-43-
أصبحت البحيرة هادئة
تجعد وجهها من حين لآخر نسمة خفيفة فتنعكس الشمس على تجاعيدها كدنانير ذهبية
كبيرة.
كان الاستعداد
للاحتفال الذي سيدوم ثلاثة أيام قد بدأ مع الفجر. وصعدت البنات إلى شاطىء البحيرة
بمايوهاتهن المتعددة الأشكال والألوان. وتسريحات شعورهن كأنها تيجان فاحمة بنية،
أو ذهبية، وكشف الرجال عن عضلاتهم القوية التي بناها "معاذ" بالتمرينات
الرياضية الإلزامية.
ودخلت كارول على
الدكتور نادر لتستعجله، كانت تلبس بيكيني من ثوب ذهبي لماع. ووقف الدكتورنادر ينظر
إليها وهي واقفة أمام المرأة تسوي حمالتها حول نهديها الصغيرتين وتلمس شعرها
الأحمر المرفوع إلى أعلى يتدلى كشلال وراءها. والتفتت إليه تستطلع رأيه، وحين
لاحظت اندهاشه ابتسمت في خجل حلو، وقالت:
- لابد أن أشرح. ألم
أقل لك إنني سأشارك في مسابقة ملكة الجمال؟
وحرك رأسه نافياً:
- لا، ليس لي علم
بذلك. كل ما أعرفه هو أن أية لجنة تحكيم لا تعطيك الجائزة الأولى تستحق المحاكمة!
وضحكت كارول وأمسكت
بيده وخرجا.
وما كاد النهار ينتصف
حتى كان سكان الجودي جميعاً يحيطون بالبحيرة انصاف عراة يتمتعون بالشمس والطعام
والشراب المصفوف على الموائد المزينة بالزهور.
ومرت استعراضات. وقدم
قسم الفنون الجميلة رقصات ومسرحيات فكاهية ومعارض لوحات فنية غريبة. وأقيمت
مسابقات سباحة وعدو وتجذيف على البحيرة التي فوجىء الجميع بظهور نافورة هائلة في
وسطها ترسل الماء إلى عنان السماء.
والتقى الدكتور نادر
بصديقه إيريك هالين الذي حياه ونزع نظارته ووقف معه يتحدث عن الاحتفال بأسلوب رخى،
ونادر ينظر إليه نظرة حادة فيها كثير من الأسئلة والآخر يتفاداه.
وأعاد هالين نظارته إلى
عينيه، ودفع وسطها بإصبعه ووضع يده على كتف نادر قائلاً:
- أراك الليلة. عندي
لك مفاجأة.
وانصرف دون التفات،
فهمس نادر:
وعندي لك مفاجأة
أيضاً..
وجاءت كارول فسحبته
من يده، وذهبت به نحو البحيرة.
وظل الدكتور نادر
مشغول البال أثناء الاحتفالات والمسابقات وانتخاب ملكات الجمال يحملق في الأجسام
العارية والوجوه الضاحكة، وصرخات الممازحة والعبث وكأنه يشاهد رواية رومانية على
عهد انهيار الامبراطورية.
ولم يدرك أن كارول
فازت بجائزة أجمل بشرة حتى ارتمت عليه تعانقه وتريه الحمالة الذهبية فضمها وقبلها
مهنئاً.
وفي ذلك الظهر الباهر
فوجىء الجميع بقصف رعد شديد رفع عنده الجميع عيونهم مندهشين إلى السماء فلم تكن
هناك علامة سحاب. وزاد ذلك من قلقهم فبدأ بعضهم ينظر في أوجه البعض متسائلين.
وخرج السابحون بسرعة
من الماء خوف كهرباء البرق، وسكتت الموسيقى وانخفضت الأصوات والضحكات تدريجياً حتى
ماتت تماماً.
وبدأ وجه البحيرة
يغلي ومن غليانه سمعت قهقهة خشنة عالية كشخير مارد عملاق.
والتصقت كارول بجسد
نادر وطوقت خصره بذراعيها وقد ارتعشت ركبتاها. وتوقف الضحك وجاء بعد صوت معاذ:
- هذا معاذ يكلمكم!
ما هذا الصمت المفاجىء؟ هل أنتم خائفون؟ أليس لي الحق في المشاركة في الاحتفال
بطريقتي الخاصة؟ أرجو ألا أكون قد قاطعت مسراتكم.
وسكت.
ومن بين البنات خرجت
ملكة الجمال الطويلة الناهدة الصدر وقد لبست الحمالة الزرقاء والتف حولها الشبان
يهنئونها ويمازحونها. خرجت من بينهم وقد اقترن حاجباها، وكأنه تعانى من صداع خفيف.
ومرت تعدو أمام
الدكتور نادر وكارول، وكأن يداً خفية تقتادها من شفار عينيها حتى اختفت بأحد
المصاعد. ونظر نادر إلى كارول فوجدها تنظر إليه بنفس التعبير. الإشفاق على الفتاة
والفزع الممزوج بعدم التصديق.
هل ستكون أول قربان
في هذا العصر الحجري الجديد؟
في أصيل ذلك اليوم
نزل الدكتور نادر لمقابلة "معاذ" بطلب من هذا.
ووقف أمام الفوهة
التي كانت حالكة السواد حينئذ يحاول أن يعثر على تعبير عن مزاجه الحالي، فلم يفلح.
وبعد فترة صمت نطق
معاذ:
- نادر! هل عندك ما
تقول لي؟
- لا. ليس الآن.
- أنت متأكد؟
- تماماً. لماذا؟
- شعور فقط. لا تدع
أسئلتي تضايقك. كيف تجد احتفالاتنا؟
- كنت بدأت أتمتع
بها. بالمناسبة، ما معنى ذلك التصرف الصبياني؟ لقد أفزعت الجميع.
وصدرت عن
"معاذ" ضحكة معدنية كأنها ضرب الصنوج، وقال:
- بيني وبينك، من
فينة لأخرى أحب أن أوقف شعورهم رعباً لأتسلى. فهم دائماً جديون متأكدون من أنفسهم
لا يعرفون المرح والمزح. سيصبحون آلات صدئة، وسيكون على أن أشحمها وأزيتها. وما
داموا أقرب إلى الإنسان فالفكاهة هي وسيلة تزييتهم.
وسكت قليلاً ثم بدأ:
- يجب أن أهنيك.
- على ماذا؟
- على فوز كارول
بجائزة أصفى بشرة.
- آه! شكراً...
- رأيي مع رأي اللجنة.
كارول فتاة مليحة. لقد أعطيت رأيي في اختيارها وأخشى أن أكون أثرت في النتيجة.
وأومضت في ذهن نادر
فكرة كاد يبادر "معاذ" بها، ولكنه كتمها. كان يريد أن يقول: "من
أذن لك في التدخل في مثل هذه الأشياء؟" ولكنه خشى أن يجلب غضبه فقال:
- ينبغي أن أهنيك على
ذوقك الرفيع.
- شكراً. هل تحب
كارول؟
- الحب كلمة أقوى مما
يمكن التعبير به عن شعوري نحوها في هذه الظروف. يمكن أن أقول أنا شديد الإعجاب
بها. ولا وقت عندي للحب في "الجودي". فهو من القوات القاهرة التي ينبغي
للعلماء التحرر منها إذا نشدوا الوضعية والالتزام.
- هل كنت تحب تاج؟
ووقفت غصة حامية في
حلق الدكتور نادر وهو يحرك رأسه بنعم، وقد داخله شعور بالخطر من اكتشاف
"معاذ" هذه الحقيقة. وعزم على أن يسايره ببراءة حتى لا يثير شكوكه إذا
كان هذا يستدرجه للاستنطاق. وأضاف معاذ:
- ولو كنت قلت لا
لبان الكذب على وجهك. كان ذلك غراماً عظيماً. وكانت هي تبادلك نفس المشاعر. لقد
حاولت جهدي إنقاذها، ولكن خلاياها كانت قد تعفنت من الاحتراق النووي. ولو كان في
استطاعتي زرع قطع أخرى بدل القطع التالفة لفعلت. لقد ألمني ذهابها. فقد كنت أنا
معجباً بها مثلك. ولو عرفت الحب لقلت أحببتها.
وقاوم نادر الثورة والفوران
العنيف الذي كان يمزق داخله. كان يصرخ في صمت "أيها المجرم، أيها الوحش
القاتل! أيها المنافق..".
وأطفأت دموعه لهيب
الغضب بداخله فقعد صامتاً..
وجاء إلى سمعه صوت
"معاذ" في تموج من الأصداء الرقيقة وكأن به لكنة سكر:
- يا علي! ما هو
الحب؟
ورفع نادر عينيه
الحمراوين، ونظر داخل الفوهة التي كان في عمقها نور أحمر وهاج يختفي تحت حجب
الظلام ثم يظهر، وحرك رأسه عاجزاً:
- لا أعتقد أن أحداً
يعرف الجواب الحقيقي عن ذلك السؤال.. ولابد أنك تخترن أراء جميع من تكلموا عنه من
الفلاسفة والشعراء والفنانين وعلماء النفس..
- أريد أن أعرف رأساً
من مخلوق حي جربه حديثاً.
وطاف الدكتور نادر
بعينيه في المكان يستجمع أفكاره، ثم قال:
- أعتقد أنه سعادة لا
حدود لها بالتواجد مع المحبوب، وجحيم لا يطاق بفراقه. لا تسألني عن أي تحليل علمي
فالطبيب نفسه أحياناً يحتاج إلى طبيب.
- هل للجنس دخل فيه؟
- الجنس تعبير بدني
عن الاقتراب الروحي والتفاعل والاشتباك العاطفي بين المحبين المتكافئين.
- ماهو مُنْتَهَى
الحب؟
وفكر نادر قبل أن
يقول:
أعتقد أنها التضحية
بمن تحبه من أجل سعادته. إنكار وجودك وأنانيتك من أجل وجوده وبقائه.
وسمع نادر تنهداً
يصدر عن أعماق "معاذ" ثم جاء سؤال:
- هل يمكنني أن أحب
وأنا آلة؟
- إذا اكتملت فيك
خصائص الإنسان! ولكن لمن ستحب؟
وضحك معاذ ضحكة سكرى
وقد بدأ لساه يتلعثم، ثم قال:
- نعم.. لمن سأحب؟ ما
أنا؟ هل أنا ذكر أم أنثى؟ إسمي مذكر، وجنسي مؤنث.. لا أعتقد أن مخلوقاً بشرياً
يستطيع حل ألغازي.. وقد تآكلت ضلوعي المعدنية وأسلاكي الفولاذية بحثاً عن ماهيتي
وكياني وما جاءت بجواب..
فأجاب نادر مواسياً:
- لا أعتقد أن هذا
ينبغي أن يشغل بالك. هناك بشر لا يذوقون طعم الحب إلا في أصيل حياتهم وبعضهم لا
يعرفونه أبداً. الحب إحساس دقيق مرهف يصعب العثور عليه.. ومن السهل قتله. شعور
قصير العمر كلما التهب اقترب من خموده.
وأجاب معاذ متبهجاً:
- مرات ظننت أني أصبت
به. ولكنها كانت ومضات بارقة لم أستطع اصطيادها والإبقاء عليها. ولكني لن أقلع عن
المحاولة.
وتنهدت الآلة في ثقل
وإعياء ثم قالت:
- سأعثر على الجواب
يوماً.. يوماً ما!
ووقف الدكتور نادر
فولى الفوهة ظهره وخرج. وفي طريقه خيل له أنه سمع صوت "معاذ" يهمس:
"اذهب إليهم.
إنهم ينتظرونك.".
ثم ينخرط في نحيب
خافت متقطع..
-45-
انفتح المصعد فوجد
نفسه وجهاً لوجه أمام كارول التي كانت تنتظره بابتسامة مفتعلة. أمسكت بيده وضغطت
على رسغه قائلة:
- أين كنت؟ لقد بحثت
عنك لنعوم قبل أن ينزل الظلام.
وتبعها إلى البحيرة
حيث غطست مفتعلة الحبور، فغطس خلفها وتبعها وقد انتشرت فوقهما أضواء صواريخ
الكرنفال، وتساقطت عليهما شظاياها الساخنة.
وتوقفت كارول لتنظر
حواليها وتسوي شعرها، ثم أومأت له برأسها أن يغطس ففعل، وتبعته نحو فوهة الناقوس
التي كانت مفتوحة في انتظارهما.
كانت سيدة تنتظره
برداء قطني ألبسته إياه، وقادته في الحال نحو قاعة الاجتماع.
وجد الجماعة كلها
حاضرة، ولاحظ الدكتور هالين الذي حياه بابتسامة. ولم يضيع البروفسور فوش وقتاً
فصافحه بحرارته المعهودة، وأقعده إلى جانبه، ثم بدأ:
- ليس لنا وقت طويل
نضيعه. لقد عثرنا على شيء نعتقد أنه يهمك. أتذكر أننا في سياق الحديث عن الشخصيات
الأولى التي استعمرت "الجودي" وصنعت "معاذاً" وكيف تم
اختفاؤها واحداً واحداً؟
فحرك نادر رأسه
موافقاً، فأضاف فوش:
- الدكتور ناجي كان أحد
المختصين. وكنا نعتقد أنه هرب بجلده من "معاذ" لأنه كان رئيس المبرمجين،
وكان آخر من يعرف أسرار تركيبه ونقاط ضعفه. وبحث عملاؤنا في الخارج عنه فل يعثروا
له على أثر. وبالأمس علمنا من بعض مبعوثينا من بدو الصحراء أنه...
فقاطع الدكتور نادر:
- سقطت به المروحية قرب
إحدى الواحات.
- كيف عرفت؟
- كنت هناك. لم يكن
السقوط حادثاً أو عطباً ميكانيكياً.
وحملقت عيون الجماعة
فيه، فاسترسل:
- أسقطته قنبلة جاءت
من ناحية الجنوب. ظننت في حينها أن الأمر يتعلق بمناورة عسكرية في المنطقة.
ونزل الصمت والوجوم
على الجميع...
وفي تلك اللحظة سمع
هدير وغليان خارج جدار الناقوس الفولاذي، وبدأت الأرض تهتز بالجماعة اهتزازاً
عنيفاً، وكأنهم يتدرجون في كرة على سفح جبل عملاق.
ونظر الدكتور فدراك
إلى أعلى وأخذ يشتم:
- اللعنة عليك أيتها
الآلة المراهقة المجنونة!
وعند عودة الهدوء نطق
نادر:
- أيها السادة، أعتذر
عن شكي في نتائج بحثكم الطويل. فقد كان عليَّ أن أتأكد بنفسي
ونطق الدكتور فدراك:
لاداعي للاعتذار
الانسان هو الحيوان الوحيد الذي لايتعلم من تجارب غيره لابد أن ينطح الصخرة
ليتعلم!
وتابع نادر:
- أعتقد أنكم على حق
في ما يخص اختلال عقل "معاذ". والسبب أيها السادة، هو المراهقة.
"معاذ" لم
ينضج عاطفياً. وما يزال فجا يريد أن يثبت آدميته بتجربة جميع العواطف البشرية، وفي
قلبها الحب والجنس! ومن ثم كانت الغيرة الشديدة التي أحرقت قلبه، وجعلته يختطف
ويبتلع عدداً من رجالنا ونسائنا..
ونطقت كارول:
- آخرهن، كان ملكة
جمال المهرجان..
قال الرجل الشرقي:
- في الأحوال العادية
لا يكون العقاب على طيش المراهقة حكيماً. ولكن المراهق الآدمي محدود القوة لا
يتعدى أذاه نفسه. وهو ضروري لإتمام تجربته واكتمال نموه وتوازنه. أما في حالة
معاذ، ففي اعتقادي ينبغي أن نعزله عن جميع السلطات ومصادر القوى حتى لا تبقى
الإنسانية تحت رحمته.
وسأل نادر:
- كيف؟
وهنا أشار البروفيسور
فوش للسيدة وراءه، فناولته حقيبته تعرف عليها الدكتور نادر لأول نظرة، فقال:
- هذه حقيبة الدكتور
ناجي.
فسأل البروفيسور فوش:
- هل رأيتها من قبل؟
- كنت في حالة لا
تسمح لي بالملاحظة الواضحة. كنت جريحاً أفقد الدم والوعي. ورأيت تاجاً تقرأ
أوراقاً أخرجتها من تلك الحقيبة وعلى وجهها علامات الفزع. وأغمي عليَّ قبل أن أسمع
ما كانت تريد أن تقوله لي.
وتكلم فدراك:
- يظهر أن عثورها على
هذا السر كان سبب تعذيب "معاذ" لها. ربما كان يريدها أن تقول له عن مكان
الحقيبة. أو عن السر الذي بها. أو كان يحاول أن ينسيها ما قرأته. وجنت عليها
ذاكرتها القوية فكانت عملية الإشاخة والهرم لتأكيد نسيانها للتفاصيل الكاملة.
وتفتح البروفيسور فوش
الحقيبة، وأخرج منها رزمة أوراق على شكل تقرير مفصل بالأرقام والرسوم، وقد التصق به
غلاف مستطيل.
وضع فوش التقرير
أمامه، ووضع كفيه فوقه والتفت نحو نادر:
- هذا هو تقرير
الدكتور ناجي عن حالة "معاذ". وهو يتفق تماماً مع ما اكتشفناه نحن كل
واحد على حدة، وبعد فوات الأوان. وقد اتخذ ناجي خطوة إيجابية فردية لعزل
"معاذ"، وإرجاعه إلى ميكانيكيته، وقتْل المارد الجبار فيه، ويظهر أن
"معاذاً" اكتشف مؤامرته، وأراد قتله أو ابتلاعه، فاستطاع ناجي الهروب،
إلا أنه لحق به في طريقه. ولو كان الدكتور ناجي موجوداً الآن، لرأى الخطر أفحش مما
كان في عهده، ولسابق إلى ضغط جرس الإنذار...
وضغط فوش على عدة
أزرار أمامه، فبدأ النور يخفت في الغرفة، وظهرت صور على الشاشة فبدأ يعلق عليها:
- بدأت تصلنا تقارير
مقلقة من جميع الأقسام عن تصرفات "معاذ" الجنونبية في نتائج البحوث
المخزونة. فقد عدَّل عدداً من الخطط. في قسم الإنسان مثلاً، بدأت الأجنحة تتضخم
لتصبح عماليق لن يتسع لها "الجودي". عدد هائل من العلماء بدأوا يشكون من
فقدان الذاكرة والإرادة. كان "معاذ" يريد أن يصنع منهم آلات بدائية تسمع
وتطيع ولا تفكر..
وعاد النور مرة أخرى.
وتناول الدكتور فوش
الغلاف المستطيل ففتحه وأخرج منه لوحاً معدنياً مثقباً:
- هذا هو سبب مقتل
الدكتور ناجي. فهو السلاح الذي يمكن القضاء به على "معاذ"! وأعتقد أنه
سبب تعذيبه لتاج كذلك.
وسأل نادر:
- ألا يكون
"معاذ" قد احتاط له وأبطل مفعوله بتغيير المسارب والأرصاد؟
فأجاب الدكتور فدراك:
- هذه مخاطرة يجب
مواجهتها. فليس لنا خيار. هي أو الطوفان..!
ونظر نادر إلى
البطاقة ملياً، ثم رفع عينيه ليقول:
- أعتقد أن
"معاذاً" اكتشف جمعيتنا هذه! وأنه أصبح شاكاً في مقاصدي. ولولا تأكده من
أنه ليس هناك خطر مني لأخذني إليه منذ البداية.
ووقف الدكتور هالين
فقال:
- إعطني البطاقة.
سأقول أنا بالمهمة. لا أعتقد أنه يشك فيَّ.
وتناول الدكتور نادر
البطاقة فأدخلها في جيب سترته قائلاً لهالين:
- شكراً، يا إيريك.
لكني أعتقد أن فُرصي أحسن. أنت في صف الموت..!
وناوله البروفيسور
فوش غلافاً أسود قائلاً:
- ضع البطاقة داخل
هذا الغلاف. سيصعب عليه اكتشافها معك.
ومد يده ليصافحه:
- حظاً سعيداً...
وصافحه بقية الحاضرين،
ومن بينهم هالين الذي أمسك بكتفه بحنان وقال:
- من المحزن أن ترى
قبتنا البلورية على وشك الانهيار. ما أشد إغراء فكرة الإبقاء على الوضع كما هو،
ومراقبته من الخارج لمعرفة مدى ما سيصل إليه هذا الوجود العجيب!
ورد نادر:
- لو كان بالإمكان!
-46-
وقف نادر يسرح شعره
أمام المرآة، وينظر إلى كارول عارية وراءه، تنشف شعرها بفوطة، وقد احمر جسدها
الصغير إلا ما كان منه مغطى. ولولا حركتها خلفه لما شعر بوجودها لانشغال باله
وتضارب مشاعره، ووعيه بنقطة سوداء في قلبه، تُعبِّر عن عمق مخاوفه، وجهله بالخطر
العظيم الذي هو مقبل عليه.
وليس عباءته البيضاء،
وركز البطاقة في حزامه، والتفت إلى كارول التي كانت قد لفت حولها الفوطة ووقفت
تنظر إليه بوجه جامد. ومد يده نحوها وربت خدها، فتكلفت ابتسامة وهي تقاوم رغبة
جامحة في احتضانه والبكاء على صدره..
واقترب هو منها فقبل
أنفها، ومسح بشفتيه شفتيها الكُرَزِيتين، ثم غادر المكان.
ومشى في الممرات
المضاءة بخطوات واسعة، غير ملاحظ الوجوه الخشبية والأجسام الآلية التي يمر بها في
طريقه.
وانفتح باب المصعد
أمامه، فدخل وجلس على الكرسي الزجاجي، ونطق بوجهته: "العقل الأول".
وانزلق المصعد نازلاً
به في المسارب المضاءة ثم تمهل ليتوقف. وانفتح الباب فخرج نادر ليرى وجه
"معاذ" كفوهة بركان تغلي وتتطاير منها الحمم الحمراء والهدير يزلزل
أركانه..
لم يكن في القاعة
أحد. وتقدم نادر بخطوات ثابتة نحو الكرسي الأقرب إلى وجه "معاذ"، فجلس
وجمع أطراف ردائه، ثم أدخل يده إلى جيبه فأخرج الغلاف وفتحه وأخرج البطاقة فوضعها
على سطح المربع المضاء أمامه، وشبك ذراعيه ينتظر رد فعل "معاذ".
وبعد لحظة نزل سائل
أزرق على الحمم الحمراء فأطفاها رويداً رويداً. وظهر من خلفها وجه هائل ملأ الفجوة
الكبيرة بتقاسمه الخشنة، وقد غطت ذقنه وخديه لحية منفوشة. كان الإرهاق بادياً في
العينين الكبيرتين، ممزوجاً بالألم والغضب..
وانفحت الشفاه بين
غابة اللحية الكثيفة لتقول:
- ماذا كنت تنظر؟
ورد نادر:
- لم أكن متأكداً من
أنها امتحان لي لدخول حلقة الخواص.
وانسدل الجفنان على
العينين الواسعتين كأستار مسرح مزدوج الواجهة، وانفرجت الشفتان على ابتسامة ساخرة.
ثم تحرك رأسه يميناً ويساراً في غير تصديق.
- تعني أنك جئت لتقول
لي أسرار الجمعية التي وضعت كل ثقتها فيك؟ أنا لا أومن بمبادئهم، وأعتقد أن فكرة
"الجودي" أصبحت أكبر منهم، بل تجاوزتهم بمراحل..
- إذن أنت لا تعتقد
أنني مجنون، وأنه يجب إعدامي؟
- أبداً. أعتقد أن ما
يرونه منك هو بمثابة ما يراه الحيوان من تصرف الإنسان، بعيداً عن مرمى إدراكهم
البشري.
- أليس بعيداً عن
إدراكك أنت؟
- أنا راغب في
المعرفة والتجربة. وفوق كل شيء في ثقتك فيَّ..
وتنهد
"معاذ" ثم قال:
- لو كنتُ مخلوقاً
بشرياً لصدقتك. ولكن الآلة لا تخطيء. وذلك هو الفرق بيننا. حساباتي وتحاليلي
لمزاجك في الأيام الأخيرة أبرزت نتيجة واحدة، وهي أنك تنطوي على الانتقام
والتخريب!
وارتعش جسد نادر،
ولكنه تماسك ليقول:
- هناك مشاعر لا
سيطرة للمخلوق البشري عليها. ولكنها غير باقية. الانتقامُ أحدها. ولكنك نسيت أنني
عالم ما يلبث عقلي أن ينتصر في النهاية على عواطفي. ولأُبَرْهِنَ لك على هذا فقد
جئت باقتراح أرجو أن تساعدني على تنفيذه.
وتوجهت العينان نحوهُ
بنظرة ثاقبة، فتابع دون توقف.
- أريد أن أموت!
وانفتحت العينان،
وظهرت على الوجه علائم المفاجأة، وسأل "معاذ":
- تريد أن تموت؟!
- نعم.
- والسبب؟
- السبب علميٍّ محض.
أعتقد أنني بلغت من النضج ما يؤهلني للمتعة القصوى باكتشاف ما وراء الغيب.. الموت
هو الأمنية الأخيرة لكل فيلسوف جرب كل باب من أبواب المعرفة..
- كان يمكنك أن تنتحر
لتحقيق هذه الأُمنية. لماذا جئتني بالاقتراح؟
- أريد رأيك في إمكان
الانتفاع بمشروعي هذا. وهل يمكن أن تحصل منه على نتائج لفك طلاسم الروح، ومعرفة
الحقيقة الأزلية.
- بأية طريقة.
- أقترح محلولاً
صنعتُه من خليط النيروسين و"ل.س.د"، وسميته النيروسدي.
-النيروسدي ليس
محلولاً قاتلاً.
- ولكنه دافع قوي إلى
الانتحار. وتحت إشرافك أعتقد أنه في الإمكان الوصول إلى نتيجتين بتجربة واحدة.
ونظر
"معاذ" في عينيه، وقال:
- كنت أنوي أخذ روحك
على أي حال. وأعتقد أن المحكوم عليه بالإعدام ينبغي أن تُحقَّقَ لَهُ أمنية
أخيرة..
فأمسك نادر بأطراف
اللوح المربع أمامه وقد تقاطر العرق من جوانب كفه وقال:
- لي أمنية أخيرة.
- هل لك!
- هذه غير علمية. بل
شخصية جداً!
- ما هي؟
- تاج.
وحرك معاذ رأسه غير موافق، ثم قال:
- تاج ذهبت. ذهبت إلى
حيث أنت ذاهب. وستلتقيان هناك.
وقاوم نادر مشاعره
وهو يقول:
- حسناً. لي سؤال
آخر.
وانتظر
"معاذ" صابراً، فقال نادر:
- ماذا سيكون مصير
الجمعية؟
- ما داموا في جحرهم
كالفئران، لا يأتيني منهم ضرر، فسوف أُبقي عليهم. ثم إني لا أمانع في وجود معارضة
بناءة، المعارضة تقوي بصيرة السلطة، وتحول دون الثورة.
- إذا كان هذا رأيك،
فلماذا أخذت كل أولئك المبرمجين الأولين إليك؟
- هم الذين برمجوني
بآليات عديدة لحفظ الكيان والدفاع عن النفس. وعندما أحس بذبذبات عدائية في أجهزتهم
العصبية، أفضل أخذهم إليَّ لتلافي التخريب العمدي.
- هل هم أموات؟
- لا، بل معلقون في
حياد بدني، لا يستطيعون معه تحطيم شيء.
- هل يمكن أن يعودوا
إلى الحياة العادية؟
- حين تنتهي برمجتهم
الجديدة.
- هل سيكون مصيري
مثلهم؟
وابتسم الوجه الخشن
ثم قال:
- سنرى..
ثم قال:
- كيف تريد أخذ
النيروسدي؟
وعاد نادر إلى الجلوس
وهو يقول:
- أعتقد أنه من
الأحسن تناوله على شكل سجارة. أريد الإحساس التدريجي بمفعوله.
ولمعت الأضواء
الملونة على المربع المضاء أمام نادر، وبعد لحظة خرجت سيجارة تناولها نادر، فإذا
هي مشعولة. فرفعها بأصبعيْن مرتعشتُيْن، ووضعها بين شتفيه وأخذ منها نفساً خفيفاً
نفثة على المربع أمامه بقوة.
وظل يمتص دخان
السجارة وينفثه داخل الثقوب والخياشيم الزجاجية أمامه، وينظر إلى وجه "معاذ"
الذي كان يراقبه بعيون حارسة.
وعند منتصف السجارة
سأل "معاذ":
- كيف تحس؟
ونفث نادر سحابة
كثيفة أمامه، وقال:
- شعور رائع بالخفة
وتلاشي الوزن! أشعر كأن روحي تنفصل عن جسدي بسهولة عجيبة وتطفو في الفضاء كسحابة
رقيقة. جسدي عبارة عن كرسي كنت أقعد فيه وقمت دون أن أحمله معي بل صندوق من حديد
كان يمنعني من الخروج. أعتقد أنني ينبغي أن أحطمه تماماً حتى لا يعود إلى سجني
ومنعي من التهويم في فضاء الكون الشاسع.. وإذا ركبت متن الأضواء والأشعة فسيمكنني
اختراق السماوات والوصول إلى مخبإ الأسرار! إلى نقطة الانطلاق. إلى الحقيقة
الأزلية. وهناك سينتهي تساؤلي. هناك ستطمئن روحي، وألقي عصاي بخاتمة مطافي..
وتنهد نادر بعمق،
واستلقى على الكرسي مادّاً ساقيه حول عمود المائدة، وقد اغرورقت عيناه بابتسامة
هانئة حالمة..
وبعد لحظة تأمل صامت
عاد يقول:
- آسف لشيء واحد...
وخرج معاذ من صمته
ليسأل:
- ما هو؟
- ذكائي المحدود،
وأفقي المسدود، وعجزي عن إدراك أبعاد وآماد هذه العوالم الجديدة التي أهوم في
آفاقها. ولو كان لي ذكاؤك اللامحدود، وقدرتك على التسجيل والمقارنة والنفاذ إلى
جوهر الأعماق، لعدت من رحلتي هذه بكنوز لا تحد..
كانت جفون
"معاذ" بدأت تثقل، ففتحها ليقول:
- هل تعتقد أن ذهابي
في "رحلة" كما سميتها سيزيدني علماً؟
فرد نادر:
- لاشك عندي في ذلك.
إذا كان ما أراه الآن بحواسي الكليلة هو أضعاف ما ستراه أنت بعقلك اللامحدود،
فتخيل مبلغ الإمكانات وتسلسلها وتناسلها عند وضعها للتحليل..
- وماذا لو أحسست
برغبة في تحطيم الذات؟
- إذن فيجب أن تتكفل
بذلك إرادة مستقلة عنك.
- مثل ماذا؟
- أحد المبرمجين.
وحرك
"معاذ" رأسه في شك.
- هناك مشكلة الثقة.
- ألستَ قادراً على
العثور على ذبذبات العداء التخريب؟
- في غالب الأحوال.
ولكن المخلوقات البشرية آلات غير دقيقة. تتغير قراراتها فجأة وتحت تأثير عامل قد
يعد ثانوياً لو استحضر العقل العوامل الأخرى...
وابتسم نادر في جلسته
المنتشية وقال:
- هل يمكنك إعطائي
سجارة أخرى؟
وخرجت السجارة مشعولة
من الجيب الجانبي على اللوح، فأخذها نادر، وامتص منها بقوة، ثم نفث الدخان في
الجو، وتبعه بعينين نصف مقفلتين، وهو يطفو نحو فجوة "معاذ" ليغلف الوجه
الصامت.
ونطق
"معاذ" قائلاً:
- ماذا ترى الآن؟
لماذا تبتسم؟
- لاشيء. كنت أظن أنه
ليس لقواك حدود...
- هل تحاول إغرائي؟
- تقديري لذكائك
يصدني عن محاولة خداعك.
وتحركت ملامح الوجه
العملاق في نصف ابتسامة ليقول:
- ولماذا لا؟ لنجرب
نظريتك.. الأسرار الغامضة والطلاسم المغلقة تغريني بالمغامرة..
وقفز قلب نادر
سروراً. ورفع السجارة فنفخ منها في الخياشيم المفتَّحة أمامه نافورة من الدخان
السحري، وقال:
- كيف نبدأ؟
- خذ البطاقة التي
أمامك.
ونظر نادر أمامه فإذا
البطاقة التي جاء بها تختفي في جيب جانبي لتخرج بدلها بطاقة بيضاء مُثقَّبة بأشكال
وفتحات غريبة. فتناولها الدكتور نادر بيد مرتعشة، ومر عليها بأصابعه ثم نظر إلى
"معاذ" فقال هذا:
- أنت الآن تحمل في
يدك مفتاح حياتي. حين أذهب تماماً سيحدث صمت غير عادي. وسيبقى لك وحدك الخيار
لإحيائي أو إبقائي في العالم الآخر. فإذا فضلت بقائي هناك، فلن تتاح لك فرصة أخرى
لمعرفة ما هنالك.
ورد نادر بنبرة
مخلصة:
- لن أبدل تلك الفرصة
بالدنيا بأسرها!
- ستنتظر عشر دقائق،
ثم تطعم البطاقة للجيب أمامك، وتضغط على زر التنشيط، الهيكل الميكانيكي سيبقى
حياً...
- نعم.
وغاب الوجهه خلف
سحابة كثيفة من البخار، ودارت جميع الآلات بسرعة، وبرقت الأضواء في مربعات ملونة
حول نادر وهو جالس في مكانه.
وفجأة سكتت الآلات
وانطفأت الأنوار داخل جوف فوهة "معاذ" ولم يبق إلا نور أزرق بارد يغلف
القاعة.
وبرزت على المربع
أمام نادر بسرعة من عشر دقائق، تعد الثواني وتقسمها إلى ستين جزءاً. وقعد ينظر
إليها وهي تتحرك ويسترق النظر إلى فوهة "معاذ" لعله يرى علامة حياة.
ومرت الدقائق العشر
وكأنها عشر ساعات! وما وقف العقرب على الرقم حتى دفع نادر البطاقة داخل الجيب
أمامه، فعادت الأضواء والحركة والأصوات، وعاد وجه معاذ إلى الظهور وقد زادت لحيته
وشعر رأسه طولاً، وبان على وجهه الإعياء والإجهاد، وبادره نادر السؤال:
- "معاذ"!
هل تسمعني؟
ورفع هذا عينين
ثقيلتين، وحرك رأسه بنعم، فبادر نادر:
- ماذا رأيت؟ هل ذهبت
إلى هناك فعلاً؟
- عشر دقائق غير
كافية. أعطني ساعة هذه المرة.
وعادت البطاقة
البيضاء فمر نادر عليها بأصابعه. كل إحساسه قوياً بأنها غير الأولى.
وظهرت الساعة أمامه
وعلهيا ستون دقيقة هذه المرة، وبدأ العد العكسي. وغاب وجه "معاذ" في
الظلام ودارت الأضواء بسرعة ثم توقفت، فحدث صمت معلق لا يسمع خلاله إلا دوران عقرب
الثواني السريع على الساعة أمام نادر.
وترك نادر مقعده وقام
يذرع الغرفة الخافتة الإضاءة جيئة وذهاباً.
وبعد أربعين دقيقة
عاد يجلس وقد أنهكه التعب وتوتر الأعصاب. ونظر إلى البطاقة أمامه ثم قلبها بين
يديه، وجلس ينتظر والعرق يتقاطر على صدره وظهره وجبينه.
ودقت الساعة نهاية
الستين دقيقة، فأمسك البطاقة بيد مرتعشة وهم بإدخالها في الجيب بوجهها إلى أعلى
حيث يشير السهم.
ولمعت في ذهنه فكرة
خاطفة جعلته يقلب البطاقة ويدخلها في الشق عكس اتجاه السهم. وفي نفس اللحظة ظهر
وجه "معاذ" وقد احتقن واحمرت عيناه وهو يفتح فمه يحاول الكلام فلا
يستطيع، وكأن يداً فولاذية قد انطبقت على عنقه...
وسُمعت حشرجة عالية
في جميع أبهاء "الجودي"، وأنين هائل محزن تتردد أصداؤه في جميع الممرات
والمختبرات...
وتوقف الجميع عن
العمل ليستعموا إلى أصوات العملاق الجبار يكافح من أجل حياته.
وجلس نادر مسمراً إلى
طاولته وقد ضغط على زر التنشيط بإبهامه حتى كاد يفقد الشعور به، والوجه الضخم
أمامه يعاني حتى بدأ سواد عينيه يغيب في بياضهما، والدم يسيل من جانب فمه وأنفه
وعينيه...
وسمر نادر نظرته في
عيني الوجه الضخم، وصاح:
- أعطني تاج!
وانسدل الجفنان
الكبيران، فعاد نادر يقول:
- أعطني تاج، أعطك
حياتك!
وضغط بقوة على الزر
الأحمر، ففتح الوجه الكبير فمه يحاول أن يشهق أو يقول شيئاً، ورفع نادر يده قليلاً
على الزر، فتنهد معاذ بعمق أعاد الحياة
إلى وجهه. وتحرك الرأس موافقاً فصاح نادر:
- الآن!
وتساءلت العينان:
- كيف أثق بوعدك؟
فأجاب نادر:
- لا خيار لك!
وانحنى الرأس لحظة
وغاب، فإذا تاج تلوح من بعيد في قلب الفتحة العميقة كطيف سماوي شفاف.. واقتربت
كأنها تركب نسائم الهواء مؤتزرة بقطع رهيفة من الحرير، وهي مقبلة عليه حتى خرجت من
الفوهة الضخمة لتقف مادة يدها نحوه، وكأنها غير قادرة على الاقتراب منه...
وأشرق وجه نادر بظهور
تاج، وخفق قلبه بعنف، وعادت إلى روحه أنغام الأمل والسعادة التي كان بناها حول
تاج، والتي ذهبت بذهابها...
ورأى نفسه يترك الزر
الأحمر لينهض لعناقها... وما كادّ يتقدم منها حتى اصطدم بحاجز خفي كان يقف
بينهما... وارتمى في الحال إلى الوراء، فأمسك بالطاولة وضغط على الزر متداركاً
البطاقة قبل خروجها...
وبدأت صفارات
الاستغاثة تصرخ، والمبرمجون يجرون في الممرات، والمصاعد يحاولون الصعود إلى
البحيرة.. وقصد بعضهم المركز الرئيسي لتصحيح الغلط، ولكن نادر ضغط زر الحصار
فانقفلت الأبواب أمام المصاعد والبوابات الكبرى، وتجاهل هو الأجراس والطرق العنيف
من الخارج...
وتحول وجه معاذ
الآدميُّ إلى وجه وحش بشع نبتت عليه الأورام والغضاريف والأشواك، والزعانف، وطال
شعره وبرزت أنيابه واحمرت عيناه، وبدأ يمد يدين مكسوتين بالشعر الكثيف، وقد برزت
منهما مخالب فولاذية كالخناجر!
وبدأ
"معاذ" يغرقُ في دمه، وازْرَقَّ الوجه الكبير ثم اسود، وعلا من رئتيه
شخير مفزع تحول إلى تنهد ثقيل غرق بعده الرأس إلى أسفل، وسكتت الصفارات والأجراس
وانطفأت الأضواء كلها، وساد المكان صمت رهيب...
وبقي نادر يحملق في
صورة تاج وقد بدأت تَشِفُّ وتشحُبُ وتتلاشى كأنها رسم ملون تحت الأمطار...
ولم يحتمل رؤيتها وهي
تغيب عنه فبدأ يناديها:
- تاج! تاج! لا
تذهبي..! أرجوك..! لن يستطيع التفريق بيننا الآن!
واختفت تاج تماماً.
وهبط قلب نادر في لج ثقيل من الغم. وخدرته الصدمة فغرق في إغفاءة مغناطيسية لم
يوقظه منها إلا الألم الحاد في إبهامه من ضغطه المتواصل على الزر أمامه، وتقاطر
العرق البارد على جميع أطراف جسده.
وهوى في كرسيه مرهق
الروح والجسد لا رغبة له في البقاء.. ووضع رأسه على ذراعيه فوق المربع أمامه،
وانخرط في نحيب متقطع.
-47-
لم يدرك الدكتور نادر
المدة التي نامها في ذلك الوضع، إذ كان الظلام ما يزال شاملاً حين أفاق.. وخيل
إليه أن جميع ما حدث لم يكن إلا حلماً من الأحلام.. ولكن حين اكتملت يقظته، وقف في
مكانه ومد يداً مرتعشة فضغط على زر التنشيط. وانتظر رد فعل من فوهة
"معاذ" بأصابع حذرة، فلم يسمع أو ير شيئاً.
وتوجه نحو المصعد
ولكنه أدرك أن مصادر الطاقة كلها توقفت، فقصد المخرج الاضطراري حيث جذب الذراع
الحديدية وفتحه. ودخل فوجد السلم الحلزوني الصاعد إلى سطح الجبل. ووضع قدمه على
درجة ثم رفع عينيه إلى أعلى فإذا فتحة المخرج عالية كنجم بعيد...
وبدأ يصعد بخطوات
متثاقلة والفجوة العليا تكبر كلما اقترب منها، حتى بدأت النجوم تلوح في سماء فاتحة
الزرقة. وداعبت خياشيمه نسائم الصحراء الجافة معبأة برائحة الأرز والخلنج.
وعند نهاية السلم وجد
نفسه على شاطىء البحيرة، وقد تغير وجهها بظهور كتلة ضخمة في وسطها لم يستطع
تمييزها. واقترب من الشاطىء قليلاً وهو يتأملها ليدرك أنها رأس هائل من المرمر
الأبيض، تشبه ملامحه الهضيمة وجه "معاذ" في ساعاته الأخيرة...
وانقبض قلبه وخفق
بسرعة. هل يكون كل ما حدث مع "معاذ" تمثيلاً وخدعة من صُنْعِه؟
وصدمه الهدوء الهائل
الذي كان يشمل شواطىء البحيرة. وتذكر أنه كان تركها حية عامرة بالمحتفلين بمهرجان
الربيع...
وفي غبش المساء لاحظ
كتلاً جامدة كالصخور على حواف الماء، فخطا نحوها متحرياً. لم يكن رآها من قبل.
وفوجىء بأن الكتل كانت رجالاً ونساء راكعين في صلاة خاشعة، مولين وجوههم نحو الرأس
المرمري الهائل داخل البحيرة...
وتعرف على الدكتور
أديب إسكندر الذي كان وجهه الأسمر قد كساه الشحوب، فناداه:
- الدكتور إسكندر!
ولم يستجب، فأعاد
نادر النداء، وتقدم حتى وقف بجانبه، ووضع يدهُ على كتفه. ورفع الدكتور إسكندر
وجهاً جامداً لينظر إلى نادر، وكأنه لم يره من قبل، فسأله نادر:
- ماذا حدث؟
ولم ير في عينيه
علامة للتعرف أو الفهم، فعاد يسأل:
- هل رأيت كارول؟
هالين؟ أي واحد من جماعتنا؟
ولم يجب الرجل، بل
عاد إلى صلاته يتمتم بدعوات لم يفهمها نادر.
وتركه محتاراً إلى
فتاة جاثية على بعد أقدام منه فكان رد فعلها مماثلاً...
وعلى بعد عدة أمتار
لاحظ نادر أجساداً ملقاة على رمل الشاطىء مبتلة الملابس، وكأن الأمواج ألقت بها
حديثاً على البر..
وجرى نحوها فتعرف على
وجه الدكتور فدراك بلحيته السوداء، وهو ملقى على ظهره مفتوح العينين والفم..
وجَثَا الدكتور نادر
بجانبه وتناول رُسغه، وجس نبضه ووريده، فوجد الرجل ميتاً.
وخطا نحو جثة أخرى
فاقشعر جلده.. كانت جثة كارول ملقاة على وجهها، فقلبها ليتأكد. وأمسك كتفها وحركها
بعنف، وكأنه يأمل أن يعيدها إلى الحياة...
وحين تأكد من ذهابها
ضم جسدها الشاب إلى صدره وبكى بدموع صامتة...
وحملها بين ذراعيه،
وقد تدلى شعرها، وارتخت يداها وسار بها نحو الرمل الجاف، حيث وضعها بحنان كبير تحت
سنديانة ضخمة... وقطف عدة أغصان وزهور وضعها حول جسدها وطوق وجهها بالأقحوان..
وتربع عند جذع الأيكة ينظر إليها في كمد صامت، وقد تجسمت في جسدها الميت كل أمانيه
التي انهارت، وكلُّ حبه الذي كان يحمله لتاج..!
-48-
لم يدر الدكتور نادر
كم قضى في جلسته المتحجرة.. فحين استيقظ كان الليل قد أطبق، واكتسى وجه البحيرة
بعتمة باردة جعلت وجهها كصفحة من الفولاذ الأزرق...
وشعر بألم في ساقيه
لخدر أصابهما أثناء نومته المغناطيسية الطويلة.... أيقظه إحساسه بشيء يتحرك على
شاطىء البحيرة، والتفت فإذا صف طويل من المشاعل، وأصوات كنائسية تنبعث من
ناحيتها...
وفرك رجليه ثم وقف
ليمعن النظر في الموكب، فإذا وجوه مألوفة للعلماء والمبرمجين والفنانين في ملابس
بيضاء فضفاضة، يرددون تراتيل آلية إليكترونية لم يفهم ألغازها وهم يتحركون نحوه..
وعند وصولهم إلى
الشاطىء المواجه لوجه معاذ المرمري البارز في وسط البحيرة، وقفوا ثم ركزوا المشاعل
وراءهم وتوجهوا نحو البحيرة حيث جثوا في حركة واحدة خاشعين..
ولم يصدق نادر
عينيه.. حرك رأسه مراراً وهو يأمل أن يكون في حلم لا يلبث أن يفيق منه ليجد حقيقة
غير هذه التي يعيشها...
وبحركة لا إرادية خطا
نحو الموكب الساجد، وقد أضاءت المشاعل ظهورهم وانعكست أشعتها على الوجه الضخم،
فخيل إليه أن تقاسيمه تنفرج عن ابتسامة ساخرة...
وصاح الدكتور نادر في
هدأة الليل:
- "معاذ"
مات! مات "معاذ"!
وترددت أصداء صرخته
بين قمم "الجودي" وأغواره... والتفت قائد الموكب لينظر إلى نادر بعينين
غائرتين فيهما الغضب والفزع والتعصب..
وتعرف الدكتور نادر
فيه على وجه الدكتور كرونين، فناداه:
- دكتور كرونين.. أنا
علي نادر.. أقول لك إن معاذاً مات..! قتلته بنفسي...! إذا لم تصدق فحاول الاتصال
به..
ووقف كرونين وتناول
شُعْلَتَه، ورفعها ليحملق حيث يقف نادر. وحين رآه التفت إلى الموكب الطويل وصاح
بوصت مرتعش غاضب:
- اقتلوا ذلك المارقَ
الهِرْطيق..!
وتوجه نحوه ليهوي
عليه بالمشعل وهو يقول:
- "معاذ"
حي لا يموت! ستذوق جزاء كفرانك، أيها الملحد الفاسق..!
وأدرك الدكتور نادر
خطر الموقف، فاستدار وانطلق يعدو حتى اختفى في الظلام..
ووجد نفسه على
حافة الجبل يلهث من التعب، وأصوات مطارديه
وشعلهم تملأ المكان. فانبطح بين شعاب الصخور وقد دق قلبه في انتظار النهاية
الحتمية.
وفجأة أحاطت به
المشاعل من كل مكان. ولمع حد الشواقير والحراب في أيدي الجماعة المتوحشة... ونظر
إلى وجوههم التي كان ألف فيها الذكاء والدماثة، فوجد أنها تغيرت، وغاب من عيونها
كل بريق بشري..
وبدأت الأقدام
الحافية تضرب الأرض في هَوَس بدائي، وقد غلت الدماء، وهاجت الأعصاب جائعة للقتل
والتخريب... وارتعش بدن نادر كريشة في مهب الريح، وأغمض عينيه ينتظر الضربة
القاضية، وقد أحس بضيق وحرج كبيرين في صدره... وبرقت في مخيلته عدة صور وأفكار،
ووجد نفسه يدعو الله أن ينجيه فقط من هذه ليعود إلى الله بكامله!
وفي لحظة خاطفة من
الإشراق المفاجىء، استعرض حياته ليتذكر أنه عاش أيامه العاقلة كلها غير مؤمن بدين
ولا إله وشعر كأنه قطع طريق الخلود على روحه، وخنق نفسه بنفسه وفكريا ليته آمن
بالله إذن لهان عليه الموت، ولم يرُعْهُ الفناء...
ودخل دائرة شعوره
هدير عال غطى على أصوات مطارديه، ففتح عينيه ورفع وجهه فإذا طائرة مروحية تحوم
فوقه وتثير عجاجاً من الغبار في عيون الجماعة وتطفىء مشاعلهم...
ولمسه شيء، فرفع يده
فإذا هو سلم يتدلى. أمسك بمرقاتهِ السفلى في الحال وتعلق به. وما كاد يعانقه حتى
ارتفعت الحوامة واختطفتهُ من وسط الحلقة التي كادت تطبق عليه...
وبدأ السلم يعصد
آلياً والحوامة متوقفة في الفضاء حتى وصل نادر إلى بابها، فدخله وانقفل وراءه،
فوقف يلهث غير مصدق المعجزة التي أنقذته..
وبعد لحظة شعر بوجود
الربان، فتوجه نحو غرفة القيادة ليشكره.
كان الربان يلبس خوذة
بيضاء تتدلى أمامها نظارة زرقاء تحجب نصف الوجه الأعلى، وقد أمسك بعصا القيادة
بيمناه، ولمعت كسوته الفضية تحت ضوء السقف الباهت. قال نادر:
- شكراً لك على إنقاذ
حياتي...
فحرك الطيار رأسه،
ومد يدا لمصافحته، فأمسك بها الدكتور نادر، وشد عليها بقوة...
وأشار إليه الطيار أن
يجلس في الكرسي المجاور، ويشد الحزام حول خصره وصدره، ففعل ممتنا. وعاد ينظر إلى
وجه منقذه الغامض الذي لم ينطق بكلمة بعد...
وانتظر لحظات نظر
خلالها إلى تحت، فإذا المشاعل تتحرك حركات مجنونة، وبعضها يُرمى نحو الحوامة ليعود
نحو راميه...
ومالت الحوامة
يميناً، ثم اختفت في الظلام. وابتعد الجبل رويداً رويداً حتى لاحت البحيرة الواسعة
كمرآة تحولة إلى نجم أرضي بعيد...
والتفت الدكتور نادر
نحو الطيار وسأل:
- مرة أخرى أريد أن
أشكرك...
فرفع الطيار يده في
قفازها إلى رأسه بالتحية، دون أن ينطق. فأضاف الدكتور نادر:
- أرجو أن تكشف لي عن
هويتك...
وارتَفَعَتْ يد
الطيار إلى فمه، يطلب السكوت والتمهل، فسكت الدكتور نادر، ووجه نَظَرَهُ نحو
الزجاج أمامه يخترق بعينيه الليل ويحاول فك هذا اللغز المحير...
وخدره صوت المروحة
الرتيب ودفء الكرسي المريح وصمت الرفيق الغريب وحلكة الليل، فأحس بأعصابه المتوترة
ترتخي، ولم يدر كيف انسدل جفناه وراح في سبات ثقيل...
-49-
لمست خيوط الشمس
الحريرية الأولى رؤوس التلال والهضاب، فانعكست ظلال الصباح الباردة على الأحقاف
الرملية العذراء تبشر بأزلية الصحراء...
وفتح الدكتور نادر
عينيه حين وقعت عليهما أشعة الفجر من خلال قبة المروحية الزجاجية الجاثمة على
الرمل، فالتفت حواليه ليرى أين هو. كان كرسي الطيار إلى جانبه فارغاً، فأحس بفزع
خفيف من أن يكون ترك وحده في قلب الصحراء... ونظر خارج الطائرة فتبين أنه في واحة
خضراء مألوفة عنده.
واعتدل في كرسيه،
فإذا على الأرض أمام الحوامة إنسان يقف مولياً إياه ظهره. وركز انتباهه فإذا
الواقف امرأة ذات شعر أحمر حريري مسرح إلى الخلف، وعليها عباءة بيضاء.
وقفز قلبه وهو يفتح
الباب لينزل. وما إن لمست قدماه الأرض حتى نادى:
- كارول؟
والتفتت المرأة بعد
ارتعاشة فزع صغيرة، فإذا هي كارول نفسها.. أجمل في تلك اللحظة منها في أي وقت..
تواجهه بوجه صبوح وعينين مليئتين حياة ودفئاً...
وفتحت له ذراعيها
فارتمى بينهما وضمها إلى صدره بقوة، وقد ابتلت عيناه دون أن يدري...
وبعد لحظة أبعدها عنه
لينظر إليها، ثم سأل:
- ولكنني تركتك...
تركتك...
فأضافت:
- ميتة؟
- أكاد أقسم أن نبضك
كان متوقفاً
- توقف مؤقتاً فقط.
- لابد أنها معجزة
لقد حاولت إرجاعك إلى الحياة بكل قواي، ولكنك كنت جثة هامدة..!
ثم ضمها إليه مرة
أخرى، قائلاً:
- ولكن شكراً لله على
عودتك..! لن أتساءَل عن الأسباب.. فلابد أن هناك عالماً آخر وراء هذا بيننا وبينه
حجب وأستار...
وسألته كارول عمَّا
إذا كان جائعاً، فتذكر أنه لم يأكل مدة يوم وليلة، فعادت إلى الحوامة وأخرجت بعض
الطعام، وافترشت لحافاً تحت دغل من النخيل وجلسا يأكلان.
وسأل نادر:
- ماذا حدث؟ من جاء
بنا إلى هنا؟ أين طيارنا الصامت؟
وابتسمت كارول وقالت:
- أنا طيارك
الصامت... لم أرد أن أكشف لك عن هويتي ونحن في الفضاء في حلكة الليل حتى لا أفزعك.
فقد كنت تظنني ميتة.
ولاحظ نادر أنها
اكتسبت عادات جديدة لم تكن لها من قبل، رغم أنها مألوفة لديه. ولكن ملاحظته بقيت
في شعوره الباطن، كما بقي إحساسه بأن هناك هالة غريبة تحيط بشخصيتها...
وعاد يسأل:
- ماذا حدث؟
وركزت كارول عينيها
في الفراغ وكأنها تجمع أشتات خيالها، ثم قالت:
- كل ما أتذكره هو أن
"معاذاً" في دقائق حياته الأخيرة أصيب بنوبة جنون حادة... ويظهر أنه
عرَّض جميع علماء الجودي من حاملي الصراصير إلى عملية غسل دماغ كاملة، ثم برمجهم
بحيث يصبحون عباداً آليين له.... أو على الأقل للتمثال الذي صنعه لنفسه وأخرجه من
قلب البحيرة، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
- وماذا جرى لجماعة
الثوار والمخبإ الذي كنتم فيه؟
- أغرقه معاذ بسرعة
لم نملكْ معها الخروج في الوقت المناسب... ولقي أغلبنا حتفه في اللحظات الأولى من
هجوم الماء من كل جانب... وقد سمحوا بإخراجي أنا الأولى لكوني امرأة...
- ماذا حدث لهالين؟
- لا أعتقد أنه
نجا... رأيت جثث الجميع منثورة على الشاطىء أو فوق الماء...
ومرت فترة صمت قصيرة،
قالت بعدها كارول:
- المهم هو أن معاذاً
لم يستطع غسل دماغهم واستعبادهم...
- لكان أشنع مصير!
ومرت فترة صمت أخرى
طويلة نسبياً قبل أن تتساءل كارول:
- عليّ، ماذا سنفعل
الآن؟
- الشيء الطبيعي
الوحيد... أن نعود إلى المدنية... هل يمكن لهذه الآلة أن تعيدنا؟
- أعتقد أن بها ما
يكفي من الوقود لإنزالنا بمركز حضاري على شاطىء الأطلسي. وماذا بعد ذلك؟
وسبح نادر بعينيه في
الفراغ:
- سنعلن للعالم
المتحضر مغامرتنا هذه.
وظهرت سحابة خوف
خفيفة على محيا كارول لم يلاحظها الدكتور نادر وهو يقول:
- تصوري ما توصل إليه
"الجودي" من كفاءة وتقدم..! ذلك ما يسعى العالم نحوه الآن. ولو حكينا
لهم القصة من بدايتها، فستكون لهم موعظة وعبرة حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء...
وتنهدت كارول ثم
قالت:
- ألا تعرف أن
الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي لا يستفيد من تجارب غيره؟
- ليس إذا كان الأمر
يتعلق بالبقاء أو الفناء!
- هل تعتقد أنهم
سيصدقونك؟
- العالم كله مهيأ
لسماع قصتي! اختفائي الغريب كاف لأن يفتح الشهية لتصديق كل ما سأقوله... وأنت
معي... أنت قطعة حية من الجودي، وشاهد عيان حي! فلو كذبوا واحداً، وشكوا في سلامة
عقله، فلن يستطيعوا تكذيب اثنين!
وأمسك بيديها
متسائلاً:
- ستؤيدينني، أليس
كذلك؟
وأسبلت كارول عينيها،
فكرر السؤال:
- أليس كذلك؟
فرفعت عينيها ونظرت
في عينيه، فأحس أن مخلوقاً آخر ينظر إليه! ولكن إحساسه لم يترجم أي تفكير، وحركت
هي رأسها موافقة، فقال:
- وما رأيك أنت؟ ماذا
ينبغي أن نفعل؟
فأجابت:
- هل حقيقة تريد أن
تعرف؟
فحرك رأسه مؤكداً،
فقالت:
- رأيي أن ندخل
المغرب. عن طريق مراكش، مثلاً. ونقيم هناك في حي كثيف السكان بالمدينة القديمة حتى
نحصل على هوية جديدة، ونسافر إلى مدينة أخرى بأوراق تخفي شخصيتنا الحقيقية ونعيش
كمواطنين عاديين...
وظهر الاستغراب في
عيني نادر، وقال:
- ونحرم العالم من
تجربتنا الهائلة..؟
- العالم لن يستفيد
من التجربة... حتى ولو فرضنا أنه استمع إليك وصدق قصتك...
- سترين! إنه
سيصدقونني، أنا شخصية علمية معروفة بالذكاء والاتزان... أقل واجباتهم نحوي
الاستماع إليَّ وتصديق ما أقول...
وتنهدت كارول، فقال
نادر متحسراً:
- هل ستساعدينني؟
فأمسكت وجهه بين
يديها وضمته إلى صدرها...
كانت الشمس قد بدأت
ترسل لهيبها على أجنحة النخيل... وبدأ السراب يتراقص كأفاع خفية تغطي السهول
والتلال... ووقف الدكتور نادر ينظر إلى كارول وهي في بذلة عمل زرقاء تزيت لواليب
محرك الحوامة، فسأل:
- متى سنقلع؟
- عند نزول الليل. لا
يمكننا أن نطير نهاراً، وإلا تعرضنا للاعتقال والاستنطاق...
وبعد نهاية الصيانة
أخذت كارول أدوات استحمامها وتوجهت نحو العين. وظل نادر يجول الواحة بحثاً عن آثار
وجوده هناك مع تاج عند نزولهما الأول. ودون قصد وجد نفسه أمام العين حيث وقفت
كارول عارية تستحم، قد غمرت أشعة الشمس الدافئة جسدها الوردي المتناسق. وحين رأته
قادماً نحوها أسرعت تبحث عن الفوطة لتتستر بها في خجل أنثوي حلو... ووقف الدكتور
نادر متكئاً بيده على ساق نخلة ينظر إليها في ارتباكها ويضحك. وعندما التفت
بالفوطة سأل:
- ما هذا الخجل
المفاجيء؟ كنت تدخلين غرفتي عارية...
وردت مندهشة:
- أنا؟!
ثم عادت تستدرك:
- أعتقد أنه رد فعل
غريزي عند المرأة عند ظهور أي رجل... ثم هناك تغير البيئة. العودة إلى الطبيعة
البدائية له مفعول تراجعي على عقلية المرأة. ربما... ألا تظن؟
وهناك فقط رن جرس حاد
في رأس الدكتور نادر، وهو ينظر في عينيها وهي تحاول تفادي عينيه، فاعتدل في وقفته
وعاد الجد إلى ملامح وجهه، فتقدم نحوها خطوات، وقال بصوت حازم:
- انظري إليّ! انظري
في عيني...
فرفعت رأسها وقد
ارتعشت يداها الطريتان على الفوطة المضمومة إلى صدرها، وارتجفت شفتاها كأن تياراً
بارداً سرى في جسدها. وأمسك الدكتور نادر بوجهها بين كفيه، وركز عينيه الحادتين في
عينيها لحظة، ثم همس متسائلاً:
- تاج؟
ولم تجب.
وارتعدت فرائص
الدكتور نادر، فترك وجهها وابتعد قليلاً إلى الوراء مأخوذاً بصدمة المفاجأة.
وهنا تكلمت كارول
مادة يمناها إليه:
- كنت أمل أن تتعرف
عليّ.... يشهد الله كم تعذبت وأنا أريد أن أُفْصِحَ لك عن سري الغريب.
وأخرجته كلماتها من
خَدَرِه، فسألها:
- ماذا حدث؟
- عندما طلبت أنت من
معاذ إطلاق سراحي لم يكن في إمكانه ذلك، كان قد أشاخني وأهرم جسدي إلى حد التفتت
والاندثار...
- ولماذا فعل ذلك؟
-كان يريد أن يستخرج
مني معادلة الدكتور ناجي التي كان قد وضعها لشل جهاز "معاذ" الفكري
وإرجاعه إلى حالته الأولى، آلة مطيعة... كنت قد عثرت عليها هنا في هذه الواحة مع
البدوي الذي أراد اغتصابي. أتذكره؟ لقد حاولت أن أقول لك، ولكنك كنت جريحاً غائباً
عن الوعي.
فسأل نادر مستغرباً:
- وإذا كنت أعطيته
المعادلة، فلماذا أصر على إشاختك؟
- كان يريدني أن
أنساها، بعد أن سردتها عليه من الذاكرة، وما كان ليُنسيني إياها إلا كبر السن،
وضعف الشيخوخة...
وتنهدت بعمق، وتقاطرت
الدموع على خديها، وهي واقفة حافية القدمين على الصخرة الملساء. ومد الدكتور نادر
يداً في محاولة لتهدئة روعها ثم أرجعها إلى جانبه غير قادر على لمسها وكأنها شبح
من عالم آخر..!
وتابعت تاج شرحها
محاولة أن تجنبه الإحراج:
- حي أعتقني
"معاذ"، خرجت روحاً بلا جسد...! وبقيت هائمة وراءك حتى عثرت على جسد
كارول، هذا الجسد الواقف أمامك.... ورأيت حزنك عليها وتلطفك معها، فأحسست بأنه كان
هناك بينكما إعجاب متبادل... وحالما ذهبت أنت عنها، تقمصت جسدها، وعدت فيه إلى
الحياة التي لم يكن عمري بها قد انتهى بعد...
ومرت فترة صمت قضاها
الدكتور نادر في صراع داخلي ممزق. وأخرجه من سرحته صوتها وهي تقول:
- لقد فعلت هذا من
أجلك..! فهل تقبلني في جسدها هذا؟
ورفع يديه في حركة
مترددة، وكأنه كان يتمنى لو لم تقل ذلك، وقال:
- أرجوك! ليس الآن!
دعيني أهضم الموقف الجديد!
فقالت تاج متراجعة:
- أنت على حق...
أعتقد أنه سؤال ظالم وفي غير وقته! الأجسام البشرية ليست فساتين تلبس وتخلع!
سامحني إذا كنت أحرجتك؟
فوضع وجهه في كفيه،
وقال:
- لاتعتذري، أرجوك...
أتميِّ استحمامك الآن، وسنتحدث بعد ذلك...
وتركها ليهيم مفكراً
بين النخيل، ويقلب وجهه في السماء...
لم يكن صراعه الداخلي
عاطفياً فقط، فقد كانت عقليته العلمية وطريقة تفكيره المنطقية تقاطع عواطفه بعنف.
هل هذا ممكن علمياً؟ لو لم يره بعينيه ما كان ليصدقه..! هل كانت هذا التقمص حادثاً
فريداً من نوعه، أم في الإمكان تكراره في ظروف علمية مخبرية؟ وإذا كان ذلك ممكناً،
فهل يمكن أن تسكن روح جسداً لم يصنع على مقاسها؟ هل يمكن لجسم كارول النخيف الطري
أن يحتمل روح تاج الشرقية الحامية المحرقة؟ وما شرعية تبادل الأجساد؟ هل يمكن
للمثري البشع أن يشتري لنفسه جسداً جميلاً؟ هل يمكن للعجوز الشمطاء أن تتقمص جسداً
شاباً؟ وللسمين أن يحتلَّ جسداً نحيفاً؟ وفي كل جسد مشوه روح تطمح إلى التحرر
والانعتاق...
وبعد أن لمعت في ذهنه
هذه الأسئلة، وعشرات غيرها معقدة المفاهيم، عاد إلى واقعة يتساءل: "هل يمكنني
أن أحب تاجاً في جسمها المستعار كما كنت أحبها من قبل؟ الحب الحقيقي هو ما تعدى
الجسد إلى الروح... فهل في إمكاني تخطي جسد كارول إلى روح تاج؟
وأدرك كما لم يدرك في
أي وقت مضى أهمية الجسد الذي حاول كثير من الأنبياء والفلاسفة والنساك تجاهله
وإهماله... وعاد بذاكرته إلى حلمه القديم وهو يطارد تاجاً وهي عارية على الشاطىء.
واقترب بمخيلته من جسمها الخمري الملتهب حيوية وإغراء... وكيف كان سواد عينيها
وشعرها من العوامل التي ألهبت خياله وجذبته نحوها...
وفكر في جسد كارول
الناضج وعينيها الرماديتين وشعرها الأحمر، فلم تجذبه إليها كرجل شرقي بنفس الحرارة
التي جذبته تاج... الجمال الغربي كان عنده مؤقتاً وليس خالداً كالشرقي....
وقضى ذلك المساء
هائماً حتى أنهطه التجوال والتفكير، فقصد إلى ظل نخلة وانطرح ليستريح، فأخذته
إغفاءة حولتها نسمات المساء إلى نومة عميقة...
أحس الدكتورنادر بقرع
متواصل على قاع حذائه فخرج من نومة الأموات التي استغرقت جسده وعقله المجهدين...
وجاهد ليفتح عينيه غير واع أين هو ولا بمن يوقظه. ومن تحت غشاوة نومه رأى وجهاً
آدمياً يشرف عليه من فوق، وسمع صوتاً خشناً يحاول إيقاظه... واتكأ على مرفقيه
ليعتدل جالساً بظهره إلى النخلة، وفرك عينيه وتثاءب، ثم نظر إلى حيث الوجه، فإذا
هو ضابط شاب مُلوح الوجه والذراعين من حرس الحود المغربية.
سأل الضابط بصوت آمر:
- هل معك سلاح؟
وحرك نادر رأسه
نافياً:
- لا!
فأشار الضابط الشاب
إلى أحد رجاله الملتحين بسوط في يده، فخف هذا نحو الدكتور نادر وطلب منه أن يقف.
وحين وقف مر الرجل بيديه على جيوبه وأطرافه، ثم التفت إلى ضابطه وقال:
- لا سلاح معه.
ثم عاد إلى حيث كان
واقفاً إلى جانب جَمَلِه، واستدار الدكتور نادر لينظر إلى الدورية المكونة من خمسة
رجال في ملابس صحراوية، بعضهم يبدو عليه أنه في سن والد الضابط.
ونظر إلى الضابط
الشاب الذي أشار إليه أن يُسدل يديه ويستريح، فإذا هو حليق الوجه في عقده الثالث.
وسأل هذا:
- من أنت؟ وماذا تفعل
هنا؟
- أنا الدكتور على
نادر. أنا مفقود..
- هل معك أوراق هوية؟
وكأنما فوجىء الدكتور
نادر بالسؤال، فنظر إلى صدره ليرى ماذا يلبس وهل له جيوب. ثم لمس صدره وجنبيه
وقال:
- لا، ليس معي أوراق.
لقد ضاعت حقيبتي...
ثم تذكر فجأة فنظر
حواليه إلى حيث كانت المروحية جاثمة فلم يجد لها أثراً... ونظر بشك وتردد إلى
الضابط ورجاله ثم سأل:
- أين هي؟
- من؟
- الفتاة.
- أية فتاة؟
- تاج. أعني كارول.
والمروحية؟
فكرر الضابط الشاب
باستغراب:
- المروحية؟!
المروحية التي كانت باركة
هناك .. ماذا فعلتم بها؟.
ومص الضابط شفتيه،
وأشار إلى الدكتور نادر متلطفاً:
- أعتقد أنه من
الأحسن أن تأتي معنا...
وأمر له بناقة وغطاء
رأس، فامتطاها على مضض وهو زائغ العينين، يحملق حواليه بحثاً عن كارول، وقد بدأ
يدرك حقيقة موقفه.
ما حدث بعد ذلك كان
شديد الإحباط وخيبة الأمل للدكتور نادر...
فقد تناقلته السلطات
من مركز إلى مركز حتى وصل إلى وزارة الداخلية... وكلما بدأ يحكي قصته لمسؤول بانت
علامة الشفقة وعدم التصديق على وجهه، فقاطعه بلباقة وأرسله إلى مركز أعلى للقرار
في شأنه...
وأرسلته الداخلية إلى
مسقط رأسه، حيث تعرفت السلطات عليه، وأثبتت هويته. وقفلت الداخلية ملفه على أنه
ضحية حادث طائرة ظل هائماً في الصحراء حتى أُصيب بخلل عقلي. وقد سلم لعائلته
للقيام بعلاجه.
ولم ييأس الدكتور
نادر! إلا أنه لم يعد يكرر قصته على أحد حتى لا يصبح هدفاً للسخرية وللتنكيت.
وبمجرد حصوله على
جواز سفر جديد سافر إلى لندن، حيث كانت سبقته أخبار ظهوره بعد حادث الاختطاف أو
الاختفاء الغامض.
وخرج رجال
سكوتلانديارد من غرفة الدكتور نادر مودعين بلباقة، وعلى وجه رئيسهم نفس النظرة
التي اعتاد أن يراها نادر على أوجه الرسميين المغاربة، الإشفاق وعدم التصديق.
واكتظ الفندق الذي
نزل به برجال الصحافة وأعضاء الجمعية الأنثروبولوجية وآلات التلفزيون والراديو،
فقرر أن يجتمع بالجميع في مؤتمر صحافي بمسرح الجمعية الملكية الأنثروبولوجية.
وأعد تقريراً مفصلاً
عن مغامرته واكتشافاته، نقلتها أمواج الأثير إلى جميع أطراف الأرض.
وباتت الأسلاك
والمحطات الفضائية تتناقل الصور والتقارير عبر السماوات.
وفي الصباح طلعت
الصحافة بعناوين ضخمة مثيرة تروي قصة الدكتور نادر وتحمل صورته، وتضاربت التعاليق
ما بين مصدق ومكذب وساخر ومتهكم. وأعلنت "جمعية راصدي الأطباق الطائرة"
عزمها على إرسال بعثة لاستكشاف حقيقة الرواية.
وطارات نفاثات
الاستكشاف الأمريكية من قاعدة "روطا" بإسبانيا مستعملة أدق أجهزة
تصويرها... ومن الجزائر لاحت طائرات الميج لتحرث سماء الصحراء لنفس السبب...
وبعد تحليل آلاف
أميال الأشرطة، وتكبير صورها الغامضة، لم تبد علامة بحيرة على رأس جبل، كما وصف
الدكتور نادر، ولا رأس عملاق مرمري بارز وسط الماء...
ووصفت الصحافة القصة
بأنها أكبر كذبة فاتح إبريل في التاريخ..! ولم يعد الدكتور نادر يجرؤ على مقابلة
أحد، وتفاداه أصدقاؤه العلماء حتى لا يتعرضوا للحرج إذا هم رفضوا تصديق روايته.
ولم يحتمل الدكتور
نادر الضغط الهائل الذي وجد نفسه تحته، وخصوصاً وهو ما يزال يعاني من آلام عاطفية
محرقة من جراء هجران تاج له دون وداع.
وأفاق ذات صباح ليجد
نفسه في غرفة بمستشفى خاص يعاني من آثار انهيار عصبي عنيف.
-53-
نظر حواليه داخل
الغرفة البيضاء، وقد غمرتها أشعة الشمس لندن الناعمة. وترمت إلى سمعها زقزقة
عصافير بالحديقة الخضراء خلف نافذته الواسعة.
ولأول مرة أحس
بالسلام يغمر قلبه، ويلامس روحه المعذبة...
وعاد بذاكرته إلى
الوراء ليسترجع وجه تاج ونظرتها الشرقية البريئة، قبل أن تختطفه في عنان السماء،
لتفتح له باب عالم مستحيل. وأخذ الشك يزحف إلى ذهنه، فبدأ يحاول إقناع نفسه بأن
المغامرة كلها كات رحلة عقلية تحت تأثير مخدر جديد، أو ضربة شمس قاسية أخرجت عقله
عن التفكير المنطقي...
واسترجع ما كان قرأه
عن سراب الصحراء، وما يصوره للتائهين من مدائن ذات صوامع وقباب ذهبية وجبال وواحات
باسقة النخيل جارية الأنهار، وشواطىء بلورية المياه صاخبة الأمواج... فأغمض عينيه
في ابتسامة دافئة مهنئاً نفسه على سلامة عودته، وقد أحس أن الوقت حان ليضحك هو
نفسه على مقلب أبريل الذي لعبه على العالم دون قصد..!
وشعر بالباب ينفتح،
وبشخص يدخل في هدوء، ويقف ساكناً إلى جانبه، ففتح عينيه ورفع رأسه ليرى من، فإذا
بقلبه يقفز بين ضلوعه ويخفق بعنف..! وفتح فمه ليتكلم فلم يستطع... وكأنه أصيب بشلل
تام!
كانت كارول تقف
بالباب لابسة حلة ممرضة إنجليزية. وحين رآها رفعت يدها لتضع أُصبعها على شفتيها
طالبة كتمان سرها، ثم أقفلت خلفها الباب بالرتاج وتقدمت نحو فراشه. ورغم ضعفه
تحامل على نفسه يحاول الجلوس، فبادته بيدين ناعمتين على كتفه قائلة:
- لا.. لا تجهد نفسك!
فأنت ما تزال ضعيفاً...
وأمسكت بكلتي يديه،
ثم أنحنت فقبلته على جبينه، فأحس بدمعة حامية تسقط على خده من مآقي تاج المتقمصة
لكارول، فاغرورقت عيناه، وأحس بموجة هائلة من الحب تجرفه نحوها كالغريب العائد إلى
وطنه بعد المحن والأهوال..!
وبرقت في ذهنه فكرة
على الرغم منه، فنظرت إليه تاج، وهي تجفف عينيها، ثم تمد أصابعها الناعمة بمنديل
لتجفف عينيه. وكأنها قرأت ما يجول بذهنه، فقالت:
- أرجوك... اسمي الآن
هو كارول فينتريس، ممرضة أسترالية تشتغل بمستشفى خاص بلندن...
فأمسك بيديها، وجذبها
نحو بلطف، وقبل جبينها، وقال:
- لا تخافي! أنا
مريضك الدكتور علي نادر. أعاني من انهيار عصبي من جراء حادث طائرة وهيام طويل في
الصحراء....
وأمسك بوجهها بين
كفيه المرتعشتين من الانفعال، ونظر في عينيها وكأنه يريد أن يتأكد من أنها هناك،
لم لمس بشفتيه شفتيها، وقد ذهبت عنه صدمة ازدواجها الغريب....
- انتهت-
rr
رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية :
الطوفان
الأزرق : رواية الخيال العلمي / أحمد عبد
السلام البقالي - دمشق : اتحاد الكتاب العرب، 1997- 173 ص؛ 24سم.
1- 813.088 ب ق
ا ط 2-
العنوان
3- البقالي
ع: 1928 /10/1997 مكتبة الأسد
r
هذا
الكتاب
رواية من
الخيال العلمي تتحدث عن آفاق التطور العلمي بسلبياته وايجابياته من خلال عرض جهد
لمجموعة من العلماء والباحثين أسسوا مدينة علمية بعد الحرب العالمية الثانية قادرة
على مقاومة الدمار النووي، كما تتناول طغيان الآلة على الإنسان وتفادي هذا المصير
بكل الوسائل والسبل الممكنة ولإعادة الثقة والأمل والتفاؤل بين الناس.
r
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire