محمد يوسف الصليبي
التائه
- رواية -
من منشورات اتحاد
الكتاب العرب
1998
![]() |
تصميم الغلاف للفنان :
إلى تلك الوردة التي قصفتها يد القدر
وهي في أوج عطائها!
إلى أمي التي لم أستنشق عبيرها.
vvv
حدثني يوسف بن يوسف الهلالي قال:
-أشعر أنني في قلعة آمنة. لا أبذل
كثيراً من الجهد لأحصل على ما يعينني على البقاء متحركاً. أدور في أنحاء قلعتي
بحرية لا مثيل لها. تضخمت فأصبحت أضيق بالمكان. لكنني أحبه. ولم ترغب نفسي عنه.
أخذت أدفع الجدران بقدميّ ويديّ علها تتسع لحركتي التي أصبحت لا تتوقف. كنت أسمع
آهاتها تخرج متألمة وملتاعة، لكني لم أبال. ربما كنت أستعذب همهمات آلامها
العذبة!! شعرت بسعادتها تمتزج مع تلك الآهات. ومع تواصل صرخاتها كانت تندفع
أنفاسها خارجة من أنفها، يتحول جزء منها إلى داخلها فيقتحم قلعتي. تلفحني حرارتها:
أنكمش. أصمت. يتلبسني البيات الشتوي. لحظات وأعود إلى دفع الجدران في محاولة ثانية
لتوسيعها. أفشل فتتسارع حركتي في محاولات فاشلة. تزايدت صرخاتها مع تزايد
اندفاعاتي الهوجاء.
-يوسف..
انطلق الاسم من فيها مع صرخات مكتومة
تعبر عن الألم الذي سببته لها. سمعت الاسم فاستعذبت حروفه. دفعتها بشدة أكثر آملاً
أن أسمع الحروف تنساب من بين شفتيها مرة أخرى.
-ي.. و..س..ف.
كم هو خفيف على الأذن هذا الاسم..
تذوق نغمة صوت السين فيه.. نغمة تائهة في فضاء بعيد.. تصل إلي وكأنها آتية من عمق
الأعماق. دفعتها بقسوة أكثر. وبدلاً من أن تنطق بالاسم انطلقت صرخاتها بتلاحق يفتت
الأكباد.
رأيته يندفع نحوها. ضخم الجثة طويل
القامة ذو شنب ضخم، لكنه وسيم. تسمرت نظراته على بطنها المتكور. أخذ يتابع حركتي.
ارتعبت. تعمدت أن أتوه به في مواقع متعددة من حصني المنيع. تقدم باتجاهها،
باتجاهي.. ارتجفت من الخوف. تشرنقت في ركن من الحصن فبرز للعيان مكاني.. امتدت يده
نحوي.. أمسكني من أنفي.. هربت إلى الزاوية الأخرى.. لاحقتني أصابعه. أمسكني.
تزايدت مخاوفي. تزايد ارتجاف أطرافي، وأنا الذي كنت أظن أنني في موقع حصين لا
تطولني يد!
-يكاد ينفلت منك.. قال بصوت متهدج.
أجابته بصرخة طويلة متقطعة. لم يحتمل
دموعها الساقطة بإصرار عجيب. تحركت أصابعه من على أنفي وامتدت إلى وجنتيها تمسح
دموع عنها.
-لا تخافي.. اصبري، كل شيء سيكون على
ما يرام.
أخذت أقهقه بصوت عال، ثم كتمت
قهقهاتي خوفاً من أن يسمعني. هالني ما أرى! الرجل القوي الذي تحدى جمعاً من أهله
يقف مرتجفاً أمامها.. احترمت ألمه ولهفته عليها. أوقفت حركتي.. تمددت بقدر ما سمحت
لي المياه المتسربة. هناك متسع لأن أبسط ذراعي وساقيّ.. استكانت.. تحسستني
بيديها.. أمسكتني من مكان ما بين فخذيّ.. استرخت أساريرها.. ابتسمت عيناها.
-إنه ولد يا يوسف.
قالت وقد تدفقت سعادة لا حدود لها من
عينيها. صعدت آهة مرتاحة من القلب.. قلبها لتعانق أفكاره وتلتف حوله. تلقفها منشرح
القلب. أطلق إشارات الامتنان لها من عينيه، لا بل من قلبه.. رأيته ينبض فيتدفق
مزيجاً من والسعادة والأمل إلى رأسه فتندفع كل تلك المشاعر الراقية منه إليها. كنت
أرقبهم باستمتاع.ضغطت على خاصرتها، فاختفت الابتسامة من وجهها وانطلقت منها آهة
دعتني أن انتظر بعضاً من الوقت...
-سأخرج.
-يا قطعة من قلبي الذي تطوقه بيديك!
انتظر.
ابتسمت.. وما كان مني إلا أن أمتثل
لرغبتها.. انتظرت!
-وهل تنتظرينني؟! سألتها بلهفة.
-إن كان هذا يسرك فسأفعل.
-وإن لم تمهلك يد القدر؟!
-لا تكن سوداوياً!
قالت وقد تكدرت ملامحها وتسللت دمعة
من عينيها. أبكتني. حاولت أن أمسح دموعها الغالية، لم أستطع دفعت بنفسي إلى أعلى.
صرخت من الألم. توقفت. هدأت هي. بقيت وحيداً. أمامك طريق واحدة. لا خيار لديك..
ها أنت ذا وحيد كما تركتك. تحمل على
جسدك قميصاً قد تهرّأ وسروالا هو الوحيد الذي اشتراه لك. جسد لم يعرف معنى
الاسترخاء قط. كما كنت تحلم.. أن تتخلص منها جميعاً وها أنت ذا تفعل. واقع الحال
أنك لم تفعل.. الأيام هي التي قررت لست نادماً.
-لا تلتفت للخلف، ولا تنحرف عن
الطريق.
هكذا صاح الجندي الذي كان ضمن مجموعة
رافقتنا إلى حيث الحدود. يوم قائظ شمسه حارقة تلهب الأرض ومن عليها بسياط طويلة من
حرارتها. بدأت قطرات العرق تتجمع في أنحاء عدة من هذا الجسد المهدود. نظرت إلى
الآخرين، لم يكن في استطاعتي أن أقرأ ما بداخلهم. ألقيت نظرة متفحصة على هذا
الفضاء الواسع. اصطدمت نظراتي بجبال شاهقة. لأول مرة أراها.. أو أرى مثلها.
"لا تلتفت للخلف!!" يا لها من نصيحة!! أردت أن أتخلص من الماضي. وها أنا
ذا أخطو الخطوة الأولى. وذاك الجندي يأمرني ألا ألتفت للخلف. هل باستطاعتي أن أفعل؟
سأترك للأيام الرد!! الأيام!! الزمن؟؟ ماذا فعل بي؟! وماذا فعلت أنا؟! تتدحرج من
هضبة إلى سفح. ثم تنهض من جديد.. كم تحمّل هذا الجسد؟! ألهذا خلق؟!
تقاطرنا واحداً خلف الآخر، كما أمرنا
الجندي، لم يلتفت أحدنا للخلف. للحظة راودتني نفسي أن أفعل.. أن ألقي نظرة على ما
سيكون ماضياً.. التف..
حولي، فرغبت عن تلك الفكرة المجنونة، أتذكر تلك
الأيام عندما شعرت برجولتك لأول مرة؟ تحسست شعيرات متناثرة نبتت في أجزاء من ذقنك.
وهذه الشعيرات كذلك. انتثرت في مساحات واسعة. ونحن في طريق لا نحيد عنها.
-بعد عدة أمتار سيلقاكم إخوانكم. قال
ذلك الجندي.
-ها هم. صاح أحدنا.
نظرت إليهم "لماذا فعلتم بنا كل
ما فعلتم؟ "كدت أصرخ، لكن الخوف ألصق لساني بين شفتي، فانحبست الكلمات.
-لا تنحرفوا عن الطريق. صاح أحدهم.
سمعنا ذلك من قبل.
-ماذا فعلت؟ سألني الضابط.
لم تتردد الكلمات بين شفتي. انطلقت
بسرعة.
-كنت في فناء الكلية عندما اندلعت
المظاهرة فألقوا القبض علي.
-أي كلية؟
-كلية بير زيت.
-وهذا كل ما فعلته؟ سألني.
-هذا كل شيء. أجبت.
وهكذا تتابع الاستجواب، واندلقت
الإجابات الكاذبة بلا خجل. من قال إن الكذب كله حرام؟ سألت نفسي.. هل نجحت؟ ما
أتفه السؤال!! فالأيام ما زالت تتراقص أمامي تخفي كثيراً من الأسرار. "لا تكن
سوداوياً." قال فاروق لي ذات مرة. "إنها ترافقني كظلي" قلت له.
عندما أدخلني رجل الاستخبارات حجرة
نظيفة، ادخل علي فاروق. كان وجهه متورماً. نظرت إليه كان شاحباً. غمزني أن لا
أنطق. لم أفعل. دامت لحظات اللقاء قليلاً. لم أره بعد ذلك. خرج هو من السجن وبقيت
أنا أعاني. مكثت طويلاً بين الجدران وكان هو خارجها. و ها أنا ذا أنطلق حراً لألحق به!! أين هو؟!
"الأيام تنسج الأحداث بدهاء
"قلت لنفسي. أين هو الآن؟ حشرت جسدي مع الآخرين في سيارة عسكرية لا أدري أين
تتجه. كانت الشمس قد غادرتنا غير آسفة، وعباءة من الظلام الكثيف تلف المكان
بإحكام. وفي منتصف الطريق اخترق الصمت صوت انفجار شديد. توقفت السيارة على أثره.
اندلع الخوف في أجزائي. ورغم شدة الظلام رأيته مجسداً أمامي يعانق خوف الآخرين. ما
الذي حدث؟! كما هي العادة، لا بد أن يقضي أحدنا على الآخر. ولا أحد يريد أن يكون
هذا الآخر. تباً لهذا العقل الذي يرفض التجانس مع المعقول.
-لا تتحركوا. صاح جندي يجلس في المقدمة.
وهل بإمكاننا أن نفعل؟ تجمدت
أطرافنا. التصق بعضنا ببعض. لحظة الرعب تلك لم تدم طويلاً. هل شعرت يوماً بتوقف
الدماء في عروقك؟ من تصلبها أمسكت بها.
وصلنا إلى سجن الكرك. انزلقنا من
السيارة. بقايا خوف تشبثت بثنايا عقولنا. بقايا من عزم دفعتنا لأن نتحامل على
أقدامنا ونصل إلى حجرات واسعة. تفحصتنا بنظرات ذابلة. ارتدت نفسي إلى الداخل،
وكذلك فعلت عيناي. تملك التعب كل أنحاء جسدي، ألقيت به على الأرض وتمددت أملاً في
أن أغلق صمام الوهم وأغمض عيني، وأنام. لم يكن في متناول يدي. استجمعت ما تبقى
عندي من قوة لأغلق عينيّ، تحقق لي ذلك للحظات.. ثم داخل الجفون المغلقة بقيت عيناي
يقظتين. وما هي إلا هنيهات حتى استيقظت حواسي كلها.
كيف أتيت إلى هذه الدنيا؟! ولماذا
بقيت أنا ومات عدد منهم؟! تحسست الوهم بيدي. فشلت في أن أصورها في ذاكرتي، فأنا لم
أشاهدها. ما أسرع ما تركتني.. أين هي الآن؟! حاولت أن أوقف دوران الذاكرة في زوايا
حياتي .. لم أستطع!! وماذا استطعت أنت أصلاً من قبل؟! تهوي من علياء أوهامك إلى
قاع سحيق هو واقعك الذي لا تعترف أنت به.
أتذكر؟!
الأيام الرائعة في رام الله.. عندما
شعرت أن الأيام قد ابتسمت لك، وتخلصت من قضبان وهمية فرضها عليك أخوك وزوجته. ذاك
المساء العابق برائحة الزهور البرية في يوم تموزي.. نسمات الهواء الخفيفة تتدفق
عبر حواسك كلها. أنت سارح في ملكوت الله، وفاروق وعبد الكريم يدخنان اللفائف..
-ألا تدخن يا يوسف؟! سأل فاروق.
-لا.. لا أعتقد أنني بحاجة إلى ذلك..
-وما هي متعتك في الدنيا إن لم تدخن؟
قال عبد الكريم.
في تلك الجلسة بدأت البدايات. كنا
خارج معهد المعلمين في رام الله. تحدثنا طويلاً. في ذلك اليوم دخنت لفافتين -ولقد
كانت بدايتي في التدخين أيضاً- واتفقنا على أن نبدأ العمل.
-أتعرفه جيداً؟ سألني فاروق.
-أعتقد ذلك. أجبت.
-إذن سنقابله.
-لا أعد بذلك سأحاول أولاً.
البداية وبعض بعدها. ثم انكشف كل
شيء. قل لي بربك.. كثيراً ما تتهرَّأ الأيام بين يديك دون أن تسحقك، وأكثر من ذلك
تتهرّأ أنت بين يدي الأيام قبل أن تشعر بذاتك. قل لي بربك. ما تفسير ذلك؟ كيف حدث
ما حدث؟! لم نفعل الكثير الذي نستحق عليه ما عانيناه لاحقاً.
كانت الرحلة من رام الله إلى غزة
تستغرق نحو الساعتين والنصف قضيناها نغرس نظراتنا في أرض كانت ذات يوم ملكنا.
مدينة القدس العتيقة بحواريها ومنازلها شاهدة على التاريخ وربما التاريخ شاهد
عليها. ثم مزارع خضر على طول طريق لا أعرف اسمه، فنحن في أرض هي لنا ولم نرها من
قبل. ذابت نفسي مع خضرة الطريق.. تسللت أحاسيسي عبر النافذة فعانقت الفضاء المحيط
بالأشجار الخضر. دفقات من المطر اقتحمت وجهي المسحوق والجمال المبعثر على جانبي
الطريق، فازداد الجمال جمالاً.
-يوسف.
كأن الصوت آتياً من أعماق الأرض.
انتفضت ملتفتاً إلى مصدره.
-هذه هي دير سنيد.. قال المدرس الذي
يرافقنا في الرحلة.
آه.. يا وخزة الألم الذي لا يحتمل.
سكين ينغرس في لحمك. تتأوه ببطء.. يتسلل الألم عبر أجزائك كلها. "دير
سنيد"، يا للاسم الرائع!! تحركت أصابع يدي عابثة بالهواء.. "دير
سنيد".. تمنيت أن يبطئ السائق اندفاع السيارة، لكنه لم يفعل. لتكن غصة في
القلب، وأملاً سابحاً في فضاء بلا قرار.. أحلق لاهثاً خلف سراب علني ألمس ذاك
الأمل.
العيد..
-فقط تلك القروش الخمسة ولا شيء
غيرها.
قال ابن أخي عندما أرسلته ليطلب لي
المزيد من أخي الذي هو ولي أمري.
-قل له يا رجل أنها لا تكفي.. العيد
الفائت أعطاني خمسين قرشاً.
قلت له. وبعد فترة عاد..
-لا نقود لديه.
ألقيت القروش الخمسة في جيب سروالي
وحركت قدميّ في طريقي لأخرج من محيط المخييم -نسيت أن أقول لكم إنني أقيم في مخيم
جباليا، وأصلاً من سكان قرية دير سنيد، تلك القرية التي توقف قلبي بجوارها -بيارة
الترك.. طريق مرصوفة على جانبيها أشجار البرتقال محاطة بسياج قوي، لكن يسهل
اختراقه. وكثيراً ما سطونا عليه لنغتصب بعضاً من الجوافة والبرتقال. بدأت أتنفس
هواءً نقياً. أمسكت لحظة الذوبان هذه بيدي.. زادها روعة ذاك المطر الخفيف الذي بدأ
يتساقط.. عن بعد لمحتهم.. سرت باتجاههم.. مجموعة من شبان المخيم.. الحق أقول إنهم
بلا طموح. هكذا عرفتهم.. أحببتهم لصفات جيدة يتحلى بها كل منهم. عندما وصلت،
وجدتهم يلعبون القمار. يمسك أحدهم بقرش "يفنه" في الفضاء ويلقي به وبيده
فوقه على الأرض. عليك أن تعرف هل الوجه الملاصق لراحة اليد الرقم "10"
من القرش، أم الوجه الآخر "الملك". فإذا عرفت، كسبت قرشاً أو أكثر
أعجبتني اللعبة، فاستسلمت للأحلام الشيطانية.
تحسست القروش الخمسة المختبئة في جيب
سروالي، عصرتها في راحة يدي.. هيا حاول.. قال الشيطان.. عشرة قروش أفضل من خمسة..
لا تكن متردداً.. تابع.. ولكن؟! لا لكن ولا شيء.. كلها مغامرة.. بعدها سيكون في
جيبك أضعاف هذا المبلغ.. غامرت كثيراً، ونادراً ما ربحت.. ألا ترى؟! لقد قلت
نادراً.. اليوم ربما تربح! هيا. تحسستها مرة ثانية.. ترقد بسلام في الجيب
العميقة.. أخرجها.. أحتاجها في مكان آخر.. وماذا تعمل خمسة القروش هذه؟! تيبست
أفكاري. انعدم المنطق. بلا تردد أخرجتها. انتظرت لحظات ثم جلست على ركبتي كما يفعلون
ومددت يدي بقرش قائلاً "ملك" ربحت. وأخذت "افن" القرش والتقط
قروش الآخرين. وفي الجولة الثانية كنت قد خسرت كل ما ربحته وخمسة القروش العريقة
التي التصقت بجيب سروالي فترة إلى أن أجبرتها على الخروج.
-أتقرضني؟ قلت لجهاد.
-سأشاركك.
-ولكني لا أملك نقوداً.
-سأعطيك خمسة قروش. يكون ديني عليك
قرشين ونصفاً، والباقي حصتي من رأس المال.
وحاولت مرة أخرى. في لحظات كانت كل
القروش في أيدي الآخرين تبعثرت أحلامي على قارعة الطريق. نظرت إلى جهاد وقلت له
يائساً سأؤدي لك المبلغ في أقرب فرصة -الآن أعترف أمامكم بأنني لم أدفع تلك القروش
له، وهي في ذمتي- حبست دمعة كادت تقفز من عينيّ وغالبت صرخة ألم ولوعة فخرجت حشرجة
هي للموت أقرب. تركت ذاك الفضاء والرذاذ الذي يستلقي على التراب الأصفر فتنتشر تلك
الرائحة العجيبة الساحرة. عدت أدراجي إلى حيث أزقة المخيم وحجرات المنزل الضيقة
ونظرات أخي النارية وتهكمات زوجته اللاذعة.
كما الآن.. حاولت أن أغمض عينيّ فلم
أستطع.. وكما الآن أيضاً طافت بي الذكرى أيام الصبا فتساءلت عنها ولماذا تركتني.
بقيت أسئلتي بلا إجابة إلى أن هزمني النوم، أو ربما هزمته فنمت.
-لا تتحرك.
مع آخر صدى لصوته هذا أرخيت جفوني، فاستطعت أن ألقي
نظرة على ذاك الذي ألقى بالأمر. لم أتبين ملامحه. زدت من اتساع جفوني. تكونت لدي
فكرة تحسست البنادق المصوبة نحوي بعينيّ. عرفت.. بل أيقنت.
-لا تتحرك.. هل لديك سلاح؟
أيضاً لم أتكلم. لقد غاص لساني في
إناء من الخوف السافر، واستأثر الخوف بحواسي كلها. وأظن أن من كان يسألني قد قدّر
حالتي. توقف عن توجيه الأسئلة بقيت لحظات ملقى حيث أنا. ساكن كحصاة ملقاة في رصيف
طريق أتقن صنعه حاولت أن أحرك عينيّ، فلم أستطع. تحجرتا. كان باستطاعتي فقط أن أرى
من يتحرك أمامهما.. كانت أشباح تمر أمامي ولا قدرة لدي على تمييزها.
-انهض.
فعلت.
-ارتد ملابسك.
فعلت.
-اخرج..
خرجت.
شيء ما مغروس في ظهري. تحسست ذاتي،
فوجدت بقايا قوة أعانتني على أن أقطع الفناء ومن ثم عتبة المنزل إلى الخارج.
-أجلس.
جلست على الأرض أرتجف. فوهتا
البندقيتين المصوبتين إلى رأسي وملامح الضابط الصارمة تحكمت في دوران دمي. أظنه
توقف عن الدوران. تحسسته. صلب كعجز نخلة لا فائدة لها. تحجرت عيناي وتوقفنا عن
التمييز بين الأشياء. ألصقت جسدي بجدار المنزل. تصلبت حدقتا عينيّ في وجه الضابط.
له لهجة مصرية واضحة. ارتعبت من الفكرة. لا أظن ذلك. فذاك عهد مضى، وهذا الذي
أمامي ينتمي إلى عهد آخر رغم لهجته المصرية.
-لقد اعترف خليل بكل شيء، بقي أنت.
خرجت الكلمات من فيه واثقة وجازمة.
تبلدت أفكاري. توقف عمري كله في هذه اللحظة. الرعب الهائل مائل أمامي. بنادق مصوبة
نحوي ووجوه جنود الاحتلال تكومت فيها أطنان من الكراهية. نسيت حتى ذاتي.
-لا أعرف خليل هذا.
قلت صادقاً. واقع الحال أنني غبت عن
ماضي وحاضري فلم أتذكره. بقيت ساكناً كأحد حجارة الجدار الذي أتكئ عليه.
-ستعرفه.. قال.
بقيت ساكناً. تلاشت قدرتي على النطق.
لا زالت البنادق تحيل دمي إلى كتل يصعب دورانها في مجراها.
-قف.
تحاملت على نفسي وانتصبت. لاحظت أنني
كقوس، فحاولت أن أعتدل. فشلت. لاحظ هو ذلك، فصرخ بي أن انتصب جيداً. نجحت. لقد
تطاير الخوف مع صرخته فاعتدل جاذباً جسدي معه. سار باتجاه المنزل. جذبني معه. كان
أخي قد صحا من نومه ووقف في فناء المنزل عاجزاً عن الحركة. نظر إليه ذو اللكنة
المصرية، فعرف مقدار الرعب الذي سكن المنزل.
-ما اسمك؟ سأل.
-ذيب.
-اسمع يا ذيب، الحياة فيها الحلو
والمر. وكلما تذوقت حلو الحياة، لا بد لك أن تتذوق مرها. يقولون أن أخاك منظم.
سنأخذه ونعرف لماذا. وإذا لم يكن كذلك فسنرجعه لك.
من أين أتته الحكمة؟! نظرت إليه
مشدوهاً. ظننت أن الأرض تتأوه من وقع أقدامهم فإذا لديهم من الكلمات ما يمتص دفقات
الخوف والألم.
-لنا الله. قال أخي.
-الله لنا جميعاً. قال الضابط. ادخل
وبدل ملابسك. أمرني.
بدأت استرد ذاتي. حلو الحياة ومرها.
كم من الزمن تلون لسانك وحلو الحياة؟ أما مرارتها فلا تسل!! تطفح من عينيّ، بل إنها
تعانق كلماتي. وهل يعرف ذو اللهجة المصرية مرّ الحياة وحلوها؟! لو عرف مرّها
لتبدلت الأيام وكذا المواقف.
نقلت قدميّ حتى أصبحت وسط الحجرة
التي كان يقاسمني إياها ابن أخي. جنود ثلاثة كانوا داخلها. وجد أحدهم بعضاً من
مذكراتي بالإنجليزية، عرضوها عليه، قرأ المقدمة، "ألقوها مكانها لا أهمية
لها" قال:
ارتديت ملابسي أمام الجميع. ازداد
تماسك أجزائي. استدرت خلفه واستدارت البنادق خلفنا جميعاً. خرجت من المنزل. شعرت
أنني لن أعود إليه مرة أخرى -لا تسألني لم هذا الشعور.. ألم تسمع فاروق عندما قال
لي "لا تكن سوداوياً" أنا بطبعي كذلك -لم ألق نظرة أخيرة على الباب، رغم
أن نفسي راودتني أن أفعل حاولت أن ألقي بالماضي خلفي، كما حاولت عندما أمرنا
الجندي أن نسير في طريق مستقيم إلى أن نلتقي بإخواننا. الفرق هذه المرة أنني لن
ألتقي بأخوتي بل بأبناء عمومتي.. ويا لهم من أبناء عم!!!
هي اللحظة التي حدثك عنها الأستاذ
خاطر، مدرس الجغرافيا الذي حاول لملمة أشلاء تنظيم كان قد اهترئ على أيدي مثقوبين.
قال:
-عندما تواجههم، حاول أن تتماسك.
سيسألونك عن تاريخ حياتك. كن دقيقاً واخف ما استطعت من الحقائق حتى تضللهم. هي إذن
تلك اللحظة وأنت مستعد لها. من قال ذلك؟! لا زال الخوف يحتل مساحات شاسعة مني،
لكني بدأت أحس بما يدور حولي. هذا منزل خالي صالح. كلهم نيام. وجهاد أيضاً نائم.
لا يعرف المسكين أنه فقد نقوده إلى الأبد.
إلى الأبد؟! أنت حقاً سوداوي.. غداً
ستعود وترد إليه نقوده.. لا أظن ذلك.. ومتى كان الأمل الذي كثيراً ما تراقص أمام
عينيّ يتحقق؟! متى؟! سحقتني الأيام بكثرة الإخفاقات المتتالية، وهذه إحداها. أو
تسامحني يا جهاد بالنقود؟! أعرف أنك ستفعل.
استرقت نظرات دائرية لأتعرّف
الأشياء، لكنه لم يمهلني.. تقدم جندي بجانبه وآخران على كل من جانبي، فانعدمت
الرؤية. وعندما وصلت نقطة ما، التقطني جندي من أعلى قميصي خلف عنقي وجرني كخروف
حان وقت ذبحه إلى السيارة العسكرية. أظنها نصف مجنزرة كتلك التي رأيتها كثيراً
عندما كنت طليقاً. كيف أصبحت في تلك المجنزرة؟! لا أدري. جلست على ركبتي كما فعلت
لحظة أن لعبت القمار مع أولئك الذين لا يشعرون بما يدور حولهم.
-انبطح!!
صاح بي أحد الذين أحاطوني في
المجنزرة. نظرت إليه ببلاهة فلم أفهم ما قاله. نظروا إلي، فاخترقت نظراتهم أنحاء
كثيرة من جسدي.
-ألا تفهم؟! تضاعفت بلاهتي.
جرني من عنقي كما فعل ذاك الذي صعد
بي إلى المجنزرة وألقاني على بطني، فاستلقيت مستكيناً ومستسلماً للقدر كما هي
عادتي. لحظات وألقى كل منهم بقدميه على جسدي. أحدهم وضع قدميه المدسوستين في حذاء
عسكري ثقيل فوق رأسي.
هكذا..
هكذا..
انهزمت وأفكاري في داخلي.
vvv
-أما زلت تصغي لما أقول؟! سألني
يوسف.
-بالتاكيد. قلت.
-وهل تود أن أتابع؟!
-لا بأس.
صمت للحظات شرد بعينيه إلى أعلى.
دائماً يحاول الصعود إلى أعلى، حتى في حركته داخل حصنه. قلت لنفسي. تحسس وجودي
بجانبه. رفع يده في الهواء وكأنه يحاول أن يمسك بجزئياته.. ثم قال:
عندما تركتني وحدي وأفلت منها حبل
دموعها، تقوقعت في أعلى بطنها. بدأ جسدها يرتجف، وتسارعت دقات قلبها. حاولت الصعود
لاحتضنه بيديّ فاصطدم رأسي بسقف حصني. آلمتني الصدمة فرفسته بقدميّ صارخاً. صرخت
هي. صراخ ملتاع مملوء بالألم واللوعة. أتعرف أنه ألم اللذة الممزوج بالسعادة؟ ظني
أنها تستمدها من خيوط الأمل التي بدأت تنسجها خيوط الشمس المتسللة عبر نافذتها.
سكنت حركتي، فاستسلمت هي لأفكارها. ضغطت نفسي وصعدت إلى عقلها.
-ماذا؟! سألت بهلع.
-صعدت إلى عقلها!!
-أوتريدني أن أصدقك؟!!
-هذا قرارك.. المهم أنني صعدت إلى
عقلها، ولك أن تصدق أو لا. أخذت أمسك بأفكارها، الواحدة تلو الأخرى... وقبل أن
تتجسد الفكرة وتنطلق، كنت أتفحصها بيديّ وأقدر إمكانية تحقيقها.
-وبماذا كانت تفكر؟!
قال:
إنه ولد "شموص". لا يكف عن
الحركة التلقائية. أريحه وأفرد له مساحات كافية في أحشائي ويأبى إلا أن يتكوم في
زاوية ضيقة.. هذا حق. قلت لنفسي، ولا أدري سبباً لهذا الالتصاق. سأسميه عبيد.. لم
أحب الاسم ورجوتها أن تغيره. وعندما اصطدمت بعنادها التجأت إلى الرجل صلب الملامح
الذي عاد إلى الحجرة عله يكسر إصرارها. ولقد نجح كما توقعت. لكنه نجاح مشروخ، إذ
أصرت هي على الاسم الذي اختارته وأصر هو على اختياره. سأحميه من غدر الزمن.. تأملت
هذه الفكرة وتسلل الشك إلي!! لقد آلمتها إذ مددت ساقيّ على طولهما فاصطدمتا بجدار
جمجمتها. صرخت من الألم وعندما عدت كما كنت توقفت آلامها. لحظات ثم ازدادت. تسلل
الألم إلى رأسها وبطنها، في الواقع إلى كل جسدها.. حزنت لأجلها. أخذت أطلق سراح
الأفكار الزاهية علني أجذب انتباهها إليها. نجحت. لكن الألم كان يتسرب بين جزئيات
أفكارها، فيزداد ثقل رأسها ويخف وزن أحشائها. تلتاع. تحسستني من خلف الجدار. لم
تجدني. توقفت أفكارها. تسمرت نظراتها في اللاشيء. اندلعت نيران الشك في رأسي. سقطت
من رأسها إلى مكاني. في طريقي تحسست قلبها. توقف قليلاً. أحطته بيديّ. ضغطت عليه
بحنان. بدأ ينبض. تلاشت النيران في رأسي. استرحت. تحسستني بيديها وأفكارها. التصقت
يدها بأنفي. اطمأنت، وصرخت أنا. كدت أختنق. قفزت إلى الزاوية الأخرى.
-ماذا حدث؟
-يكاد هذا، وأشارت إلي، أن ينفلت
مني.
-أين عمي؟! سألت ذيبه.
-كان هنا منذ لحظات. ربما ذهب ليحضر
سكيبه.
-أو يطول غيابه؟!
-لا أدري!!
نظرت إلى ذيبه.
-توقف!! ماذا قلت؟! سألته باستغراب.
-نظرت إلى ذيبه!
تدفق استنكاري وشكي من خلايا جسدي
كله. طوقته أفكاري المتشككة. ابتسم. ازداد استنكاري. يستخف بقدراتي هذا اليوسف.
قلت لنفسي.
-لا تنزعج. فقد صعدت إلى رأسها،
ونظرت إليها من خلال عينيها. رأيتها التقت عيناي بعينيها. شعرت بما يدور في رأسها.
ومع فقدان يقيني بأفكارها، إلا أنني ارتجفت من الخوف منها، فانزلقت بسرعة إلى
داخلي ومن ثم إلى حصني.
لدقائق شعرت أنني أحقق ما أريد..
دقائق فقط.. بعدها صحوت. أبقيت نفسي ممدداً على تلك القطعة من القماش الملقاة على
أرض غير مستوية. جلت بعيني أنحاء الحجرة.. تماماً كما فعلت ليلة أن قبضوا علي هناك
في مخيم جباليا. عجباً.. الوجوه ساهمة.. ماذا يجول داخلها؟! من أين لي أن أعرف؟!
الصمت يحتل مساحة واسعة، كما لو كنا وقوفاً في إحدى حجرات سجن عسقلان استعداداً
للعدد -ساحدثكم عن ذلك في وقت لاحق.. لا تستعجلوا حتى لا تهرب مني الأفكار، فما
أود قصه عليكم عظيم الأهمية.. أستميحكم عذراً.. فأنا لا أقص.. لكنني أقول
الحقيقة.. لا بأس إن اعتبرتم ما أحكيه لكم طريقة مباشرة فجة.. فأنا لا أحب الغموض ولا
الصعب من الأشياء.. أطلت عليكم.. لا بأس.. ربما كنت على حق.. فأنا قرأت روايا
ستيرن وتأثرت بها.. لا يحق لي أن أحاكيها.. اعذروني إن فعلت. لكني لن أفعل- تتابعت
تلاوة القرآن من إذاعة القاهرة.. ما الذي حدث؟! لا زالت حرب الشوارع مستمرة في
عمان وباقي مدن المملكة... "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية
مرضية.." ثم أطبق الصمت على الحجرة تماماً. لا زلت ممدداً.. تقلص حيز وجودي.
تساويت وأرض الحجرة. ثم أعلن صوت مألوف لنا موت الرئيس.
-يا للكارثة!!
تلاشيت تماماً. درت عليهم جميعاً.
محمود النجار.. في الأربعينات من عمره. ضعف أيامي.. عيناه مصبوغتان بالأحمر.. سالت
دموعه بغزارة.. وبدون أن يحرك ساكناً، تحدث عن مشاعرنا كلها.. بحثت عن دموعي، لم
أجدها..
-تمالك نفسك يا رجل.. قلت له
مواسياً.
-لا زلت صغير السن، ولا تعرف ما الذي
سيحدث لنا بعده.
مع كلماته ذات الصوت الشجي تداخل الحزن
مع الألم والبلاهة في أنفسنا.
-هو رجل كما الآخرين الذين يستشهدون
في هذه اللحظات.
نظر إلي. اخترقني بنظراته.. كأنه
يأمرني أن أصمت فأنا لست بالذي يقدر عواقب الأمور.. أبقيت عينيّ عليه.. أحسست
ببرودة جسدي تحرك جزءاً من ملابسي.. إنها تتطاير.. حملتني معها.. تلك لحظة..
قال عيسى أبو شنب الذي كان يجالس
عدداً من رجال الحارة.. "سأسترد شبابي وأتزوج اثنتين.." ..
"وزوجتك؟" سأله أحدهم.. "أتسمي تلك زوجة؟ حتى أنني أفيق من نومي
مرعوباً عندما أجدها بجانبي..".
ثم بدأت البداية.. الإنسحاب إلى خط
الدفاع الثاني.. آه قال عز الدين.. "تصوروا أنهم يريدون صيد الجيش الإسرائيلي
في وسط سيناء للقضاء عليه.. "ولم الخط الثاني؟! "سأل أحدهم" هذه
خطط القادة.. ولا أحد يعرف لماذا".. وقبل ذلك بيوم قال ذيب.. إن الدبابات
المصرية تقدمت داخل الحدود وعندما نفذ الوقود، استولوا على الدبابات الإسرائيلية واستعملوا
وقودها.. ثم بجانب جدار متداع أخذ أحدهم يبكي بحرقة ويقول لقد استفردوا بدمشق..
تمددت على السرير، ولأول مرة أحتضن
مذياع أخي الذي كان محرماً علي. أخذت استمع إلى صوت الموسيقى العسكرية. بدأت دموعي
تنساب بتواصل لفت انتباه زوجة أخي.
-ماذا حدث؟!
سألت بانكسار، فهي لم تعتد أن تسألني
إما لأنها واصلت حقدها علي حتى الإهمال وكأني لست موجوداً، أو لأنها اعتادت أن
تصدر الأوامر. لم أجب. ليس لأنني اكرهها، ولكن لأن قدرتي على الكلام انعدمت. بقيت
صامتاً، لكني دموعي كانت تتحدث عني. وها هي ذي دموع محمود تتحدث عنه وعنا. عمقت
نظراتها في وجهي ودموعي فازداد انكسارها. وظني أنها لم تطق الصبر أكثر وأنها شعرت
بأن في الأمر شيئاً خطيراً.
-يوسف.. بربك أخبرني عن الذي يحدث..
كان الرجل لا زال يتحدث معلناً
استقالته ومعها هزيمتنا. تطايرت أشلائي وغبت عن وعيي. ثم مع بداية الموسيقى
العسكرية تلقفت أشلائي مرة أخرى وصحت فيها.. بل أنني صحت في نفسي..
-ألا تسمعين؟! ألا تفهمين؟! لقد
انهزمنا واستقال ناصر.
انطلق منها صوت هادر، لا أدري أهو
صراخ أن انفجار في داخلها. سقط المذياع على الأرض وسقطت أنا فوقه. هجم علينا أخي
صارخاً "ما الذي حدث"؟ ولم أدر أأحدثه عن الذي حدث حولنا أو لنا.. لكني
تمالكت نفسي وقلت له:
-انهزمنا واستقال ناصر وصرخت ذيبه من
الألم.
انطلق منه صوت كخوار ثور أصيب بسهم
مصارع جبار. تسمرنا في أماكننا. وفجأة انطلقت القذائف من كل مكان.
-سيقتلوننا جميعاً. قالت ذيبه.
كنا قد حفرنا خندقاً في فناء البيت،
اندسسنا فيه، وذهب أخي إلى المطبخ. تكومت عائلة أخرى في إحدى الحجرات. تسرب البول
إلى خارج الحجرة حتى وصلني عند مدخل الخندق. نظرت إلى الداخل، فرأيت إحداهن وقد
بالت على نفسها، نظرت إلي باستحياء أن سامحني ولا تفضحني. كلنا مفضوحين هذه
الأيام. لا بأس عليك قالت نظراتي. ثم انفجرت قذيفة قريباً منا. تطاير الدخان فصرخت
ذيبه.
-إلحق أخاك يا يوسف.. لقد تطايرت
أشلاؤه.
انزلقت قوة غريبة داخلي. قفزت وإذ
أنا بداخل المطبخ.. "هل أنت بخير؟" ووسط الدخان أتاني صوته مرتعشاً..
"لا تخف فالقذيفة انفجرت خلف منزلنا.." تركته وانطلقت خارج المنزل..
"عد يا مجنون.." آخر ما
سمعت منه، ولكني حملت جنوني واندفعت أبحث عن مكان الانفجار. منزل أبي غانم.. رجل
عجوز مع زوجته وزوجتي ابنيه الموجودين خارج البلد. في وسط المنزل توت ضخمة كثيراً
ما اقتنصنا منها بعضاً من ثمارها. عندها اشتد القصف، قام الرجل وحمل ملاءة بيضاء
ربطها بعصا مكنسة وأراد أن يرفعها فوق أعلى شجرة التوت معلناً استسلامنا. لم يدر
المسكين أنهم ليسو بحاجة لملاءته البيضاء، فقد أيقنوا من استسلامنا منذ اللحظة
التي ساوت طائراتهم طائراتنا بالأرض وهي جاثمة على أرض المطارات.. يا أبا غانم، هل
تخاف على بقية أيامك وتعلن استسلامك حفاظاً عليها.. يا بقايا رجل.. من أين أتتك
تلك القوة لرفع الملاءة إلى أعلى شجرة التوت. اندفعت قذيفة إلى ظهر الرجل فأحرقته
وتناثرت أمعاؤه على تلك الشجرة.. فاندلع صراخ أقوى من صوت القذائف.
-مات أبو غانم.
تناقلت الألسنة النبأ فاندفع جمع من
الرجال إلى منزله. لملمنا بقاياه. وضعناها في كيس من الخيش. انطلقت القذائف بلا
إنذار.. تفرقنا في أنحاء المنزل.. بعدها هدأت الأصوات فتجمعنا مرة أخرى.
ما زلت ممدداً في أرض الحجرة.. بحثت
عن دموعي فلم أجدها. تحسست أفكاري فوجدتها قد تناثرت على مساحة الحجرة. أين تلك
الدموع السخية التي اعتادت أن تتدفق من عينيّ بلا استئذان؟ اعتاد الجسد تلقي
الضربات ففقد الإحساس بها. أرض بلا سماء وحجرة بلا سقف وأنا حتى أقل من وزن ريشة
فلم أعد أحس بنسمة هواء واحدة.. إني أختنق. أطل وجه نقيب الشرطة عبر الباب..
مكفهراً كوجوهنا.. جال بعينيه في أشلائنا. لم ينطق. ربما فقد القدرة على ذلك.
"أحقاً مات؟" لم يكتمل دوره بعد.. مقهور مقطع الأوصال. حاول لملمة ما
يمكن لملمته. وفي منتصف الطريق مات.
مرة أخرى تحسست الدمع المتحجر في
عينيّ. دفعت إحداهما فكانت ثقيلة عصية على الحركة. هل أصابتك رصاصة ولم تشعر بها
إلا بعد حين؟ ربما هذا ما حدث لي. أبقيت على ذاتي كما هي.. مات الأمل؟ لا أدري ما
سيحدث لنا بعده؟ لقد كان معنا. ولم يحدث ما تمنيناه. كان يحاول وكان عاقداً العزم
على الفعل.. هل خذلناه؟! ربما هو الذي خذلنا!! ربما...
قطعنا النصف الأول من الليل.. المرة
الأولى منذ سنة ونصف أشعر بالانتقال من نصف إلى آخر.
-محمود.. حاول أن تنام.
قلت راجيا. ربما كنت استدرج ذاتي
للنوم.
-لا أستطيع.
-وهل ستبقى كما أنت هكذا جالساً؟
تمدد إذن وأرح جسدك مما هو فيه.
-لا عليك، نم أنت.
ومن أين يأتي النوم؟! ما تمنيته حدث:
أن أقتلع القضبان وأنطلق. وها أنا ذا خارجها. لكن القضبان تلاحقني. حقاً إنني في
سجن الكرك، لكن هذا مؤقت، وغداً سأحتضن الدنيا بذراعي.. ها أنت ذا تفلت من سوداوية
رافقت أيام عمرك الماضية. أين هي؟! وهل حقاً أن لي أياماً ماضية؟! كذلك؟! لا تنس
عادة. آه الجرح الغائر في الجسد المهدود.. غاده الرملي..
كانت بجانبي في كلية بير زيت.. يا
للذكرى الحارقة. أحببت اللغة الإنجليزية منذ اللحظة التي جاورتني فيها. معلمتنا
كانت نهلة القدسي، تلك التي أضفت على المحاضرات سحراً لا يقاوم. لم أتكلم معها عدة
أيام، لكني كنت أتحرق شوقاً حتى يأتي موعد المحاضرة وأجلس بجانبها. وفي يوم وعندما
كنا نقرأ بصمت إحدى القطع، سألتني..
-ما معنى كلمة "savage؟!"
ألم تجدي إلا هذه الكلمة لتسأليني عن
معناها؟! لم تصادفني من قبل، صمت لحظات ثم:
-أين هي؟
اقتربت منها فأحسست رائحة عطرها قبل
أن أستنشقه. قبل أن ألقي نظرة على الكلمة، ألقيت نظرة على الوجه القمري.. بلورتان
تدوران في سماء كثر غيمها.. أذابتني اللحظة.. قوس قزح ارتسم وسط تلك السماء،
فتوردت الوجنتان.. تجسدت أيامي كلها في تلك اللحظة.. أحسست بنظراتي تحتويها..
سحبتها.. ألقيت نظرة على الكلمة في الجملة. عرفت المعنى:
-أظنها تعني "متوحش".
قرأنا الجملة معاً. وافقت على صحة
استنتاجي.
-أشكرك.
بل أنا من يجب أن أشكرك. الحرمان كله
ذاب في تلك اللحظة. غادة.. أمنية الأمنيات.. أمنية العمر.. وفي هذه الأيام.. حقاً
في هذه الأيام. وفي اليوم الثاني وبعد أن انتهت المحاضرة.
-يوسف.. أترافقني إلى المكتبة؟!
تخلص من ذاتك وانطلق.. لا تطيق
الجلوس كثيراً.. الآن اعشقه.. غادة بجانبك وهي التي تدعوك.. وداعاً أيتها القضبان.
-لنذهب.
سرنا متجاورين. ليست بعيدة كما
تمنيتها. حاول أن تنطق.. من أين تأتي الكلمات؟! الزمردتان تدوران في ذاك الوجه
الذي تعتليه الغيوم بكبرياء متواضعة. نسمة هواء وتنهال الأمطار.. أين تلك النسمة؟!
-رائعة تلك المدّرسة.
أأقول صوت موسيقى هادئة انطلق من
الأعماق فاستولى على أحاسيسي كلها؟! الأمطار الخفيفة تنعش النفس الظمأى..
-إنها حقاً رائعة..
ما كان مني إلاّ أن أردد كلماتها.
وهل تدور في الأفق كلمات غيرها؟! بحثت عن كلماتي الزاهية فلم أجدها، كعادتي
دائماً..
-غادة.
تابعت. لأول مرة أطلق حروف اسمها
منفردة.. توقفت.. استدارت.. عانقت نظراتها نظراتي.. تحركت شفتاي بدون صوت. قلت
كلاماً كثيراً لكنها لم تسمع.. "أنت هدية من السماء.. أنت الأمل الذي ليس
بعده أمل. غاده.. يا أمنية النفس الملتاعة." تسللت أحاسيس هادئة إلى كل
أنحائي.. لم أعد أشعر بالكون حولي "أنت.. أناقتك.. وجهك وتلك العينان
المرسومتان بريشة فنان رائع.. غادة.." وفي منتصف اللحظة اغتصب أنظارنا أحد
الرفاق.. من ذا الذي أعطاه الحق بملاحقتنا؟!وهل حدث ذلك؟! ربما قادته قدماه في
طريقنا دون أن يدري.. وقبل هذا كله لم تعطي نفسك حق امتلاك الآخرين؟! نحيت كل هذه
الخواطر جانباً وتابعت سيري بجانبها.. رغم توقف الحوار بيننا إلا أنه لم ينقطع في
أعماقنا.
-لماذا توقفت؟!
-لقد اغتصب الآخر جزءاً من اللحظة،
ولأن الكلمات تعثرت على شفتيّ.
-إذن لندخل.
وهكذا دخلنا المكتبة. وبدلاً من أن
أجلس بجانبها ابتعدت عنها وجلست وحيداً. نظرت إلي مشدوهة.. أحسست بعتاب نظراتها..
ما باليد حيلة.. أخشى الآخر.. حساسيتي زائدة.. ولكن ماذا لو جلست بجانبها؟! من ذا
الذي يستطيع أن ينتقد ذلك؟! وهل هناك داع للانتقاد؟! هذه الذات غير سوية.. و..
أتتك فلم تحافظ عليها..
vvv
قال يوسف:
-أما زال الشك يسكن عقلك؟!
بماذا أجيبه؟ الحق أن الشك يتملكني،
لكن روايته للأحداث لها وقع الحقيقة. اختلطت الأشياء في رأسي، لكنه يأسرني بأفكاره
واستنتاجاته.
- قلت :
-قليل منه يتسرب إلى نفسي.
أمسك قدميه بيديه. تكور. رأيت ذلك
الحبل الممتد من صرته إلى مكان أجهله. ما سره؟! انفلت من عقاله وتدفقت الكلمات من
فيه:
-اسمع.. أنا لا أعرف اسمك! ولا
أريد.. أسرتني بدماثة خلقك؟! نعم! لماذا أقص عليك وأنثر عليك أسراري؟! لا أدري!
أحببتك. سأتابع قصتي حتى وإن تسللت خيوط الشك إلى نفسك. يقيني أنك ستصدقني في
النهاية لأنني لا أقول إلا الحقيقة. قلت لك أنني لم أرتح لأفكار ذيبه. أحسست أنها
تخبئ لي ما لا أود أن يحدث، وعندما استلقت عيناي على وجه ذيبة، ارتجفت. التجأت
إليها، فقرأت ما يدور في رأسي. احتضنتني بيديها وقلبها. نظرت إليهم. ضغطت على
جدارها لأسترد انتباهها.
-سأبقى طويلاً حيث أنا!! قلت لها.
-لا تفعل. ستتعفن وستقتلني.
-أخشاهم!!
-من؟!
-ذيب وذيبة
-ذيب أخوك، وذيبة ابنة عمك.
-لن أخرج.
-لا تكن أحمق..
تحامقت ونظرت لها. حتى مسحة الجمال
غادرتها. ترتجف يداها بلا توقف. عطفت عليها وخفت منها. أما هو، فصارم. لم ينطق
كلمة واحدة. نظر إلينا نحن الاثنين. إنها والدته. انعدمت أحاسيس التعاطف من محياه.
لم يلتفت لي. ربما ألقى نظرة عابرة، مهملة، وربما متعالية. سكنت زاويتي المفضلة
واستكنت. أردتها أن تبدو هادئة أمامهم لأحفظها من نظرات التشفي. لم يدم كموني
طويلاً. لقد استعذبت صراخها، واستعذبته هي. سرب العصافير يعلن مكانه بنغمات عذبة
تستلقي بفعلها الروح سكرى، ثم تهيم في فضاءات معبقة بأريج الليلك والزنبق والتمر
حناء. أما أنا فأعلن عن قدومي بصرخات حادة منطلقة منها ومني. طال مكوثهم الثقيل على
القلب. سلبوني لذة مشاكستها. أردتهم أن يخرجوا. صعدت إلى عقلها، وفي طريقي اصطدمت
ببعض أحشائها. تألمت. صرخت. انقبض صدري، فهمست لها" لن أؤلمك" فقط أريد
أن أقول لك سراً على قدر كبير من الأهمية".
-قله بلا حركة، فحركتك تؤلمني. قالت.
-لا أريد أن يسمعانا.
-لن يستطيعا.
-إنهما يراقباننا.
-لكنهما لا يسمعاننا.
-سنلفت انتباههما.
-وماذا في ذلك؟!
-سنثير حقدهما علينا.
-لا تأثير لهما عليك!!
-احتملي لحظات. أرجوك.. لا تصرخي.
تابعت سيري. مررت بقلبها. درت حوله
دون أن ألمسه. وفي حركتي أوسعت له في المكان. ارتخى وتمدد بسهولة ويسر. ارتاحت هي.
تركته وواصلت صعودي إلى أعلى. مررت بحنجرتها. حنجرة صغيرة، رقيقة وجميلة. يخرج
صوتها منها ناعماً ومعبراً بانسياب سهل، لكنه قوي. لم أجرؤ على لمسها. ولأنني
أحببت صوتها، جهدت أن أكون على مسافة منه وأنا في طريقي إلى عقلها. ولكن ورغم
إرادتي اصطدمت حافة إصبع قدمي بأحد حبالها الصوتية، فاهتز الجهاز كله. تألمت هي
وأحسست أنا برعشة جسدها. أطلقت صرخة ضعيفة ناطقة بألم حزين وعاتب. واصلت سيري.
وصلت. سكنت عقلها.
-كيف أنت الآن؟ سألتها.
-تكثر من إيلامي.
-رغماً عني.
-لو سكنت لأرحتني!!
-كيف السبيل إلى خروجهما من الحجرة؟!
قلت هامساً.
-سأتدبر الأمر. فقط كن حيث أنت ولا
تتحرك.
-سأفعل.
صمتنا، صمتاهُما. تاهت عيونهما في
فضاء الحجرة. كان بعيداً عنها ولم يحاول حتى لمسها. إنها زوجته!! ما طبيعة
علاقتهما؟ نظرت إلى ذيبة، ثم نظرت هي إليها.
-ذيبة؟
-ماذا تريدين؟! قالت بجفاء.
-اذهبي وحاولي أن تجمعي بعض الأخشاب
الجافة وأشعلي ناراً. سأحتاج لبعض المياه الساخنة.
لم تجب. ترددت. بقيت حيث هي. بدت
وكأنها فقدت القدرة على الحركة. نظرت إلى ذيب. غرس عينيه الجامدتين في وجهها وكأنه
يأمرها أن تفعل. خرجت. ارتحت أنا. غفوت بين خلاياها. نمت وأرحتها. ارتاحت هي. غفت.
كأنني لم أنم.. انطلقت عيناي من
قيودها. تحسست الحجرة بهما. كلهم نيام. فقط محمود النجار يستعد لصلاة الفجر. دفعت
قوة زائدة إلى جسدي ونهضت. توضأت ثم صلينا معاً.. الفجر.. اعتدت ذلك منذ أيام
السجن المرة. رغم عتمة أيامنا هناك، لم نعدم لحظات تنفرج شفاهنا فيها عن ابتسامة
باهتة، وأحياناً قهقهة من الأعماق..
كان ذلك مساء يوم خريفي ونحن في سجن
عسقلان -وعسقلان هذه مدينة فلسطينننية ساحلية احتفظت باسمها رغم استيلائهم عليها
في المرة الأولى -كنا واحداً وعشرين رجلاً في الحجرة. الشيخ حسن شبانة كان واحداً
منا.. رجل وقور ومتدين.. تخرج في جامعة الأزهر.. شديد الأيمان بربه وبقضيته..
وقفنا جميعاً نصلي المغرب إلا سائقاً لا أدري لم هو في السجن!! ربما نقل أحد
المطلوبين في سيارته دون أن يدري!! لا يؤمن بشيء قدر إيمانه بالمال والنساء..
خاشعين وصامتين كنا خلف الإمام. هو متكئ على ذراعه الأيمن ماداً ساقيه على طولهما
ومواجهاً الجمع. "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة رابحة.. "قرأ
الشيخ حسن بصوت شجي فنزلت السكينة على قلوبنا جميعاً.. وفي اللحظة التي صمت فيها
الشيخ ليسترد أنفاسه، صاح السائق:
-أنا أدلكم..
حتى اللحظة لم يعره أحد انتباهاً.
بقينا صامتين ننتظر الآية التالية وقد تعلقت مشاعرنا بما يرتله الشيخ من آيات
بينات.
-أنا والله أدلكم.
تقطعت حبال الخشوع، وتوجهت بعض
الأنظار إليه.. مستنكرة ربما مستفسرة..
-تجارة النساء والله أربح تجارة. أنا
سائق وذو تجربة.
ذابت حبال الوصل. انفجرنا ضاحكين.
ضحكاً هستيرياً. الكلمات في حد ذاتها لا تستدعي كل تلك القهقهة. لكن الموقف والظرف
والصمت و.. السجن.. وفوق ذلك الرغبة المجنونة اقتلعت الضحكات الصاخبة من حناجرنا.
النساء يا تارك الصلاة؟!! ألم تجد غيرها؟! انفضت الجماعة، وبقي الشيخ حسن وحده
يصلي.. ثم بعد لحظات تجمعنا وأكملنا صلاتنا.
-ذكرتني بأم عدنان يا سائق الشيطان.
قال أبو عدنان وهو شيخ في الستينيات
من عمره. ألقوا القبض عليه لأنه شارك في ثورة الشيخ حسن سلامة أيام كنا مزروعين في
الأرض.
-عندما سأقابل رجال الصليب الأحمر
سأطلب منهم إما أن يطلقوا سراحي أو يحضروا لي أم عدنان في الزنزانة. تابع أبو
عدنان ولا أحد يدري أكان جاداً أم مازحاً.
-انظر إلى هذه الرسالة. قال أبو
عدنان.
-ما بها؟ سألت.
-إنها من ابنتي.. هي خريجة كلية
الصيدلة. حاول أن تستنشق رحيقها.
أدنيت انفي من الرسالة. رائحة زكية
تنبعث منها.
-إن لابنتك هذه ذوقاً رفيعاً.
عمقت نظراتي في وجهه. قرأته. أحد
أولئك الذين حاولوا منع الكارثة. لم يكن بمقدوره ولا الآخرين. ما حدث قد حدث.
وهانحن نعاني. أهي معاناة؟! هي أكثر من ذلك!! إنه يدفع ثمن محاولاته السابقة.
-أحزين أنت يا أبا عدنان؟!
شعرت بسخافة السؤال. لكنه انفلت من
بين شفتيه. نظر إلي باسماً.. ربما قرأ ما يدور داخلي.. انتظر لحظات قبل أن يقول..
-لا.. لست حزيناً.. في تلك الأيام
بعتما تملك أم عدنان من ذهب وهو قليل.. ربما كل ما أهديته لها عند زواجنا.. اشتريت
بندقية قديمة وقليلاً من الطلقات. التحقت بقوات حسن سلامة. نصف الرصاصات فقط انطلق
من بندقيتي ثم تعطلت عن العمل.
قلت الحق يا أبا عدنان. لم يكن
باستطاعتنا تفادي ما وقع. تذكرت وصف غسان كنفاني لرحيلنا من يافا: انطلقت القذائف
تحرق كل مكان إلاّ ذاك الطريق المؤدي إلى الميناء. تدافعنا من خلاله إلى البحر،
ومن هناك تزاحمنا في مراكب وكأنها معدة سابقاً لمثل هذه المهمة، ثم إلى بيروت حيث
استقر بنا المقام.. ظننا أننا سنمكث أياماً معدودة نعود بعدها. لكننا لم نعد
مطلقاً.. وهذه أيام السجن طالت ولم أعد لأؤدي لجهاد قروشه التي خسرتها عشية القبض
علي.
-هل ابنتك متزوجة؟!
للمرة الثانية أطلق سؤالاً لا معنى
له. تماماً كما لم يكن معنى لمغادرتي المكتبة تاركاً غادة وحدها.. حتى إنني لم
أستأذنها. كان أحمد الجبالي.. ذلك الرجل الذي اغتصب روعة اللحظة عندما تسللت حروف
اسمها من بين شفتي قد جلس بالقرب مني وعلى بعد خطوات منها.. لم أتحمل فعلتي. ثقلت
علي ذاتي فخرجت. تركت عينيّ تتوهان في لا شيء، وسمحت لقدميّ أن تقوداني حيث
تريدان.. فقدت الإحساس بكل شيء حولي.. هي عادتي.. حاولت لملمة أفكاري، فتاهت في
الماضي.. الماضي! الماضي ما أقساه.. هي قسوة الأيام.. الصف الأول الإعدادي.. كنت
مميزاً في المدرسة.. أعطاني ابن أخي الأكبر قصصاً ولا أدري كيف حصلت على سروال
جديد.. ربما من وكالة الغوث.. أرتديتهما.. واسترقت نظرة إليها، فلم أجدها.. اغتصبت
"شبشباً" كان لها وخرجت مسرعاً في طريقي إلى المدرسة.. وكالقدر وقفت لي
أمام الباب.
-أيها اللص.. اخلع الشبشب.
اللص.. اقتنصتني أمي من بين يدي
القدر.. أطفالها بعد أخي وأختي ماتوا جميعاً، وعندما التقطتني التفت حولي.. قال
أبي سنسميه يوسف. وقالت أمي. سنسميه عبيد.. اسم الراعي الذي كثيراً ما مرّ بمنزلنا
في طريقه إلى المرعى يوسف.. عبيد.. يوسف.. عبيد.. وأخيراً أسماني أبي
"يوسف" وأسمتني أمي "عبيد" لكن "عبيد" التصق بي،
فعرفني رجال الحي ونساؤه "بعبيد" وكذلك رفاقي، أما يوسف فكان اسمي
الرسمي.. لص.. منذ أن ولدتك أمك.. صمت.. لم أنطق كان أخي مستلقياً في
الفناء.اعتدل. "لص"! سمعها، لا.. بل تكومت في أذنيه.
-اتركيه يذهب به إلى المدرسة!
هذا كل ما قدرت عليه يا ذيب؟!
"اتركيه" يا لك من رجل!! ميسور أنت. وكان باستطاعتك أن تشتري لي حذاء
جديداً.. النقود في مخبئها.. إن لم تتضاعف، يجب ألا تنقص.
-من لا يحترمني لا يجب أن يستعمل
أشيائي. قالت.
أحترمك.. وأنا الذي جاع والسلة
مملوءة بالخبز.. اذهب حافياً إلى المدرسة وجيبك متخمة بالنقود.. احترمك وأنت
تعتبرينني كأني لم أكن.. حاولت.. ولكن نظرات الحقد في عينيك أوقفت كل رجائي..
والآن تغوصين بمعنوياتي إلى تحت الصفر.. انزلقت قدماي من الشبشب وخرجت حافياً إلى
المدرسة.
-فعلت شيئاً ما خطأ وتحاسب نفسك..
اصطدمت الكلمات بأذنيّ.. حروف متفرقة
لم أعرها اهتماماً، فقد كنت في مشادة مع نفسي.. لماذا فعلت ما فعلت؟! لماذا
تركتها؟! أنا الذي انتظرت تلك اللحظة دهراً. وفي أحلام يقظتي صورتها بجانبي،
تحدثني فتذوب نفسي بين كلماتها.. أبحث عن ذاتي فأجدها ممزقة وقد انتثرت على مساحة
جسدها.. شعرها فاحم السواد مصفوف على رأسها بعناية فائقة كأنه غيمة توشك أن تسقط
أمطارها.. عندما تحقق الحلم، هربت..
-يوسف..
صحوت ببطء.. لكني ما زلت غارقاً في
ذاتي.
-أيها الساهم أبداً..
جذبت أحاسيسي.. عدت لنفسي.. نظرت
إليه.. عبد الكريم حسن.. الصديق القريب من النفس. تقاربنا في كل شيء إلا الاستقرار
النفسي.. ابتسمت أجزائي قبل أن ترتسم الابتسامة على شفتيّ.. سعدت لرؤيته.. اتجهت
نحوه..
-ماذا فعلت؟!
تراقص السؤال على شفتيه، فتجسدت
أمامي.. غادة.. السمراء الساحرة.. جسدتها للحظة فذابت ثانية، فجاورتني.. تداخلت
وعبد الكريم.
-أين أنت؟!
الأسئلة التي لا معنى لها تنطلق من
بين شفتي فلا أحاول إيقافها. أشعر بها فقط بعد أن تندفع.. كعادتي دائماً، عندما
اصطدم وزوجة أخي تخرج الكلمات القاسية تلقائياً بدون حساب لعواقبها.. وها أنا ذا
أفعل ذلك..
-أين أنا؟! أنا هنا أبحث عنك.. وأنت
المختفي أبداً إما في ذاتك أو مع الآخرين..
اقتربت منه.. أمسكت بيده.. سرنا في
طريق على جانبيه بساتين الفاكهة التي اشتهرت بها بير زيت.. دخلنا أحدها بلا
استئذان.. التقطنا كثيراً من ثمارها وبدأنا نأكل دون أدنى إحساس بالذنب.. مرّ بنا
أحدهم فصاح..
-ليرحم الله صاحبها..
-ليرحمه الله.. صحنا معاً.
تابعنا سيرنا بلا هدى.. استل لفافة
تبغ وقدمها لي.. أشعلتها رغم أني لا أدخن.. دلقت دفقة من دخانها إلى صدري.. تكومت
في رئتي.. كدت اختنق.. أطلقت أصواتاً حادة إلى أن بدأت أتنفس مرة أخرى.
-لم تعتد التدخين بعد، ولا تستمتع
به.
أثار في نفسي الرغبة في التحدي. طقس
شتائي رائع. الغيوم تغتصب الفضاء الواسع فتحجب صفاء السماء. قطرات رقيقة تصافح
وجوهنا فتنتعش أرواحنا. ارتوت الأرض بما فاضت به السماء فانبعثت منها رائحة رائعة.
مع دخان اللفافة ورائحة الأرض المبتلة بالماء الساقط من السماء حلقت بي أفكاري.
تناسيت عبد الكريم بجانبي.
فقط البيئة تغيرت. كانت رملية سهلة
الاختراق. ما أن انهمر المطر حتى تداخل وكل أجزائها. عبد الكريم وعبد الحليم
وفاروق وأنا وآخران جلسنا تحت شجرة الكينياء الصحراوية. ماذا نستطيع أن نفعل؟! ما
زلنا في مقتبل العمر. الصف الثاني الثانوي. لتكن "جمعية الواجب المقدس"
ذلك أول عهدنا بالتنظيمات السرية. حددنا ما يجب أن يدرسه كل فرد منا: كان نصيبي
(الكلية الحربية). مسؤول العمل العسكري. وعبد الكريم (كلية الطب). وعبد الحكيم
المحاسبة.. وهكذا بدأنا.
-أتذكر يا عبد الكريم؟!
-أوتفكر أنت فيه؟!
-وهل هناك غيره؟!
-ولكن قل لي لماذا كنت غارقاً في
ذاتك؟
أخرجت تنهيدة طويلة دون أن أدري..
نظرت إليه، ثم:
-غادة.
-السمراء؟
-دعتني إلى المكتبة.. ثم خذلتها!
-كعادتك.. ربما تهت عنها في ذاتك..
فأنا أعرفك.. أو ربما قلت ما لا يقال.
-هي الأولى. اغتصب أحمد الجبالي
اللحظة، فتركتها. أنت تعلم أنني لا أطيقه.
-أيها المغفل! دعتك هي.. كن جريئاً
واستمتع باللحظة حتى الثمالة. ما علاقة الجبالي في صفاء لحظة جاد بها الزمان
عليك؟! تحللت من كل المشاعر. قتلتك ذيبة يامسكين!
لا تقل ذلك يا عبد الكريم، فأنا أعرف
ذاتي. وأعرف من الذي حطمها!! لا تعاظم مأساتي. الأحلام تقتلها قسوة الأيام. أما
اللحظة التي تتكلم عنها فقد قتلت يوم تركتني أمي ومن بعدها أبي.
روعة المكان وجمال الطبيعة الجبلية
سلبتانا من ذاتنا. سرنا خطوات طويلة دون كلمات. لكنه استرد ذاته قبلي فنظر إلي.
أيقظني من خلوتي مع نفسي.
-تناسيت واقعك. قال.
أخذت الأمطار تزداد فرجعنا قبل أن
يبدأ انهمارها.
ما زالت عيناه محمرتين، تنطقان
بمعاناته القاسية. كان بكاؤه حاراً، وحزنه عميقاً. مات الرجل.. مات الأمل. وفي تلك
الأيام لم أعد أراه كذلك.. الهزيمة كانت قاسية. الأحلام التي أيقظها داخلنا كانت
عظيمة، وعندما وقعت الهزيمة كانت الصدمة أعظم.
-أما زلت حزيناً يا محمود؟!
سألته ولوّن صوتي هذه المرة حزن دفين
بدأ يستولي على أفكاري.
-أصبحت الحياة بلا معنى..
-إلى هذا الحد؟!
-بل أكثر من ذلك.
وأنا المعروف بسوداويتي.. هنا رجل
فاقني سوداوية.. الفارق أبداً في أحزاني.. هو أنه فاقني حزناً.. أظنه حزن اللحظة..
لكن حزني أبدي.. منذ ذلك اليوم الذي فقدت فيه أمي وبعدها بعدة شهور أبي، قدري في
هذه الدنيا شؤم.. تدثرت أيامي بالمصاعب والحزن الجارف يوم تولاني أخي وزوجته..
-كم ولداً لك يا محمود؟!
-زوجة وثلاثة أولاد..
-ألست حزيناً على فراقهم؟!
واحد من الأسئلة التي لا معنى لها..
كنت أود أن أسأله عن مدى حزنه لموت الرئيس ومقارنته بحزنه على فراق أولاده وزوجته.
خانتني اللغة، كما هي العادة، فأطلقت سؤالاً لا معنى له. لا بد أن الحزن يكون
كاسحاً في مثل هذه الظروف.
خانته اللغة هو الآخر. لم يكن في
مقدوره الإجابة عن السؤال. ليس عجزاً ولكن الألم كان أقوى من الكلمات، فانزلقت
سحابة حزن عميق على مساحة وجهه. أحسست مقدار معاناته وحزنه. مسكين أنت يا محمود..
زوجة وثلاثة أطفال؟! من ذا الذي سيرعاهم؟! ولمن يذهبون عندما تغدر بهم الأيام؟!
وهل سيواجه هؤلاء الأطفال ما واجهته أنا؟! وأنت.. أنت.. الرجل الأربعيني.. ماذا بقي
في الحياة لتعيش من أجله؟! هل بإمكانك إحضارهم هنا؟! وهل سبل العيش هنا كما هي
هناك في غزة؟! ظني أن هذه الأسئلة كانت أيضاً في رأسه.
-الإفطار. صاح الشرطي.
نظرت إلى الباب المغلق.. انفتح في
ثوان.. دخل رجلان أظنهما سجينين قدّما لكل منا قطعة من الخبز مع قطعة من الجبن
وبعض حبات الزيتون.. ثم كأساً من الشاي. حملت أشيائي وجاورت محمود.. انجذبت إليه..
ربما أشاركه مأساته.. أو ليشاركني هو مأساتي.. ربما.. لنتقاسم المأساة معاً..
أدخلت قطعة صغيرة من الخبز في فمي.. الحقتها بقليل من الشاي.. صعب أن تدخل في
أمعائك مالا تشتهيه النفس.. كيف كنت تفعل ذلك عندما كنت هناك في سجن عسقلان؟! ذلك
المكان الذي احتضنك فترة طويلة من الزمن.. كنت تشعر فيه بالأمان.. أن تحشر نفسك
بين واحد وعشرين رجلاً وأن تنام آمناً هو الحلم بعينه.. كنت دائماً وحيداً.. وفجأة
تجد نفسك مع رفاق كلهم في مثل حماستك.. كلهم يحمل همومك.. تقاسمنا الهم والألم كما
نفعل الآن.. في الصباح الباكر، يصيح جندي الحراسة "عدد".. تنهض من نومك
متثاقلاً.. تقفز إلى الحمام وتغسل وجهك ثم ترتب أغطيتك وتصطف كما لو كنت جندياً في
طابور الصباح.. يمر العسكري اليهودي وهو غالباً برتبة رقيب مصطحباً معه جندياً
آخر. يصرخ عريف الحجرة برقم السجناء، ولا يطمئن العسكري إلى الرقم فيعدنا ليتأكد
من ذلك.. وعندما يخرجان من الحجرة نبدأ يومنا.
"الإفطار" يصرخ الحارس.
وغالباً ما كان يقول ذلك بنصف عربية ونصف عبرية.. "جروان على الباب"
يقوم عريف الحجرة بترتيب فناجين الشاي. يصب سجين يعمل في مطبخ السجن سائلاً أصفر
اللون يقال عنه شاي. ثم يقدمون لنا بيضة وقطعة خبز وبعض الزيتون. السجن هو السجن..
هنا في الكرك أو هناك في عسقلان.. ينتابك شعور غريب.. استسلمت للأيام أو ربما
استسلمت لك الأيام.. أنت مكوم داخلها أو هي مكومة داخلك.. استرخاء لا نهاية له..
يمضي الزمن رغم إرادتك.. رحلة طويلة عبر الدقائق والساعات، وأنت لا تشعر بمعاناة
تلك الرحلة لانعدام إحساسك بالزمن.. القتال.. أي قتال؟! ما زال ضارياً.. والأفكار
زادت حدتها داخلك.
-هل انتهى كل شيء؟! سألنا الجندي.
نظر إلينا باستنكار، ثم قال بحدة:
-كيف ينتهي كل شيء وخلف كل جدار
رجل؟!
أجاب دون أن يعطي نفسه دقيقة ليفكر.
إذن الرجال هناك ولا أحد يستطيع اقتلاعهم. وهذه الأصوات الثقيلة على النفس. أما آن
لها أن تنتهي؟! تتقاذفك الأمواج الهائجة. تستسلم لها. استسلمنا للواقع. أخذنا
ننتظر. وفجأة ظهر بالباب جندي من البادية يحمل رشاشاً أمريكي الصنع.. متوثباً كأنه
مصارع ثيران وقد اقترب منه الثور مهاجماً.. وجهه صارم قدّ من صخر.. تفحصنا بعيني
صقر..
-انتم والله الرجال! أما هؤلاء..
إنهم لصوص.. يقولون أنه لا سلاح لدينا لقتال إسرائيل.. والآن يملؤون الدنيا صراخاً
عن النابالم الذي نقذفهم به.
قال بافتخار. ألقى محاضرة في دقائق.
كلماته البسيطة رسمت صورة دقيقة للوضع في تلك الأيام. نظرت إليه.. تعمقت داخله..
أنت والله رجل.. تقاتل كرجل.. الذي غرس الفكرة في رأسك بأن هؤلاء الذين تقاتلهم
لصوص، يستطيع أن يزرع الفكرة الأخرى وستقاتل وتنتصر.. سنوات طويلة وتلك النبتة
الشيطانية تترعرع في رأسك، وهناك من يرعاها ويمدها بالماء والطعام.. ها هو غضبك
ينفجر كالبركان يدمر كل شيء.. حتى الأطفال.. لأن من غرس الفكرة في رأسك أوحى لك
أنهم ورغم براءتهم هم نبتات شيطانية يجب اقتلاعها.. وها أنت ذا تفعل.
زاد صمتنا. صمت هو أيضاً. وماذا كان
باستطاعتنا أن نقول. لقد قال هو، وما علينا إلا أن نسمع. وعندما انتهى، تكلم
الصمت. كانت كلماته ثاقبة. ربما سمعها هو. لا أظن أن تلك الكلمات الصاخبة فعلت
شيئاً في تكوين عقله الذي صقل منذ زمن بعيد. ذهب. تنفسنا الصعداء. أحقاً هم لصوص؟!
هكذا وصفتني ذيبة ذات يوم.. وهل كنت حقاً لصاً؟! أن أقتنص ما يقيني رمضاء الطريق
يحولني إلى لص؟!
عندما بدأت قطرات الماء الساقطة من
السماء تتزاحم على أجسادنا، آثرنا الرجوع إلى مبنى الكلية. أسرعنا الخطى، وفي
لحظات كنا هناك نحتمي من زخات المطر في بناية من البنايات. كيف انبثقت من لا شيء؟!
لا أعرف. شامخة وقفت أمامي. تكسرت اللغة على سطح نظراتها اللماحة. عندما نظرت
إليها، أيقنت أن لديها الكثير لتقوله.. انتظرت ولا خطة لدي لمواجهة الموقف. اعتمدت
على الظروف لتنقذني مما فعلت.
vvv
إغفاءته كانت قصيرة. أدرت ما حدثني
به في رأسي. عجبت منه وعجبت من نفسي. كيف لي أن أصدق كل ما قاله؟! واصلت الاستماع
له. أغراني بحلو الحديث وغرائبيته، واستغل هو افتتاني به وتابع روايته بلا توقف.
عندما رأيته يغفو، حاولت أنا أن أنصرف. وفي اللحظة التي قررت فيها أن أغادر،
أوقفني بإشارة من يده. دققت النظر فيه، ثم صحت:
-يا يوسف يا بن يوسف الهلالي!! ماذا
جرى لك؟ أتستخف بقدراتي العقلية؟!!
-من قال هذا؟! قال بحدة.
-بصراحة أنا لا أفهم ما تقول.
-أنت لا تريد أن تفهم!!
-كيف؟!
-اسمع:
بعد أن خرجت ذيبه مكرهة، بقي هو في
الحجرة. لفت انتباهها إلى وجوده. طمأنتني وطلبت مني ألا أرتعب منه. لكنه موجود.
قلت لها. وماذا في ذلك؟! قالت. ثم تابعت وصيتها -لاحظ كلمة وصيتها، هل تعني لك
شيئاً؟! إذن انتظر وستعرف- لا تترك مخاوفك تأخذك بعيداً. كن قوياً وسينكمش هو على
نفسه ويتركك طليقاً. وعلى مدى أيام عمري التزمت نصيحتها.
-ذيب. قالت بصوت ضعيف.
-نعم! قال.
-أريدك أن تعدني.
-بماذا؟
-أن تحافظ على أخيك.
-كيف؟!
-أن تلبي له احتياجاته.
-متى؟!
-وقتما يريد.
-سأحاول.
استمعت إلى كلامهم. استوقفتني كلمة
سأحاول. إنها ليست وعداً. كلمة عائمة لا تعني شيئاً. كيف ستتم هذه المحاولة؟!
ولماذا تطلب منه ذلك؟! استولى القلق على أفكاري. بماذا تفكر؟! لا.. لا أظن ذلك.
احتمالات المستقبل، وهذه إحداها. ولكن ليس بهذه السرعة.
-لماذا تقولين ما تقولين؟! همست لها.
لم تسمعني. ضغطت على جدار عقلها
بلطف. لكن صرختها أرعبتني وأرعبت ذيب الذي تململ في مكانه دون أن تظهر مشاعر القلق
على وجهه. أنني أخيفه. سعدت لهذا الخاطر. كررت المحاولة مرة أخرى، فكانت صرختها
أقوى من الأولى. الآن.. الآن فقط تسربت
مشاعر الخوف والقلق إليه. غادرت عيناه. اندست إحدى يديه في جيب سرواله. لم ينطق.
تململ في مكانه. دار بعينيه فضاء الحجرة. ثوان، ثم غادرنا. تدحرجت مشاعر سعادتي
أمامها. اختلطت بأفكارها. انزعجت. ما كان يجب عليك أن ترعبه، أنه أخوك. قالت
عاتبة.
-إلى أين ذهب؟ سألتها.
-لا أدري. أليس هذا ما أردته؟!
-نعم والآن كيف تشعرين؟
-ما دمت ساكناً، فأنا هادئة وسعيدة
بصحبتك.
-سأبقى ساكناً إن كنت تحبين ذلك.
تركتها حيث هي وتجولت في الحجرة. من
قال أنها حجرة؟! أكوام من الطين أخذت أشكال الجدران. أخشاب فقدت القدرة على
الاعتدال بفعل ثقل الأحجار فوقها. أما النافذة. فلوحان من الخشب متوازيان. أن
فتحتهما، تحتاج لوقت طويل لتثبتهما في مكانهما مرة أخرى. وإن لم تكن حذراً، فربما
تصدع الجدار أو انهار بعض منه. لذلك يبقونه مغلقاً طوال السنة ليتخلصوا مما يسببه
لهم من صداع. هل سأعيش هنا؟! سألت نفسي. لم أجب. ألغيت التفكير في المستقبل حتى لا
أصاب بالإحباط الذي يبدو أنه سيلازمني فترات طويلة من حياتي.
-أين ذهبت؟! سألتني.
-ما زلت بجانبك.
-بجسدك فقط!
-ها أنذا أعود إليك.
-أسعدتني بانتظارك.
-انتظريني أنت..
تستجدي سرعة سير الدقائق.. أثقل عليك
الزمن.. تباطؤه يقتل الرغبة لديك في الحركة. ألقيت نظرة في الفضاء.. تائهة
كأفكاري.. صافية لا يعكر صفوها شيء.. وقفت. مددت ذراعيّ على طولهما. استدرجت تياراً
من الهواء إلى رئتيّ. ملأني. ترنحت أجزائي للحظات. بعدها عادت كما كانت. طفت
الفضاء مرة أخرى. كل شيء هادئ. غادرنا الجندي المتحفز. تجولت قدماي في ساحة السجن
الواسعة، وتجولت المدينة في أنحاء الذاكرة المكتنزة. تحقق الحلم. وحدك في الفضاء
الواسع. أنت لذاتك. اقتحمتك الحياة من حيث أردت. لا تنتظر. انزلقت عيناي إلى أسفل.
التصق بالذاكرة.. "لص" وسلبتني إياه.. وذلك الجالس يشاهد ما يحدث..
اتركيه له.. سرقتني الذكرى فاستسلمت لها.
لا أحد حولي. أنا والفراغ والحرمان.
حجرة ضيقة وشيء يقال عنه حامل عليه كومة من الأغطية. مددت يدي فاصطدمت بشيء معدني.
التقطته. سحبت يدي من بين الأغطية. نظرت بذهول إلى ما تحتويه. نصف قرش. هدية لم
أتوقعها.. هدية منها. ربما. نصف قرش.. جيوبه مملوءة بالقروش. يعز عليه مفارقة
أحدها. يعشقها كفتاة رائعة الجمال. وعندما يخرج قرش منه، فإن الكتابة عليه تلتصق بأصابعه.
حملت كنزي بيد ترتعش. حملتني قدماي خارج المنزل. تراقصت الأشياء أمامي، فأنا أملك
نصف قرش.. عدوْت.. عدوْت وها أنذا في السوق.. طفته مرات عديدة.. مضى وقت طويل قبل
أن أقرر مصير نصف القرش هذا.. أخيراً قررت.. كانت رائحتها تجتذب المارة.. وجهها
النحاسي يدعوك لتقبيلها.. إذن هي.. هذا هو قراري.. اقتربت منها باحترام..
حاورتها.. استنشقت عبيرها.. تماماً كما استنشقت عبير غاده عندما دنوت منها.. تحسست
كنزي الذي أحكمت قبضة يدي عليه.. لا بد من التنفيذ.
-أريد بنصف قرش.
التقطه البائع.. وضع سكينه العريض في
خاصرتها.. لا تفعل ذلك يا رجل!! وهل مثلها يطعن بسكين؟! إن كنت لا بد فاعلاً، فكن
رقيق القلب.. لا تدعه يغوص في أعماقها.. تحددت لي.. دفعت كنزي ثمناً لها..
سأتذوقها.. أتذكر تاريخ آخر مرة تذوقتها؟! سؤال صعب.. مرور الزمن أنساني اسمها..
كنت ألحظها من بعيد.. أكتفي بذلك.. تدور بي الدنيا، أو أدور بها.. وها هي ذي
القطعة أمامي، حقيقة أمامي.. سألون معدتي بها.
انتظرت لحظات طويلة حتى اكتملت
القطعة وتربعت بكبرياء على صفحة ورقة نظييفة. امتدت يد البائع نحوي. لم أهاجمها.
ولم انقض عليها. عاملتها باحترام فائق. وبرفق مددت يداً مرتجفة. احتضنت ثمن كنزي.
تركتها ترتاح في راحة يدي. نظرت لها طويلاً.. ثم نظرت إلى السماء الصافية. رأيتها
هناك:
يا أم ذيب.. يا أمي.. اليوم سأحتضن
الحياة.. سأتذوق طعمها.. سبحان الذي سخر هذا لي.. في أحلام يقظتي المتواصلة لم
تلتقط يدي مثل هذه القطعة.. وها هي ترتاح في راحة يدي.. أودْ أن تشاركيني.. هيهات
أن تتحقق أماني.. تأسرني الهموم فأنقطع إليك.. أنت التي تركتني مرغمة. وهل كان في
الإمكان رفع يد القدر عن عنقك؟! لا أظن.. ها هي ذي في يدي.. ألا تشاركينني فيها؟!
-انتظر.
صوت قادم من لا مكان.. عصرت حواسي
كلها.. أردت أن أتنبه.. "انتظر".. رفعت رأسي إلى أعلى.. صفاء السماء
تجتاحه غيمة سوداء.. هل أتى الصوت منها؟!
-عبيد.
يا رب السموات والأرض!! أو تكون هي؟!
الاسم الأثير لديها.. "عبيد" سأنتظرك ولو طال انتظاري. اقتربت الغيمة..
تتهادى باتجاهي.. يا أم ذيب! هل تكونين بجانبي الآن؟! لا أستطيع تجسيدك، فأنا لا
أعرف ملامحك.. أعرف أن لي أماً.. أنت.. ولكن أين أنت؟!
-انتظر يا عبيد.
ضغطت على ذاتي.. اخترقت أفكاري..
ربما تجاورني.. يا خالق الخلق.. يا مطعم الطير.. يا مقدر القدر.. جد علي وأرسلها
لي.. جسدها أمامي.. انتظرتها طويلاً.. وها هي ذي تناديني!
-عبيد.. أعطني قطعة.
الحمد لله.. الواهب والمانع..
القهار.. ها هي.. كل القطعة لك.. طوقيني بذراعيك.. تناسيت تلك المحتضنة راحة يدي..
وبدون أن أدري رفعت ذراعي بعنف.. عنف اللهفة. ودوران العاصفة.. هيجان الذات
الملتاعة.. هتفت من أعماقي:
-أين أنت؟!
اهتز جسدي كله. ترتجف الأمنية وتقفز
هدية السماء من يدي. تندلق على الأرض بدلال. يقفز معها قلبي خافقاً مستجيراً
باكياً..
-تضحي بها على الأرض ولا تذيقني
شيئاً منها!
من الوضع جالساً، جالساً حول قطعتي.
نظرت إليه.. إليها.. لا أدري.
-أهذا أنت؟!
تجسد الصوت القادم من الغيمة السوداء
في شخصه، وضاعت أمنية الأمنيات. اندلقت على الأرض في لحظة تعلق الآمال بخيوط الريح
"أهذا أنت!" رددت السؤال من الوضع مكوماً حول أمنيتي المقتولة.
-كنت أريد قطعة.
كنت تريد قطعة، وكنت أنا أريد شيئاً
آخر. ها هي ذي الأشياء كلها تستلقي على الأرض. تعال وجاورني. علنا نقتسم بعضاً منها
معاً. كنت جاداً. ذهل. "تقدم يا عبد الرحمن". أحطتها بذراعي، وأحاطني
الجمع. كان أطولهم. انحنى بجانبي. تركت له مكاناً. بدأنا نلتهم القطعة معاً.
تجاهلنا الجمع المشدوه. جزئيات التراب التي علقت بما أكلناه تسللت إلى أمعائنا مع
القطع الحلوة. لم نشعر بها. نهضت. استعذبت الصمت. ألقيت نظرة على ذاتي. تركت من
كان حولي وغادرت. تركت الأماني العارية خلفي. غالطت نفسي. لقد سمعتها.
الهدوء الكثيف حدد حركتنا. ندور في
مساحة ضيقة. كل منا تائه في ذاته. فجأة انسحب الهدوء. جندي.. آثر الهروب من
المعارك الدائرة. ألقوه معنا في السجن. لم نحادثه، ولم يحاول هو. تصفحنا بسرعة.
اكتشف أن له من العلو ما يمنعه من مخالطتنا. توارى عن الأنظار. عدت لما كنت فيه:
أتأمل الفضاء الشاسع بلا ملل.
-أيها المعتوه.. توقف.
شق السكون صوت هادر. كاد الرصاص
يلعلع. في اللحظة الحاسمة ألقوه أرضاً. ذلك الهارب من الخدمة استولى على رشاش من
مركز الشرطة. جاور بناء عالياً وصوب رشاشه باتجاه القلعة التي يتمركز فيها مجموعة
من الفدائيين. لو أطلق رصاصة واحدة لانتقلت جهنم إلينا!! انقض عليه شرطي فحفظ لنا
حياتنا. ألقوه بيننا تلاحقه اللعنات. أيقن أنه رهن السجن. جلس ذليلاً بلا حراك. لم
نحاول مواساته.. لا يستحقها.
-أو تطول إقامتنا هنا؟!
سألت بلا روح. لقد استولى القلق على
أفكاري. رغبت في الحياة وأنا الذي كثيراً ما تمنيت أن أغادرها. عندما ألقاني
الجندي الإسرائيلي وسط المجنزرة وألقى بحذائه الضخم فوق رأسي، تمنيت أن ينفجر لغم
ويحول المجنزرة بمن فيها إلى كتلة من جهنم. احترق الألم داخلي. انتشرت البلادة في
جسدي كله، انعدم إحساسي بالأشياء. تلمست أرض المجنزرة: باردة كأجزائي. ستسلمت. كان
هدير المحرك يخترق رأسي بعنف، فيعيد لي إحساسي مرة أخرى. عندها يزداد ثقل الحذاء
فوق رأسي. لم ألعن الزمن، لكني لعنت الظروف والظلام والأحلام الكاذبة. أخيراً توقف
الركب. انعدم إحساسي بالمكان مرة أخرى. وقفت مذهولاً أحاطني أحدهم بذراعه الضخمة.
لحيته الكثيفة زادت ذهولي.
-هل تتكلم العبرية؟ سألني.
-لا.
-والانجليزية؟
-أتكلمها.
-بطلاقة؟
-لا.. ليس كما تظن.
أوقفوني ووجهي للحائط. يداي
مرفوعتان. قدماي، لذهولي، كانتا ثابتتين. استرددت ذاتي ثانية، وبدأت أشعر
بإنسانيتي. عدت أنا كما أنا.
-تحرك.
تحركت في ممر طويل. أبواب زنزانات
مغلقة وأصوات صراخ تأتي من بعيد. العتمة الخفيفة زادت رهبة المكان. لحظات صمت
قصيرة تخترقها أصوات صراخ مرعبة.. ثم يعود الصمت مرة أخرى. وأمام باب مفتوح ألصق
جندي قبضة يده بعنقي من الخلف.
-قف.
-توقفت.
-ادخل.
دخلت حجرة جرداء استلقت في أرضيتها
طاولة مهترئة ومقعدان ليسا بأحسن حال منها.
-اجلس.
جلست ووجهي لجدار اهترأت واجهته..
ربما من صراخ أحد المعتقلين.. انتظرت.. وفجأة انبثق من لا مكان وواجهني.. هو ضابط
الاستخبارات الذي ألقى القبض علي. تجمعت خيوط أفكار متناثرة بين يديّ.. سأحاول أن
أنجو بجلدي.
-ماذا فعلت؟!
تسللت حروف سؤالها ببطء عبر الهواء
الذي يفصل وجهينا إلى أذنيّ، ومن ثم إلى أجزاء قلبي.. تناثرت ذرات جسدي في
اللامكان.. صعدت روحي وحلقت بعيداً.. تجمعت بقاياي.. وتسللت عيناي إلى عيونها..
ازدحم الهواء بأنفاسها وعبير عطرها.. نزلت عيناي من عليائها.. ثم وببطء ارتفعت
إليها.
-غمرتني أحاسيس لم أعتدها فأثقلت
علي.
انفرجت شفتاها عن ابتسامة ساحرة.
لمعت حبات اللؤلؤ في فيها، تسربت موسيقاها إلى أذني..
-ما كان يجب أن تتركني وحيدة وتخرج..
ولكن الأيام قست علي فأصبحت أفعل ما
لا يجب أن أفعله.. أثقل علي ظله، فكرهت أن أكون حيث يكون. خرجت.. رمقتني بنظرة
لائمة.. لكنها لم تعدني حيث كنت..
-يجب أن تكوني رحيمة به، لأنه يملك
مما فعل الكثير..
تدخل عبد الكريم. أحببت مداخلته.
أنقذني في الوقت المناسب. دعانا لنتناول كأساً من الشاي. وافقنا، وفي الطريق قالت
غادة.
-مهما يكن، ما كان عليه أن يغادر
ويتركني وحيدة.. ذهبنا معاً، وكان علينا أن نعود معاً.
جاورتها في طريقنا إلى الكفتريا..
اقتربت هي مني.. أن تقتنص لحظات السعادة من بين شقاء الأيام المتراكم هي السعادة
بعينها.. خفت عليها أن تسقط من بين يدي فأطبقت شفتي ولم أنطق.. حرفت مدار الذاكرة
حتى تتقوقع في اللحظة.. نجحت.. عانقتها بنظراتي.. وددت لو أذهب معها إلى آخر
الدنيا لنعيش وحيدين.. ها هي ذي الأحلام تطبق علي.. أعددت لها المكان فرافقتني
رفقة لا أنفاك منها.. أقول لكم الحق إنها تريحني.. أهرب من قسوة أيامي وأتدثر
بأحلامي، أنجح أحياناً، ولكني أخفق أغلب الأوقات..
-نحن نعرف عنك كل شيء و..
فقاطعته بهدوء.. أغراني أنه لم يكن
شرساً معي حتى الآن.
-أريد أن أسألك.
نظر إلي طويلاً.. لعله قرأ ما
بداخلي.
-ليكن.
-هل أنا إنسان أم حيوان؟!
استغرب سؤالي.. لكنه لم يستخفه..
ربما فاجأته.
-بالطبع أنت إنسان.
وهذه الإنسانية المهانة، ماذا أفعل
بها؟! أن استلقي في منتصف المجنزرة والأحذية الثقيلة فوق رأسي وبقايا جسدي المنهك
دائماً.. تسربت إنسانيتي وبقي الحيوان داخلي يصرخ بلوعة.
-إذا كنت كذلك، فلماذا عاملني جنودك
بلا إنسانية..
فهم ما قصدت. جاراني في حوار
الإنسانية، ربما ليستدرجني. ظني أن أسلوبهم مدروس: ضعوا المعتقل في أدنى درجات
الإنسانية ليسهل استجوابه. الخوف والاحتقار والشراسة كلها تقودك إلى الهاوية.
-وماذا عن جنودكم؟! يقطعون جنودنا
قطعاً صغيرة بعد قتلهم.
أعرف أن هذا ليس صحيحاً. لم أسمع عن
ذلك من قبل. كان عليه أن يقول ما قاله ليبرر وحشية المعاملة.. وبسرعة قلت:
-أنا لست ضابطاً ولامسؤولاً عما
يفعله الجنود، أما أنت فضابط ومسؤول عما يفعله جنودك.
ربما أعجبته الإجابة!! وربما جاراني
في أفكاري لاستدراجي فقال:
-إذا فعل جنودي معك ذلك فأنا آسف.
والآن قل كل شيء.
-لقد قلت كل شيء!!
رماني بنظرة طويلة ماكرة مهددة، ربما
محتقرة وربما معجبة. ضاعف طول نظرته، فازدادت مخاوفي.. علي أن أحفظ نفسي ورفاق
دربي.. حتى الآن كل شيء هادئ. لكنه هدوء مملوء بالقلق وبأسوأ الاحتمالات. ها أنذا
وجهاً لوجه معهم.
-ستكون كومة من العظام محاطة بقطع
لحم متهرئ.
-كيف؟!
-الآن سترى.
وفجأة دخل ضابط طويل. الشراسة في
وجهه تنطق بكل سفالات الأرض. عرفت فيما بعد أن اسمه رحاميم. "جزار سجن
غزة". هكذا وصفوه لي فيما بعد.. تمدد طولياً أمامي. عمود من الخرسانة.. نشر
الخوف ليس في أجزائي فقط، ولكن في أنحاء الزنزانة كلها. دخل رجل آخر مربوع القامة،
أبيض البشرة، سميك كدلفين خرج لتوه من البحر.. وقفا يستمعان للحوار بيني وبين ذاك
الذي ألقى القبض علي.
-لو سمحت..
قاطعت المحقق بهذه الكلمات. صاعقة من
سقف الزنزانة سقطت فوق رقبتي. شلت أفكاري. أعادتني إلى البداية التي حاولت
تجاوزها.
-تكلم جيداً عندما تتحدث إلى سادتك
أيها الكلب الضال..
تكلم جيداً.. "لو سمحت"
تلك تستعملها عندما تسترد إنسانيتك، أما هنا.. فنحن سادتك.. "سيدي" هي
الكلمة التي يجب أن تخاطبهم بها.. أو ليس هم من يقرر مصيرك؟!
التفوا حولي، وأنا بينهم كطريدة
تقطعت بها السبل..
جلسنا حول طاولة نظيفة.. النسمات
الشتائية تتسلل عبر نوافذ الكفتريا، فتحرك الأحاسيس الحلوة وتثيرها.. شعرها الأسود
يظلل وجهها الملائكي فتزداد روعة اللحظة روعة.. أتوه في أزقة لا نهاية لها.. أخرج
عبد الكريم علبة لفائفه.. ألقى بواحدة لي. لم أتردد في الإمساك بها.. لدهشتي قبلت
غادة لفافة منه.. أشعلنا لفائفنا وأخذنا ندخن باستمتاع ونشرب الشاي الساخن فتحلق
أرواحنا في فضاء مترامي الأطراف. قلت
-أيكفي هذا اعتذاراً يا غادة؟ قالت:
-الحمد لله أنك نطقت.
-أعطه حقه يا غادة، فأنا أعرف يوسف
يوم كنا في المدرسة الثانوية معاً.. يحتقن أحياناً فتتراكم الكلمات داخله..
تثقله.. يسافر بها بعيداً.. يتوه في صحارى الحياة.. وأخيراً ينفجر ويطيح بأثقاله
كلها.
-أحقاً أنت كذلك؟! سألتني.
-هكذا يقول عبد الكريم.. ربما أنا
كذلك.
اصطدمت نظراتها وهي في الطريق
بعينيّ.. ذوت سعادتي عندما تذكرت الوسامة.. نصيبي منها لم يكن كثيراً.. ذوت
ملامحي.. اندلقت أفكاري داخلي.. تكسرت الكلمات داخل شفتي.. ازدادت أثقالي..
سافرت.. أمسكني عبد الكريم في اللحظة التي كنت أعتلي فيها ظهر الحياة لائماً
شاكياً ونادماً.. سأل:
-أين ذهبت؟!
عدت ثانية إليهم.. اتعبتني اللحظة،
لم أعتد تلك السعادة الغامرة.. رأيتها وهي تنظر إلى ساعتها.. عرفت أن موعد الرحيل
قادم لا محاله -لقد جادت علي الحياة بلحظات لا مثيل لها. جاء الوقت الذي ستقذفني
فيه هذه الحياة في متاهاتها.. لأقم بالمهمة بنفسي.. نظرت إليها.. وددت أن أستنزف
اللحظة الباقية بنظرة طويلة إلى ملامحها التي أسرتني حتى الاستسلام.. ملأت شقاً من
الذاكرة بأساريرها الآسرة.
-محاضرة الدكتورة نهلة ستبدأ بعد
قليل.
قلت وفي عقلي كانت تلك العبارة
"بيدي لا بيد عمرو" تتقافز فرحة. التقطت يد عبد الكريم ونهضت به..
غادرنا فناء الكلية في طريقنا إلى موقف الحافلات.
-أوتظن أننا سنلقاه؟ سأل.
-هكذا تواعدنا.
-اليوم؟
-نعم، مساء اليوم بعد العشاء.
-وخليل يعرف ذلك؟
-هو من حدد الموعد.
مررنا بذلك البستان الغائب صاحبه..
ما زالت أشجار المشمش والبرقوق محملة بأكوام من الثمار.. لم يكن لدينا متسع من
الوقت لنملأ معدتنا ببعض منه.. وعندما وصلنا إلى الموقف كانت الحافلة تتحرك في
طريقها إلى رام الله.. انزلقنا في جوفها فأسرعت خطاها، ومعها تاهت أفكارنا..
هي البداية.. علينا أن نفعل شيئاً..
وها هو ذا خليل أبو خديجة يفتح لنا الباب.
-أواثق منه أنت؟! سألني عبد الكريم.
-إنه يوحي بذلك!
-وكيف قابلته؟
-كنت أجلس أمام مكتبه.
-تائهاً بأفكارك كالعادة.
-أظنه تأملني جيداً ولمدة طويلة.. ثم
جاءني مبتسماً.. أسمر مثلي.. طويل ممتلئ الجسم.
-مرحباً. قال.
-أهلاً.
-من أين الأخ؟ سألني.
-من غزة وبالتحديد من معسكر جباليا.
-أهلاً وسهلاً.. أنا خليل أبو خديجة
من رام الله وموظف في معهد المعلمين.
-أهلا أخ خليل.
ثم قدم لي علبة كوكاكولا.. بدأت
أتذوقها باستمتاع شاكراً له مبادرته.. قدم لي لفافة تبغ ترددت في أخذها، وتحت
إلحاحه أشعلتها.. بدأت أنفث الدخان في الهواء وأتابعه بمتعة شديدة.. كان الوقت
صيفاً، وصيف رام الله رقيق، تهب فيه نسمات جميلة فترتاح النفس المهمومة، فنحن فوق
جبل يبعد عن المدينة مسافة ليست بالقريبة. في تلك الأجواء يفقد الإنسان إحساسه
بالواقع ويدور في دنيا أفكاره..
و"أنا خير من يدور في دنيا
أفكاري" كما قال عبد الكريم ذات يوم لي.. درت وعيناي إلى النافذة فسحرتني
المناظر الجبلية الأخاذة. إنها رام الله. تلك المدينة التي أظن أن الملائكة
اتخذتها مسكناً لها. مددت نظري إلى ما لا نهاية حيث تلتقي السماء بالأرض وكأن خيمة
زرقاء انتصبت فوق تلك البقعة الساحرة. ولقد زاد اللحظة روعة أن سائق الحافلة أطلق
العنان لصوت فيروز من خلال آلة التسجيل لتشدو بأرق نغم عن القدس..
لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي..
لأجلك يا قدس..
ثم.. جسر العودة.. جسراً خشبياً يسبح
فوق الماء..
جسر العودة.. منذ تلك الأيام السوداء
سنة 48 ونحن ندعو كل شيء عودة إلا عودتنا الحقيقية لا ندعوها كذلك. تقول أختي أن
والدتي حزنت حزناً قاتلاً عندما غادرنا دير سنيد وأرضنا وسكنا في قرية بيت لاهيا..
لاجئين ينتظرون يوم العودة. وأكثر ما آلم والدتي فراقها لتلك البقرة الحلوب التي
كانت تحدثها كطفلة.. اختفت أكواب الحليب الصباحية التي كانت تقدمها لأبنائها.. طال
انتظار والدتي ومعها والدي ليوم العودة. وازدادت عليها الهموم والآلام.. ضعفت
مقاومتها، وبعد أن أنجبتني بساعات لم تستطع المقاومة. غلبها الألم والحزن ففارقت
الحياة لوعة وحسرة على الأرض المسروقة وبقرتها الحلوب.. أما والدي فقد هاجمته
الوحدة والآلام بعد وفاة والدتي.. رغم حبه الشديد لها -لقد رفض أن يستعمل إبريق
الماء الذي كانت تستعمله ورفض أن يمسه شخص آخر مهما كان -لكنه تزوج في محاولته
للهروب من الوحدة والآلام والمعاناة.. وبعد ستة أشهر من وفاة والدتي توفي والدي
وتركني طفلاً لا أعي من الدنيا شيئاً. تولاني أخي ذيب وزوجته التي هي ابنة عمي،
هكذا تقول أختي.. وابنة عمي هذه حاقدة ماكرة وجاهلة.. أعماها الحقد على والدي
ووالدتي اللذين أذاقاها كثيراً من المرارة.. هكذا قالت لي زوجة أخي الآخر الذي
توفي لاحقاً. فأهالت كل تراكمات الحزن والغضب علي، أنا الطفل الصغير، وعلى أختي
الصبية.. ولكن الله رحم أختي فتزوجت بعد مدة قصيرة. وهكذا بقيت أنا الدمية التي
ستنفث عليها زوجة ذيب كل معاناتها الماضية وحقدها الدفين.
-أين ذهبت؟!
-لقد وصلنا وها هي ذي الحافلة تتهادى
بدلال في طريقها إلى المحطة الأخيرة. صورة صادقة لمجتمع فقد أرضه ودولته، زد على
ذلك أنه تم احتلاله في منتصف القرن العشرين. العالم كله تخلص من الاحتلال إلا في
هذه البقعة. وجوه متجهمة.. الفقر والألم والاحتلال ترتسم على وجوه الناس.
باستطاعتك أن تقرأها. امرأة عجوز تمسك بيد ابنها، وربما حفيدها.. تشدّ عليه.
متجهمة كأنها فقدت زوجها بالأمس..تدور عيناها في متاهات لا قرار لها.. رجل في
الأربعين من عمره، لكنه كهل في الستينيات، ربما في السبعينيات من عمره، يحمل كيساً
على كتفه، الله وحده يعلم ما بداخله.. كل يمشي في اتجاه.. ونحن.. عبد الكريم وأنا..
نسير في اتجاه مغاير. تسللنا من بين الجمع، ومن ثم خارج المحطة. أخذنا الشارع
الرئيسي ومنه إلى آخر فرعي في طريقنا إلى معهد المعلمين. ذلك البناء الجميل في
منطقة خالية من السكان. تباطأنا في السير محاولين الاستمتاع بكل ثانية من وقتنا،
فالطريق خالية من الناس والسيارات والحرارة وصلت إلى أدنى درجة يمكن أن تصل إليها
في فصل الصيف. نسمات سابحة في الفضاء تستلقي على وجوهنا باستمتاع، ونحتضنها نحن
وكأنها معشوقة طال انتظارنا لها.
لم نتحدث ولا رغبة لنا في ذلك. كل
يحادث نفسه. أقدامنا تعرف طريقها فسلمناها القيادة. ألغينا عقولنا، ففي العمر متسع
لاجتثات لحظات السعادة من مخالبه القاسية.ألفينا عقولنا، ففي العمر متسع لاجتثاث
لحظات السعادة من مخالبه القاسية لاحت بدايات الأبنية القرميدية الجميلة للمعهد.
انتبهنا معاً. وكأننا شخص واحد قلنا: "ها قد وصلنا": فاروق الذي يدرس
المواصفات والكميات في معهد قريب كان على مشارف البوابة. وبصورة طبيعية، ربما
غريزية التفت للخلف فلمحنا. توقف. أخرج علبة لفائفه -إنه مدخن شره- اقتنص واحدة.
أشعلها. اتكأ على حافة السور. سحب نفساً عميقاً منها وتوجه وعيناه إلينا. التقت
نظراتنا. تعانقنا. لحظات وكنا نتعانق فعلاً.
-تقوقعتم في بير زيت عند الصبايا
الحسان.
-وأنت ملقى هنا بين حجارة الجبل. قال
عبد الكريم.
-لا يعدم الإنسان لحظة يتخلص فيها من
الحجارة والجلافة ويلقي بنفسه بين الأحضان الملساء الناعمة. قلت:
-مثلك يعملها.
-إن استلقت الفرصة أمامك ترفضها؟!
قال فاروق.
صدمني السؤال. هل أعملها؟! لم لا؟!
ولكن.. ها هي غادة فرصة تسترخي بين يديّ. لم يلح في أفق خيالي مجرد لمس شعرها الذي
سحرني برائحته الزكية ولونه وطريقة انسداله على كتفيها ووجنتها. أو تشاركنا غادة
ما نحن فيه؟! ربما. أنها تستلقي هناك الآن. ربما في سريرها، أو في المكتبة تطالع
كتاباً. أنا أعرفها. الجمال والذكاء نادراً ما يلتقيان. هكذا يقولون. ولكن غادة
انزلقت من تلك القاعدة. إنها الاستثناء. هي حقاً كذلك. ألقت قهقهة فاروق بمجدافها
فوق كتفي.
-أين ذهبت؟! قال فاروق.
-اتركه.. لقد وجد مرفأ يرسو فيه. قال
عبد الكريم.
-حقاً!
-على مستوى راق من الجمال.
-يا دميم الوجه وجميل الأفكار!! من
هي تلك الرقطاء التي ستسمح لك بالرسو في أحضانها؟! أو تأملت وجهك في المرآة هذا
الصباح؟!! قال فاروق مقهقهاً.
أصاب مني مقتلاً. هذه إحدى نقاط ضعفي
الكثيرة. لا فائدة من إخفائها. واضحة لكل ذي عينين. لكني أحب هذا الفاروق. سنوات
الطفولة وبدايات الشباب عقدت زواجاً كاثوليكياً بين روحينا. هو يعرف مقدار محبتي
له، وأنا أعرف مقدار محبته لي. لكنه يلقي قذائفه علي بإصرار. إنه موقن من صلابة
الصخرة التي يقذفها بكلماته الصخرية.
-لا تنزعج هكذا. قال فاروق.
-لو تعيرني بعضاً من وسامتك أيها
اللعين؟! قلت.
-كلها لك. قال.
-احتفظ بوقاحتك لنفسك! قال عبد
الكريم.
-هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها
كريماً. لكنك تعرف استحالة العطاء.
-ألا تكفيك وسامتك. قال فاروق.
-للمرة الألف تكذب. قلت.
-والله لا أكذب. قال فاروق.
-من بين الملامح الغليظة تتدفق
الوسامة. وكل من يملك بعضاً من الذكاء والفراسة يلحظها. غاده دليل على ذلك. قال
عبد الكريم.
-الله يجبر بخاطرك، جبرت بخاطره.
ولكن من هي هذه الغادة؟! تلقف فاروق الاسم وانقض على أفكاري بجرأته المعهودة
وذكائه اللماح.
-إنها المرفأ الذي بني خصوصاً له.
قال عبد الكريم.
-يا دميم الأفكار!! وتستجدي مني
بعضاً من وسامتي!!
ألقيت عليه نظرة وكأنني أراه للمرة
الأولى. أطول مني قليلاً. أشقر البشرة والشعر. عيناه زرقاوان تدوران في سطح من
الثلج. درجاتنا في المدرسة متقاربة، وكذلك ذكاؤنا. لكن مدرسينا كانوا يفضلونه علي.
ظني لوسامته.
-أعتقد أن خليل بالداخل ينتظرنا. قلت
محاولاً أن أضع حداً لتلك الأفكار التي انتزعتني من واقعي وتعد العدة للذهاب
بعيداً.
-أخيراً. قال عبد الكريم.
-إنه يحاول أن يتخلص من حالته
المرضية. قال فاروق.
دخلنا البوابة وعلى مدخل مكتبه كان
خليل في انتظارنا.
استسلمت لمشاعر جياشة أرسلتها لي.
سكوني أدخلها في أطياف من الأحلام. تفحصتها. لا تدع تداخل الكلمات يضلل حصافتك.
تذكر أنني في عقلها، أتلمس أفكارها. وما دققت فيه هو نوعية أحلامها. لا تتنازل عن
ذكائك بأسئلة لا أجوبة لها. إنني صدقاً تحسست أحلامها. لا تصدقني، انتظر، وسيدهشك
صدق روايتي. إلى متى؟ حتى يكتمل حديثي. لم تقتنع؟! فقط انتظر حتى لا تقتلني من
الغيظ. قلت لك أنني تلقفت أحلامها. استجوبتها. أحلام شفافة وباهية. يبدو أنني ورثت
عنها هذه الأحلام، ولو أنها عندي أحلام يقظة كانت كنسمة تتنقل بين وردة زاهية
الألوان. متفائلة. وهذه أيضاً ورثتها منها. التفاؤل رغم ثقل الأحداث. تركتها تسبح
وأحلامها في دنيا الله التي بدت ضيقة رغم رحابتها. حافظت على سكون حركتي. أحببت
تداخل روحي مع روحها. ما أعذبه من تداخل إنساني انكماشي داخلها وأنساها تدافعي في
فضائها. مكثت طويلاً في عقلها. تسللت يداها إلى رأسها. أمسكته. ضغطت عليه. آلمتني.
كتمت صرختي داخلي حتى لا اقتلعها من جنة رسمتها هي في خيالها. أحست هي بجسدي،
فأزاحت يديها عن رأسها. ابتسمت هي وابتسمت أنا.
-كيف أنت الآن؟ سألتها.
-أتنقل بين الزنابق، أدور حولها.
ألمس نبتة الليلك. استنشق عبيرها. أمسح براحتي تعب الشوق: شوقي إليك. أن احتضنك.
استعذب قلق الانتظار: انتظاري حتى تتجسد أمامي. هذا الألم الممزوج بعبيرك يريحني.
-إنني في أحضانك.
-سأنتظر حتى تتجسد أمامي.
-أو يطول هذا الانتظار؟!
-أصبحت قلقاً.
-يؤلمني هذا الفضاء الضيق. أتلهف على
ضوء القمر ودفء الشمس. لولا خوفي عليك لقفزت إلى فضائك.
-أو تتألم يا مقلة عيني؟! انتظرتك
طويلاً. انتظرني دقائق!! حسرتي على ما ضاع مني أضاف أطناناً من المرارة إلى
مرارتي. انتظر.
-وماذا فقدت؟!
-لا تعذبني بماض أحاول أن أنساه ولا
أنجح.
-نسيتني. قاطعته بحدة. تجاهلت وجودي،
وأغراك صمتي، فتهت عني. أعرف مدى ما تحمله لها من مودة وحب، ولكن هذا لا يعطيك
الحق في أن تهملني.
ألقى نظرة خاطفة عليها، ثم استدار
لتقابل عيناه عينيّ. لحظت مسحة من الألم والعتاب تتلألأ في عينيه. أدهشني تأثيره
الساحق فيّ. اتجهت بنظراتي إلى الأرض. خجلت منه، نظرت إليها. تحيطه بطوق من المحبة
الخالصة. تحتضنه بقلبها، بأفكارها، بشوقها، بألمها، بتدفق أطيافها. تخلص من قيودها
ثم قال:
-تعاتبني لأنني أمضيت لحظات معها
أتزود بأريجها وأنفاسها. ومع ذلك فأنت على حق. أنت لا تعرف ماذا حدث لاحقاً، وكيف
تركتني وسط رياح هائجة تقذف بالرمال والقاذورات على وجهي. انظر كيف انزعجت أنت
لأنني انشغلت عنك بها للحظات، تعرف مقدار المعاناة التي شاركتني عمري كله. على أي
حال أنا في انتظارك -لاحظ كثرة استعمالي لكلمة انتظار، لأنني أمضيت زمناً طويلاً
في انتظار شيء ما وما زلت انتظر. ويقيني أن هذا الشيء سيأتي لكن متى وأين؟ فأنا لا
أعرف. انتظاري لن يكون كانتظار غودو! هل قرأت تلك المسرحية؟! نعم؟ قرأتها أنا. لم
أفهمها في البداية، لكني استمتعت بقراءتها بعد ذلك مرات كثيرة. لا.. يوليسنس أكثر
متعة منها. سكنتني طويلاً وما زالت. جويس علامة بارزة في تاريخ الرواية -حرفتني عن
متابعة روايتي. لنؤجل حديثنا عن الأدب لوقت آخر. دعنا نعود إليها.
-من هي؟!
-تلك التي أتشبث بثناياها.
-أو ما زالت تنتظر؟!
-نعم. إنها تنتظر الرجل القوي. إنه
يعشقها. هي قالت لي. وهي تحبه. لم يحتمل أن يراها تتألم، فاندفع بكل قوته وذهب
يستدعي من يساعدها على وضع حملها أمامها. لا تتغات!! لا يستطيع هو أن يفعل. لا
خبرة لديه.
-كيف أنت الآن؟! سألتها.
وقبل أن تجيب هي، أبديت الملاحظة
التالية: إنك تكثر من إلقاء هذا السؤال عليها. لا ترهقها بالأسئلة. غضب. تكومت
مظاهر الانفجار في وجهه، لكنه في لحظات كتم انفجاره داخله. ثم قال:
-أأتمنك على أسراري، نعم. أما أن
تتدخل في أموري الشخصية معها، فلا. أرجو أن لا تفعل ذلك في أيامنا القادمة. طريقنا
طويلة والهدف ليس في مرمى البصر كما تعتقد. فلنتفق منذ التو واللحظة على أسلوب
رفقتنا معاً: أنا أقص عليك وأنت لا تتدخل ولا تنتقد سلوكي. ومع ذلك، لك الحق في أن
تستوضحني في ما غمض عليك من الأمور. إن كنت توافقني على ذلك، نتابع مسيرتنا. وإلا
فهذا فراق بيني وبينك. فما رأيك طال عمرك؟
-لا تغضب. لم أكن أعلم أنك حساس إلى
هذه الدرجة. على أي حال أنا موافق على ما قلت، وأعتذر عما بدر مني.
رجعت لها. كانت ترمقني وأنا في لحظة
الغضب تلك. عاتبتني صامتة. اعتذرت لها أنا أيضاً صامتاً. قالت:
-ترتاح نفسي وتهدأ مخاوفي ما دمت أنت
هادئاً وتستعد للرحيل.
-لن أرحل وسأبقى معك.
-معي نعم، أما داخلي فلا.
-ما الفرق؟ قالت:
-كبير.
-احترس. صاح يوسف الهلالي. ها هو ذا
الهلالي الكبير قد قدم يصطحب معه سكيبه. توار خلف الجدار. ضربته ساحقة.
هربت أنا وتواريت خلف بعض الأغطية
المكومة في ركن من الحجرة، أما يوسف الهلالي الصغير فقد رأيته ينزوي في ركن قصي في
ما يسميه حصنه المنيع.
ألقيت رأسي على الجدار المهترئ.
حاولت أن ألغي أفكاري وأستسلم للواقع. نجحت للحظات، وفجأة هاجمتني الأفكار
الهائجة. تدفقت بدون استئذان.
أهذه هي النهاية التي تمنيتها تموت
بين الجدران السميكة ربما تندثر في أحد الشقوق التي تملأ تلك الجدران رصاصة طائشة
قد تخترق رأسك رصاصة عربية هذه المرة وربما فلسطينية الإنذار لن يدوم طويلاً كم
الساعة الآن الخامسة مساءً أجابني جندي الحراسة وهل تتوقع شيئاً كل شيء ممكن هذه
الأيام الاحتمالات كلها واردة إن لم يتحركوا عند الساعة الثانية عشرة ليلاً ستنتقل
جهنم إلى هنا لواء الدبابات الأردني الذي كان يرابط قرب الحدود تحرك إلى جوار
القلعة وهم على استعداد لمساواتها بالأرض كل شيء وارد هذه الأيام يبعدونك من السجن
إلى السجن في الكرك لماذا الآن لعلهم كانوا يعرفون لا صوت يرتفع ولماذا يرتفع
الصوت إذا كانت الإرادة ممزقة أكتب رسالة لمن لأخيك تدله فيها على جسدك أيها
المسكين وماذا يفيد ذلك ستتساوى جزيئات جسدك وهذه الجدران المتهرئة تمتع بأفكارك
قبل النهاية المنتظرة كم الساعة الآن السابعة ساعتان مضتا ورأسك ملقى فوق هذا
الجدار المتهرئ لا بأس كم عانيت في حياتك تتذكر الأيام الأولى وكأنها أمامك يوم
مولدك ربما فرحت والدتك ولم تكن تدري المسكينة أنها فرحتها الأخيرة ماتت وبقيت وحدك
مع والدك الذي مات هو أيضاً بين مخالب ذيب وذيبة وتلك الصفعة القوية التي ألقت بها
ذيبة على وجهك يوم تشاجرت مع قريب لها يوم عرس أختها يا للذاكرة الفاقعة تذكر حتى
تلك اللحظة التي تجلت إنسانية ذيبه فيها وأعارتك قميصاً كانوا قد خبؤوه لابنهم حتى
تلبسه في تلك المقابلة التي على أثرها دخلت كلية بير زيت طالباً وليلة توافد عليك
أولاد خالك وخالاتك ليودعوك ألقوا بين يديك مبلغاً من المال يعتبر ثروة في تلك
الأيام عندما أصبحت وحيداً تلك الوحدة الأبدية هاجمك ذيب متلحفاً بثوب حمل علينا
أن نؤدي هذه النقود في القريب ومن غيري سيؤديها. قرأت أفكاره في لحظة لم أتردد كم
تريد أخذ ثلثي المبلغ مني وترك لي عشر ليرات. يعشق النقود لا يقاوم إغراءها وقبل
ذلك بأشهر عندما عملت في قطع البرتقال واستلمت أجري قال لي يوسف ماذا ألا أجد عندك
بعضاً من النقود أريد أن أذهب إلى خان يونس لأسلم على ابن عمك الذي عاد من مصر
يومها عزّ علي أن أراه في حاجة إلى النقود ولقد كنت مغفلاً كما هي عادتي دائماً
تخدعني المظاهر الكاذبة وثوب الحمل الذي يرتديه أحياناً يخدعني أخرجت من جيبي
أيضاً ثلثي ما أملك وألقيت به بين يديه. حتى كلمة "شكراً" لم أسمعها منه
ولو كنت في تلك اللحظة العاطفية تذكرت يوم رفض أن يعطيني قرشاً لأحلق به شعري
بعضاً ما كنت أعطيه ما أعطيته من نقود لكن تلك النفس الضعيفة أمام إغراءات المشاعر
الإنسانية وربما الكاذبة تقود أفعالي. كم الساعة الآن الحادية عشرة والنصف قال لي
جندي الحراسة وأخيراً أخرجت ورقة وقلماً وكتبت أنا يوسف بن يوسف الهلالي حاولت أن
أقاوم المحتلين في بلدي لكنهم سجنوني مدة سنة ونصف (بعدها أبعدوني إلى الأردن وها
أنذا ملقى في سجن الكرك أنتظر لحظة النهاية التي لا شك عندي أنها قادمة. عندما
تفتح بوابات الجحيم بين الجنود الأردنيين والفدائيين الفلسطينيين كنت أتمنى أن
أستشهد على أرض فلسطين ولكن القدر كما هي عادته معي يأبى إلا أن يطيح بآمالي ويلقي
بي في متاهات لا أتمناها. انسلت الورقة من بين يدي وقبلها القلم وأوقفت نزيف
الذكريات. ضغطت على ذاتي وظني أني أسلمت نفسي لملاك النوم ونمت كميت لم تسعفه
الأدوية بالاستمرار.. كم الساعة الآن الواحدة والنصف تحسست جسدي ما زال مكوماً
متماسكاً أعدت تحسسه مرة أخرى إنها حقيقة. قدماي كما هما ورأسي ما زال ملقى على
الجدار كما تركته منذ اللحظة التي سمعنا فيها عن الإنذار إذن حدث شيء ورفعت عينيّ
إلى جندي الحراسة ما زال واقفاً بالقرب من الشباك نظر إلي هو الآخر الكل نيام
عدانا ماذا حدث لا زالت الجدران صامتة مشققة كما رأيتها أول مرة لقد رحلوا كيف حدث
هذا تدخل الوسطاء قالوا إن الكرك ساقطة عسكرياً واقتصادياً إن كان الموقف لمصلحتكم
في عمان فستعودون هنا وإن انقلبت الأوضاع فها أنتم تحافظون على أنفسكم وعلى
المدينة التي آوتكم حيناً من الزمن كلام مقنع وهكذا رحلوا تنفست الصعداء وها أنذا
أعيش مرة أخرى إذن هي الحياة بكل معانيها هل تبتسم لي أو تضحك. مني من يدري تعثرت
قدماي فتمدد جسدي كله على أرض الحجرة الواسعة وضعت حذائي تحت رأسي ونمت نوماً عميقاً
عميقاً لقد أصبحت الحجرة آمنة.
-أنت آمن هنا. قل لنا من هم رفاقك
وسنطلق سراحك.. قال الضابط رحاميم.
-عمّا تحكي؟
كانت أجابته صاعقة على وجهي. دارت بي
الدنيا. دارت معي جدران الزنزانة القذرة.
-يا ابن الكلب.. أتستجوبنا؟!
المسألة خطيرة إذن ولا بد من تدارك
الموقف. كان عقلي يعمل بتلقائية. يحاول أن يحمي جسدي من التهرؤ. ما زلت صامتاً.
-هذا النوع من الرجال لا ينفع معه
غير تكسير الرأس.
نقلوني إلى زنزانة أكثر قذارة من
الأولى ملقى على أرضيتها مقعد أكثر قذارة من الجدران. اخترق جدار الصمت صوت صراخ
وتأوهات صادرة من الأعماق. هي إذن الحرب النفسية التي كثيراً ما سمعت وقرأت عنها.
صمت الصراخ فجأة، ثم انطلق قوياً مولو لا متألماً.. آه.. آه..
-ألا تريد أن تتكلم؟! سألني والشرر
يتطاير من عينيه.
-عماذا ماذا؟!!
-يا بغل.. نحن نعرف عنك كل شيء.
-إذن لماذا تسألونني؟!
-هذا الكلب.. ثم ألقاني أرضاً.
-ارفع قدميك.
فعلت
-ادخلهما من فتحتي الكرسي.
فعلت صاغراً.
-عد الضربات. وكلما صرخت، نعود من
البداية.
وأخذ يلقي بعصا ثقيلة على قدميّ..
واحد.. اثنين.. عشرة.. آه.
-من البداية مرة أخرى.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire