dimanche 18 novembre 2012

العصفور والريح5


- 32 -
 ((ستر الله ولطف. وأنقذ برحمته وعطفه القرية من فاجعة كبرى، كادت تودي بحياة أربعين شخصاً..
انفجرت عجلة السيارة الكبيرة، الأمامية. أثناء عودتها فانحرقت عن مسارها. وبدل أن تهوي في الوادي اصطدمت بكتلة صخرية. حطمت واجهتها الزجاجية، وسمرتها في مكانها.. فحفظت أرواجاً بريئة من الضياع قبل أوانها..
لم يمت أحد. ولم تكن إصابات الركاب بليغة. ومع ذلك نقلوا جميعاً وعلى رأسهم المخرف، إلى مستشفى أربيل المركزي. بسيارة عسكرية، كانت تمر آنذاك..))
أخبرني عيسى بكل هذه التفاصيل. وهو يسلمني الملف والأوراق المستنسخة، وقنينة العطر.. ويعلمني بشأن طبيب العيون.. ويعود إلى أربيل ثانية للأطمئنان على أبيه.
ضجت القرية وعم الصخب، وتدافع الأهالي للنجدة بعد فوات الوقت.. إذ كان الجنود أسرع منهم بنقل الجرحى دون تلكؤ.. وبتكاتف  الرجال تمّ سحب السيارة إلى الساحة، إبعادها عن الطريق الجبلي..
كنت واقفاً أتفرج عندما جاءني المختار:
-سأبذل كل جهدي في سبيل إتمام الطريق الجديد.. حسب اقتراحك يا كاكاحمه.. فكفى مصائب.. كفى ضحايا..
أفرحني موقفه.. وزاد فرحي بعد خطبة الجمعة، في اليوم التالي، إذ انبرى متحدثاً، كلماته المؤثرة أثارت الحمية بالرجال، فتوافدوا عقب الصلاة إلى موقع الطريق، يعلنون مساهمتهم، استعدادهم للعمل، كل بما يناسب عمره وصحته..
رأيت حسان بين الوافدين.. جاء على حياء، وربما رغماً عنه.. وبدا واضحاً أثناء عمله بجد، إنه يتحاشى التقرب مني خلال الساعات الأولى.. ثم بدأ يتقرب شيئاً فشيئاً ويحاول الاحتكاك بي، ليحادثني وينال كلمة إعجاب وإطراء، على تفانيه بالعمل..
كان العمل يجري ببطء متناه وبهمّة، حتى جاء الشفل في اليوم الثالث. فجرى بسرعة متواترة وإحكام.. وانقسم الرجال إلى حفارين وحمالين، ومعبدي طريق..
-إنها فكرة عظيمة يا كاكاحمه.. ما خطرت على بال أحد..
قال لي حسان. فجاملته قائلاً:
-بالسواعد الخيرة سينجز العمل على أكمل وجه، ويتحقق أملنا..
انتشى وازدان وجهه بابتسامة. وسكت كأنه يختار الكلمات المناسبة. عيناه أفصحتا تردده في مصارحتي بما يريد.. عجزه عن إخباري بما جاء من أجله. ولم أحتمل عذابه سألته:
-ماذا بك يا حسان؟ عقد لسانك كما أرى!
-نعم..نعم يا كاكاحمه.. فأنا خجل منك ولا أعرف كيف أبدأ! كيف أفتح الموضوع معك..
شعرت بمعاناته، حاولت التخفيف عنه. فمازحته.
-أنت لم تأت لتصالحني فحسب، بل لأصالحك مع الخانم فغرفاه مدهوشاً، وغمغم معترفاً:
-صحيح، واللّه صحيح..
ضحكت، فتشجع ليضيف:
-هذا ما سعيت له. أمي غاضبة عليّ! لا تكلمني ولا تريد أن تسمعني.. أقسمت ألا ترى وجهي! وحرمت دخولي إلى البيت!
-وأنت تعيش وحدك في جناح منفرد.. ككلب أجرب.
-تماماً.. آكل وأشرب وحدي.. أرجوك يا كاكاحمه أتوسل إليك.. كلمها، لتغفر لي وتصالحني.. سأتوب على يديك ويديها.. أنا مستعد لكل طلباتها.. سأنفذ ما تريد.
-اطمئن.. يا حسان.. سأكلمها بشرط..
-أوافق عليه قبل سماعه..
-المضيف.. الديوان الفارع..
-مابه؟
-نريده مدرسه للأطفال..
-مدرسة!!
-سنقسمه إلى ستة صفوف دراسية، وغرفتين إحداهما الادارة وأخرى للمعلمين.. وفلوس البناء عليّ..
-لا.. وحق الله.. لن أدعك تدفع فلساً واحداً.. سيكون البناء على حسابي.. هدية مني إلى القرية..
-بارك اللّه بك.. هذا ما توقعناه.. أنا وعيسى..
-عيسى..!!
-نعم.. قبل أيام أخذته إلى الديوان.. أطلعنا على مساحته قسناها ورسمنا المخطط.. منذ شهر ونحن نبحث عن مكان مناسب.. لم نجد أفضل من ديوانكم.. الذي ما عاد بذي نفع.. لكم..
-لو كنتم أخبرتموني..
-ألم يحن الوقت للتتزوج وتريح أمك؟
بوغت بمقاطعتي السريعة وسؤالي المفاجىء.. ولم أمهله يلتقط أنفاسه، أردفت موضحاً ومشجعاً:
-المرأة التي ستدخل بيتكم ستساعد الخانم، وتسعدك.
-أتزوج؟! أمر لم يخطر على بالي أبداً.. لم أفكر به..
خطرت شذى في ذهني. وجدت الشخص المناسب لها. فبشيرة لم تفعل شيئاً إلى حدّ الآن.. فشلت مساعيها مع يوسف.. ربما لم تكلمه بشأن شذى.. وربما لم يوافق فعلاً..
أحسست بصداع، وسرى خدر بسيط في ساقي وأنا أجيب:
-لم تفكر!! أتراك ناقصاً؟ يجب أن تتزوج لتبعد عنك الأقاويل وتقطع ألسنة السوء، ولتستقر.. انتشى أكثر.. ابتسامة الرضا التي ملأت وجهه، مسحت الخجل الذي كان يحس به. وشجعته على القول:
-أترى ذلك ضرورياً يا كاكاحمه؟
-بل واجباً.. لا تدرك قيمة الزواج إلاّ بعد أن تخوض غماره.. ستجد فيه اللذة والسعادة والصحة..
-أنت تشجعني..
-قل لي، ألديك واحدة تحت الإبط؟
-لا.. وحق الله.. لأني لم أفكر بالزواج قبل اليوم.. أتقترح عليّ واحدة.. شريفة وجميلة؟
كأنه أراد اختباري.. جس النبض.. ومعرفة السر في اقتراحي.. ومع ذلك قلت بلا مبالاة:
-قريتنا ملأى بالبنات.. ما رأيك بابنة عمتي؟
-شذى؟!
-إنها تناسبك.. عمرها مناسب وأخلاقها حسنة، ولا ينقصها الجمال..
عرضت عليه شذى.. وكلي أمل بأن أتخلص من ورطتها. وأخلصها هي من النحس الذي يلازمها..
من جديد، أحسست بالخدر يتجاوز ساقي، ويسري في عروقي. وشعرت بصداع مفاجىء. وضعت كفي على جبهتي.. فسمعته يسأل:
-أيقبل الحاج صالح؟
-إذا نو..يت فسأ..كلـ.. مه..
-مابك يا كاكاحمه..؟ وجهك أصفر!
-.....
غمزني الألم دفعة واحدة فعاود سؤاله.
-هل تشعر بشيء؟ أتحتاج لمساعدة؟
-اتركني وا..ذ..هب..
-مستحيل.. تعال.. سأخذك إلى البيت..
لم يكمل.. تهالكت.. سقطت فجأة.. تمددت على الأرض خائراً.. وسمعته يصيح بأعلى صوته قبل أن يغمى عليّ.
-يا رجال.. يا..

vvv


- 33 -
أخبرتني أمي حين أفقت من غيبوتي، بعد ساعتين:
-الرجال حملوك إلى هنا، إثر سقوطك المفاجىء..
كانت تجلس عند رأسي، على السرير فزعة مرعوبة. بيدها كمّادة. وجهها أصفر وعيناها هلعتان، وشفتاها تبسملان، تتمتمان بقصار السور.. بينما جثمت هدهد على الأرض، وهي أكثر فزعاً ورعباً، تمسّد يدي وتبكي.
فطنت لما أصابهما بسببي. فوجب إدخال الأمان إلى قلبيهما، وإزالة الفزع..
لاعبت ذقن هدهد بأصابعي وطمأنتها، وأنا أبتسم لأمي:
-حبيبتي هدهد.. أنا بخير.. بخير.. لا تشغلي بالك.
تحركت بغبطة، مررت راحة كفها على جبهتي.
وسألتني برقة وحنان:
-مم تشكو با بن عمي؟
-التعب.. أرهقت نفسي بالعمل..
زفرت أمي بحرقة وألم، قالت ويدها تضع الكمّادة:
-من ذا يستحق أن ترهق نفسك لأجله؟!
ابتسمت لها. رفعت الكمّادة عن جبهتي. وضعتها بيدها.. وأبديت اعتراضي:
-لا يا أمي.. لا.. كل شخص في القرية يستحق أكثر مما عملته لهم.. أتدرين يا أمي كم سينفعنا الطريق الجديد، إذا تم؟
تهكمت.. حركت يدها اليمنى باستهانة، وكشفت عما يجيش في صدرها:
-إذا تم!! ما إن سقطت متهالكاً من شدة التعب، حتى تفرق الجميع.. نقلوك إلى هنا وانصرفوا هم إلى بيوتهم..
آلمتني أمي بقولها. شعرت بنغزة في القلب. وحتى لا يسري الإحباط في دمي قلت لها:
-يا أمي، أنا لم أجبر أحداً.. جاؤوا متطوعين للعمل، من تلقاء ذاتهم..
-كفاك تهوراً.. اشغل نفسك في الأرض.
ازداد ألمي.. إلاّ أني لم أظهر أمامها بموقف الضعيف. سكت.. تركت السرير.. وتناولت ما أشبعني..
واستفسرت عن المصابين في باص المخرّف. فتمنت أمي:
-لو يخلصنا اللّه من المخرّف..
-حرام يا عمتي..! ادْعي له بالشفاء..
تدخلت هدهد بأدب.. وسارعت أمازح أمي:
-ربما يكون النصيب.. يا خجة..
ضحكت هدهد وامتعضت أمي.. ودمدمت.
خرجت على الرغم من ممانعتها، وتوسلات هدهد للبقاء.. توجهت إلى موقع العمل.. لم أجد أحداً! حتى الشفل لم يكون في موضعه! فتفاقم ألمي وغضبي..
وكدّت أتهور بذهابي إلى المختار وشتمه، بسبب تقاعسه، نكثه للوعد الذي قطعه لي.. إلاّ أن العم مصطفى، استسخف تصرفي. قال ناصحاً وهو يجرني إلى بيته، من الطريق:
-ما بك يا كاكاحمه؟! أولاً، حل المغرب وحان وقت الصلاة. ثم إن الرجال لا يعملون بأجر كي نبقيهم.. ولا تنسى مصيبة الباص والجرحى الذين في أربيل.. أفقدت الجميع صوابهم.. فواجب زيارتهم وتفقد احتياجاتهم أمور شغلت العقول.. أنست الناس حتى أنفسهم.. ولِمَ هذه العجلة؟ أتريد إنجاز النفق والطريق في يوم واحد..! إن موسم الشتاء سينتهي، وسيبدأ الربيع.. وأمامنا وقت طويل.. وسننتهي من الطريق حتماً قبل انقضاء الصيف.. نريده عملاً متقناً لا يتضعضع من الريح، ولا ينهد من ثقل السيارات ولا ينجرف مع السيول القادمة.
أدركت الخطأ، وسوء تقديري للأمور وعواقبها. فتراجعت عما نويته.. وفتر غضبي..

كنا وصلنا الباب، فحاول إدخالي لتناول العشاء، فرفضت. اعتذرت بسبب معرفتي لعسر الحال عندهم.
فكرت بهم وأنا أتجه إلى المقهى. ورأيت وجوب مساعدتهم. وتساءلت مع نفسي بدهشة:
"كيف نسيتهم كل هذه المدة؟! يجب أن أكلف هدهد باعطائهم مبلغاً يعينهم. وبدل أن أعطي لعمتي المزيد من المال. لأزيد كرشها ضخامة.. سألتفت إلى خالتي الطيبة أمينة، لتشبع خبزاً.."
توجهت إلى مقهى نصار فوجدته مغلقاً! وقصدت بيته الجديد. فألفيته يلعب الدومينو مع يحيى!
-الدنيا برد.. ولا أحد يأتي في المساء.. فكيف في الليل! شرح لي وانبرى يحيى يوضح موقفه بعد ترحيبهما:
-لا تظن بي الظنون يا كاكاحمه.. لم أزعل من أختك.. جئت مع افتخار من أربيل.. لتوي.. قلت: ارتاح دقائق وارجع إلى البيت..
-كيف حال عمي عثمان..؟
-بخير.. تركنا عيسى برفقته..
-وأنت! كيف حالك؟
تساءلت افتخار وهي تلج الصالة. بدت متعبة كأن الطريق ومصاب المخرّف تعاونا عليها:
-أخبرنا نصار بما حدث لك..
أضافت وهي تجلس أمامي فهونت عليها:
-تعب وإرهاق بسبب العمل.. زالا بعد الراحة والحمد لله..
-الحمد لله..
-الجمولي زار أبي في المستشفى البارحة.. وعيسى أوصاني، توصيتك بضرورة الاحتفاظ بالملف..
-أي ملف؟
سألتها فارتسمت الدهشة على جبينها.. وبادرني يحيى بعد فترة صمت:
-أوصى حسان على خمسين كيس إسمنت للمدرسة.
-وأنت، هي اشتريت ما يلزم الأرض من بذور؟
-لم يحن الوقت بعد.. وبالنسبة للعنب فالبذور لا تنفعنا بالتأكيد.. أوصيت على ألف شتلة وعود، من عنب الخليلي والآشوري وعنبنا الجيد.. وسأحصل عليها في وقتها.. وغداً بعد زيارة أبي سأشتري أنابيب إضافية..
-سأتي معك لأزور..
-لا.. لا يا كاكاحمه.. دع أبي بحاله.. لا يطيق رؤيتك دون أن ترافقك عمتي..
اعترض يحيى ساخراً.. فأبدلت دفة الحديث على الفور:
-ماذا فعلتم بالبيوت الثلاثة؟
فهم قصدي فزفر بألم:
-واللّه يشفى السيد عثمان.. تعهد حسان بإعادتها.. سنعطيه ثمنها ليعيد تسجيلها بإسمي..
-ولِمَ اشتراها السلماني؟ ألا تكفيه بيوته؟
استفسر نصار فأجابه:
-ليعلمها مخزناً للفواكه..!
دوّت كلماته في أذني، وظلت تدوي وأنا في الطريق إلى بيت عمتي، لمراجعة حساباتنا..
استقبلتني شذى بوجه باك، فسألتها:
-ما بك؟
-الفئران! سأجن.. كل يوم فأر أو أكثر..
-أهذا نصيبك يا بنت عمتي..!
امتعضت من ردي.. وزدتها امتعاضاً وأنا أدخل:
-هنيئاً لك.. عرسانك..
دخلت الصالة فوجدت عمتي منهمكة في الغزل! والحاج صالح يحتسي الشاي قرب السماور، الذي كان يئز أزيزاً..
-جئت متأخراً عن العشاء.. انتهينا للتو..
أعلمتني عمتي دون مقدمات.. لم أغضب ورددتها:
-إذا فاتك الزاد قل هنيئاً.. هنيئاً مريئاً يا عمتي..
-لا يقال للضيف هكذا.. يا مليحة..
وبخها الحاج فسوغت:
-ابن أخي ليس ضيفاً..
-لم آت لآكل يا عمتي..
-كل واحد يأخذ نصيبه..
نغزتني شذى وهي تدخل.. وأكملت ضاحكة:
-خيره بغيره..
أدركت ما وراء كلامها وقلت وحسان يخطر على بالي:
-الزهرة تولد أشواكاً يا شذى..
رشقتني بنظرة غاضبة وزمجرت:
-ماذا تقصد؟!
قهقه الحاج وصاحت عمتي فرحة:
-لا يقصد إلاّ الخير.. أنت أصيل يا بن أخي..
واستدارت نحو الحاج كأنها تستحثه على المشاركة بالحديث:
-أسمعت يا صالح؟
تابع الحاج قهقهته ثم سأل ابنته باستغراب:
-ألا تفهمين حقاً؟
هزت رأسها استهانة وزعقت بوجهي:
-المعنى!!
-واضح..
أجبتها باقتضاب.. وحتى لا أضيع الوقت سألت الحاج.
-هل حضرت أوراق الشراكة..؟
-إنها جاهزة.. متى ننزل لتصديقها..
-غداً إن شاء الله.. سنزور المخرّف ونصدقها.
-كما تحب..
كدت أنهض للمغادرة فإذا بعمتي تستوقفني، مستفسرة بخبث:
-ماذا ستفعل إذا خسرت تجارتنا؟
عجبت.. وقفت مدهوشاً.. تطلعت إلى المغزل وهو يدور في يدها.. وانتظر الجميع جوابي.. ولم أتردد:
-لا خسارة في التجارة.. اللهم إلا إذا كانت النية السيئة، نية الحرام مبيتة.. نية السرقة والنهب والاستغلال. وعلى فرض حدوث ذلك، فما  الذي يمكن للحر أن يفعل؟
قلت بانفعال وغادرت البيت، دون أن أتناوزل قدح شاي! أو أفتح موضوع الحسابات التي جئت من أجلها! مردداً مع حالي وخبث عمتي يرن في أذنيّ:
-نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة، فكيف أبكي على شيء إذا ذهبا..؟!


vvv



- 24 -
((في عصر اليوم الخامس، جاء العميد رأفت بزيّ مدني.. يحمل حقائبه..!
كنت في الحديقة ألاعب الطفلين، حين دق جرس الباب.
فتحت له بنفسي فرأيته.
صحّت توقعاتي وجاء على غير موعد.
تظاهرت بالبلاهة وأديت التحية العسكرية. حدجني بنظرة باردة، وأزاحني بقبضته ودخل..
هرولت صباح ناحيته مسرورة، مبتهجة، ولحق بها ميسر. فتلقاهما ببرود لا يليق بأب..!
بدا غاضباً، متوتراً، وهو يقودهما ويشير إليّ بنقل حاجاته.
حملتها وعدت إلى الحديقة، أحمد اللّه لأن حذري غلب ظنونه.. فضّلت البقاء في مكاني، ألوب في الأرجاء، بين الأشجار والأزهار.. دون أن أعرف ما الذي يتحتم عليّ فعله.. فهاهو يومي الأخير هنا.. ويجب أن أحسن التصرف ولا أثير شكوكه.. فربما يفرغ شحنات الغضب في رأسي.. بقيت ساعة ثم ما لبثت، دخلت غرفتي وأوصدت الباب.
بعد المغرب تصاعدت حدّة الكلام، وتعالى صراخ الزوجين وزعيقهما! وسمعت أصوات ضرب ومشادة، ثم هزّني نداء استغاثة من قبل الهام!
صدمت وساورتني مخاوف مزعجة، أرهبني صوتها الباكي، وحزّ في قلبي.. وطوال
دقائق ترددت في الاستجابة، وتلبية النداء. ثم اعتراني هاجس الرأفة والعطف، فلم أستطع السيطرة على أعصابي.. اندفعت لنجدتها دون مبالاة بشيء.. حتى بالعميد القاتل..!
ألفيت باب الصالة مغلقاً، والصخب يعم من ورائه. طرقته مرة بهدوء وبشدة مرات.. وحين لم أحصل على نتيجة قررت الدخول عنوة.. حاولت فتح الباب بدفعه بكتفي.. بكل ما آوتيت من قوة.. وكدت أكسره لولاه فتح وأطلّ برأسه، وبعينيه القادحتين!
نظر إليّ بذهول وفح في وجهي:
-ماذا تريد؟
وجدت الشجاعة لأنطق:
-سيدي العميد، ماذا يحدث عندكم؟
-لا شيء..
-أتحتاجون إلى مساعدة؟
-امش.. امش.. لا تتدخل..
جننت وكدت أقتحم الصالة، مسك كتفي بسرعة أبعدني وزعق آمراً:
-ابق في مكانك وإلاّ دفنتك..
أخرسني، فتراجعت مذعوراً بينما تواصل صراخ إلهام وبكاء الصغيرين.
خطوت إلى الوراء فارتشعت.. وندمت.. لخوفي.. لكن، وقبل أن يركبني الشيطان ويدفعني قدماً، حدثني عقلي بضرورة التروي والتحكم بأعصابي.. وعدم التهور.. فالعاطفة لن تنفع..
عدت إلى الحديقة، وظل الهاجس يلاحقني.. هاجس الرأفة، والعطف على الحبيبة، فمضيت إلى غرفتي..
لزمت السرير حتى الصباح، لم أنم تلك الليلة. سهرت مع ما جمعته لأبي الحق من صور ومجلات.. كنت خائفاً وجائعاً.. خائفاً على نفسي وعلى إلهام.. وجائعاً لأني لم أتناول ما يمسك الرمق.. وأنا الذي تعودت أكل وجبتين، والتهام كمية من الفواكة والحلويات، حسب رغبة الهام، لأكون عند حسن ظنها!
غفوت قليلاً لكني أفقت مذعوراً، وخيط من اللعاب يتدلى من فمي.. تحلب لعابي من شدة الجوع وامتلأت غيظاً.. وزاد جو الغرفة الكئيب من غيظي.. وتدريجياً بدأ السأم يدب في أوصالي.. وأضناني الجوع والجو الخانق.. وكدت أختنق وأنا أدفن رأسي في الوسادة محاولاً النوم، ونسيان معاناتي..

بعد الرابعة هدأ البيت واستكان.. ثم عاد الصخب يملأ أذنيّ.. وتخيلت أصوات صياح وبكاء.. وتنصتّ فلم أسمع أي شيء! انتظرت حتى العاشرة صباحاً.. وحين لم يرسل أحداً ما خلفي، فتحت باب الحديقة وتسللت خارجاً.
مضيت سريعاً أبحث عن أقرب بائع. تناولت عنده ما أشبعني.. وعدت لاهثاً أحمل خوفي ونهمي لمعرفة ما استجد. فألتقيت العميد خارجاً:
-أين كنت؟!
-فطرت ورجعت..
-خذ إلهام. أوصلها إلى أهلها وارجع إلى المعسكر.. خذ حاجاتك.. كلها..
راقبته وهو يبتعد. يركب سيارة أجرة ويمضي..
هرولت إلى الصالة فوجدت إلهام في أسوأ حال! كانت أعصابها متوترة، ووجهها متورماً، مدمى وعيناها الحلوتان حمراوين، دامعتين!
-ما الذي حدث؟
سألتها فردت باحتقار:
-كلب.. حقير.. انتقم منا.. طردوه من الجيش فأنزل حقارته برؤوسنا..
أشارت إلى باب غرفتها. تطلعت فثار استغرابي:
-ما هذه الحقائب؟ إلى أين ستذهبين؟
-طردنا الحقير.. ابن الحقير..
-ولِمَ توافقينه..! إنه بيتك أنت فلا تخرجي..
-كرهته.. لا أحب البقاء فيه أكثر مما بقيت.. حياتنا المشتركة لم تكن إلا فقاعة صابون.. فرقعت في أول ساعة..
-لماذا؟ ما الذي حدث؟
-دخل أمس فرآني أتكلم بالهاتف.. ادعى بأني لم أكترث بدخولهّ لم أحترمه..! لم أستقبله كما يجب، إذا لم أقطع حديثي عند مجيئه، وواصلت كنوع من التحدي! وجدها حجة.. فانهال عليَ ضرباً..
-لكن إلى أين.. ستذهبين؟
-سأعيش عند أبي مؤقتاً.. ستأخذني الآن إلى هناك لتعرف المكان.. فلابد أن نلتقي قريباً.. لابد..
-كيف؟
-لا أدري.. لكني سأتدبر الأمر.. وسأخبرك حتماً.. ستعرف العنوان وتأتي..
بكت فاحتضنتها:
-أتعرفين أنني لم أنمْ البارحة؟ ولو لم أدخل غرفتي لارتكبت جريمة..
مسحت دموعها وأخذت يدي بين كفيها..
-حسناً فعلت.. خفت عليك أكثر مما خفت على نفسي..
سمعت صوتك أمس وأنت تكلمه، فخفت أن تتدخل فيحدث ما لا يسر..
-أحببتك يا إلهام.. أحببتك..
-حبي لك أضعاف، أضعاف حبك لي.. فمعك شعرت بالمتعة والراحة والأمان.. أكثر بكثير مما شعرت بهامع هذا الحيوان.. ستة أشهر معك تعادل عشرة أعوام معه.. بل تعادل العمر كله..
بكت من جديد.. واسيتها وطلبت منها الهدوء.
-خروجك من البيت لا معنى له..
-أي بيت يا حبيبي؟! هذا بيت الحكومة، تابع لوزارة الدفاع.. وبالتأكيد سيخرجونه منه بعد شهر.. لا تتصورني غبية.. بيتنا الآخر ملكي أنا.. أجبرته على تسجيله باسمي حين زواجنا.. سأنتقل إليه قريباً سأدلك عليه حتماً.. انتظر إشارتي.. سآتي إلى المعسكر.. بسيارة أخي.. أو بل خضراء)).



vvv



- 25 -
شعرت بتغير معاملة الجميع لي، بعد حادثة النفق، خاصة عيسى! أخذ يتصرف بكثير من الحنان والعاطفة، والشفقة! فعلى الرغم من خروجه صفر اليدين من مسألة المدرسة، التي كان يأمل أن يكون مديرها، والتي انتهينا من بنائها حسب المخطط الذي جلبه الجمولي، من مديرية التربية مع موافقتها على فتح مدرسة ابتدائية في قريتنا، وقررت مباشرة عملها ابتداءً من بداية أيلول القادم، بملاك كامل من المعلمين.. لم يهتم، أو يتأثر.. بل أعلن كامل سروره.. وأبدى استعداده للمساعدة في كل جهد مبذول.. وظل الأمل يراوده بالتعيين فيها بالذات.. وصمم على الانتهاء من البناء في أقصر وقت، خشبة أن يتراجع "ابن السلماني" عن قرار تنازله عن المضيف..
وبمبادرة مشكورة منه، وبعد أن أقنعني بوجوب استغلال فرصة وجود "طبيب زائر"، لعرض هدهد عليه.. أخذها بمرافقة بشيرة إلى أربيل.. وعادوا يحملون البشرى العظيمة:
-بعد فحص دقيق استغرق ساعة كاملة أعلن الطبيب الروسي، إن مسألة هداية بسيطة للغاية، فهي لم تولد عمياء.. وضربة الجندي الحاقد على يافوخها لم تؤد إلى ضمور العصب البصري، وإن الألياف الدقيقة ما زالت سليمة.. وتحتاج إلى عملية جراحية في بغداد.. حدد موعدها في بداية الشهر القادم.. أي بعد عشرة أيام.. ولا تهتم يا كاكاحمه سأخذها مع عم مصطفى.. أعدك بذلك.. فكن مطمئناً.. إنها فرصة لا تعوض..
لم أصدق.. كدت أطير فرحاً أكثر من فرحة هدهد نفسها..
-ألا تؤثر العملية على الجنين؟
سألته فأوضح:
-أخبرته بشيرة بحمل هداية.. فضحك الطبيب وقال:
إنه سيخدرها موضعياً.. لأن البنج يضر بالجنين..
-ألا يمكن تأجيلها إلى موعد آخر..؟
-يمكن.. لقد خيرنا بين إجراء العملية بعد عشرة  أيام.. أو بعد الولادة.. وعليه يجب أن تقرر أنت كي أتابع الأمر وأسافر إلى بغداد بعد يومين لمقابلة الطبيب لاعطائه موافقتنا وأخذ الموعد النهائي وتحديد وقت العملية..
أبقاني عيسى في حيرة وعاد إلى أربيل برفقة إخوانه لاخراج أبيهم، وهو آخر من بقي في المستشفى من المصابين.
عرض عليّ المختار وحسان والملا مساعداتهم المالية، وتعهد يوسف بتحمل مصاريف العلاج، مهما كانت.. يوسف الذي أوكلت إليه مهمة تصليح السيارة، أتيحت لي فرصة سؤاله عن أسباب رفضه الزواج من شذى، أجابني بهدوء:
-لقد أخبرت بشيرة حين عرضت الأمر عليّ، بأني لم أفكر بالزواج بعد رحيل بتول..
كانت فترة بناء المدرسة فرصة رائعة، لم أشأ إضاعتها. وحسب نصيحة نصار أجرت عمالاً لتهديم الجدران الداخلية لغرف ومرافق بيت جدي القديم. وبمشورته لم أبق سوى السقف، الذي دعمته بعوارض وأعمدة متينة.. وعندما انتهيت من تلحيظه وصبغه اتجهت إلى حسان.
-سمعت أنك تبحث عن مخزن..
-صحيح، ما عاد مبنى الوكالة يكفي..
-عندي ما تحتاج.. سأوجره لك بسعر معقول..
-يا ريت.. ستنقذنا من ورطة كبيرة وتخلصنا من مشكلة التخزين..
-إنه جاهز.. يمكنك الإطلاع عليه الآن.. بينما أكون عند الخانم.. جئت لمقابلتها حسب ما وعدتك..
-سأنتظرك عند الباب..
-تفرج على المخزن.. إنه بيت جدي القديم..
-لا.. لن أتحرك إلا بعد خروجك، كي يداخلني الأمان..
سلمته مفتاح المخزن وذهبت إلى مقابلة أمه الخانم.
استقبلتني المرأة بتهيب واستغراب. أصيبت بالهلع حال رؤيتها لي..  أدخلتني الصالة مضطرة وعيناها تتساءلان عما دفعني لهذه الزيارة وسببها..
أدركت ما يدور في مخيلتها فعذرتها، كونها تعيش وحيدة، وتخاف على سمعتها والناس لا يرحمون.. كما أن خشيتها من تنفيذ تهديدي القديم بضربها.. بدا واضحاً على جبينها..
لا أدري ما الذي حل بي! راحت عيناي تتطلعان بعجب، لمحتويات الصالة. أدهشني مخمل الستائر الجميلة المزركشة، وساتان الأرائك الفخمة، وأبهة الثريات الأربع وجمال السجادة ونقوشها البديعة.
-لن آخذ من وقتك الكثير.. اسمحي لي بكلمتين..
-ماذا أتريد يا كاكاحمه؟ زيارتك غريبة!
قالت بوقار.. فلاطفتها:
-أتخافين مني وأنا ابنك الثاني وأخوك!
انفرجت أساريرها، غير أنها بقيت على وقارها، كصبية في العشرين لا امرأة في الخمسين:
-حضورك في هذاالوقت يسبب لكلينا إشكالات، نحن في غنى عنها.. ولو جلبت هداية معك لكان أفضل لنا.
-إذن اطمئني.. حسان ينتظرني عند الباب..
استعادت عافيتها وعادت للسؤال:
-ماذا وراءك؟
-جئت كوسيط، فاعل خير. وأسأل اللّه أن يمكنني من مساعدتكما..
حاولت مقاطعتي فاسترسلت:
-حسان ابنك الوحيد.. وإذا أخطأ بحقك، فسبحان الذي لا يخطىء.. أنت أمه وهو نادم ويطلب منك السماح والعفو.. والعفو يا حضرة الخانم من شيم الكرام..
بكت الخانم فجأة! مما شجعني على الاستمرار:
-لقد نخره الندم.. ويريد منحه فرصة، ليبدأ من جديد.. يتعهد بعدم تكرار ما فعل.. ماذا تقولين؟
لم تجب.. انخرطت في البكاء الخافت! متخلية عن وقارها المعهود..
وكأنها شعرت بالحرج، شاءت التراجع، البقاء على وقارها والاحتفاظ بهيبتها، لكنها لم تستطع.. راحت تبكي بصمت.. فحدست أن ذلك، وسكوتها إحجامها عن الردّ القاسي هو رضى وموافقة.. فلم أتأخر لحظة، كوّرت يدي كبوق، وناديت من شدة فرحي على ابنها، الذي خمنته واقفاً يتنصت:
-حسان.. حسان..
على الفور انزاح الباب، واندفع الشاب كالريح إلى أحضان أمه.
أخذ يديها، قبّلهما. قبّل قدميها بمحبة وندم..
-أطلب عفوك يا أمي وأنشد رضاك.. رضاك فقط.
قال لها وهو يحتضنها بحنان بالغ.
-مكافأة لأمك يا حسان. أنت مطالب بجلب خادمة لها.
تنبهت الخانم، رفعت رأسها تستبين المقصود. واضطرت إلى إخفاء وجهها، لأن عينيها كانتا تغصان بالدموع.. لكن أذنيها راحتا تصغيان..
-زوجة مخلصة تسعدكما معاً..
استطردت موضحاً، فلم تحتمل كبح تشوقها لمعرفة مغزى كلامي، كفكفت دموعها، استفسرت وفي صوتها ما يزال يرن الوتر الخائف:
-على ماذا تلمح يا كاكاكمه؟
-حسان بحاجة إلى زوجة تكون أهلاً لثقتكما، وتنال رضاكما..
انتفضت الخانم، تساءلت بمكر وإبهامها الأيمن يمسّد حاجبيها:
-هل اتفقتما من وراء ظهري كما اتفقتما على المدرسة؟
-استغفر الله يا أمي.. استغفر اللّه..
لاحظت ارتباك الخانم، رغم أنها لم تقم بأية حركة تشي بذلك.. وتأكدت حين جاملتها:-الأمر يعود إليك يا خانم..
إذ ردت بفزع وإصرار:
-بالطبع.. يعود إليّ..
عندئذ أدركت أن الوقت لا يسمح بطرح اسم "شذى" بنت عمتي.. وأنه ما عاد لبقائي معنى..
استأذنت منهما وخرجت...في الطريق، التقيت المختار كان يحث الخطى باتجاه داره. أوقفته متسائلاً:
-أين الشفل يا مختار؟
-أولاً، الحمد لله على سلامتك يا كاكاحمه.. والشفل سيأتي الأسبوع القادم.. وستأتي بعده المداحل والمزافت..
-ألم يستطع البقاء أكثر؟
-استأجرناه ثلاثة أيام فقط..
-نحتاجه لثلاثة أخرى..
ابتسم، وقال دون أن يتكلف في حركاته أو في نبرة صوته:
-حاضر يا كاكاحمه.. على الرأس والعين.
أفرحني جوابه وعدت لسؤاله بقصد الاطمئنان:
-هل كلمت الخانم بشأن المدرسة؟
استغرب ورد:
-أخبرتها كما طلبت مني وقتها، ووافقت.. أعلمت عيسى بكل شيء.. لكن،.. لماذا تسألني..!
-جيد.. خفت أن يكون الأمر حصل دون علمها..
-أعوذ باللّه..
صمت لحظة وسأل بحيرة:
-من هو أزرق برلين يا كاكاحمه؟
وإذ لحظ دهشتي تابع موضحاً:
-حين نقلناك إلى البيت عقب سقوطك.. سمعتك تصرخ.. عليّ بأزرق برلين.. أزرق برلين..!
نغزني في القلب دون عمد. حاولت الابتعاد عن الموضوع.. فانحرفت بالحديث متعمداً:
-أرجوك يا مختار، لا تنسى مديد العون لأمي ولزوجتي. مساعدتهما بما تقدر عليه.
-أتزوجني خجة با كاكاحمه؟
باغتني بطلبه! دهشت. تلعثمت لهول المفاجأة.. فاستطرد بأدب ورزانة:
-اطلبها منك بالحلال با بني.. فكر بالموضوع وأخبرني..
-لا..لا..
صحت بعصبية ودونما شعور.
تركته يقف مشدوهاً وعيناه ذاهلتان لجرأتي، وابتعدت عجبت لتهوري، وتساءلت كيف خرجت الكلمات من فمي، دون إرادتي!
اتجهت إلى محل عمي حسن، فوجدته يدردش مع سعدو الذي أفزعه حضوري.
رحب بي عمي وبادرني إثر جلوسي، فيما انسل سعدو خارجاً..
-كدت أرهن جلدي قبل أن تنقذني أنت، فالمحل كما ترى. والحياة غدت صعبة..
-اسمع يا عمي.. اترك شغلتك هذه.. فما عادت تشبعك خبزاً.. وعليك أن تمتهم مهنة أخرى تدر ربحاً وفيراً.
-مثلاً؛ هاجر تريد أن تمتهن تطرير الشراشف!
-جيد.. سنوفر لها المكنة.. وإذا ما نجحت يمكنك الاستفادة من بيت خالتي مريم المهجور.. فالمكان الواسع.. وسأكلم محمد ليشد أزرك..
-كثر الله خيرك.. كثر الله خيرك..
-وأنت ماذا ستعمل.. يا بن أخي؟
-إضافة إلى عمل الأرض، شاركت الحاج صالح، وأجرت بيتنا لحسان. لم أكمل، جاءني عرفان:
-تعال يا كاكاحمه.. هداية عندنا.. وأمي تريدك..
-وأين أبوك؟
-في البيت، أرسلني إلى المقهى فلم أجدك.
-ماذا كان يفعل سعدو عندك؟
سألت عمي فجأة فرد باقتضاب:
-مسكين، أموره صعبة مع زهرة.
سكت ولم أكن بحاجة لمزيد وعدت بزيارته ليلاً والاتفاق معه، وودعته.
مضيت إلى دار عم مصطفى، يلاحقني عرفان ككلب صغير..
وجدت هدهد تتمدد قرب الخالة أمينة، المنهكمة في خياطة كيس صغير من الكتان.. بينما كان العم مصطفى يحلق ذقنه باهتمام، كأنه يستعد لمقابلة شخص هام:
-ما هذا يا أمي؟
سألها عرفان فردت بينما تهت في دوامة سهو:
-سيضع فيه أبوك نقوده..
لم أفهم.. ولم أشأ سؤالها عما تعنيه.. فأردفتْ تشرح لي:
-سينزل عمك غداً إلى المدينة، ليشتري لنا ثلاث بقرات. ولأن المدينة تغص بالسراق، فالاحتياط واجب..
-جيد.
قلت وأنا ساهٍ، فاستدركت:
-إنها فكرتي.. سيشده على بطنه بالحزام..
-حسناً تفعلين يا خالة أمينة.. حسناً تفعلين.
وأنت يا عمي، ضع في بالك أن البقرات تحتاج لعناية مركزة وجهد كبير.
-لهذا فكرنا بهداية.
أفصحت الأم عن نيتها، وغمرت وجهها تعابير رجاء.. تنبهت إلى المعنى فامتعضت. لم أشأ التسرع، أحببت التأكد.
-هدهد!!
سألتها فأردفت بابتسامة حزينة:
-أردنا أن نسألك معروفاً.
أحسست أن يأساً خفيفاً يهز كياني وانتظرت بقية حديثها لمعرفة ما تريده بالضبط:
-اسمح لها بأن تعيننا..

لم أدعها تكمل. وكأن مساً من الجنون أصابني، قلت بصوت يكاد يكون صراخاً:
-مستحيل.. لن أسمح لها بالتأكيد.. زوجتي حامل..
ألا تعرفان ذلك..؟
-إنها ابنتنا.. ومن حقنا عليها..
تدخل مصطفى ونهرته والعجب يلفني:
-يا حيف عليك.. وألف حيف..
-كلام غضبك!! هداية ليست فتاة عادية..
إنها خير من تجيد الحلب.. ولا ضرر عليها أبداً، أو خوف.
-لا.. يا عمي.. لا.. أمامها عملية قريبة.. ألم تخبركم بها؟
استخف على غير العادة. هز يديه وقال:
-علام.. مجرد كلام.. نحن بحاجتها..
لم أصدق.. لم أكن أنتظر من عم مصطفى ما سمعت، أفهمته بحدة وعيناي تراقبان أمينة وهي تلقي الكيس جانباً، بانفعال:
-انزعا هذه الفكرة من رأسيكما.. ابحثا عن شخص آخر..
عرفان خير من يقوم بالمهمة..
شهقت هدهد، وضعت كفها على فمها، مخافة أن أسمع تنهدها، وقامت أمها بحركة تنم عن الضجر. وشرعت ترفوا جورباً:
في حين قال مصطفى بخيبة أمل:
-يا كاكاحمه..
لم أستطع السيطرة على القلق، الذي يعتريني، فقاطعته متنرفزاً فاقداً صبري:
-كفى.. لا تستغلا طيبتي..
خفت أن يعتريني الغضب فأتهور، لذا فضلت مغادرة البيت دون كلام..
لحقت بي هدهد.. نادت عليّ فرجعت لأقودها.
-أتحبني إلى هذه الدرجة يا بن عمي؟
بدت فرحتها عارمة. تمعنت في وجهها. تغيرت ملامحها.. سمنت وتوردت لكن عينيها بقيتا مطفأتين!
صممت على الاتفاق مع عيسى.. ليتم بإجراء العملية بأسرع وقت.. قبل أن يأخذ اللّه أمانته!
-هل فعلت ما أمرتك به؟
-بالحرف.. أعطيت المبلغ لأبي.. قلت له: إنها الأموال التي جمعتها.. هدايا العرس.. وكاكاحمه منحني حرية التصرف بها..
-بارك الله بك..
قلت لها وحدثت نفسي..
"مجرد مبلغ بسيط أبدل مزاج مصطفى وزوجته!"
-إلى أين نحن ذاهبان؟ إلى أين تأخذني؟ ليس هذا طريق البيت!
تنبهت. أدركت فطنتها فاعتذرت لها. وعدت إلى الطريق الصحيح:
-اشتقت إلى عمتي.. تركتها قبل الظهر..!
-يا هدهد، غدوت سلوة أمي فلا تدعيها تلهو مع الدجاج.. بعد الآن..


vvv



- 26 -
 ((بعد ظهيرة اليوم الثاني والعشرين، من عودتي إلى المعسكر نوديت للخروج إلى البوابة!
كنت مستغرقاً في تأمل السماء، خارج المهجع. تعباً، مشدود الأعصاب، منهك العضلات، إثر حصة التدريب اليومية، القاسية، التي استحدثها لي العريف إسماعيل، بشكل خاص، ابتداءً منذ اليوم الأول! "تعويضاً على الأيام السابقة. وأمراً لابدمنه لاستعادة قواك ونشاطك بعد فترة الخمول التي عشتها في النعيم، أيها الجندي المكلف"
هكذا تذرع لكنه لم ينجح في إخفاء نيته العدوانية. ولا روح الانتقام التي تجلت في عينيه لحظة إخباره بنسياني إياه عند تركي بيت العميد.. لقد جمعت له المجلات الفنية والصفحات الملونة، وعشرات الصور، لكني نسيتها.. لم أجلبها بسبب سرعة الأحداث، والمصيبة التي وقعت.. ثار غضبه، وأعتقد بأني أسخر منه.. ثم هدأ حالماً استمع لقصة الطابع التي حدثته بها..
انتزعني النداء من تأملاتي، فذهلت وزاد أحد الجنود من ذهولي حين جاءني راكضاً وخيوط العرق تسيل على عنقه.. وقف أمامي متحضراً وهمس ساخراً:
-أمك يا كاكاحمه، جاءت عليك بسيارتها!
عقدت الدهشة لساني، وانتابني الهلع. أرعبتني نظرات الجنود، وبخاصة من حمل الخبر. وأرعبتني أكثر، سخرية مجيد الذي أنهضتي وقادني إلى الداخل، لاستبدل ملابسي وأستعد.
راح يثرثر، يحاول اكتشاف السر، الذي كتمته في صدري، ولم أبح به لأحد.. حتى له.. لكزني بمرفقي وسأل:
-قل لي: من هي هذه.؟ أهي سناء أم إلهام، أم واحدة أخرى؟
لم أجب فعاد يقول بلهجة ماكرة:
-أنت لم تحدثني عنها يا كاكاحمه؟ وأتمنى أن تكون حذراً فعندما ينقاد المرء لهذه الأمور فإنه ينتهي إلى الفضيحة والعار.. ويكون طمعاً للأنياب الحاقدة..
-ماذا تقصد يا مجيد؟
-أقصد كن حذراً تسلم..
سرنا بعض الطريق صامتين.
لم أشعر بسعادة حين خطرت إلهام على بالي! فمن يأتيني غيرها.. كنت أتوقع انتهاء العلاقة بيننا.. وتمنيت خلال الأسبوع الأخير.. ومن كل قلبي-إلا أراها ثانية، لشعور خفي ظل يراودني!
رانت على صدري كآبة غريبة! وسيطرت على نفسي هواجس عدة، مثلما أوغلت في عيني أحزان عميقة. كاد يطفىء شعاعهما الكليل بوطأتها الفادحة..
وتابع مجيد ثرثرته بقية الطريق:
-سألتها ماذا تريدين؟ قالت: الأخ كاكاحمه!
وكان يستمر بسخريته حتى لاحت لعينيّ سيارة الأوبل الخضراء.. فانتابني الهلع من جديد. عرفتها دونما عناء رغم إنها كانت تغطي رأسها، وتخفي وجهها.
-عد يا مجيد، ارجع إلى المهجع.
أمرته فصدح صوتي في الفضاء، دوى في أذنيه فاستفسر:
-ألا تدعني أتعرف..
-قلت لك.. ارجع، فارجع..
رحت أحث الخطى كأنني ماض في مهمة مستعجلة، مما أدهشه فردد في محبة:
-حاضر يا كاكاحمة.. حاضر.. لكني سأنتظرك بنفاد صبر.. انتظر أخبارك يا دون جوان الغزلاني.. إذا تأخرت يمكنك المبيت عندها.. لا تشغل بالك.. سأغطي على غيابك، فكن مطمئناً.. ولا تقلق من هذه الناحية..حظاً سعيداً ونكاحاً مباركاً.. سأتحمل خبث عريقي إكراماً لك..
-لا تخبره بشيء..
-أخبره! أتظن الخبر لم يصله بعد.. ونصف الجنود جواسيس لديه..؟ منذ عودتك وهو يطحن نفسه ويشحن عقله، ليجود عليه بطريقة انتقامية مبتكرة، والآن سيتفاقم طحنه علينا معاً.
-لماذا؟
-أخطأت قبل شهر حين أخبرته بأن "صوفيا لورين" أجمل من "مارلين مونرو" استاء مني وغضب.. وبت أخافه وأتوقع انتقامه مني.. ومنك أيضاً.. لاحظت تغير طباعه معك منذ أخبرته بقصة الطابع ولم تأت بالمجلة التي نشرتها.. اللّه السائر من حقده..
قال متنبئاً وانصرف بسرعة. توارى عن الأنظار. حدست وأنا أقترب من السيارة، أن هناك أكثر من ألفي عين تترصدني! فلم أبال..
فتحت لي الباب الأمامي فصعدّت، كانت تخفي عينيها بنظارة غامقة، وتغطي شعرها وجزءاً من استدارة وجهها، بربطة حريرية مزركشة، جميلة. وترتدي قميصاً أبيض مخططاً بمربعات حمراء، وتنورة سوداء، ترتفع قليلاً لتكشف عن ساقيها.
سلمت فردت بتهكم.
تطلعت إليّ لثوان وقالت بعتاب، والسيارة تنطلق:
-ما حسبتك قاسياً إلى هذه الدرجة؟!
قبل أن أتساءل عما جرى، كشفت عن رأسها نزعت الربطة، ألقتها وراء ظهرها.. ورفعت النظارة.. وضعتها أمامها، فبانت "إلهام الحبيبة" بوسامتها السمراء المحببة، وبعينها العاتبتين:
-عشرون يوماً مضت! عشرون يا كاكاحمه، ولم تمر عليّ! لم تسأل عني!
أبدت استغرابها وهي تفرك رموشها بظاهر أصابع يدها اليمنى. فلمحت أظافرها الطويلة تلمع من شدة الطلاء الأحمر، الفاقع.
عضت شفتيها، ابتسمت  ابتسامة غامضة وهي تسأل:
-الخوف!! ممن؟
-خفت أن يراني العميد أو يسمع بي..
-يراك! أو يسمع بك! وما دخل هذا الحيوان بنا؟
سكتت لحظة، حركت يدها بتلوع وراحت تتأمل أظافرها. فخفق قلبي خوفاً، كدت أصرخ بها "انتبهي إلى الطريق" فسبقتني.. أعلنت بفرح:
-انفصلنا منذ أسبوع.. أرسل لي ورقة الطلاق.
-إذن أصبحت حرة.. ألف مبروك..
-لذا سأقودك.. سآخذك إلى بيتي..
-لماذا؟
-لأنك حبيبي.. وخلال مدة افتراقنا.. لم تعرف جفوني النوم.. وأنت ألم تفكر بي؟
أضحكني سؤالها. صارحتها:
-لم أنم لحظة واحدة. كنت خائفاً عليك، ومتألماً لما أصابك.
-أتحبني يا كاكاحمه إلى هذا الحد؟
-وأكثر..
هزت رأسها بحركة دلال وتأوهت:
-يا حبيبي!!
لم أنتبه إلى معالم الدرب بشكل واضح! ولا أدري إلى أين قادتني.. أخذتني! ولا أعرف أي طريق سلكت! ومن أي شارع مرت! انتهبت إلى وقوف السيارة أمام قصر بطابقين..
وفي حدود الرابعة كنا في غرفتها المعطرة.
جلست على حافة السرير، وراحت هي تغير ملابسها.. أثار العطر الفواح جواً من النشاط في جسدي. وزاد نشاطي حين قبلتني من جبيني، وأنفي.. وهمست في أذني بغنج:
-شوه النذل حياتي وامتص نضارتي.. ولولاك لهلكت.
أحسست بحرارة جسدها وسمعت دقات قلبها، حين ارتمت جنبي وأنا لم أزل بملابسي! بقيت بلا حراك ونحن على عرض السرير.
لم أنس أن لها جسداً يمور عافية ورغبة. لذا لم أدهش لنيرانها المتأججة.
وبعد ساعتين.. أحسست للمرة الأولى منذ تعارفنا، براحة أداء الواجب لامرأة مستضعفة!
وإذ لاح المغرب نهضنا لنأكل. مما أعدته بنفسها مسبقاً. سندويشات باللحم المفروم والبيض.
ونحن على المائدة رنّ جرس الهاتف.. لم تشأ رفع السماعة.. لكني أجبرتها على الرد.
بان لي وهي تجلس قرب منضدة الهاتف، دقة ملامحها وجمال وجهها.. ومكنني من رؤية حاجبيها الخيطيين، وابطيها الحليقين..
كان أخوها على الطرف الثاني، يسأل عن سيارته. فسألته بدورها عن طفليها. فأخبرها بأنهما يتفرجان علىالتلفزيون.. وأنهما لم يسألا عنها!
-كنت أشغل نفسي-أثناء غيابك عني-أقضي ساعات فراغي برؤية أفلام الفيديو.. وأنت؟
-كل وقتي قضيته مع مجيد، إنني أعتبره معلمي وأخي.
أكلنا وشبعنا وتحدثنا، ثم عدنا إلى الفراش.
كنت أشبه بالحصان الجامح ومع ذلك شعرت بالانهاك! أحسست وأصابعي تتحرك على ظهرها الأملس، الناعم، بالتعب والارهاق.. وخيل إلي أنني أشبه بحصان هرم، ركض مسافة شاسعة، دون توقف!
جففت عرقي وسترت جسدي وتمددت لأسترد عافيتي، واسترجع أنفاسي.. فسخرت مني!
رأيتها تسحب من الدرج القريب علبة سجائر، تستل منها واحدة، تدعكها بين راحتيها قبل أن تشعلها.
وراحت تتأمل لهب عود الثقاب.. ثم أمالت رأسها إلى الخلف، واستمرت بتأمل حلقات الدخان وهي تتصاعد برتابة وخفة..
راقبتها بتأن فأيقنت مدى معاناتها.. وارتأيت تركها تنفث همومها وترتاح.
نزلت من السرير فأخذت تضحك، تمازحني.. تسخر مني وعليّ..
رحت أتفرج على غرفتها الواسعة، التي احتوت إضافة إلى السرير العريض، خزانة بأربعة أبواب، وميز تواليت رص سطحه بأنواع كثيرة ومختلفة من قناني العطور، وعلب الماكياج والزينة، بأحجام متنوعة.. ومشجب ملابس مع دولابين صغيرين.
للمرة الثانية يثيرني العطر الفواح ويشدني، لكني أتجاهله وأمضي في جولتي.
تأملت فناء البيت من خلال خصاص النافذة المفتوحة قليلاً. فلم أر سوى أحجار وأخشاب مكدسة!
تجولت في الأرجاء، كان بيتاً جميلاً بست غرف وصالة رئيسية، احتوت على منضدة كبيرة وكراسي عديدة. وغطيت النوافذ بستائر ملونة، تدلت إلى الأرض، التي فُرش جزء منها بسجادة قديمة وبوفيه خشبية، ضمت رفوفها الأربعة أنواعاً من الزجاجيات والفرفوري، والخزف الصيني الجميل، وأصنافاً من الصحون والكؤوس والطاسات والأكواب، وتماثيل ملونة من الجبس.
عدت إلى الغرفة.. فوجدت إلهام تجلس محلولة الشعر، مكشوفة الصدر. تستند بمرفقيها إلى وسادة. وتركز بصرها على السقف.. ثم أخذت تراقبني بنظرة وديعة، وأنا أدخل متثائباً، أحمل همومي.
جلسنا نتحدث، ونسينا حساب الزمن! سرقنا الوقت بغباء! لم ننتبه إلا والساعة تعلن الثامنة! حل المساء دون مقدمات مما أرعبني. إذ لا يسمح لنا بدخول المعسكر بعد هذه الساعة، وإلا تعرضنا لسجن أسبوع!
أبديت خوفي لإلهام فضحكت وهي ممدة على سريرها.. وأكدت:
-مشكلة بسيطة.. لا تهتم.
وعندئذ تذكرت صديقي مجيد، وتعهده بالتستر على غيابي وداخلني الفرح. وزاد فرحي ثقة إلهام بنفسها.
انتهت إلى تبسيط الحل وهي تقرص أنفي:
-لا تخشى.. سأوصلك إلى بوابة المعسكر قبل السادسة صباحاً.. وضعت تأخرك في الاعتبار.. فلا تشغل بالك. هيّا.. أطفىء النور..
استمر الحال عشرة أيام بالتمام.
كانت تنتظرني عند البوابة في الثالثة ظهراً، وتعيدني صباحاً، فأتسلل بخفة وحذر إلى المهجع، قبل نصف ساعة تقريباً من أمر النهوض الصباحي. وبمساعدة مجيد، الذي بات مطلعاً بالكامل على مغامراتي. إذ شرحت له كل شيء بعد اليوم الأول.. ولحظتها انطلق في ضحكة مجلجلة وقال:
-أصبحت مهماً يا كاكاحمه، لذا وجبت مساعدتك وما دمت تقاتل الشيطان وتنتقم منه فأساندك وأحميك وأدافع عنك بأظافري وأسناني.. هذا اللئيم ورّط أبانا آدم فأخرجنا من الجنة.. وجعلنا نقابل عريفي "أبو الحق" خذ ثأرك ولا تبال..
-ما أخبار عريفك مونرو؟
-كلب ابن مليون كلب. بت أتحاشاه أتجنب شره.. فمثله لا أمان له.. أريد أن تنقضي الشهور الثلاثة المتبقية من خدمتي بخير ودون مشاكل.. ما عدت أطيق البقاء هنا.. ما عدت!
ظلت كلمات مجيد تدوي في أذنيّ.. حتى حل محلها سؤال إلهام. ونحن داخل السيارة في طريقنا إلى البيت.
-أتتزوجني يا كاكاحمه؟
بوغتّ بابتهجت:
-يا ريت.. لكن، ألسنا زوجين يا إلهام؟! ماذا ينقصنا؟
تفحصتني باهتمام جاد وردت حال توقفها المفاجىء:
-لا.. الفرق واضح وكبير.
ثم تلوت متأوهة، اعترفت وهي تغطي عينيها بيديها خجلاً:
-نحن زناه.. الرعب يتملكنا..
-صحيح.. كأننا نرتكب جريمة..
رفعت يديها وسخرت:
-كأننا!! أنت مضحك يا كاكاحمه.. وأنا أحبك من كل قلبي.. أريد أن أعيش معك طوال عمري في الحلال..
-أنا طوع أمرك يا إلهام..
-إنها فرصتنا.. وأخشى أن تضيع من بين أيدينا.. بالأمس جاءني خالي خاطباً.. يريد تزويجي لابنه الخبيث، المهندس رشدي.. قدم لي عرضاً لا مثيل له..
-يجب أن تعلمي بأني لا أملك شيئاً أقدمه لك..
سكتت تستوعب قولي. وقالت كمن عانت من أزمة عابرة:
-ماذا كنت تعمل قبل الخدمة الالزامية؟
خمنت ما دار في رأسها فدمدمت:
-فلاحاً مرة، وعاطلاً مرات.
-ألا تملك أرضاً، بيتاً؟
هززت رأسي نافياً. ثم أضفت:
-كانت.. غدر بنا الأغا وزوج خالتي.. والآن لا أملك شيئاً.. راتبي القليل أقدمه لأمي الأرملة..
استمعت إلهام إلى حديثي وهي حائرة. وتساءلت بعد لحظات من التفكير:
-ألاتجيد عملاً ما؟ مهنة تعتاش عليها؟
كان لصوتها نبرة حيرى ورجاء وانتظرت عيناها مني جواباً مفرحاً: لكني خيبت ظنها بجوابي المقتضب:
-لا..
ضغطت على دواسة البنزين. فاندفعت السيارة بسرعة:
-إنها مشكلة بالنسبة إليك.. أليس كذلك؟
-قلت لي: إنك تجيد تربية الكواسر..
استفسرت على حين غرة.. أحسست بالانتعاش.
فقلت:
-كانت هواية قديمة.. كقدم بطولاتي الرياضية..
-يمكن أن نستفيد من ذلك.. نفتح محلاً لبيع الطيور.. المحنطة..
تحمست لاقتراحها، فاقترحت بدوري..
-أو محلاً للزهور.
-أو محلاً واحداً لهما معاً.. كم بقي لك في الخدمة؟
-شهران.. ألديك حلاً لي.. مستعد أنا لأي عمل..
-لا تهتم. سندبر الأمر.. صحيح أنه ليس يسيراً لكن الموصل الحدباء لن تبخل علينا بحل..
فرحت جداَ وشعرت أن دماً حاراً، بدأ يجري في شراييني..
في تلك الليلة سهرنا حتى ساعة متأخرة-كنت مرهقاً إلى الحد الذي فكرت بأنه سيجعلني أنهار على السرير وأغفو في الحال، لكن رشدي استطاع رغم بعده أن يقض مضجعي.. خفت أن يؤثر بماله ومهنته على إلهام.. ثم غلبني النعاس مما تسبب في تأخري عن الوصول إلى المعسكر لأكثر من ساعتين.. ولأني لم أجد متسعاً من الوقت لأحلق ذقني، اعتبرت ذلك علامة شؤم.. وعندما نزلت من السيارة تولد لديّ انطباع بأن أمري افتضح. وبأن المشاكل بدأت..!
وحدست، وأنا أقترب من بوابة المعكسر، وبشكل مضطرب إن ثمة شيئاً كبيراً وخطيراً، سيحدث لي..!
لم أواجه صعوبة في الدخول من البوابة الرئيسية، ولا إلى المهجع.  الصعوبة كمنت في كيفية التخلص من الورطة!
وجدت أخباراً سيئة بانتظاري. لم يتح لي الوقت الكافي لسماعها كاملة من أفواه الجنود.. أدركتها من نظراتهم.. وقرأتها في عيونهم.. إذ استدعيت إلى غرفة الضابط المناوب بعد دقائق من وصولي قادني "أبو الحق" شامتاً فرحاً.
-أين كنت؟
-شيء لا يهمك..
-ستقر بالحسنى وإلاّ سأجعلك تتكلم بطريقتي..
-إذا لمستني سأجعلك تندم طوال عمرك..
هددته فراح يرطن ويحاور نفسه بألفاظ مبهمة.. أدركت إنني واقع في ورطة كبيرة.. لم أعرف كيف أتخلص منها تمنيت أن يمر كل شيء بسلام، يسير دون عقبات.. وفكرت بمجيد.. علّه يجد لي الحل وينقذني..
-أين مجيد؟
-في جهنم الحمراء..
-لِمَ يا عريفي! مجيد يحبك..
-أحبته حيّة أم رأسين..
هتف ساخطاً وهو يدفعني دفعاً. أدركت فشلي في إيجاد الحل.. ورحت أتطلع إلى شاربي العريف وهو يسير بمحاذاتي.. كان وقع جزمته العسكرية المخصصة للتدريب، يسمع بوضوح. وصرير أسنانه بنبىء بجوعه.. توقعت الشر.. فخفت حقاً..
وعلى غير توقع، توقف.. ومد يده على صدري فأوقفني واستفهم بلطف لا يتناسب مع هيئته الغاضبة:
-أين قرأت؟ في أية مجلة، إن صورة الراحلة مارلين مونروا حملها أول طابع أمريكي، لوجه شخصية غير سياسية..!
-لا أدري..
أجبته باقتضاب فأغتاظ.. وكأنه أدرك إن لا طائل من محاولته، زمجر بوجهي كذئب جريح:
-أنت كلب مثل صاحبك.. لن تختلف عنه بشيء.. وحق السماوات..
ودفعني بقوة إلى الأمام..
وعندما وصلنا غرفة الضابط، وضع العريف يده على ظهري وفح:
-ادخل..
دخلت وأنا أرتعد فزعاً، خشية من الفضيحة.. وليس من العقاب..
حقق الضابط معي بشأن تغيبي الليلي، فأختلقت عذراً مقبولاً.. فأمر بسجني عشرة أيام مع حلق شعر رأسي "نمرة صفر".
في السجن كان مجيد الذي سبقني إلى الدخول ينتظرني بلهفة! وجدته يرقد منهكاً، بسرواله الخاكي وفانيلة قطنية لا لون لها، يضع منشفته على كتفه كأنه يتدثر بها. متكوماً في زاوية ضيقة على المصطبة الإسمنتية، بوجه أصفر شوهه الأرق وبذقن غير حليقة!
كانت الكآبة تبدو عليه بوضوح، جفونه متورمة وعيناه حمراوين لعدم النوم!
شممت رائحة النتانة والعفونة تنبعث من الزوايا! مع رائحة وخمة كثيفة، إضافة إلى الرطوبة الخانقة، فذعرت..!
فتح عينيه ليتأمل القادم. وحين تأكد، فتح ذراعيه بوهن واستقبلني بالأحضان وهو في مكانه:
-أهلاً بك أيها الحبيب.. أهلاً.. اعذرني لا أستطيع النهوض..
-ماذا بك؟
-جسمي متورم.. لا يتحرك بي أي عضو..
-ماذا حدث؟ ما الذي جاء بك إلى هنا..؟
أدركت ما ألم به إذا لم يكن قادراً على التركيز. ومع ذلك علق بمزاج رائق هو يفرك صلعتي ساخراً:
-بينما كنت أنت منهمكاً في تحسين النسل، كنت أتلقى خيزران اللئيم ابن اللئيم.. عريفي "أبو الحق".. لقد وشى بنا وعذبني بيديه!
سيطرت عليّ علائم الدهشة. فسألته:
-لماذا؟
-لماذا!! بسببك.. وشى بنا العريف النذل.. فقام الضابط بتفتيش ليلي مفاجىء.. داهموا المهجع بهجوم صاعق فكبسونا.. اكتشفوا غيابك.. برفع الوسائد التي كانت تنام محلك.. جروني من أذني جراً، لتستري على فضائحك أيها الكاكا الحموي..
قدرت الجهد الذي بذله في سبيل راحتي. فعبرت له عن عميق أسفي وندمي. فرفض بنكران ذات أن يحملني المسؤولية كاملة.
-القضية لا تتعلق بك بالذات.. استغل حادثتك للانتقام مني، لأني قلت له "صوفيا لورين" أجمل مع معبودتك.. أخطأت وما كان عليّ أن أفعل ذلك.. لأني أعرفه حق المعرفة.. ها هو ينتقم بتجويعي ولكني سأجتهد لأقهر الاحساس بالجوع.. وثق بالله بأني سأرد له الصاع صاعين.. حتى وأن تأخرت خدمتي سنة أخرى.. لن أسكت والله شاهد.. سأنتقم من هذا النكرة اسماعيل شر انتقام..
-ماذا ستفعل؟
-لن أتعب في التفكير.. لن أكرس وقتي في البحث عن طريقة.. ليس أمامي إلا حرق قلبه.. وسترى..
ظل يتحدث ويتحدث متدثراً بمنشفته.. وبعدها استكان في غيبوبة يرافقها أنين خافت..
عشرة أيام عشتها مع مجيد، كأحلى ما يمكن.. قصّ عليّ قصصاً لا تصدق! وحكى عدة حكايات، أحداث غريبة ومغامرات عجيبة لا مثيل لها! استمتعت بها وحلقت معها في الأعالي.. وانقضى الوقت سريعاً. فنسيتها بالمرة.. لكن مجيداً لم ينس شيئاً.. بقي الألم ينخر قلبه.. وظل جزعاً وهائج الأنفاس لم يهدأ لحظة.. وخفت عليه أكثر من خوفي على العريف مونرو..
-ولسوف ترى.. ما أفعله بأبي الحق..
قال لي ونحن نفترق، كل إلى مهجعه إذ فرقونا بعد إطلاق سراحنا.. وحرموا علينا الاجازات، ومنعونا من مغادرة المعسكر لمدة شهر..)).
vvv



- 27 -
((بعد الشهر، جاءني العريف إسماعيل، كنت متمدداً على فراشي في المهجع حين دخل بشكل مفاجىء في الساعة الثالثة ظهراً. ووقف قربي يزفر الغل..!
لم يكترث بدهشتي.. تكلم دون أن يبدل تعابير وجهه الظاهرة. طرح دون مقدمات همومه ليتخلص من "ثقل المهمة" الجاثمة على صدره.
-السيد العميد المتقاعد رأفت يطلبك. يريد رؤيتك غداً الجمعة في بيته..
-غداً..؟!
سألته باستغراب.. فأكد ذلك بحركة من رأسه وهو يتنفس بارتياح.
دهشت! اجتاحني طوفان من الهواجس والشكوك وسألته من جديد:
-ماذا يريد؟
هز منكبيه استهانة. أبدى علائم الضيق وقال باقتضاب وهو يكبح نبرة مندفعة في صوته:
-لا أعرف.
استدار ليخرج، إلا أنه تذكر شيئاً، فتباطأ، التفت ليذكرني وقد غيّر من نبرة صوته:
-سينتظرك في الخامسة مساءً.. لا تنس.. فالأمر هام..
لحظت ابتهاجه لهلعي! إذ بحثت عن مغزى عبارته الأخيرة وهو ينتصب أمامي، ثم وأنا أسمع وقع أقدامه مبتعداً لم أرتح لهذه الدعوة، احترت في أمرها. فكرت بجميع الاحتمالات. وعجزت عن تفسيرها.. وعندما أدركت بازدحام الأفكار التي لا يتسع لها عقلي، وخفت من عواقب ذلك.. لم أجد غير مجيد يساعدني.
أرسلت بطلبه لأخذ مشورته، والاستفادة من خبرته..
وتلك الليلة ركزت كل اهتمامي في الدعوة المفاجئة. دون أن أتمكن من السيطرة على شعور عابر بالانقباض. غلبني الارهاق وبقيت جالساً في عتمة المهجع، حتى ساعة متأخرة.
في العاشرة صباحاً قدم مجيد. حكيت له عن مخاوفي، فنصحني بعدم الذهاب:
-أنت ليست مجبراً على تلبية دعوة غريمك..
-كيف؟!
-ما هي صلتك به! ما عاد له الحق في استدعائك.. ثم هل أنت خائف..؟
-خائف..! ألم تقل إنه كافر القلب..
-وقاتل، يحمل الجحيم في دماغه..
-وماذا أفعل..؟
-سأتأكد من عريفك أولاً، عن سبب الدعوة.. هيّا بنا إليه..
-لن نجده الآن..نزل كالعادة إلى المدينة.. ليتسوح في السرجخانة والدواسة..
-صحيح.. اليوم جمعة..!
هتف باستسلام ثم أعلن بفرح:
-إنها فرصتي.. لم تتح لي غيرها منذ شهر..
-ماذا تقصد؟
لم ينتبه لسؤالي. ولم يأبه لتوسلاتي.. تركني ومضى حثيثاً إلى مجمع غرف العرفاء، وضبابط الصف. الواقع خلف ساحة التدريب.. بعيداً عن العيون.. فلحقت به مضطراً..
دار حول المكان، تفحص ما حواليه.. وحين اطمأن أخذ بيدي وقادني داخله بهدوء، لكي يبعد الشكوك عنا..
وبدل أن يدخلني من الباب، لنجتاز الممر ونقطع الرواق الطويل، حيث تقع في نهايته غرفة نوم العريف مونرو.. أجبرني مجيد على اعتلاء السور الحجري القصير ومن ثم عبور الحديقة..!
رحنا نقفز بخفة الأرانب ونهرول كالثعالب. فتحنا أقرب شباك، وتسللنا عبره كقردين!
وقفنا أمام باب الغرفة، وقبل ولوجها تلفت مجيد، ليتأكد من أن أحداً لم يره.. وحين داخله الأمان كسر القفل بمفك أخرجه من جيبه! ودخل على عجل، ودخلت بعده يلفني الذهول..
وتفاقم ذهولي.. فوجئت حقاً! وجدت نفسي داخل غرفة "بشركة سينمائية"! في متحف لصور "فقيدة الشاشة"! فلم أصدق.. ظننت وللحظات أني أحلم!
وقفت مستغرباً، مأخوذاً بما أرى.. فأمامي برزت "الفقيدة" بكل مراحل حياتها! بعشرت الصور الكبيرة الملونة، ومئات أخرى صغيرة، تغطي الجدران بشكل عجيب، غير متناسق..! بأوضاع مثيرة، مذهلة، ولقطات إثارة، جنونية، فاحشة!.
وقفت مستغرباً وراحت عيناي تتطلعان بذهول. في حين راح مجيد كالمجنون يمزق كل شيء. لم يتأخر لحظة منذ دخوله.. يصعد هنا ويقفز هناك ويتسلق، ينحني، ينتصب.. حتى لم تبق على كل الجدران الأربعة صورة واحدة صالحة!.
ولم يكتف، خلع باب الدولاب الخشبي، بعصبية. وأخرج رزمة من الصور الجنسية. وشرع يمزقها وينثر قصاصاتها على الأرض والسرير، وفوق الكرسي والمنضدة.
وحين انتهى تنفس الصعداء.. وخرج بسرعة كأن شيئاً لم يحدث!
-ماذا فعلت؟
زفر بغيظ وقال متحسراً:
-لم أشف غليلي بعد.. من ابن العاهر..
-أتظنه سيسكت؟-والله السائر!
قلت بخوف فرد بثقة وحماس:
-إلى الجحيم.. هو والذين خلفوه..
أخر كلمات سمعتها منه قبيل افترقنا.. عدت إلى المهجع.. حاولت أن أسيطر على أعصابي فلم أستطع! لم أعرف الهدوء لحظة! ولم أعرف إلى أين أذهب لأدفن نفسي وأبعد الشر والشكوك عني..
وبعد ساعتين اضطررت إلى مغادرة المعسكر، وتلبية طلب سيدي القديم..)).
vvv


- 28 -
((استقبلني العميد المتقاعد رأفت ببشاشة، وترحاب. لم أعهدهما منه! فانشرح صدري. واتسع انشراحي حين لمحت ابتسامة عريضة، ترتسم على شفتيه لأول مرة.. استبشرت وتقدمت بأمل سماع ما يفرح القلب..
أدخلني الصالة فشممت رائحة الهام! ميزت عطرها الفواح! ورأيت صورتها في السقف، على الجدران، وتراقص خيالها في كل مكان! وسمعت صوتها الداوي يرن في فضاء المكان، وضحكاتها الماجنة تتعالى هنا وهناك! قبل أن يخيم الصمت وتنتابني أحاسيس الحيرة، تملأ قلبي بشكل فظيع!
جلست حيث أشار.. تفصلنا منضدة دائرية صغيرة. نصبت عليها قنينة خمر، وبجوارها قنينة شراب أحمر، وكأس مملوء بالزقوم.. السائل المحرم.. وعلى جنب رأيت جواز سفر أخضر!
-أهلاً بالمقاتل الفذ.. أهلاً..
بادرني حال جلوسي..
شعرت بسخريته فلم أبال.. ظننته يمازحني دون قصد لئيم أو نية سوء. ولم أدرك حقيقة ما يعني، لاسيما وإن حالته تدل أنه قضى الليل ساهراً، مفكراً!
كان يجلس مباعداً ما بين ساقيه، بوجه عابس محمر! ولمعت عيناه ببريق عميق، حين تابع بشفتين مرتجفتين:
-أردت رؤيتك منذ فترة، فقيل لي بأمر المنع..
-أخبرني العريف إسماعيل بطلبك، فجئت حسب الموعد.
-أهلاً.. أهلاً.. بالبطل المغوار.. أهلاً بالمواطن الصالح.
تجلت نبرة السخرية في حديثه بوضوح، فعرقت.
-حسب علمي أنك لم تعاقب طوال خدمتك معي.
لم تسجن يوماً! فما الذي جرى لك.. مؤخراً!
آنذاك تبينت خباثته. ظهرت نيته السوداء وأنا أحدق في عينيه المصوبتين إليّ، بلؤم. كعيني الصقر الذي اقتطع لحمة من يدي واقتلعت له عيناً..
فطنت لشكوكه، فهلعت، جفلت، وماتت الكلمات على شفتي. فها هي نظراته تدق أجراس الخطر، تنذر بعاصفة.. فندمت على مجيئي.. وشعرت بالاختناق فككت أزرار عنقي الثلاثة، وفتحت أعلى قميصي ليفلت العرق المتصبب من صدري.. وراودتني فكرة الخروج..
انتظر ردي إلاّ إني التزمت الصمت مرغماً، فتابع دون حياء:
-كنت أتصورك ساذجاً مسكيناً، فإذا بك "أبو العناتر" شيطان ماكر!
هلعت أكثر، وركبني الحياء. وتصبب العرق في جبيني. شعرت بخجل وخوف. وخمنته يتقصد إذلالي، وليتوثق من معلوماته.. في الوقت ذاته..
حدثتني نظراته بأنه على إطلاع تام، ومعرفة جيدة بتفاصيل علاقتي مع إلهام، زوجته السابقة ومطلقته الحالية.
-ترى ما سر تغيرك السريع يا كاكاحمه؟
استفسر بخبث متزايد، وأضاف:
-أعتقد أن السبب يعود إلى المرأة. لابد أن شيطانة خبيثة دخلت حياتك، فسممت بدنك.. بلعنتها..
صمت، فانفجر ضاحكاً.. قهقه بصوت عال:
تجرع كأسه ورمقني بنظرة صارمة:
خفت أكثر.. وساورني الهلع من فكرة طرأت ببالي. مفادها، إنه يلوم نفسه.. فلقد وضع البنزين قرب النار.. لذلك أرسل بطلبي لينتقم.. فكرت ثانية بالخروج. لكني سخرت من نفسي وأبديت استعدادي للقيام بكل ما يلزم "مقاومة عنيفة ودفاع مستميت"
-يقولون إن امرأة شابة، مستهترة، تأتيك بسيارتها إلى المعسكر كل يوم! مساء كل يوم وتعيدك في الصباح! أليس كذلك يا كاكاحمه؟
تلعثمت، لم أحر جواباً. تطلعت إليه لأستشف من عينيه ما طمحت في معرفته..
تغصد العرق بغزارة فوق جبيني. وفاحت رائحة إلهام وانتشر عطرها، وتوزعت صورها بكثافة، امتلأت بها جدران الصالة، اختلطت مع صور مارلين مونرو!
-أتفضل كأساً من شراب الزبيب أم من البراندي المنعش، اللذيذ؟
سألني فجأة، بجد ومرح. فهمست:
-الزبيب..
-إذن خذ قدحاً نظيفاً من الصينية، وصب لي كأساً..
أشار إلي فتلفت، ظناً أن الصينية موضوعة جانباً، فانفجر ضاحكاً.. قهقه عالياً.. وهمهم:
-في المطبخ.. الصينية والأقداح في المطبخ.. يا كاكاحمه..
حاولت النهوض فاستوقفني:
-أملأ كأسي أولاً بشراب الزبيب.. وأجلب لك قدحاً نظيفاً..
ملأت كأسه وتحركت ببطء.. يلفني الذعر ويعتريني الخوف الأكبر منه..
دخلت المطبخ، فبرزت لي صورة إلهام، وهي تمازحني هنا.. وتقبلني هناك.. تنصحني بالخروج.. وتحذرني.! ثم برز وجه العريف بشاربيه وعينيه الكبيرتين.. تخيلته يدخل غرفته.. يباغت بالفاجعة.. فيجن!
بحثت عن قدح نظيف فلم أجد. اضطررت إلى غسل قدح زجاجي، وجدته في الحوض الملىء بالصحون.. غسلته جيداً، خشية أن يكون نجساً، شرب به العميد خمراً..
عدت إلى الصالة بعد أكثر من دقيقة..
رأيت العميد المتقاعد يخض قنينة شراب الزبيب خضاً! يرجها بسرعة، بحركات ملتوية، عنيفة..!
-هذا شراب أصلي.. مركز.. ركدت زبدته تحت، في القاع.. هات قدحك.. هات..
جلست، وأنا أرتعش.. وضعت قدحي فملأه لي حتى الحافة! لم أجد جواز السفر في مكانه! ولم أهتم لاختفائه!
-اشرب.. اشرب..
صاح وهو يرفع كأسه المملوء بشراب الزبيب..
شربت.. تجرعت جرعة فحثني على إكماله:
-اشرب.. اشرب..
وحين فعلت صبّ لي، ملأ كأسي ثانية وسألني:
-أتعرف السياقة يا كاكاحمه؟ سياقة سيارة؟
-لا..
تبدلت لهجته فجأة وقال بحزم وهو يتفحصني من تحت حاجبيه بانتباه:
-مع الأسف.. تصورتك تعرف.. أحتاج لسائق.. وحين قيل لي أنك ستسرح بعد أيام.. فكرت بك.. إني آسف.. تصورتك تنفعني.. هيّا اشرب كأسك.. وامضي..
رفع يده وطوح بها في الفضاء محذراً:
-هيّا.. لا أريد تأخيرك.. قد تعاقب بسببي..
مع السلامة..
بدا واضحاً أنه يطردني، وباحتقار! فعجبت. ومع العجب شعرت بثقل لساني واجتاحني لثوان خدر موجع، وغبش كاد يعمي بصري..!
نظرت إليه برموشي المتغضنة. فرأيته للحظة يحلق في فضاء الغرفة، وكذلك المنضدة التي تفصلنا، بمحتوياتها..!
أحسست بشوكة ألم في رأسي! وأردت التحرك فخانتني قواي! حاولت الاستراحة فمنعني بضراوة:
-أنا مرتبط بموعد هام.. هيّا اذهب بسرعة..
نهضت على ما بي من ألم، تحركت رغماً عني.. والعرق يغزوني..
مددت يدي لأصافحه فلم يعرني بالاً! تشاغل برفع كأسه!
-تبقى على خير سيدي العميد..
-أغلق الباب وراءك..
خاطبني بجفاء. فضج الكون في رأسي..
أحسست بالاختناق.. بالضجر من جو الصالة.. تحاملت على نفسي وهرولت باتجاه الباب..
وحين وجدت نفسي في الشارع تملكني الفرح.. لم أصدق أنني خرجت دون صعوبة.. تنفست الصعداء شعرت بالراحة التامة، ومضيت أتخبّط في الطريق خبط عشواء..!
وصخبت ضحكات العميد في أذني! رحت أسترجع ما حصل، أستذكر كل كلمة قالها لي.. كل كلمة سمعتها منه.
لم أصدق أن سبب دعوته المستغربة هو "حاجته لسائق" وسؤالي عما إذا كنت "أعرف السياقة أم لا" .
لم أصدق، فهو يعرف أني لا أجيدها! ثم من أين له السيارة؟! من أين؟ إنه يكذب.. وكذبته لم ولن تنطلي عليّ!
حدست أنه أرسل بطلبي لسبب آخر.. ربما ليفهمني بمعرفته أسرار علاقتي بإلهام.. زوجته السابقة، ومطلقته الحالية.. ولينذرني من انتقامه المتوقع.. وليحذرني..))



vvv



- 29 -
(( بعد ساعة كنت في المعسكر. رجعت دون إرادة مني، بأمل الراحة وإذا بالقيامة تلهبني بنيرانها المستعرة!
تلك الليلة، لم أنم لحظة واحدة.. ليس بسبب تأثري الكبير وحزني على مقتل صديقي مجيد. خنقاً بيديّ العريف إسماعيل، الهارب.. وليس بسبب الخوف من كلمات العميد المتقاعد رأفت.. بل بسبب شراب الزبيب.. وما دس لي فيه!
في البدء أحسست بخدر يسري في عروقي. وتنملت أطرافي دفعة واحدة! ثم شعرت بمغص حاد وآلام فظيعة، وبأن رأسي سينفجر من الألم..
وبدأت مرحلة الإنهيار. ترافقت أعراضي المعوية مع أعراض عصبية شديدة! إذ دارت الدنيا في رأسي ودهمني صداع.. وتوترت أعصابي..!
رحت أتخبط، أصرخ! يساورني الغثيان ويلح عليّ القيء فوراً! أتقيأ وأتقيأ حتى خيل إليّ أن أمعائي سيتندلق! وأصابني الاسهال، وأعتقدت أن مصاريني ستنفجر!.
وجفّ حلقي وبلعومي، وتيبست شفتاي! أخذت أبلع ريقي بصعوبة.. ونتيجة للظمأ الشديد الذي حل بي لم أكف عن شرب الماء البارد.. أشرب وأشرب لأطفىء ألسنة اللهب المتأججة في قلبي.. لكن دون فائدة!.
فبدل أن أرتوي، ويهدأ ما في داخلي، ازدادت آلامي وكثر صراخي! فازدحم الجنود عند رأسي، يبكون مجيد القتيل، ويتفرجون على حالي ويعجبون!.
جاءني الضابط المناوب.. يسأل عن حالي ويستفسر عن سبب ما بي.. ولم أقو على الإجابة.. جحظت عيناي أمامه، وتجمدت أعضائي بوجوده.. ثم اضطربت أنفاسي.. وفقدت الإحساس والشعور.. وغبت عن الوعي!.
نقلوني وأنا بين الحياة والموت. وحين فتحت عينيّ رحت أجول بهما الآفاق، فلا يصطدم بصري إلا بجدار غرفة الإنعاش في المستشفى العسكري..!
غسلوا معدتي، وأفرغوا محتوياتها.. ولشك قاتل راود الطبيب أجروا لي كشفاً سريعاً، بأشعة أكس للبطن.. فتأكد له بصورة تامة بأني سقيت بالثاليوم.. "لأنه مادة معتمة للأشعة"!.
ولم يتأخر الطبيب. شرع على الفور في المعالجة السريعة. "هادفاً المحافظة على الوظائف الحيوية، ولتسهيل إزالة السم القاتل من الأنسجة، بالمساعدة على إفرازه مع الإدرار والبراز".
وقبل كل شيء حقنوني "بأزرق بروسيان برلين" و"كلوريد البوتاسيوم". "لوقف التدهور الحاصل، وتلافي حدوث الامساك وشلل الأمعاء وسقوط الشعر، وجزر في غدة البنكرياس والغدد اللعابية، والتهاب المعدة والاثنا عشري، وفقدان السيطرة التامة، وبروز حركات لا شعورية وحالات من الكآبة والعصاب، وانخفاض ضغط الدم وعجز التنفس، وقبل أن يكون تلف الأعصاب حالة دائمة..".
ونصح الطبيب بحلق شعر رأسي قبل تساقطه. للحفاظ عليه، ولتسريع نموه مجدداً بصورة أكثر خصوبة، وأوفر ثماراً.
ولأن أزرق برلين يكون أقل تأثيراً في المرضى خاملي حركة الأمعاء، كنت أجبر على تناول أغذية خاصة، والقيام بتمارين حركية. كجزء من العلاج الطبيعي، الضروري لمنع انقباض العضلات وتسريع قوتها.. مثلما أجبر على تجرع "المانيتول" لمنع حدوث شلل الأمعاء.. وإضافة إلى التوعية الصحية لتقوية إرادتي، وزيادة ثقتي بالأطباء والإيمان بالشفاء على أيديهم، لم يتوقف الفحص السريري اليومي والمختبري، طوال أسبوعين..
كانت أظافري تفحص بدقة! ثم تؤخذ عينات من البول والدم "لفحص كمية اليوريا والشوارد، الأيونات والكرياتنين، وقياس التخثر ونسبة الثاليوم في الدم. والتأكد من وظائف الكبد بفحص الزلال والسكرين وخشياة وجود البروتين والدم في البول.. وكذلك كان يجري بصورة منتظمة، الفحص الدقيق بجهاز تخطيط القلب بالأمواج فوق الصوتية، وأشعة أكس للصدر، وقياس ضربات القلب وضغط الدم عند الوقوف والاضطجاع".
وتولى أخصائيون العناية بحالتي العصبية، بمساعدة مقياس "سعة النظر، وجهاز تخطيط العضلات الكهربائي، وفحص السمع..".
-مبروك أيها العزيز.. ألف مبروك.. شفيت بفضل اللّه القدير..
-وبجهودك العظيمة أيها الطبيب..
قلت للطبيب بفرح وامتنان فربت على كتفي وقال:
-قوتك... قوة عضلاتك وجسدك الفتي، ساعدتنا كثيراً.. هيّا حضر حالك.. ستخرج غداً..
-غداً!!
-نعم.. أخرتك ليومين.. كنت أريد أن أغسل دمك. لكن الفحوصات دلت على عدم وجود عجز كلوي.. فانتفت الحاجة للغسيل.. والحمد لله وحده.. قاتلك مجرم ذكي.. استعمل "الثاليوم" عديم اللون والطعم والرائحة.. وهو أحد المعادن السامة.. أملاحه تستخدم كأحد المكونات الفعالة للكيمياويات القاتلة للحشرات والقوارض "وملح الثاليوم سلفيت" قاتل للإنسان بجرعة 1 غرام-وبسبب تشابه جزئياته مع البوتاسيوم، يمكن أن يخترق غشاء الخلايا كبديل عنه. وبذا يعرقل عملية أكسدة الفسفور. وتتجمع أيوناته القاتلة في الأنسجة، التي تتواجد فيها كميات كبيرة من البوتاسيوم، مثل الأعصاب وعضلات القلب والأنسجة..
لم أفهم كلمة مما قال. فالسعادة بتحسن حالتي غمرتني. ودفعتني إلى أحضان أمي.
أشتقت لوجه أمي الصبوح، لحنانها، لرغيف خبز التنور الساخن من بين يديها، لرائحة الأرض الندية، لضياء الشمس في قريتي، وبهاء القمر ولوهج النجوم في ليلها وثراء السحب في نهارها. للركض في البراري أسرح مع خيوط المدى. أصعد التلال وأنزل الوادي..
صممت على الذهاب إلى القرية حال خروجي. وأنعشت الفكرة قلبي. فأمي وحدها القادرة على أن تعيد لروحي تألقها..
تحسنت حالتي بعض الشيء.. فأخرجوني بعد شهر كامل. وحين عدت إلى المعسكر وجدت أمامي، خبر هروب العميد المتقاعد رأفت إلى تركيا.. وخبر إحالة "أبو الحق" إلى مستشفى الشماعية في بغداد.. بعد إلقاء القبض عليه وثبوت جنونه! كما وجدت دفتر الخدمة العسكرية جاهزاً، وبه تسريحي من الجيش لانتهاء مدتي القانونية..
آلمني هروب العميد رأفت. لم أصدق الخبر.. وكأسد هائج جريح، قصدت داره لأستجوبه ولأنتقم منه.. فلم أجده..
سألت الجيران. فقال لي أحدهم:
-أخبرني أنه مسافر إلى الخليج، للعمل هناك!
ذهبت إلى إلهام لأحدثها، وأنقل لها ما جرى لي. "فربما تكون قلقة عليّ" وألوذ بها كآخر معقل كي تنقذني، وتجعل مني شيئاً ما.. فلم أجدها في البيت.. انتظرتها طويلاً دون جدوى.. ولم يكن أمامي إلاّ القرية.. بعد أن خاب آخر أمل لي، آخر رجاء.. وسوغت ذلك، بوجوب ابتعادي عن الموصل. وعن إلهام بالذات. فإلى متى سألقي أثقالي على كتفيها..
لا أدري لِمَ نسيت الأخت سناء؟! لم أفكر بها ولا بسهام أختها..!
عدت إلى القرية خائباً، عليلاً.
بقيت أسبوعاً كاملاً، لم يفارقني الصداع خلاله لحظة! كنت أشعر بغثيان. وشفتاي ترتجفان، وأحياناً أبصق دماً..!
حاولت إخفاء الأمر.. فلم أعلم أحداً بما حدث لي، لا بمحاولة العميد الخبيثة، ولا بدخولي المستشفى.. وكتمت السر في صدري..
لم يأت لزيارتي سوى المختار ونصار وعم مصطفى مع أسرته.. والحاج صالح وحده.. وأخيراً جاءت خالتي مريم.
قدمت إلى القرية، تتفقد بيتها المهجور، ولتأخذ دينها من هذا وذاك.. وعندما سمعت بمرضي زارتنا..
صعب عليها حالي، مريضاً وعاطلاً، مفلساً وعليلاً، وبناء على رغبتها وتعهدها بأخذي إلى عيادة طبيب، صديق لزوجها المحامي، ووعدها بإيجاد عمل مناسب أعتاش من ورائه، اضطررت إلى مرافقتها صوب أربيل، وبعد إلحاح أمي وتوسلاتها..
ولم تكن خالتي مريم شريفة لتحافظ على كلمتها ووعدها وأمينة على عهدها. أظهرت نذالتها وتخلت عني بعد يوم واحد فقط..!
وصلنا أربيل في الساعة الخامسة عصراً.. وحال دخولنا بيتها قابلني زوجها المحامي حامد الجمولي، بوجه غاضب! فأبعدتني فوراً عن عينيه، وأدخلتني غرفة صغيرة.. ومن خلف بابها سمعته يصرخ، يزعق، يضرب المنضدة بيده. يرغي ويزبد ويرفس الباب.. فذهلت.. وتساءلت مع نفسي ما الذي جرى؟!
كان صيحاته أسياخ نار في أحشائي.. وشعرت بالقرف والغثيان منه. وتمنيت لو غرزت أصابعي في عينيه.. كان واضحاً أنه يريد اخراجي.. يأمر خالتي بأخذي بعيداً عن عينيه بأية صورة كانت.. وسريعاً..
ولم تتأخر خالتي، عادت بعد قليل لتسحبني إلى المستشفى الجمهوري.. وتتركني هناك.. ولم أر وجهها ثانية!
لم تكن المستشفى الحكومية في مستوى المستشفى العسكري.. لا عناية خاصة، ولا أطباء أكفاء.. ولا تغذية جيدة أو رعاية.. لم أحتمل الجو الجديد المزعج.. ولم أطق وجه الممرضة الشابة، وانزعجت من معاملتها السيئة للمرضى.. فصحت بها وكدت أضربها. فراحت تشكوني إلى الطبيب.. الذي سرعان ما جاءني مهدئاً..
استمع إليّ دون أن تبدو عليه أمارات فقدان الصبر. وعندما انتهيت من "هلوستي" ربت على كتفي بمحبة، وحثني على مواجهة الصعاب بحكمة وعقل..! وبعد خروجه تحاملت على نفسي، للذهاب إلى الحمام. لكن قدميّ قادتني لإلقاء نظرة مختلسة على غرفة الطبيب، فرأيتهما معاً.. هو الممرضة.. اعترتني ارتعاشة ضئيلة مبعثها الاستياء وتجرأت.. اقتربت من باب الغرفة، فسمعته يحدثها:
-لا تتذمري منه.. فهذا إنسان مريض، محكوم عليه بالموت بعد ستة أشهر على أكثر تقدير.. أخذ جرعة كبيرة من سم قاتل.. ولا أمل في شفائه.. ولا يمكن أن يتعافى إلاّ بمعجزة إلهية.. وليس ذلك على اللّه ببعيد.. وكل شيء عن الرحمن جائز..
ارتعبت.. وأظلم الكون في عينيّ ورأيت كل ما أمامي من حاجات تطفو! فهرولت عائداً إلى غرفتي.. وهناك، تراءت لي أشباح مترنحة وتموجات سوداء عنيفة لا حدود لها.. ونجوم ملونة.
رميت جسدي على السرير مستسلماً لليأس الكامل. وحاول المرضى الثلاثة الذين يشاركوني المكان معرفة ما بي. فلم أفتح فمي بكلمة.. وكدت أموت من شدة الرعب ليس إلا..
وتدريجياً أيقنت بعدم جدوى ما أفعله.. فالموت حق ولابد أن أتقبل الأمر برحابة صدر، وأواجه الأيام بالصمود.
وأحسست بالتحسن عندما أطفئت الأنوار، وغرقت في أحلام اليقظة. وعلى الرغم من أن عدة همسات مخنوقة وضحكات متقطعة خرقت السكون المطبق عدة مرات، إلا أني توصلت إلى إغفاءة متعثرة..
ولثلاثة أيام بقيت ممدداً على السرير، دون حراك.. رافضاً تناول الدواء.. بقيت لعدم استطاعتي الخروج.. وانهمكت في رسم المشاريع ووضع الخطط.. أخطط لما يجب فعله قبل أن يجرفني تيار الموت.. أفكر بما أستطيع تقديمه لأمي وقريتي..
في فجر اليوم الرابع وجدت في نفسي القدرة على الحركة. فتركت المستشفى.. هربت.. إلى الموصل!
ذهبت إلى إلهام كملجأ أخير استقوي بدفئها وحنانها، على مغالبة ما بي. إلا أن أباها، الذي فتح لي الباب، طعنني بخنجر سام دون أن يدري.. فزادني مقتلاً:
قال بفرح:
-السيدة إلهام سافرت أمس إلى البصرة، مع ابن خالها المهندس رشدي، لقضاء شهر العسل..
سدت الأبواب في وجهي.. وما كان أمامي إلا العودة إلى القرية.. ووصلت أربيل ولم يكن في جيبي فلس واحد. لم يبق لديّ ما يكفي ليوصلني إلى أمي.. فارتأيت أن أقصد خالتي مريم لأستدين منها.
لم أفكر بحل آخر.. تحجر عقلي لحظتها ومضيت لأستدين منها درهمين لاغير!
لم أجد أحداً في بيت خالتي.. طرقت الباب مرات.. وحين لم أسمع رداً عبرت السور.. وكسرت النافدة المطلة على الصالة.. تماماً كما فعلت مع.. المرحوم مجيد..
تذكرت المجرم المجنون إسماعيل.. قارنته بالجمولي.. فوجدت تشابهاً كبيراً، دفعني لاقتحام غرفة زوج خالتي الخاصة.
خلعت باب دولابه بحثاً عن درهمين، فوقعت مفاتيحه بين يدي! مصادفة غريبة أفرحتني إلى درجة أنستني نفسي.. وحفزتني على الإقدام بما لم يخطر على بالي أبداً.. من قبل..!
استعنت بالمفاتيح على فتح خزانة الجمولي ومكتبته. وأخرجت الأوراق الهامة.. أخذت منها ما يفيد.. تلك التي تخص سعدو والسلماني، وصكوك ومستندات على المختار وأمي ونصار والحاج صالح فقط! ثم أخذت الملف الأحمر.. فقرأت به عقد قران السلماني.. عنوانه الجديد.. اسم زوجته وأسماء الشهود.. وأوراقاً عديدة ومستندات.. لم يتسن لي قراءتها أنذاك..)).
vvv


- 30 -
بعد الفجر بساعة، شعرت بأصابع خفية، ناعمة تلمس جبهتي الساخنة، بحنان وشفقة فتطفىء لهيبها. ولم تكتف، هزت كتفي برقة متناهية، فأيقظتني من رقدتي القصيرة.
في البدء تنبهت إلى صوت موسيقا عذبة، شجية. يسري مع هسيس الأغصان وزقزقة العصافير..!
فتحت عينيّ، فبهرني ضياء نور لامع! يشع في أرجاء الغرفة بشكل عجيب!
رفعت رأسي عن الوسادة، لأتبين سره، فتراءت لي هالة نورانية تحيط بملاك جميل يسبح في الفضاء! دهشت، وزادت دهشتي حين رأيته ينحني لي باحترام! انشددت إلى ملابسه البيضاء الناصعة. وانتبهت إلى ابتسامته الحلوة، وإلى شفتيه الرقيقتين وهما تهمسان بحزم:
-حانت النهاية يا كاكاحمه.. وآن أوان الرحيل..! انتظر مجيئه.. وإن تأخر أكثر من "المقرر"..
ولم أرتعب أو أهتز رهبة. تقبلت الأمر برضى وسرور. وأبديت كامل استعدادي لمرافقته. لكني ناشدته برجاء، منحي ساعة واحدة فقط. كي يتسنى لي أن أشرح لزوجتي، ما لي وما عليّ.. لتكون على بينة وإطلاع تام، ومعرفة بما يجب أن تفعله بعد رحيلي. فحياتي انتهت، وما عاد هناك من داع لإخفاء الحقيقة عنها.. وكما قال الطبيب "ما من بصيص أمل" فمرضي عضال شديد، يصعب شفاؤه.. وعليها تكملة المشوار..
حنى رأسه موافقاً. وأعلمني بلسان حلو خافت، قبل أن يختفي.
-تحققت أمانيك..
أحسست بالسعادة الخالصة، والراحة وأنا أستوي جالساً! فلقد تحققت أمنياتي حقاً.. انتهى الكابوس الذي عشته منذ سبعة أشهر.. تملكتني حالة عجيبة من الفرح والبهجة العارمة، والزهو.. إذ تخلصت من المأساة.. بعد أن عشتها معذباً..! عشت في جحيم حقيقي.. كنت أحسه في كل لحظة. لكني لم أقدر حجمه إلاّ الآن.. حين تحققت الأماني.. بشكل آخر.. وبرد جسدي..!
شعرت بأني أعبر ذرا الحزن الشاهقة. تلك التي كنت أصلها كل يوم مرات ومرات.. وأقيم فوقها مجبراً.. أبكي عندها بصمت.. أندب حظي.. وأتمنى أن يتبدل نحو الأحسن.. عبرتها الآن في ثوان دونما دموع..! الآن ما عدت أتمنى إلا أن أرقد بسلام. فالنشاط بدأ يدب في أوصالي والحيوية أخذت تسري في جسدي وزال الألم وتلاشت الأوجاع.. وتفتحت شهيتي بصورة غريبة.. وأنا الذي تمنيت طوال الأيام الماضية.. أن تتحسن صحتي ويخف الألم الذي يكاد يمزق الأحشاء.. وفي كل ليلة كنت أتمنى أن يطلع الصباح عليّ وقد زايلني الوجع تماماً واستعدت نشاطي.. لكن ذلك لم يحدث قط.. إذ لم يفارقني الألم وفقدت شهيتي إلى الطعام.. وأخذ جسمي يهزل من يوم إلى آخر.. وقواي تضعف ساعة بعد ساعة..
كانت هدهد بجانبي، تغط في نومها، وأمي ذهبت بعد الصلاة إلى بشيرة، التي أسقطت أمس جنيها وهي في الشهر الرابع..
تركت السرير.. فتحت النافدة. كانت شمس الصباح في بدايتها، وخيوطها الذهبية بدأت تلمع بخفوت وراح سرب حمام يأوي إلى الفناء. تاركاً أعشاشه ليلعب في باحة الحديقة، ويفتش عما تعودت أمي وضعه له..
فاحت رائحة الورد بشدة. وعبقت الغرفة بعطرها مختلطاً برائحة العطر، الذي اشتريته لهدهد.. فانتشيت..
تمددت على الأرض بمواجهة القبلة الشريفة. رحت أتلو الشهادتين.. وأسترجع ما حصل.. تذكرت كل شيء.. تداعت الصور القديمة أمام عيني جلية واضحة، وبدون رتوش، مرقت أمامي بسرعة عجيبة وكأنها تحدث تواً!
وفجأة انقطع الشريط.. وتفرق سرب الحمام.. حلق فزعاً.. وظهرت صورة أمي وبشيرة وهما ترقصان تتصدران مسيرة الفرح!.
منذ سبعة شهور وأنا أعيش في كابوس.. كابرت كثيراً.. وكتمت سري خلالها، حتى لا أؤذي أمي وأجرح قلبها.. لكن إرادة الله.. لا مفر منها.. كابرت وقاومت حتى لا يكون مرضي حديث الجاد والساخر.. وحتى لا أصبح مجالاً للشفقة، تشق على الناس رؤيتي معذباً..
أدركت الختام وعرفت مصيري.. فحمدت اللّه، فسأموت وأنا مرتاح.. أمنت مستقبل أمي وزوجتي.. وولدي القادم.. سيدر عليهم الدكان ربحاً دائماً إضافة إلى إيجار المخزن وإيراد الأرض ما يكفيهم طوال العمر..
هدهد.. حبيبتي.. ستفتح عينيها على الطريق الجديد.. سترى النور قريباً.. كما أكد لي عيسى الذي تعهد بمتابعة علاجها.. وسيسافر مع عم مصطفى إلى بغداد لأجل إجراء العملية بعد عشرة أيام فقط من ولادتها.. بعد أن تم تحديد الموعد قبل أسبوع.
هدهد ستراني بعينيها ممثلاً بولدي الصغير.. وستتذكرني.. سيشبهني بالتأكيد..
-ابن عمي..!! ما بك؟
همست هدهد بهلع وهي تنحني قربي.
خمنت إنها أفاقت على هذياني.. فحزنت.. هطلت دموعي.. أدركت حبي لها وقسوتي.. وقدرت معاناة تأنيب الضمير.. فتألمت عليها.. وندمت لأني لم أكاشفها.. وما دمت عاجزاً عن حمل سري إلى القبر.. فيجب مصارحتها بكل شيء.. وقبل انقضاء الوقت..
-تعالي يا هدهد.. تعالي.. اجلسي واسمعيني.. قريباً سترين النور..
-أنت نورعيني.
-أنا راحل عنك بعد قليل..انتهت حياتي..
-لا.. لا تقل هذا.. لاتقل..
-هدهد.. يا حبيبتي.. اغفري لي..
-علام!! لم أشهد منك إلاّ المحبة والود..
-شيئان أطلبهما منك قبل موتي.. ألا تبكي عليّ.. لا تذرفي دمعة واحدة.. ستؤذينني وأنا في قبري.. وستؤذين عينيك وأنا أريد لهما النور.
-بعدك لن أحتاج لنور.
-لا.. يا هدهد.. من أجل ولدي.. ولدنا القادم..اغفري لي.. وعديني ألا تبكي.. وأن تعتني بأمي..
-إنها أمي.. يا كاكاحمه.. أمي..
-لا تبكي.. لا أريد أن تبكي.. إنها مشيئة اللّه. لقد صدق الطبيب في تشخيص حالتي.. وتوقع نهايته.. لكن نبؤته في تحديد الوقت لم تكن مضبوطة.. قال للممرضة "لن يبقى أكثر من ستة أشهر".. وها أنا سرقت منه شهراً وأربعة أيام! نسي أنني كاكاحمه!.
                                                                                                                             دمشق
20-12-94
rrr


صدر المؤلف

1
ساعات القلق
قصص
دمشق
1991
2
الأيام العشرة
رواية
دمشق
1992
3
يوم من الذاكرة
قصص عن اتحاد الكتاب العرب

1993
4
الفرقد
مسرحية

1994
5
نفق بوزان
رواية عن اتحاد الكتاب العرب

1995
6
وطن الأنفال
رواية
سويد
1997

سيصدر قريباً
1
ضياع تحت المطر
رواية


2
العيد والجراد
قصص





rr





رقم الايداع في مكتبة الأسد - الوطنية

العصفور والريح : رواية/ فائق محمد حسين - دمشق اتحاد الكتاب العرب، 1998- 308؛ 24 سم.

1- 813.03  ح س ي                 2- 813.009561 ح س ي ع.
3- العنوان                                4 - حسين
ع -580/4/98                                                               مكتبة الأسد




هـذا الـكتاب

دراسة نقدية تاريخية جادة ترصد تطور حركة النقد المسرحي في سورية.
من أبي خليل القباني حتى النكسة ترصدها في تؤدة وأناة وتعالجها بموضوعية وتعرض المؤثرات في النقد المسرحي من متغيرات الواقع والترجمات عن المسرح الغربي - بالدراسة والتحليل عارضة أشكال النقد في هذه المرحلة من نقد تاريخي - ونقد اجتماعي - وفني - واعتقادي ايديولوجي.


هـذا الـكتاب

رواية فيها حكاية حب وكفاح وخيانه في إطار علاقة زوجية بين بطل الرواية والبطلة العمياء هدهد بدأت بمشاعر الحب وانتهت بها وتحكي قصة تمسكه بالأرض التي انتزعت منه في حياة أبيه .

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire