا إليه وسنوات المدرسة
الابتدائية تلاحقنا، فهو معلمنا في الصف الرابع والخامس الابتدائي.. وابن مخيمنا
وجار لنا.
-أستاذ عزيز.. وصافحناه بحرارة.
-ماذا تعملان هنا؟! سألنا.
-نحن في بعثة دراسية إلى بير زيت.
- لم أركما هنا.
-قلما نأتي إلى رام الله. قال عبد
الكريم.
جلسنا بجانبه نتذكر الأيام الحلوة في
مخيم جباليا قبل الاحتلال. إنها حقاً أيام حلوة رغم مرارة الفقر ووخزات ذيب وذيبه.
-سنغادر رام الله غداً فنحن في دورة
تعليمية انتهت هذا اليوم.
راقت لي الفكرة. وأظنها راقت كذلك
لعبد الكريم. وفي صباح يوم الجمعة كنا أمام المعهد بحقائبنا ننتظر قدوم الحافلة.
رحلة مجانية لا يمكن مقاومتها. حاولت غاده في مساء اليوم السابق أن تثنيني عن
المغادرة لكنها لم تفلح.
-اكتشفت فيك العناد.. صفة لا أحبها
كثيراً.
قالت بدلال.
-إنه ليس عناداً.
-ماذا تسميه إذاً؟!
-الإصرار على تحقيق الهدف.
زاد اتساع عينيها. تبسمت قسمات
وجهها، وأوشكت الغيوم السوداء أن تسقط منها على الأرض البرونزية.
-مهما كانت المصاعب!! سألتني.
-وإن كنت أملك تذليلها؟!
-لا بأس.
-هل من رسالة لأهلك؟!
-أشكرك.
كان هناك متسع لاثنين في الحافلة.
احتللنا المقعد المتوسط. كان أمامنا الأستاذ عزيز وبعض المدرسين الذين علمونا في
المدرسة الابتدائية. لم يعترض السائق. اخترقت الحافلة الشارع الرئيسي لرام الله
ومن ثم إلى القدس. مررنا بالقدس القديمة ثم الجديدة. الفرق واضح بينهما. وذلك
الطريق الذي كانوا يعملون فيه عند قدومنا إلى رام الله قبل ثلاثة أسابيع انتهوا منه.
يا لسرعة العمل.
-هل لاحظت؟!.. سألني عبد الكريم.
-وهل هذا يخفى على كل ذي عينين؟!
أجبت.
أشجار الخروب انتشرت على جانبي
الطريق. خضرة مترامية الأطراف. ما أجملها؟!
-هنا موقعة القسطل. أشار الأستاذ
عزيز إلى عربات عسكرية محترقة. هذه عرباتهم تركوها للذكرى.
يا الله حطمنا لهم عرباتهم ومع ذلك
حطموا لنا رؤوسنا وماذا فعلت سبعة جيوش عربية خرجنا كالنعاج المرعوبة ذيبه جرح لا
يندمل أيام وتعودون وطالت الأيام ولم نعد يا رازق الطير في السماء والسمك في البحر
أين نحن القسطل ما أجملها من بقعة لا مثيل لها والله تائه أنا بلا هويه وجباليا
مخيمك ودير سنيد الحقيقة الضائعة.
صحوت على صوت الأستاذ عزيز.. يا
هلالي.. يا هلالي.. هذه هي دير سنيد.. الصدمة التائهة.. دير سنيد.. هنا ركض والدك
خلف ذلك الرجل الذي سرقه. هنا زرع أخوك نايف أشجار التين والعنب. وهناك حلبت
والدتك بقرتها وبعدها ماتت حسرة عليها. وفي ذلك البستان أجلس عمك بعض اللصوص على
الشوك عقاباً لهم. دير سنيد! يا أملاً ضائعاً وحقيقة يصعب الوصول إليها.
-نحن في الطريق.. لكزني عبد الكريم.
-آه. نحن حقاً في الطريق. أظنه
طويلاً.
-المهم أننا في الطريق.
-نعم هذا هو المهم.
رجعت إلى الفندق الذي أعيش فيه مع
محمود بعد أن تحطمت أحلامي على باب مسئولي الذي لم ينم طيلة ليلة أمس. مضى شهر دون
أن أجلس معه جلسة عمل. وجدت محمود أمام الفندق يلعب الورق. جلست بجانبه، ثم شاركته
ورفاقه. دخنت كثيراً من اللفافات وأمضيت وقتاً طويلاً كان يجب أن أقضيه مع أبي
خليل. ثم حان وقت الغداء ذهبنا إلى مطعم مجاور.
-محمود.
-ما خطبك؟!
-أريد أن أرحل عن الفندق.
-إلى أين؟!
-نستأجر منزلاً.
-عين العقل.
-أوتشاركني؟!
-بالتأكيد.
وفي جبل المريخ وجدنا منزلاً
متواضعاً، استأجرناه بسرعة. اشترينا ما تيسر من الأثاث. بعد مدة انضم إلينا شخص
ثالث هو عاطف أبو ندى. عشنا حيناً من الدهر لا يعكر صفونا شيء.
بدأت الدراسة في مدارس الأردن.
اشتاقت نفسي إلى الكتاب، وبعد تفكير عميق، قررت أن ألتحق بأحد المدارس الثانوية
الخاصة في عمان. ولقد كان سهلاً أن نلتحق بها، عاطف أبو ندى وأنا.. لكن المشكلة
كانت الرسوم المدرسية.
ذهبنا معاً إلى مكتب منظمة التحرير.
تنقلنا من مكتب إلى آخر نسأل عن كيفية الحصول على رسوم المدرسة. مكثنا طويلاً.
تسلل اليأس إلينا.
-لا فائدة. قلت لعاطف.
-سنتدبر أمرنا. قال.
واستدارت رؤوسنا في الطريق للخروج من
دهيلز المكاتب المنتشرة في هذا المبنى الجديد. وعلى باب أحدها صاح أحدهم أن
انتظرا.
التفتنا إلى الداخل فأشار لنا رجل
يجلس على مقعد وثير أن أدخلا، فدخلنا.
-أنت ابن اسماعيل أبو ندى؟ وجه سؤاله
إلى عاطف.
-نعم.
-أهلاً بك. كيف حالك وحال والدك؟
وماذا تفعل هنا؟
-أنا مبعد. قال عاطف.
نظر الرجل إلي، فعرفت أنه يستجوبني.
-وأنا كذلك.. مبعد.
-ماذا تريدان؟
-نحاول الحصول على رسوم المدرسة
الثانوية.
-كم المبلغ؟
-أربعون ديناراً لكل منا.
أخرج ورقة من درج مكتبه. كتب عليها
شيئاً. ناولها لعاطف.
-اذهب إلى الصندوق.
لم نصدق أنفسنا. أخيراً وفي اللحظة
الميتة يتحقق الهدف؟!! صافحناه شاكرين، وفي طريقنا إلى الصندوق قرأنا معاً
"أصرف لحامليها مقدار خمسين ديناراً لكل منهم." هذه الآفة القذرة تعشش
هنا في مكاتب يجب أن تكون نظيفة. لو لم يتعرف على عاطف ووالده لما كنا حصلنا على
شيء. زاد من قناعتي بمتابعة دراستي.
استلمت العشر ليرات من محاسب الكلية.
هي كل ما أملك. ذهبت وغادة إلى رام الله، تلك الرحلة الغارقة في قاع الذاكرة. بعد
الرحلة أفلست تماماً. جلست في فناء الكلية شارداً أغوص في ذكرياتي وأحاول أن أتدبر
الأمر. فاجأني عبد الكريم وأنا أسلم ما أملك من نقود لذيب.
-أظن أن الهموم تداعبك؟! قال.
-هي كذلك.
-هل تملك نقوداً؟!
-أنفقتها مساء أمس.
-كيف؟
-ذهبت وغادة إلى رام الله.
ألقى بلفافة تبغ بين يدي وأشعلها لي.
-سأقرضك بعضاً منها.
-ومتى أسدد ما لك عندي؟!
-عندما تتخرج.
وهذه هي الأيام تأسرني بين قضبانها
ولم أتخرج. جهاد له عندي عدد من الليرات، وهكذا عبد الكريم. والدنانير تملئ جيبي
الآن. لن تمكث طويلاً، فهي تعرف كيف تتسرب إلى أيدي الآخرين. تراخت الفكرة في
رأسي. لن أدفع رسوم المدرسة ولن أدخلها. سأحتفظ بالنقود لنفسي. لماذا؟ لا أعرف..
كان محمود قد عاد مبكراً من أحد
معسكرات الثورة الذي بدأ يعمل فيه كفدائي متفرغ. جهز طعام الغداء وأخذ يدخن
منتظراً وصولنا. تفحصنا جيداً ونحن ندخل. لاحظ أساريرنا المنبسطة.
-قليلاً ما أراك هكذا!! قال مبتسماً.
-هي إذن الثورة التي تحافظ على
أبنائها.
آه لو تعرف كيف حصلنا عليها!! ربما
تغير وجهة نظرك. هذا الرجل المنصهر مع قضيته. عميقة أفكاره، لا بد من الأخطاء في
هكذا عمل. قال ذات مرة عندما بدأنا نعدد الأخطاء. خطأ عن خطأ يفرق. ربما حساسيتي
الزائدة تضخم لي الأخطاء. لم أرد أن أنزل وأفكاره إلى أسفل السلم. "هي الخلاص
مما نحن فيه". قال مرة أخرى. وهي فعلاً كذلك. لكن العفن يتسلل إليها.
وجبة شهية تلك التي تناولناها معاً.
الفاصولياء البيضاء التي عشقتها منذ بدأت أتذوق الطعام. لا نشتريها، لكنا نحصل
عليها من وكالة الغوث. ومحمود ماهر في الطبخ. استلقى كل منا على سريره. وعصر ذلك
اليوم صحونا مبكراً. ذهب محمود إلى قاعدته وبقينا أنا وعاطف ندخن اللفائف ونشرب
الشاي.
-سأذهب إلى منزل قريب لي. قال عاطف.
-رافقتك السلامة.
أوترافقني؟! سألني.
-لا رغبة لي في المغادرة.
تركني وذهب. ها أنت ذا تذوب في ذاتك
مرة أخرى قل مرات أعشق هذه الوحدة دروبها متنوعة أسرح وذاتي في دنيا الله لا ذيبه
تنغص عيشتي ولا ذيب يسلبك نقودك لا ينتقدك أحد تملك كل ما تريد وتتمتع بما تريد
تتوه النفس في ثنايا الأزقة المتشعبة وأنت تحلم وتحلم وتحقق آمالك بعيداً عن
القضبان لكنها لا تلبث أن تعود قاسية مغروزة في أرض صلبة ولا قدره لديك على
اقتلاعها أذكرها جيداً كما أنت الآن وحيداً تجلس بجانب سياج أحد المنازل المقذوفة
في طرف المخيم مسلوب الإرادة تتألم أمعاؤك من فراغها تحاكي الطعام البعيد عن
متناول يدك لن تسمح لك ذيبه بتناول شيء منه إلا وقت الغداء ولقد أبطئ الزمن سيره
امتدت يدك إلى قطعة جلدية ملقاة بجانبك تحسستها طرية قلبتها بين يديك مرت بجانبك
امرأة بدوية لا بد وأنها تفحصتك جيداً وقرأت ما يدور في عقلك "كلها"
قالت بخشونة لو أنها تؤكل لفعلت لم أتكلم "كلها" قالت مرة أخرى حرقت
الشمس قدمي. انحسر الظل عني. لأذهب إلى منزل أخي الآخر كانوا يتناولون طعام الغداء
عدس مطبوخ لكنه شهي.
-تعال شاركنا يا يوسف. قال ابن أخي.
لم تطاوعني نفسي أن أشاركهم، ففقرهم
يضاهي حرماني.
-لا رغبة لدي للطعام. قلت وأمعائي
تجأر من وخزات الألم.
-يا رجل!
وبعد لحظات انتهوا من تناول غدائهم.
بقي بعض منه. اندفعت إليه. قذفته لتلك الأمعاء الهائجة راجياً أن يكون كافياً
لإسكاتها.
-لقد دعوناك ورفضت.
-لم تكن لدي رغبة، لكني كرهت أن تبقى
بقايا الطعام في الإناء. وواقع الحال أنني رغبت عن تناول شيء سأحرمهم منه.
حشرت جسدي في قميص وسروال جديدين.
سرحت شعري ودسست علبة لفائف في جيب قميصي وخرجت. لم يكن لدي هدف محدد. فقط أريد أن
أمارس وحدتي بين الناس وفي شوارع عمان. قادتني قدماي إلى مكتب الجبهة. لم أقاوم
رغبتها في الذهاب إلى هناك. أترك لها حرية القرار. ألغي عقلي. ليتني تعلمت كيف
أدوس على قرار قدميّ. وصلت إلى هناك. مجموعة من الرفاق مكومة في أحد الحجرات. جلست
بينهم. الحارس أحد المبعدين وهو يعرفني جيداً. كان رفيقاً لي في أحد السجون. لم أرتح
لنظراته. "ربما هاجت عليه ذكرى زوجته وأولاده، فتجهمت أساريره "قلت في
نفسي وتابعت حديثي مع أحدهم.
-من لا عمل له فليغادر المكتب. قال
بصوت جهوري غاضب.
لم أحرك ساكناً. لكنني غرست نظراتي
في وجهه. أظنها اخترقته ووصلت إلى مركز تفكيره.
-أنت يا يوسف لا عمل لك!
لكمة مفاجئة في الوجه. اهانه صريحة
أمام الجميع. كيف سترد عليه؟! لم أترك له فرصة الاستمتاع بإهانتي. جاءه صوتي
مدوياً.
-هذا مكتب الثورة.. وأنا ابن الثورة.
يحق لي أن أحضر هنا وقتما أشاء.. إنه ليس مكتباً لأبيك. أتفهم؟! كنت على استعداد
لأن أهاجمه لولا أن ردّني الرفاق.
تماماً كما كنت تنفجر في ذيبه عندما
لا تترك لك خياراً غير ذلك. كنت تريد أن تصلح سروالاً لك. أخرجت كرسياً من حجرة
أخيك. جلست عليه وفي يدك السروال. بحثت عن إبرة تخيط بها لم تجد. ذهبت إلى منزل
خالتك تسأل عن واحدة. أعطتك إياها وعندما عدت وجدت السروال ملقى على الأرض والكرسي
اختفى من المكان. انفجرت أطرافك من الغيط. توقف تفكيرك. تحكمت به للحظات.
"أين الكرسي؟" سألت. كان سؤالك موجهاً لا لأحد. قال أخوك إن لا يستعمله
أحد. انفجرت. يا بنت الكلب. من أعطاك الحق في ذلك؟! أيها اللعين أخرج من بيتي! أنه
ليس بيتك! هو بيت أبي.. أبوك شبع موتاً. "أيتها اللئيمة. أحضري الكرسي وإلا.
أوتضربني؟! وأضرب أباك أيضاً.. هجم الجيران على منزلنا. لقد كانت أصداء معاركنا
تزور كل منزل في محيطنا هجمت خالتي، وعندما عرفت السبب اشتاطت غضباً "أعطه
الكرسي يا بنت الكلب.. والله إنك حيوانه "إنهال عليها الجيران بالتقريع. كانت
دموعي تنساب بسخاء على وجنتي..
-إنا لا أحاول طردك من المكتب.. قال
الحارس.
-إذن ما معنى كلامك هذا؟! ولماذا
توجهه لي؟! صرخت به.
وفي هذه الأثناء حضر تيسير شاهين.
أعرفه. وأعرف أنه لا يرتاح لي منذ تلك الحادثة في سجن نابلس.
-يا رفيق تيسير.. ألا يحق لي أن أدخل
المكتب؟!
-من قال هذا؟!
-اسأل الحارس.
-أبو حسن. صرخ في الحارس. لا يحق لك
أن تتكلم مع أي من الرفاق بهذا الشكل، أتفهم؟!
-أمرك يا رفيق..
شعرت أنه أنصفني ولم يتخل عني تماماً
كما حدث في سجن نابلس يوم أن أرجعني إلى الحجرة التي كان مسجوناً فيها. ارتفعت
معنوياتي.. شعرت أن هناك بصيصاً من الأمل. انتهزت الفرصة لأشكو له حال وضعي
التنظيمي.
-يا رفيق تيسير ها أنذا ملقى هنا في
عمان منذ شهر ولا وضع تنظيمي لي.
-أبو ماهر. صاح تيسير. ما هو وضع
يوسف التنظيمي؟
-انظر إلى ذلك القميص الذي يرتديه،
إنه من الجبهة. وله وضع تنظيمي مع أبي خليل.
يا رافع الغيوم ومسقط المطر يا من
صنعت تلك الغيوم فوق الجبهة البرونزية لغاده، القميص دليل الثورة؟! لم يخطر ذلك
ببالي. ربما كان ساهراً معه تلك الليلة التي لم ينم فيها أبو خليل ولم يستطع
استقبالي.
-ولكن أبو خليل هذا لم يكن عنده
الوقت الكافي لاستقبالي. قلت والمرارة والألم تلازمان كل حرف من كلماتي.
-لا بد وأن يكون له وضع تنظيمي. قال
تيسير.
-جئتك في أمر مهم. قلت.
لامست الغيوم المحملة بالرائحة
الفواحة الجبهة الندية. تراقصت عيناها في أفكاري. أيقنت أن الأمر مهم.
-وأنا في انتظار ذلك الأمر المهم.
قالت.
سرنا في شارع تحتضنه الأشجار من
الجانبين. صمتنا للحظات. توقفنا أمام شجرة كثيفة الأوراق والأغصان. إنها شجرة
باسقة. على أحد أغصانها وقف عصفوران تأملناهما معاً. رأساهما متجاوران. لحظات
ويستديران. ذيلاهما متجاوران. تأملناهما معاً. رأساهما متجاوران. لحظات ويستديران.
ذيلاهما متجاوران. لحظات ويعودان إلى الوضع الأول.
-ما أجملها. قالت.
سمعنا تغريدهما. صوت عود لعازف يجلس
أمامك. انسابت النغمات، اخترقت النسمات الخريفية الباردة، وصلتنا ونحن غارقان في
عبق الرائحة المتسللة من مكان العصفورين.
-يتناجيان. قالت.
وضعت إصبعي على شفتيها محاولاً أن
أقول لها أن تصمت. صمتت. سكن الصمت الفضاء. آتانا صوتهما من جديد. توقفت حركتهما.
طارا معاً. تابعنا سيرنا.
-ما رأيك في ما يحدث الآن؟! سألتها.
-هي الحياة.. تحافظ على جنسها.
-في البلد.
-هي الأمل.
-هل لديك استعداد للمساهمية في صنع الأمل؟!
ألقيت بيدها في أحضان يدي. ضغطت عليها، استسلمت لي. احتضنتني أفكارها. إذن نحن
معاً في صنع الأمل. زمردة تسير بجانبي. وردة تتفتح بفعل الندى. يتكاثف على
الوريقات الحمراء. أبحث عن الجذور لتعرف سرّ تلك الوريقات التي هي الوردة.
-أوتتحملين المخاطر؟ سألت!
-أوتتحملها أنت؟ أجابت بسؤال.
-إذن نحن على الطريق.
-طويلة هي.
-لكننا نسير ونحث الخطى.
vvv
ماء ساخن وسكيبه وإحدى خالاتي
والهلالي الكبير يصحبه ذيب وذيبه كلهم تجمعوا في الحجرة الضيقة أصلاً. ازدحام وخوف
وقلق تكاثف في أنحاء الحجرة. توترت الأجواء. صحت دليلة من نومها. دخلت الحجرة
مرتجفة. ما الذي يحدث لأمي؟ احتضنتها خالتي وطمأنتها. كنت أنظر إليهم. جميلة هذه
الدليلة. بكاؤها كان صادقاً. تسألني عنها. معك كل الحق. إنها أختي. سيكون لها دور
في تشكيل حياتي. اصمت!!
-هيا اخرجوا جميعاً. صاحت سكيبه.
امتثلوا للأمر. بقيت خالتي ممسكة بيد
والدتي تحنو عليها وتشجعها. تشجعي يا سعدى. كانت تقول، ثم تتمتم بأشياء لم أفهمها،
عرفت فيما بعد أنها أدعية وآيات من القرآن الكريم. تمردت دليلة. أرادت أن تبقى في
الحجرة بجانب والدتها. نهرها الهلالي الكبير. أطلق عليها نظرة نارية من عينيه الواسعتين.
ارتجفت. توقفت الكلمات بين شفتيها. انكمشت على ذاتها. اصفر وجهها. تباطأت خطواتها.
سحبت نفسها إلى الخارج. لا تستغرب تأثير نظراته عليها. يقولون أنه ذات مرة صوب
نظرته الحارقة تلك إلى ذيبه، فبالت على نفسها. لا. لا أبالغ. هذه حقيقة معروفة
عنه، يعرفها القاصي والداني في دير سنيد وبيت لاهيا. كنت أتحاشى نظراته. في زاويتي
كنت أرقبهم جميعاً. سكوني الآني أغراهم بأن الأمور هادئة. توددت إليها. حرقتني
قطرات العرق المتصببة منها. كما أن سكيبه بعينها الخبيرة عرفت عندما رأت كمية
العرق النازفة منها أن الأمور ليست على ما يرام.
-كيف عرفت؟ قاطعته.
-ها أنت ذا تعود الآن وتسألني عما
استنكرته مني فيما مضى. كان الماء يتسرب منها ثم يختفي، قل لي أين يذهب؟
اقتربت سكيبه منها. تسللت يدها عبر
والدتي. رمقتها بحذر. أسرعت في الهروب منها. يدها دقيقة وصغيرة، طاردتني. أمسكت
أحد قدميّ. رفستها بالأخرى. تألمنا جميعاً وأخذنا نصرخ. هي وسكيبه وأنا.
-إنه مشاكس. رأسه إلى أعلى وقدماه
إلى أسفل. وهذه مشكلة.
-إنه ولد قالت والدتي.
-كيف عرفت؟ سألت خالتي.
-هو من قال لي.
صمت الجميع. ظناً أن والدتي تهذي.
أراحك الله يا سعدى. انطلقت خالتي بالدعاء والتمتمة. استفزني شعورهم نحو والدتي.
تظنان أنني جن. اكتأبت هي. أسرعت إليها. أنا منكم، أشبهكم، لا تخافي. قلت لها.
-كن مطيعاً وانزلق بيسر. قالت.
-لا أود أن أغادرك!
-لكنك ستفعل إن الآن أو بعد حين. ألم
أقل لك أنك ستقتلني إن أنت تحامقت وبقيت حيث أنت.
-إن كان لا مفر، فأود أن أنزلق وحدي.
-لا تستطيع.
امتدت يد سكيبه مرة أخرى. كانت قوة
غريبة تدفع رأسي إلى أسفل. فشلت كل محاولاتي في المقاومة. أصبحت قدماي إلى أعلى
ورأسي في طريقه للخروج. أمسكته سكيبه. جذبتني. تشبثت بأجزائها. تراجعت سحبت يدها.
-عنيد. لازال هناك متسع من الوقت.
-حاولي مرة أخرى. قالت خالتي برجاء.
تحولت إليها. سألتها عن الماء الساخن
الذي أحضرته ذيبه. هل ستسلقني به؟ قلت بانشداه. ابتسمت إنها لي وليست لك. وهل
ستسلقك بها؟ قلت بانشداه أكثر لا، كن عاقلاً. وكنت حقاً عاقلاً. فبعد أن غادرتني،
أحضر لي ذيب قميصاً جديداً. أظنه من البالة. طلب من ذيبه أن تحممني. وعندما تكوم
جسدي في ساحة البيت عارياً كما أنا الآن، دلقت على ذيبه كمية من الماء المغلي.
هربت صارخاً. اندفع ذيب يستطلع الأمر. وعندما عرف الحقيقة، انهال عليها بالتوبيخ
والضرب. رجعت إليها. أصغيت لها، الهلالي ينتظرك. سيسعد بقدومك. لا تغادرنا بسرعة
كما فعل الآخرون. قالت بحنان. يا لها من أم حنون. لو كان القدر يستسلم لي لبقيت
وأبقيت عليك. بدأت أطرافها ترتخي. ضغطت دقات قلبها. تسرب الماء من مكمني. ارتعبت.
وصلني صوتها ضعيفاً ومتألماً.
-هي النهاية.
لا. صرخت من أعماقي. إنها ليست كذلك.
-بل هي كذلك! قالت بلوعة.
سأغادرك، حتى وأن عصتني نفسي. أرجوك
لا تتركيني. أنا في طريقي إليك. انتظري. أنت وعدت. صرخت على سكيبه أن ساعديني كي
أخرج. استجابت. امتدت يدها الدقيقة إلى رأسي. تركته لها. لم أقاوم ولن أفعل.
-إنه يستسلم لي. قالت سكيبه.
-ساعديه. قالت خالتي.
-أنا قادم. صرخت ودفعت نفسي
باتجاههم.
إنه الخريف. تخلت الأوراق عن
أشجارها، فروع جرداء تخترق الفضاء. تحط العصافير على تلك الأغصان. لا تجد ما تبحث
عنه. تغرد حزينة ثم تغادر. حريتها هي الحياة. تذهب أينما تشاء كما أفعل أنا مع
أفكاري. عمان أيضاً جرداء حزينة. ملتاعة. الخريف زادها كآبة. شوارعها مزدحمة.
الوجوه متجهمة. منزلنا في جبل المريخ يترنح من الألم والأمل. غادره محمود مبكراً.
يعتصر نفسه ليرتق الخروق المتناثرة في جسد ترهل مبكراً. يشكو لي أحياناً. وأسأله،
هل من أمل؟! لن أفقده أبداً. كان يجيب. صحوت مبكراً ولم أجده في فراشه. تسللت إلى
الصالة ممنياً النفس أن أجده جالساً هناك يدخن لفافة ويرتشف القهوة. لم أجده. نظرت
إلى الباب، أيقنت أنه خرج. صنعت لنفسي فنجاناً من القهوة وأخذت أدخن باستمتاع صحا
عاطف فشاركني جلستي صامتاً. وفجأة انفجر الرصاص.
-يأتي صوته من بعيد. علق عاطف.
-إنه كذلك. قلت.
ثم سكنت الفكرة رأسي. محمود خرج
مبكراً هل كان على علم بذلك. يأتي صوت الرصاص من موقعه. يا الله. كان يتوقع شيئاً.
وها هو هذا الشيء يحدث. نظرت إلى عاطف فوجدته ساهماً مفكراً. أو يفكر بمثل ما أفكر
فيه؟! انتبه لنظرتي. حول عينيه إلى وجهي.
-أو يكون وسط ذلك الرصاص المتطاير؟!
سألني.
-هذا ما أفكر فيه.
وبسرعة اندسسنا في ملابسنا. تركنا
فناجين القهوة نصف مملوءة. هرولنا مسرعين نحو المعسكر. غادر الناس الشوارع التجؤوا
إلى منازلهم. أنه الخريف. والطيور أيضاً غادرت الأشجار. "عودا إلى
المنزل؟!" أتانا صوت من لا مكان. "ستصطدم رأساكما ببعض الرصاصات
التائهة." محمود وسط الرصاص ولا بد من الوصول إليه. تجهم وجهي. قرأني عاطف.
-أبعد هذه السوداوية عنك يا يوسف.
كيف؟! أحس بالكارثة قبل أن تحدث. كنت
أنظر إلى وجه ذيبه فأعرف إن كنت سأقضي لحظتي بسلام أم بهيجان يحطم النفس والأفكار.
وها هي الأحاسيس السوداء تغزوني. محمود. له زوجة وأولاد في غزة.. ينتظرونه أو هو
ينتظرهم. طار عصفور بعد أن مكث دقائق على فرع شجرة جرداء. طار عالياً. تابعته
بعيني حتى اختفى في الفضاء الواسع الغارق في المجهول. ومحمود!! أسرعنا الخطى. على
باب المعسكر حاول الحارس منعنا من الدخول. جادلناه لحظات ثم سمح لنا. نظرت إلى
السماء. لم أشاهد العصفور. طار مبتعداً عن مكان لم يجد غايته فيه. محمود.. أين
أنت؟! صرخت من اللوعة والألم. محمود.. هم في انتظارك. إنه شهيد قال أحدهم. هو
كذلك، لكنه.. ماذا أقول رصاصة أتت من بعيد. استقرت في الرأس المهمومة بالأفكار
الثائرة.
إنه يصارع الموت. يرفض أن يتناول
شيئاً من الطعام. أبو الفحم. ذلك الاسم الثاقب. مضى عدد من الأيام ونحن مضربون عن
الطعام. كان ذلك في سجن عسقلان. مجاوراً لحجرتنا كان. مصاب في معركة القوا عليه
القبض أثناءها. عملياته أنهكت قواهم. الشتاء بأمطاره الغزيرة، غيومه تحجب ضوء
الشمس. العصافير ترفرف فوق الأشجار التي بدأت تخضّر. لا زال صامداً. أدخلوا
أنبوباً مطاطياً إلى معدته. دلقوا فيها بعضاً من الحليب. أصيبت المعدة. بدأت
تنزف.. ومحمد الأسود ملقى في ركن حجرتنا.. انعدمت حركته. مضرب عن الطعام.. حضر
جندي يرافقه أحد المسجونين لاغتصاب ملابسنا القذرة. رفض محمد الأسود النهوض. اقترب
منه الجندي. صرخ فيه محمود. كلب ابن كلب.. والله سأحطم رأسك. فرّ الجندي هارباً.
إنه سجن عسقلان. ماذا حدث؟! تكوم الحزن في أنحاء السجن.. الطيور تتزاحم على
الأشجار الخضراء، وفي هيجانها عندما فاجأها أحدهم ببندقيته كتمت أنفاس أحدها. لقد
سقط. دماؤه داخله. لم تندلق قطرة واحدة إلى الخارج.. أبو الفحم.. وداعاً.. قاتل
كثيراً وتألم كثيراً وصمد كثيراً.
استلمت رزمة من المنشورات. لا بد من
توزيعها في أنحاء متفرقة من رام الله وبير زيت، وأن أمكن القدس. رام الله تسكنها
الآن نجمة متلألئة تسبح في اتجاهنا. سرت في الطريق إلى معهد المعلمات. مخبأة في
ثنايا معطف لبسته متعمداً. الشتاء ببرده القارص في رام الله لا يلفت الانتباه لما
تحمله على جسدك. قابلتها في نصف الطريق. ألقت الغيوم قليلاً من حملها على الأرض.
لمحتني من بعيد. أسرعت الخطى وفعلت هي. تلاقينا. سكنت يدها يدي. احتضنتها بعينيّ.
غاصت في دفء أفكاري واستسلمت لسكينتها.
-لم أرك منذ مدة. قالت.
-كنت رفيقاً لك أثناءها.
-أعلم ذلك..
-حقاً؟!
-لا تستغرب...
تابعنا سيرنا في ذلك الشارع المطوق
بالأشجار. أسراب من الطيور تحط على الأشجار المورقة. تغرد بأعذب الألحان. وتغرد هي
صامتة. باحت عيونها ببعض أسرارها، فذبت في رحيقها.
-هل من جديد؟! سألتني.
-دائماً هناك جديد. قلت.
-ما هو؟!
ضغطت على يدها، فذاب الندى المتكاثف
على أصابعها بين أصابعي. أحسست به. طوفان من المشاعر المغردة طاف أنحائي. كما
العصافير، أسرارها في أصواتها، قابلتنا سيارة عسكرية. حملق الجنود في وجهينا..
تملكنا الخوف. .أحمل ما لا تحمد عقباه إن اكتشف. تجاوزتنا لا مبالية.
-ارتعشت من الخوف. علقت.
-أرعبتني الفكرة.. قلت.
-أية فكرة؟!
-أن يوقفونا..
-وماذا في ذلك؟!
جلسنا في مقهى جانبي. بدأنا نرتشف
القهوة بتلذذ. أخرجت لفافة.. أشعلتها ببطء. وعندما أرجعت علبة لفائفي مكانها،
أخرجت رزمة المنشورات ووضعتها على الطاولة بلا اهتمام.
-ما هذا؟! سألت.
-الفكرة التي أرعبتني. قلت.
سحبت حقيبة يدها.. تحسستها.. لحظت
غضباً مكتوماً في عينيها. وضعت الرزمة فيها وأغلقتها. نظرت إلى عينيها مرة أخرى.
احتلت الدهشة مكان الغضب. تركتها لحظات.
-إنها منشورات.. وعليك توزيعها. قلت.
-في معهد المعلمات؟! قالت.
-في أي مكان.
ودعتها وفي النفس غصة. تابعتها وهي
تعود إلى معهد المعلمات. خطواتها واثقة. غابت النجمة بين الغيوم المتناثرة، وكان
عليّ أن أعود إلى بير زيت.
نزلنا من الحافلة. غزة مرة أخرى. لم
نعتد الغياب عنها كثيراً. كان ينقصنا فاروق. اعتذر عن مرافقتنا.
-أين المستقبلون؟ سألني عبد الكريم
مازحاً.
-إنها زيارة مفاجئة. وتم إذاعة النبأ
متأخراً.
أخذنا سيارة إلى مخيم جباليا. لم
يتغير شيء. زاد تجهم الوجوه. تكاثر الأطفال في الشوارع. كانت المفاجأة لذيب وذيبه.
انشرحت أساريره لرؤيتي. أويحبني؟! ما هذا السؤال؟ سألت نفسي!! أليس هو أخي؟! سعدت
أنا لرؤيته. وصافحتني ذيبه مبتسمة. إنها أيضاً تحبني. اعتادت على مناوشاتها معي،
فأصبحت لا تستغني عني. وأنا اعتدت على مشاكساتها. لقد صبغت حياتي بلون لا لون له.
وها هي أمامي مبتسمة مرحبة.
-أهلاً بك.. ولكن..
لم أتركه يكمل، فأنا أعرفه.
-إجازة قصيرة نعود بعدها إلى بير
زيت.
استراحت أفكارها.. هدأت مخاوفه، ربما
انتابته هواجس من نوع آخر.. الفلوس، فأنا في ترحالي احتاج إليها.. في تلك اللحظة
لم تخطر على باله. لكنه يستطيع أن يتدارك الأمور. لم أمكث كثيراً عندهم. تركت
أشيائي وذهبت إلى منزل عبد الكريم، والدته تحبني لأنني صديق ابنها، ووالده كذلك.
-لم أعتد مثل ذلك العشاء. قلت..
-أنت في منزل أبي العبد..
-أنا حقاً في منزله.
-أوتنام عندي؟!
-لا أظن.
وفي المنزل نهرني أخي لأنني لم أقبّل
يد خالي الذي حضر للسلام علي. لثمتها معتذراً لسهوي عن فعل ذلك. دارت أحاديث لم
أفهم معظمها. كنت متعباً وما أن خرج الجميع حتى استلقيت على فراشي القديم ونمت
نوماً عميقاً.
منتصف الليل ولا قدره لدي على إغلاق
جفوني.. ومن أين للجفون المقرحة أن تغلق. جرح آخر يغوص في الخاصرة. دارت فناجين
القهوة المرة التي عملتها جارة لنا على الحضور. كثير عددهم. الذي يعرفه والذي
يعرفنا حضر للعزاء فيه. كان محبوباً من قبل الجميع تقدمنا ساعة من زمن اليوم
الثاني . تفرق بعضهم ، وآخرون آثروا أن يبقوا معنا. انتحى كل منهم جانباً وحاول أن
ينام. سحبت مخدتي ووضعتها تحت رأسي وتمددت على الأرض المغطاة بحصيرة جديدة. دفعت
جفني لتتلاقيا مع رفيقيهما. بقيت عيناي يقظتين. جافاني النوم. رجوته!! ازداد
عناداً.
-سنرحل من هذا المنزل. قلت لعاطف.
-سنفعل.
-وأشياؤه؟!
-سنسلمها لهم.
-هذا أفضل.
-سأحتفظ ببعض من كتبه. قال عاطف.
-لك هذا. قلت.
وفي الصباح كان الرفاق كلهم قد صحوا
مبكراً. وبعد دقائق تفرقوا.. حملنا أشياءه وذهبنا إلى معسكره. وهناك تركناها
وبدأنا نبحث عن منزل جديد.
تركت حرية الاختيار لعاطف. القيت
أشيائي في الحجرة التي تركها لي. أصبحت وحيداً كما الماضي. أحبها. التصقت بي ومن
العار أن أهرب منها. رغبت عن التمدد فوق السرير وفضلت عليه الأرض. تذكرني بماضي.
حركة عاطف في المنزل الجديد لا تقلقني.. يحب النظام والنظافة. طاقه هائلة لديه
للعمل. أغلق باب حجرتي فأبعدت عن العالم كله...
لا أحد يكتشف مواهبك أنت لا تساعدهم
على ذلك صحفياً أم طبيباً لا مدرساً ربما مهندساً تتوزع خياراتك فتفقد التركيز
تائه أنت وفي المدرسة تحاول أن تلفت انتباه مدرسيك نهرك أحدهم قائلاً لا تثرثر
كثيراً كرهت الكلام تصمت عندما يجب أن تتكلم وغالباً تفعل العكس وفاروق دائماً إلى
جانبك تفوقت عليه مرة وتفوق عليك مرات تحبه أنه يحبك أيضاً وعندما فاجأك وأنت جالس
أمام المنزل رجوته ألا يحرجك لكنه فعل دخل المنزل ورجوت ذيبه أن تعد بعضاً من
الطعام ولقد كانت كريمة كنت على وفاق معها وتبخر الإحراج في الهواء عندما دعاك
فاروق لمشاركته إحدى معاركه لم تتردد يعشق صباح تلك الفتاة الجميلة يقول لك إنها
تحبه وهي كذلك ولقد كانت معركة صعبة مع أقاربها كان فاروق بطلاً وكنت أنت تساعده
كما قصص الأفلام تماماً وفي المدرسة عندما وصلتهم الشكوى أراد الضابط أن يعاقبك
أعجب بك الرقيب فطلب منك أن تكون في شرطة المدرسة وافقت ولكنك لم تحصل على شاردة
الشرطي مثقوب أخذها منك وعندما قلت لمدرس الفيزياء إنه مثقوب طلب من الطلاب
الانصراف وأبقى عليك هل ثقبته سألك لا ولكن الآخرين فعلوا أمتأكد أنت سألني نعم
بعدها أصبحا أصدقاء هل ثقبه المدرس لا أدري تخاصمت وعبد الكريم الذي صادقته حديثاً
تباعدتما ولو لا بداية الحرب لما تم التقارب بينكما عندما بدأت الحرب كنت في غزة
تحاول مساعدة قريبة لك تقدم امتحانات الاعدادية كنت مشهوراً بذكائك وتقدمك في
المدرسة تركتها وذهبت إلى جباليا للمشاركة في المعركة إحدى سقطاتك القاتلة لامك
الكثيرون على فعلتك تلك ذهبت إلى زوجة أخيك وأعطيتها ساعة يدك قائلاً لها هي لأختي
إن استشهدت وذهبت مع جمع كثير إلى مركز الشرطة للحصول على السلاح رفضوا ورأيت
الجنود عائدين إلى المنازل ماذا حدث لقد تم إسقاط طائرة وأسر قائدها قلت للجميع هل
رأيته بعينيك سألت عبد الكريم نعم قلت كاذباً تتحداه ثم بدأت الصداقة مرة أخرى
أقوى وأكثر نضجاً.
أزيز الرصاص أطاح بأفكارك. قفزت من
الفراش واقفاً. اندفع عاطف إلى الداخل. غزير هذا الرصاص صاح عاطف.. الوضع صعب ولا
يحتمل الانتظار. نظرت إليه، علامات القلق تسكن وجهه، احتل الخوف أفكارنا. لا نريد
أن نموت مكومين في حجرة كالنعاج. وعاطف هذا لا انتماء له. والده مختار في غزة.
أبعدته سلطات الاحتلال نكاية في والده. كاد أن يحترق ذات مرة عندما نام ومصباح من
الكيروسين بجانبه. حاول معه. علك تنجح في جذبه للوقوف معنا.
-عاطف.
-نعم.
-هل سنموت هنا؟
-وماذا بمقدورنا أن نفعل؟!
أجبته بالعمل. لبست ملابسي، وفعل هو
ذلك ثم خرجنا من المنزل مسرعين. حاولنا أن نتجنب الشوارع المكشوفة خوفاً من رصاص
القناصة. الوصول إلى المكتب أخذ وقتاً إضافياً. وصلنا بسلام، لكن إطلاق الرصاص
تضاعف. دخلنا المكتب وإذ بأبي نضال في الداخل. هادئ. الأفكار الصلبة تنطلق من
عينيه.
-ماذا تريدان؟ سأل بصرامة.
-سنقاتل معكم.
تبدلت ملامحه. سكنت السخرية عينيه.
تجهم. غضب. ظننت أنه عاتب علينا لأننا تأخرنا. غيرت رأيي في لحظة. غاضب لأننا
فاجأناه.
-أهي فزعة؟! تحمل نبوتاً وتجهم!
يا إمبراطور الثورة التائه! خناقة
ونبوت وهجوم.. أوتمنعنا حقنا في الدفاع عن أنفسنا.. قصف رعد مصحوب ببرق خاطف ثم
تنهال الأمطار بغزارة. وأنت عار أمام منزلك، ستغرقك الأمطار والرجل لا يحب
"الفزعات" ولا النبابيت. ذهلت. أهون علي أن أغرق في بحر مالحة مياهه على
أن أغوص في الماء الآسن. نبوت. لم أنطق.. الرد المفاجأة أخرسني. خجلت من نفسي ومن
عاطف. نبوت وهجوم. ونحن الذين نحتاج إلى دفعة للأمام. هناك من يشدك للوراء.
-اذهبا إلى المنزل ولا تغادراه.
تقيح الجرح. أبو خليل سهر طيلة الليل
ولم يكن في مقدوره الاجتماع معنا. وهذا يريد أن يحطم النبوت. ونحن نغرق في الماء
الآسن. اذهبا إلى المنزل. حكم بالغرق ونحن لا نريد إلا السباحة. دوامة في بحر
هائج، نقاتل من أجل التخلص منها. ينهرك!! يقصف أمانيك. نبوت وفزعة!! نزل بك أدنى
درجات السلم. لا عاش من استسلم لهذه عقول. خرجنا. الرصاص ينطلق من لا مكان.
-هذه هي ثورتك؟! قال عاطف ساخراً.
ربما زادت مرارته أن من كلمناه هو من
الصف القيادي الأول.
-لا بأس.
-ماذا تعني؟!
-هيا بنا.
-إلى أين؟
-إلى قريب لي في جبل الجوفة. إنه
قائد عسكري وأظنه لن يبخل علينا بالسلاح.
جاراني عاطف ربما ليعمق الجرح ويزيده
تقيحاً. دعوت الله أن نحقق ما نريد. وصلنا جبل الجوفة واتجهنا إلى مقر القيادة.
أوقفنا الحارس عند البوابة.
-ماذا تريدان؟! سألنا.
-أبا الهيثم.
-من أنتما؟
-قل له يوسف الهلالي.
دخلنا سلاحه بجانبه. متوثب كفهد
يتأهب للانقضاض على غزال في مرمى البصر. نظر إلينا. ابتسم قليلاً.
-أوفي هذه اللحظة؟
-والعمر لحظات هذه إحداها.
-الموقف لا يدعو إلى كل ذلك.
-كرهنا أن نموت في المنزل بلا حول
ولا قوة.
-لن يصل الوضع إلى هذا السوء.
-هذا ما فكرنا فيه.
أمر لكل منا ببندقية. المرة الأولى
التي أحمل فيها رشاشاً في عمان وأظنها كذلك بالنسبة لعاطف. ألقى درساً في كيفية
إطلاق الرصاص ثم أرسل معنا من يوصلنا إلى موقع متقدم لحماية مركز القيادة. وهناك
مكثفاً الليل بطوله ولم نطلق رصاصة واحدة. رغم كثافة الرصاص إلا أنه لم يكن قريباً
منا. كنا نسمعه بوضوح وكأنه بجانبنا. ومضت الليلة بسلام.
وفي اليوم التالي التقيت عبد الكريم
صباحاً. تحدثنا كثيراً وزرنا بعض الرفاق. كنت أنوي الذهاب إلى المنزل. لم يكن
باستطاعتي أن أدعوه إلى الغداء ويعرف هو ذلك.
-ما رأيك لو زرنا الأستاذ خطار؟!
والأستاذ خطار هذا مدرس الجغرافيا في
المدرسة الثانوية للبنات. كان قد تعرف على عبد الكريم بعد إلقاء القبض على أفراد
التنظيم بفعل أحد المثقوبين. كنا صغار السن مقارنة مع أولئك الذين ألقوا القبض
عليهم. تلقفنا ذلك الضال لإلهائنا عما كنا نحن بصدده.
-لا بأس.
-سنذهب بعد صلاة العصر.
-وهو كذلك.
في المساء عملت ذيبه بعض سندويشات
الفلافل حملت إحداها إلى عبد الكريم وذهبنا إلى بيت لاهيا لمقابلة الأستاذ خطار.
لم يكن في المنزل فأرسل له والده من يستدعيه. وعندما أصبحنا في الداخل قال لي عبد
الكريم بأن لا أتحدث عما حدث معنا في رام الله.
-أهلاً.. أهلاً بالرفاق.
دخل مرحباً باشاً ومبتسماً. ارتحنا
لمقابلته. المرة الأولى التي أقابله فيها. عبد الكريم يعرفه منذ بضعة أشهر.
صافحناه وجلسنا نتحدث حتى حضرت فناجين الشاي. أخذنا ندخن.
-هناك فتاة جميلة لعوب. قال خطار.
-أوتعلمها؟! سأل عبد الكريم.
-لا ولكني أراها وأنا في الطريق إلى
المدرسة.
ومضت ساعة أو أكثر، ربما أقل وهو
يتحدث عن النساء. ثم حضر العشاء وأمضينا وقتاً آخر في تناوله.
-ماذا عن العمل؟! سألت.
-إذا تم إلقاء القبض عليها، سيسألونك
عن تاريخ حياتك. يجب أن تكون حذراً وتختار من وقائع حياتك ما يستر سرك.
وتكلم كثيراً عن أسلوب التحقيق في
المخابرات مرشداً عن كيفية التعامل معهم ومحذراً من الوقوع في شباكهم.
-نحن لا نسأل عن ذلك!! قال عبد
الكريم.
-عن ماذا إذن؟! سأل خطار.
-عن العمل المسلح!
فاجأناه.. لا.. توقع هو ذلك.. ولقد
أعد نفسه جيداً لمثل هذا السؤال.
-هل استمعتم إلى صوت سوريا الجديد؟!
-وماذا في هذا؟! سأل عبد الكريم.
-إنها محطة تجريبية، وصوت أم كلثوم
يصدح عبرها طيلة النهار.
-ثم؟!
-ثم سيرسلون لنا تعليماتهم خلالها
عندما يتم افتتاحها وتنظيم برامجها.
غادرنا بيت لاهيا بعد صلاة العشاء،
أيقنت أن هذا المدرس لن يقودنا إلى ما نطمح إليه. وربما يمثل أشياء أخرى. صارحت
عبد الكريم بما يدور في عقلي. صادق على صحة أفكاري.
-إذاً ما العمل؟ سألته.
-ننساه.. نحن لم نتورط معه في شيء
يمكن أن يديننا.
-إذن لننسه. هل يعرف إسمي؟! سألت.
-لست متأكداً. مع أنني لم أبح له بأي
من الأسماء التي كانت تشارك في التنظيم السابق.
المطر خير من يحمي المستجيرين به.
لكنه حرمنا من متعة التدخين. ونحن لا نحتاجها في ذلك الوقت. لم يرافقنا خليل.
فاروق، عبد الكريم وأنا. كان وصف المكان دقيقاً. وصلنا إلى المغارة وكأننا نعرفها
منذ زمن. عبرت نظراتنا الأفق، لا أحد يراقبنا رذاذ المطر المتساقط انساب على
وجوهنا تاركاً أخاديداً من المياه الجارية. البرد يمكن احتماله. لكن الانتظار فلا.
-أو يكون هذا هو المكان؟ سألت.
-لا يبدو ذلك. قال فاروق.
-لننتظر لحظات. قال عبد الكريم.
وأطلق فاروق صفيراً مستعملاً يديه
وشفتيه. ثوان وأتانا صفير مماثلاً. إذن وصلنا تقدمنا بحذر. عبرنا مدخل المغارة.
العتمة تسود المكان. تسلل الخوف إلينا.
-هذا المكان كان يستعمله اللصوص في
الماضي. قال فاروق.
-لنرجع. أقترح عبد الكريم.
وعندما درنا على أعقابنا برز أحدهم
ومعه مصباح يدوي.
-أيها الرفاق.
تقدمنا ملثم. وجوهنا مكشوفة. لم
يسألنا عن أسمائنا. ولم نسأله نحن.
-معهد المعلمين؟! سأل.
-نعم. قلنا.
-إذاً أهلاً بكم.
وفي الداخل كان هناك متسع لنا
جميعاً. افترشنا الأرض وبعد دقائق حضر أحدهم، ملثماً مثل الأول. قدم لنا الشاي
الذي ارتشفناه برغبة زائدة. دخنا السجائر. عرضوا علينا مجموعة من الأسلحة الرشاشة
وبعض القنابل. وبدأ الذي قابلنا أولاً شرح مكوناتها. بدأنا نجرب تفكيكها. طال الدرس
لأكثر من ساعتين بعد استراحة قصيرة غادرنا المكان على أن نلتقي مرة أخرى في وقت
يتم تحديده.
-لقد بدأ العمل. علقت.
-هي الطريق. قال عبد الكريم.
-طويلة. قال فاروق.
-لا بأس من المسافة إذا كان الهدف
نبيلاً.
تفرقنا. فاروق ذهب إلى قلنديا وذهبت
وعبد الكريم إلى بير زيت.
اعتذرنا عن دعوة أبي الهيثم لتناول
طعام الإفطار. سلمنا أسلحتنا وغادرنا إلى منزلنا. توقف إطلاق الرصاص وعاد الناس
إلى أشغالهم. اعتادت عمان على هذه الأعمال. تمطر السماء رصاصاً. تصطدم وبعض
الرؤوس. يسقط أصحابها إما جرحى أو قتلى.. يتأزم الموقف. تقفر المدينة. تغادرها
الطيور، ثم يعود كل شيء هادئاً كما كان.
ألقيت جسدي على السرير هذه المرة
وحاولت أن أنام. غالبته طويلاً ولكني انتصرت عليه. لم أنم. خرجت من الحجرة فوجدت
عاطف يتناول شيئاً من الطعام. شاركته ودلقت كأس شاي ساخن إلى معدتي. عدت مرة أخرى
إلى السرير. صارعت النوم دقائق فصرعني. نمت بعمق.
بيت هادئ في قرية بعيدة. أشجار التين
والجميز منتثرة في المكان. دالية محملة بعناقيد العنب تتسلق شجرة جميز عالية
الأفرع. أتوه بينها. أحرسها، أجلس تحت إحداها. أقطف حبة تين على وشك أن تغادر
فرعها. مذاقها رائع. وفجأة تنتشلني يد قاسية صلبة. تمسك بي من رقبتي تتدلى يداي
وقدماي بلا حول وبلا قوة. انعدم صوتي من الخوف فلم أصرخ. حاولت أن أنظر إلى الوجه
الذي يحملني بكل هذه القوة. رأيت ملامح غليظة، وأسناناً بارزة كأنها مخالب ذئب
مفترس. رموش عين طويلة، ولساناً تدلى. غليظ مدبب. إنس أم جان هذا الذي يحملني؟ حل
الرعب محل دمائي التي تحجرت. طار بي بعيداً. ضغط على رقبتي حتى كاد أن يفصلها عن
جسدي. ولو فعل لما سالت قطرة دم واحدة. هوة عميقة تلك التي كان يحملني فوقها. لم
يحررني من قبضة يده، لكنها أبقاني فيها بكل قوته.
هويت. هويت.. تلقفني شخص لا أعرفه.
مربوع القامة أسمر الجبهة بهي الملامح. ارتحت في كفة يده. صعد بي عالياً. وضعني
على حافة الهوة العميقة. كن حذراً مرة أخرى. قال لي. حاولت أن أتبين ملامحه، لكنني
لم أستطع. حاول آخر دفعني إلى الهوة مرة أخرى.. تمسكت ببقايا جذع شجرة مهترئة.
صرخت.. صرخت..
دخل عاطف الحجرة مرتعباً. أرى العرق
يتصبب من جسدي. أحضر لي الماء..
-ماذا حدث؟
-لا بد وأنه كابوس.
-ولا ترتعب.. إنهض.
نهضت. كان الوقت مساءً. لا بد وأنني
نمت طويلاً والليل طويل ولا عمل لدينا لنمضي فيه وقتنا.
-ما رأيك في جولة في قلب عمان؟
-لا بأس.
وفي صباح يوم الأحد، العطلة الرسمية
في كلية بيرزيت بالإضافة ليوم الجمعة،
خرجت مبكراً. كانت ذيبه تحمل حقيبة ملابسي فوق رأسها. إنني أحبها عندما تكون هادئة
ويغادرها الحقد وشهوة الانتقام. وأمام منزل خالي صادفتنا امرأة جميلة يحكون كثيراً
عن أخلاقها غير السوية. تمنيتها طويلاً، لكني كنت طفلاً لا يستحق أن تجازف من
أجله.
-أذاهب للعمل؟ سألت المرأة الرغبة.
-لا.. إنه ذاهب إلى الجامعة.
ألم أقل لك إنني لم أعد ذلك الطفل..
لو تركتني أرتوي من ذلك الماء العذب؟! ها أنا ذا في الجامعة كما قالت ذيبه. نظرت
إلي بإعجاب.. تدفقت رغبتي من عيني. لمحتها. وظني أنها عرفت مقدار حرماني. ربما
تمنيت أن تحقق لي إحدى رغباتي المكبوتة. لكن لا المكان ولا الزمان يسمحان بذلك.
اخترقتها بنظراتي. أصابتها شظايا من نار ملتهبة داخلي. تلقفتها صامتة. ربما رغبت
في منحي بعضاً من ثناياها!! ندمت على ما فات، فغادرت المكان. وصل عبد الكريم من
منزله. شكرت ذيبه وحملت حقيبتي وجاورته في طريقنا إلى محطة الحافلات.
vvv
يتسلل الألم بين ثنايا الأمل. ينشل
الفكر وتصطدم بالحقيقة المرة. لا زال صدى صرخاتها يخترق أذني. بذلت جهداً متعاظماً
حتى أقيها وخزات الألم. لم أنجح. جرفتني المياه المتسربة منها. دفعت نفسي لأسفل،
وساعدتني سكيبه. تملصت من حبالي وقيودي. وفي منتصف الطريق، حين تحقق الأمل ورأيت
وجهها صرخاتها ضعيفة. من يصرخ لا ينام قلت لنفسي. لماذا تغلق عينيها؟ نظرت إلى
خالتي. هالني ما رأيت. امرأة وقور حالمة. تكثف الحب والود في وجهها الجميل. صورة طبق
الأصل من وجه أمي. لا زالت تتمتم.
-إنه في طريقه إليك يا سعدى. قالت
خالتي.
فتحت عينيها. التقت وعيناي. حملتهما
واخترقت الجدران الصماء. شجرة التوت الكبيرة المجاورة لمنزلنا، بدأت تورق! تخضر!
خضرة كثيفة! تدفق التوت منها بلا انقطاع! أما شجرة التفاح المجاورة، فقد ازدهرت
وامتلأت بحبات التفاح وردية اللون! سرب عصافير حط على الشجرتين. أخذت تنطلق منها
أصوات جميلة، لكنها حزينة. سحرني النغم. واصلت استمتاعي بألحانها. سهوت. اندفعت
بقوة هائلة إلى الأمام. أصبحت خارج الجدران. مع اندفاعي اندفع منها سيل من الصرخات
الضعيفة الواهنة. صرخاتها الأخيرة!
-ماذا قلت؟ سألته.
-صرخاتها الأخيرة.
-ما الذي حدث؟!
انزلقت من بين يدي سكيبه. رفعتني من
قدمي إلى أعلى. تدلت رأسي. ألقت براحة يدها على ظهري مرات عدة. صرخت خائفاً من
أيامي وإحباطاتي القادمة. تعلقت عيونهم بي. تناسوا والدتي. أدنتني سكيبه منها.
رفعت يديها ببطء لتحتضنني. سقطت بجانبها. طوقتني بذراعيها. غمرتني أشياؤها: دفؤها،
حبها، حنانها، خوفها، ألمها، آمالها، صمتها، أفكارها، أنفاسها، وجسدها، تحسستها،
ارتاحت نفسي. تباطأت أنفاسها. ضعف قلبها. أغمضت عينيها. تراخت يديها. انفلت منها.
-أوكنت عارياً أمامهم؟! سألته
مستنكراً.
-لا صبر لديك. أما وقد أثرت الموضوع،
فسأحدثك عما جرى لي في سجن نابلس. كنا أكثر من أربعين سجيناً في الحجرة الواحدة.
كنا نستحم مرة واحدة بالماء الساخن كل أسبوع. نذهب إلى الحمامات، وهناك نتخلى عن
ملابسنا طواعية، كما الآن. كل اثنين منا يدخلان حماماً واحداً. دخلت معه أقفلنا
الباب. استدار أمامي. تصاعدت أنفاسي. خلفه كنت عارياً. أفكاري الهائجة ملأت
الحمام، طلب مني أن أنظفه. امتدت يدي مرتجفة. أغمضت عيني. أغرتني نفسي. بصقت عليها
بعد أن استمعت قليلاً لها. افعل، صاحت. تجاهلتها. وعندما تابعت إصرارها، ركلتها
هربت من الحمام. انفلت من ذاتي. عدت إليها.
-أمي.
لم تجب لوعة حارقة اخترقت عقلي. وخزة
ألم في القلب. سعدى لم تعد سعدى. أصبحت جسداً، أمي، أين أنت؟ لم أسمع صوتها. تحسست
أنفاسها، لم أجدها. أمي. لم تجب. غارت الشمس التي تسللت من شق بالباب. تساقطت
أوراق شجرتي التوت والتفاح. طار سرب العصافير. انعدمت الأشياء صرخت سكيبه تبعتها
خالتي بالصراخ. اقتربت منهم بهلع. سعدى. لم تجب والدتي.
شبق الموت الغادر. يد القدر التي لا
راد لها. غدر الأيام. حطام الأحلام. انتهاء الزمان. لوعة الفراق. عذاب السنين
القادمة. يا سعدى! يا أمي! كيف يهون عليك فراقي؟ لمن تتركينني؟ لمخالب الزمن
الحادة؟ غصن وسط الأشواك. انسابت دموعي على وجهها. انتفضت. الانتفاضة الأخيرة.
سعدى. لم تجب والدتي. عصارة الحرمان في حلق لم يتذوق إلا مرارة الأيام. بين أشجار
الصبار ألقتني، تلسعني الأشواك ويحرقني جمر الحرمان. يا سعدى! أما كان في الإمكان
أن تصحبيني معك، أو أن أصحبك معي؟ سعدى. لم تجب والدتي. تائه في بداية الطريق. لا
مرشد ولا دليل يصحبني في رحلتي الطويلة القاسية. أو يهون عليك من حملته شهوراً
طويلة في أحشائك؟ لمن تقذفينه؟ انعدمت الآمال. عبيد أو يوسف، هو ملقى في خريف
الأيام، أيامه كلها خريفية. سعدى. لم تجب والدتي.
-لماذا تركتها تمضي؟ سألته ببلاهة.
لو استطعت لقاتلت الوهم. بل أنني
قالته. هزمني. سيف يلمع في الفضاء. يسقط فوق رأسي. حمتني هي. تمسكت بها. انفلتت
مني. مضت. ابتعدت. تبعتها. صرخت أن أبتعد. كنت عنيداً وكانت هي أكثر عناداً.
ابتعد، هذا مكان لم يحن الوقت بعد كي تتبعني إليه. ابتعد، فما زال أمامك طريق
طويل. مملوء بالحرمان والعذاب واللوعة يا سعدى! وداعاً سعدى!
عند الخط الفاصل بين ما كان ملكنا في
الماضي وما أصبح ملكاً لهم ونحن معه الآن أوقفونا. أمرنا الجنود أن ننزل من
الحافلة. فعلنا. تفحصنا أحدهم.
-إلى أين؟ سألنا.
إلى كلية بير زيت
-أنتم طلبة إذاً؟!
-نعم.
-لماذا لا تدرسون في الخارج؟ سأل.
قفزت دهشتنا من الداخل وتأبطت
عيوننا. أدرك هو ذلك. ربما كان يقصده. تركنا ودهشتنا لحظات. راقبنا مستمتعاً.
-ألا تعرفون كيف تدرسون في الخارج؟1
-كيف؟!
-أخرجا خارج مباني الكلية وستدرسون
في الخارج.
أطلق ضحكة عالية، ثم أمر الجميع بأن
يدخلوا الحافلة لم يقم بتفتيشنا كما هي عادتهم.
بكل هذه البساطة أدخلوا السيارة وهيا
إلى أماكنكم ربما يكون أستاذ جامعة فهم أيضاً يخدمون في الاحتياط ندرس في الخارج خارج
سور الكلية أين منه ذلك الشرطي آشر عندما كنا في سجن غزة بعد أن نقلوني من
الزنزانة إلى حجرات السجن وفي إحداها كنا واحداً وعشرين سجيناً في سن متقاربة يدخل
علينا آشر هذا صائحاً عدد وجهك للحائط ويبدأ بضربنا على مؤخراتنا بعصاه الغليظة
وعندما أراد أن يمارس هوايته تلك أمسكه من رقبته سجين كان قد أضافوه إلى حجرتنا في
الليلة السابقة مقطوعة يده ويكبرنا في السن لن أتركه إلا أمام مدير السجن كيف تدخل
حجرتنا ثم أخذ يصرخ باسم المدير وذلك الشرطي يرجوه ألا يفعل ثم طبع أصابعه الخمسة
على وجه الشرطي وأطلق سراحه لم يعد إلى ممارسة هوايته تلك أخرجوا خارج الأسوار
تدرسون في الخارج وذيبه كانت دائماً ترسلني لأدرس في الخارج خارج المنزل وفاروق
يشاركني في مهمتي الخارجية هذه ذكاؤه متوحش يقرأ صفحة العلوم ثم يطلب مني أن
أسمعها له غيباً غداً عندما تزهو الحياة سأكون طبيباً أو مهندساً ربما مدرساً
وساتزوج ومن غيرها تتسلل داخلك تحتويها بأفكارك وهي حقيقة أمامك والعمل والاحتلال
سأعمل وسأعيش حياتي لا لا لن يلقوا القبض عليك أوهام تائهة في صحراء الحياة.
كان أول من قابلنا بعد أن وصلنا بير
زيت فاروق ومعه غاده. رأيتهما فترنحت أساريري. لمحتنا فلحظت بسمة ترتسم أسفل
الغيمة الهادئة. نظرت إلى عبد الكريم فابتسم.
-لن يسرقها منك!
-لا يستطيع.
-وسامته تساعده!
-روابطنا أوثق من أن تؤثر فيها
الوسامة.
أخذنا بالأحضان. تسللت يدي إلى يدها
فاهتزت أجزائي. لمحني فاروق.
-كيف لدميم مثلك أن يأسر كل هذا
الجمال؟!
جرح قديم اندمل ولا أمل في تقيحه. ها
هو ذا يحاول. اعتدت على مشاكساته. سددت إليه نظرة نارية. كانت تطلب منه أن يصمت
ويحتفظ بوقاحته لنفسه، وليدلقها في مكان آخر.
-لا تبتنس، فهذا القمر يحتاج إلى
دميم مثلك يحفظه من نظرات الحسد.
تابع بفظاظة محبوبة. نظرت إليه غادة
مشدوهة من جرأته ووقاحته. وعندما لمحت ابتسامتي أيقنت إن ما بيننا أقوى من عوامل
التحلل كلها.
-أما آن لهذه الوقاحة أن تندثر؟!
علقت.
-هي في دمائه ولن تزول. قال عبد
الكريم.
-أراد أن يخدع الأخرى مدعياً أنه
منهم. قلت.
-كادت أن تفتك به لولا أن أطلق ساقيه
للريح.
-تكاثرتم علي. لو أني معكم لما
فعلتما بي ما تفعلانه الآن. قال فاروق.
كانت غادة صامتة وتراقبنا بانبهار.
علاقتنا معاً خلقت لديها الرغبة في متابعة المعركة الدائرة بالألسن بيننا. وعندما
أحست بأن لحظة الهدوء قادمة، أرادت أن تثيرنا من جديد.
-هل تحدث معها؟! سألت.
-تكلم بإنجليزية مكسرة وصدقته هي
للحظات.
-وعندما اكتشفته هرب كأرنب مرعوب.
قالت.
أثارته.
-كيف لك أن تصادقي مثل هذا
الدراكولا؟!
-إنه إنسان. قالت.
أشعلنا اللفائف فقد كنا بعيدين عن
مدخل الكلية. كان فاروق قد حضر لزيارتنا معتقداً أننا سنصل مبكراً وعندما طال
انتظاره أوصلته غاده إلى محطة الحافلات وفي منتصف الطريق تلاقينا.
-كيف عرفتها أيها الشيطان؟ سأل عبد
الكريم.
-تنجذب الفراشات دائماً إلى ضوء
القمر. قال فاروق.
-يظن أنه فراشة هذا الضبع الكاسر.
قلت.
-إنها مسكونة ولا مكان لك أيها
اللئيم. قال عبد الكريم.
-أوتظنني قليل الأصل؟! ربما أكون
وقحاً، ولكني أحفظ ود الأصدقاء. فكيف وأنت من الأحباب؟!
-ثقتي فيك لن تتزعزع. قلت.
ألقينا حقائبنا في حجرتنا وخرجنا
لهم. كانت غاده تتحدث مع فاروق وظني أني كنت محور الحديث. ذهبنا إلى خارج مبنى
الكلية نحمل معنا بعضاً من الطعام الذي أحضرناه من غزة. افترشنا الأرض وفرد فاروق
بعضاً من أوراق مجلة كان يحملها وضعنا الطعام عليها وبدأنا نتناوله باستمتاع.
وفي مخيم جرش جلسنا في منزل قريب لنا
نتناول طعام الغداء. رغم فقر صاحب البيت إلا أن الوجبة لم تخل من لحم الدجاج. عرفت
فيما بعد بعد أن أبا الهيثم هو من أرسله لهم.
قمت بزيارة لمنزل أبي الهيثم في مساء
يوم خريفي، وعندما فتحت لي زوجته الباب قالت إنه في مخيم جرش حيث نقل إلى هناك.
ودعتها وانصرفت بعد أن اعتذرت عن عدم الدخول. قررت أن أزوره، فأنا لم أر هذا
المخيم الذي أقيم بعد الحرب مباشرة ليؤوي النازحين من غزة. فضل عاطف زيارة أقارب
له في عمان فذهبت وحدي.
أخذني أحدهم إلى منزل في وسط المخيم.
إنه مقر للمنظمة. وجدت أبا الهيثم في حجرة وأمامه امرأة تشتكي من أن جاراً لهم
حاول الاعتداء عليها.
-متى حدث ذلك؟!
-في منتصف الليل. أجابت.
-ما الذي دعاه لفعل ما فعل؟!
-لا أدري.
-هل أوحيت له بذلك؟!
-لا.
-هو قال ذلك.
-لكنني لم أقله.
خرجت المرأة ودخل الشاب الذي حاول
الاعتداء عليها. هناك بعض الكدمات في وجهه لقد تم ضربه ولكنني لا أعرف إن كان في
المكتب أم في منزل المرأة.
-لماذا حاولت الاعتداء عليها؟ سأله
أبو الهيثم.
-هي من واعدتني.
-إذن لماذا تشتكي عليك؟!
-لأن زوجها لمحني.
-هل لك علاقة معها سابقاً؟!
-نعم.
-لا تقترب منها ولا من منزلها. فاهم.
-حاضر.
بعد أن خرج الرجل ذهب أبو الهيثم إلى
حيث كانت المرأة. مكث دقائق طويلة ثم عاد معتذراً.
-هل تقومون بعمل الشرطة هنا؟!
-نحاول أن نحل مشاكلهم.
-لكنها ليست مهمتكم!!
-من قال ذلك؟!
-ها أنذا أقوله.
نظر إلي وكأنه يقول ومن أنت لتقول ما
تقول. نقاتل ونستشهد وأنت تقول ما لا يجب أن يقال.
-نحاول أن نؤطر حياتنا.
-ولكن الشرطة هي من يحفظ النظام.
-أين هي الشرطة؟!
-موجودة..
-انتهت.
والشرطة في قطاع غزة انتهت مع بداية
الاحتلال. لكنهم طلبوا أن تتابع الشرطة عملها تحت إشرافهم. لم يتدخلوا في عملهم.
كان الأمن مستتباً رغم وجود قوات الاحتلال. ربما امتنع الناس عن خلق المشاكل لأنهم
أحسوا بأن هناك مشكلة أكبر يجب حلها.
كنت وعبد الكريم في طريقنا إلى منزل
فاروق في بيت لاهيا. صادفنا شرطيين عربيين يركبان الخيل، على رؤوسهم قبعات تحمل
النجمة السداسية. كرهت أن أراها على رؤوسهم.
-أليس في الإمكان تنحية هذا الشعار؟
سألت بصوت مرتفع.
-والله لا نستطيع. قالا وتابعا
سيرهما.
لكزني عبد الكريم أن أصمت قال:
-يا رجل ضاعت الأرض وانهزمت الجيوش
وتطلب ممن لا حول لهم ولا قوة أن يرفعوا الشعار الذي فوق رؤوسهم إنهم مجبرون.
-أعرف هذا ولكني كرهت أن أراه على
رؤوس عربية.
تحدثنا في كل شيء ونسيت منشوراً كان
في جيب قميصي. كنا نحمل كتبنا نحاول أن نقرأ أي شيء وعن بعد رأينا سيارة عسكرية
تتفقد الطريق. فالعمل الفدائي كان في بدايته. وهم الذي يعرفون معنى الحذر والعمل.
-سلام عليكم. قال الضابط.
يخاطبوننا باللغة التي نحبها.
يتسللون إلى أعماقنا.
-وعليكم السلام.
-ماذا تفعلان هنا؟
-نذاكر.
-ولماذا لا تذاكران في المنزل؟!
-البيت مملوء بالأطفال ولا يمكننا
المذاكرة وسط الضوضاء.
-أخرجا كل ما في جيوبكما؟
أخرجت بطاقة هويتي وقلما كان في جيب
بنطالي وبعض النقود. سلمتها له، هكذا فعل عبد الكريم. طلب كتبنا أيضاً. سلمناها
له. تفحصها جيداً ثم دون أسمينا في مذكرته وسلمنا أشياءنا. وضعت بطاقة الهوية في
جيب قميصي فتلمست أصابعي ذلك المنشور المنسي. أرتعش ولكني تحكمت في أعصابي. ربما
ظهر الخوف في ملامحي، وأعتقد أن الضابط فسر ذلك بالخوف منهم. غادرنا. تنفست
الصعداء.
-ماذا دهاك؟! سألني عبد الكريم بغضب.
-نسيت ذلك المنشور في جيب قميصي.
-إهمال لا تحمد عقباه.
وأي إهمال لو وضع يده على جيب القميص
لاكتشفه خليل في رام الله كان سيساق إلى مسالخهم وفاروق وعبد الكريم ومن أيضاً هذا
ما حدث لاحقاً عندما كان أحدهم يراقب تأثير عملية تفجير متجر في القدس كان يحمل
مسدساً وعندما تطاير الغضب وانفجر جزء من جهنم هناك هرب ونسي أن يخفي مسدسه كان
عليه أن لا يحمله أصلاً وفي المسلخ اعترف على كل أعضاء التنظيم وحتى على كل من له
علاقة به وصلني الاعتقال أنا في جباليا غاده نجت وكذا فاروق وعبد الكريم سعدت
لنجاتهم وتألمت لفراقهم وتاهت الآمال الكبيرة والحب الصافي علمت أنها بكت بمرارة
شديدة ولكن ما نفع البكاء اختفت عن الأنظار أياماً ثم عادت إلى ما كانت عليه لم
أنسها ولن أفعل وردة تشق طريقها وسط الأشواك تألمت ذيبه لاعتقالي زارتني في السجن
نحن ننتظرك قالت لتزيد آلامي لا لن أفعل فقط أخرج وستجدني على غير ما تركتني وذيب
تألم زارني مرات افتقدت غزة وبيت لاهيا وأشجار الجميز التي كنا نغزوها وحرارة
الأرض تسلق أقدامنا الحافية لكن الجميز كان يسكن في أمعائنا فينسينا حرارة الأرض
وبير الزيت وبساتين المشمش كلها ضاعت ولم يعد في مقدوري أن أتنفس بحرية كما كنت في
الماضي وفوق ذلك غاده تلك النسمة العطرة التي رطبت أيامي وأعادت لي شيئاً من القوة
التي نهبتها ذيبه وذيب جرح غائر في الخاصرة تقيح وتقيح حتى انفجر.
-لا عليك، قلت.
-الحذر أمر لا بد منه يا يوسف. قال
عبد الكريم.
سكنت مواقع الألم في جسدي. تابعنا
سيرنا حتى وصلنا منزل فاروق الذي أخذنا إلى بستانهم. كانت أخته وسيمة مثله. أحضرت
لنا الغداء هناك. تحدثنا كثيراً وتجولنا في أنحاء البستان.
بعد الغداء جلسنا ننتظر فناجين الشاي
التي لم تتأخر كثيراً. كان والد صاحب الدار وهو قريب لنا طاعناً في السن، يدخن
بشراهة تلفت النظر. عندما قدمت له لفافة تلقفها بلهفة. أشعلتها له. دخل علينا رجل
هو من جباليا أيضاً. هو عضو مهم في أحد التنظيمات. يرتدي بدلة تثير لعاب سكان
المخيم وحسدهم. علامات الثراء واضحة على ملامحه. كان مدرساً في الثانوية وعندما
حدثت الكارثة رحل إلى عمان والتحق بتنظيمه مرة أخرى.
-كيف العمل هنا؟ سأل أبو ثائر.
أبو ثائر.. كلهم ثوار.. بدلته
ثائرة.. اللفائف الفاخرة التي يدخنها ثائرة. تأملته كثيراً. لم أنطق. وماذا أقول؟!
أو يحق لمبتدئ مثلي أن يقول شيئاً أمام العمالقة المتجذرين في الثورة؟! أوليس هو
ثائراً؟! يحق له أن يبدو كذلك.
-مشاكل المخيم كثيرة. قال أبو
الهيثم.
هل أتينا هنا لنحل مشاكل المخيم.
مشاكل الفقر والضياع والبغاء. والحشيش كلها تعشش في هذا المخيم. كان يمكن معالجتها
بطريقة أخرى.
-جئت لأبحث عن عمال. قال أبو ثائر.
أتنبه الرجل العجوز. قفزت أفكاره
أمامي. تحفز..
-أوتختارني؟!
-أنت بقايا عمر. قال أبو ثائر.
-أعمل حارساً.
-لا حاجة لنا لحارس، هناك العديد من
المسلحين الذين يعملون في الحراسة.
سكت العجوز. تألم. هذا زمن الرشاش
والدهاء واستغلال الفرص. أين أنت من كل هذا.
-لقد ضاع مني ألف دينار بالأمس..
بحثت عنها لكنني لم أجدها. سلمت بالأمر، وها أنذا أحاول تعويضها.
ألف دينار يا شيخ الكذابين أو
الدجالين.. أو نظرت إلى العجوز.. كانت خلايا وجهه تنطق بالمعاناة والألم وربما
الاحتقار. لقد كان فقيراً في غزة وها هو ذا يعيش فقيراً وسيموت فقيراً. حدثني ابنه
ذات مرة قال كان والدي في طريقه من خان يونس إلى جباليا لزيارة أخيه. وفي الطريق
تعطلت السيارة نزل السائق وطلب منهم الإجرة. رفض العجوز.
-ستدفع الأجرة وتدور حولها سبع مرات.
قال السائق.
-أما الدفع فلا، وأما الدورات السبعة
فهذه واحدة وأخذ يدور حول السائق. هذه اثنتان.. وهكذا حتى أتم الدورات السبع. قهقه
السائق وقال إذن خذ مني أجرة فوق أجرتك ودر سبع دورات مرة ثانية.
-أوتنام عندنا؟! سألني قريبي.
-لا أشكرك.
-وهل ستعود إلى عمان؟! سألني أبو
الهيثم.
-نعم.
وهكذا عدت إلى عمان بعد أن عشت يوماً
في مخيم جرش. شاهدت قليلاً. وعرفت كثيراً. وصلت المنزل في المساء. لم يكن عاطف قد
عاد بعد. جلست في الشرفة أراقب الطريق والناس. دخنت لفافة تبغ بلا متعة. فقط أردت
أن أعمل شيئاً. نفثت الدخان وتابعته حتى اختفى في الفضاء الواسع. وذاك العصفور
أيضاً اختفى في الفضاء وكذا محمود وأبو الفحم وكثيرون حقاً إن الموت يختار ضحاياه.
أبو ثائر يدخن اللفائف الفاخرة وهو ثائر يبحث عن عمال. ضاع منه ألف دينار ولم
يتأثر. ذاك العجوز قال "يلعن د...د يكك" ألف دينار. أعطنا فقط ديناراً
واحداً. تضيع الدنانير!! لا بأس أما أن يعطيني واحداً فلا. هي الحياة والموت يختار
ضحاياه كما يقولون.. ربما ليريحهم من قذارة عيش لم يكن بمقدورهم أن يتعاملوا معه.
وعندما عدت من غارتي في السوق وتمرغت أنا وقطعتي النحاسية اللذيذة في التراب كانت
ذيبه قد حفيت قدماها وهي تبحث عني في أرجاء المخيم. لقد اكتشفت ضياع نصف قرشها
والمتهم الأول هو أنا. ألم أسرق شبشبها ذات مرة ولولا عناية الله ما كانت قد رأتني
وأنا في طريقي إلى المدرسة؟
-ذيبه بحثت عنك في كل مكان. قال
جهاد.
تداعت أطرافي. لا بد وأنها اكتشفت
العملية. لكنه مدفون وسط الأغطية. قلت لنفسي. هل وضع نفسه هناك؟ هل وضعه الشيطان
لألتقطه أنا؟! لا بد أن يداً ألقته بعيداً حتى عن تفكير الآخرين. يد تعرف كيف تضع
القرش فوق الآخر لتكون ثروة. ومن غير ذيبه يفعل ذلك. كان عليك أن تفكر في الأمر
قبل أن تفعل ما فعلت. قضي الأمر. وانتحر النصف قرش بين يدي.
-ألا تعرف لماذا؟! سألته.
-ومن أين لي أن أعرف. قال جهاد.
-كيف رأيتها؟ سألت بلهفة مرتعشة.
-يتطاير الشرر من عينيها واختفى آخر
رمش من رموشها.
إذن هي الكارثة. وماذا سأفعل؟! اعترف
لها. ماذا سيكون عقابي؟! ربما حرمان من الطعام لمدة يوم. أو نصف وجبة بدلاً من الوجبة
الكاملة. لا تستطيع أن تسترجعه. حاولت أن أتغيب عن المنزل أطول وقت ممكن. آلام
معدتي الجائعة دفعت قدمي إلى المنزل. يجب أن أتناول شيئاً من الطعام، وبعد ذلك
الطوفان. المواجهة.. المواجهة. وأن ألقت بيدها الجرداء فوق صفحة وجهك؟! ستزيده
تشوهاً لن تفعل. لن أسمح لها بذلك.
-أهلاً بأبي زيد.
واجهتني والشرر يتطاير من العينين
اللتين فقدتا رموشها. تسمرّت أمامها توقفت عيناي عن الدوران في محجريهما. بدأت
مراكز الغضب تعمل. لم أستطع تحريك لساني. بدايات الانفجار. لا حدود لمداه.
-أين كنت؟ تابعت.
-وما شأنك أنت؟
-ماذا فعلت بالنصف قرش؟!
-أي نصف قرش هذا؟!
-الذي سرقته.
-لم أسرق شيئاً.
-أيها اللص لقد لمحوك وأنت تشتري به.
-وماذا اشتريت؟!
-إذن سرقته...
عجبت لاستنتاجاتها وطريقة استجوابها.
أو تكون درست في كلية الاستخبارات؟ ولو كانت ضابط تحقيق لاعترف كل متهم بفعلته.
كيف يولد الجهل كل هذه اللباقة في الاستجواب؟! نصف قرش ثروة بالنسبة لها وعليها أن
تحافظ على ثروتها. تدلى رأسي إلى أسفل فأصبح شكها يقيناً.
-سرقته؟! قالت بهدوء صارخ.
- وجدته بين الملابس ولم أعلم أنه
لك!!
- هو للشيطان إذن.. أين هو ؟!
- اشتريت به قطعة حلوى.
- أيها اللص .أنالا أريدك هنا؟! هل
يعلم الناس ماذا تفعل بي؟ يارب السماوات والأرض أبوه عذبني وأمه احتقرتني وهاهو ذا
يسرقني.. وتابعت تثرثر بكلام لم أفهمه وأنا واقف بلادفاع عن النفس لأنني فعلت
شيئاً شنيعاً، لم أكن أترصدها لأسرقها.كان علي التفكير! هل وضعه الشيطان هناك؟!
سؤالها منطقي. لكن الحرمان والرغبة شلا تفكيري، حاولت تناول قطعة من الخبز،
هاجمتني في اللحظة التي أمسكت بالقطعة في يدي..
- لا أريد أن أراك الآن..
خرجت وأخذت أبحث عما يسكن أمعائي.
ذهبت إلى منزل أخي المتوفى.
كرهت أن أشاركهم طعامهم.
نظرت إلى ساعتي.. الحادية عشرة مساءً
ولم يحضر عاطف بعد. بدأت أحضّر بعض الطعام وعندما انتهيت وصل.
- حماتك ستحبك كثيراً.
- دائماً أنا في الموعد.
بدأنا نتناول طعام العشاء ببطء،
فضلنا أن نجلس في الشرفة، بدأنا نشرب الشاي وندخن اللفائف، سمعنا طرقاً على الباب،
فتحه عاطف وإذ بجارنا في السكن وجارنا في الوطن يدخل.
- أهلاً أبا علي. قلت مرحباً.
- أهلاً يوسف.
صب له عاطف كأساً من الشاي وقدمت أنا
له لفافة من التبغ، جلسنا صامتين.
- هل أنتما مرتاحان هنا؟!.. سأل.
- الحمد لله. أجبنا.
- والله أنني أحببتكم كأبناء لي.
- ونحن أحببناك كأب لنا.
- أتمنى ألا تقوما بمثل مايقوم به
الآخرون.
- وماذا يفعلون ؟! سألت.
- ألا تعرف؟!
- ليس كثيراً..
- يفعلون كل ماهو مممنوع و...
- كيف.. نحن لا نفعل هذا...
- الحمد لله.
- الحمد لله.
وتابعنا سهرتنا ثم أصرّ علي أن
نتناول الطعام معه غداً، حاولنا الاعتذار لكنه أصر على ذلك قبلنا دعوته، غادرنا
وبقيت أنا وعاطف نطوف بأحاديثنا أرجاء مخيماتنا في غزة، صنع لنا عاطف فنجاناً من
القهوة، وقدمت أنا اللفائف.
- هل حقاً هذا يحدث؟! سألني عاطف.
- سمعت عن ذلك..
- العاقبة ستكون خطيرة..
- أو لم تشاهد مايحدث؟!
- إنها مؤامرة..
- كان على قادتنا أن يكونوا أكثر
وعياً بأبعادها..
وتابعنا الكلام حتى الساعة الأولى من
صباح اليوم التالي. تعبت، شعرت بأن وقت النوم قد أزف. استأذنت.
- ألن تذهب إلى المدرسة غداً؟ سألني
عاطف.
- لا رغبة لدي.
نمت بعمق، فيومي كان مشحوناً ، تعبت
وتعبت أفكاري. تملكني القلق والخوف من المستقبل لم يكن لدي مثل هذه الأفكار وأنا
في السجن. صحوت الساعة الحادية عشر صباحاً. كان عاطف قد غادر المنزل مبكراً في
طريقه إلى المدرسة. كنت قد حصلت على شهادة الثانوية العامة في غزة، ولم أكن في
حاجة لأحصل عليها مرة أخرى. تناولت طعام إفطاري، عددت نقودي!! بدأت تتناقص. ولولا
المبلغ الذي حصلت عليه كرسوم للمدرسة الثانوية لأفلست الآن، لم تقلقني الفلوس،
فدائماً كنت مفلساً وكنت أعيش. ما آلمني هو المستقبل. ارتديت ملابسي وخرجت وليس
لدي هدف محدد. قادتني قدماي إلى فندق قصر العرب. ذلك المكان الذي مكثت فيه أياماً
طويلة مع محمود النجار. دخلت فوجدت عامل الاستقبال "أبو نادر" صافحته
بحرارة وتجاذبنا أطراف الحديث. حضر ساعي البريد وسلمه عدة رسائل. نظر في أحدها.
- إنها لك..
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire