وظلت الأختان على هذه الوضعية حتى
تبلدت قدما الرجل وأصيبت ساقاه وروحه بالخدر والخوف ولم تصابا بما يعين الأختين
على تحقيق الأهداف، فيا للحارات المجيدة والعشائر الضخمة، ابنتا رأس العشيرة
تشخران بوجهيهما على قدمي رجل من رجالها ولا يهب أحد للنجدات، فأين هي
المروءات، وأين هم الرجال الذين يطعمون
الجائع ويغيثون الظامئ، ويظللون من قتله الرمل وأفنته السخونة والثارات.
كان الرجل وبساقيه الممدودتين
والمفتوحتين مثل امرأة تستعد للمطارحة، ولم يكن مستجيباً لأية حالة، مما أوقع
الفتاتين في البكاء الذي يجرح الأرض والسماء.
في المرة الثانية سجدتا أمامه وطلبتا
منه أن يرحم أنوثتهما، وحلفتا أمامه بالمقدسات كافة أنهما لن تخبرا أحداً بما
سيفعل وستخترعان رجلاً لا وجود له وتلفقان معه التهمة، ورجتاه أن لا يخاف أبداً
لأن الخوف يذهب برجولة الرجل وفحولته، فيصبحُ شيئاً تالفاً لا فائدة منه ولا جدوى.
غير أن البطل رد على الكلام بدهشة
بالغة وصاح ولكنني إذا فعلت أكون خائناً للرجل الذي فتح لي بيته.
- والدنا فتح لك بيته فقط، ردت عاتكة
بانفعال، أما نحن فقد فتحنا لك قلبينا، ومستعدتان (لكي نؤكد لك حبنا ومودتنا) أن
نفتح لك أشياء أخرى، ففهم البطل قصدها دون أن تشير إلى ساقيها، وشعر بالتعجب من
صراحة عاتكة، وضخامة ساقي عبلة، فقرر أن يتشدد ويتابع الحديث عن الأخلاق ليحمي
نفسه، والتشدد يورث التشدد، وكلما ازدادت الأختان تذللاً وضراعة ودموعاً، كان
البطل يزداد عناداً وأخلاقاً.
ومن كثرة الأخلاق التي تحدث عنها
تحول إلى كائن لا يطاق، فتعاونت الأختان عليه وبطحتاه أرضاً وحاولتا فك الارتباط
بين جسده والألبسة، غير أن الرجل أغمض عينيه وتابع مسيرة التشدد السالفة برجولة
واضحة وأعضاء متماوتة، ثم امتدتا بأكفهما إلى الجسد ودهشته..... وبدأتا تزيلان عنه
الوحدة والملوحة المتراكمة.
في الأيام التالية تابعتا خطتهما مع
الرجل وكان يتهرب إلى الحد الذي نقص فيه وزنه كثيراً حتى يتمكن من الانزلاق بين
الأكف الجائعة التي تحاصره، وظل على هذه الحال حتى أعيا مريديه، لذلك اتفقت
الأختان على الدخول في المرحلة التالية.
في الليل تسللت الأختان إلى مخدع
الرجل، وهما تحملان زجاجة فارغة، فوجدتاه متمدداً على الفراش فقعدتا حوله في
الظلمة تتأملان تردد أنفاسه وتقاسيم وجهه وانتبهتا إلى حركة جسده وزفراته.
وكان الضوء يتسلل من خارج الغرفة
ليكشف تفاصيل المكان، لذلك تقدمت الأختان إلى رأس الرجل وضربتاه بزجاجتهما الفارغة
التي أحضرتاها لهذا الغرض، فتوقف جسد الرجل وغاب عن الوعي.... فما كان من الفتاتين
إلا أن تهدلتا قرب الجسد فزعتين وهما تتساءلان باحتقان... أسئلة مصيرية هائلة...
عن صحو الرجل وغيابه عن الوعي، وأي الحالتين أجدى للمرأة وأكثر إشباعاً... وبخاصة
عندما يصبح الوعي لعنة، تدفع الرجل للتشدد والزوغان.
في اليوم التالي استفاق البطل
متأخراً وأخذ يتفقد رأسه وزوغان بصره دون أن يعرف الأسباب، وقد تكررت معه
المحاولة، ثانية وثالثة حتى كاد أن يفقد رشده من شدة الضرب، لذلك صار يتمنى أن
تتعرف الحكومة أو بيت القزاز إلى مكانه ليقوما مشكورين بقتله أو زجه في السجن، حتى
يتخلص من أيام الحرية التي كادت أن تهرس له مخه.
في تلك الآونة استدعى والد عواد إلى
المدرسة للتباحث معه في أسباب أسراب الذباب وكيف سيتم التخلص من هذه الظاهرة
المحيرة التي لا تليق بالمدرسة وبسمعتها، وكان الجميع في حالة هياج واختلاف في
الرأي، بعضهم يطالب بالتخلص من الطالب، وآخرون يطالبون بالتخلص من الذباب، ووقع
الجميع في الحيرة والتردد، مَنْ مِنْ الطرفين يستطيع أن يتحمل النتائج، وقد بدا
الأمر مخجلاً (لحميد السمني) والد التلميذ النجيب (عواد) الذي بات يشكل بالنسبة
لأقرانه ومدرسته ظاهرة مدهشة، وقد قال المدير للأب موضحاً: إذا رغبتم من ابنكم
متابعة الدراسة في مدرستنا التي لم تعرف في تاريخها ظاهرة مثل التي حصلت مع ولدكم،
فعليكم أن تعلموه على النظافة والاغتسال كل يوم لأن رائحة الشحوم والدهون واللحوم
تعج منه عجاً، لذلك يستلطفه الذباب ويطير عنه الأصدقاء، ثم نصح الأب العطوف بضرورة
استخدام أنواع محددة من الصابون لها روائح نفاذة تستطيع أن تبعد الذباب والروائح،
وتحقق المعجزات، وقد طلب الوالد تسجيل أسماء أنواع الصابون المطلوب على ورقة حتى
يتمكن من إحضار كميات كبيرة منه وحتى ولو كانت موجودة في بلاد الواق الواق، وكذلك
وعد الأب، بإزالة جميع الأسباب المساعدة من أغنام وخارجين على القانون حتى
يُحاصَرَ الذباب ويوضع في ظروف غير مواتية.
وهذا ماكان، فبعد أن عاد والدي من
المدرسة، والعار والذباب يكلل جبهته، أمسكني وعلقني من قدمي في غرفة الضيوف وانهال
على جسدي بعود من الخيزران الطويل يحمل الرعيان مثله ليهشّوا به على الأغنام
والحمير، وكان القصد من هذا الضرب القاتل إحراج الذباب، ودفع جلدي ليفك ارتباطه
بأية علاقة مشبوهة معه، ثم تابع الأب اتخاذ القرارات المفزعة، فأمر بطرد بطل
الأغنام من الحديقة وإعادتها إلى بيتنا الأول في باب النيرب، ثم استتبع ذلك بقرار
كان له أثر مدو في أركان الأسرة والمدينة وذلك عندما أمر بطرد بطل العشيرة من
المنزل، فتحطم لذلك قلب الأختين، فازدادتا سمنة وخوفاً. ودخلتا في الحزن العميق،
كذلك أمَرَ حميد السمني بأن تحمل غرفة الضيوف وأثاثها وعفشها إلى البيت القديم
ليصار إلى استقبال الضيوف هناك، ومنع أحد من دخول أو إلى زيارة بيت المحافظة، ثم
برقت في رأس والدي فكرة جديدة همس بها إلى أحد المقربين والأصدقاء، فبدأت عمليات
البحث المحموم عن عروس جديدة له تكون ابنة أسرة حلبية مرموقة حتى يتمكن من
الانتقال تماماً إلى حياة المدينة بعد أن أخجله الذباب خجلاً شديداً.
ولم تمض أيام حتى وجد أرباب الخير
عروساً لوالدي متزوجة من رجل سابق أعطاها ماله وبيته وهرب إلى أمريكة اللاتينية
حتى يتخلص منها ومن وسامة أسرتها وعراقتهم.
وبعد مباحثات وأخذ ورد... ذهب والدي
للمشاهدة فكاد أن يغمى عليه من شدة الفرح، فوافق على كل الشروط، وبدأ التحضير
للعرس بعد دخول كميات كبيرة من الصابون إلى بيتنا وورود تعليمات خاصة لاستعمالها
في غسل الوجه واليدين والجسد والألبسة، وبعد أن تم تنظيف الحديقة من مخلفات
الأغنام، والغرفة القبلية من الخارجين على القانون.... ورأسي الأختين من الأوهام
ماعادت للزجاج الفارغ حجة فتطايرت القناني بحثاً عن بشر أكثر ألفة، وأختين أكثر
قدرة على الاحتمال.
قبل زواج الأب بأيام، حزمت الزوجة
القديمة عفشها ونفسها وذهبت وابنتاها عبلة وعاتكة إلى البيت القديم في باب النيرب
وبقي عواد باعتباره الصبي الوحيد مع والده، لأنه لا توجد ضمانات لإنجاب ولد جديد
من الزوجة الجديدة بسبب المساحيق والأصبغة الكثيفة التي تطلي بها وجهها وأظافرها
وعناصر خصوبتها، لذلك تقرر أن يحل ضيفاً معززاً مكرماً على بيت والده ووالدته
الجديدة.
ولأن بيت الوالد أقرب إلى المدرسة
فقد اضطر لمتابعة الحياة فيه دون أن ينسى زيارة والدته وأختيه أيام العطل الكثيرة.
وقد أعطت المرحلة الجديدة ثمارها
فانصرفت عني أسراب الذباب التي كانت ترافق خطوي وحلي وترحالي، وبدأ التلاميذ في
الصف الثامن يغيرون نظرتهم إليّ بعد أن أدهشهم تفوقي في المواد الدراسية كافة
وابتعادي الشديد عن المواد الدهنية، كما أثار انتباههم امتلاء جيبي الدائم بالنقود
وامتلاء رأسي بالمعارف المختلفة والقصص والراويات التاريخية.
غير أن ذباب الوحدة والأسى كان يرف
على الأم والأختين القديمتين مثلما يفعل الذباب الحي وهو يرف بغبطه وكثافة فوق
زاويه الأغنام.
فالبطل الذي عولت عليه الأختان
كثيراً... سلم نفسه للسجن والعبودية بعد أن شعر بالدوار والاحتقان بسبب الضربات
المتتالية التي نالت من رأسه، وبسبب من ملاحقة دم الضحية ودم العذرية لدى الأختين،
له هذا الدم الذي اسْوَدَّ من الشوق والضراعة، وهو ينتظر رجلاً يهدره، فيا
للشجاعه. يخضبون صدور الرجال بالدم، ويتركون مفارق الفتيات للبرد والحسرات.
المهم أن الرجل فعلها بعد أن ضمن
تماسك رأسه لمدة وجيزة، ثم أطلق صرخته المدوية، وداعاً يا أيام الحرية، ويامرحباً
بالعبودية والسجون معارضاً بذلك مسيرة البطل الملحمي (عنترة) الذي انطلق من
العبودية إلى فضاء الحرية الفسيح، أما عبلة، ويا عيني على عبلة وعلى سمرتها
الشديدة وساقيها العريضتين وأختها عاتكة قاعدة بصفرتها وخوفها في ظلالهما.
أما الأختين فيا عيني عليهما، فلولا
الصور والأخيلة والذكريات التي اقتنصتها كل واحدة منهن من أيام الرجل المطارد
واستلقاءة جسده المسترخي وتفاصيله وغيبوبته، لولا تلك الذكريات والأخيلة التي
تستعينان بها على سواد الليل الرحيب، لكان الله وحده يعلم إلى أي هاوية انجرفتا
وإلى أي درك.
الأقدار المجيدة وحدها أحضرت الذباب وصنعت
التحولات وإلاّ من كان يعرف النتائج التي ستصيب البيوت بعد أن تفقد الأختان
عذريتها دفاعاً عن النفس، وتنتفخ بطنيهما بالخصوبة والعار.
ثم تتالت التحولات بعد أن جاءت زوجة
الأب نائلة إلى البيت وأحضرت معها أحمالها وأخلاقها.
كل شيء في البيت تغير، الأثاث والجدران،
وأزيلت ملامح المطبخ القديم وأعيد بناؤه، وقسمت الغرف ووضع الأثاث الذي اختارته
زوجة الأب بنفسها وكانت لكل قطعة أثاث أربعة أرجل وبذلك أطاحت بمرحلة الأثاث
الأرضي الزاحف الذي لا أرضاً قطع ولا سهلاً زرع، وانتقلنا من مرحلة الاستلقاء على
الحشايا والوسائد والتكايا في الليل والنهار، إلى مرحلة القعود نهاراً على المقاعد
والديوانات والاستلقاء ليلاً على الأسرّة،
وكل في مكانه وليس الكل في أي مكان وأي وقتٍ. الانتقال إلى المرحلة الجديدة
كان صعباً، لكن الاعتياد على الأشياء الجديدة، لم يكن شديد السوء، المهم...
أنّ نائلة، ومربيتها قد فعلتا الأعاجيب
فينا أنا ووالدي، فرغم مشاعر الاحتقار العميق التي تكنها زوجة أبي والمربية لي
إلاّ أنهما صممتا على انتشالي من مرحلة الذباب السابقة، وقد أفلحتا في ذلك، فتحولت
وبسرعة قياسية إلى شاب جديد شديد النظافة والذكاء وظهر جلدي على حقيقته بعد أن
أزيلت الشحوم والدهون المتراكمة عليه، ففقد بريقه ولمعانه وتحول إلى جلد أسمر خامد
ويميل إلى الرماد، وأصبح جلدي وحيداً دون دهون وشحوم وروائح، ولم يعد يتراكم عليه
سوى الغربة، والاضطهاد والنظرات العاتيه من الذباب العابر. وأختاي في البيت القديم
الذي تتسع بوابته لدخول جمل بأحماله، أختاي تراقبان الأغنام المتناقصة وهي تتقافز
بمرح ظاهر دون انتباه إلى حد السكين. تراقبان وتتمنيان لو أنهما كانتا من فصائل
الأغنام أو السعادين.
صرنا في البيت الجديد نتناول كل يوم
ثلاث وجبات ونملأ في كل وجبة ثلاثة صحون (الأونا.... والدّوي... والتري) وأصبح
الحديث عن الأغنام وحركة الحلب والجز والتلبين والتجبين والخض ممنوعاً... وتراكم
الزوار والويسكي والسيجار في الأمسيات، واصبح استقبال الأصدقاء وزوجاتهم الأنيقات
عادة يومية.
وتعلم الوالد الكريم تدخين السيجار
وبسبب من عدم اعتياد أصابعه على إمساكه فإن أصبعه العليا كانت تبتعد كثيراً عن
الإصبع السفلى. مما يؤدي إلى سقوط رماد السيجار على السجاجيد الأرضية، والمخامل
التي تغطي المقاعد والديوانات، وقد دفعته رغبته الشديدة في تطبيق (الأتيكيت) وضبط
حركة أصابع يديه معاً، لأن يفقد أغنامه وجماله وصحراء أجداده، وأبطال عشيرته.
بعد أيام من تعلم تدخين السيجار
والانتباه إلى حركة أصابع يده الثانية. قرر والدي أن يبيع ثروته من الأغنام
والجمال، حتى العدد الضئيل من الأغنام المرحة التي تلهب مخيلة أُختيَّ بقفزات
تيوسها الفاضحة في بيتنا القديم، أدرج في البيع مما أدى إلى انقطاع الأختين
الحزينتين عن العالم والأمنيات.
ثم تحول والدي للعمل في التجارة،
ولأنه لم يكن من رجالها بسبب أصوله البدوية العريقة فقد بدأت ثروته بالتدهور
والتراجع، فقرر أن يستعجل الحصول على الربح من أجل أبعاد الكارثة، فصار يعمل
بالتهريب.
عندما دخل الوالد الكريم سلك التهريب
ظهر مثل الطائر الغريب الذي يطير في غير سربه، ولأنه لم يكن قد فهم طبيعة العلاقات
والمصالح بين الحياة الحكومية المخصصة والمهربين بسبب دخوله المباغت إلى هذا
العالم الغريب الحذر.... لذا بدأت نذر العاصفة، وقررت الأطراف إعادة الأمور إلى نصابها
للسيطرة على حركة السوق، فاجتمعت ميليشيات المراقبة الحكومية، وميلشيات التهريب
الأهلية، وتقرر القيام بالمداهمات المطلوبة لإخراج الطائر الغريب.
في ليلة الاجتياح تم تحديد الأهداف،
وتجمعت قوات الهجوم وتمت المداهمات في وقت واحد، وقد أخرج المداهمون من بيت المحافظة
عدداً من زجاجات الويسكي وصناديق السيكار، لأن زوجة الوالد لم تكن تسمح بدخول
المواد المهربة إلى عش الزوجية البهيج حتى لا تهتز صورتها وصورة أهلها في المجتمع
الحلبي.
أما الميليشيات التي داهمت بيت باب
النيربين فقد أخرجت من البيت والأقبية العجب العجاب، أعداد كبيرة من صناديق الدخان
المتنوع وأجهزة الراديو ومسجلات الَبَكْر وأكياس التتن الفلت، والتنباك المهرب
والساعات والسماعات وكاسحات الألغام،
وتمنت الأختان عاتكة وعبلة أن تقع المداهمة عليهما، ويتم ضمهما إلى صناديق
البضائع المهربة لاعتقالهما، فربما.. ربما شاهدتا في السجن بطل الأحلام والعشيرة
الذي سلم نفسه بالرضا التام والموافقة لمخافر الحكومة.
ولكن دورية الشرطة المكلفة بمصادرة
المهربات لم تلتفت إلى الفتاتين كأنهما بضاعة تالفة، فيالصلف الحكومة
وبالإستهانتها بمشاعر الأخوات الوحيدات، كذلك تمت مصادرة الوالد الكريم وأودع
السجن... وبعد ذلك بدأت المحاكمات وحُدَدت الغرامات، وتم بيع الأثاث بيت المحافظة
ثم بيع البيت ودفع مالقيصر لقيصر وما للحكومة للحكومة، وترك الشعب والله دون حصة.
بعد أن دفعت العشيرة الكفالة
والغرامات.
خرج الوالد العزيز من السجن وعاد إلى
البيت القديم في باب النيرب وإلى أحضان الزوجة العتيقة والبنتين الهائلتين، وعاد
معها الابن عواد السمني ربيب الأحياء الراقية والمدارس الفرانكوفونية المتعالية
إلى البيت القديم والحياة السالفة دون بهجة ودون حنين، فالحياة في بيت حي المحافظة
رغم خلوها من الوِدّ واكتظاظها بالأنظمة والتعليمات إلا أنها وجدت في نفسه هوى....
فيها تمكَّن من الخروج من مرحلة الذباب والدهون الماضية ودخول حياة المدنية دخولاً
مدوياً، كسب من خلاله اعتراف الطوائف المختلفة بجدارته ومدنيته، صحيح أنه يحب أمه
وأختيه ويشعر بالحراراة والحفاوة في حضورهن، لكن نمط حياتهن أصبح شيئاً لا يمكن
العودة إليه والشعور بالألفة معه.
بعد أسبوع من انزواء الأب في زاوية
البيت القبلي دون كلام أو طعام، دافناً رأسه بين مخدتين متخشبتين، مديراً مؤخرته
إلى الباب معبّراً عن موقف فلسفي تجاه العالم المجاور، وخاصة عندما تمغص أمعاءه
التقلصات والغازات النادرة.
بعد أسبوع من العزلة والهواء الفاسد،
كانت الأم العتيقة والبنتان العجيبتان في وضعية الضراعة والابتهال أمام الباب
الموصد، عساهن يفلحن في إخراج رأس الوالد من بين المخدتين، وتغيير الوضعية بحيث
يصبح الرأس في الأعلى، حتى يخف صوت الانفجارات المتناوبة والروائح التي يصدرها
الوالد بمثابة احتجاج على هذا العالم الظالم.
بعد أسبوع من المناشدة الضراعة
من الأم القديمة والأختين حدث الزلزال واضطر الوالد لتغيير الوضعية، فلقد
فوجئ الباب، والحارة، والأم، والبنتان، بدخول الجسمين الغريبين، وفوجئت الحشود بالطرقات
المدوية على الباب، فانتقلت الأم وابنتيها من وضعية السجود والضراعة إلى وضعية
الوقوف والذهول، وانتقلن رغم خيانة ركبهن لهن إلى الباب مترنحات ودفعة واحدة فتحن
الباب، وكانت المفاجأة، زوجة الأب الجديدة ابنة حي المحافظة الراقي وخادمتها على
الباب، ولأنهن نسين من الخوف والمفاجأة أن يرحبن بها، فقد دخلت دون أن تنتظر منهن
كلمة واحدة ثم وقفت في باحة الدار، وتأملت الأرض والسماء، وأبواب الغرف المحيطة
بالباحة، ثم صاحت..... حماد...يا حماد، فقفز الوالد الحنون من مكانه وخرج إلى
الباب وفتحه وتأمل بدهشة. الكائن الواقف وسط الباحة، فأحس الوالد بعد أن تخلص من
دهشته أن زوجته الثانية قد حضرت للحرب وللمطالبة بالحقوق (المقدم والمؤخر) لذلك
استعاد نفسه ولهجته وقال لها بغضب:
- ماذا تريدين يا نائلة.
- لا أريد شيئاً، جئت إلى بيتي، ثم
انطلقت تفتح الأبواب وتتأمل الغرف. وصاحت، أحضري الأغراض إلى هنا يا داده، هذه
ستكون غرفتي.
- تعيشين معنا يانائلة، سأل الوالد
مستغرباً.
- المرأة تعيش في المكان الذي يعيش
فيه زوجها.
حتى أمي ضرتها بكت، كذلك فعلت أختاي
وأنا أيضاً، لقد أدهشنا جميعاً أن تفعل زوجة أبي الثانية مافعلت، وبعد أن استقر
بها المقام بدأت محاولاتها الحثيثة لتغيير نمط البيت ونمط الحياة فيه ضمن
الإمكانات المتاحة، وقد انصاع الجميع لها، أمي وأختاي وأبي، وأقنعتنا جميعاً أن أي
مكان يصبح صالحاً للعيش عندما يصير نظيفاً.
وهكذا بدأنا معاً، ثم وضعت خطتها
التالية بهدف إخراج الوالد من أزمته المالية وإعادته للوقوف على قدميه، وقد
استطاعت من خلال الاستفادة من مركز والدي في العشيرة أن تدفعه لتأمين بعض القروض
والسعي لإعادة البناء من جديد.
في فترة انتقال زوجة أبي إلى بيتنا
في حي باب النيرب، انتقلت سوريا من النظام الدكتاتوري بقيادة الشيشكلي إلى النظام
الجمهوري بزعامة القوتلي، وانتقلت أنا إلى مدرسة التجهيز الأولى الحكومية التي
سميت فيما بعد ثانوية المأمون وتركت مدرسة (التيرسانت) الفرانكوفونيّة الموقرة،
وانتقل بائع (السحلب حليب) أبو سمعان إلى رحمة الله رغم توفر الحليب في تلك
الأيام، وصرت أفكر ماذا يمكن أن يفعل الورثة بإبريقه الأصفر الهائل العجيب.
كنت أتمنى رغم التحولات العاصفة،
ورغم البرد، ورغم عدم انتباه الطالبات إلى شعري الجعد ووسامتي الصفراء، وهن ذاهبات
وعائدات من مدرسة التجهيز الأولى للبنات، كنت أتمنى أن أتحول إلى ديناصور كبير أو
فيل حتى أتمكن من شرب إبريق (السحلب حليب) دفعة واحدة، لأستطيع التغلّب على الوحدة
الهائلة التي تصيب جسدي، والبرد القارسِ الذي يصيب الأرض.
كنت حينها في المرحلة الثانوية،
وكانت الأختان في باحة الدار تنظفان البلاطات الحجرية النافرة، وتنظران بحنان إلى
الركن الفارغ في باحة الدار وتتذكران، حركة الأغنام أيام كانت الأغنام، كانت
الأختان في ماضي الأسرة المجيد تشاهدان جهود التيوس المستنفره، وأعمال الحب البرئ
التي تقترفها الأغنام ولا تستطيعها الأختان فتنتبهان بشكل خاص إلى حركة الخروف
ومتابعاته وسرعته ثم إلى نظرات العرفان في عيني الغنمة التي كانت بعد انتهاء
المطارحة، تستدير برأسها لتقول بلهجة ممتنة ماع... ثم تهوي برأسها على زنبيل التبن
لمتابعة اللاتهام، والأختان في الكثير من البكاء والتمنيات وفي الوحدة
الجارحة والجوع المقيم كانتا تلتفتان إلى
جسديهما وتصرخان ماع.... دون أن يسمعهما تيس ضال فيفهم.
والآن وفي غياب الأغنام عن باحة
الدار لم يعد للأختين سوى الذكريات. والأخ الصامت البعيد، وكُنتُ في تلك الأيام
بعيداً وحيداً، فعندما تعرَّف الطلاب في مدرسة التجهيز الأولى إليّ، وعرفوا بأنني
من سكان حي باب النيرب وأعرف اللغة الفرنسية بطلاقة كاثوليكية كانوا يستغربون ذلك
ويحسون بالخوف وينتبهون كثيراً إلى حركاتي كأنما سأنقض على واحد من الطلاب
للألتهمه، فالطلاب في المدرسة يغلب عليهم أنهم من أحفاد تجار المدينة العريقين
وغالبيتهم يسكنون في حي المحافظة والجميلية والسبيل ويُنظرون إلى سكان حي باب
النيرب نظرة العلماء إلى العظايات والحيوانات المنقرضة، وطلاب هذه الأحياء ضحايا
ماتحشوه أمهاتهم في رؤوسهم من ملاحظات ومحظورات عن ضرورة الابتعاد عن الأولاد
الذعران الذين يسكنون حي باب النيرب وما يجاوره من غابات، وكنت أنا في عرفهم
واحداً من هؤلاء الذعران، ففي مدرسة (التيرسانت) كان منزلنا في المحافظة يؤمن لي
التغطية والحماية ويجعلنا في مرتبة واحدة مع أبناء الأسر العريقة، أما وقد غاب
البيت، فلم يعد تشفع لي ألبسة ولالغة، وقد بذلت جهداً كبيراً لتغيير الصورة حتى
نجحت وتمكنت بعد المشاركة مع الأساتذة في المناقشات وبعد ذكر العلامات والحصول علىالثناء
بسبب ا رتفاع علامات المذاكرات والامتحانات، بعد ذلك استطعت أن أحظى بالحسد
والانتباه بسبب تفوّقي الملحوظ في أغلب المواد، وقد استدعى ذلك أن أحظى بحفاوة
الأساتذة وانتباههم، وبخاصة أستاذ اللغة العربية (ناصيف الكاملي). الذي أحاطني
بالمودة والرعاية وبدأ يسخر من خلالي بالأسر الموسرة وأولادها محاولاً أن يؤكد أن
الموسرين يمتلكون بالإضافة إلى المال. قسطاً من كبيراً من الغباء يفتقر إليه
غيرهم، وقد شدّت هذه الملاحظات من أزري رغم المبالغات التي تتضمنها، ورفعت من
معنوياتي، فصار الأستاذ المذكور ولسانه من أحب الأشياء إلي.
وفي المرحلة التالية: لهذا الحب وجدت
نفسي عضواً في الحزب.
وفي المرحلة الثالثة: تم ترشيحي
لمتابعة الدراسة في الاتحاد السوفياتي بعد أن حصلت على مجموع مجيد في امتحانات
الثانوية، ولم يكن أمامي سوى أن أرتب حوائجي وأحمل أحلامي... وأودع الأهل والحي
والناس وداعات سريعة، وقد دفعنا إلى ذلك اعتقاد سائد، تعلمناه من مثقفي الحزب وهو
أن الحنين إلى الأسرة والوطن يضعف المناضلين ويتعارض مع الهوى الأممي الذي يجب أن
يستأثر بكل شيء، لذلك وفي لحظة الوداع لم أنتبه إلى الدهشة الغريبة التي جففت عيون
الحشد وأيبست قلب الأم والأب والأختين المتقرحتين لذلك صرخت زوجة أبي فيّ قائلة عد
وقبّلنا جميعاً، فربما لن ترانا بعد ذلك.
وكان الضباب يغمر الصباح.... وقطيع
من الأغنام يطل برأسه من طرف الحارة.... ومعي حقيبتان من حقائب زوجة أبي.... ونسخة
بالعربية من كتاب العقب الحديدية. والتفتت كأنما لأشاهد بائع السحلب بإبريقه
وصرخاته يطل من الطرف الآخر للحارة، غير أنه لم يطل. بعد الانتهاء من الوداع
الحميم، دخلت سيارة الشيفرولية... التي ستقلني إلى مطار دمشق... ومنه سأطير إلى
موسكو... وفي الطائرة أحسست أنني أكثر حرية وأكثر خوفاً، وعندما تمعنت في بياض المضيفات
الروسيات أدركت فضائل السفر واضطراب القلب فعندما تكون الغيوم تحت الكائن وتكون
الطائرة المعدنية أقرب إلى الله، فلابد وأن يكون القصاص.
قربي على مقعد الطائرة، عامل من عمال
السكك الحديدية ذاهب لاتباع دورة هناك، لم أتحدث معه كثيراً، كان قرب النافذة وكنت
أضطر بين الفينة والفينة أن أمط رأسي إلى النافذة لأشاهد الغيوم.... ثم لأعتذر منه
على المضايقة، ثم أتابع الحركة في الكرسي
المجاور حيث قعدت امرأة دمشقية وابنتها الصغيرة، وقد استطعت أن أستحوذ على اهتمام
الابنة الصغيرة الجميلة التي تجاهلت محاولاتي أول الأمر، بعد ذلك صرت أحرك وجهي
حركات غريبة مما أثار خوفها ثم دهشتها، بعد ذلك أخذت تضحك وهي تشير إلى أمها
لتنبهها إلى وجهي.... فانتبهت الأم... ونظرت إلي نظرة شكر، وطلبت من ابنتها أن
تهدأ حتى لا أنزعج.
بعدما يقارب ثلاثين عاماً وأنا قاعد
للتذكر والكتابة، وعندما وصلت إلى ركوب الطائرة، تذكرت فلما من بطولة (جاكلين
بيسيه) فاستعدت بقوة مشهداً مؤثراً حدث في الطائرة، حيث جلست البطلة مصادفة قرب
رجل... وبعد تعارف بسيط تحدّث إليها الرجل عن وفاة زوجته وعن وحدته وعن حاجته للحب
وقد عبّر عن ذلك بطريقة مؤثرة أدمعت لها عينيها، وبعد برهة نهضت البطلة إلى مؤخرة
الطائرة لتدخل إلى المغاسل، فتبعها الرجل وطرق عليها الباب ففتحت فاقتحم عليها
خلوتها فاندهشت، وعندما امتد بيده على صدرها وعنقها فهمت حاجته إليها ولكونها أبدت
تعاطفاً من حالته فقد تركته يفعل، وكان ذلك عندما اقتربت الطائرة من المطار وبدأت
الاستعداد للهبوط.
فعندما اقترب الرجل من البطلة ورفع
لها ثوبها وداهمها بنفسه، رفع قبطان الطائرة رفارف الأجنحة وحرك عصا القيادة حركة
حاسمة، وعندما بدأ الرجل تحركاته اللاهثة، بدأت الطائرة بالارتجاج والارتجاف
استعداداً للهبوط، وعندما وصل الرجل إلى الذروة، حطت الطائرة على الأرض، وتطايرت
الشظايا بسبب الاحتكاك العنيف، وعندما بدأ الرجل يزرر نفسه وألبسته، نهض الكابتن
ورتب نفسه على المرآة واستعد للنزول.
ثم خرجا معاً... المرأة والرجل وهما
يرتبان هندامهما وينظران إلى بعضهما بدهشة وابتسام ثم تابعا الطريق إلى باب النزول
بعد أن حمل كل منهما حوائجه القليلة، وقريباً من سلم الطائرة كانت امرأة شابة
تنتظر الرجل، فركض إليها وبادرها بالعناق... ثم انتبهت المرأة التي كانت في
الطائرة وتابعت بمودة الاستقبال الحار... وعندما التفت إليها الرجل صاح إنها زوجتي
مشيراً إلى المرأة الجميلة قربه، كانت فتاة الطائرة قد ابتعدت ولكنها سمعت، عند
ذلك ضحكت بقوة... بقوة... حتى طارت الدموع الجارحة من وحدتها وعينيها، ياللأكاذيب
الرائعة.
* وياعواد عندما كنت في الطائرة لم
تكن تمتلك خيالاً خصباً مثل خيال الرجل في الفيلم ولا امرأة جميلة تقعد قربك وتستجيب
إليك.
كانت وجوه المضيفات الجميلات جادة
ومتجهمة كأنهن في غرفة للعناية المشددة فقط كن مستجيبات للعمل وعربات الأطعمة....
كانت الغيوم التي تحلق طائرتك فوقها، تهبك شعوراً عميقاً بالسعادة والتفرّد، وتهب
جارك عامل السكة الحديدية شعوراً بالانزعاج بسبب محاولاتك المتكررة مطَّ رأسك
ورقبتك للاقتراب من النافذة ومتابعة الفضاء الواسع وجباله البيضاء العجيبة.
في المطار كان الناس في حالة استعجال
ولا تبدو على ملامحهم فرحة السفر، أو الوصول، انتظرت الحقائب ثم حملتها وخرجت إلى
الباب... كان البرد لطيفاً ولا يسفع الوجوه كما هو البرد في بلادك، وكانت حركة
الرياح هادئة، والرطوبة عالية.... وقفت في طابور الانتظار حتى تحصل على سيارة
تكسي، وعندما جاء دورك صعدت... وأعطيت العنوان إلى السائق فاتجه بك إلى سفارة بلدك
هناك، ومن هناك بدأت المحاولات لترتيب الاتصال مع الجهات المعنية لتأمين استضافة
عدد من الطلاب القاعدين مثلك والذين حضروا للدراسة.
قضى بطلنا السنة الأولى مدخلاً رأسه
بين دفات المعاجم وكتب تعليم اللغة الروسية حتى يلتحق بالجامعة، في حين كان
الأصدقاء يسعون باستماتة لدفن رؤوسهن في صدور الفتيات الروسيات المستغربات، وقد
استطاع أن يحقق معدلات ممتازة مقارنة بخيبات بقية الطلاب من بلده.
لكن معدلاته الممتازة هذه لم تستطع
أن تخلصه من مرارة عزلته وخيبة وسائله، الفتيات كن كثيرات، والفتيان أيضاً، وكان
وحيداً، ونهر موسكو غزير والماء يتدفق بقوة تختلف عن النهر الذي لا يتدفق أبداً في
مدينة حلب، والماء في نهر موسكو سميك كأنما ذوب فيه حلف وارسو كل الرصاص الذي في
الحلف.
عصافير الدوري عند الصباح في موسكو،
لا تخاف البرد، تقفز خلف زجاج الشبابيك وعلى الأسطحة، وعلى أطراف النوافذ، ولكن
الذي يميزها أنها عصافير سوداء كأنما أفزعها الثلج ببياضه الواسع وبرده العميق،
فتحالفت مع المداخن الكثيرة، لتكتسي بالسواد وتساهم بتلوين المشهد متناسية ريشها
الأشقر البعيد. كل شيء يبدأ عندهم من الأبيض القاني، أو الأشقر اللاهب، ولكنه
وبفضل المداخن الكثيرة يكتسي بالرتابة والانتظار، لذلك يتحدثون كثيراً عن التلوث
الذي يؤدي إلى كثرة الصواريخ وندرة البندورة، ومما يثير الانتباه في موسكو،
الأبنية المميزة التي بنيت في عهد ستالين، أبنية ضخمة عظيمة عالية وتعلوها نجمة
عالية وعندما يتحدثون عن الزلازل فإنهم يؤكدون أنها إذا أصابت موسكو، فإن الأشياء
الوحيدة التي ستصمد للهزات، هي المؤلفات التي كتبها تشيكوف ودستويوفسكي وبوشكين
وتولستوي،
ولأن بطل الرواية يشبه عصافير موسكو،
ويميل إلى المداخن والهباب، وفي زواياه صفرة واستغراب، فقد لفت انتباه العاملة في
البوفيه التي كانت تشبه قليلاً زوجة أبيه، ولكنها شابة وتحب الهدايا، وعندما
التفتت إليه، التفت إليها.
فلماذا عندما يلتفت بسرعة إلى زاوية
أي شيء أو طرفه ينتابه شعور خاطف أن الأغنام هناك وهذا الإحساس يدخله في الشعور
بالألفة وبأنه في بيته وبخاصة عندما تدرب على اللغة الروسية والبرد، ودفعه التضامن
الأممي للاستجابة إلى نظرات ومودات عاملة البوفية الحزينة، عندما سار معها على
ضفاف نهر موسكو، سألها عن سبب حزنها، ثم تساءل باستغراب عن المبررات، فما دامت
تابع كلامه موضحاً، مادامت تعيش في دولة العمال والكادحين فعليها أن لا تحزن
أبداً، ويبدو أن الفتاة أساءت فهمه، لذلك تركته وحيداً على ضفاف نهر موسكو وذهبت
إلى زاوية الأغنام.
وعندما التقاها مرة ثانية وسألها عن
سبب غضبها منه، همست في أذنه قائلة:
- لست غاضبة منك لكنني قرأت برنامج
الحزب ولم أجد فيه أي شيء يخص الفتيات الوحيدات، فاستغرب منها هذا الكلام، وتركها
ومضى إلى الكتب ليتأكد من ذلك.
- صديقه عدنان قال له بغضب وسخرية:
عندما تتعرف على فتاة وتذهب معها إلى جهنم الحمراء وتخلع الفتاة ألبستها وتخلع أنت
ضراب السخن والأفكار، فهذا لا يعني أنك تمارس الزنى بالنظام الاشتراكي، ثم إن
الفتاة، أية فتاة هنا لاتطلب منك أن تتقرب منها بعد أن تبرز لها موافقة الحزب، ثم
أن العلامات الكبيرة في مادة اللغة الروسية والمادية الديالكتيكية وبوشيكن، وزيارة
ضريح لينين مرتين في الأسبوع، كل ذلك لن يخلصك من الوحدة والليالي الطويلة والعض
على الأصابع بعد أن توقفت عن العض على الأحرف اللثوية.
كلام صديقه أربكه وحوّل وجهه الغضاري
الدسم إلى الأحمر الكاريبي الشائط غضباً لذلك نظر إلى صديقه باعتزاز مشهود لأسرته
وعشيرته وشكك بأخلاق الصديق وبضعف التزامه وكاد لولا المحاولة الأخيرة لضبط النفس
التي اعترضت طريق انفعالاته، كاد أن يتهم صديقه بالعمالة للحلف الأطلسي، لكنه كزّ
على أسنانه وكتم فكرته داخله محاولاً أن يستفيد من هذه التهمة في مناسبات أكثر
حرارة وحماسة ومبدئية، بحيث لا يكون للوحدة المريرة وسوء الفهم والعض على الأصابع
مكان.
- أما عن الصديق السالف الذكر عدنان
والمتهم بالوسامة وضآلة الأخلاق. والعمالة للغرائز، فقد قرر هذا الصديق أن يخرج
صديقه السمني من صفرته، وعزلته وتفوقه وتعسّف محفوظاته، بعد أن وصل إلى حقيقة
مفادها... أن التّفوق لعنة وهو أول الطريق إلى الغباء.
فجأة قرر السيد عواد السمني تغيير
اسمه، وهل تعتبر مدينة بطرسبورغ التي أصبح اسمها لينيغراد أفضل منه، ثم أنه تغير
مثل المدينة تماماً وانتقل من النظام العشائري إلى الوعي الأممي، وأصبح يبغض
العشيرة وأغنامها وأسواقها ومراعيها، فحق عليه التغيير، إضافة إلى أن الكثيرين من
اللامعين في الحزب انتقدوا اسمه.
- اسمك عواد، بأي وجه ستقابل المكتب
السياسي والأمين العام، هكذا قال له أحد الرفاق منتقداً اسمه، لذلك كان ضرورياً أن
يدعو إلى اجتماع في غرفته بمبنى السكن الجامعي... ثم تقرر أن يكون في بوفيه الوحدة
السكنية بسبب ضيق المكان في غرفته، ثم تساءل لماذا يضطر الإنسان لتغيير اسمه،
وعندما فكر عميقاً وصل إلى إجابة ربما بسبب حرف (العين) في أول الاسم، (عواد) أي
اسم... وأية عشيرة، وليس لديه أغنام ولا أعواد ولا عود ولا عصا ليهش بها وليصنع
بها مآرب أخرى، ثم إن حرف العين يربك الفتيات الروسيات فيخطئن في لفظه، ثم يدخلن
في الضحك، فلماذا يفعلن معه ولا يفعلن ذلك مع صديقه عدنان والعين عندهما واحدة وهي
متربعة في أول الاسمين، المشكلة إذاً ليست في العين، المشكلة في انتساب كل اسم إلى
بيئته، فاسم (عواد) ينتسب إلى بيئة بدوية عشائرية، مهنتها الرعي ومتابعة القطعان
والحداء.
أمّا صاحب الاسم (عواد السمني) فشيء
آخر مختلف، فهو سليل المدارس الطائفية ويجيد اللغة الفرنسية إجادة كاثوليكية،
وزوجة أبيه من حي المحافظة الراقي المرتبط مباشرة بأحدث منتجات الغرب والشرق وفي
مقدمة ذلك (الويسكي والسيكار) الهافاني، وهذا السيكار الذي يسيل له لعاب الغرب
الوقور، ويتوفر في موسكو بكثرة، تدفع الطلاب العرب المدعومين من ذويهم بالعملة
الصعبة، للتعامل معه -أي السيكار- كما يتعامل الأطفال عندنا مع أصابع جوز الهند،
هذا (العواد) الذي انتقل من النظام الرعوي في بيت الأجداد إلى التزمت الجزويتي في
المدرسة الفرانكوفونية (التيرسانت) إلى الانفتاح الأممي بعد الأزمة الاقتصادية، ثم
انتقل إلى (موسكو) العظيمة في المدن الكبيرة بالفريسيين والأبناء، بنهرها الرصاصي،
وساحتها الحمراء وقد تسوّرت بالفتيات الذهبيات.
وهاهو وقد عاصر كل ذلك، بالإضافة إلى
التفوق والعادة السرية، ألا يحق له أن يتمرد على اسمه ويغيره، إنصافاً للمراحل
التي عبرها وانتقل إلى سواها.
- في موعد الاجتماع في (بوفيه)
الوحدة السكنية، اجتمع لفيف من الطلاب العرب، والفتيات الروسيات المدعوات، وتحلقت
الجموع وسط البوفيه، بعد أن دمجت عدة طاولات، فتحولت الجلسة إلى مؤتمر مصغر، مما
أثار انتباه بعض الطلاب في طرف البوفيه من جهتي اليمين واليسار.
بدأ الاجتماع بتوزيع المشروبات
الباردة والساخنة، وتبادل النظرات والضحكات ثم تقدم حازم الصفدي الذي يتابع دراسة
الإخراج المسرحي واستعرض أهداف الاجتماع وأسبابه وضروراته ونوّه إلى الآلام
والمشكلات وحالات المغص والتشنج التي يسببها الاسم يسبب اقتران حرف العين بالواو،
مما يؤدي إلى العواء، إضافة إلى اغتراب صاحب الاسم عن اسمه وتأثير هذا الاغتراب من
الناحية الفلسفية على أخلاقه، ومن شأن ذلك أن يمهد لفصله من الحزب، وإذا حصل هذا
المكروه لاسمح الله فإن صاحبنا يقصد صاحب الاسم، يفضل الانتحار في نهر موسكو على
البقاء في مثل هذه الحالة، لذلك، نفتتح بعد زجاجات البيرة والكونياك والفودكا، باب
الترشيحات، ويحق لكل مشارك أن يرشح اسمين يسجلهما صاحب العلاقة في سجل الشرف وبعد
ذلك يتم التصويت على الاسم الأحسن والأنعم والأكثر ليونة ورشاقة.
- تريدنا أن نبحث عن اسم لشاب مناضل
مثل صديقنا عواد....أم اسم لراقصة.
- ومالهن الراقصات ومالها أسماؤهن،
صاح رافع الجهني وهو طالب من الجمهورية العربية المتحدة، الأقليم المصري،
مستنكراً...
- إذا كانت العين هي المشكلة فأنا
أقترح استبدالها بحرف آخر، وليكن حرف القاف...
- صاح الجميع (قواد) وانخرطوا بالضحك
العميم.
هكذا يفعل الرفاق الصاخبون
بالديمقراطية، ويحولون الضحكات التي ترتسم على وجوههم إلى لعنات ترتسم على وجهي،
وإلى أسئلة ترتسم على وجوه القاعدين في الزوايا وهم في حالة إصغاء وانتباه، إلى
حيث يمكن للأغنام في باحة دارنا أن تكون، ويبدو أنهم أحسوا بما يحرك مخيلتهم
فاندفعوا للتأويل، وبعضهم متيقن أن نواة لحزب سياسي قد تشكلت، فاندفع الفريقان،
الفريق الوطني باتجاه السفارة لتقديم تقرير، والفريق المضيف إلى الجهات الأمنية
المسؤولة لآخذ الاحتياطات.
ولذا قررت اختتام هذا الاجتماع
الفاشل، باهظ الثمن والذي كلفني بالإضافة إلى الروبلات العديدة الكثير من التجريح
والسخرية، فنظرت في وجوه الأصدقاء الأوباش، والصديقات المستغربات وصحت، أيها
التافهون، ياسقط المتاع والأمم.
لقد نظرت إلى المسألة باهتمام بالغ،
حيث اعتبرتها بمثابة ولادة جديدة لي يرافقها اسم جديد، ولكنكم أجهضتم الولادة
والاسم، (وقيصرتموها) بمعنى جعلتموها ولادة قيصرية عسيرة، وفي هذا الكثير من
النذالة والتطاول ثم خبطت بقبضتي على الطاولة فتناثرت قطرات الماء من الكؤوس
القريبة على وجهي، فشعرت مدام بوفاري القاعدة قبالتي وقرب صديقي عدنان بالحزن
عليَّ بعد أن أفهمها عدنان لب المسألة، فنهضت إلي وأمسكت رأسي وقبلتني أمام الحشد
في حالة اعتذار عن أفعال الجماعة اللاهية، ولكن هيهات أن أقبل فصرخت، شكراً يا
آنسة، ولكن هؤلاء الأوباش يستاهلون أكثر من ذلك.
- ثم نهض عدنان من الطرف المقابل
وقال: لفها بقا يا.... وهاي كاس الرفيق شامل... فرفع الجميع كؤوسهم وكرعوها دفعة
واحدة، وأنا تيبست الكأس في يدي والغصة في حلقي وآثار القبلة الحارقة على خدي.
كيف قال عدنان ببساطة هذا الاسم الذي
تكتمت عليه طويلاً وقررت أن أجعله مفاجأة الجلسة وقاصم ظهر الأسماء المقترحة
جميعاً، فلقد رأيت فيما يرى النائم ملاكاً بنياً وله فم متعدد الدلالات، والشفاه
ثم اقترب إلي من جهات كثيرة وهمس في أذني دفعة واحدة أنت، ويقصد أنا، أنت كائن
واسع الانتشار شديد التوحّد والكلية، عارم بالرموز والصيغ، ولك عشرة أصابع توازي
عشر قارات، لذلك فهمت كما يفهم النائم أنني كائن شامل، ولست عواداً ولا بطيخاً
وعلى ذلك فإن مايلائمني أكثر من جلدي هو هذا الاسم وأقصد به اسم شامل الذي قفز على
لسان صديقي عدنان مصادفة، ولكنها مصادفة تشبه الاغتصاب.
وحين تم تعميدي بالاسم الجديد بدأت
أشعر رغماً عني بشمولية الاسم وتعددية الحالة التي أعيشها، ثم تبادلت مع الأصدقاء
القبلات فاستغربت الفتيات واعتبرن أن في الظاهرة انتقاصاً من أهمية خدودهن
وشفاههن، وقد تطلّب الأمر منا جلسة مطولة للشرح، انتهت باصطحاب كل صديق لصديقته
سواي أنا...
هكذا ينفرد الشامل بشموليته، ليعوي
في ظلال وحدته مثل ذئب جائع ومرير، ولكنه ذئب ذو ملامح شمولية وعلى طاولته كتب
كثيرة تحتاج إلى قراءة، ومسائل كثيرة عالقة تحتاج إلى حل، وكف جانحة تحتاج إلى
الذكريات.
بعد أيام من الاسم الجديد، جاءت
رسالة طويلة وغريبة إلى شامل... موجهة إليه من زوجة أبيه، وفي الرسالة سؤال عنه
واستفسار، وكلام عن الأوضاع في البلد، وأن الاستعدادات جارية للعودة إلى بيت
المحافظة وأن الأوضاع المالية أصبحت بخير، وتستطيع أن تأخذ راحتك في الصرف، أما عن
أخبار صعود الناس عندكم إلى السماء بالصاروخ، فإن الناس في حارة باب النيرب، لم
يصدقوا الموضوع، وقال شيخ الحارة للناس، أن القمر... ملك من الملائكة الكبار وهو
يستطيع أن يضرب بجناحه، الصاروخ ضربة... يوصله فيها إلى وادي سقر والعياذ بالله.
أختك عبلة.. أصبحت سمينة مثل البقرة،
من شدَّة الحزن عليك. وصارت تمشي على أربع، وتتذكر الأيام الماضية وتقول... ماع.
أما أختك عاتكة.. فقد اصبحت صفراء ونحيفة مثل العصا. وهي متفرغة لكتابة شديات
ومواويل عن غيابك، وغياب فلسطين، وعندما تسمع اسم جمال عبد الناصر من الراديو...
تتذكر اسمك وتقول... بأن أحداً لا يستطيع أن يحل مشاكل الأمة، غير شقيقها عواد
والزعيم جمال عبد الناصر، وعندما تغلبها الدموع، تقترب من والدها وتسأله... ألم
يعد في العشيرة رجال يرتكبون الجرائم حتى نقبض عليهم ونحبسهم عندنا في البيت،
وعندما يستغرب والدك، تقول له أختك:
- لا أحب أن يقع أولاد عشيرتنا في
سجون الحكومة حتى لا يتمرغ اسم العشيرة في الذل والبهدلة ...
ثم تذهب عاتكة إلى جهاز الراديو...
لتسمع برنامج وراء القضبان.. وفي إحدى المرات جاءت إلي مولوله وهي تصيح... هل
تعرفين يا أمي الثانية. بأن أخي عواد محبوس في موسكو، وراء الستار الحديدي، وحين
سألتها عن معنى كلمة الستار الحديدي.... قالت: بأنها لا تعرف... لكنها سمعت الكلمة
من إذاعة لندن وصوت أمريكا... فإذا كنت ياولدي يا عواد.... محبوساً كما قالت أختك
عاتكة... فأخبرنا.. حتى نوكل لك محامياً فهيماً... يستطيع أن يخرجك ويعيدك
للبلاد.. أمك قاعدة في زاوية الغرفة القبلية، ساكتة (لا من تمها ولا من كمها) وفي
عينيها كلام كثير.. وأبوك استعاد عافيته ونشاطه وهو يذهب كل يوم إلى معمل
الألبان.... ويسأل عنك.... ثم قفزت فجأة إلى آخر الرسالة وكتبت.
(أمك نائلة....)
تلك هي الأسباب التي دفعت أمي للقعود
في الزاوية صامتة ومتهدلة، ووحيدة، ودفعت زوجة أبي لتحل محلها وتكون أمي...
ودفعتني لأكون وحيداً.. في مدينة وحيدة ونهر وحيد وكنت رغم وحدتي انتبه إلى جمال
ناتاشا صديقة عدنان الذي أخبرني أن له
ابنة عم وحيدة في حلب، ولأنها لا تستطيع أن تظل وحيدة وجميلة فقد أحبته، ناتاشا
تحب عدنان أيضاً... وعندما أتأمل وجهها الوحيد، تحاول أيضاً أن تتأمل وجهي لتفهم
أسباب الوحدة التي أعيشها، فهي تستغرب كيف يمكن لشاب مثلي أن يكون وحيداً ومعه كل
هذه الدولارات، وهو يستطيع أن يدخل إلى (السوق الحرة) ويشتري مايشاء.
قال لي عدنان الذي صمم بينه وبين
نفسه أن يخرجني من وحدتي حين كان في المطار...
وكنت أمشي خلف وحدته ومحفظته
الكبيرة، ومعي وحدتي ومحفظة كبيرة أيضاً، ثم قال لي بأنه مضطر للعودة إلى حلب، لأن
ابنة عمه الوحيدة ماتت لذلك قرر العودة إلى حلب، ولكنه سيرجع إلى موسكو من أجلي،
حتى لا أظل وحيداً، فالوحيدون بشكل مبالغ به يموتون هكذا قال لي.. وقد تأكد لي ذلك
عندما نظرت إلى نهر موسكو.. والثلج الأبيض الذي ينزل أبيضَ، ولكنه يصير بسبب
الدخان والعصافير الرمادية رمادياً مثل نهر موسكو. يبدو أن اختياري للاسم الجديد
له مغزى كبير، فاسم شامل يدفع الإنسان للخروج من وحدته . يدفعه للالتحام بالماء
والهواء كأنه واحد من العناصر، أما اسم عواد الذي تخلصت منه فماذا يمكن لصاحبه أن
يكون سوى حامل عود كالعصا، وحوله ماعز وأغنام وأحزان تملأ روح أختيه عبلة وعاتكة
وتفيض على ضفتي النهر.
قال لي صديق روسي اسمه الكسي: مثل
اسم رئيس الوزراء آنذاك، بأن نهر موسكو يصبح وحيداً عندما يدخل إلى مدينة موسكو،
أما عندما يخرج من المدينة، فإنه يصبح أخضر، وأحياناً يتحدث إلى الفلاحات.
أما في موسكو فإن الفتيات
الموسكوفيات يمشين على ضفتي النهر، ولا يلتفتن إليه لذلك يحس بالوحدة والرماد.
قالت له ناتاشا: بعد أن سافر عدنان
بأن اسمها الحقيقي (ونستون تشرشل) وأن أمها اختارت لها هذا الاسم اعترافاً بالدور
الذي لعبه الانكليز في محاربة الألمان لكن الموظف في السجلات رفض تسجيل الاسم وكتب
اسم (ناتاشا) عوضاً عنه، ثم نهض وصرخ غاضباً في وجه أمي: عندما يسمّون ملكة
بريطانيا باسم (ستالين) يمكن النظر في الأمر.
وحين وصل أبي وأمي إلى المترو الذي
يشبه نهر موسكو صاح في أمي: لماذا لم تسميها ستالين من الأول وتخلصينا من ملاحظات
الموظف اللعين؟! عند ذلك قالت له أمي دامعة العينتين: لم أكن أعتقد أن اسم
(ونستون تشرشل الذي كان حليفنا في الحرب ضد الألمان) يثير غضب الموظفين الروس.
بعد ذلك صار اسمي ناتاشا، وبدأت
العلاقات تصبح سيئة بين بلادنا وبلاد الانكليز بسبب ملاحظات موظف السجل المدني، ثم
خسر تشرشل الانتخابات، وحزنا على خسارته، صدرت المقالات والنشرات التي تحذر من
الديمقراطية الغربية وقد بالغ بعض العقائديين وطالبوا بإلغاء الانتخابات، ومن
يومها والناس يخافون من صدور قرار يقضي بإلغاء نهر موسكو ومنعه من التدفق
والجريان.
خلال فترة الشرح التي قامت بها
ناتاشا صديقة عدنان لتوضيح ملابسات تغيير اسمها وصلتني عدة رسائل من الأهل وفيها
إشعارات بالتحويل، فذهبت للسفارة عدة مرات للقبض والاستفسار وناتاشا تنتظرني خارج
السفارة لتكمل لي الشرح والتوضيح. وخلال حديثها عن الملابسات التي رافقت تغيير
اسمها أحسست نحوها بالود الكثير لأن أحداث تغيير اسمي لم تكن أقل شأناً عن أحداث
تغيير اسمها، فعندما وصلت إلى قرار نهائي بضرورة تغيير الإسم واختيار الاسم الهائل
(شامل) غمرتني رعشة من الفرح والتفاؤل فذهبت إلى نهر موسكو وصرخت بالاسم الجديد
حتى يشاركني النهر مشاعر الفرح وليخرج من هيئة الرصاص التي تجعله يشبه جندياً وحيداً
ذاهباً إلى الحرب، عند ذلك شعرت بالغصة والألم، فعندما ذكرت كلمة نهر وجندي وحيد
ذاهب للحرب أحسست بالمدينة والنهر وناتاشا، وعاملة البوفيه وبدأت أفهم أكثر،
فالناس هنا يعيشون الوحدة ليس بسبب وحدتهم، بل لأنه في رأس كل واحد منهم مجموعة من
الجنود الوحيدين الذاهبين إلى الحرب، وهم يسيلون بهدوء ورصاص مثلما يسيل نهر
موسكو، لذلك تمر الفتيات الوحيدات قرب النهر ولا ينتبهن إليه، فقط يتذكرن نهر
الجنود الذي يسيل إلى رؤوسهن وقلوبهن ودمائهن، ورغم أن ناتاشا لم تتحدث عن الجنود
ولا عن النهر، لكنني وعندما أتأمل وجهها، الذي يلتمع مثل شيء لا أتذكره، أحس
بالنهر وقد تحول من الرماد إلى الذهب، وأحس بعمق موقف الموظف الذي أطلق اسم ناتاشا
على الفتاة التي بدأت أحبها وأفهم معنى النهر... ثم بدأت بكتابة رسالة إلى زوجة
أبي وأهلي أعلمهم فيها بالتغيير، وبأن اسم عواد لا يليق بالنتائج التي تمخضت عنها
نهاية الحرب العالمية الثانية، وانقسام العالم إلى معسكرين وسياسة الحرب الباردة
وقيام دولة كوبا التي أعادت إلى ونستون تشرشل وسيكارهُ الهافاني الفاخر الاعتبار،
ثم طلبت من زوجة والدي أن تعيد الأغنام إلى زاوية باحة الدار حتى لاتنتحر أختاي
عبلة وعاتكة من الحزن عَليْ...
خلال ذلك وصلتني أخبار القضاء على
الوحدة بين مصر وسوريا، وقيام نظام الانفصال في سوريا....
كانت الوحدة، كلمة ذات دلالات
متعارضة، لكن الوحدة التي كنت أعيشها ذات دلالة واحدة.
في رسالته التي أرسلها إلي... تحدث
صديقي عدنان.... من حلب عن الانفصال وأيامه وحالات التوتر، وعدد الناس الذين سقطوا
في الساحات دفاعاً عن الوحدة، وتحدث لي عن ناتاشا الجميلة وقال بأن ابنة عمه التي
ماتت جميلة أيضاً وبأنه لا يستطيع أن يحب ناتاشا وابنة عمه معاً... وطلب مني أن لا
أخبرها بذلك حتى لا تحزن، وبعد أن انتهيت من قراءة الرسالة... بدأت أحب ابنة عم
عدنان رغم أني لا أعرفها... وعندما تأخر عدنان... ولم يرجع من حلب إلى موسكو..
حدثتني ناتاشا عن ميخائيل بولفاكوف وقالت لي أنهم لم يصرّحوا له بنشر روايته
"المعلم ومرغريتا" ولذلك قضى حياته وهو يشعر بالوحدة الشديدة حتى مات...
ثم أوضحت لي، أن روايته (المعلم
ومارغريتا) صارت رواية مهمة رغم أن أحداً لم يقرأها، وأن الرواية كما يقول أصدقاء
(بولفاكوف) من بطولة (الشيطان) و (المسيح) و(مرغريتا) وهؤلاء الثلاثة غير مصرح لهم
بالنشاط داخل الاتحاد السوفييتي، لذلك منعت مرغريتا من الذهاب إلى المعلم لأخذ الدروس.
يالناتاشا ويالعقلها الشديد، أما إذا
نظر الواحد إلى وجهها الذهبي وعينيها الزرقاوين اللامعتين فيضطر لأن ينسى ابنة عمه
حتى ولو كانت شديدة الجمال وتشبه ابنة عم تعيش في السماء.
عندما كنت أدعو ناتاشا، كانت تأتي
معها أحياناً صديقتها كاتيا وكنا نقعد في البيت والمطعم والكافتيريا، كاتيا تنظر
إلي وأنا أنظر إلى ناتاشا، وناتاشا تنظر إلى عدنان، وعدنان ينظر إلى جهة المقبرة
حيث وورى جثمان ابنة عمه، والناس في بلادنا ينظرون إلى الحكومة وينتظرون عودة
الوحدة، وأنا أنظر إلى يد ناتاشا، ثم أمسكها لها لأقرأ لها كفها، وكانت تنسى كفها
معي، فتلتمع عيني بالندى، وتضج أطرافي بالأفكار.
ثم وصلتني رسالة من أمي...أعني من
نائلة... زوجة أبي.. تقول فيها:
إن أبي كأنما نزلت عليه صاعقة وصار
الحليب يفرط في معمل اللبن الذي افتتحه وفتح الله به عليه وأنا أخاف يا عواد يا
ابني أن تكون فعلت شيئاً في الغربة يؤاخذنا عليه الله... لذلك فرط الحليب، وما عاد
يجبّن ولايلبّن كأنما نظرت إليه عين حاسدة، حتى الآلات سأل والدك عنها المهندس
فقال هي أيضاً فرطت وماعادت تنفع لشيء، فقال والدك بأن الانفصال الذي وقع في سوريا
هو السبب لذلك فرط الحليب والمعمل ولم تعد مسننات الآلات تتعشق بعضها (أصابع يد
ناتاشا عندما تنفتح تصبح مثل المسننات فتدخل أصابعي بين الفتحات وتتعشق كفي
كفها.... ويصير بي كما يصير بالحليب، في بلدنا أفرط، وربما كان ذلك بسبب الخوف من
الانفصال) فهل فعلت عندك في الغربة شيئاً يؤاخذنا الله عليه ويضر بنا ويضر باللبن
والجبن والسمن والعشيرة.
إذا كنت فعلت فتراجع واستغفر ربك لأن
الأوضاع إذا بقيت على هذا الحال فإن التحويل سينقطع وتنقطع المياه). ويا أمي أخشى
على الماء أن يصير يباباً وعلى نهرنا أن يصير مجروراً وعلى نهر موسكو أن لا يرجع
من الحرب وعلى أختي عاتكة أن تصبح مثل قصبة جافة بسبب قوة المخيلة فينكسر عودها
وتضيع. لقد كسرت اسم عواد. إسمي وغيرته، ترى بسبب تغيير اسمي فعل الله بالحليب
وبالأهل مافعل، لكنني وبعد أن قرأت رسالة حلب الاخبارية، أحسست بالوحدة... وذهبت
إلى الخزانة... وأخرجت رسائلي التي هي درّة مؤلفاتي ومزقتها. كأنني بذلك أتراجع عن
مسيرة التجديد التي اختططها لهويتي واسمي ووجودي، كأنما أمزق بذلك اسمي
الجديد. اسم شامل.
ومن شدة التمزيق والانفعال تلامع في
وجهي جسد ناتاشا وثيابها فتابعت التمزيق وأمسكت نهدها الحنون وتأملت الحليب الذي
يتدفق منه.
ترى هل يمكن أن يتناثر من صدر ناتاشا
حليب كثير، ويصل إلى السموات، ويشكل امتداد لدرب التبانة الذي يضيء في ليل موسكو
كما في ليل حلب، ولكنه هنا يضيء بشكل مائل أكثر، ثم أن نهر الحليب هذا الذي سيتدفق
من صدرها يمكن أن يكون موازياً لنهر موسكو، نهر في السماء ونهر في الأرض، واحد ذاهب
إلى الحرب، وواحد عائد منها، ولكي تكتمل الدائرة سألتف بذراعي على ظهر ناتاشا
وأضغط صدرها على معطفي السميك وأنتبه إلى البقعتين المبللتين في مواقع حلمتيها،
"عندما ذهبت إلى المرآة وتأملت، كنت شديد الاصفرار، وشديد الحرارة والهوان،
وقد أفزعني لوني الأصفر فركضت لأتأكد من عدد الدولارات الخضراء التي في جيب
سترتي... وهل ظلت محتفظة بلونها... أم تحولت إلى الأصفر مثلي. وعندما أطفأت
الأضواء في الغرفة، وأغلقت عينيّ شعرت بالبرق الأصفر يجتاحني، فتمنيت أن يصل نهر
موسكو إلى غرفتي في الطابق التاسع ويجرفني معه....
ليت أمي نائلة، أقصد زوجة أبي معي
الآن حتى يجرفها النهر أيضاً، فلا تصلني أخبار المسننات والحليب وأختيَّ عبلة
وعاتكة، ثم تهاويت.
بعد مدة لا تستطيع تحديدها نَهَضْتَ.
واغتسلت، فهطل الماء أصفر على الحوض، ثم خرجت وعدت إلى السرير ثانية، ثم نهضت إلى
الثلاجة، وبحثت عن الأشياء البيضاء لتأكلها، زجاجة الحليب، بيضة، قطعة جبن، عسى أن
تتخلص من الصفرة، وأكلت كل شيء وقع تحت يدك من طعام، وعدت للاستلقاء من جديد...
بعد أن أجهدك الطعام، ولكنك استيقظت بعد مدة على طرقات خفيفة، وفتحت الباب فدخلت
ناتاشا، فأمسكتها من يدها، وقربتها من السرير وقعدت وأقعدتها قربك، وقالت لك تبدو
مريضاً.
فقلت اسمعي... وحكيت لها عن الكلام
الذي أصابك والأفكار التي تناوبتك وتوسّعت في ذكر رسالة الأهل والحليب وصدرها ونهر
المجرّة، وقرارك أن تضع يدك على صدرها.
لقد أحست ناتاشا بكل كلمة قلتها
وبسرعة قياسية، حررت نهديها، فاقتربت وتأملت، وداهمك البرق الأبيض وغامت عيناك
بالرؤيا، فأغمضتهما واقتربت بعدها وضعت ناتاشا يدها على رأسك وقالت: حكايتك مؤثرة،
ثم نهضت وأزالت عن جسدها الثياب والمخاوف، وتمددتما معاً وعندما اقتربت منها
لتقبيلها منعتك عن ذلك، قائلة: لا أريد لأحد أن يقبلني، وحزنت واسترخى جسدك فيك
وبدأت تتأمل السقف وتنتظر نهر موسكو، ولكن ناتاشا استدارت إليك وعانقتك وقالت لك
لا تحزن، الأشياء الأخرى أريدها... فقط لا أريد أن تقبّلني من فمي... وأعادتك
إليها، فعدت وانتشرت على كل تفاصيلها وملأت جسدك بها، وملأت جسدها بك وبحثت في الينابيع
حتى وصلت وتدفأت وخفت فتراجعت، ووصلت فتدفأت.
واستجابت لك واستجبت لها، لكن دون
قبلات، مرة، مرتان، ثلاث مرات، وهي تستجيب وتعطي وأنت تعطي وتستجيب، وعندما
انتهيتما كانت الصفرة التي سكنت جسدك قد ذهبت كلها وتحوْلت بفضل حرارة ناتاشا
وبياضها إلى شيء في بياض الحليب.
ثم وبعد أن أتممتما أفعالكما عدت
للاصفرار المرّ ثانية بسبب من سوء الفهم الذي أصبح قدراً عنيداً يخالط دمك ويلوّن
بشرتك، فبعدما وضعتما شيئاً من الطعام وعاونتك على أعداده بأناقة وتنظيم،
واقتعدتما الطاولة وبدأتما الحوار، لماذا سألتها ثانية عن القبلة من الفم ولماذا
منعتها عنك، وكنت تعرف في طفولتك البعيدة حكاية المرأة التي أعطاها زوجها واحداً
وأربعين مفتاحاً، وقال لها حاولي في غيابي أن تفتحي كل غرف القصر المغلقة إلا
واحدة، وعندما مضى نسيت الأربعين غرفة وتذكرت الغرفة الواحدة، وعندما فتحتها لم
تجد فيها شيئاً، لكنها فقدت بعد ذلك كل شيء، لقد أعطتك ناتاشا مفاتيحها الأربعين،
مفتاح الحلمات ومفتاح السرة ومفتاح الوجد والمسرة وخط الظهر والإبطين والنهدين،
والخطوط الفاصلة أسفل كل شيء، العنق والركبتين والساقين والخطوط الخضر، والدم
اللامع والعينين العائدتين من الحرب، ولكنك، ولكنك عندما تساءلت غصت ناتاشا
باللقمة، وابتلعتها بصعوبة ثم مسدت فمها بالمنديل، وأعادت ترتيب أفكارها ثم بدأت
تشرح لك وكنت مصغياً، مصغياً حتى أقصى مايحتمله جلدك من صفرة وهوان، وكنت مستغرباً
ورطباً، وكانت ناتاشا تشرح لك دون أن ينتقص ذلك من ذهب روحها ورفعة نهديها.
ثم قالت بحزن وبلغة قوية واضحة، إنها
تحب عدنان.. وأنها لا تريد لأحد أن يقبلها غيره، ولكِنَكِ مَنَحتِني كل شيء، هكذا
أجبتها.
- المرأة تحتاج إلى الرجل... لأن
الوحدة والبرد يقتلان المرأة، وأنا وحيدة وكنت أحتاج إليك.
ثم قالت بأن الجنس غريزة وللغريزة قوانينها،
وهي ليست ضد هذه القوانين، وإنما تجد فيها
شيئاً عظيماً، لهذا تستجيب لغريزتها بمودة.
أما الحب فهو شيء مختلف، وهي لذلك
تحب أن تخص عدنان بعلاقة مميزة، ولا تقبل أن تعطي شفتيها لسواه، ثم سالت على وجهها
الدموع وهي تلفظ اسم (أدنان)، فشعرت بحرف (العين) وقسوته وكيف تتعذب الفتيات
الروسيات في لفظه إلى الحد الذي تتساقط بسبب ذلك على وجوههن الدموع.
- ولكن عدنان صرختُ، ثم توقفتْ،
لكنها أكملتْ، تقصد أن (أدنان) لا يحبني...
- لا أعرف؟ قُلتَ لها غاضباً...
- هذا لا يهم، هو حر في مشاعره،
لكنني أحبه.. وهذا شيء يخصني، وعندما يكون موجوداً أحس به وبأنني مرغوبة منه وهذا
يكفيني.
غير أنَكَ ورغم قراءتك للماركسية
الأولى والماركسية الثانية بصورتها اللينينية المعدلة، وبصورته الثالثة حيث أضيفت
إليها المعتقلات ومقرارات المؤتمرات، ظللت في حالة عدم الفهم للايضاحات التي تقدمت
بها ناتاشا الرائعة، وظللت مستغرباً ومتسائلاً كيف تحب رجلاً، وتعطي جسدها لرجل
آخر، ثم تظل في حالة حب عنيف تدمع له عيناها وتضطرب شفتاها فلا تقدران على لفظ اسم
الحبيب كما ورد باللغة الأم، وكدت أن تصرخ فيها قائلاً بلهجة انتقام ساخر ومرير،
أن الذي يحب أحداً يتعلم كيف يلفظ اسمه، ولكنك توقفت عن ذلك بعد أن أعيتك دموع
ناتاشا فاقتربت منها وعانقتها في حالة من العماء والتقدير. لجسدها، ولغريزتها
الرائعة التي دفعتها مرة رابعة للاستسلام إليك، هذه الغريزة التي تضامنت معك،
وأخرجتك من وحدتك الصفراء العريقة.
ولكنها نهضت فجأة وارتدت ثيابها، في
تأهب شديد ثم تنكبت محفظتها وتحركت مثل جندي وحيد ذاهب إلى الحرب، عند ذلك، شعرت
أن نهر موسكو كان معك وقد غمرك وغسل كل شيء فيك وترك الحيرة التي لا تستطيع سوى
فتاة مثل ناتاشا، أن تحرك عواملها فيك.
نهر موسكو يخضع للتلوّث، لكنه لا
يخضع للقرارات، أسألوا ناتاشا، عندما تركتني وهي في وضعية التأهب والتنكب وكنت
متهدلاً لا متأهباً ولا متنكباً، وكنت أحس بالصداقة وأتذكر عدنان.. الذي أعفاني في
رسالته الأخيرة من ضغط الضمير وأوضح لي أنه لا يحب سوى ناتاشا واحدة، وهي تلك
الموجودة في رواية (الحرب والسلام) لتولستوي، وأنني أستطيع أن أفعل ما أريد مع هذه
الناتاشا الرائعة التي تصيبه بالغباء... وهو بسبب من كسله الدراسي ونقاء محتده
وأصله لا يستطيع أن يحب هذه الناتاشا التي غادرت حجرتي منذ قليل وفيها شيء من
مائي.... فالأنهار لا تعطي المياه فقط وإنما تأخذها من الكثير من الجداول... لذلك
أصبت بالتعرّق.. والارتعاش بعد أن فهمت من الرسالة أنه لا يحق لي أبداً أن أذهب
إلى رواية (الحرب والسلام) وأخون صديقي مع (ناتاشا) تولستوي...
- قال لي فاديم.. وهو صديق روسي يدرس
معي في تاريخ النقد...أنتم تعيشون أسرى غرائزكم، ونحن نعيش أسرى غرائز غيرنا،
فشعرت بأنه يتحدث عن الحَرْب فأجبته بجفاء ملحوظ، وماهو الفرق؟ فتابع موضحاً...
نحن نبذل جهداً كبيراً في صياغة غرائز المؤسسات وحماية هذه الغرائز، أما أنتم دول
العالم الثالث وحركات التحرر الخائبة، فلديكم غرائز وليست لديكم مؤسسات، هذا هو
الفرق، ثم قال بمرح أنا أكتفي بمبلغ خمسة روبلات مقابل هذا التوضيح. فأعطيته
المبلغ، وكان لدي كلام كثير أرد به على الصديق العزيز فاديم، ولكنني توقفت عن
المتابعة بعد أن تذكرت ناتاشا التي استطاعت أن تملأ روحي وغرائزي. بعد أن كاد يودي
بي.. التوضيح الجائر للصديق فاديم.
- ومتى ستتركينني أقبلك ياناتاشا؟
- عندما أحبك؟
- ومتى ستحبينني يا ناتاشا؟
- عندما أتوقف عن حب (أدنان).
- هل تشعرين بالوحدة ياناتاشا...
- أنا وحيدة دائماً...
ثم نذهب إلى الغرفة ويتبعنا نهر
موسكو، وتخرج ناتاشا من البيت، والرطوبة تملأ جسدها ومفارقها، والتعرّق والارتجاف
يزيغان بصري.... ويعيدان تشكيل ذكرياتي فأذهب إلى الكتب وأبدأ قراءة الصفحات من
الأسفل إلى الأعلى، حتى أكتشف أخطاء فاديم، أو ربماتصويباته، فليس غريباً أن تكون
ناتاشا هي المؤسسة التي نبذل الجهد والروح لنصنع لها غرائزها، ودموعها وذكرياتها،
لذلك تخصصت بدراسة بوشيكن العظيم، الذي يذكرني بالمتنبي، ولا يذكر بأبي فراس،
الوسيم الجميل زين الشباب الذي لم يُمتَّع بالشباب، لكن طريقة موت الثلاثة: بوشكين
والمتنبي وأبي فراس متماثلة كأنما قتلهم رجل واحد، وقد تحفزت لدراسته، بعد أن شعرت
بالوشائج نحوه، فبوشكين غامق ويميل إلى الصفرة، وفي ذلك أشبهه، لكننا نختلف في
أشياء كثيرة، وهي أن بوشكين يميل إلى كتابة الشعر، وأنا أميل إلى ناتاشا، وشفتاه
ذات أصول زنجية، وشفتاي ذات أصول وجذور صحراوية والغنم في طرف باحة دارنا كثير.
- قالت ناتاشا، أنا لا أحزن فقط بسبب
غياب (أدنان) أنني أحزن أحياناً بسبب حزنك...
- فمتى تشعرين بالفرح... سألتُ
ناتاشا الحزينة...
- عندما أصاب بعمى الألوان فلا أتمكن
من التمييز بين (أواد-وأدنان) وحتى أنجح في ذلك تابعت (ناتاشا) الكلام.. يجب أن
تعزل مشاعر الحب التي تحسها نحوي عن قلبك، وتحس نحوي بمشاعر جنسية فقط، عند ذلك ستفرح،
لأن الجنس شيء عظيم ويجب أن لا نشغل بالنا بأشياء أخرى ثانوية.
- وهل عدنان بالنسبة لك ثانوي...
- عندما لا يكون موجوداً، ولكن
الأنوثة والغريزة والجنس أشياء موجودة وهي أشياء رائعة...
- هل قرأتَ (د.هـ.لورانس)؟
- هل قرأتِ ابن عربي؟...
- لا أبداً...
- لذلك انتحرت ابنة عم عدنان...
- أنا لا أفهم، ردت ناتاشا بعصبية
وهي تخلع ملابسها لتضيء الغرفة، (أدنان) يقول إنها جميلة جداً، وهي تحبه، أنا لا
أفهم لماذا ينتحر الناس من أجل الحب.
- ومتى يحق للإنسان أن ينتحر؟
- ينتحر عندما يذهب إلى مسرحية، أو
اوبريت أوباليه، ويشعر بأنها عمل عظيم، ويمكن أن ينتحر أيضاً عندما يحس بأنها
رديئة، وربما ينتحر إذا عطس دون إرادته، ثم التفتت إليَّ بغتةً وسألت: هل قرأتَ
(تشيخوف)، بعد أن قرأت تشيخوف.. بدأت أتحدث كثيراً عن الانفصال والوحده بين ناتاشا
وبيني، وبين عدنان وابنة عمه... وعن الانفصال والوحدة بين مصر وسوريا... ثم تفاقم
الأمر لدي وبدأت أتحدث عن الانفصال بين الحزب وبيني، لذلك استدعيت للتحقيق... وصدر
قرار بفصلي من الحزب، ثم بدأت كاتيا صديقة ناتاشا بالانتباه إلي، والنظر نظرات ذات
معنى، لم أفهم منها سوى..... أنها تدعوني لأقبلها من فمها، وقد أعانتني قبلات
كاتيا على التوازن، بعد أن امتنعت شفتا ناتاشا عني...
سنتان وكاتيا تنتظر مني كلمة،
وناتاشا تنتظر عودة عدنان، وحين ذبلت شفتّاها من الوحدة والانتظار بدأت تكره
الانفصال لأنه كما قالت مسؤول عن اختفاء عدنان وانقطاع رسائله، ثم حملت جسدها
وبريقها وذهبت إلى أكاديمية الدراسات الشرقية في (طشقند) لمتابعة الدراسة هناك.
وتركتني وتركت نهر موسكو إلى الصفرة
العالية والرماد العميق.
ويا ناتاشا الغالية، أيتها المهاجرة،
إلى شرق الشرق، لقد فعلتها (ناتاشا) الحرب والسلام في رواية (تولستوي) وتركت موسكو
أيضاً، لتبحث عمن تحب، تحت نار الحصار النابوليوني الشديد، وهاهي ناتاشا الشفتين
العنيدتين والأشياء الكثيرة اللامعة، تترك موسكو المملوءة بالرجال المستغربين
والفتيات الجميلات. وتذهب إلى المطار...
عند الوداع، قالت لي سأذهب لدراسة
اللغات الشرقية واللغة (الأربية) حتى أستطيع أن ألفظ اسم (أدنان) بشكل صحيح، ثم
عانقتني وقالت... اسم (أود) أيضاً صعب ويحتاج إلى... ثم توقفت...
- يحتاج إلى أغنام، أكملت مسرعاً..
- لم أفهم، قالت ناتاشا...
- هل تعتقدين أن رغبتك في لفظ اسم
عدنان بشكل صحيح.. سبب كاف لدراسة اللغات الشرقية.
- طبّعاً قالت ناتاشا: هذا سبب كاف،
المهم أن نبحث عن سبب حتى ولو كان صغيراً لنقوم بالأعمال الهامة، ثم إنني قالت
ناتاشا: ثم صمتت...
- ستذهبين، قلت لها: وتأخذين صدرك
معك، وتأخذين الحليب، ودرب التبانة وتتركينني.
- كاتيا تحبك، قالت ناتاشا، وهي فتاة
تستطيع أن تقبلها، وهي بيضاء. وأنا أحب أن
أدرس اللغات الشرقية لأعرف مدى الجهد الذي يبذله الناس في بلادكم وهم يتعلمون
لغتهم...
كانت عند جدي بقرة جميلة اسمها
ناتاشا، وكان حليبها أبيض، لكن لماذا نتحدث عن الحليب، ونهدي لا توجد فيه قطرة
واحدة.
- إنني أحس بالحليب حتى ولو لم يكن
موجوداً، حتى ولو لم أراه...
- أنت غير واقعي، وخيالك واسع، وأنت
من هذه الناحية تشبه (أدنان)..
- ومن نواح أخرى..
- تشبهه أيضاً، لكنني أحب أدنان أكثر
لأنك أحياناً تصير مزعجاً...
- أصير مزعجاً كيف.
- تصير مزعجاً لأنك شديد الذكاء،
وأنا لا أحب الرجل أن يكون ذكياً، الأذكياء متعبون.... وحبهم قصير العمر... لذلك
يرون الحليب في النهد عندما لا يكون موجوداً وعندما يتدفق النهد بالحليب ينسونه
وينسون صاحبته حتى ولو كان اسمها ناتاشا...
- وماهو دليلك على ذكائي..
- لونك الأصفر الغامق، ألم تنظر إلى
صورة (بوشكين)...
- ولكنه يميل إلى غير اتجاه.
- لم أفهم...
- هو يميل إلى الشعر وأنا أميل إلى
ناتاشا...
- هكذا يكفي، أقصد.... أنك...
تستطيع.... تستطيع أن.... تضع رأسك فوق نهدي هنا في المطار، وقبل أن تصل الطائرة،
ثم تغني لي أغنية باللغة العربية.
أغنية تحبها، كثيراً، بعد ذلك
ستنساني ويفرّق الحليب بيننا، عندما وضعت رأسي بدأت أتذكر أغنية لوداع ناتاشا وعند
أذني وتحت خدي نهدها الواقف داخل ثوبها، وتذكرت، تذكرت طويلاً أغنية تفي بالحاجة،
فلم أستطع، ذهبت إلى الطفولة، إلى المراهقة، إلى الكهولة، إلى الأجداد والجدات،
إلى أجهزة الراديو والإذاعات، لم تخطر ببالي سوى أغنية (الله أكبر) التي طالما
غنيناها أيام الوحدة... ثم فجأة قفزت إلى
رأسي أغنية غامضة بعيدة، وليس لها أية وظيفة في لقائنا الغريب، ولأنها لا تفهم
لغتنا بدأت الغناء على صدرها دون مخاوف...
بكره عيد منعيد
ومندبح بقرة السيد
والسيد ما له بقره،
مندبح مرته هالشقرة،
والبقرة إلها نهدين
حليبن من نور العين
واللي رح يشرب منهن
مارح يحزن بالمره.... وبكره عيد
منعيد... ومندبح بقرة السيد والسيد ماله بقره.
عندما رفعت رأسي بعد أن انتهيت من
الأغنية نظرت ناتاشا في وجهي وقالت:
عيناكَ مثل نهديّ
- أنا!...
- الحليب في نهديّ لا يرى والدموع في
عينيك لا ترى أيضا، ولكن الدموع تملأ روحك.
- ليست لي روح .. ولا أعرف ان كانت
لي دموع...
- هل تستطيع أن تشرح لي معنى الأغنية
الحزينة التي غنيتها،
- أستطيع أن أشرحها إذا كشفت لي عن
صدرك لأراه
- أنت شيطان حقيقي وليست لك روح كما
قلت ... تعال معي إلى مكان نكون فيه وحدنا.. وجرّتني من يدي إلى زاوية متطرفة،
وبدون دراية ولا قصد، نفر الحليب، ثم أغلقت ثوبها وركضت، دون أن تسأل عن معنى
الأغنية، وكانت الطائرة تنتظر. بعد سفر ناتاشا الصاعق، وذكريات الحليب التي باتت
تعصف بي، وجدت نفسي علي مفترق طرق، ناتاشا اندفعت لدراسة اللغات الشرقية، وأنا
اندفعت لتجاهل الشرق وطبائع الناس فيه، وانصرفت لدراسة الشعر الروسي ونظريات النقد
السائدة، وحين وقعت في الحيرة التامة.
* كان من الضروري أن تصلني رسالة من
أمي، أعني زوجة أبي لتوضح لي الأمور. ويا ابني
يا عواد...
الناس في حلب ما زالوا ينظرون إلى إنتاج معمل
اللبن بحذر وخوف، فهم لم يتعودوا أن يتم صنع اللبن والحليب والجبن والسمن في
المعامل، حتى والدك الذي يشرف على المعمل لا يرضى أن يأكل من إنتاجه، يقول رغم
النظافة وطرق الانتاج المعقمة والمنظمة، إلا أن اللبن الذي يصنعه الناس والبدو في
البيوت له طعم يختلف عن طعم إنتاج المعمل، وهذا الطعم الخاص يقول والدك لا أعرف من
أين يأتي وليتني أعرف اسمه ومصادره لأشتريه وأضيفه، المهم أن أخبار صديقك عدنان ما
زالت غير مفهومة، فهو بعد أن ذهب لزيارة قبر ابنة عمه لم يعد، أهله يقولون بأنه من
شدة الحزن عاد إلى موسكو دون أن يخبر أحدا لأنه غير قادر على احتمال الانفصال
وغياب ابنة عمه، وناس آخرون يقولون أن الحكومة اعتقلته لأنه ضد الانفصال ومن أنصار
الوحدة.
ومن يومها لم يعد أحداً يسمع عنه
خبرا، والحرب بين بيت القزاز والعشيرة ما زالت قائمة، بيت القزاز استطاعوا الدخول
إلى السجن وقتل (نعسان الزكور) وهو في القاووش، وبعدها قامت قيامة العشيرة، ولا
يمر يوم إلا ونسمع عن قتل واحد من الطرفين.
بعد قتل (نعسان الزكور) وانتشار
الخبر لا أدري ما الذي أصاب أختيك (عبلة وعاتكة)، أختك السمينة عبلة صارت تضعف
وتهزل بسرعة، وأختك عاتكة التي تشبه العود بدأت تسمن، وامتنعتا عن الكلام، لذلك
صار سهلا علينا الانتقال إلى حي المحافظة مرة ثانية. ووالدك لا يفهم كيف لا تعود
الوحدة رغم القضاء على حكومة الانفصال، قلت لأبيك أن يستضيف في بيتنا أحد أولاد
العشيرة المتهمين بقتل أحد أولاد بيت القزاز فربما ساعد ذلك على تخليص (عبلة
وعاتكة) من الحالة التي تعيشانها، لكنه رفض بعد أن فهم قصدي وغضب وهدد بقتل
البنتين.. والسلام ختام... أمك نائلة.
قالت إحدى المدّرسات في قسم السياسة
الدولية في الكلية.. نحن دولة عظمى وتقصد بذلك الاتحاد السوفياتي... ولنا مسؤوليات
كبيرة تجاه العالم والكون لذلك الأمور الصغير ة والكبيرة لا تمر ببساطة، كل شيء
يخضع للدراسة والتنظيم ... وهذا الأمر من ناحية يؤدي إلى البيروقراطية، ومن ناحية
ثانية يؤدي إلى استقرار المثل والأنظمة وسلطة المؤسسات.... ثم تابعت الكتابة على الورقة البيضاء أمامي...
. لذلك تموت أبنة عم عدنان ... ويذهب
عدنان إلى قبرها ولا يعود ويذهب الشباب النحيلون الطوال مثل نهر موسكو إلى الحرب
ويذهب نهر موسكو إلى الضواحي ليستمع إلى بكاء الفلاحات، وتضطرب الحروف الثقيلة في
فم ناتاشا .. وهي تردد اسم عدنان.
خلال كتابة السطور الغربية كنت ألمح
شفتي كاتيا ممطوطتين إلي... فيهما وحدة شديدة ودعوة، كنت ألمح ذلك رغم مقاطعة وجه عدنان للنص المكتوب، لقد جئت إلى
موسكو بترشيح من الحزب، وجاء عدنان لأن
حكومة الوحدة بقيادة جمال عبد الناصر قررت إرسال المتفوقين العشر في
الشهادة الثانوية والجامعة إلى موسكو، وكان من نصيب عدنان أنه كان واحدا من هؤلاء
المتفوقين.
جاء عدنان إلى موسكو وإحساس عارم
يملأه بأن الوحدة أرسلته، لذلك جهر يحبها، في وقت كنت أنا مرسلاً من حزب له (ثلاثة
عشرة ملاحظة على الوحدة) وقد ثبتها في تقاريره، وقد حفظت من جهتي الملاحظات الـ
(13) لأقارع بها عدنان وإضرابه، عندما يتنطعون للدفاع عن الوحدة، ولذلك ماتت ابنة
عم عدنان التي تضارع بجمالها جمال ناتاشا تولستوي، وناتاشا نهر موسكو واللغات
الشرقية، ولذلك ذهب عدنان إلى موت ابنة عمه ولم يعد.
- قالت كاتيا بعد صمت طويل : أنوف
الناس في موسكو وبخاصة الفتيات دقيقة وجذابة رغم الرطوبة العالية في عاصمة
الاتحاد، والسبب معروف وهو أننا نقتصد حتى
في استنشاق الأوكسجين حتى نتمكن من تقديم المعونات إلى دول العالم الثالث. انظر
مثلا إلى أنوف الفرنسيين، ثم حاول أن تقبلني لنتأكد من ذلك، وهنالك ملاحظة أخرى
ولها علاقة (بالانثربولوجيا) يقول المثل إذا حككت جلد الروسي فسيظهر تحته كائن
تتري من أحفاد جنكيز خان، والتتر كما تعرف من اقرب العروق إلى العرق الأصفر، لذلك
تشكل لدي ميل طبيعي إلى لونك الأصفر وبدأت الاهتمام بك
- ليتك تحكين جلدك لتخرجي من تحته
رجلا تتريا لتحبيه بدلاً مني.. قلت ممازحاً
- أجابت أنا لا أمزح... ناتاشا
أخبرتني بعلاقتها معك بعد غياب عدنان، وأنا أعدك إذا أحببنا بعضنا فأنني لن أعطي
شفتيَّ لأحد سواك.
بيني وبين نفسي قررت أن أقبلها حتى
تصمت قليلا وتتوقف عن التدفق العظيم مثل نهر موسكو... فبعد أن قبلتها . وضعت رأسي
على صدرها، وأدخلتْ أصابعها في شعري وبدأت تسرّحه دون أن تتحدث عن شعر الأغنام.
ثم طلبت مني أن أوافق على الزواج
منها، بعد أن أخبرتني أنها بسبب تساهلها في السماح لي بتقبيل فمها أصبحت حاملاً
مني.. وأنني في طريقي لأكون أباً... فانتفضت .. ورفعت رأسي من حضنها وحذرتها من
مغبة الآباء والمجتمع البطريركي الأبوي .. ثم أوضحت لها.. بأن الحمل والإنجاب
والأسرة . كلها مؤسسات آيلة للزوال كما قال (انجلز) وهي من منجزات المجتمع الطبقي
والعياذ بالله. وعلينا رميها بعيداًً.. فما كان من كاتيا العزيزة . سوى أن هجمت
عليّ وأمسكتني من شعري وجرتني وألقت بي خارج المنزل ثم أغلقت الباب في وجهي ..
لذلك نهضت وركضت إلى غرفتي في السكن الجامعي .. وحملت .. كتاب أصل العائلة وألقيت
به من النافذة . ورجعت إلى كاتيا لأعلمها بموافقتي على الزواج . ثم ذهبت إلى
السفارة لطلب الأوراق الخاصة بمعاملة الزواج فأوفدت السفارة رجلا من العاملين في
الملحقية الثقافية ليشرف على عقد القران باعتبار الزواج وثيق الاتصال بشؤون
الثقافة الوطنية، وفي الطريق قام الرجل بدوره الوطني ونصحني بالإقلاع عن الزواج من
أجنبيات فشكرت له موقفه، وأفهمته بأن مهمة السفارة هي تمتين الروابط مع البلد
المضيف وليس تمزيقها،وأن زواجي له هدف واحد وهو متابعة الدراسة، وابعاد شبح الفصل
من الجامعة عني، فاقتنع الرجل ثم قرأ على مسامع كاتيا نصا يحض علي الزواج ويعدد
فضائله وضروراته، وكان معنا شاهدان من بلدنا، ثم تليت خطبة النكاح فوافقت كاتيا
باللغة الروسية وأنا وافقت بالعربية، وكنت مندهشا من ملامح كاتيا وحالتها، كانت
كأنما تؤدي طقسا غامضاً فيه شعور بالفزغ والقدسية وكانت صامتة ومرتبكة وشاخصة
العينين إلى رجل السفارة الذي أتقن ممارسة هذا الطقوس،وقابضة بقوة على كفي كأنما
تخشى أن ينشق المكان عن هاوية،
- بعد انفرادنا معاً، قلت لكاتيا أنت
ذكية، وجسدك أملس، وبعد ذلك قبلتها قبلة الزواج الأولى، وقالت لي هذه القبلة
مميزة، لأنها تخصنا وهي قبلة منزَّهة عن الأغراض، فقلت لها نعم أنها منزَّهة عن
الأغراض، ثم نهضنا وغسلنا وجهينا وأزلنا آثار القبلة المنزَّهة عن الأغراض وقامت
كاتيا بتحضير الفطور وكان دسما يصلح ليكون فطورا لعمال المناجم فيه قطعتان كبيرتان
من الصاصيجو، وصحن كبير من السلطة الروسية الغارقة بالمايونيز الذي بذلت جهدا
كبيرا في العام الثاني لاقامتي حتى تمكنت من التعامل معه، وأربع بيضات عيون،
مستغربة وشرائح من اللحم المقدد، وزجاجة كونياك بثلاثة نجوم، وكان القصد من هذا
الإفطار العالي الجودة والمتانة أن أتخلص من الحالة المنزَّهة عن الأغراض بأسرع ما
يمكن لأبدأ حياتي الزوجية ولأعطي الإذن لأصوات الصحون بالتحول من همسات إلى خبطات
عالية التوتر على وجه الطاولة... مما يذكر الجيران في الطابق الأعلى بضربات ساعة
(بج بن)، ثم ولدن لنا ابنتنا (فالنتينا) بالروسي و (علياء) بالعربي... ولم أكن
أخمن أن حرف (العين) سيطارد ابنتي أيضاً، ربما فعلتُ ذلك بسبب الحنين والأسى
الشديد على فراق عدنان... وهذا الحرف دون سواه يذكرني بناتاشا المنكبة في وحدتها
على دراسة اللغات الشرقية وهي تقوم بتدريبات صوتية يومية لتتمكن من لفظ حرف العين،
وربما ستوصلها المحنة إلى حروف الصاد والحاء والقاف والضاد. أما حرف الخاء فلا
توجد فيه مشكلة لأن أجمل الأشياء عندهم تبدأ به . وهو كثير الانتشار والتداول لدى
الفريقين، والذي يحب عليه أن يدفع الثمن كاملاً يا ناتاشا، يا ملكة الحليب . أيتها
المشرقة في الشرق، حتى ليكاد نهر موسكو أن يركض إليك، حتى لتكاد اللغات الشرقية أن
تعتذر من بياضك المذهّب... ونهدك الطافح وأنت تبعقين في الوحدة الجارحة (عين...
عين.. عين) والناس في بلادي (يصرخون في الليالي يا عين ويضيفون إليها يا ليل ثم
ينهمر الغناء. الفرق بين بياض كاتيا وبياض ناتاشا جلي واضح، بياض ناتاشا بياض ذهبي
وله بريق، بياض كاتيا خامد ويميل للفضة، والفرق بين البياضين مثل الفرق بين الذهب
والمعادن الكتيّمة الأخرى، لذلك يتشدد الذهب ولا يمنح شفتيه إلا للحروف الصعبة
(عين... عين... عدنان)
بعد إبرام معاهدة الصداقة بين بلدي
وبلد زوجتي كاتيا... انتشرت ظاهرة زواج الشبان السوريين بفتيات روسيات تعميقا
لبنود المعاهدة، وهذا الأمر أي إعلان معاهدة الصداقة قوّى من موقف كاتيا فبدأت
تطالب بإقامة زواج مدني حتى تحافظ على شخصيتها الوطنية، ولم أكن أعارض في هذا
الشأن حتى لا أنال من كبرياء كاتيا فأظهر بمظهر القادم من القرون الوسطى،
فالمعاهدة تنص على احترام الطرفين لبعضهما والعمل على الدفاع المشترك وصيانة المصالح
- هل تعرفين .... قلت لكاتيا، لقد
وجدت وأنا أدرس شعر بوشكين أن فيه وعيا طبقيا جنينيا، ولو أن بوشكين عاش في
الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة (المارثيه)) لا تهم بالإلحاد كما فعل
الأمريكان مع آرثر ميلر، ولتزوج مارلين مونرو... مثله. هل تعرفين مارلين مونرو.
- شاهدتها في أحد الأفلام.
-جون كنيدي شاهدها أيضاً في الحفل
الرئاسي وعندما لامس بياضها أخذها من يدها ومضى بعد أن ظن أنها هي البيت الأبيض،
هل يشبه قصر الزواج الذي تريدين
إقامة العرس فيه البيت الأبيض،
- قصر الزواج يشبه كنيسة معاصرة
- أرجو أن تتحدثي عن قصر الزواج
لأدخل في الحالة،
- عندما يفتح الباب تصدح أصوات
الموسيقى وندخل معا يدا بيد، أنا بالثوب الأبيض،
- بالثوب الأبيض.. على طريقة القرون
الوسطى،
- وماذا يمكن للعروس أن تلبس ليلة
زفافها .. أفرولا عماليا أرزق،
- لا لم أقصد، لكن لابد من التفكير
بطريقة مختلفة،
- هل تعرف.. بعض المتحمسين عندنا في
الحزب طالبوا أن تتم حفلات الزفاف إما في المناجم، أو في المصانع حتى يأخذ الزفاف
معنى جديدا.... ولاستبدال المؤسسات السابقة كالكنيسة والأناجيل بأشياء أخرى تلائم
النظرية،
- يا للنظرية لقد تذكرت بوشكين... لو
أنه يعيش الآن لذهب إلى نهر موسكو وألقى بنفسه فيه حتى يأخذه إلى الضواحي ليسمع
غناء الفلاحات،
- تبدو حزينا
عندما أتذكر بوشكين أشعر بالحزن
وأشعر أن مكان الطلقة في صدره.. مازال ينزف.
- أنني أتحدث عن الزفاف .. وقصر
الزواج ولا أتحدث عن الكوارث والمآتم..
وأريدك أن تكون فرحا.
- فرحْ وأصفر، هل يمكن ذلك،
- يمكن،
- حدثيني عن قصر الزواج،
- وبعد أن نتقدم أنا وأنت على البساط
الأحمر الذي يشبه البساط الذي يسير عليه القادة والملوك في المطارات وأمام القصور
وعند الحمامات، بعد ذلك.. ولكن قبل ذلك يجب أن نكون قد حجزنا موعدا من إدارة قصر الزواج ودفعنا الرسوم
المطلوبة ليرسلوا لنا سيارة الفولغا الطويلة التي تشبه ديناصورا أسود ويفضلها
السياسيون في العمل والاستقبالات، رغم أن حنينهم للمرسيدس والفورد لا يضاهى،
عندما يُحَدَدُ الموعد وتدفع الرسوم
ونعطيهم العنوان... وننتظر .. وأحيانا ننتظر أكثر من اللازم، بعد ذلك تأتي السيارة
السوداء المزينة والمعدة لحفلات الزفاف
وفيها سائق مندهش وفرح وينفذ كافة الأعمال التي تطلب منه... أحد السائقين في إحدى
حفلات الزفاف لإحدى صديقاتي تأخر ثلاث ساعات عن موعده وعندما سألناه عن أسباب
التأخر قال بأنه كان يوصل بعض العاهرات.. إلى أماكن العمل...
قالت العروس غاضبة تترك حفل الزفاف
وتذهب إلى العاهرات، قال السائق: وهو يخرج سيجارة المارلبورو ويشعلها.. أليس
العملان من نوع واحد. عند ذلك ضحكنا وركب العروسان السيارة.
- وبعد ذلك،
- نمشي على البساط الأحمر... وتمشي
معنا الموسيقى والثوب الأبيض والبدلة السوداء،
- كأنما هو زواج قارتين،
- نعم قارتين ... ونظل نمشي وتمشي
معنا الموسيقا... وعندما نتأخر في المشي بسبب تأملنا للجدران الخشبية المزخرفة
ونحن نبحث عن المكان الذي تخرج منه الموسيقى فلا نجد المكان رغم أن الموسيقى تمشي
معنا، بعد ذلك تنزعج الفتاة الجميلة المرافقة والتي ترتدي ثياب المراسم، وعادة
تكون هذه الفتاة أجمل من أية عروس، وعندما تنزعج تقترب منا وتطلب أن نسرع في المشي
فهناك طابور من الازواج والسائقين في الانتظار.
- لماذا يختارون فتاة المراسم شديدة
الجمال،
- حتى يسمع العريس كلامها ويستعجل في
المشي لأنه يكون في هذه اللحظة أكثر تجاوبا معها من العروس المنشغلة بثوبها وذيل
ثوبها، ثم نتقدم إلى منصة تشبه قوس المحكمة، وإلى موثق عقود الزواج، فنتقدم
بالمعلومات اللازمة بعد إبراز بطاقات الهوية، وبعد ذلك نتقدم إلى عضو مجلس
السوفييت الأعلى وغالبا ما تكون امرأة ... وهي تشبه أي قسيس في أية كنيسة، ويتأكد
لك ذلك إذا تفحصت مضمون الكلام الذي تقوله على مسامعنا وتضطر فيه أن تستعير من
الوصايا العشر أربع وصايا، لنعمل بها، وفي مقدمتها أن يحب الرجل زوجته وأن تحترم
المرأة زوجها، ولأننا ورثة النظام الاشتراكي ولا نؤمن بهذه الوصايا أصلا لأنها
إقطاعية المنشأ، لذلك لا تحترم الزوجة زوجها ولا يحب الزوج زوجته وهذا شيء يعرفه
عضو مجلس السوفييت الأعلى الذي يلقي بنصائحه على مسامعنا.
- لقد أدهشتني صراحة كاتيا، فكدت أن
أجمع أطراف ثوبي في فمي وأهرب، لكنني
تراجعت وطلبت من كاتيا أن تتابع شرح خطوات الزواج بعد أن توقفت عن الاسترسال
والتذكر،
- وبعد ذلك نتبادل لبس الخواتم، في
بناصر اليد اليمنى،
- الزواج عندنا في اليسار، قلت
موضحا،
- هذا ضد الطبيعة الأشياء، فالإنسان
بعد الزواج يصبح أميل للمحافظة و التفكير بالمصالح وحسابات الربح والخسارة وبذلك
يكون أكثر يمينية، لذلك يصبح البنصر الأيمن أكثر دقة، وتعبيرا عن طبيعة الزواج
وحقيقته،
- أننا نضعه في البنصر الأيسر لأنه
أقرب إلى القلب،
- هذا ضد طبيعة الأشياء مرة ثانية،
بعد الزواج يتوقف القلب تماما عن التفكير بالزوجة ويحل العقل محله، أما قبل الزواج
فللقلب سلطة أكبر،
- هذا يعني أن التعارض بيننا قائم
حتى في تحديد وظيفة الأصابع،
- لذلك أحببت أن أتزوج من بلادكم،
- لم أفهم،
- حتى يظل الزواج أقرب إلى القلب
وبذلك يصان،
- أنني أعدك بأنني سأحبك حتى أجعلك
تنسين أشعار بوشكين، قلت لكاتيا،
- لكنني لن أستطيع نسيان نهر موسكو
- وأنا لن أنساه،
- بعد ذلك نذهب إلى كافتيريا ملحقة
بقصر الزواج لنقيم فيها حفلا لنا وللأصدقاء مدته نصف ساعة،
- ولماذا نصف ساعة،
- من أجل الطابور . ثم نتناول
الشمبانيا والشوكولا في الكافتيريا ونخرج لنحتفل في أحد المطاعم،
- متى ستؤلفين كتابا عن (الزواج)
يتضمن (نصائح وإرشادات) للمبتدئين،
- مشاكل الطباعة والنشر عندنا في غاية
التعقيد، ثم ان كل واحد في بلادنا يعرف هذه الأمور، أم أنك تحاول أن تسخر،
- أبداً لكن لدي اقتراح، ما رأيك أن
نقفز إلى النتائج فورا،
- لم أفهم،
- يعني بعد هذا الشرح الجميل لمفردات
وتفاصيل الزواج المدني أقترح أن نعتبر أنه قد تحقق بالطريقة نفسها التي صورت فيها
الحفل، ثم ننطلق مباشرة إلى المطعم لنكمل الاحتفال،
- هل كان وصفي لحفل الزواج كافيا،
- الوصف كاف وجميل،
- فلنذهب إلى المطعم، هكذا ردت كاتيا
ضاحكة.
- فذهبنا إلى المطعم ... وفي الطريق
لم تبارح ذاكرتي ملامح السائق...
وعضو مجلس السوفييت الأعلى.. وطرافة
كل منهما، وبعد أن تبادلنا وجبة طعام شهية في مطعم (الكازاخ) فيها أطعمة شرقية وكافيار، وورق عنب بالرز واللحم شعرت
بأنني أرغمت كاتيا على فعل شيء لا ترغبه عندما طلبت منها الاكتفاء بوصف الزواج
المدني وعدم القيام به، وأنه من شأن ذلك أن يضر بمعاهدة الصداقة بين بلادي
وبلادها، ولكنها وبعد أن أوضحت لها مخاوفي.. قالت.. أنا مكتفية بالتوضيح ودعنا
نقفز مباشرة إلى النتائج ونذهب إلى أقرب سرير.
كان السرير ضيقا وضعيفا، وكانت كاتيا
منزعجة وقد أخبرتني عدة مرات بضرورة تغييره لأنه لا يمكن للزواج أن يصير زواجا ولا
للمرأة أن تحب زوجها إذا كان السرير
ضيقاً... وعندما فشلنا في النوم عليه متجاورين.. نهضت كاتيا منزعجة وذهبتْ إلى المطبخ.. ونهضتُ أنا منزعجاً وذهبت إلى
الطاولة المجاورة ... كنت أعتقد أن الأشياء الضيقة . تؤجج الحب والمشاعر، قبل أن
أتزوج كاتيا... لم أكن أحس بضيق السرير.. أما الآن.. فأنا خلف الطاولة .. لذلك
قعدت.
وبدأت بكتابة رسالة إلى زوجة أبي
نائلة .. أعلمها فيها أنني تزوجت، ثم وصفت لها كاتيا وطولها ووجهها وسلامة نطقها
للكلام باللغة الروسية وعينيها الزرقاوين اللتين تميلان إلى الرماد مثل عيون القطط
ومياه نهر موسكو، وأخبرتها عن السعادة الغامرة التي أحسها بعد سفر ناتاشا إلى
طشقند، ,أنتم تعرفون الزواج ومصاريفه، لذلك أرجو منكم إرسال ما ترونه مناسبا من
العملة الصعبة حتى لا تتوقف كاتيا عن احترامي ومحبتي... ولأتمكن من شراء سرير عريض
ومتين.. لأن كاتيا لا تفضل الوقوف لأنه يشعرها بالتكافؤ، وهي في الحب مستعدة
لتقديم التنازلات، ثم ذهبت للبحث عن سرير عريض. وفي إحدى صالات عرض المفروشات وجدت
سريرا فارغا، فذهبت لشرائه، فقالت لي الموظفة بأنه للعرض فقط ولا توجد أسرّة
جاهزة، ,إذا كنت مضطرا فعلي أن أسجل دوراً عند الإدارة، وسيحدد لي موعد قادم لاستلام
السرير العريض،
أما إذا كنت مستعجلاً بشكل كبير
فلأذهب خارج الصالة وهناك سأجد رجلاً عريضاً أستطيع أن أطلب منه ما أريد وسيلبي لي
كل حاجاتي.. فخرجت ووجدت الرجل العريض وأخبرته عن
رغبتي، فأخذني من يدي إلى الضواحي.. وفتح مستودعا رأيت فيه سريرا ولم يكن
عريضا، ولكنه يبدو عريضاً بسبب فراغه.. ثم أن الرجل العريض أقنعني بأنه عريض
جدا... وأن المكتب السياسي للحزب لا يسمح بسرير أعرض من هذا السرير، ثم تابع
إقناعي بأن السرير عريض... فاقتنعت .. وأحضر لي شاحنة صغيرة فوضع السرير عليها
وأخذ مني ثمنا أعلى بحوالي ثلاث مرات من ثمنه المحدد بالصالة، وبالواقع كان الثمن
عريضا أما السرير فلم يكن عريضا، عندما أدخلته
إلى الغرفة، وركبتهُ بالتعاون مع سائق الشاحنة، وحين شاهدته كاتيا صرخت أنت
لا تصلح لشيء، وهكذا بقيت هذه الكلمة ترن في أذني حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.
- ولكن الرجل العريض أقنعني.. صرخت
في وجهها غاضباً، عند ذلك حَمَلَتْ كاتيا.
الأغطية والفراش والوسائد فظهر
السرير السابق عاريا سوى من الحديد.. فقامت بقياس عرض كل منهما فوجدته واحدا، فقلت
لها هذا دليل على السياسة المبدئية
والثابتة للمكتتب السياسي للحزب فصاحت في وجهي... إذا كانوا هناك يعتبرون أنفسهم
المكتب السياسي فأنا هنا اللجنة المركزية، ثم قامت بجمع السريرين
إلى بعضهما فصارا معا سريرا عريضا، متهدما من الوسط وغير متساوي الحواف... وهذا
يزعج ظهر المرأة كثيرا، ثم انطلقنا معا.... لشراء فرشة للسرير الجديد، وبعد
إحضارها إلى المنزل قامت كاتيا بإخاطة حافتي الفرشتين ببعضهما فصارت لدينا فرشة
عريضة وتحتها سريران ضيقان، وهكذا ربحنا سريرا عريضا، يسعنا معاً أنا واللجنة
المركزية.
خلال أزمة السرير، جاءت رسالة من
زوجة أبي نائلة، فيها كلام طويل طويل... تخبرنا فيه عن فرحها بهذا الزواج، وبصورة كاتيا
التي أرسلتها في الرسالة وفرح أبي وفرح أمي... وفرح أختيَّ (عبلة وعاتكة) وأن
الناس في العشيرة فرحوا لأن واحدا من أبنائهم سيتزوج امرأة أجنبية شقراء.
أما عن صديقك عدنان فلم يظهر له أثر
بعد قيام الانفصال. الله يصبر قلب أمه.
بعد أن وصلت رسالتك السابقة أحضرنا
أغناماً إلى البيت وأحوال عاتكة وعبلة بدأت تتحسن.
أمك قالت اللي ما بيتجوز من ملته
بيموت بعلته، لكنها قالت الله يرجع ولدي عواد بالسلامة وكل شيء يهون،
اشترينا بيتاً بالمحافظة وفرشناه،
لكن بعدما وصلنا خبر زواجك وقرب عودتك قررنا أن نترك بيت المحافظة لك ولزوجتك
لتعيشان فيه بعيداً عن الأغنام- كثيرا من الناس يقولون إذا لم تتوحد الراديويات خلن تتوحد البلاد، وعدنان
لا خبر يصل من طرفه، يا حرقة قلب الحارة عليه، وبأيام الانفصال كانت إذاعة حلب
تقول لعبد الناصر (انجدونا بالطائرات) وصار الناس يرفعوا رؤوسهم إلى السماء ويقولون
( لابد من وصول الطائرات) لكن قوات الانفصال وصلت وامتلأت الحارات بالدخان
بعد دخول قوات الانفصال ... انحبس
المطر بالسماء، ومات الشيخ سراج في باحة الجامع الكبير، وعدنان لا حس ولا خبر يا
حرقة قلب حلب عليه، أمك توصيك إذا ولد لك
ولد أو بنت ببلاد الغربة لا تسميهم بالروسي.. سميهم بالعربي حتى لا ينسانا المطر،
- الحكومة جاءت إلى والدك وطلبت منه
أن يترشح للانتخابات. فقال لهم إذا لم تعد الوحدة فلا لزوم للانتخابات، ولا للترشيح . ثم خانته قوه فبكى قدام الحكومة والناس، وقال:
لا تؤاخذوني قلبي محروق على الوحدة اللي ضيعناها، وعدنان لا حس ولا خبر، يا حسرة
قلب الوحدة عليه.
عبلة وعاتكة صارتا مهتمتين بالسياسة،
عاتكة من كثرة الاستماع للراديو صارت تكتب شعراً ومواليات ضد الانفصال وصارت أختك
عبلة السمينة تحملها على كتفيها (وعاتكة) تصرخ ضد الاستعمار وتهتف بحياة جمال عبد
الناصر وروسيا لأنهم ضد الانفصال، وأمك تصرخ عليهم... لا تفضحونا، أخاف أن تأتي
المخابرات ويقبضوا عليكن فتقول لها عبلة ليتهم يأتون.. فننحن مستعدتان لكل شيء
وعدنان لا حس ولا خبر، يا حرقة قلبي عليه.
بعدما قرأت رسالة زوجة أبي، أحسست
بأنها قطعة من عيون الأدب العالمي، بسبب تميز أسلوبها بالأصالة والعفوية وتوفر
الأغنام.
وهذه الصفات لا تتوفر في أسلوب
الرسالة التي أحضّرها لنيل شهادة الدكتوراه، فأنا أتميز بالتكثيف والتعقيد
والإحاطة، وعندما أنجزت رسالتي التي تحدثت عن ظهور النقد الثوري، ونموذجه الصارخ (بيلنسكي) ودافعت
عن الرسالة أمام حشد كبير. وحين أتممت العرض والدفاع عن الرسالة : حصلت على تقدير
جيد يرافقه امتعاض شديد من الأساتذة والطلاب المحتشدون، وكان في ذهني أن مرتبة
الشرف الأولى لا تسعني. فلقد تملكني في الأيام الأخيرة من تقديم رسالتي شعور
بالاعتزاز والقوة، وصرت أرى الأحلام باللغة الروسية خلال النوم، وأتحدث في الأحلام
مع أبي وأمي بها من شدة تركيزي على مادة البحث. ورغم الذي حصل أحسست بأهمية أن أحمل لقب دكتور.. وأصير قادرا
على إحصاء أخطاء الروس وهم يتحدثون لغتهم ويصوغون حياتهم.
فالناقد الذي أصبحته صارت الأشياء
والبشر والمنجزات واللغات والآداب، والأحزان، كلها موضوعات للنقد أمامه، دون أن
يحوز على فضيلة أو شرف أن يكون هو موضوعاً لأي نقد،
وكانت كاتيا تحس بتناقض الحالة ولا معقوليتها، غير أن السرير العريض
كان يتدخل لتسوية المشكلة، خاصة وأن كاتيا
كانت مشغولة ببطنها وبالشيء الذي يتحرك فيه،
- بعد دفاعي عن رسالة الدكتوراه ونيلي للشهادة، دافعت كاتيا عن أنوثتها وأنجبت
أبنة، مزدوجة (الاسم) ومختلفة لون العينين، ففرحنا بالإنجازين معا.
وبدأ بعد ذلك العد التنازلي لأيام موسكو، موسكو العظيمة في
المدن الرائعة بالأبناء والأخطاء النبيلة بالهواء الأول الذي ملأ رئتي ابنتينا (فالنتينا) بالروسي، و(علياء)
بالعربي ... وعدنان يا عيني لا حس ولا خبر، يا حرقة قلب الأصدقاء عليه.... كان
أمرا غريبا وصاعقا أنني بحثت باستماتة عن اسم لابنتي يبدأ بحرف العين وفاء لصديقي
عدنان،
لكأنني عندما اخترت الاسم تلامع في أذني
صوت ناتاشا وقد برقت الدموع على خديها والفرحة على وجهها وهي تصيح لقد نجحت، نجحت
وصرت ألفظ اسم عدنان كما يريد عدنان وكما يلفظ الناس اسمه في بلاده... فأين هو
عدنان، لقد ذبلت شفتاي من الحزن عليه ومن انتظاره ومن قوّة اللغات الشرقية وغرابة
الحروف فيها، وأصبح صوتي مجرّحاً وعميقاً من شدة الصراخ في الغرف المغلقة. بعد أن
تذكرت صوت ناتاشا وتخيلت لون الصراخ الذي يعذبها، هرعت إلى نهر موسكو لأتذكر شيئاً
من الحليب، ولأنظر إلى السماء اللامعة، ودرب التبانة الذي تركته ناتاشا وذهبت، وقد
أحسست بالأسى والخيانة. كنت أرغب أن يكون اسم ابنتي ناتاشا، لكنني لم أكن أستطيع
حتى لا أحرج مشاعر كاتيا، ولا أخرج على وصيّة أمي... فينقطع المطر في بلادنا...
ولكنه مقطوع يا أمي والأنهار جافة،
والفرح والشجر قليل، الماء مقطوع من زمان... من أيام ظهور الملل والنحل والنصوص
واللصوص، والحجاج والحلاج،
فلماذا عندما تأتيني ابنة لا أستطيع أن أسميها
ناتاشا، يا تولستوي العظيم، الذي تتدفق لحيته البيضاء مثل نهر من الحليب، كأنما
شاهد ناتاشا اللغات الشرقية، والنهد
العارم الشريد، والبياض الذي يذهل الناس واللغات فيهربون إلى الصفرة الغامضة مثلي،
أو إلى الموت مثل عدنان، الصديق الذي انقطعت أخباره يا حسرة قلب الخليقة عليه,
كثير من الساعات أنفقتها وأنا أتأمل
النهر لأستعيد السنوات السبع التي عشتها على ضفافه،وكنت أحس بالحشرجة والانقباض
عندما تتضاءل المسافة وتذوب الأيام ويقترب موعد السفر، ثم بدأت الأشياء والصور
بالتداخل والتشكل والوضوح، لم يكن النهر، ولم تكن ناتاشا ولا الحليب ولا تولستوي
...، كانت موسكو وفراقها هو الذي يجرح الروح ويوصل للحشرجة.موسكو التي كثيراً ما
عددنا أخطاءها ثم وجدنا أنها أخطاؤنا... أما المدينةُ فمستعصية على الخطأ ، مثلما
استعصت ناتاشا على الكراهية وتدفقت بالأنوثة والحليب.
- لذلك وفي لحظة المغارة .. التفت
عواد إلى موسكو العظيمة كأنما لم يشاهد سواها أبداً... ثم. عاد لاهثاً إلى
الطائرة.
rrr
بعد أن تلامحت بوادر الحمل. على بطن
علياء. اضطربت الأسرة من أصولها إلى فروعها وبخاصة بعد أن تسرب الخبر إلى زوجة
الأب الثانية - نائلة- التي بدأت تعتبر نفسها جدّة أولى بعد أن ولدت للدكتور عواد
أبنه فضائية أسمها علياء ولها عينان متباينتان، واحدة زرقاء والأخرى عسلية، وقد
كبرت البنت وأصبحت في مقام النساء وانتفخت بطنها بطريقة لا تدعو للاعتزاز ولا الرحمة.
لذلك وجهت الجدّة نائلة دعوات
مستعجلة لأركان الأسرة لحضور الاجتماع.
ثم قعدت وأقعدت حولها أركان أسرتها
بأعمارهم وألوانهم ونظراتهم المتباينة، وقعد حولها الأب حميد السمني، والعمتين
الضالتين . عبلة وعاتكة، وقد أحستا بنذر الخطر وخمنتا أسبابه، بعد أن انتبهتا إلى
بطن أبنة أخيهما الشقراء فالنتينا . وقد حاولت العمتان كخطوة مؤازرة، أن تطلبا من
فالنتينا أن تريهما بطنها، وقد استجابت لهما وكشفت عن بطنها، فشعرتا بالبهجة
وتحركت أصابعهما إلى البطن الصغيرة الهائلة ولامستاها بشغف، وتذكرتا معاً ليالي
الاغتصاب السالفة التي حاولتاها مع فارس العشيرة (نعسان الزكور) الذي قَبِلَ أن
يموت في السجن على أن يظل حياً بين أيدي الأختين وأشواقهما القاتلة، وحين لا مستا
وتذكرتا، غرغرت في عيونهن دموع متماثلة ثم زفرتا معاً زفرتين موحدتين، وهما
تتأملان الهواء بحزن، وقد تجرأت عبلة فانتزعت كفها الجاثمة على بطن فالنتينا
وقربتها من بطنها لتلامسها وتفركها بقوة عسى أن تحرك فيها عوامل الفقدان والجدب
القديم. ثم التفتت إلى أختها عاتكة وقالت بعد أن تأملت الاجتماع بعينيين زائغتين.
- اقلبي الجرّة على مؤخرتها، تصبح
البنت مثل عمتها، ثم انخرطتا معاً في البكاء العميم،ولم تتوقفا إلا عندما صرخت
فيهما الجدّة صوتاً، أفلح في ردهما إلى الحضرة... وقبة البطن الغائمة ثم نظرت
الجدّة نائلة إلى الأعالي.. ولمحت السماء وقد تحركت فيها الغيوم والعوامل وتذكرت
بطنها الميت وخطوط الوحشة والرماد عليه. وصاحت: يا ربَ أعدني إلى الزمان الذي أفلت
مني... لأرتكب مالا طاقة لامرأة عليه.
ثم قعدت وسألت المتحلقين حول كلامها
: من الذي جعلني جدّة؟
- العمر الطويل والتجاعيد... قالت
عبلة:
- احترام الناس والعشيرة لك، قالت
عاتكة وراديوا الترانزستور في حضنها،
- قالت الجدّة نائلة:
صرت جدة من اليوم الذي ولدت لابني
عواد أبنته فالنتينا.
- هذا صحيح، لكن ما هي مناسبة هذا
الكلام وما دخل فالنتينا قال الجد (حميد السمني)
مغتاظاً،
- فالنتينا حامل.. قالت الجدة نائلة
موضحة
- فالنتينا حامل؟ زوج ابنته هذا
المغضوب عواد وما أخبّرنا.. قال الجد مستنكرا
- فالنتينا حامل من غير زواج، قالت
الجدة نائلة موضحة ومرتبكة.
- سأل الجد بعصبية من غير زواج ...
كيف؟ وهل صارت مريم العذراء حتى تحمل من غير زواج.
قالت عاتكة:
- أبداً... تعرفت إلى شاب.. وحصل
معها الذي حصل.
- قالت عبلة: يمكن الملعون هددها: ثم
اغتصبها.
- هددها؟.... كيف؟... زأر الجد:
فخافت الأغنام في الباحة الخلفية للدار.
- أجابت عاتكة ربما قال لها ستتصبحين
مثل عمتيكِ عبلة وعاتكة إن لم توافقي وتستلمي فانكسرت نفس المسكينة واستسلمت
للتهديد . ثم قر بت الراديو من أذنها لتتأكد ان كانت عادت إليها الحرارة
- سأل الجد بعد صمت طويل: ....
وأبوها عواد أفندي الذي غير اسمه وذمته ماذا فعل؟
- طلب من ابنته أن توافق على الزواج
من الشاب.. حتى لا تصير فضيحة ويولد لها أبن هو في عرف الناس أبن حرام.
- قالت عاتكة بعد تفكير عميق: وما
ذنب الطفل الصغير حتى يكون ابن حرام، أولاد الحرام هم الأب والأم.. فهما من ارتكب
الأخطاء.
عند هذا الرد، نهض الجد مستندا على
أكتاف المريدين حوله، ودوت في الباحة المربّعة صرخة الله أكبر... ثم دخل الجد إلى
الغرفة القبلية... وانفرد فيها بروحه وعمره الطويل... ثم خرج ببيانه إلى الأمة
والعشيرة والناس، وقد تضمن البيان (رغم تدخل الجدة الجديدة نائلة، لتخفيف اللهجة
والشروط) إعلان الجهاد المقدس، وفرض الحصار على بيت الابن بالاعتماد على مجموعة يتم اختيارها من صفوة شباب العشرية
المتشددين من أجل إنجاح الحصار،
ثم جاء القرار الثاني، ويتضمن قطع
المعونات وفرض الحصار الاقتصادي على أسرة الابن، مما أدخل الذعر إلى قلب الدكتور
عواد، وزوجته كاتيا، وابنتهما، وقد جاء في حيثيات القرار الثاني، إيقاف تدفق
المواد التموينية الدائمة، من حليب ولبن وجبن وسمن ولحوم، والتوقف عن دفع المبالغ
النقدية شهريا والتي كانت الجدة نائلة تقوم بتقديمها سرا إلى الدكتور الابن...
لأنه دكتور في النقد الأدبي والعلوم الإنسانية يا حسرة وليست له عيادة ولا مشفى .
مثل بقية الدكاترة الطبيعيين. وهو يفهم في رفع الضغط ولا يفهم في قياسه . ثم
ضُرِبَ الحصار بسرعة قياسية لا تخالطها
الرحمة والاعتدال. لذا فان الذاهب إلى حي الشهباء قرب فيلا (التضامن) وما حولها،
يرى فيما يرى النائم واليقظان رجالا ملثمين يرتدون (جلابيات واسعة) وعلى رؤوسهم
لفاحات ملونة، تغطي معظم وجوههم، وتترك المجال واسعاً لعيونهم لتركيز الرؤيا
والانتباه، مما يعكس حالة التأهب والمزاورة والتهديد.
أما على الجبهة الثانية ونتيجة
لانصراف الرعاة والحلابين لحراسة الفيلا
وحركة الجنين.
فقد امتلأت ضروع الأغنام بالحليب ثم
تجبن الحليب داخل الضروع وما من يد تمتد للغوث والنجدات،
- ويا أمي.. صاح الدكتور عواد... أنه
يتدفق ويقصد بذلك نهر موسكو... إذ كيف وبعد عشرين من السنوات خطرت بباله الذكرى...
وهو يلمح ساقي ابنته كضفتين ممدودتين... وقد اعتلتهما بطنها الصغيرة المكورة مثل
بحيرة بعيدة لا ترى...
أنه الثلج وأيامه... ويا ليتني حملت
النهر على كتفي ومضيت... ويا ليتني لم أكن عبدا لحرف العين، هذا الحرف الذي ابتليت
به فانقطعت عن الرؤيا... حرف مكور مثل بطن صغيرة وابنة لامعة ورأس عنيد....
في البرهة الأخيرة لوداع النهر
تمنيت أن أحمله معي... لم أكن في ذلك قد
وطدت علاقتي بالسيدة الفودكا.... التي يؤكد الكثيرون بأنها الشيء الوحيد الذي
يمارس سلطته منذ القديم . والسيدة الفودكا عندهم أقوى من الحزب ومن المكتب السياسي
ومن نهر موسكو. وهي تتدفق دون أن يخالطها الرصاص والجنود الغائبون. ولكنني...
ولكنهم يريدوننا أن نموت جوعا، وها هم يحاصروننا.....
البنت ممنوعة من المغادرة حتى الزواج
أو الإجهاض، والحصار الاقتصادي مضروب فلا مواد غذائية ولا لحوم ولا جبن ولا لبن
ولا حليب، وقد انعكس ذلك بشكل فاضح على محتويات البراد فصار مثل موسكو صغيرة دون
أغذية ودون نهر ودون ناتاشا... وماذا يمكننا أن نفعل .. صرخت بزوجتي كاتيا وابنتي
علياء..
- صاحت كاتيا... غدا سأذهب للقنصلية
الروسية عند طلعة المحافظة لأطلب منهم التدخل لكسر الحصار، بعد ذلك سأذهب أنا
وابنتي لموسكو.
0 لن أذهب إلى موسكو صاحت علياء...
سأظل هنا وتابعت الضغط بكفيها على الجنين كأنما لتحميه،
- طيب وافقي على الزواج من عامر، فهو
يحبك ويريد الزواج منك
- لكنني لا أريد الزواج،
- ألا تحبين عامر،
- أحبه، ثم بكت للمرة الثانية في
حياتها، المرة الأول كانت عند ولادتها، وسالت الدموع إلى صدرها ووصلت إلى بطنها
المكور أمامها وأمامنا وأمام الله والعشيرة
- تحبينه ولا تتزوجين منه صاحت الأم،
ولا توافقين على الذهاب معي إلى موسكو، صاحت ألأم مرة ثانية... لماذا.. صاحت الأم
مرة ثالثة... ثم خبطت بقبضتها كما تفعل بالصحون على الطاولة، لكنها لم تجد طاولة... ففعلت ذلك على
ركبتها . ثم نهضت بقوة بعد أن منحتها قبضتها المشدودة إحساساً بذلك، يجب أن توافقي
على الزواج من (عامر) تابعت الأم، حرف العين يتدخل أيضاًً ليزداد سوء الفهم، يتدخل
هذه المرة في اسم وشخص العاشق الولهان الذي اقتحم البنت واقتحم حياتنا ثم أقحمنا
في الحصار.
- لا أريده صرخت الإبنه : أنتم لا
تفهمون...
- ما هي الأسباب سألنا معاً
- أنتم... والجدار، ويد الرجل
الممدودة بحثاً عن أشياء لا أعرفها، أحسست بالدم، وبأنني أن لم افعل سأموت،
- ما دمت تعتقدين أن حياتك مع عامر
ستكون صعبة فأنا أقترح عليك الإجهاض
- الإجهاض لا... صرخت كاتيا.... هذا
الابن ابننا ويجب أن يعيش، وهكذا وجد الأب والأم والبنت والروح القدس التي تتحرك
في بطنها، أنفسهم جميعاً في الطريق المسدود، فالإنذار الذي وجهه أركان الأسرة
والعشيرة واضح وعنيف ويتضمن المطالبة بإخلاء المنزل وإجلاء المحتلين، عندما دخلت
فالنتينا إلى غرفتها... وباعدت ما بين ساقيها.. تذكرت الشرشف الأبيض،
ولم تتمكن رغم الجهد الواضح من تذكر
سوى نصف وجه عامر..... ربما لآن النافذة المطلة على الحديقة لم تكن مفتوحة عن
آخرها... وكان الضوء المنبعث يعطي للأشياء ظلالا جميلة توهن المخيلة، فلا تستطيع
على تذكرها كاملة.
- الذين نحبهم نتذكر نصفهم ... قالت
علياء في نفسها ثم نهضت... وقعدت على الكرسي .. وفتحت ساقيها مرة ثانية.. كان
قربها القانون الروماني وفي رأسها جدار كبير دون سماوات وشراشف.
... ثم ضحكت .. لقد اضطرت في الأيام
الأخيرة أن ترسل لعامر الصندويشات بعد أن ضرب الحصار هو الآخر عليّ وعلى البيت،
قال بأنه سيفرض علي شروطه بهذا الحصار وسيتزوجني غصبا عني... عقله صغير... لقد
تزوجني من زمان وقد أظهر في حصاره هذا جلداً وصبراً فلم يبارح الدرج المؤدي إلى
بيتنا رغم البرودة التي تسللت إلى عموده الفقري ... لكنه اضطر إلى المغادرة بعد أن أحسست به
الميلشيات التي تضرب حصارها على بيتنا.. واعتدى عليه أحدهم...وهدده آخرون
- أمي قالت لي تزوجيه، أحس بأنه أحسن
من والدك، وستكونين أسعد مني، لكنني
غضبت.. كنت أشعر أن والدي هو والدي وأنا أحبه رغم كونه لا يحسن اختيار الزوجات ولا
الأصدقاء، عندما حدثني والدي عن حياته في موسكو، سألته مستغربة لماذا لم يطلق عليّ
اسم ناتاشا... لكنني فهمت لماذا لم يفعل، وقد كلفني ذلك أن أقرأ كل ما وصلني من
كتب تولتسوي . ثم خطر ببالي أن أطلق على الجنين اسم عدنان.. على اسم صديق والدي، فما دامت ناتاشا قد أحبت عدنان، فما الذي يمنع من أن
أحبه أنا أيضاً. وقد راودتني هذه المشاعر دون التفكير في المستقبل. أو الزمان الذي
يمكن أن يكبر فيه صغيري ويحب فتاة من بلاد
بعيدة لاتقدر على نطق الاسم. ثم تبكي وهي تحاول جاهدة أن تلفظ الاسم العجيب كما
فعلت ناتاشا.
- والدي حاول التدخل بين الميليشيات
وبين عامر خلال الاشتباك، وقد صرخ أحدهم بوالدي قائلاً : والله لو لم تكن ابن
الحاج، لمسحنا الأرض بهذا البندوق، ويقصدون عامر، وقد وصلتني بعد المعركة رسالة من
عامر
وقد بدأها بهذه المقدمة :( ان الابن
الذي يولد وينمو بعيدا عن والده، يموت) ثم قال عني بأنني فتاة رديئة رغم البريق
الذهبي لساقيها، وأن الابن الذي ستلده أم مثلي سيكون عظيما، ثم تحدّث عن البرد
وبأنه يخرج إلى السطح ساعات طويلة ليتذكر
أيامنا الأولى والسماء والشراشف والبرد الذي لا يحتمل . ورغم ذلك استطاعت
بطنك أن تفعل هذا الشيء العظيم وتنتفخ ولابد من الهرب معه. وإلا فأن الحرب قادمة
لا محالة ولن تنفعك العشيرة ولا البداوة ولا الرعي، وقد قررت أن أحرق منزلكم
العامر حتى تتصاعد ألسنة اللهب وألسنتكم ولا يغيثكم أحد، وعندما ستصلني أصوات
الاستغاثة سأركض إليك بعد أن أصرخ صرخة أزلزل فيها الأرض ثم أهجم على النيران
لأنقذك ولنحيا بعد ذلك حياة جديدة دون بيوت وجدران وحضارات.
والدي موافق على زواجي منك وقال بأنه
سيكون سعيدا بزوجة ابن مثلك، أمي قالت المرأة التي تسلّم ماء وجهها لرجل قبل
الزواج، مكانها خلف الجدار، وعندما أوضحت لها أنها هي خلف الجدار أيضاً، صرخت في
وجهي، وانصرفت إلى غرفتها وذكرياتها، والدي يقول ليسَ المشكلة في أمي، المشكلة في
طبقتها، لقد أصيبت هذه الطبقة بالجنون،
والعزل هو مصيرها المحتوم، ويقصد بالعزل، العيش خلف الجدار.
لقد بت أعتقد أن الجميع يعيش خلف
الجدار، عدا الجدار ذاته، والآن كأنما لا يكفينا ما لدينا... حتى يأتينا جدار
العشيرة، لذلك قررت الحرب يا أم العينين الوحيدتين،
- أم العينين الوحيدتين:؟ لم أفهم
قصد عامر من هذا الوصف، لكن والدي وبعد أن قرأ الرسالة قرر كتابة رسالة إلى جدي
يستعطفه فيها ليوافق على كسر طوق الحصار الغذائي ويرسل لنا المؤن لأن سمعته
ومصداقيته باتت مهددة أمام ضغط الحاجات والهيئات العلمية ونظرات الأصدقاء.
فبالإضافة إلى ضغط الحاجات صار الولد في بطني يرفس ويضغط علي،، وقد توقفت طويلا
عند عبارة واحدة في الرسالة اعتبرتها العبارة القاتلة، التي حسمت الحرب، هذه
العبارة هي ( ان الولد الذي يولد وينمو بعيدا عن والده يموت )، لم أكن معتقدة بصحة
العبارة، لكنني أعتقدت بقوة المشاعر التي دفعت (عامر) لكتابتها وأن هذه المشاعر
والأحزان والعزلة من شأنها أن تؤثر على الجنين وتعيق طبيعته وطفولته، لذلك أخبرت والدي
بموافقتي على الزواج، ثم بدأت أحضّر نفسي من أجل الليلة المجيدة.
ولأنك تبحث عن خاتمة بطولية...
مملوءة بالضحايا والشعارات العظيمة ... ولأن العصر لم يعد يحتفي بشيء .. قوة
التحليل والنظرات الصائبة صارت من الماضي، القوة التي تؤدي للوحدة البليغة، ذلك هو
مصيرك،وها أنت وفي عزلتك وبكفين مثقوبتين، تبدأ الكتابة، بضمائر متعددة، مرة لك
وأخرى للغائب الذي يتواري فيك. وبكفين مثقوبتين من شدة التذكر، تكاد تودي بروحك
وطبيعتك، مطوحاً بالحالمين بمعتقداتهم وأحزانهم، ثم تعرّض كفيك للمسامير مثل أب
وحيد وابن وحيد، لذلك .. تصغي عميقاً إلى حركة الأشياء، فربما هبت من النافذة
المفتوحة أنسام من طرف الحديقة لتحرّك الثياب المعلقة لزوجتك الغائبة كاتيا، التي
أخبرتك في الرسالة الأخيرة كم تحبك وتنتظر قدومك إلى موسكو لتعيدها إلى المرض،
لأنها في غيابك ما عادت تحتمل الشفاء. فالبيروسترويكا، وغياب الدواء والأغذية،
جعلاها تحن إليك وإلى لونك الأصفر ونظراتك الثاقبة،ولكنها لم تنتظر، لم تنتظر
قدومك، لم تنتظر قدوم أحد... وماتت هناك،
أختك عاتكة، قالت، يرسلون اليهود إلى فلسطين والنساء
الجميلات إلى رجالنا ويتركوننا قاعدات في البيوت مثل البعير، لذلك يموت جمال عبد
الناصر، ويضيع أثر صديقك عدنان... ويبدأ صوت الراديو بالطنين. ولكنك تتذكر رغم
وحدتك، ورغم تردد صديقك الأفغاني للزيارة والتذكير، وحديثه لك عن عصر النهضة
الجديد وبأنك إذا لم تسرع في إعطائه مبلغ الألف وخمسمئة ليرة سيضطر للتعاون مع
السلطات لإرغامك على الدفع لذلك تتركه وتذهب إلى خزانة كاتيا وتخرج ثيابها العظيمة
وتنثرها في الغرفة والممرات وباحة الحديقة وتعبر خلال الثياب لتتشمم رائحة
صاحبتها، التي ذهبت دون أن تترك لك فرصة للوداع.
وعندما ذهبتَ إلى أهلها في موسكو
وأخذوك إلى قبرها، طلبت منهم أن تقعد
وحدك،وقعدت ثم أخبرتها بآخر الأخبار، وفجأة وبدون اعتذار تذكرت النهر فنهضت وهرعت
إليه، ورغم تأخر حصولك على سيارة أجرة إلاَّ أن حماستك للقاء النهر ظلت قوية
متدفقة، وعندما وصلت وقعدت إلى ضفته،
اقتلعت نفسك من زمانك الذي يهرب منك كما يهرب الماء من منابعه، ثم تذكرت الينابيع
وأيام الطفولة، وتذكرت الأغنية التي لا تنسى، وإذا جفت الأنهار في مدينتك فأن
الأنهار في الكتب كثيرة وما زالت تتدفق، وتذكرت الأغنية التي ربما تمنيت أن تغنيها
لناتاشا وأنت نائم برأسك على صدرها . تذكرتها وبدأت الغناء،
أيها النهر لا تسر
|
وانتظرني لأتبعك
|
|
أنا أخبرت والدي
|
أنني ذاهب معك
|
|
فانتظرني لأتبعك
|
||
أنا أخبرت مركبي
|
هو يا نهر من ورق
|
|
فتوقف ولا تسر
|
لست أخشى من الغرق
|
|
فانتظرني لأتبعك،
|
وتحس أنك هذه المرة تغني أغنيتك
لكاتيا، ويسيل النهر أمام ناظريك مثل شيء كثيف، شيء لا يعبأ بالأغنية، شيء كأنه
الرصاص، ويذكرك الرصاص بالثقوب التي تملأ صدور الناس، صدر بوشكين وصديقك يوسف
اليوسف وأبو فراس الحمداني والمتنبي والحلاج وصدر مركبك الورقي، فتنتزع نفسك من
سطوة الماء وتمضي دون أن تقدر على انتزاع
نفسك من ذكريات كاتيا الغالية التي تتدفق في رأسك مثل ماء عظيم بعد ذلك تبدأ
الإحساس بالثقوب والدم وتفتح كفيك وصدرك، ولا ترى شيئاً من البطولة يدل عليك حتى
ولا نظارة بعيدة تتيح لك أن أن تمد إليها يدك.
rrr
بعد موافقة علياء على الزواج من
عامر، وتحديد موعد كتب الكتاب، ظل الجدُّ عصياً وغاضباً على الابن والبنت، والجنين
القُدس، صحيح أن المظاهر المسلحة اختفت واختفت معها الميلشياات، لكن الحصار
الاقتصادي ظل مفروضاً، فالحدث جلل وقاس ولا يمكن لعقل الجد والجدة احتماله، بعد أن تمت مراسم كتب الكتاب، وانتقلت علياء
إلىالشطر الشرقي في بيت والد زوجها، أغلقت
أم عامر الباب من الداخل بالمزاليج الاحتياطية رافضة أي زيارة أو هواء، وفي الغرفة
المخصصة لتكون بيت الزوجية دفع عامر فخذي علياء عن بعضهما وأحنى برأسه على بطن
زوجته في هيئة اعتذار لولده الصغير القادم، ثم أخرج من عبه عقدا بالعمل في السعودية وقرّبه من فخذي زوجته
علياء، وهمس للصغير، بهذا العقد ستخرج إلى
الدنيا وفي فمك ملعقة من الذهب، بعد ذلك بدأ الأعداد للسفر للسعودية للعمل هناك في
إحدى شركات البناء والمقاولات، وبعد سفرهما بدأ الذبول العظيم يصيب الأقرباء
والتابعين وتابعيهم.
- عبلة عمة فالنتينا أسفت للسفر
السريع وقالت ليتهم أخروا سفرهم حتى تضع فالنتينا مولودها ونراه ونرى لونه ووزنه،
لأن الناس يقولون أن أولاد الزنا يكونون في غاية الجمال والذكاء، وليتني حبلت
مثلها قالت لأختها عاتكة دامعة العينين: لكنت هربت بالصغير إلى آخر الأرض. ثم رفعت
صوت الراديو إلى آخر عيار حتى يغطي على صوت البكاء العميق الذي أحدثه فراق ابنة
الأخ فالنتينا
- عندما وصلنا إلى مطار الرياض في
السعودية اندهشت من ضخامته وجماله...
ونظافته، وعندما اقتربنا من موظف
تفتيش الحقائب وقعت في يد الموظف مجلة عربية. وعلى غلافها صورة لممثلة مصرية، أمسك
الموظف المجلة وألقى بها إلى سلة المهملات، هذه الأشياء الخلاعية ممنووعة ونظر إلى
وجهي... زوجتك مسلمة سأل الموظف زوجي عامر، طبعا، أجاب عامر، لماذا لا تسترها سأل
الموظف ثانية،
- سأشتري لها عباءة من الرياض
- إسلام آخر الزمان،
خفت أن يفعل بي الموظف كما فعل
بالمجلة ويلقي بي في سلة المهملات، فأنا امرأة من لحم ودم وأكثر إثارة من صورة
الممثلة المصرية، لذلك ركضت إلى عامر واختبأت في ظله... لأن سلة المهملات كانت
واسعة مثل المطار.
بعد وصولنا إلى الرياض، اتصلنا
بالأصدقاء ونزلنا عندهم عدة أيام، ثم حصلنا على بيت مفروش في الضواحي بعد أن حصل
عامر على العمل، البيت واسع، ومطبخه واسع، والبراد فيه واسع وكبير، بعدها حصل عامر
على سيارة من الشركة وبدأنا نتجول في المدينة الكبيرة الواسعة. والشوارع الطويلة
الواسعة، الحرية في هذه المدينة ممنوحة فقط للسيارات والأشياء المغلقة، لذلك يلود
الناس بها.
ثم بدأت في حياتنا مرحلة جديدة أطلقت
عليها اسم مرحلة الحظيرة، حيث قام عامر بجهد ملحوظ في تأمين الكثير من السلع
والحاجات الضرورية وغير الضرورية وترسنا البراد بالأطعمة، وبدأت أحس بأنني يا
والدي العزيز، ويا أمي العزيزة دبة قطبية شابة تعيش في الصحراء، وبدأت أشعر بالسمنة
السريعة إضافة للحمل، ويا عامر أحس بأنني أصبحت مثل بقرة، وأخاف أن أذبح في العيد
كما تقول الأغنية.
- لم يسبق لهم أن ذبحوا أحداً،
- ولكنت الأغنية تقول: (بكره عيدو
منعيده.. ومندبح بقرة السيد
والسيد ما له بقرة... مندبح مرته
هالشقره.
- وأنت تخافين من الذبح.
- طبعاً... فالأغنيات القديمة .. مثل
النبوءات .. وهي تبحث عمن تتحقق فيه.
- أنت تخرفين.
- وأصبحت لا تفهمني أيضاً
- اذهبي إلى زوجات الأصدقاء وتبادلي
معهم الزيارات والأحاديث وأشرطة الفيديو،
- النساء هنا كلهن سمينات ولا يمكن
التفاهم معهن....
- لم تأتِ إلى هذه البلاد للتعالي
واطلاق الأحكام يرد عامر بعصبية : وأشعر به متعبا ووحيدا،
وبدأت أستغرب ويستغرب الجنين معي،
وبدأت أبكي وبدأ الجنين يبكي معي...
وأنا أسأل، يارب. ماذا يمكن لدبة قطبية أن تفعل في هذه الصحراء
وهذه البلاد. سوى أن تأكل السمك، ثم أذهب إلى البراد وأرتكب معه أفعالا يندى لها
الجبين، وأنا أتذكر والدي وصديقه، وأمي ووحدتها، ثم أفكر بالأمريكان وسكان البلاد،
ويا والدي تصوّر، مدينة لا يوجد فيها نهر، والشيء الوحيد الذي يتدفق هو السيارات،
هكذا أكتب لوالدي في الرسالة، وأخبره عن اقتراب موعد الولادة.
بعد سفر ابنتها فالنتينا. دخلت كاتيا العزلة والمرارة التامة وصارت مثل ذئبة جريحة
تنتظر من يطلق عليها النار، وقد بذل الدكتور عواد جهودا كبيرة لإخراجها من العزلة
والعواء، لكنها تابعت هذه الحال، حتى أصيبت بالذبحة الصدرية....
وبعد أن تم إسعافها نوّه الدكتور
المشرف إلى خطورة الحالة وضرورة البحث عن أدوية من أركان الأرض الأربعة ومتابعة
وضع المريضة الدقيق، غير أن كاتيا كانت تسوق نفسها سوقا إلى هذا المصير، فبعد سفر
ابنتها إلى السعودية ووصول رسائل عن توفر الطعام والسيارات وصناديق القمامة،
وأعواد السواك صارت تحس بوحشة هذا العالم ووحدتها فيه، وذات صباح انتبه الدكتور
عواد فوجد زوجته في الصالة وقد وضعت عددا من الحقائب المملوءة وأعدت عدتها للسفر،
- إلى أين... سأل الدكتور عواد.
- إلى موسكو.
- ولماذا إلى موسكو... وبعد هذا
العمر يا كاتيا.
- ألم تسمع بالبيروسترويكا، سأعيد
بناء حياتي أنا أيضاً.
- معقول يا كاتيا، بيروسترويكا بعد
الذبحة الصدرية.
- اسمع يا عواد .. علاقتنا ببعض ليست
جيدة وفالنتينا بعيدة. لذلك اشتقت إلى موسكو، والغبار هنا كثير والأدوية قليلة،
ولذلك سأسافر..
- ولكن الأوضاع المادية لا تسمح
- وفرت مبلغا كافيا وعندي سلسلة
ذهبية سأبيعها
- وتتركينني وحدي ياكاتيا.
- عشرون سنة وأنا وحدي يا عواد.
- الأمر نهائي يا كاتيا.
- نهائي ياعواد، لكن لي طلب. عندما
سأصل سأرسل لك عنواني ... إذا ولدت فالنتينا أخبرني برسالة، ولا تنسى أن تخبرني عن
أحوالك، عندما لمحت ظهرها في المطار وهو يبتعد، أحسست بالفداحة، وبعمري كله وقد
تكوم في حنجرتي... وبأشياء كثيرة ترتطم
وتحتبس وتنكسر.
وفي البيت صرت للمرة الأولى وحيدا،
في الماضي كنت أشعر بالوحدة، لكنني لم أكن وحيدا، كانت كاتيا وعلياء، ومداخلات
الأهل، وعامر والميليشيات، وحوادث الثأر، والجامعة والأفغاني ، وأصدقاء المقهى، ثم
بدأت أحس بالدم ينز من كفي.. فأستغرب وأبحث عن المسامير فلا أجد شيئاً، ألم تحبل
مريم العذراء دون دنس، إذن يمكن للدم أن يسيل دون مسامير، فبعد الخمسين والوحدة
المضنية وغياب كاتيا وفالنتينا، يصبح الكف رقيقا والجلد يصير أملسا وتخرج
العروق،ويسير الدم وحيدا، وها أنا أحس به وبوحدته، وأشعر بلونه وهو ينز من كفي..
الشيء الوحيد الذي يقتلعني من الانتباه إلى الدم عندما أسمع صوت صحون كاتيا على
الطاولة، فأهرع إلى غرفة الطعام فلا أرى شيئاً فأذهب للبحث عنها في جميع الغرف،
وقد داخلني اعتقاد كبير أنها موجودة، ثم ومن فرط الخيبة أذهب إلى خزانة الألبسة
التي لم تتمكن كاتيا من وضعها داخل حقيبة السفر فأفتحها وأخرج ثياب كاتيا الباقية
وأعلقها على الحبال التي نصبتها في الغرف والممرات، وباحة الحديقة، ثم أحاول
المرور من خلال الثياب وأتشممها حتى أشعر بالرفيف وبالرائحة ,أحيناً أجرؤ فأرفع أحد
الثياب لألمح تحته ساق كاتيا المتجعد وأفك أزرار صدر الثوب لأتذكر نهدها المتهدل
الذي غادره الحليب، وعنقها الذي لا تستطيع أية بيروسترويكا أن تعيد بناءه من جديد،
ولكنني أحن إلى هذا الساق وهذه العنق، وهذا الصدر، المتهدل، المتهدل حتى لتكاد
الوحدة والنهر أن ينفرا منه، ثم أعود إلى
رسائل فالنتينا. وتصوّر يا أبي، مدينة بدون نهر، والحرية ممنوحة للسيارات فقط،
أشياء كثيرة، غير أنني أقصد أنهم طلابي في الجامعة ما عادوا يحبون الكلام الواضح
والمنطق السليم. ولو كانوا يريدون ذلك لذهبوا إلى كليات العلوم للتخصص في الرياضيات،
حتى الرياضيات يا دكتور، خرجت على المنطق وأصبحت تعتمد على الحلم، وأكمل الطالب
كلامه وهرع إلى فتاة تنتظره دون أن يسمع مني ردا أو توضيحاً.. لذلك أنظر إلى كفي
وأحس بالدم، في الماضي كان الطلاب ينتبهون إليّ ويؤخرون تنفسهم وسعالهم حتى لا
يضطرب انتباههم، ويحدقون إلي كأنما يحدقون
إلى أيقونة، وينتبهون ينتبهون كأنما على رؤوسهم الطير، وعندما أنتهي من المحاضرة
تتبعني زوبعة من الطلاب والفتيات، وعلى وجوههم الغبطة والحماسة والأسئلة، كثير من
الطالبات الشابات ورغم صفرتي الغامضة ورائحة السمن والدسم التي تنز من عشيرتي
صارحنني بالحب وبالاستعداد للزواج مني، وقد كدت أن أفعلها، بسبب رأسي الذي صرت
أخاف أن يتحول إلى طاولة من ضغط ضربات الصحون عليه، وها أنا أنتبه وأصغي لأسمع
الخبطات يا كاتيا، لأسمعها، كل هذا كان يحصل معي في الجامعة بسبب قوة المنطق
وحدّته ووضوحه، وهاهم الطلاب الآن يضجون في الدرس، ويحسون بالإعياء وينتظرون لحظة
انتهاء المحاضرة بانتباه شديد حتى يخرجوا إلى الهواء، ليتدفقوا في الممرات مثل نهر
عظيم، دون أن يتيحوا لي طريقا للخروج إلا في نهاية الطابور الذاهب للحرب، ووحيدا
وحيدا دون انتباه ودون أسئلة أذهب إلى غرفتي في الطابق الثاني من الكلية لأطلب
فنجانا من القهوة ولأدخن تبغا قويا نفاذا حتى يغطي بحدته ودخانه على غيوم الوحدة
التي تمسك روحي، وبعدها لأشعر بالدم ينز
من كفَيّ.
في البيت وأنا أتجول بين ثياب كاتيا
وقعت يدي على كتاب القانون الروماني فذهبت إلى النجار وطلبت منه أن يصنع لي صليبا
عاليا.. ولماذا ..؟ سألني النجار باندهاش عن السبب، أجبته بعصبية، هل سمعت برأس
المال، والمؤلفات الكاملة، وثياب كاتيا والدكتور عواد، والقانون الروماني، وابنتي
فالنتينا التي تكاد أن تدهسها السيارات.
- قال : لم أسمع.
- قلت سأعلقهم جميعاً عليه، ثم أعطيته
سلفة مع مقاييس الطول والعرض وطلبت منه أن يستعجل في الصنع، وحذرته من التأخير
لأنني أخاف أن لا يظل عندي دم كاف ليلون المسامير ثم اتصلت بصديقي السابق الأفغاني
وطلبت منه الحضور لأسباب هامة، وعندما جاء نظرت إليه، كان رثاً وغريبا، وبعد قليل
من الانتظار أوضح لي بعنين زائغتين أنه قرر أن يتوقف عن إكمال مشروعه الضخم عن عصر
النهضة الثاني بسبب ضعف بصره الشديد ثم طلب مني أن أدفع المبلغ الذي استدنته منه
أيام الحصار . وأنه مضطر لشراء نظارة جديدة بهذا المبلغ وإلا فالحل الوحيد الذي
يمنعه من السقوط هو الذهاب إلى مدارس المكفوفين.
عند ذلك طلبت منه أن يتوقف عن الكلام
وبدأت أحكي له عن موت كاتيا وغياب فالنتينا وفشل المشروع العظيم الذي وضعته نصب
عيني، وأخيراً هذه البيروسترويكا الرائعة،
- أستطيع قال الأفغاني أن أطلب من
المصرف قرضا باسمك وأقتطع منه المبلغ عند الاستلام.
- أنا موافق... ابدأ الإجراءات فورا،
ولكن .. هل نستطيع هل تستطيع،
- أستطيع ماذا، تساءل الأفغاني،
- هل تستطيع أن تكتب
تقريراً، أنا أقصد " عندما هددتنني بضرورة الدفع..
لم تكن تعني أن تكتب تقريرا ضدي، كنت
تهددني فقط من أجل المبلغ.. ولكنني الآن أرغب، أقصد أرجوك أن تكتب تقريرا ضدي
وتقدمه للسلطات والأجهزة، والأشياء المختلفة، وليكن التقرير حادا وقاسيا وفيه
اتهامات تصل إلى حد الخيانة، ألم تصلك الأخبار، لقد ماتت كاتيا وتركت ثيابها
وأصوات خبطات الصحون وعندما تموت كاتيا أشعر بالدم وبالحاجة الشديدة للمسامير، عصر
النهضة الجديد يحتاج للأنهار، وكتابة التقارير، انتبه، ألا تسمع، أنها تخبط بصحنها
ويوجد عندهم أغنية أسمها كاتيوشا، وهي مثل جندي وحيد ذاهب إلى الحرب وحوله فلاحات
وحيدات، وحولهم بوشكين وأبو فراس الحمداني والمتنبي وامرؤ القيس وأنا وجميعهم
ينزفون كأنما أصيبوا بضربة واحدة، ,وأخبرهم في التقرير أن يخبروا ابنتي أن تلد
ابنها في بلد فيه ماء كثير، ماء يمشي بحرية مثل السيارات، ثم أخبرهم أن كاتيا ماتت
وأن ثيابها ترفُّ وأصوات خبطات الصحون تتصاعد كأنها موجودة، كأنها موجودة،
- انتهت-
rrr
الاهداء
الأم
البنت
الروح القدس..
إعلان المقاطعة والحصار
آخر الأخبار
المحتوى
رقم الايداع في مكتبة الأسد -
الوطنية
الماء..... والأسماء :رواية محمد أبو معتوق دمشق اتحاد الكتاب العرب
1998 ، 109 - 24سم..
1-
813.03 م ع ت م 2-
813.009561 م ع ت م
3- العنوان 4 - أبو معتوق
ع -1002/6/1998 مكتبة الأسد
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire