vendredi 16 novembre 2012

جسر الموت3


-19-

كانت الأيام الثمانية ساخنة، تدفقت نيراناً وتدميراً. أيقظت الأموات من قبورهم. جعلت الأحياء يتوهون في دهاليز الأقبية. يتضوّرون جوعاً، ترقّباً تخنقهم الرطوبة، ورائحة الأنفاس اللزجة، الثقيلة، ورائحة البول، وشح الماء وفقدان الطعام. كانوا يختلسون النظرات ويسرقون الهواء الملوث، ثم يعودون إلى الأقبية خائبين.
استمعت إلى عائشة وهي تتحدث عن بيروت. قلّبت ألبوماً من صور أحياء "الحمراء- ساحة البرج - الكرنتينا - الفياضيّة - الرملة البيضاء. . برج حمود" هي صور تعكس في مقلتيها حرباً شرسة، سُميت بحرب السنتين، لكنها امتدت، وستمتد أكثر، ولا أحد يعرف متى تنتهي، وكيف!.
مشاهد ولوحات. ملامح قزمة أمام الشريط الطويل من الآلام. لا أريد أن أتذكّر حي " الحمراء" أو شارع الحمراء.. هناك كان يسكن ابن المعلم، وفي إحدى البنايات القريبة من الشاطئ. شريط الموت لم يبدأ الآن ولن ينتهي غداً.. لقد كانت الضحية الأولى عشرات من الأطفال الفلسطينيين.. أحُرق الباص ومَنْ فيه.. هذه الشرارة الأولى، وبداية المأساة الكبيرة. . خطّة مدبّرة، المُراد منها شنّ حرب على الفلسطينيين والوطنيين، واقتلاعهم من لبنان كله.. آنذاك لم يأتِ فجأة أو يولد في اليوم نفسه.. كنت أراقب _" القول لعائشة"- "قوات الجبهة اللبنانية"، التي شكلت جيشاً مدّرباً، وكان مَنْ يعرفني من هذه القوات، لا يكترث بأمري، ولم يسأل عني، كوني خادمة أو بنتاً مؤجرة، لكني كنت أسجّل ما أراه. وما تشاهده عيناي. أكتنز في قلبي الجروح، فثقل حملي ووهن جسمي وتعبت وازدادت همومي. وبدأت أوجاعي تمضغ سنوات الشباب، بهتت فتوّتي. أصبحت مطيّة لشهواتهم، ولا أنسى الحقراء والزعران، وصاحب الرذيلة ( ابن المعلم) الذي داس على شبابي، وقيّد طموحاتي وحطم إنسانيتي.
الصمت يسود. السماء صامتة. الأرض حزينة، وحيّان يجمّع قواه، يلملم جسده، يتكوّر، كعادته أرخى رأسه بارتياح فوق كفّه، يتأمل عائشة وهي تسترسل تجيش بما في داخلها. تبوح بأسرارها. تفتح جراحاتها. تبكي، ولكني وراء الدموع تختبئ شجاعتها، تحاول أن لا تُعلن عن كل الأشياء، فبعض الأمور لم يحن الوقت المناسب للإعلان عنها!
تأمل حيّان مطوّلاً حديث عائشة المنساب، كمياه صافية، رقراقة، تنحدر في أرضية أسمنتية.
لم أستطع السكوت. بل قلت لها: أكملي حديثك، لأننا، منذ وجودنا في بيروت الشرقية لم تتجاوز خطواتنا " المركز الصيفي"، ولم نعرف منطقة " الحمراء" إلاّمن بعيد، حينما كنّا نتسوّق من ( ساحة البرج) بعض الحاجيات، تمدّ أبصارنا باتجاه المناطق الخاوية، الملطخة بالحزن. أبنية مرصوفة على مدّ البصر، عالية في شوارعها ذكريات لأناس دافعوا وماتوا وضحّوا بدمائهم عن بيروت. كي تحيا بيروت وتعيش بيروت الموحدة.
أجابتني : بعد هروب المعلم وعائلته إلى جزيرة قبرص، لم يترك شيئاً، فحمل معه الأشياء الثمينة، وبقي ابنه يُصفي حساباته معي!
كنت وحيدة يامحمود! لكني أجلس الآن بين إخوتي، أتقاسم معهم الحياة. أنام هادئه البال. مرتاحة. كرامتي في وجودكم وحمايتكم لي ودفاعكم عني.
وتتابع. . يتعمق الألم في روحها. تبدو معالمه بين غمازتيها وتجاعيد جبينها.. تتابع ولم تنسَ أبداً. فحين يفشل ابن المعلم في مضاجعة صديقته أو صاحبته - لا أعلم - كان يحضر معه أصدقاءه. يبدؤون " يصطهجون" حول مائدة عامرة بالمأكولات، والمشروبات وحشيش ( الكيف). كان يجبرني أن أتعرّى.. لا أريد الآن أن أعودبكم إلى تلك الأيام. .
حياتي السابقة ملوثة، مملوءة بالخطايا والذنوب!!.
قلت : ليس الذنب ذنبك. أنت مقهورة منذ ولاتك. ومضى شهران على هروبك. . الحاضر غير الماضي. فكرّي جيداً في الأيام القادمة! أمن المعقول بعد كل هذه الحكايات والروايات أن يُقِدم حيّان على أمرما!؟ هكذا كان هذا السؤال يمرّ هامساً في رأسي و" يوشوشني" كلما تعمّقت عائشة في حديثها، وتعددت حكاياتها. وقصصها.
لملمت نفسها. أبدلت جلستها، كأنها تقف خلف ساتر رملي. رفعت شعرها عن جبينها. استيقظت الافكار في رأسها من جديد. استرسلت قائلة: الحمراء، منطقة خاوية. جثّة هامدة. أكلتها النيران. نهشتها القذائف ومزّقت جسدها. أسكتت كل نبضة في قلبها، و( أسواقها). تقطّعت يداها، ورجلاها. بقي رأسها يدور فوق شوارعها، وأزقتها. . هياكل باقية للرياح. فلا زجاج في واجهات بيوتها ومحلاتها أو أثاث. أدراجها ملوثة بالدماء، وقطع اللحم اللبشري اليابس، المقدّد، وشعر الرؤوس المسلوخ. محاجر عيون. أصابع، وثياب فقدت ألوانها. انطمست! جدران تحولت إلى مداخن، وأكوام وركامات من الرمال والحجارة. تتكدّس في مداخل الأبنية والشوراع. ولا أحد يقوى بعد ذلك اليوم على رؤيتها، أو المرور بجانبها! مَنْ يذهب للبحر يغير  طريقه، ينكفئ عنها، لكنه ينحني احتراماً لضحاياها.
دارت المعارك فيها... فوق سطوحها، وفي شوارعها. قتال بالسلاح الأبيض، ودماء حمراء، قانية. أمواج تلفّ المساءات الصاخبة بالموت.
وحيدة، اختبأت في إحدى الزوايا، انتظر ( موتاً في سبيل الموت). أنتظر شظية أو قذيفة تخلصني من لحظات الحياة الآسنة. . تحيد القذائف عني. تصعد نحو السماء، وتنحني فوق البحر.. تستقر في قاعه:
أصبحتُ كالمجنونة يلفّني الغبار ورائحة البارود والقنص.. يحمل جسدي أنفاس المخمورين. لم أصدّق أنني سأبقى على قيد الحياة. فإذا كانت القذائف تمزّق الجدران والسطوح الأسمنتية الجبّارة، فكيف يقدر هذا الجسد العاري على المواجهة، والمقاومة؟.
أصبحت كجسر الموت، يدوس فوقه العابرون من " سن الفيل" إلى " الأشرفية". أشكّل نقطة عبور لكل تقاطع الطرقات والجسور، وتحت هذا الجسد الذي مازال يقاوم، يجري نهر بيروت.
كانت المفاجأة صباحاً. احترام الجميع لوقف إطلاق النار. عادت الحركة إلى الشوارع والأسواق. بقايا أدخنة ووجوه أبنية مجدورة ببقع وخدوش، وأحياناً طاقات، وفوهات كبيرة تتسع لدخول سيارة كبيرة. . أنصاف جدران، مازالت الثياب معلقة عليها.
وجّه حيّان كلامه إلى عائشة، رافقتْ ذلك ابتسامة، ونظرة فاحصة إلى وجهها الذي لم تفارقه أشعة الشمس، الوافدة من كوّة في الجدار الشرقي.
- ما رأيك أن يكون الصباح حلماً من أحلامنا، نمتلكه وحدنا؟ أترغبين بمرافقتي إلى الشاطئ؟ أو إلى الروشة؟، وهناك، وفي هذا الصباح، تتفقدين جروحك!لا أريد منك أن تتحدثي عن الماضي كما تحدثتِ الآن! أريد أن أقف إلى جانبك، وأن يكون كتفي مسنداً لرأسك. أو نجلس بجانب بعضنا، فوق تلك الصخرة المشهورة التي صمدت زمناً مديداً، وطوال هذه السنوات.
أنتِ صخرة تخدّشت  قشرتها الخارجية، لكن في داخلك معادن ثمينة. أماكن مازالت تتسع للحرائق، والنيران والحب. أريد أن أُدفّئ قلبي بحرارة قلبك!
أُدمي قلبي أصابني وجع. . أوجاعي تقترب من آلامك. أنا مثلك شربت  كأساً مرّة. فقدت حبيبتي، لكنها لم تفقد بكارتها مثلك، بل قُطعت رجلها.
كانت تستمع، وتصغي بشوق إلى كلماته. لم تتعود طوال حياتها أن تستمع إلى مثل هذه العبارات والجمل الحلوة. شعرتْ بأن لها قيمة. عادت إليها إنسانيتها، وبدأت تكبر في عينيه.
قال لها قبل أن يودعها : الاغتصاب جرح من الصعب إلتئامه بهذه السرعة. الثوب. الممزق يمكن تبديله، بثوب آخر. الجسد المُنهك من التعب. الثديان المعصوران أصابهما الجفاف، لكن الحياة القادمة تعُطيهما شيئاً  من ربيعها، وأحلامها.
أخذ تورّد الوجنتين يحتل بقعتين فوق خدّيها. والأهداب المغسولة بدموع  الحزن، تتندّى من جديد!
 وضع يدها بيده. تشابكت أصابعهما، وقلباهما. اتجها نحو البحر، لكنهما لن يمرّا بمنطقة الحمراء، إلاَّ أثناء العودة!

-20-

  عند الصباح خرج الناس من الأقبية باتجاه البحر. تركوا معاناتهم، وهمومهم تحت الأرض. فمنذ أسبوعين، وهم قابعون، ينتظرون الموت، ويتأملون حياة أكثر اطمئناناً.
وعلى مدى النظر تُزيّن الشاطئ ألوان من البهجة والحبور، وروائح اللحم المشوي، والمشروبات، وغيرها من المأكولات التي حُرِم منها الناس. خرجت الآن إلى سطح الأرض.
تأبّط حيّان ذراعها. وبخطوات وئيده بدأا! يترنحان فوق رصيف الميناء. تارة يحدّقان ببعضهما  وتارة يحدّقان بالبحر الواسع، والأمواج القادمة من منتصفه.
كانت الشمس ترتفع. السماء صافية، خالية من الغيوم. طغت أصوات الأمواج على رقّة حديثهما. سرق حيّان قُبلة خفيفة طبعها فوق خدّها. تسمّرت صورة سمر أمامه. اكتشف أسراره الجديدة. أما عائشة في تلك اللحظة، فكانت تجري مقارنة مع نفسها. مقارنة بين بشاعة ابن المعلم، وبين قبلة حيّان الحنون وتقول : لقد نسيت وداع أُميّ. فمنذ سنوات، عندما كنت طفلة، لا يتجاوز عمري ست سنوات، ودعتها، أما الآن فأنا صبيّة شابه. مرّ عقدان لم أشاهد فيهما أُمّي. أبي هو الذي يزورني كل سنة مرة، ولولا حاجته، لما رأيته!.
همس في أذنها! انظري! ما أجمل البحر! هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها ويراني. . أراه يضحك مع الناس. يداعب الأطفال، ويجمع الكرات يقدّمها هدايا إليهم.
والناس يلتفون فوق شاطئه، يفترشون الرمال، الأطفال يلعبون، ويتراكضون!
في هذه الأثناء، طلب " قا. ك" الحضور إلى مكتبه. كانت جلسة طويلة مع خريطة بيروت.
- سنحمّل يارقيب محمود على هذا المصور  المواقع الجديدة التي احتلتها القوات المناوئة. أنت تعرف أن قواتنا أصبحت مجمّعه في منطقة " الدورة" و"برج حمود". والقصف يأتينا من "الضبيّة" و "جونية" و" المجلس الحربي". أغلقوا بعض مقرّاتهم ومكاتبهم، وفتحوا لهم مقرّات أخرى أكثر سرّية. قسموا قواتهم  إلى قوات متنقلة غير ثابتة  في مكان محدّد وقوات ثابتة.
- سيدي " قا.ك": أُحيطت قواتنا بزنار من القوى المناوئة من جميع الجهات ألا يكفينا حصاراً، ومحاصرة، ومعاناة! عرفنا جميع أنواع القذائف والأسلحة، عدا الطيران الحربي.
جلست وراء المرسم. بدأت أحمّل المواقع الدفاعية والهجومية على مصوّر مقياسه كبير " 1/5000" وكان أوضح من المصور السابق.
- أرسل برقية عاجلة إلى السرايا والفصائل. أعلمها بأن توقف منح الإجازات و " المبيت" خارج الكتيبة. . فهذه هدنة مؤقتة، ويمكن أن لا تدوم أكثر من أسبوع.
همستُ. " تأخرا " حيّان وعائشة". الخوف في مثل هذه الحالة يكون أكثر مما في أحيّان من حالات الحرب والقتال. يمكن أن يختطفهما مسلّحون. اشعر بأن شيئاً ما سيحدث لا تحمد  عقباه"
 حملت المنظار. صعدت إلى سطح البناية. شعرت أنني أبحث عن إبرة في الرمال.
تجمعات بشرية، مزهوة بالألوان، ومياه البحر تُضفي على الشاطئ والرمال والناس جمالاً. أمواج  خفيفة. . شريط من الرغوة يغطي الأقسام السفلى للصخور.

الشمس دافئة. الشوارع مزدحمة. تعجّ الأسواق بالخضار والفواكة، والباعة.
وجهت المنظار. أدرته جيداً نحو برج حمود، علّي أرى أبا سركيس. رفعتُ صوتي قليلاً، وأنا أتفقّد السطح. أحدّق في الزوايا، والمداخن. تساءلت: عمّ يبحث أبو سركيس الآن؟ عن أي شيء يفتش؟
كان يتوقع قدوم عائشة  وحيّان ليشربا معه القهوة الصباحية. . أعتقد أنك تحلم، لأنك لا تعلم ماذا يجري، وما يدور بين قلبين غمرهما الفرح. أصبح حيّان يا أبا سركيس من روّاد البحر. أسكرته رائحة عائشة الطيبة، ورائحة الأمواج، وجسدها العائد من جديد إلى المواجهة. كما كنت أتصوّر وأتخيّل في مرآة ذاكرتي. حدثني بعد عودته من النزهة وعائشة تستمع دون أن تتدخل، لكني طلبت منها بإلحاح أن تقول شيئاً ما!.
- لقد تأخرنا عليك يا محمود. الزمن مع عائشة يتلاشى بسرعة. قلبها فتح أشرعته للهواء والرذاذ، فاندس جسدي مغموراً بدفئها. أصبحت كزورق يفرد أجنحته. يدفع الماء من الجانبين  رأسها يتقدم جسدها نحو الشمس والدفء. وماذا أقول لك؟ لا استطع أن أعبّر عما يجول، ويتجوّل في أفكاري وقلبي وروحي. لقد فتح القلبان نافذتي أقفاصهما، وبدأت زغاليل روحينا تدغدغ شعورنا وإنسانيتنا.
عائشة إنسانة لا تعرف الشرّ. الحياة أثكلت قلبها، وأدمت جسدها أيدي الأشرار.
انشرحت عائشة، تطاحنت همسات دافئة، ونبضات في داخلها. لم تستطع الانتظار!
- في طريق العودة مررت أنا وحيّان في شارع طويل. تذكرت الحوادث التي لوعتني طوال حرب السنتين. أمكنة كانت مسكونة بالحب. أصبحت ملجأ للموت، ومدفناً للأموات. إنها خرائب وعفن وجثث وركامات. لكن مشوار اليوم فتح جروحي. أعاد الثقة إليَّ. عادت الأحلام إلى قدسيتها  ومشروعيتها، وهذا من حقي ومن حق كل الناس أن يفكروا ويحلموا كما يريدون. يفكرون بالحب والحياة والهدوء والأهل والأحباب... لم أتوقع أن يقف حيّان إلى جانبي هذا الموقف. تأكدت من نواياه الصادقة. تساءلت كثيراً: هل نسي حبيبته؟..
 بقيتْ واجمة. تعُيد إلى ذاكرتها زمن الخير والسعادة. لم تنسَ أن تقول: آلامي تنزف من جسدي!.
 أثنيتُ على موقفها. شجعتها قائلاً: سنبقى نحمي جسدك حتى تلتئم جراحك. لقد وصل صوتك إلى كل المنابر، ولكن !..
- ولكن ماذا يا محمود؟
 الغروب يمسح وجه الأرض والجنود والشوارع المعتمة. تخرج من النوافذ أضواء خفيفة  كنّا نشعر أنه مع هبوط الليل تبدأ الحرب، هكذا تعودنا، فالشوارع خالية صامته كأنها تنطق بحدوث مفاجأة ما !. البحر وحيد غادره الزوّار والأصداقاء. ودّعهم بثورة من الأمواج الهائجة، وخَلَت شواطئه من البواخر والزوارق.
توقفنا عن الحديث حينما دخل أبو شاهين. عيناه تتجولان  في وجوهنا، كأنه يحمل جعبة من الكلام القاسي. يريد أن يبوح به، لكنه تراجع وصمت مثلنا، ثم دخل إلى غرفته. انزوى في سريره. لم نعرف بعدئذ كيف قضى ليلته!.
استغلّت عائشة خروجه، جهّزت إبريقاً من الشاي، فكان طيّب المذاق، مع صفاء الليل وهدوئه.. وامتدت أحاديثنا حتى الصباح.
كنت أراقب حيّان، وهو متمدّد فوق سريره، يشعل سيجاره بانشراح، وعائشة في الجهة المقابلة. . قلبان وليدان يتقاربان، ويعيدان همساتهما، وضوءهما. . تتجاذبهما أفكار جميلة تنبسط أمامهما، وتتقاطع خالية من الغبش والعتمة.
- الصمتُ يجرف أفكارنا. كل واحد منّا يطلق العنان لرأسه وخياله. تتوزع أحلامنا وأفكارنا. نرصد في دواخلنا وقلوبنا، النهار القادم. نتساءل معاً. يتساءل كل واحد : " هل يعود القتال؟ هل تعود القذائف".
- أقول لكم، إنها هدنة  مؤقتة. . اعتدنا عليها. قواتنا تُعيد تجهيز نفسها.
" قواتهم" أعلنت التعبئة العامة، والتطوع الإلزامي لكل قادر على حمل السلاح من الذكور والإناث.
بقي حيّان صامتاً. تلفّه غيمة، كذلك عائشة. صمت ينذر بالأخطار. لكننا لم ندرِ بعد ذلك كيف غطتنا ستائر النوم، ونحن نعشق صباحاً دون نيران، وإطلاق قذائف!

- 21-

كانت الجولة الأخيرة إلى بيت خالي، قبل أن يعود القتال، ويمتد. أثناء ذلك تعرّفت إلى عائلات سورية تعيش في بيروت منذ عقود، وتتوطن بـ "الأشرفية" و " الزيتون".
وفي أمسية هادئة جميلة تطلعت من النافذة في هذه المنطقة المرتفعة نحو جسر الموت. يبتعد بصري. يتوزع فوق أوتوستراد النهر والدورة مروراً ببرج حمود. كل شيء عادي.
يزدحم الصالون في بيت خالي بالرجال والنساء. بعضهم يعرف أهلي، لكني أراهم وأجالسهم لأول مرة. أحاديث حميمية، ودافئة  عن الحياة، والناس والأهل والعمل والحرب، والأجور  والغلاء  والترف والهجرة والموت و.. و...
دارت نقاشات. . تقاطعت الأحاديث بين هذا وذاك. أصغيت وبانتباه.
رغبتُ في الاستماع إلى كل الأشياء التي أوافقهم عليها والتي أعارضهم فيها... حمّلني " أبو منصور" ذكرياته عن فلسطين  في أربعينات هذا القرن، حينما كان يرافق والدي للعمل عند الخواجة " مردخاي" في حيفا، وكيف كان يتقاضى أجرته مقابل إطفائه ضوء المصباح في يوم السبت.... أشار إليَّ: انظر. هذه بنايتي. عمرّتها  بتعبي. أما الآن يا بني فالأحوال تبدّلت. إننا ندفع " الخوّات"  كل شهر ولا نستطيع المعارضة.نحن بين نارين: بيوتنا ملكنا، وأعمالنا هنا في بيروت، ولا نقدر تركها أو بيعها بأسعار رخيصة. .. ( خوّات) ندفعها للمسلّحين. إمّا أن ندفع أو نشاركهم في القتال. فالدفع أهون بألف مرة من حمل السلاح ضد أبناء شعبنا من سوريين  أو لبنانيين.
كانت يد خالي ترتجف، فتهتز صينية القهوة، وحين يتوجه بالحديث إليّ تغرق عيناه بالدموع. المرة الأولى التي ألتقيه، وأتعرف أبناءه. هو الخال الوحيد من بين خمسة أخوال بقي في بيروت، حتى إن أبناءه  هاجروا إلى أمريكا واستراليا.
بعد عودتي إلى برج حمود قمتُ بتلخيص ما جرى من أحاديث، فانتعش حيّان،     كأن شيئاً ما يشده، ولديه الرغبة الجامحة  في معرفة المزيد.
 قاطعني :- قرُبى وطيدة بين السوريين واللبنانيين، صلات تاريخية وحضارية، ودموية عميقة. شعب واحد في بلدين_
تابعت: توجد نزعة عند البعض، نزعة إقليمية. هؤلاء متنكرون لأصولهم.
هذا الإكراه، وهذه النزعة يغذيان الروح الانفصالية من خلال رؤية " المتفوق"
الحديث يكاد لا ينتهي، حينما أرغب في تغييره، أوجه الأسئلة إلى حيّان، كأني صحفي بارع.. وتأتي الأجوبة ناقصة. وكلما تعمّقت بالأسئلة، تآكلت أجوبته!.
فيصل إلى حالة من العجز، فيبدأ هو يتحايل ويبدل الحديث، ويبث في قلبي ذكريات الأيام الموجعة. ." " ألا تذكر يامحمود الأيام الأربعة. أيام الخوف والموت البطيء التي أمضيناها قبل رحيلنا إلى " الدورة"  و"برج حمود". كنّا نتمنى أن نجد رغيفاً من الخبز أو حفنة من البرغل. الأتذكر الشاحنة الكبيرة التي وقفت في ظل "بناية مسعود" محمّلة بالخضار والفراريج والفواكه. بقيت طوال أربعة أيام صامدة، إلى أن تعفّن كل ما فيها  وصارت تخرج روائح كريهة، كرائحة الموت".
- " تنذكر وماتنعاد". حلاوة هذه الأيام في إعادة صياغتها كذكريات... ذكريات تحمل جمالية خاصة. تحمل الحب و التآخي والخوف والمرارة. ويمكن أن تحصل معنا في المستقبل حوادث أكثر مرارة وسخونة، سنحكيها لأولادنا وأصدقائنا. ولاندري اليوم، هل نظلّ من الأحياء؟ وإذا عشنا سنكتب مذاكرتنا التي تحكي عن هذه الذكريات!
 حين انبلج الصباح وانكشفت أسرار النهار  ومدّت الشمس أذرعها نحو النافذة ضحك حيّان، قال متفائلاً:
- " الليل هادئ، ويبشّر النهار أيضاً بالهدوء ". فتح النافذة، مدّ عنقه. داعب الهواء وجهه وشعره. شاهد الناس. السيارات والحرّاس. تلمّس المنظار.
يريد أن يُلقي بصره على البيوت الساكنة. . على البيت القريب من مقرّنا. أراد أن يجدد زياراته لصديقه الحميم، بعد أن تفقّده بمنظاره. تمتم: " صحن الدار خالٍ من الناس سوى نبتات  خضر، تُضفي جوّاً ربيعياً.. ها.. ها" وضحك، وهو يتراجع إلى الخلف، يحني جسده ويتربع فوق سريره.
اسكت يا أخي! هل تحاكي روحك؟ خلصني من المنظار. لكنه لم يجب.وأعاد الكرّة مرة أخرى. محاولاً دفع رأسه نحو الخارج، يدوّره كالرشاش في كل الاتجاهات، عدا البحر بقي معلقاً من قاعه في رأسه، عدا مشوار الأمس الذي مازال يندّي صفحتي جبينه، ووجنتيه.
- لا تزد وجعي. أبقيتُ كوّة مضيئة، ساهرة خلف روحي، تمسّد جسدي برطوبتها ونداوتها  وحبّها.
- هل تقصد عائشة ؟
- نعم !!. . حين مرّرت أناملها فوق ذراعي وعنقي، شعرت بانسحاب  الظلام من نفسي وروحي. تحوّلت البقعة المعتمة إلى بقعة مضيئة. ألا ترى الضوء يغالب أشعة الشمس.
- تبالغ !وهذه أحلام مازالت تعشش في زوايا جسدك المتآكل، وروحك التي روضتها الأيام العصيبة. فقدك حبيبتك سمر، ونزوحك عن " الكرنتينا" أفقداك أجزاء هامة من عقلك وذاكرتك!
 ونحن في هذا الجدل الحامي.دخل حاجب " قا.ك". كان يتحدث ويشرق بلعابه، وبالكلمات. آثار النوم وبقايا قذى يتجمع على أطراف عينيه. أشار بيده إليَّ فهمت فوراً. حملت نفسي، قادتني قدماي إلى مكتب " قا.ك" وبقي الحاجب يوشوش لحيّان بكلام صبياني.
" قا. ك" ومساعده " رئيس الأركان" يجلسان حول طاولة  حافلة بالصحون، وأشكال متنوعة من الطعام الساخن والبارد. يتصاعد بخار الشاي. تتسابق الأيدي  والأنفاس  تلهث، مترافقة مع طقطقة أسنانهما.
أدّيت التحية. دعاني " قا.ك" إلى تناول طعام الإفطار معه. المرة الوحيدة التي يدعوني فيها، وبهذه القوة، وهذه الحماسة. كانت عندي رغبة في الأكل، لكني تراجعت خطوة نحو الخلف. انتظرت الأوامر، والتعليمات الجديدة!!..
عند عودتي، كان حيّان يرّتب حديثاً جديداً  له صلة بحديثه السابق، كأنه يتلو مقامة!
 - الأنوثة تتوجس في داخلي مشاعر غريبة. عائشة من الداخل جسد غضّ يبرق شعاعاً، فعندما رفعت تنورتها، وغطّست ساقيها في ماء البحر، كنتُ ألتهب وأتوهج. ودون شعور غطست أصابعي في حقل الألغام. تلمست ثدييها الناضجين. كان شعرها يغطي وجهها، بينما عيناي تتسمّران باليم والأفق. تودعان السفن المغادرة. أَرْختْ عنقها. ألقته فوق فخذي، كلما  ارتفعت حرارة الشمس. ارتفعت حرارة جسدينا في سلّم الروح.
- معهم حقّ يا محمود!
- مَنْ هم ؟
- المغتصبون الذين رووا ظمأهم من هذا الجسد!
شهوتك تدنّس نفسك. هل تخون الخبز والملح! أنت الذي حرستها طوال هذه المدة، وبصقت في وجه أبي شاهين، حين علمت أنه ضاجعها مرتين في الليلة الأولى.وأنت الذي كنت تصطاد المسلّحين الذين شوّهوها. وكنت تردد :" فداك يا عائشة! هذا مسلّح يسجن فوق جسر الموت. كم رشاشاً أسكتّ؟ وكم ملاّلة أخرست؟" وأنت تحمل بندقيتك خلفها، تحميها من القناصة. الآن تعود للغوص في الأحلام. إني أرى ما يخالف ذلك تماماً. إنك تبدأ تحرث أرضها، وتغير ملامح تضاريسها، بأصابعك، وفمك. شفتاك تمسحان لعابك، وشهوتك!.
- اشرب القهوة يا محمود. سُكّرها خفيف كما ترغب!
حمل منظاره. صوّبه نحو منزل أبي سركيس، ثم وضعه في رأسه. كانت فسحة الدار تتألق، وتتوهج بالزريعة الخضراء. وكانت عائشة، وأم سركيس، وأبو سركيس، يتحلقون حول طاولة صغيرة، يرشفون القهوة. ترتدي عائشة قميصاً شفافاً، يتضوّر فوق جسمها نضوجاً. ينسدل شعرها فوق كتفيها، يرتخي براحة تامة.
تصوّب عينيها نحونا. هي تعرف أن حيّان يحمل المنظار، وفي هذه اللحظة يفتش عنها، يساوره الطمع في لقاء آخر، اكثر حرارة من اللقاء الأول.
امتدت أيام الهدنة. وكان الأسبوع يقترب من نهايته. أخذت العناصر حريتها في الحركة، والتحرك. تكفي إشارة واحدة حتى تتوقف أفخم سيارة، لتنقل "عبد الله أو عمر" وسواهم إلى ساحة البرج، أو أي منطقة أخرى.
وقفتُ إلى جانب عبد الله عند الحاجز، قبل بداية الجسر الذي يؤدي إلى نهر بيروت. جلست مكانه على الكرسي، وهو يحمل بندقية " أخمص طيّ" ويتزنّر بنطاق جلدي، تصطف حوله مخازن الذخيرة، والقنابل اليدوية. ينتفخ صدره من مخازن أخرى مدروزة بشكل أكثر فنّية، وحضارية.
كان عبد الله يؤشر للسيارات بالمرور باتجاه " الدورة" وعنصر آخر يؤشر للسيارات بالاتجاه المعاكس يقرأ قراءة جيدة حتى إنه كان يتهجّى الحروف الانكليزية أو الفرنسية.
 كنتُ أتفحّص المارة، وعبد الله يقلّب البطاقات الشخصية. يدقق بالأسماء وسمعته يردد " جون" ثم يقول. تفضّل مستر.
- قراءتك ممتازة يا عبد الله!
- لم أنجح في الكفاءة. تركت المدرسة، وعملت في الزراعة، والآن ها أنذا معك فوق هذا الجسر.

السيارات تخفف من سرعاتها عند وصولها إلى أوّل الحاجز، وعبد الله يليح بيده لها كي تمّر. يطمئن أكثر إذا كان السائق امرأة، فيبدأ يدردش معها، وتخنقه رائحة دخان سيجارتها. وأذا كانت السيدة أنيقة وجميلة، يفتتن بها. يحتار ماذا يقول لها" من فضلك أطفئي سيجارتك!". تداعبه بغمازتها، وتقدم له قطعة من البسكويت. لكنه كان يرفض تناول أي شيء. فيقطّب جبينه، ويشدّ على بندقيته يتحسس المخازن، والجعبة  الصدرية، بعدئذ يسمح لها بالتحرك.
- فتّش يا عبد الله السيارات تفتيشاً جيدا، ألا تعلم أنه في حالات الهدنة ووقف إطلاق النار، تستعيد القوات المناوئة نواقصها، وتستعد أكثر ( تخزين الأسلحة والذخائر). ونحن كذلك ألا تتذكر، حين بدأ القتال ولم ينتهِ، كيف تمَّ إحضار الأسلحة والذخائر والمؤونة، كذلك لاتهمل واجبك. هذا النداء الحار الذي جئنا من اجله، ومازلنا نقاتل من أجله بإرادة واحدة، وموقف موحد. وهذا هو خيارنا الوطني..
كأن هذه الكلمات أيقظته، ونبهته أكثر، فبدأ يدقق في البطاقات، ويفتش السيارة، غير مكترث برتل السيارات الطويل. يقلّب المقاعد. يبحث بين دفتي أبوابها.
ويرفع الغطاء الخلفي. أنه عنصر حريص كل الحرص، ليس كغيره " ابتسامة واحدة، صفراوية  تسيّل لعابه، فيتلهّى معها، ويترنم مع غنجها " يطقّ حنك معها"  بكلام فارغ وغير مسؤول ".... أنت أصيل  وابن اصيل.
تحفّزت مشاعره، ونفر الدم إلى رأسه. أجابني بمعرفة تامة وكاملة عما يدافع، وفي سبيل مَنْ هو موجود في هذه المنطقة. [ أريد يا محمود حماية عائشة. ألم تسمِّ أنت بيروت بـ " عائشة"]
سألني :- هل سمعت بعودة المساعد الاحتياط؟
- نعم سمعت عنه حكايات وألواناً من الأحاديث والقصص الغريبة، وعن عذابه طوال شهرين في أقبية المجلس الحربي " وهل تتذكر يا عبد الله حينما رحلنا من تعاونية موظفي الدولة" وتوجهنا إلى هذا المكان " برج حمود" انضم إلينا  عدد من الدبابات والعناصر وأصحاب الاختصاصات العسكرية. من أجل مساعدتنا، ولكن كميناً مسلّحاً كان يرابط قبل الجسور، فأحرق " ملاّلتنا". استطاع المساعد أن يقفز منها، وهي تشتعل. أما المجندان الآخران، والمرافقان له فاحترقا، وانصهرا مع الحديد والنيران، وتفحما هيكلان بشريان. أخطأ المساعد، فبدلاً من أن يتوجه إلى برج حمود، توّجه نحو المجلس الحربي، أصبح في منطقة خطرة جداً، وأسر. وبعد أيام تمّ نقل الملاّلة المحروقة إلى مقرّنا الحالي، بواسطة " ب ـ ت ـ ر" ومازال اللحم والشعر والأصابع تلتصق بالحديد.. العظام مطحونة، ومهروسة، سوداء. جمجمتان متفحمتان. إنهما شهيدان آخران. نبهتُ عبد الله لإيقاف سيارة مسرعة تهبط فوق الجسر باتجاه الدورة. فأشار لها بسلاحه للتوقف. . تمّهلت، وتدرجت، ثم توقفت. تبدو علامات الخوف على وجه السائق. كأنه يتحايل، ويتحفّز للإقلاع بسرعة جنونية. أدركت أنه إذ فعل ذلك سأطلق النار على عجلات السيارة !يبدو إن ملاحظتي لم تكن صائبة أو أن السائق غيّر نواياه، حينما أدرك أن وجود أكثر من اثنين، وأسلحتهما جاهزة لإطلاق الرصاص، توقف !
طلب عبد الله البطاقات الشخصية للركاب الخمسة، واتجهت أنا إلى السائق أطلب منه البطاقة الشخصية، وميكانيك السيارة. تأكّد عبد الله أن الأسماء الخمسة تتشابه، ودقق فيها أكثر من مرة، وفتش السيارة بتمهّل.
امتدَّ شريط السيارات نحو مئة متر. ولم يجد بعد هذه الجهود إلاّ مسدساً حربياً، فأنزل صاحبه، وسمح للسيارة بالانطلاق، ثم رافق هذا المسلّح إلى مكتب " قا.ك".
اقترب عبد الله مني متحمساً يطلب إكمال قصة أبي رأفت. اضطررت أمام إلحاحه أن أُتمم له ما تبقى منها" أصبح أبو رأفت أسيراً. سمعت اسمه من إذاعة " صوت الكتائب" في بيروت الشرقية.. عندما أُدخل معصوب العينين إلى سجن تحت سطح الأرض بعشرين درجة. أرغموه على خلع ملابسه الخارجية وظلّ بملابسه الداخلية. خلّصوه من الهوية العسكرية، والساعة، وراتبه، وادخلوه إلى غرفة التعذيب، وانهالوا عليه بالضرب، واستخدموا الأسلاك الكهربائية، والدولاب، وطريقة الكرسي. علقوا قدميه في السقف. أربع ساعات كوجبة أولى. . وفي الليل أوقفوه على حافة تشرف على بئر عميقة، ولا تتسع هذه الحافة إلاّ لوضع قدميه. وطوال الليل كانت نقاط المياه الساخنة مرة والباردة مرة أخرى تنقط على رأسه. وثبتوا يديه خلف ظهره. شهران في زنزانة رطبة، كريهة، لم يرَ الشمس إلاَّ قبُيل الإفراج عنه بثلاثة أيام، لكنه صمد ولم يبح لهم بأية معلومات عسكرية".
حين أبدل عبد الله نوبة الحراسة، وتوجهت إلى الغرفة أفتش عن حيّان، لكني لم أعثر عليه، فوضعت  المنظار، ربطته جيداً إلى رأسي. دورته نحو منزل أبي سركيس.
طال الانتظار. عيناي تبحثان في الشوارع والبيوت عنه. تخترقان زجاج النوافذ. تمران على الزوايا والسطوح. وحينما فقدت الأمل بعودته. تكوّرتُ فوق السرير وبدأت أفكاري تحبل بحكايا، وأقاصيص مُختلقة  من الذاكرة. أتصوّر أحياناً دروباً معشوشبة، وفي أحيان أخرى يأكل جوانبها القحط والبارود. تتابعت الصور. التصقت بجدران الذاكرة، كأنني أزور متحفاً " جثث في سن الفيل- الإجازة. الشاطئ المتآكل. الروائح الكريهة. القذائف. دمشق الهادئة. الجسور. القنّاصة الرشاشات." أبو ماركو" وو....."
فتحت النافذة. تدفق الهواء. اندفعت صورة من الذاكرة، ترافقت  مع رؤية حيّان خلف رشاش " 14.5مم". يحبّ حيّان أن يتعرّف أسلحة جديدة من غير اختصاصه، ويتجول على نقاط الحماية والحراسة حول شركة التبريد، حيث يوجد "قا.ك".
في هذه الأثناء كانت الشمس تنحدر. تغسل أشعتها الأفق الحزين. تودع المياه الراكدة. تجرّ أذيالها  إلى عالم آخر، يمكن أن يكون أكثر أماناً، واطمئناناً!
 قلت مع نفسي. " سنبقى على هذه الحالة، وماذا تكون النتيجة؟". هل أستطيع أن أرفع عالياً شارة الوداع لبيروت، أم أُحمل في كفن؟ في الحالتين سأودعها، لكن قلبي لن ينساها، فهي تسكن تحت ظلاله. . هناك وبين فلقتيه تتفيأ، وتكبو  وتنام. .
وحيداً أبحث عن حيّان وعائشة. يكاد النهار ينتهي، ويمتد الغروب على امتداد البصر، تهجم العتمة على الغرفة، ولن تتوقف! ازداد الهمس الجوّاني. والحيرة كأنني أفقد شيئاً ثميناً من جسمي، ومن حياتي. أيعقل أنهما تجاوزا خط التماس إلى بيروت الغربية؟ لا اعتقد أنهما يتركانني وحيداً، أجالس الوحدة والهواجس، والهموم! هل يكون حيّان قلب المواقف رأساً على عقب، وقلب الصورة  الجميلة، ودغدغ عواطفها، وبثَّ فيها الشجاعة، للالتحاق بالمنطقة الغربية، حيث الأمان أكثر، والحياة أيسر.
أسئلة شاردة تواردت إلى ذهني. تحركت هواجسي، وتطايرت أحلامي. أُصبت بالاضطراب النفسي والغليان. تمنيتُ أن أنزوي وحيداً في أحد أركان الغرفة، وعدم رؤية الشمس والقمر ووجهي، كأن حيّان يشدني من كتفي  ويدفعني أمامه. فتناولت  المرآة من محفظتي وكسرتها!. تمنيت ألاَّ يعكر هذه الحالة أحد من ثقيلي الدم. شعرت أنني في قمة توهجي قبيل حلول الليل. أما الآن فانطمست وتلاشت الصور والأحلام من خيالي الذي تحوّل إلى نتفٍ متقطعة، منثورة، وموزعة في الجهات الأربع.
كنتُ أسمع صدى طلقات نارية، يحملها الليل ويوزعها فوق الجسور.
يُعيدني هذا الصدى إلى الأيام الغابرة، رغم أننا تعودنا عليها...
 عودة القتال إلى ما كان عليه أصبحت أكثر الاحتمالات. عوّدنا جسر الموت على "الاستمتاع" بصوره المفجعة، وآلامه، والجثث المتلاحمة معه، والسيارات المعطوبة المقطعة التي ما تزال تتمسك بها أيدٍ دون سواعد.
يسير الليل، ويمشي يسحبه القمر معه. خطوات وئيدة  بلا أنوار، سوى بصيص يتنقّل مسايراً الشاطئ، كأنه يمر أمامي، فيبعث الأمل مشوباً بالسواد. يعود الحلم قاسياً، صلباً يلثم جدران قلبي، وقاع ذاكرتي.
أنهض ثم أجلس، وهكذا. لم يبقَ من الضجيج شيء. عند انتصاف الليل، بدأت الدقائق تنحدر نحو النهار. قطعتُ أمل عودتهما، فأغلقت باب الغرفة، وتركت النافذة مشرِّعة دفتيها، كي لا أنسى أنني وحيد. بقيت أقدام الحراس وهمساتهم، وبصيص سجائرهم، ورائحتها، تدقّ مجتمعة على طبلتي أُذنيَّ. ودعت كل الأشياء، الجميلة منها، والقبيحة، ونمت وحيداً، قلقاً، أحلم بشمس الصباح. وبهواء خالٍ من رائحة الموت، والقذائف. وببحر تنحني أمواجه نحو السفن الراسية، المحملة  بالسطحين والمؤونة  والمهاجرين، وأسواق تجلجل فضاءاتها بالغبار، وأصوات البائعين، وبرائحة الخضار والسمك والفواكه الطازجة، والأرصفة تزدحم بالناس، والعشاق.

أحلم وأهجس، متوجاً بالأمل. أسحب أضواء النجوم نحوي. أسوِّر سماء الجسور، وبرج حمود بها. أبني جدران بيت المستقبل لبنة لبنة، ونجمة نجمة..
لم يَعُد رأسي، ولم تعد غرفتي. .. لم تَعْد الأشياء الفارغة تتسع أكثر، فالحمل يزداد ثقله، ويتراخى الجسد، ويضعف. تتقطع حبال القلب، وتطفأ  الشمعة الأولى، تطفأ. ولن نشعلها إلاَّ في العام القادم  وبهذا التاريخ وهذا اليوم:







* جسر الموت *

-1-

جسر الموت جسد بلا روح. جسد من الأسمنت المسلّح. أنهكته الدبابات والمجنزرات والأقدام العارية. مشت بين جنباته جموع بشرية في الذهاب والإياب من سن الفيل إلى بقية أجزاء بيروت الشرقية.... وجوه تائهة، غضبى، حزينة، ثكلى، فقدْت قلوبها، لاتعرف الفرح، ولا الهدوء والاستقرار، وأين ترسو وأين تكون المحطات الأخيرة‍.
كل مَنْ يساوره الشجن أو تهمس في روحه رغبة أو يشتهي أن يخطو على هذا الجسر يتلو الصلوات. يتضرّع بخشوع إلى السماء. يمكن أن يكون الحظ حليفه، وتنحرف عنه قنصة أو قذيفة.. يتنفس الصعداء عند نهاية الجسر، وما يكاد يقطعه حتى يبدأ يلعن الحياة، والحرب، والقتال، والتدمير. يلعن أسرار المدينة، وقدسية حضارتها، وعراقتها التي دفعته، قذفته من أحضان بيته غير الآمن....
هذا هو " الجسر الواطي" الجسر الذي يربط بين البيروتين الشرقية والغربية. سمي بـ " جسر الموت" لأن آلاف الأرواح زهَقَت فوقه. تحوّل إلى مدفن في عراء الموت! 
صورة تتشبث بروحي، تضغط كآلة كلما حملت المنظار، ووجهته إليه أبحث عن أشيائي المفقودة.. أبحث عن حيّان الذي لا أستطيع القيام بأي عمل دونه..
كنت أبحر في نهر عريض، أقلّب التداعيات، فينهرس بعضها، ويتقطع بعضها، وتخرج أجزاء ملونة، أو محروقة، تلّف أذيالها حول عنقي، تربط لساني، تقيّد أفكاري، تحاصرها، تمنعها من المشي في أوردتي.
الآن توقفتُ هنيهة، حسمت موقفي، بعد أن بدا حيّان، وظهر يحمل فَرَحاً. سألته  بتودد وشوق ومحبة : لماذا تأخرت حتى هذا الوقت؟ ألا تعلم أن "قا.ك" كاد أن يوجه برقية إلى جميع النقاط في برج حمود وسن الفيل، وبيروت  الغربية‍‍
ليلتان كاملتان تغيب عنّا. ألا نستحق منك خبراً تكتبه في ورقة صغيرة أو تكلف أحد العناصر بإبلاغنا‍! سألت أبا سركيس عنك. لم يجب أبداً!‍ كنت متأكداً - الحاسة السادسة همست بالجواب- انه أوصلك، أنت وعائشة إلى بوابة المتحف. أمّنَ عليكما من الأخطار. وضعكما في سيارة صديقه، وغبتما ليلتين كانتا حالكتي الظلمة.
أنت الآن ليس كما عرفتك. أشعر أنك تغيرت، وتبدلت أفكارك  وأحلامك. وجهك يقطر من الوجنتين. تساؤلات مخزونة في داخلك. .. تكلم يا حيّان ‍ أين عائشة؟ لماذا لم تَعَد معك؟ أين هي الآن؟ هل كرهتنا.
ولماذا التجأت إلى بيروت الغربية؟ لماذا اختارتها في هذه اللحظات الحاسمة من حياتها؟.
"كشف عن أسنانه، بابتسامة  لوّنت ثغره بالألم، والتعب والخوف !"
- لاأريد أن أنقل آلامها إليك. يكفيك كل هذه الشهور، وأنت تحميها وتحافظ عليها كأنها جزء منك. . الآن! قررت عائشة أن تدافع عن نفسها، وتتحمل المسؤولية كاملة. حملت المنظار معها. ستنضم إلى إحدى فصائل المقاومة المسلّحة في بيروت الغربية. لقد قسّمت جسدها وروحها. تريد أن تجتاز جسر الموت ثانية. وكذلك عشاقها أرادوا العبور وراءها. رغبات مجنونة تلحّ عليهم  لملاحقتها أينما ذهبت. بيروت الغربية أكثر أماناً من بيروت الشرقية. هناك القوى  الوطنية  تسند ظهرها، وتحميها وعدد من القطع العسكرية التابعة لقواتنا.تدافع عن هذا القسم من بيروت، تتوزع في الشوارع والأحياء، والمخيمات. . هكذا أرادت وهكذا كانت رغبتها. أن تنزع من قلبها ومن جسدها الأوجاع التي أدمتها، وأن تصلي دائماً وأبداً، ناظرة دائماً إلى الأمام دون أية التفاتة إلى خلفها.
وعندما وصلنا إلى الجسر، ولامست أقدامنا أرضه، تمسّكت عائشة  بحافته  المصدّعة، وضعت المنظار إلى رأسها. ثبتته جيداً، وبدأت تمسح ببصرها المناطق كافة. مرت على  جميع الدوائر والأقواس الباردة والحامية، ابتداء من برج حمود، والدورة. بقيت دقائق تدوّر منظارها، بينما كان أبو سركيس يلّح عليها للصعود إلى السيارة. " أسرعي يا عائشة، القناصة فوقنا، وهاهم يصوبون بنادقهم إلينا، ولم يمهلونا أبداً. انهم يراقبون السيارة بدقة، ويتابعونها).
 تحركت سيارة تحمل رشاشاً من عيار"500"، يدور باتجاهنا. كانت عائشة تحيا، وتعيش وتنبض في داخلها لحظات الوداع المرّ بعدما صبرت وقاست، وعانت من التشرد والفواجع التي تكلّست في قلبها... رغم ذلك لم تفارقها الابتسامة.
- تجمدّت الكلمات في حلقي - قلت: لماذا تخاطر، وتغامر بهذا المشوار؟...
- الآن يصعب وداعها. لوبقيت معي لما تنفست غباراً ورماداً، ولما كانت هذه الشهقات من التعجب والاستفسار ولما تحفزت أنت يا محمود وأهدرت الوقت في البحث عنَّا!
 تمنيت أن تكون معنا، ترافقنا، وأن ترى من قرب جسر الموت، هذا الجسر " اللعين". إنه يسكر بالدماء. لكنتَ لا تقترب من مائدته العامرة بالجثث، والعظام وأقسام من رؤوس تتبعثر فوقه أو تتدثر في الحفر. والسيارات ترتاح، تنام معطوبة، تتكئ على جوانبها، أو تستلقي على ظهرها، تطلّ من نوافذها رؤوس أطفال وشباب وأمّهات. . عيون نفدت مياهها، وقطرات دماء غيّرت ألوانها الدموع. كل شيء أسود...وما أدهشني ذاك الرأس المطحون. أعتقد أن صاحبه حاول أن يدفع رأسه للخروج، ولكن باب السيارة أطبق عليه فظلَّ محصوراً، سقطت ( وجبة ) أسنانه السفلى على الأرض، وقطعة من لسانه مازالت طرية تمتصها الديدان والحشرات.
ماذا أقول عن جسر الموت! أعجز عن الوصف، وتعجز أحدث الكاميرات أن تقترب منه، وتأخذ صوراً، كشواهد للتاريخ.
جسر الموت مصيدة، كل مَنْ حاول السير فوقه، أو الاقتراب منه اصطيد بقذيفة أو قنصة. هل تذكر تلك الأيام، ومرارتها حينما اضطررنا إلى اللجوء لفصيلة الكيمياء القريبة منه؟.
- طال بنا السهر، وحيّان يزداد شوقاً للحديث عن هذا المشوار، وعن جسرٍ تحدث عنه العالم. رحم الله منظارك يا حيّان! لقد فقدت قطعة من حياتك، فكيف تستطيع الآن العيش بدونه؟ والبحث عن أنوار البيوت، ووجوه النساء، وعن أجسادهنَّ الراقصة أو النائمة فوق أسرّة حُبلى بالليل والغنج والهمس والمطاردة!
سألته : - متى تعود عروس البحر؟ متى تمشي فوق رمال الساحل، وتختال عند الغروب ضاحكة للماء والموج والشمس؟ تتفرّس بالوجوه الغريبة، بعد أن تعوّدت وجوهنا، وارتاحت  لها، وإلى أحاديثنا  وقصصنا، وحكاياتنا، وسهراتنا، وخلواتنا، وضحكنا، وقهوة أبي سركيس. رغم بشاعة الأحداث التي طُبعت بخاتم الازدراء، وغُمست  بالدماء البريئة، رغم تصدّعه وتفككه وألمه، وحفره وتهشمّه  وتكسّره وتآكل. وانهيار جوانبه، ظلَّ جسر الموت نقطه اتصال وتلاقٍ بين الفرح والحزن، وبين الموت والحياة.
فوق جسر الموت عبرت شاحنات كتيبتنا، القادمة من جسر " الباشا"، سن الفيل، فجسر الموت، وصولاً إلى نهر بيروت، أوالسيارات العائدة ستمر فوقه أرادت أو لم ترد ، رغبت أو لم ترغب: يشرف على نهر بيروت الجاف ذي الذقن الملساء.
كل الأشياء مكروهة. كل الأشياء تنتهي فوق هذا الجسر. يتواصل القنص، وتصوّب الرشاشات والمدافع والراجمات سبطاناتها إليه، ورغم ذلك كان بصيص الأمل يتقافز، وينطُّ. كان بصري، يصعد ويتسلق الدرب الناهضة، كأنها تتسلق السماء. يشرئب عنقي حاملاً رأساً ثقيلاً، دائخاً.. إلى هناك أُحدّق بعينيَّ.. تتسمر عيناي في فوهات كبيرة تشكيلية. تتابع عائشة الرصد، هناك، وفوق سطح بناية عالية، بجوار خط التماس. وأولى النقاط التي تمدّ بصرها نحوها مواقعنا، وتدقق في مرابض أسلحتنا، وأمكنة منا ماتنا  تهزها أوجاع الدروب. تتسلق قلبها أحلام الأيام القادمة.
كنّا نسستمع إليها ونصغي إلى شفافية حديثها. تتوهج أفئدتنا. تضمر شهواتنا  وتضمحل رغباتنا حين تجلس بينا. نحترم صمودها وصبرها.
عائشة جسد ممزّق واهن. لم تبرحها  الآلام المتجمعة في ظهرها  وفخذيها وذراعيها ووجهها، آلام لا تزول بهذه السرعة، ستظل آثار الرضوض زرقاء، وبقع الدماء المحبوسة  تحت جلدها مكللة بالسواد إلى فترة قد تطول.
آلام تتداخل وتتشابك مع المتاريس وسواتر الأكياس في الشوارع والأزقة.
أقسمتْ ألاَّ تعود إلى الحي القديم إلاَّ بعد أن يتوحد الجسد والروح ويندمجا في كتلة واحدة. إلاَّ بعد أن تُعيد أنفاس البحر إلى قلبها الحياة، وتنظف الشواطئ والأقبية، ويخرج التلاميذ إلى مدارسهم دون خوف، ويعود الصيّادون يحملون شباكهم وصنانيرهم، ويعودون إلى أكواخ القش وإلى زوارقهم، وتُصفر البواخر حاملة الأغذية بدلاً من الذخائر والأسلحة.
قال حيّان: فقدتُ كل شيء. فقدت غرفتي وحبيبتي، وخسرت عائشة. اعتقدت أني سأرافقها حتى نهاية المشوار! رفضت، ورفضت. إنها عنيدة، واليوم أُصيبت بمرض، ولاتستطيع المقاومة كما كانت من قبل.
- لا نريد أن نهدر الوقت، لأن الغيوم تتكاثف في سماء بيروت.
- ألا تلاحظ أن عناصرنا يعبئون الرمال في أكياس، ويرتبونها فوق بعضها.
- تتكرر الأخبار والصور، ولا شيء جديد.
- تعزيزات جديدة في مقارّ القوى المناوئة.
- وسفن وزوارق ترسو في الموانئ.
- ستكون آخر المعارك، وبعدها الموت أو الرحيل!
- عناوين استفزازية، وكتّاب يشوهون الواقع، والإذاعات " الغربية" تبثّ عبر نشرات الأخبار سموماً، وأحابيل من الدجل والتهديد.
 صدرت تعليمات جديدة بإيقاف الإجازات ومنع مغادرة المواقع مهما كانت الأسباب. وتؤكد هذه البرقية المستعجلة على ذلك " إلى جميع السرايا والفصائل. كونوا على أهبة الاستعداد. ويمنع مغادرة المكان".
- تبدو الاستعدادات في هذه الليلة كبيرة!
- انتبه. اسمع جيداً. ألا تلاحظ مثلي أن الأجواء مكهربة.
- أصوات طرقات صناديق خشبية، وتنزيل أسلحة وذخائر  من الشاحنات.
- اعتقد أنها البدايات، وسنتلقى في الساعات القادمة تعليمات جديدة، وربما ستكون ساعات الحسم  النهائي.
- تعقّدت الأمور، وآخر الأنباء. " بوارج فرنسية، وقوات المارينز تحطّ رحالها قرب البحر. وساطات جديدة. ومتابعات حثيثة من الفاتيكان. دور جديد (للسوفييت)، واقتراحات ومبادرات".
- المسألة أكثر تعقيداً من ذلك.
- طبعاً! عودة بيروت إلى أمّها الحقيقية، وعائشة إلى والديها أمر كثير التعقيد.
لن يكون بهذه السهولة، نزع فتيل الاقتتال، وتشكيل حكومة ائتلاف وطني، وإلغاء الطائفية!
- دخلت في السياسة !
- في الطعام سياسة! ألا تعلم!
- نحن نقول شيئاً والصحف تكتب وتحلل، وتخطط وتتم المشاورات  وراء الكواليس.
- أتركنا يا محمود. "قا.ك" أرسل يطلب حضورك لأمر هام.
- تطابقت تصوراتي، "بريد عاجل وسرّي للغاية من " قا.ل" تماماً مع احتمال عودة القتال.
فككت برقية مرمزّة بالشيفرة. أعلمت " قا.ك" بها، ثم سلمته نصها مكتوباً، وطلب مني إحضار الخرائط في حالتي الدفاع والهجوم...
انهمك ( رئيس الأركان) في تحديد المواقع الدفاعية. كنت أراقب انشغاله، والعرق يتصبّب منه، وهو يُنقّل ويحرك ( مسطرة القائد). مستخدماً أقلاماً حمراء وزرقاء في تعيين أنواع الأسلحة الممكن استخدامها في قتال الشوارع، وراسماً الخنادق للمشاة والـ " م ر د"، ومواقع الدبابات  ومرابض المدفعية. ...
تنفّس قائلاً: ينبغي أن توزع عناصرنا وقواتنا توزيعاً جديداً وبسرعة، وأن نعزّز مواقعنا الأمامية باتجاه الجسور والأشرفية والدورة. فهناك خطة عدوانية تُحاك ضدنا. نحن هنا. كغيمة صغيرة  في سماء واسعة! علينا أن نحسب ألف حساب، وأن نأخذ الاحتياطات اللازمة وخصوصاً إمكان محاصرتنا من ثلاث جهات، عدا البحر فهو يحمينا ويسند ظهرنا. .والجسور فهي حامية لصدورنا. . وخلفنا ( الدورة )، ويمكن أن يكون تسلل القوى المناوئة منها. لذلك سنرسل فوراً جماعة الهندسة كي يلغموا منطقة الجسور والدورة، وبعض المنافذ الأخرى.
أكدّ " قا.ك" أن القوات المناوئة عُززت بخبراء إسرائيليين. إن الأفق المنظور، وكل الحسابات تدل أو تؤشر إلى أن احتمالات عودة القتال واردة وفي القريب العاجل.
صباح أسود. تمزقه القذائف. تنهمر غزيرة من كل صوب. تتراقص  الأمواج على موسيقا جنائزية. ترتجّ الأبنية وتنهار السطوح.
فتحت الأرض أفواهها النتنة. ابتسمت الطرقات المتآكلة. الأشعة الخريفية تمرر أصابعها، وتندسّ بين بيوت بيروت الشرقية. وحين تلتقي عينيَّ وترافق الأدخنة المحزّمة بألسنة اللهب، يتلاشى نور الشمس. كأنني ألقي آخر نظرة على هذا الموقع. وهذا ما كنت أتمنّاه!
 كنت أتمنى أن نترك هذه الجسور إلى جهة ما. فالسماء تُنزل علينا مطراً وحليّاً، وموتاً. يقذف البحر أوساخه وتتعالى أمواج المدّ. تغوز الأبنية في جوف الأرض وتبتلعها النيران. تدوي الانفجارات. تدوّخ الفضاء. تفرغ خزانات المحروقات أجوافها من البنزين والمازوت والكيروسين. سيارات محروقة. أكوام اللحم البشري والعظام الممصوصة. تتدحرج الرؤوس وتقطع كالبطيخ..
لن تباغتنا القذائف. دخلنا العام الثاني. تعودنا دوّيها، وكذالك الرطوبة المالحة. والنوم في الأقبية  والزوايا. كنّا نتصور أن القذائف لن تصلها. وبينما تختلط الأشياء  أمامنا  وتدور معارك ضروس حامية الوطيس، كان حيّان متفائلاً، يخفف عنّا هذه الأعباء. يقول: يضيء الانفراج ساعات ما بعد الظهيرة. يصدق أحياناً، وأحياناً أخرى تخيب نظرته وحدسه ويضمر تفاؤله. وفي هذا اليوم بالذات كان صامتاً يتحسّس رأسه، معتقداً أن المنظار يتلبس رأسه وعينيه، ورغم ذلك تشرق ابتسامته. تطلّ علينا كأنها وردة. تترافق مع ومضات القذائف، وأزيز الرصاص. يغلق النافذة. يلتجئ إلى الزاوية لمتابعة مصادر النيران.
لا خوف على مصادر نيراننا وطواقم الدبابات  والهاونات، إنها محمّية حماية جيدة  في حفر وتحيطها جدران من أكياس التراب والرمل. علمتنا التجربة القاسية كيفية حماية مواقعنا وعناصرنا، والتقليل قدر الإمكان  من عدد الإصابات.
مضى اليوم  الأول  والثاني. . والثالث. تتابعت الأيام والقتال يشتد، وفي أحيان يخفت صوته، فيسمح بالتنقل لفترات قصيرة والتحدث مع أبي سركيس الذي وإن كان لم يشترك اشتراكاً مباشراً  في القتال فهو يراقب التطورات على الأرض، ويسمع الأخبار.يملك إمكانات  وقدرات كبيرة على الربط بين السياسة والحرب ويخلص إلى نتائج صحيحة. يساعدنا في مراقبة تحركات القوى المناوئة. يبدي رأيه بثقة أمامنا، وبحضور "قا.ك" وبعض الضباط، لكنه يتشاءم أحياناً، ممتعضاً من هول الخسائر، وأشكال التدمير المرئية وغير المرئية. ويتساءل مقارناً بين ما يحدث في أواخر هذا القرن، وبين ما حدث في الحرب العالمية الثانية.
بين لحظات التفاؤل، ولحظات التشاؤم تمر سريعاً أمام نافذة ذاكرته عائشة، تدّق عليها طرقات خفيفة.
يبتسم أبو سركيس يمطّ رقبته، يمدّها من النافذة. يدلّي رأسه. يحني قامته. يتراجع بهدوء. تظل عيناه خلف الزجاج. يوزع بصره. ينثره وروداً على "الدورة" و" برج حمود". يتفاءل أكثر حينما تصل إليه أغنيةٌ أوصرخة أو صوت. وسرعان ما يلبي النداء، فيحمل الماء والطعام والذخائر وأدوات الإسعاف السريع. يعتقد أن شيئاً ما يحدث. وكثيراً ما يزدحم ذهنه بالأحداث فلا يعرف ماذا يفعل! يرتبك. تضغط انقباضات بقوة على عضلة قلبه. يتحرك لسانه بين فكّين واهنين. تتأوه بجانبه أم سركيس وتئنّ. لا تتجاسر أو تقوى مثل زوجها على فتح النافذة، واتخاذ القرارات السريعة.
أخذت مكانها في غرفة صغيرة تحت سلّم البيت. استقرت فيها. تتسلى مع القطط الهاربة من أتون الحرب. تلتجئ إلى حضنها، ومثلها مثل القطط يعرفن مصادر الأخطار والأماكن الآمنة. قطتان أليفتان، واحدة سوداء والثانية بيضاء تنتقلان بين رجليها، وترافقانها أينما تحركت. ومنذ أن تركت عائشة " برج حمود" غابت القطتان، ولم يعثر أبو سركيس وزوجه على أثر لهما. فتّشا كل الأماكن والزوايا. بحثا عنهما في الأبنية المجاورة فلم يجداهما... استفسرا تساءلا! لم يعرفا ماذا حلَّ بهما! ولا أحد يعلم حتى ذلك التاريخ ما مصيرهما!
نترقّب انفراجاً قريباً وعاجلاً، أو حدثاً ومفاجأة، وبرقية جديدة  تضع حدّاً لآلامنا وأوجاعنا وانتظارنا. مضى عام، وعام آخر يمتد إلى اللانهاية. عناصرنا موزعة  ومشتتة في مناطق متباعدة عن بعضها. عام بشهوره الاثني عشر، فتلت رؤوسنا. أشبعنا من الروائح النتنة. تقاذفتنا أمواج القلق والليل والسهر. تعرّفنا  أوجاعها  وبقع النزف في جسدها. تجرعنا الصعاب. تمترسنا خلف أكمات مرابض الأسلحة المختلفة. ازددنا خبرة  في ترميز تقارير القتال، وفك رموز الشيفرة والرد على  البرقيات الصادرة من رتب أعلى!
رسمنا بيروت فوق أغشية قلوبنا. نرى صورتها كل يوم على شاشات  أرواحنا وأغلفة دواخلنا. حفظنا مواقعها وشوارعها وأسواقها. عيّنا إحداثياتها  وحالات الدفاع والهجوم. عرفناها في الحرب وفي السلم. توطدت صداقاتنا مع أبنائها الطيبين والصادقين، ومع المدافعين عنها، وعن سعادة أهلها.
 كانت الرياح تدفع أمامها أملاً مطوياً في رسالة ومحفوظاً في مغلف صغير. الرحيل  يجوب أفكارنا وأحلامنا و يخترق تصوراتنا. لا مجال إلاَّ الرحيل، هكذا اتفقت جميع الأطراف المتنازعة!
كل هذه الأحداث والأمور والقضايا الصغيرة والكبيرة والمتاعب والقلق، تتجمع في أحشاء عائشة، وهي لم تغب عنها لحظة واحدة. تستمر في رصدها، وتفكر في كل الاحتمالات التي ستحدث وفي كل الجزئيات المتناثرة في حياة المدينة الملتهبة. تفكر في تأمين الخبز للناس والحليب للأطفال. تتصور أن المستقبل المقتول الضائع غير معروف الآن ولم تصدق أية تنبؤات عنه.
في ليلة هادئة، غيومها رقيقة بيضاء، كان القمر في مواجهتنا يمدّ ضوءه إلينا. عيناه تتسمران في وجوهنا، كأنه يأخذ صوراً للذكرى.
تنهّد حيّان! ارتفعت أنفاسه وهبطت خامدة، وتعبة.
- اتركني يا محمود، سأضع وجهي في فضاء النافذة بمواجهة البدر. إنها تقف بين وجهين. يحاصرها وجهان وأربع عيون. تزنّرها ابتسامتان  بأحزمة الشوق. اتركيني أتمعّن وأدقق، فالذكريات حُبلى بالغثيان. روحي سائبة، حائرة، تائهة في رمال الضياع. البعد مرض خطير  موجع ومؤلم. أكاد أفقد جزءاً حميماً من ذكرياتي. اشعر أن جمرة  عاطفتي  محاصرة  بالدموع. تنطفئ وتتحول إلى رماد.
- أنظر في صفحة  القمر وتضاريسه ألا ترى أهداب عائشة وعينيها  الوامضتين. . وغمازاتاها تعصران قطرات الندى.
يضحك و يضحك. يعبّ من لفافته أنفاساً من الترقب واشتهاء الرحيل. يدير رأسه، يحركه، يوجه بصره إلى الدفء. هناك  وراء خط التماس، ويتوجّس الأمل المصرور في زوايا أحشائه التي لم تطلها بعد وتصلها خيوط المرارة والنزيف. إنه يختزن في أقبية جوّانية  قريبة من القلب أموراً ليس الوقت يصلح للبوح بها! ربما يتركها للرحيل، ربما يدفنها، ويلبس الثياب السوداء، علّها تغفر له، وتشفق عليه، وتعود كما كانت قريبة من القلب.
أسئلة تطرح نفسها عليّ: هل يسبقنا إلى جسر الموت؟ هل يقتحم بوابة المتحف؟  هل يتدحرج ويسقط في نهر بيروت  ويختصر المسافة  والزمن؟ ماذا يخبئ؟ هذا ما ظلّ عالقاً في ذهني ولم أجد الجواب الوافي والشافي عليه!
منذ الوداع الأخير أخذ جسمه ينوس ويذوي، غابت عن وجنتيه المتوردتين الحُمرة والضوء. بشرته صفراء. عيناه ذابلتان. حزينتان. ازداد استهلاكه للسجائر، وقلّ نومه. قلق وقلق. تورّم الأفكار. أحلام أجهضتها المتاعب، وتراجعت مقهورة فوجدت أرواحها ممزقة، مشردة، بلا مأوى !
ما رأيك بالرحيل؟
 ها قد مضى على خدمتك الإلزامية أكثر من ثلاث سنوات. أمر التسريح محفوظ في الذاتية. فهمت من صمته المتواصل أنه يفضّل البقاء قرب عائشة. وأيقنت أنه وفي أقرب فرصة، وفيما إذا صدر أمر التسريح سينتقل إلى بيروت الغربية، ويفتش  عنها.
هذه الليلة، ليلة مجنونة. كتبنا فيها صفحات من التأملات، بين القمر والغيم والجسر والرحيل وعائشة. ليلة يصعب رسم وجهها أو تخطيطه  على الورق - من أجل بقائها محفوظة في قلوبنا وخوفاً من طلقة طائشة تمزقها - أردت أن أسجّل  مذكراتي  في دفتر خاص وأتركه في هذا المكان. ربما جاءت، كانت متشوقة للقراءة، فتتذكر أوجاعنا، وإذا تذكرت ستبدأ تمسد فخذيها ونهديها وجوانب الهشيم حول قلبها. ستترك شعرها يسبح في الفضاء وبعضه يعبث فوق وجهها ويتطاير. آنذاك أكون قد تركت شيئاً لبيروت بعيداً عن المهووسين والمخمورين.
بدأ وجه القمر يحترق، ووهج الحرائق يتصاعد ألسنة على سلالم الموت نحو السماء. غابت، بل ضاعت البقع المضيئة والعدسات التي تعكس ابتسامة الليل. يخبو الأمل المسروق من بقايا  فرحنا.
 وفي آخر نشرة إخبارية لإذاعة " مونتي كارلو". " نترككم مع مراسلنا في بيروت"
أغلق حيّان النافذة. بدأ المراسل يتلو التقرير. يتهدّج صوته كأنه يبكي، وبيروت تموت وتتمزق إلى أشلاء.
-  المعارك حاسمة يا حيّان، وهذا يُضعف  الأمل بالعودة أو حتى الحلم.
- استمع يا محمود. . تابع المذيع " بيروت تودع بيروت. هيروشيما تنتحر. تتساقط أبنيتها. الجثث تملأ الشوارع. لم يفسح المجال أمام سيارات الإسعاف والصليب الأحمر لنقل المصابين والجرحى إلى المشافي. الموتى والجرحى بالمئات. ولا توجد حتى هذا الوقت إحصائيات دقيقة. جسر الموت تنتحر القذائف فوقه وتقسمه إلى نصفين. واحد لبيروت الشرقية، وواحد لبيروت الغربية. منطقة " الدورة" تلتهب"
تلتزم قواتنا وتحترم وقف إطلاق النار. القوى المناوئة  تستنجد بتل أبيب. ستستبدل بالقوات السورية قوات عربية.
 سمع حيّان الخبر فقفز إلى النافذة المفتوحة. حدّق في وجه القمر، جثّة تغادر السماء إلى أي مكان آخر!
- لقد سقط القمر قرب بيروت، أراه ينتحر فوق البحر. لا أميزّ الآن بين الأرض والسماء، كأنهما يلتحمان في جسد واحد كعروسين. انظر الصواريخ  الضاحكة والقذائف المزعورة مشحونة بـ " الفرح" وأصوات المدفعية من عيار "155 مم" قادمة من " الضبيّة".
- أصبحت خبيراً عسكرياً!
استمر المذيع في تلاوة التقرير عن ليلة حمقاء. استمر في تغطية الأحداث حتى آخر ساعة، كأنه في جنازة، يُلقي كلمة أهل الفقيد. يقف على حافة القبر.... وتابع "تجري الآن مشاورات بين الأطراف المتقاتلة، لوقف إطلاق النار. تستعد قوات فرنسية  وأمريكية للتحرك إلى الشاطئ. ونقل رعاياها من العاصمة اللبنانية. قداسة البابا يوحنا يصلّي ويتضرّع إلى الله بصلوات لإنقاذ بيروت". ويختم المذيع تقريره قائلاً:
" يبقى الأمل عند الجميع بإيقاف الاقتتال، وأن مشاورات كثيفة  ومسؤولة ستجري في صباح الغد بين ممثلين عن الحكومة السورية والحكومة اللبنانية".
أغلق حيّان المذياع. ساد صمت متكسّر يجثو على قدميه. استمرت طلقات تائهة تقلق أجواء  المدينة الجريحة. ظلَّ جسد عائشة يتفتت. يذوب لحمها مع عظامها، ويحترق. ولافرق في مثل هذه الحالة بين الجسد والروح. الاثنان يندمجان في تابوت واحد. تستمر النيران وبقايا ألسنة تلتهم شعرها. لكن عينيها بقيتا تراقبان آخر محطات الليلة الحزينة.
جففت الحرائق دموعها.ارتفعت الأبخرة مرّة نحو السماء. وحين مسحت غيمة وجه القمر وغسلته، ظهرت بعض البقع، وبقيت آلاف الصور مهشمة. تتجمع بعض الغيوم من جديد حول القمر تدفن عينيه تحت أجنحتها، ثم تتقطع وتحملها الرياح وتوزعها...
آخر غيمة ظللت وجه القمر بفيئها حملت أخباراً مصورة، توجهت إلى الناس قائلة " تعالوا إلى بيروت. جسدها يتلظى. تعالوا أحملوا منظارها. فتشوا بأنفسكم عن المآسي. قدموا خبز الحياة إلى أطفالنا  كيلا يموتوا، وتدفن هذه البذور، لأنها وبعد هذا التاريخ ستحبل بمواليد مشوهين. أما رحمها فقد جفّ. أصبح العقم الأبدي عصيّاً على الطب. ولم تَعُد الأدوية تنفع. وإذا أصبحت عائشة عقيمة فستموت بيروت ولا تزهر إلى الأبد، ويموت من بقي فيها، ولن يبقى سوى الفقراء الذين لا يملكون ثمن قوتهم اليومي".
تساءل حيّان :- هل نفقد عائشة طوال العمر ولن نراها أبداً؟
- لا : خيالك يجنح إلى التشاؤم. ستحيا من جديد!.
- إنها تبكي منذ زمن. وليست هذه الليلة الوحيدة  المخصصة للعويل.
أتعتقد هكذا، دون إيجاد المبررات الصحيحة والتصورات الواقعية!
- لا جديد في موقفي ولن أُغيره ما دامت الأحوال لم تتغير!
- منذ قدومنا كانت السماء ملبّدة بالغيوم. وهذه الليلة كبقية الأيام والليالي الماضية.
- صحيح هذا الكلام. الآلام نفسها وإن كانت الآن أشدّ قليلاً.
- القمر يحترق ومازال، والغيوم  تغطي وجه البحر.
- لاتنطبق أقوالنا أو تتوافق مع مجريات الأحداث.
- دائماً نقول ونتنبأ بالموت، ولكننا نفاجأ بأنها مازالت صابرة. تغسل وجهها كالعادة  وتسرح شعرها، وتحمل المنظار علّها ترانا. فهي كالأم الحنون تفتش عن أطفالها  وناسها وبشرها  دائماً وأبداً. ففي كل مرة وبعد انتهاء المعارك كانت تحمل أوزار الموت. تحيا من جديد. يتضامن معها أناس يحبون الحياة. قلوبهم معها على الرغم من أن الكثيرين من هؤلاء لا يعرفونها، لكنهم يسمعون عنها. ويتناقلون قصص بطولاتها، وعندما يعرفون تهون أوجاعهم، وتخف مرارتهم. إنهم يرونها صورة في وجه القمر وعلى صفحة  مياه البحر وفوق صخور الشواطئ وبين الجرود والوهاد والأودية  وفي الفوهات  السوداء وفوق جسر الموت وأمام بوابة المتحف، ومن خلال هذه الأشلاء الموزعة على الدروب والجثث الموزعة، الملقاة قربنا.
وعائشة تفكر أيضاً بالجميع. صاحية. فقدت أعضاءها، لكن روحها بقيت تتجسد في أهلها  ومحبيها، وتكسوهم أملاً، تطمئنهم، بأن يوم الخلاص يقترب مهما كانت السنوات عجافاً وتعرفهم، بان أصعب المواقف هي الموازنة بين الحياة والموت وأي خلل بين الطرفين  يعدُّ هروباً وموتاً.
متاهات. . قذائف تخفت أصواتها. يسقط القمر وراء جبال الصمت البعيدة، وربما يسقط في البحر ليزيل عن وجهه وجسمه غبار الحرائق  ودخانها. ربما ستزور في الصباح أشعة الشمس أبعد المناطق بدءاً من بيروت الشرقية حتى أقاصي الشمال والجنوب.
ربما يخرج الناس من الملاجئ، وتعجّ بهم الشوارع والمقاهي والأسواق. ربما تستيقظ عائشة  وتنهض من فراشها تتفقد جسدها العاري. وتقفّز بصرها في الأبنية تتابع بقايا أدخنة، ونيران.
 ربما، هذا ما حصل، وتجمّع الجنود حول موائد الإفطار، يهمسون ويأكلون، يتجاذبون الأحاديث والطرائف. ينقلون جمرة الليلة الماضية. يتدفؤون حولها ولم يصدّقوا أن ليلة تفور وتغلي، وينصهر فيها الناس والسيارات والحجارة  وكل شيء مرَّ دون خسائر تُذكر!

- 3 -

ليس من عادة الحاجب أن يدخل إلى غرفتنا دون أن ينبهنا، وكعادته أيضاً يحب المفاجآت وإحداث اضطرابات جسمية ونفسية لدى المتلقي.
وحينما يكون  الحاجب في وضعه الطبيعي. أحتاج إلى فترة ولو كانت قصيرة نسبياً إلى الإصغاء إليه كي أستطيع تفسير ما يقول. تتصل كلماته بعضها ببعض مخلوطة ومعجونة، وكيف ولو حُمِّل خبراً لإيصاله إلينا بسرعة.
- أليس  ما تريد إبلاغنا به أمراً هاماً!
- نعم !
- أهي مفاجأة ما!
 التفت حيّان. أدار وجهه نحو الباب. قال: أتخسر شيئاً إذا تنحنحت! أو (رفست) بقدمك على آخر درجة من درجات السلّم.
سألته : - ماذا جرى؟ هل من جديد؟ وانتظرت الجواب بفارغ الصبر! بينما كان الحاجب يُهدّئ أنفاسه ويُعيدها إلى حالتها الطبيعية.
ناولني مغلفاً صغيراً مفتوحاً، وفي الزاوية اليمنى كُتب عبارة ( عاجل جداً)، ويُفتح  بالذات  من قبل المرسل إليه.
تقارب وجهي ووجه حيّان  قرأنا الأمر بشغف وسرعة. الحاجب يصفق ويبتسم مطمئناً أرواحنا وتساؤلاتنا. شربنا الشاي معاً " آخر كأس من الشاي  في برج حمود".
النافذة المفتوحة نحو الجهة الغربية هي الطاقة التي يستشف  حيّان منها الأمل ويقرأ تأملاته الشفوية. يفتح قلبه للفضاء. يسرح بصره. يطير  ويحلّق نحو خط التماس علّه يتنسَّم أخباراً جديدة قادمة من هناك. واسطته الوحيدة الهواء، يدفعه براحة يده، يحمّله رسالة شفوية وقُبلة طرية.
تناول المغلف  وقف باستعداد وقرأ بصمت. أخذ حاجباه يتقاربان، ثم يتباعدان. رفع رأسه قائلاً: جهّزوا أنفسكم للرحيل إلى " سن الفيل". وسيتم إبلاغنا عن آخر التطورات في الساعة الرابعة والنصف من صباح هذا اليوم. ومازالت الأمور قيد  البحث  والتداول، لكن هاجس الرحيل  يُثقل رؤوسنا ويضغط بقوة أكبر من حبّ البقاء هنا...!!
قمت بنسخ البرقية على الورق الطابع، وعممتها على جميع السرايا  والفصائل العاملة في الكتيبة والملحقة بها. وشددت في ملاحظة كتبتها في أسفل الورقة. على الاستعداد الكامل للرحيل خلال " 24 ساعة"
 اتصلت أيضاً بوساطة الهاتف مع قادة السرايا للحضور إلى قا. ك والتشاور معه حول هذا الموضوع.
بدأ حيّان يستعد والفرحة تغمره، فجميع السجلات الهامة والسرية للغاية ورتبها في صناديق حديدية  وأحكم إغلاقها. رتب معه الفرش والأسرة والبطانيات وحزمناها بصورة جيدة. جمعنا أدوات الطعام والشاي والسكر والملح والبصل والبطاطا ومعلبات من الفول والحمص والبازلاء، وغيرها. وضعناها في صندوقين ننتظر ساعة الانطلاق بفارغ الصبر.
كان مساءً حافلاً. كل شيء تغير في لحظة، وماهي إلاّ ساعات ويكون الصباح ويحلّ الوداع. سنة وأكثر تجرعنا فيها الآلام. تآلفنا مع المكان والبيئة  والناس أصبحنا جزءاً من الأشياء المحيطة بنا. ومن الصعوبة الآن أن نترك خلفنا برج حمود، وشركة التبريد، ومعمل الحديد وشركتي النسيج والأدوات الكهربائية. أن نترك الجسور ونغادر دون رجعة.
تسمّر حيّان ملهوفاً. أُصيب برعشة الفرح والحزن معاً، فهو من جهة سيتخلص من الأعباء اليومية الموكلة إليه، ومن جهة أخرى سيبحث بجدّية أكثر عن حياته ومستقبله. وبين الفرح والحزن  تقف عائشة والمنظار والصور الجميلة  المرسومة في قلبه. صور مؤطرة بالحب والخوف والمطاردة. هذه أشياء لن ينساها طوال حياته، ستبقى تُعيد نفسها، متجددة، وستظل تجربته، تجربة فريدة في نوعها ودرساً لقّنه حكايات سيحفظها ويتلوها على أبنائه في يوم من الأيام!
المساء حافل بالاستعدادات والتحضيرات، وسيكون الصباح تعباً وسفراً ورحيلاً ووداعاً!!..
حمل " قا. ك" أوراقه وتعليماته وخريطة بيروت، تركنا متوجهاً إلى سن الفيل  حيث " قا.ل"، وستصدر عن هذا اللقاء آخر التعليمات.
ليلة حافلة بالسهر والعمل وترتيب الفرش والأسرة. وما إن أشرقت  الشمس حتى كانت عناصر الكتيبة جاهزة، والسيارات محملة، والدبابات محمولة والمدافع مقطورة. تقف في المقدمة "البيتيئرّات" والمصفحات والملالات. وفي الخلف سيارات الغاز" 66" وعدد من " التاترات" _ القاطرة والمقطورة-
وحسب تسلسل السرايا والفصائل الملحقة " السرية الأولى - الثانية - الثالثة - سرية المدفعية - فصيلة الدبابات - الكيمياء - الاستطلاع - الصواريخ المحمولة على الأكتاف - أجنحة الحماية - المهمات - المطبخ -الإسعاف".
أخذت كل سيارة رقماً حسب تسلسل المسير. كانت بداية الرتل عند أول جسر الدورة، ونهايته في برج حمود. وقبل إشارة الانطلاق، اصطف الجنود حسب سراياهم وفصائلهم على جانبي الرتل بلباس الميدان الكامل، يحملون أسلحتهم الفردية، والذخائر متحفزين لكل طارئ.
يشوب الانتظار علامات الحذر، خاصة من مفاجأت تقوم بها القوى المناوئة وتُفشل خطة وقف إطلاق النار ويعود القتال من جديد، ولن يكون هذا العمل فيما لو حدث لصالح أي طرف من الطرفين.
تأكّدت  أن ممثل " الجبهة اللبنانية " تعهد أمام قيادة ضباط الارتباط بأن تسعى القوات المناوئة لتسهيل عملية الانتقال وعدم عرقلة مسيرة وقف إطلاق النار، وفتح المجال أمام القوة البديلة التي ستصل إلى منطقة الجسور.
الأعلام السورية واللبنانية ترفرف، مثبته في السيارات، وتظهر الشمس أحياناً، وتغطس بين الغيوم في أحيان أخرى. وكانت السيارة التي تحمل الشهداء في مقدمة الرتل. سيارة مكشوفة فيها توابيت ملفوفة بأعلام البلاد. يجلس حولها الجنود وفوق كل تابوت باقة من الورود البيضاء والحمراء.
هدوء قُبيل لحظات الانطلاق. هدوء ساخن وحذر. أحاديث خافتة تحمل لذة الاشتياق. فمنذ أسبوعين لم يتم مثل هذا اللقاء الحميم، لأن العناصر والجماعات منتشرة، وموزعة ولم يتحقق أي لقاء يجمع كل عناصر الكتيبة مرة واحدة.
تتدفق بينهم أسئلة وأسئلة بحميمية صادقة وتآلف ومحبة. الذقون حليقة والوجوه تفتح صفحاتها للهواء والانطلاق. الأحذية ملمّعة، وتلمع الخوذ فوق الرؤوس وحربات الأسلحة موجهة نحو الأعلى. كانت اللحظات الأخيرة  للتحرك ومغادرة المواقع الساخنة طيّبة وحارة.
ولم يُفاجئنا أبو سركيس بقدومه، يحمل إكليلاً من الزهور  نسقته زوجه على نحو هندسي. شكلت الأزهار بفنية رفيعة كلمة " الوداع". ويلفّه شريط أسود دلالة الحزن. يحمله طفلان، يمشي خلفهما رجال ونساء  من الأرمن، يتقدمهم أبو سركيس وزوجه.
كان "قا.ك” يرافقه ضباط من الكتيبة السعودية، يتفقدون المواقع، والأماكن التي سينتشرون فيها، تنقلهم سيارة جيب عسكرية. جولة ابتدأت من البحر حتى برج حمود، مروراً بأطراف منطقة الدورة. ونحن ننتظر وننتظر نهاية الجولة كي نتمكن من التحرك.
عشرات العيون تحدّق في الجسور والشوارع المهجورة، والبيوت والمؤسسات المتروكة للريح بعد أن دمرتها وسرقتها العناصر المناوئة، وحرقت العديد من أجنحتها وآلياتها والمواد الأولية في مستودعاتها.
وكانت شارة الصعود إلى السيارات صفرة طويلة.. أما الصفرة الثانية  فعبارة عن صفرتين متقطعتين.
الأبصار الموزعة في كل الأماكن والمنتشرة على امتداد خط الأفق، تتسلل عبر الكوى من الدبابات والمصفحات، وتمّر على بساط الحصى المفروش أمام شركة التبريد، وتقفز بين الحفر وفوقها.
ودعنا أبو سركيس بكلمات دافئة ورائعة قائلاً:" عندما أزور عائشة أخبركم عنها كي تطمئنوا وترتاحوا. . أعلم أنها دخلت منذ يومين مشفى البريد، لأن جروحاً بليغة ألّمت بها، وشظايا حادة انغرست في لحمها، ودماء صبغت شعرها، وتركت دروباً جافة  فوق نهديها ورقبتها"..
يتعالى هدير السيارات، المصفحات. يتصاعد الغبار ممزوجاً بدخان المحركات. وصعدت السيارة الأولى جسر الدورة، ثم تبعتها عشرات الشاحنات والمقطورات والمجنزرات تفتح الفضاء باتجاه طريق نهر بيروت. وفي الاتجاه الأخر من الأوتوستراد كانت القوة السعودية الرمزية  تنعطف مع آخر أكواع الطريق، وتنحدر فوق جسر الدورة  باتجاه برج حمود. وقبل أن يصل رتل كتيبتنا إلى جسر الموت، ويتجه نحو سن الفيل، توقفت السيارات دقائق. هبطت مجموعة من خبراء الهندسة، يرافقها " رئيس الأركان" وتفحصت الطريق، وفتشت جوانبه على مسافة عشرين متراً بحثاً عن الألغام. ومجموعة أخرى كانت تنقل أكياس الرمل المكدسة في مدخل الجسر ومخرجه والسيارات المعطوبة لتفتح الطريق وتسهّل المسير.
لا يستطيع حيّان إلاَّ أن يتذكر. المشاهد المؤلمة ترفع مزلاج باب الذاكرة، فتتدفق صفحات موجعة  تحمل المرارة، وصفحات تحمل الجمال. وبرأيه " أن كل هذه الصفحات لا يمكن أن تتكرر ثانية، ولا يتلفها إلاّ الموت. فهي حيّة ووثابة مادام حيّاً".
وعند أول الجسر بدأ يهمس في أذني:
- من هنا تركت عائشة. من هنا ستعود إن عاجلاً أو آجلاً، تحمل المنظار وبندقية، لكنها في هذه المرة ستضع في فوهة البندقية وردة.
- هذا سيحصل فيما إذا تعافت بسرعة ومالت إلى الشفاء. الجرح عميق كعمق نهر بيروت ومن غير السهل أن يلتئم بسرعة. سيظلّ ينزف دماً، ويتقيّح، ما دامت تتحرك فوق السرير، ولم تذعن لنصيحة الأطباء وتخفف من حركتها.
مشت السيارات ببطء شديد. الحمل ثقيل، والجسر مخلخل. قواعده مزعزعة، وأرضه غير صالحة تنام فيها آلاف القذائف والشظايا. لانرغب أبداً ونحن في هذه الحالة أن يحدث أي شيء في هذه الطريق الملعونة. يكفينا جرحى  وشهداء ودماء وتضحيات، وأيدي جنود مبتورة وأناس يمشون على العكازات، قُطعت أرجلهم، وجنود فقدوا في لمحة بصر. فلا تذكرني ببشاعة الموت. هذا الوحش القادم يتربّص للبشر أينما كانوا في البيوت أوفي ساحات المعارك وفي أماكن العمل وعلى مقاعد الدراسية.. ألا يكفي هذا الخوف! ألا يكفينا ما تهاطل علينا من قذائف ورصاص وصواريخ كلها تسبب الموت.. الموت والحياة قطبان للمسيرة البشرية منذ بدء الخليقة وتعمير الكون. وحياة الإنسان صفحات من التأمل للموت والحياة. مرة يلعن الإنسان الموت، ومرة يلعن الحياة. الخوف من الموت مشروع، كمشروعية الحياة. هكذا هي الحياة، ولكن ألا يودي بنا إلى الجبن والتوقف عن اتمام مسيرة الحياة. هكذا هي الحياة. هذه سنّة الدنيا!
تئن السيارات وهي صاعدة في الطريق. نترك على يسارنا الأبنية المنسقة  على نحو هندسي من حي " النبعة" ونتوجه إلى سن الفيل. خلفنا ما تزال السيارات  تنتقل بخطا وئيدة. . جنود من قواتنا في سن الفيل وقفوا على جانبي الطريق يصفقون لنا بحماسة وترحيب، كأنهم يقولون : " أنتم السابقون ونحن اللاحقون ".
الشمس تقف في منتصف السماء. الظهيرة حارة. تتسمّر الأشعة فوق جسر الموت تحمل دفء أنفاسنا، تاركة برودة تشرينية في أجسادنا، وبعض الخيوط الذهبية تنعكس بحب وأمل فوق صفائح السيارات وخوذات الجنود.
دائرة واسعة شكلها الرتل أمام قيادة اللواء، حيث الساحة تتسع لآلاف البشر. هبط الجنود من السيارات يفتشون في حقائبهم، وأكياسهم عن " المأكولات. افترشوا الأرض والأرصفة، وفتحوا علب اللحم، والبسكويت، وبدؤوا يلتهمونها بحرية تامة.
بينما اختفت الشمس وراء أشجار السرو والأرز، ثم ظهرت وهي تقطع الأبنية القريبة من البحر وتغطس في المياه، فتلوّنها بالزرقة الأخاذة للألباب.
تأملت الصور الرائعة. وقفت بجانب حيّان الذي تعافى من الهواجس واكتفى بإشعال لفافة من التبغ العربي. كنّا نتأمل في هذه اللحظات صفحة من الأسرار التي كتمها كل واحد عن الآخر، وكان الأمل يخرج دافئاً مع أنفاسنا ويتسلق دوائر دخان السجائر المتصاعدة. ومع حلول الغروب حلَّ علينا ضيفاً من غير موعد أو إعلامنا، كان الحزن يتدرج ويقطع مئات الأمتار. يشتهي اللقاء معنا، لكن عائشة التي علمتنا كيف نفرح، وكيف نحزن شقّت طريقها، وخرجت من إحدى الزوايا المضيئة، وانهالت علينا  دفقات من الذكريات، وكان بداية الصفحة فيها " أبو سركيس". ذكريات تُمطر حُبّاً وصدقاً، وهذه الذكريات من الصعب وضعها في سلة النسيان أو إهمالها، ستبقى  خالدة وحيّة تسري في أوردتنا. تأكل وتنام وتشرب وتفكر معنا!
أنوار خافتة، متباعدة تكشف بعض أسرار الظلام الذي سرعان ما خيّم فوقنا وأخذ ينسج حكايات الجنّ، يذكرنا بالغولة وحكايات الجدّات والجارات والأمهات. وأنوار معّلقة من رؤوسها على أعمدة تميل مع الريح أوتنصب قامتها حينما نقف بجانبها ونحن على أهبة الاستعداد للانتشار أو الحراسة والرصد والمراقبة. أعناقها وأعناقنا تشرئب إلى الفضاء الرحب ترسم لنا الأفق الذي يصل بين أطراف الشوارع وسطوح الأبنية. يؤشرلنا ويدلنا إلى طريق (جسر الباشا) عبر الأبنية  القديمة  والأزقة  المبلّطة بالأحجار البازلتية، المنحنية والمتعرجة معها.
توزعت السيارات في عدة اتجاهات. رافقتها السرايا والفصائل لتأخذ أمكنتها الجديدة  في دائرة تطوّق قيادة اللواء.
- ماذا يا حيّان؟ هل هي محطة مؤقتة؟ أم دائمة؟ وهل سيطول بقاؤنا في سن الفيل؟.
الوهن والتعب يلفان حيّان في هذا الليل. وقف في شرفة مفتوحة تطلّ على جسر الموت. تفقّد النجوم الضائعة. فتش عن القمر المختفي. ظلت غيوم سود تقف كسدٍ في الأفق السابح في سماء بيروت الشرقية. . تتالى مسلسل التمنيات " ربما نصادف غداً  " الرنكوسي" ربما يصل الخبر  من مشفى البربير، وربما. . بعدها أشياء غير هامة"
 عاد من الشرفة. جلس بجانبي على أريكة. سألني: أيمكنني زيارة مشفى البربير! ألم يحن الوقت!
- أعتقد أن أسئلتك فيها مبالغة. ولا نعرف كيف نصل إلى المشفى! ربما خلال الأيام القادمة نتعرّف المنطقة، ومداخلها ومعابرها، عندئذ نبدأ بالتفتيش، وسنجد السُبل للوصول إليها، والتحدث معها عن قرب، ورؤيتها.
- هاجس يراودني، ويهزّ كياني ولا أستطيع مقاومته. أنا يا محمود أضعف من أن أواجهه. أنا جسد ضعيف وروح مرهقة. أشعر أن قلبي أصبح  أكبر بكثير مما أتصور. . أسمع دقاته المتراقصة تغني في هذا الليل، وتعزف نبضاته ألحاناً، تذوب في دمائي خلجات محروقة. وسيكون في الصباح حديث آخر وشمس أخرى!

-4-

في الصباح انقشعت الغيوم عن السماء. بقايا أدخنة تحمل هموم الحرائق والناس، تدفعها رياح خفيفة، توزعها في فضاء سن الفيل. ترتفع وتتعالى ثم تتلاشى.
فتحت النافذة كان حيّان  يتثاءب. اقترب مني وأشار إلى مكان قريب من موقعنا. .. أرض جرداء، خاوية وممسوحة مثل "الكرنتينا"، فلا أثر للبيوت والحدائق والمدارس والناس، اللهمّ سوى عظام متناثرة دُفنت في أمكنتها ونبتت فوقها الأعشاب البرية. غيرّ اتجاهه وبدأ يتذكر قائلاً:
- أتذكر حوادث الموت والدمار يا محمود!..
- الذكريات الأولى بعد وصولنا إلى كتف البحر بفترة قصيرة، اشتعلت الفياضية الواقعة على طريق الشام، حين بدأت القذائف ترعد، والرصاص يحصد الجنود في خيامهم، ومما أدى إلى قتل العشرات.. هؤلاء، فاجأوا مجموعة من عناصرنا في ليلة باردة من شهر شباط، ومنذ ذلك التاريخ توترت الأجواء واشتعلت نيران المعارك.
- كنت أعتقد مثلك أننا سنتجول في بيروت مُحررين من القيود، وهذا ما حصل خلال الشهور الثلاثة الأولى من وصولنا، وكانت الأمور تسير سيراً طبيعياً. تبدلت مهمتنا ووضعنا في خندق المواجهة  ونحن لا نريد ذلك، فقد انتقلنا من المراقبة والفصل بين المتنازعين إلى المواجهة القسرية، وتصاعدت الأجواء، وتعكّرت بسرعة جنونية.
- عرفت وتيقنت أن حماية عائشة لن تكون سهلة وبسيطة. تحتاج إلى فنّ في التعامل وفنّ في التفكير، وفنّ في العلاقة مع الناس، وحتى مراقبة البحر برأيي تحتاج إلى فنّ الرؤية.
أحضر حيّان القهوة الصباحية، فهو لا يستطيع التحدث أو الاصغاء أو العمل، إلاَّ بعد أن يحتسي فنجانين من القهوة الحلوة، ويدخن معهما سيجارتين من الدخان العربي. يحمل نوعين الأول عربي مرطب وملّبد في علبة نحاسية، والثاني، دخان أمريكي  يستخدمه أثناء العمل أوالانتقال والحركة، ويترك الدخان العربي للسهر الطويل.
هذه نافذة جديدة يفتحها حيّان في جدار قلبه أرى من خلالها أعماقه الجوّانية قلت: له : اُنظر، ما أجمل هذه المنطقة، وتلك المنحدرات المزروعة صفوفاً من الأشجار وما أجمل هذا التناسق الذي صنعته أيدي الإنسان، وهذا الدوّار الكبير، والشوارع العريضة، وهذه القصور الرخامية ذات السطوح القرميدية.
انظر أيضاً هذه الحفر الضخمة، فوهاتها واسعة كبحيرات أو فجوات  خلفتها البراكين، وهذه أيضاً صنعتها أيدي الإنسان!
 تأملّ الطبيعة، وما صنعه الإنسان، العامر بالدفء، والمزدحم بالدمار والخراب...
أشرت إلى مرابض المدفعية المواجهة لنا، وإلى الدبابات المسترخية في حُفرها، والرشاشات المنصوبة فوق الأكمات، والحواجز، والراجمات الجاهزة فوق السطوح، والتحصينات والهدوء المخيم، القابل للانفجار في لحظة، وزمور الخطر والبوق الذي يفتح فمه نحونا، وإلى سيارات  الإسعاف، والمشفى  المتنقّل، وحزمة بيضاء من الأطباء والممرضين، وإلى المطبخ وسيارات الإطعام، والمؤن والمهمات " مدنية بكاملها تضجّ بالحركة". حينئذ، تذكرت الملازم الأول " بركات" عندما أصابت عينيه شظية، وكادت أن تقتلع نصف وجهه الأعلى.
مدّ عنقه. طوقته بيدي من وسطه خوفاً من سقوطه من الطابق الثالث. في البناية التي التجأنا إليها والمحصورة بين شارعين فرعيين والمواجهة للشارع الرئيسي الذي يقودنا إلى طريق الشام...
 هل تتذكر يا محمود تلك الليلة الشمطاء الملوثة بالأنين والوجع والتعب والخوف والجوع؟. الأيام تمرّ سريعة الآن. أجواء هادئة، لكنها مسكونة  بالمفاجاة. لا شيء يزعجنا سوى قنصات منفردة تغني وحيدة، ولا نسمع صوتها إلاَّ حين تقترب منّا.
تتجمع الأفكار في الذاكرة، هذا الخزّان الذي يتسع لأوجاع جديدة، واحتمالات جديدة لبدء القتال. تمنيات تختال ضاحكة، تدور وتلفّ نسيجها  حول جسدينا. أفكار تنقلنا إلى مدينتي دمشق وحلب. لحظات من الوجوم. أسئلة  عديدة. . لكن ماذا بعد ذلك ؟! هل ستمتد هذه الأيام  وتطول؟
أجاب وهو يسرّح بصره  مبتعداً عن هذه المنطقة.
- أعتقد أنه تجاوز خط التماس وانتقل إلى مشفى البربير، وشكل البياض حاجزاً بين القلب والرؤية. صفحات تعود إليه الآن. صفحات أحلام. تركته ينساب مع أحلامه وآماله، ولا أريد أن أقطع هذا الخيط الحريري.
 قلت لنفسي :" لا أريد أن أفتح باباً جديداً تدخل منه أوجاع الماضي وآلام الشهور في " الدورة" و"برج حمود"، ولا أريد أن أذكره بحالات الموت البطيء واتعاب الرحيل والنوم على البلاط، وقلة الماء وانقطاع الكهرباء الدائم، والخبز اليابس، والعِشرة الطويلة مع أبي سركيس. سأترك الحرية له أن يفكر وحيداً دون    المساس بأحلامه، وقطع شروده بأية كلمة".

سأتركه يتجاذب عقب لفافته ويمضغ آخر المجاّت المكهربة، وينفث الدخان. انتقلت إلى غرفة أخرى. عُدت بعد دقائق. أحدثتُ حركة خشنة. التفت إلى الوراء.
سألته: ألا ترغب بالتجوال في هذا المساء بين تلك الأبنية. وبعدها نجلس فوق هذا المرتفع بين الأعشاب - ما دام الوضع يسمح لنا؟
أريد من أعماقي أن نمشي معاً فوق ذاك الرصيف المحاذي للقصر القرميدي، الذي تحيطه الأشجار الباسقة حتى ولو كانت تحمل ( أطناناً) من غبار الفضاء وغبار القذائف، فهي حتماً حزينة. .. هلمّ يا حيّان. . أسرع. ربما نسمع بعض الأخبار، ونتسلى مع الأصدقاء.
 وافق بعد " علاج" طويل وأخذ وردّ وأحياناً كان يماطل، لكني سحبته من يده، وهبطنا إلى الشارع المطلّ على ساحة واسعة، وخطواتنا تقيس طول الرصيف.
بدا الصمت كجدار يفصل بيننا، ولم نلتفت إلى بعضنا. كل واحد يسرح بأفكار ويمرح كما يريد.
بينما كان يدقّق ويتمّعن في القصر الجميل. عيناه تتسمران في منحدرات وانحناءات القرميد الأحمر  والجدران الحجرية  الناعمة والسميكة، كنت أدفئ روحي باحلام دون وجود معطيات لتحقيق بعضها. " تتلبد بيروت بالغيوم، تتناثر فوقها آلاف الرسائل والتحيات القادمة من بلاد بعيدة"
قلت: منذ فترة لم نسافر. هل يطول بقاؤنا في سن الفيل؟
أجاب: انتهت الخدمة الإلزامية، ها نحن ندخل الشهر الرابع في الخدمة الاحتياطية وتجاوزت خدمة غيرنا نصف سنة. أنتم صف الضباط تتمنون أن لا تنتهي خدمتكم الاحتياطية لأن رواتبكم تتضاعف. أما نحن أصحاب الرواتب القليلة فلا فرق كثيراً عندنا.
- هذا جانب صحيح لأني وخلال هذه الفترة القصيرة من الاحتياط تخلصت من ديوني المتراكمة منذ سنوات.
عُدنا إلى الغرفة. الليل يمتد فوق الساحة الكبيرة. برودة ونسائم خريفيان تلغماننا، وتهزان الأشجار. قنابل مضيئة تتراءى من بعيد قادمة من الضاحية الجنوبية.
تدور حول طريق الشام. أغلقت النوافذ. أشعلت شمعة طويلة وجدتها فوق رفّ المطبخ كانت من مخلفات الكتيبة التي حللنا مكانها.
ينتقل حيان من غرفة إلى غرفة، ومن شرفة إلى شرفة. لايهدأ أبداً.يراقب ظهور القمر والليل والسكون. يزرع أشجانه وآماله. بعضها ينبت، وبعضها يندمل في الأرض. ولا يعكرّ صفاءه إلاَّ الأحلام المغلّفة، والأحلام المغلّفة في ومضات من الألم. ولم تتعكر حياته في هذين الشهرين إلاَّ بعد أن لامست أصابعه دفء جسد عائشة، خاصة بعد أن طبع قبلة على شفتيها وقبلتين على جبينها. شعر آنذاك بالحب الحقيقي، وشعرت عائشة بأنها فتاة تستحق هذا التقدير. تلّمس شعرها المنثور، المفتوح فوق كتفيها دون رقيب، فشعرت في حينه بأنوثتها وإنسانيتها.
حان الوقت للنوم، ولو أنه لا يطيل الأعمار. ورغم الأنين الداخلي غير المسموع الذي يسرق أحلامه المتحركة، ابتسم، ابتسامة نائم. شعرت أن التفاؤل يشق طريقه في درب جديدة، وأن خطة يرسمها في ذهنه وقلبه، وسينفذها في الأيام القادمة.
ومن حقي الآن أن أبحث عن سبب هذه الابتسامة، وفي هذه الليلة، مقارنة مع الأسابيع الماضية. فهمت الدافع. استدركت أنه قبل أن يلقي رأسه على الوسادة أخرج قطعة من تحتها، قبّلها مرتين ووضع كفّه تحت رأسه ثم أطبق جفنيه. كنت أراقب حركاته.
أفتح البطانية بهدوء، وأشم رائحة عُطرٍ نفثت في جو الغرفة أريجاً.
وحين أخرج صورة عائشة بخّ عطراً عليها من زجاجة أسطوانية لها بخاخ.
عطر جيد وغالي الثمن. تصاعدت أنفاسه. وبدوري انسحب نحوي القلق وتسمّر أمام مقلتيَّ،، وأنسابت الذكريات وتقاطرت بهدوء. نقلتها أمواج الهواء متجاوزة الجبال والأودية والحواجز، وقفزت فوق المناطق الحُمر والجسور، فأخذت تهز أوتاري المربوطة بين الأوردة، وفي قلوب الأعزاء الذين يجلسون قلقين وينامون على الفرش كأنهم يتقلبون فوق الجمر، وعيونهم تغرورق بدموع القلق.
لا أدري كيف دخلت هذه الأفكار إلى رأسي، وكيف خرجت! فكرة تجرّ فكرة. أدخل في طريق وأعود من طريق آخر. أتمسك بحبال. أتسلق جبلاً وأدور، أُعيد تواريخ هذا العام المزدحم بعشرات ومئات الحوادث الرطبة والجافة، المحزنة والمفرحة. ثم تجاوزت القلق وتجرأت قائلاً: " لا تحزن. لا ينفعك التأمل، ولن تجد العلاج. اطرد الأفكار الغريبة من رأسك. تأمل الشروق ولا تجعل عواطفك تسبق عقلك".
أعلم أن التمتمات الجوّانية لا تجدي نفعاً. الصياح، وتفجير كل الأشياء المحبوسة بصوت عالٍ تتقاذفه الجدران الأربعة أفضل بكثير، لكني لم أجرؤ رغم محاولاتي المتكررة ولم يخرج صوتي من أية نافذة.
شخير حيّان يخبو، وينهض، لكنه بعد هذا الصعود عدّل نومته، وانقلب على جنبه، ولم أعد أسمع سوى صوتي، وأصوات هواجسي الجاثية في داخلي.
توقفت أمام باب مشفى  البربير علّي أُبصر عائشة وأشاهدها وراء الزجاج ملفعة بالبياض. تحمل المنظار. تخترق أبصارها الجدران. تصوبه إلى سن الفيل، لكن الحراس منعوتي، وقالوا : " لم يحن موعد الزيارة! هنا بيروت تنزف. لم تشف بعد. ماذا تريد منها؟ عاماً كاملاً وأنت تتنقل فوق جسدها!"
أسمع صوتاً يناديني من بعيد. يترنم قلبي لصداه.. أجبتُ الحارس:
لا أيها الحارس إنني أتمرّغ في أوحالها. أنتم الذين جلبتم العار إليها. كان جسدها غضّاً نديّاً، ناصع البياض، وشعرها يسترسل ناعماً، يهبط حتى أسفل ظهرها. أنتم الذين حملتم المقص، وبدأتم تجزّون هذا الشعر الخرنوبي، ولولا مقصّكم لما كانت هذه الشواطئ يتيمة وحزينة تندب رذاذاً مُرّاً. وهذا الرذاذ المتناثر يغسل وجوهكم، لكنه لم يستطع أن يمسح العار عن وجهها. اسمح لي أيّها الحارس أن أرى وجهها ولو مرة واحدة، فمنذ شهرين لم أراها. كدتُ أضيّع بعض ملامحها وأتوه بين تجعدات وجهها وجبينها، لكني حين أتذكر حاجبيها الموصولين وأتفقد المنطقتين الممتدتين إلى الشرق وإلى الغرب من قلب العاصمة، أشاهد خطاً، تسمونه خط التماس يفصل بين الحاجبين.
لماذا تضعون المتاريس، وترفعون الستور الترابية وتحفرون الخنادق في جبينها؟ لماذا تتجمع وترتفع أكياس الرمل وتتحلق، متراصفة، تتخللها  كوى ومنافذ للرصد والرؤية وإطلاق الرصاص. تمتد منها نحو الفضاء سبطانات الأسلحة الخفيفة والمتوسطة؟ لماذا؟ لا تصوبونها وتوجهون راجماتكم ومدافعكم التي تقصفنا إلى قوات المارينز، الآخذة بالقدوم إلى شواطئ بيروت؟ لماذا لا توجهونها إلى الخاصرة الجنوبية الجريحة؟.
إننا قادمون ضيوفاً إليكم نبتغي أن يبقى هذان الحاجبان متصلان مع بعضها ونزيل الغبار المتراكم بينهما حتى أوشك أن يتحول إلى تلال من الفرقة و الكراهية، نزيله ونمسحه بمناديلنا البيض. لا نريد أن نجرف صخور أرضكم ونقطع أرزاقكم  مهمتنا أن لا نقطع. مهمتنا أن نزيل الستور الرملية  ونفتح البوابات على مصاريعها.
صمتَ الحارس لحظة ثم قال: أسلحة المنطقة الشرقية هي التي قصفت مشفى البربير وكادت عائشة المستلقية فوق سريرها في قبو تحت الأرض، أن تُصيبها الشظايا. أكياس الرمل المرتبة فوق بعضها، والمبنية كجدار بناء، شكلت حماية لها.
هل تسمع أنينها؟
أسمع. . اسمع، لا تتنفس! اقطع نَفَسك ثانية واحدة.
وعندما ضبطتُ أنفاسي لبرهة قصيرة كان الأنين مترافقاً مع نزف الجراح. كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً، وأنا أتقلّب على ظهري وجانبي، علّي آخذ إغفاءة، فالوهن والإرهاق أتعباني.
تتسلل نسائم لطيفة تحمل رائحة البرد تنقل إليَّ صفاء الفضاء، ونداوة الليل. وتُقبّل حزم الضوء بلّور النافذة. تدقّ عليها دقات خفيفة، بينما كان حيّان يتثاءب، كانت الشمس تبزغ من الأفق، تكسو أحلامنا دفئاً وجمراً. لم أصحُ. إلاَّ على صيحات الحراس، وطقطقة الطناجر والصحون، وهدير محركات السيارات.
تركتُ حارس المشفى يراقب الطرقات، أغلقت الأبواب والنوافذ والشقوق التي تسرّب إلي همسات الأحلام ووشوشاتها. نهضتُ مع الناهضين، وحين نظرت عبر الزجاج، كانت الساحة  تعجّ بالجنود والشاحنات والحركة والأصوات.
تتحرك الدبابات إلى الأمام تارة وإلى الخلف تارة أخرى دون أن تبرح حُفرها. وخلف مرابض المدفعية كانت الطواقم تنظف السبطانات وتحضر صناديق الذخائر. خلف الأبنية عناصر من المجندين وصف الضباط والضباط. انطلقت صافرة طويلة. أخذت الأبواق المنصوبة على القصر القرميدي تهدر وتجعر بأصواتها، وتدوّي، تصل إلى أعماق العاصمة. تحركت سيارات الإسعاف. هبّت مندفعة كالريح من مخابئها، تركت ظلّ الجدران. أما الأشجار فبقيت منتصبة القامات وعلى أنساق، مصفوفة كأنها عرائس في ساعة الزفاف، أعناقها مرفوعة، تراقب  الشوارع والأبنية وحركة العناصر والناس.
تأبّطت خريطة بيروت المحملة بالخطوط الحمر والزرق. دققتُ في جميع المواقع القديمة والجديدة. مررت إصبعي فوق جسر الموت ثم مررته على جسر الدورة وبرج حمود.
هبطتُ السلّم إلى قبوٍ، دخلت إلى غرفة  العمليات الحربية فكان القادة، من المراتب العليا، ورؤساء أركان الكتائب، وقادة السرايا والفصائل المستقلة، يتحلقون حول طاولة مستديرة وكبيرة. بعضهم نزع الرتب، وآخرون وضعوا خوذهم النحاسية بجانبهم.
 تقدمتُ. . فتحت خريطة بيروت. تراجعت إلى الخلف خطوة. راقبت الموقف العسكري الجديد بصمت دون أن أنطق كلمة واحدة. استمعت إلى أحاديثهم، وخططهم، والمناقشات الدائرة حول الخطة.
حمل حيّان المنظار الجديد. وقف في زاوية دون أية حركة. في البناء العالي يراقب ويفتش طيّات الفضاء. يبحث عن أشياء تنبئ عن رعود وبروق قادمة. وعن أمطار تغسل الأحزان وتمسح الأوجاع وتطهرها، وتزيل الآلام.
قال " قا.ك" : قواتنا كثيفة في سن الفيل، وتضم كل أنواع الأسلحة، والاختصاصات، والاحتياطات الضرورية. ووصلت قوات مساندة من بيروت الغربية.
تناول جهاز اللاسلكي، أبدل الموجة. وجّه نداء إلى قادة السرايا والفصائل، وأصدر التعليمات بالانتشار وتوزيع العناصر حسب موقع كل سرية وفصيلة. ركزّ معظمها في الجهة الشرقية خوفاً من تسلل عناصر من القوى المناوئة، من حيَّ النبعة، والغدر بقواتنا. وأما سرايا الدبابات والمدفعية فأوعز إليها بأخذ مواقعها وراء القصر.
قال مطمئناً " لن يطول بقاؤنا أكثر من شهرين. وفي أوائل الشتاء ستتم عملية التبديل". نقلت هذا الخبر إلى حيّان ساخناً، لكني لم أجده في مكانه المعتاد، بل وجد مكاناً أفضل في الزاوية الشمالية. ثبّت يديه جيداً. وجّه رأسه إلى برج حمود معتقداً أنه سيرى أبا سركيس بهذه السهولة يرش الورود بالماء وتموء القطط في باحة الدار، وما دفعه إلى هذا الاعتقاد، عدم وصول أي خبر منذ الرحيل.
لا أريد أن أفتح طاقة جديدة في قلبه. تركت الوجع منسيّاً في حفرة صغيرة. أمات نبضة فأخذ مكانها هناك على جانب درب تصل بين الرأس والقلب. ولا أعلم إذا كانت أحلامه تقترب في تلك الليلة من هواجسي.
فوجئ حيّان بالأخبار الجديدة. بدأ صبره ينفد. شتم الحياة. تطاير لعابه مع دخان سيجارته. هدأته  روضت أعصابه. أكدت له، أن الاحتمال الأول هو التبديل والاحتمال الثاني، وهو الأضعف استمرار القتال.
وحينما سمع بما جرى لي في الليلة الفائتة مع حارس" البربير" كادت عيناه تقفزان من محجريهما، ويسقط المنظار من يده. تركته يتساءل عمّا يجري وما مدى صحة هذه القصص والأقاويل!
- لا أصدقك يا محمود! إنك تعاكس الأحداث. وتعكسها لي مكثفة. الأمور تتعقد أكثر من الأول، خصوصاً بعد قدوم " المارينز" والتهديدات الأسرائيلية، ونواياها الخبيثة في شن هجوم كبير، واقتحام بيروت. والتطورات الحاصلة مؤخراً في دول أوربة الغربية، وجولة " البابا" الطويلة في عدة بلدان  واللقاء المرتقب مع زعماء حزبي " الكتائب" والأحرار". كل هذه التطورات المكوكية تدفعني للاعتقاد، بل للجزم، بأن عودتنا إلى سورية ليست بهذه السهولة والسذاجة. سنبقى هنا أو ننتقل إلى مكان آخر من بيروت الشرقية. فالأوراق السياسية اختلطت مع بعض، وتستمر المشاحنات والتهديدات. والأهم من هذا وذاك أن عائشة لم تتعافَ. مرضها معقّد وجرحها عميق، وهذه المدة غير كافية لالتئامه.والعلاج المقدّم لها علاج مؤقت، إنها مسكّنات يا محمود! أقراص تهدئ الأوجاع وتخفف الآلام، وما إن ينتهي مفعولها تعود إلى ما كانت عليه. ولا يتم الشفاء التام إلا بعد إزالة الأوجاع وتطهيرها من الآلام. وإذا أراد أي طرف من الأطراف المتقاتلة، عليه أن يضع إصبعه مكان المسامير، ويلمس إكليل الشوك فوق رأسها.
انسحب حيّان إلى الداخل. بقيتُ أفكر وحدي في مغزى حديثه. أنظر في البعيد البعيد، أوزع بصري، أشتته وأقفّز فوق التلال والطرقات ورؤوس الأشجار الممتدة خلف الأبنية.
لحقت به بسرعة حين اصطدمت طلقة سامة بحافة النافذة العليا فكّرتُ بما حصل، ما سيحصل، وهل ستكون هذه الرصاصة بداية للقتال؟
أعرف من تجربتي أن البدايات قذيفة مدفعية أو قنصة. وكان هذا الأمر شائعاً في الماضي القريب، وسيتكرر الآن. وهذا القنّاص رصد تحركاتنا وأراد مداعبتنا ممازحاً بندقيته أو مغازلتنا في هذه الظهيرة، وهو متأكد أن هذه الطلقة حتى ولو قتلت أحدنا لا يخسر شيئاً، ولا تسبب له الأذى، والانزعاج، وهو أمر عادي جداً في الحرب اللبنانية الأهلية.
لاحظ حيّان اصفرار وجهي، فقدّم لي كأساً من الماء، وبينما هو يحدّق إلى جلد وجهي. كانت محركات الدبابات تهدر وتنفث دخاناً كثيفاً، وغباراً، من مكان بعيد. عرفنا أن عملية عدوانية نُفذّت ضد أحد حواجزنا على طريق الشام، وقُتل فيها ثلاثة عناصر، وأعُطبت سيارة مدنية كانت تعبر الطريق في تلك اللحظة.
ظلّ أمران يشغلان تفكيرنا، الانتقال إلى مكان آخر أو التحرك النهائي، وإجراء عملية التبديل. وفيما كان حيّان يدبّر أمور  الغداء، كان الحاجب يحمل معه رزمة من الأوراق  والمصورات الصمّاء لبيروت. قال، قبل أن يسلمني الأوامر والتعليمات " سينتقل مقرّ " قا:ك" إلى بناية أخرى" وأشار إلى جهة معينة وما علينا إلاَّ الإسراع بجمع الأسرة والفرش والبطانيات، والتعليمات والمصنفات لكننا تأكدنا أن احتمال تجدّد القتال غير وارد خلال الأسبوع القادم!.

-5-


ممر مشفى البربير طويل. مرآتان متقابلتان، مثبتتان على الجدارين  النظيفين.
تركن غرفة عائشة في نهاية الممر. فيها سرير واحد وطاولة، وثلاثة كراسي مدهونة باللون الأبيض. ستارتان شفافتان، وخزانة صغيرة بجانب السرير.
لملمت عائشة نفسها. جلست. شعرت بقوة تدفعها للنهوض. ترتدي ثوباً طويلاً رقيقاً، يظهر القسم الأعلى من ثدييها. ذراعان عاجيان، كرخامتين مصقولتين. ساقان منسقتان مغريتان.
وقفتْ. مشتْ. تدرّجتْ في الممر. حدّقت إلى المرآة. حُوصرت بين مرآتين وجدارين. البلاط الذي تقف عليه يلمع، كماسة مصقولة. صورتان واحدة للواجهة الأمامية والثانية للواجهة الخلفية. الشاش الأبيض يلفّ جسمها. رأسها معصوب. بقايا دماء جامدة، متيبّسة.
تحسستْ فخذيها ويديها وبطنها وظهرها. اقتربت من المرآة أكثر. أضاءت شمعتين تقفان كشاهدين  على زاويتي المرآة من الأعلى، مثبتتين على صحنين صغيرين مجوّفين. مسّدت بإصبعيها حاجبيها. كل شيء كما هو وعلى وضعه السابق، سوى أن الشكّ تموّج في داخلها على شكل أسئلة باردة وحيرة.
عادت إلى غرفتها. تسندها ممرضة. ألقت جسدها فوق السرير وطلبت من الممرضة أن ترفع القسم الأعلى من السرير، ففعلت، وارتفع معه القسم الأعلى من جسمها.
وكررت طلباً ثانيا بنقلها إلى الطابق الأول بعد أن اطمأنت على توقف القتال واستمرار وقف إطلاق النار. لم تسمع منذ أيام أصوات قذائف. أصوات أخرى لمصابين بجروح. أنين ينزّ ويندفع متخثراً كدمائها  في الغرف المجاورة لغرفتها.. وجثث محمولة على نقّالات إلى غرفة "عزرائيل" أو تخرج منها، وتنقل إلى سيارات  إسعاف. لكنها لم تعرف المكان الذي تنقل إليه " هل إلى المقابر أم إلى المشرحة؟"
 همسات تحثّ خطواتها متسربلة في عروقها وأوردتها:" تحولت حبيبتي بيروت إلى مدافن. ازدحمت المقابر بالأموات. قلبك يابيروت حفرة تتسع لألوف الناس. تتسع للأموات والأحياء المختبئين والصامتين والهاربين والجائعين" البحر هائج. تُصغي عائشة إلى ارتطام الأمواج  بالصخور. " تمنّت لو أنها تقف على صخرة من صخوره. تترك بصرها يسبح مع الجثث الطافية على سطحه، وبقايا ثياب ممزقة. وفوارغ قذائف، وأخشاب ورؤوس أطفال ونساء، وبذلات عرائس بيضاء. ورود ذابلة، وأحلام معصورة أو مطحونة من القهر والجوع والعري واليتم.
أحلام سوداء، عرجاء، عوراء، وقرود تبكي من الجوع".
ممرضتان تتساعدان في وضعها على نقالة. تلتصق النقّالة بالسرير. تستلقي على جنبها، يحملها مصعد عاد إلى العمل بعد إصلاح محرك الكهرباء. هواء لطيف يندفع من مدخلي الممر المواجهين لبعضهما. تنتعش قليلاً. يتحسّن وضعها. طموحات تدور وتتحرك في رأسها وأمام مقلتيها. أمنيات تعود مشدودة بأحزمة مطاطية كي لا تهرب. تبحث وتفتش عن جسدها الضائع  وعن جسر الموت. اُمنيتها أن تقف ولو مرة واحدة فوق هذا الجسر، لأن بقايا دماء نازفة تركتها هناك. جراحها هناك. وقُبلاتها هناك...
لم يحن الوقت بعد لمغادرة المشفى. الجراح طريّة، واللحم مهترئ والشعر دبق تكسرّت فيه أمشاط من العظم والمعدن. مَنْ يشفق عليها  ويخطفها، مَنْ يوقع على أوراقها ويطلق الحرية لها. تريد أن تترك المشفى للآخرين. لم تَعُد بحاجة إلى الأدوية والمعالجة. ستبحث عن ساحرة، مشعوذة تبخّر لها. كرهت روائح الموت والأموات والأدوية والعطورات والمناظر المؤلمة وغرف العمليات والإسعافات، والألوان الرمادية والزرقاء. شاشة واحدة بيضاء تساوي آلاف الجراحات وآلاف القذائف. صورة تُؤخذ لها، تلتقط كل تفاصيل  جسمها أفضل من الكرة الأرضية. صورة للذكرى ستحنّطها في قلبها، سترفعها في تظاهرة كشاهد على مايجري في عاصمة السواحل.
ستقول للعالم : هذا أنا! عائشة  المؤجرة بنت الجبل رهينة. كفى تدنسونني وتدوسون بأحذيتكم الثقيلة على روحي. كفى أيها الطامحون إلى المحبة، كفى أيها السارقون ذبالة جسدي.
كفى أيها الحقير، ابن المعلم، كفاك تمزيقاً وتفتيتاً ورعونة. ألقوا ألغامكم وقذائفكم  في البحر. كفى دموعاً على بيروت. فالتماسيح تبكي. دموعكم كدموعها، مالحة لزجة مميتة.
اليوم صممت عائشة أن تخرج لتحطّم المشاهد اليومية  المؤلمة، وأن تنزع من قلبها زخات الأوجاع وغصّاتها، أن تبحث عن أحّبتها " حيّان - أبو سركيس - أم سركيس- الورود والأزهار - وعن القطتين"
تعثرت أفكارها وتصوراتها وأحلامها وهي تمرّ في درب تأملاتها بأبي شاهين يدخل مرتدياً ثوباً قذراً، يحمل رائحة أنوثتها.
انسلّت. . خرجت. . سرقت خطواتها في الهدوء، قبيل طلوع الشمس ورؤية الغيوم والسماء والضباب. مشت  نحو خط التماس مسافة طويلة  تركت فوق سريرها ورقة وجملة واحدة  بخط كبير" سأعود مساء لا تقلقوا"‍‍‍‍‍!!
الشوارع تغصّ بالناس وألوان ثيابهم والسيارات، تزدحم الأسواق بالسلع والخضراوات. كلما قطعت عدة أمتار تتوقف بجانب حائط، تسند ظهرها إليه، تتكئ على عكازاتها. تضع يدها فوق مقدمة سيارة واقفة على قارعة الطريق، تتفحص الأشياء
تُعد الطلقات والكوى المفتوحة في الأبنية والسيارات المعطوبة. تحملق إلى الأطفال والصبايا والشباب، والنساء اللواتي يحملن أكياس المؤونة والخبز وصفائح المياه" وبيدونات " الكاز والبنزين.
أرتال بشرية طويلة وتطول. تبدأ من أول الشارع حتى بوابة المعبر. تتوضع على جانبي خط التماس الستور الترابية وأكياس الرمل ومساند الحماية.
وصلت إلى خط التماس تلوك أوجاعها بصبر. وقفت في أعلى كومة. ساعدها بعض العناصر المسلّحة حتى وصلت إلى قمة التلة. وجدت كرسيّاً صغيراً. جلست فوقه، مُتهالكة. تنفست وارتاحت قليلاً بعد هذا المشوار. أخذت تتحسر، لكنها لم  تبكِ في تلك اللحظة. لأن الوقت الآن ليس للبكاء والندب. الوقت الآن لرسم صورة شاملة تُعيد إلى قلبها الأمكنة الجميلة، وشاطئ البحر الذي تركت فيه حُلماً وُلد صغيراً، وكان آخر الأحلام الدافئة. أطلقت رشات من الكلمات، وجملاً تعتصر مرارة.
كأنها تُلقي خطاباً أو بياناً مُخاطبة نفسها" بيروت تصرخ من الجانبين. محراث الموت شقَّ أثلاماً في جسدها. يرصد الموت الشواطئ. تمتلئ الموانئ بالأسلحة والمخدرات. أفاع تطوقها، وتحمل البواخر المغادرة ميناءها، أبناءها، تنقلهم إلى شاطئ عالم آخر أكثر أمناً وسلامة. تسبح في بحرها طرّادات قادمة من الجنوب والشمال. تحتضن صخورها زبداً ملوثاً" ثم حملت منظارها، ربطته إلى رأسها ربطاً جيداً، ووقفت فوق التلة تخيط في هذا الصباح ثوباً لجسدها.
أرادت أن تلملم وتجمع نتف اللحم  المختلط بالتراب وأن تحفر درباً جديداً لكنها نزلت حين رأت أدخنة تتصاعد من الأبنية. سمعت أصوات طلقات نارية وانفجارات. كانت تنقل قدميها ببطء. تغزر  عكازاتها أمامها خوفاً من لغم ينفجر، يسحقها وينثر عظامها ولحمها، يقطعها إلى نتفٍ.
سارت في محاذاة خط التماس. رافقت جميع الدُشم. سلّمت على جميع الناس الذين صادفتهم في طريقها. لم تكترث وتهتم بمهازل المسلّحين ونكاتهم المريرة.
هزأت من تهديداتهم وتوعداتهم، لأنها تدرّبت على القتال ومواجهة المصاعب وأتقنت فنّ المواجهة.
تقترب شيئاً فشيئاً من بوابة المتحف. قالت لأحد الحراس الذي طلب منها إظهار بطاقتها الشخصية: ممزقة كجسدي. معطوبة. ضيعتها منذ زمن. أنتم المسئولون عن ضياع هويتي وطمس ملامحي وإهلاكي وتشردي وسحقي. أسلحتكم هي التي أفرغت قذائفها في جسدي، وأشعلتم النيران فيه، فذاب لحمي وتحطّمت عظامي.وقذارتكم لطّخت ثيابي ولوثتها بالدنس... هُمْ. .هم. . هؤلاء الذين لا أعرف أين يكونون الآن. . هؤلاء. . حيّان ومحمود و" قا.ك" والعشرات والمئات الذين أتوا من أماكن بعيدة وأنقذوني. . أنا طلبت منهم ذلك. ولولاهم لم أكن حيّة إلى هذا التاريخ.
اتركني في سبيلي، تائهة، وما شأنك ببطاقتي الشخصية. أنت تعرفني وأعرفك منذ آلاف السنن، تأكل وتشرب وتجوب جسدي طولاً وعرضاً، والآن تتنكر للجميل!
 ها أنذا أقترب من جسر الموت، سأقف فوقه وأفك رباطات رأسي وخصري وأرفع الشاش الأبيض لماذا توجه إليّ السلاح؟ لماذا تصوّبه إلى رأسي؟ ألا يكفيني تمزّقاً وتشتتاً وجوعاً وحرباً!!..
 تابعت تتمايل وتترنح. تضغط على عكازاتها حتى وصلت إلى الجسر، ولم تزعجها المناظر والصور لأنها ستعيد المحبة إليها وترممها كي تحيا من جديد صورة الجسر هي هي  لم تتغير. وجهت منظارها إلى سن الفيل، عبر  الطريق الصاعدة. هبط بصرها مع الطبيعة وبين الأبنية  والممرات الضيّقة. خلعت المنظار. سبح تفكيرها وتموّج في فراغ نهر بيروت  الجاف. لم تقدر أن تلمس جوانبه الأسمنتية الناعمة. تجاوزت العقبات والصعوبات، وحيدة في تلك الظهيرة.
نسيت أباها  الذي باعها  كخادمة. أجرّها بمبلغ زهيد من المال يدفعه " المعلم" كل سنة إليه. ومنذ سنوات وقبل حرب السنتين لم تره ولم تسمع أخباره وأخبار أُمّها وأهلها وأقاربها لكنها وجدت في حيّان الذي يحمل رائحة الوطن وأهزوجه الأرض ملاذاً تحتمي به.
قلت : أنت ياحيّان هادئ على غير عادتك: أين منظارك. ابحث في جوفه عن آثار خلدت إلى روحك وأنعشتك في فترة ما. الزمن يتحرك وأنت لم تخطُ خطوة واحدة نحو المستقبل. كأنني أرى في ملامح وجهك أساطير وتاريخاً وتراثاً. . وأرى أجواء جديدة تحمل الضباب وبشائر غير سارة. أظنّ وكما كنت تردد " بعد الهدوء يحدث الانفجار"
دبّت الحماسة فيه. تناول منظاره وجّهه كمدفع إلى جسر الموت، كأنه يرسل من قلبه موجات الوداع. يعتقد أن أملاً مهاجراً إلى مكان مجهول، احتضنته الأوجاع والأقبية الرطبة.
قطع حيّان سُرّة حلم فانفلتت، وسالت دماؤه. حلم تحجرّ في ذاكرته.. اثنان يودعان مكانين وقلبين وروحين. لم يبق إلاَّ هذا العناق البعيد بين منظارين وعيون. وحزن يرافق عائشة في طريق العودة إلى آخر ملجأ فيه بعض الأمل، فيه بقايا أنفاس دافئة.
أرادت أن تكون صادقة في مواعيدها. أدارت ظهرها للنهر. بدأت تجرجر جسدها باتجاه بيروت الغربية.
هزأ حراس بوابة المتحف منها ومن مشوارها وأفكارها وأحلامها، حطموا منظارها وكسّروا عكازتها، ومزّقوا بطاقتها الشخصية. رفسوا بأحذيتهم كل الأشياء الجميلة واستمروا يعضّون لحمها بأنيابهم، ويلحسون دماءها بألسنتهم، وكانوا يقولون لها: " لا تتعبي نفسك وتجهدي روحك. نحن باقون هنا رغماً عنك. سيظلّ قلبك مقسوماً فلقتين، واحدة للشرق، وواحدة للغرب. وفي خاصرتك غرسنا حربة، وقطعنا وردة، وسنشعل النيران في بقايا هشيم على أطرافك".
 سخرت منهم. أجابتهم بصلابة. غرست في حلوقهم أشواكاً. فانتفضوا في وجهها واستمرت في مواجهتهم قائلة:" سيأتي اليوم الذي تزول فيه جميع الدُشم والستور الرملية وحواجز الأتربة  وتفتح بوابة العبور بين قسمي بيروت، وتندلق مياه البحر على وجوهكم، ويعبر الهواء من الشرق إلى الغرب وبالعكس، يحملكم كنفايات ويلقيكم في جوف الصحراء".
وفيما كانت تدخل غرفتها في المشفى. تنتظر الممرضة عودتها بلهفة  وقلق، كان الحاجب  يحمل أمراً جديداً يقفز فوق الدرجات مسرعاً.
في هذه المرة تعالت ضحكاتنا، لأن ساعات الصباح الأولى، ستكون محمّلة بمشقّة الطريق الواصلة بين "جسر الباشا و " الفيّاضية" صعوداً فوق طريق الشام. . " بحمدون" و " صوفر". . إلى ضهر البيدر..
فرحة لا تُباع ولا تؤّجر، لكن بعض الحزن مازال يعشش، لأننا تركنا قلباً خسر عشرات النبضات. . تركنا جرحاً مفتوحاً للشمس والريح، يعود إلى الالتئام. . ورغم العتمة ظلّ الأمل يكبر ويكبر في قلوبنا...
لن نتركها وحيدة، جريحة، مريضة. سيأتي اليوم الذي تتعافى فيه. وتعود صحتها إلى ما كانت عليه. ستمشي وتخلع قفازات الشاش. ستمشي على قدمين سليمتين، وتبدأ بوابة قلبها تشرّع مصراعيها لجميع اللبنانين والناس والأصدقاء والزوّار.بوابة مفتوحة على جهات العالم الأربع، تنثر الزهور والورود عطرها، زهور مغسولة بالروائح الطيّبة طاردة مناظر الموت والدمار والجنون.




رقم الايداع في مكتبة الأسد الوطنية :

جسر الموت :رواية / باسم ابراهيم عبدو - [دمشق]: اتحاد الكتاب العرب، 1997- 135ص ؛ 24سم .

1- 813.03  ع ب د   ج                                             2- العنوان                 3-عبدو

ع-923/6/1997                                                     مكتبة الأسد


جسر الموت- رواية باسم إبراهيم عبدو
رواية ذات مضمون حديث وواقعي، تحكي قصة الدفعات الأولى من الجنود السوريين الذين نهضوا لمؤازرة الشعب اللبناني الشقيق والحد من الحرب المدمرة التي كانت تفتك بالناس دون تمييز، ويؤكد المؤلف في فصول هذه الرواية أن الوطن العربي هو وطن لكل العرب وأن نضال أي عربي على أية بقعة من بقاع الوطن العربي هو تعبير عن وحدة هذه الأمة ووحدة ترابها الوطني..

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire