- 11 -
للمرة الثالثة منذ استيقاظنا، لاحظت
أصابع هدهد تنسل خفية وعلانية وتروح تجسني جساً ! تتفحص وجهي، خدي الأيمن ثم
الأيسر، صدري وبطني و ... ! لم اهتم في المرتين السابقتين . لكنها أثارت فضولي في
المرة الأخيرة . راقبتها بعجب . فقرأت الاستغراب على وجهها ! حاولت الاستفهام عما
تنشده، فسبقني سؤالها .
طرحته بحياء كمن يكلم نفسه :
-يا إلهي، أتخدعني بناني ؟!
-ما بك ؟
-... .
لم يتسن لي مطالبتها بالتوضيح، إذ
عادت تقول بذعر :
-رأيت الحلم من جديد!
-أي حلم ؟!
اصفر وجهها، انكمشت وتمتمت :
-سقط نابي الكبير العلوي !
اشتعلت غضباً، فالتقطت خصلة من
شعرها، وسحبتها بقوة، أفهمتها :
-إذا زارك الحلم مرة ثالثة فلا تخبريني
به .
-حاضر يا بن عمي ... حاضر .. لكن ..
من هو أزرق برلين ؟
-أزرق برلين !! كيف عرفت ؟
-سمعتك تقول في المنام .. الفضل
لأزرق برلين !
-صحيح ..الفضل له .. فهو صديق ..
أنقذني من موت محتم .... لفت ذراعيها حول عنقي واحتضنتني . امتزجت روحي المعذبة بروحها، وذبنا في نشوة عارمة، قبل أن
تتناهى إلى آذاننا زغرودة مدوية .... وأعقبتها هلاهل أمي الصادحة، المعبرة .
-جاءنا ضيوف...
همست في أذن هدهد ... التي أذهلتني،
لم تأبه بكلامي فحسب، بل راحت تتحسس أعضائي من جديد، وكأنها تريد الاطمئنان على
شيء ما !
وحين أعدت الهمس تنهدت بضجر :
-من يشرفنا في هذا الصباح ؟
تنصتّ فسمعت صوت أمي، وهي تحدث عمتي
مليحة .
حدست أن وراء قدومها المبكر سبباً
وجيهاً، غير مباركتها زواجي . تمنيت أن يكون الحاج صالح -العطار المؤذن-معها .
ففي رأسي فكرة تنفعه، وفي جعبتي حديث
طويل يخصه .
بعكس ما كان أبي هادئاً مسالماً، كانت عمتي ثرثارة مشاكسة
" تشتري المشاكل بالمال " ... معركتها الأخيرة مع الخالة رباب غدت حديث
كل لسان، فبعد صداقة امتدت لأكثر من ثلاثين سنة، اختلقتا في أشياء تافهة ... على
إثرها شنت عمتي حملة شعواء ..نقلت افتخار لي بعضها ..
" لا يغرنكن وجهها الملطخ،
انظرن إلى رقبتها المجعدة ... إنها ما تزال تنام عارية بحضن الملّا حتى لا يطلقها،
كزوجته الأولى .
رباب لم تسمع ديك الفجر مرة ولا تعرف
صلاة الصبح ... لم تؤدها مرة واحدة ..تظل نائمة للظهر ... ويضطر الملّا إلى تسخين
الماء بنفسه والشطف قبيل الفجر حتى يذهب إلى المسجد .. "
-ارتدي ملابسك .
قلت لهدهد وأنا أترك السرير .
انذاك برز طيف عمتي الصغيرة "
بتول" . تذكرت يوم زواجها وهو اليوم الأخير الذي وقعت عيوننا عليها .
كان أول خميس من آذار . وقبل زفافها
إلى بيت المخرف .. عروسة جميلة ليوسف .
الذي عمل المستحيل لنيلها، وإقناع أبي ...
كان الوقت ظهراً، حين دخلت الحمام
... في بيتنا القديم .. فتأخرت ساعتين ..مما أثار الشك والريبة في نفوسنا !
ناديناها .. طرقنا الباب فلم تجب ... فاضطررنا
إلى كسر القفل، واقتحام الحمام .. فبوغتنا -أنا وأمي وعمتي مليحة وعمي حسن -بمنظر
رهيب .. لا ينسى ! لم نجد إلاّ شعرها .. ضفائرها الصفراء الطويلة، مبتورة ملقاة
على الأرض .. تحيطها بقع دم .. طازجة!
وبين الذهول والصخب والرهبة، استعاد
الجميع ما روته أمي
من يوسف ومحاولتها الهرب
مع .. الحبيب "!
ساعدت هدهد في تهيئة حالها وترتيب
نفسها، وخرجت لاستقبال عمتي مليحة .
رحبت بها وشكرتها على هديتها.
-ألم يأت الحاج صالح معك ؟
استغربت سؤالي فردت ضاحكة :
-إنه في جيبي !
وأضافت حين لم تلحظ على وجهي ابتسامة
مجاملة :
-إذا أردته فأذهب إلى البيت .. فهو
لم يخرج بعد ...
-سأذهب ..
-لا ليس الآن ... ابق كاكاحمه ...
جئت من أجلك يا ابن أخي... ابق قليلاً .. أريد أن أحدثك ...
-بخصوص ؟
-إنهم يتحدثون عنك! ويقولون ..
من كلمات أبي التي لا تنسى، تذكرت
جملته الشهيرة .
التي تعلقت بلسان أمي وظلت تكررها
بمناسبة أو بدونها :
" إذا فُتِحَ فم مليحة
فاستعيذوا باللّه " !
لذلك قاطعتها بمزاح :
-ليأخذوا راحتهم .. يا عمتي .. حرام
إن نمنعهم... ليتحدثوا بما يشاؤون غادرت
البيت، وفي داخلي عاصفة من الضحك . بسبب الحرج الذي أوقعت العدوتين فيه ... معاً،
متعمداً ..
بعد حادثة " الخنزير والقط
الأسود " التي حدثت قبل ولادتي، نشبت عداوة بغيضة بين المرأتين. تحولت إلى
كراهية بمرور الوقت .. لم تكن أمي تحب عمتي، وبدورها عمتي لم تكن تطيق رؤيتنا
جميعاً . خاصة بعد ملاسنتها مع بشيرة، إثر موقفها المتعنت ورفضها الشديد خطبتي
لشذى .
رغم موافقة الفتاة والحاج صالح، دون
شروط ... ما نعت وأصرت على تزويجها " لمن يملك مالاً " ... حين أخبرتني
بشيرة بأنها تشاجرت معها، ذهبت لأستقصي الحقيقة فطردتني عمتي شر طردة -لم أغضب ..
قلت لها " إن الله عزيز ذو انتقام " .. ومنذ تلك اللحظة انقطعت علاقتنا
بها، وانقطع رزق شذى .. فلم يقدم أحد على خطبتها حتى يومنا هذا .. نكاية بعمتي
الطامعة ... وخوفاً مني ...
واجهت الصبي نصار بن سعدو، يقود
البقرة عزيزة .فابتهجت، امتلأ قلبي سعادة لأني وفرت لها الأمان .. " كاكا حمه
عاد... عاد ...عاد " صرخت في أعماقي ومضيت إلى بيت عمتي وشعار الملازم علي :
" العصفور لازم يشق الريح
" .. يدفعني لمواصلة العمل .
فرغم ما حصل لي، يجب أن أستعيد نشاطي
. استرجع شبابي فإذا بقيت خاملاً، سأفقد لياقتي وأغادر الدنيا قبل الأوان .
وبالعمل وحده يمكنني تحقيق ذلك ...
وصلت الدار .. قبل دخولي درت حوله .
تفقدت حالة البناء أمعنت النظر في موقع الدكان، الذي شغل مساحة ضيقة من الواجهة
الأمامية، لا تتجاوز ثلاثة أمتار ...
تطلعت من خلف الساتر المعدني،
المشبك، إلى الرفوف شبه الفارغة، وإلى الحاجات القليلة المبعثرة، هنا وهناك .
فتحققت من ظنوني، مما زادني عزماً على تنفيذ فكرتي .. وإفراغ جعبتي من الأحاديث
رسمت في الهواء وخططت على الأرض . وفي دماغي حفرت أسساً وأقمت أعمدة، ونصبت
جدراناً، ومددت سقوفاً .وحين ضج " المكان " ولم يبق محل خالي، طرقت
الباب .
استقبلتني شذى، ابنة العشرين،
الجميلة، الرشيقة . مهنئة مباركة بلا رياء . عيناها العسليتان، وخصلات شعرها
الذهبي المتدلية على جبهتها ذكرتني بأيام الحب .
رقص قلبي لذكرياتي معها . رقص فرحاً
كأنه معلق على جناحي طائر .!
كانت تحمل بيدها عصا رفيعة، طويلة .
أثارت فضولي :
-لمن هذه ؟
سألتها فضحكت :
-لا تخف .. ليست لك ... وإنما لفأر
قذر، في المطبخ ..
-الفأر لا يقتل بعصا!... تنفعك المقشة .... والمصيدة تنفعك أكثر ...
-وأين أجدها ؟
-رأيت واحدة في حظيرة المختار ...
يمكنك استعارتها.... حاولت الدخول فباغتتني بسؤال قاتل :
-لماذا وجهك أصفر يا كاكاحمه ؟
ابتسمت مراوغاً وداعبتها، تهرباً من
الإحراج :
-عندما أراك يصفر وجهي !
-صحيح، هذا ما يحدث للشيطان . فما أن
يرى أحد الملائكة حتى يصفر وجهه ...
ضحكت لردها السريع وأعجبت بذكائها .
أدخلتني إلى الصالة . وهناك وجدت
الحاج صالح متربعاً، على فراش صوفي سميك، يتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم .
سلّمت فحنى رأسه مرحباً . وأشار إليّ
لأجلس، ففعلت، واعتصمت بالصمت حتى انتهى ...
كان الحاج في الخمسين، قصير القامة،
هادئاً إلى درجة عجيبة قياساً إلى عمتي . لحيته البيضاء المدورة ذكرتني بما سمعته
من مجيد، حول الرجل الذي انخرط باكياً في المسجد، حالما اعتلى الشيخ القارئ المنبر
. سألوه : علام تبكي ولم يبدأ المجلس بعد ؟! ولم يتفوه الشيخ بكلمة ! فأجاب بعينين
دامعتين : تذكرت سخلتي المتوفاة .. لحية الشيخ تشبه لحيتها !
-أهلاً بك يا كاكاحمه ؟
لم يكن لدي وقت أضيعه، لذلك بادرته
قائلاً :
-جئتك من أجل الدكان ؟
دهش، فرك ذقنه وسأل ببرود :
-أي دكان ؟
ظننته يسخر فأجبته بحدة :
-دكانك يا زوج عمتي .
ابتسم باستخفاف وعاد يسأل:
-وما به ؟ ألديك اقتراح بشأنه ؟
قبل أن احتد لحظت الاهتمام في عينيه،
فأوضحت :
-نعم، يجب توسيعه .
-توسيع المحل !! هل تمزح ؟
-لا .. سنضيف الجانب الأيسر من البيت
إليه، لتوسيعه وتنشيط حركته التجارية .
حدجني بنظرة طويلة، وابتسم من جديد .
بدا مدهوشاً وكأنه هجس " سخريتي "
جلبت شذى القهوة . عادت تحمل صينية معدنية، مستطيلة . عليها دلة صغيرة
مع ثلاثة فناجين .
جلست قربي . صبت لنا في حين راح
الحاج يتطلع صوبي، متمنياً تصديقي . ثم راح يحتسي قهوته ... وأخيراً استفسر كمن
يجس النبض، ويتيقن:
-عنّ تتكلم يا بني ؟ ألا تعرف وضعنا
؟!
-أعرف .. جئتك مشاركاً . سأبني لك
محلاً جديداً .. تكتظ رفوفه بالبضائع، بكل ما تحتاجه القرية ... سأشاركك بثلاثمائة
دينار، وأنت بجهدك . وحتى لا نختلف فيما بعد .. سأخبرك بشرطي .. سآخذ ربع الربح
ولك الباقي..
نظر إليّ بدهشة أكبر . واستفسر من
جديد، وهو يحتسي بقايا قهوته، أو بالأحرى يشرقها شرقاً :
-أتتكلم بجد ؟
-ما تعودت المزاح يا حاج ... ربع
الربح ...
-إنها مكرمة منك ... مكرمة كبيرة !
-إذن أنت موافق ؟
-بالطبع .. بالطبع ...
تدخلت شذى .. فشرحت لها فكرتي فلم
يعترضا .
وشاركت شذى في النقاش. أبدت ملاحظات
هامة، وأجرينا تعديلات مهمة .. واتفقنا ..
-إذن أفرغ المحل اليوم، وغداً
...سنبدأ بحفر أساسه مع أساس المسجد ...
-لكن الأرض الشرقية تأخذ كل وقتك ..
!
قالت شذى بتهكم واضح، فسارعت لتفنيد
ما تريد بثه :
-العمل في المحل لايستغرق أكثر من
يوم واحد . وأنت لا دخل لك في الموضوع ... فلا تتدخلي...
بهتت، وضحك الحاج صالح . فواصلت
حديثي :
-لا تنسى موعدنا ... غداً ...الآن
سأذهب إلى الملا ..
-على بركة اللّه .. صحبتك السلامة يا
بني ... صحبتك السلامة تركته يحلم ولا
يصدق .. لحقت بي شذى ...
أوقفتني عند الباب وهمست :
-أتراك جاداً أم أنك تسخر منا ؟ تريد
الانتقام من أمي بشخص أبي !
آلمتني ظنونها .. دفعتها وأنا أردد :
-استغفر اللّه... استغفر اللّه .. لم
أفكر بهذا أبداً ...
-إذن علام تفعل بنا كل هذا ؟ !
-لم أفعل إلاّ الخير ... وإذا كنت
تقصدين زواجي من هدهد فلا علاقة لك به ... لا علاقة .. الأمر بيننا انتهى منذ أن
رفضتني عمتي ..
-رفضتك !! أنت لم تطلبني بلسانك .
وأمك لم تأت كخاطبة بقدر ما جاءت ساخرة مهددة ..تريد فرض شروطها .. ثم ... إنها لم
تعاود طلبها ....!
شعرت بألم ... بآلام حادة ... ومع
ذلك تحاملت وقلت :
-أبعد ما قالته عمتي ! أمك هي التي
فرضت شرو ...
لم أنه كلامي . سكتّ فسكتت أيضاً ...
وهطلت دموعي فجأة تأثراً، وألماً . نتيجة وخزة حادة في رأسي.
-ما بك يا كاكا حمه ؟!
-...
-ألم تشف من مرضك ؟
-سأشفى بإذن اللّه . .. سأشفى .
-لم لا تراجع الطبيب من جديد ؟
الإرهاق يرتسم بوضوح تحت عينيك ... سمعت بأنك منذ عدت تذبل كل يوم ...تذوي ..يصفر
وجهك ويشحب !
لم أدعها تكمل . حاولت إبعادها عن
الموضوع . فقلت ما انزلق على لساني في تلك اللحظة دونما وعي :
-ما رأيك فيمن يعاونك بصيد الفئران ؟
فهمت القصد فتهربت بذكاء :
-أتقصد أبي ! إنه لا يهتم بالفأر حتى
لو دخل محله ... وأمي تخاف من رؤيته ...
-موسى، كلمني عنك ...
دهشت .. رفعت رأسها تستبين حقيقة ما
سمعت . فاستطردت بكذبتي :
-طلب مني أن أصارحك بحبه . وأخذ رأيك
قبل فتح الموضوع مع أبويك...
أحمرّ وجها خجلاً، فغطته بكفيها . ثم
لم تلبث أن فرّت من أمامي.
هرعت إلى الداخل ... مهرولة تعلن
فرحتها وموافقتها وعندئذ أدركت والألم يعتريني ثانية، حجم ورطتي !
تورطت دون قصد ! لذا لم أذهب إلى
الملّا كما نويت سابقاً . توجب البحث عن موسى لإقناعه بالزواج من ابنة عمتي !
بحثت خلف التل بأمل رؤيته مع أغنامه
فلم أر له اثراً ! وتوجهت إلى المقهى فلم
أجده ! ولم يعد أمامي إلاّ بيت المخرف، فقصدته دون تردد .
فتحت لي بشيرة . قالت والدمع يترقرق
في عينيها :
-لم يأت عيسى بعد .
لم آت من أجله .. أريد موسى .
صحت بها، فارتبكت . مسحت دموعها
وتمتمت :
-مازال نائماً.
-أيقظيه .. قولي له أن كاكا حمه
يريدك ..
لم تتطفل بشيرة فتسأل عما أريده من
موسى ولم يدهشها إلحاحي على إيقاظه وكذلك لم أسألها عن سبب دموعها .
رفضت دعوتها بالدخول، وانتظرت تحت
العريشة .
وما هي إلاّ ثوان حتى ضجت مسامعي
بصراخ المخرف :
-ماذا يريد ؟ ماذا جاء يفعل ؟ ليدخل
... أريد رؤيته ... اعتقدت أن بشيرة أخبرته بمجيئ . لكن حنان جاءت لتخبرني برغبته،
أقسمت بلسان أمها :
-جدي .. شم رائحتك ..أمي لم تفتح
فمها .
دخلت مرغماً، فوجدته يتمدد على
الأريكة .
ما إن رآني حتى استوى جالساً . خزرني
بعينيه المتقدتين وخاطبني بمقت وكراهية :
-ألم تسمع المثل " لا تكثر من زيارة بيت أمك
وأبوك حتى لا يكرهوك " ؟
-لم أت لأكل .. فنم ولا تثرثر ..
-ما الذي فعلته أمس بالبكر ؟
-أتريد أن أفعل لك مثله ؟ اقتلع
فحولتك ؟ انفعل فتحدث بغيظ :
-قلبت القرية رأساً على عقب ! ماالذي
جرى لعقلك ؟
لا حديث للناس إلاّ عنك !
-الناس ! ألاتيعرف أنهم أهل بلاء،
لايكفون عن الثرثرة ! مثلك تماماً ! ماذا سمعت وأنت لم تغادر حظيرتك ؟!
-اجلس لأخبرك ...
-لا وقت لديّ .. جئت من أجل موسى ...
سأنتظره في الخارج .
-أتراك زعلت !
-لا أحد يزعل من المخرف ... لا أحد
..
ازداد انفعالاً وصرخ :
-يامجنون .. جلدك يحكك ... أتهينني
في بيتي !
لم أسمع بقية شتائمه . اندفعت خارجاً
نحو الحديقة فلحقتني افتخار .
-ما به عريس الغفلة ؟
استكرهت الرد عليها . التفتّ صوبها
فأدهشني رؤية الحزن يقطر من عينيها المكحلتين، الشبيهتين بعيني الخالة رباب !
-المخرف، أبو بولة ..
-عيب يا كاكاحمه .. لا تظهر الشماتة
لأخيك قد يعافيه اللّه ويبتليك ..
نهرتني مقاطعة فخرست .. لم أشأ ردعها
... فمازلت حزيناً لحزنها .. صحيح أنني آلمتها، قسوت عليها . وما كان أمامي حل آخر
. تسببت في أذيتها رغماً عني، ولصالحها . فأنا أحبها ولا أريد لها أن تشقى وتتعذب مثلما أشقى وأتعذب فسأرزح
تحت أثقال من الهموم، قبل أن أمضي خفيفاً مثل الحلم .
-كيف هي أيامك يا حبيبي ؟
-رائعة ..
-أتلبي هداية رغباتك الجامحة ؟
-استحي يا افتخار ... عيب عليك، أن
تكلميني هكذا عيب أن تتحدث فتاة مثلك بهذه الأمور ... ضحكت .. وأثقلت عليّ العيار
أكثر :
-ما دمت مرتاحاً لبنت مصطفى ومادام
لهداية مَجَاسّ . فعسى اللّه يظللك بالسعادة .. وألف مبروك...
بدا جلياً أن افتخار لم تزل تعيش قهر
إحباطها القاصم، إثر رفضي الزواج منها . وخشية أن تستمر حالتها، وتتفاقم أزمتها
بمرور الأيام، سألتها :
-أتقبلين بنصار زوجاً لك ؟
فوجئت بتساؤلي الغريب، بعرضي المثير المباغت .وكما فعلت شذى
فعلت هي . رفعت رأسها تسبتين صحة ما سمعته .
ساد سكون حذر. تخللته أنفاس منتظمة،
هادئة بدت في حيرة قتالة، في حالة يصعب عليها حسم الموقف برأي قاطع .
نحفت افتخار ! وأنا الذي اعتقدت أن
المرأة تسمن ما دامت في بيتها .. وربما ستنحف أكثر بسببي ... لذا يجب أن تتزوج،
يجب .
-نصار !!
-نعم ...نصار رجل طيب .. فكري جيداً
يا افتخار . فعمرك ما عاد يسمح بالانتظار أكثر .. وإذا كان قد ذبح بنت القرج،
فالذبح أقل ما تستحقه العاهر . أرجو أن توافقي يا افتخار...
احمر وجهها فغطته بكفيها، ثم فرت من
أمامي .. ومن جديد أدركت حجم ورطتي .. تورطت وتوجب عليّ أيضاً أن أكلم نصار... !
أتحدث معه وأقنعه، ليتزوج من أخت صهري .. ليتاح لي التخلص من ورطتي الثانية !
بعد ترقب لأكثر من ربع ساعة، أطل
موسى كالغراب .
بدا غاضباً وهو يسألني :
-ماذا تريد ؟ ما الذي جاء بك في هذا
الوقت ؟
تمعنت في وجهه الطويل، في حاجبيه
المتصلين . وأجبته :
-جئت أشكرك على حفلة أمس . أشكر
مساهمتك الكبيرة مع يحيى ...
ابتسم بخبث . رازني بعينيه الماكرتين
وقال :
-أتظنني غبياً ؟ أنت قادم لسبب آخر .
قله ولا تؤخرني ..
-أتتزوج شذى بنت عمتي ؟
فتح عينيه مذهولاً وسخر :
-أمجنون أنت ؟ !
-لأني عرضت عليك المساعدة ؟!
-شذى كانت خطيبتك ! وأنت ...
لم أدعه يكمل . قاطعته بإشارة من يدي
موضحاً .
-لم تكن خطيبتي أبداً ... وأنا متزوج
الآن ...
-وأنا لا أريدها . لم أفكر بالزواج
بالمرة ... يكفيني ما بي ...
-شذى فتاة كاملة ... لاينقصها شيء ..
-خذها أنت .. تزوجها على هداية ...
الشرع أجاز الزواج بأربع ...
دمدم وشاء التهرب بقوله :
-أتدري أنك أنقذتنا من مصيبة كبرى .
لاح على وجهي عدم الفهم فاستأنف :
-أرسل أبي على محمد بن سلطان، ليبيع بيت أربيل لأحد أصدقاء السلماني ! دون
عملنا ! ! وكاد كل شيء يتم لولاك ... أخذت أوراق البيع منهم فأجهضت ..
لم يعجبني كلامه ... قاطعته بحدة .
-اسمع يا موسى، يجب أن تتزوج شذى بنت
عمتي .
استاء فصاح متنرفزاً :
-يجب !! أنت مجنون حقاً ... واللّه
العظيم مجنون ... أحسست برجفة الخوف من فشل مهمتي . لم أقبل بالهزيمة . تملكتني
روح التحدي فهددته :
-لا تدعني ألطمك على رأسك .. سأمهلك
أسبوعاً .. فكر بالأمر ...
اتسم رد فعله بالفزع، فصمت
أمسكت كتفه وحذرته :
-أسبوعاً واحداً ... تذكر ذلك ...
حاول الإفلات من قبضتي، لكنه عجز عن
التحرك .
حدق في وجهي بعجب، وتساءل بنبرة
لاتخلو من الضيق :
-كاكاحمه !! ماذابك ؟!
أطلقته ومضيت لمقابلة نصار .
في الطريق، أدركت سوء تصرفي . شعرت
بالخطأ الذي ارتكبته وأوقعت نفسي في المشاكل دون تبصر .
تحدثت بألم وخطواتي تتسع !
(( -ما كان عليّ التدخل في شؤون
الآخرين . فلم أقحمت حالي في موضوع لا يخصني ؟! لم دسست أنفي في مشاكل الآخرين ؟
وإذا ما تحتم تدخلي فالواجب يقتضي التصرف بعقل وحكمه، كي لا أسلك سلوك الأطفال ))
.
كالعادة، وجدت المقهى تكتظ بالزبائن
العاطلين، من الفلاحين والعمال الباحثين عن عمل . يلعبون الدومينو والنرد أوالقمار
. يتسامرون، يدخنون بشراهة ويحتسون الشاي ويثرثرون ...
رأيت حمودة ينفرد بطاولة في الوسط .
فقصدته متعمداً سلّمت وجلست قربه، فارتعب .
-كيف الحال يا حضرة الملازم عبد
الحميد القندي ؟
بادرته ساخراً فارتعشت أطرافه .
في بداية الستينيات جاء عبد الحميد
إلى قريتنا مدعياً أنه ضابط فار، وإن عينه أصيبت في الحرب . ثم اكتشف السلماني
كذبته وضمه إلى بطانته، وزوجه من امرأة قريبة لنا . سرعان ما تركته وتزوجت آخر،
أخذها بعيداً عن القرية .
-منجلك ليس معك يا كاكاحمه !
لهجته الساخرة المفاجئة حرضتني على
قطع لسانه :
-وجدت أن هذه أفضل وأسرع في حز رقبة
ثور، كرقبتك . وضعت السكين على المنضدة، فاضطرب . نهض بسرعة وغادر المقهى دون كلام
!
لم أبق وحدي سوى دقيقة . إذ قدم محمد
بن سلطان حاملاً البشرى .
عرض عليّ بعد جلوسه، أرواق الأرض
الشرقية مصدقة، مختومة .
-كل شيء تم بصورة قانونية ... سجلتها
بالسجل العقاري فألف مبروك ...
حاولت أن أدفع له ثمن الطوابع
والمصاريف، فرفض مدعياً ..
-أعطاني المختار أكثر من اللازم . قال
إنه سيأخذها منك .
-أتتزوج شذى بنت عمتي ؟
استغرب من سؤالي المباغت فتبسم وقال
:
-أنا متزوج يا كاكا حمه . وقبل أيام
صرت أباً . رزقت ببنت جميلة ... سميتها جوهرة ...
-مبروك يا محمد، مبروك .
ولدقائق، راح يحدثني عن أوضاعه
ومشاكله مما حفزني على ابداء اقتراحي :
-لم لا تتاجر بالبسط والسجاد ؟
فاجأته، صفن مفكراً ثم طلب توضيحاً .
ولم أبخل :
-قبل الحرب، كانت قريتنا مشهورة
بالنسيج وبحياكة البسط والسجاد . وما تزال النول وخشبات الحياكة تجثم في الكثير من
بيوتنا . يمكنك إعادة الحياة لها، بقليل من الجهد .. ستستفيد كثيراً . ويمكنني أن
أمدك بمائة دينار كدين أو مشاركة . .. أمي تغزل الصوف وتبيعه فتربح ما يسد عوزها،
زوجة عمي هاجر بدأت تغزل .. والكثير من
نسائنا مستعدات للعمل .. إنه مشروع مربح ... فكر بالأمر .. تحمس للمشروع ووعد بدراسته
. ثم شرب شايه ومضى .
بعد ذهابه ناديت على نصار، ليجلس
قربي وحين فعل بادرته :
-يا نصار، لماذا لا تعود إلى مزاولة
مهنة البناء فتربح كثيراً ؟
أدهشه سؤالي فضحك ورد -ولم أتعب نفسي
في عمل مرهق والمقهى تكفيني !
-إذن دعني أتسبب في اسعادك بعدما
تسببت في سجنك .
-لا أفهم !
-ألا تريد الزواج ؟ ألا ترغب في
الاستقرار ؟
-ومن لايرغب في ذلك يا كاكاحمه ؟!
حياتي غدت جحيماً .. احتاج لامرأة تعينني
..
-ألم تفكر بواحدة معينة ؟
-مافائدة التفكير، وتأريخي أسود كالح
!
-لا ذنب لك يا نصار فيما حصل، لا ذنب
. إنها إرادة اللّه . ثق باللّه، لو كانت عندي أخت ثانية لزوجتك إياها ..
-ألف شكر لك أيها الحبيب .. أنت نعم
الأخ والصديق ..
ولن أنسى معروفك أبداً ... خلصت
رقبتي من براثن الجمولي الكلب، وهو فضل كبير لن ينسى ... دين في رقبتي ..
-لا تتكلم بهذا الموضوع ثانية ...
أخبرتك بألا تذكره ...
-... .
-ما رأيك بشذى، بنت عمتي ؟
-لا .. يا كاكا حمه .. إنها صغيرة
بالنسبة إليّ ... وعمتك صعبة ... لا تحتملها أعصابي ... خانقة القط ! أعوذ باللّه
منها ...
-ما رأيك إذن بافتخار بنت المخرف ؟
-لن أجد أفضل منها ..لكن إخوتها ..
-سأقنعهم إذا وافقت ..
-أوافق ..أوافق ...
تركت المقهى . أبقيته في دوامة
السعادة، يحلم ويحلم .
توجهت لمقابلة ملا عطا اللّه في
المسجد .
وجدته سابحاً في التمتمة وبحر
العبادة . ولأني لم أكن طهوراً، انتظرت في الخارج دون أن أجسر على الدخول.
انتبه عمي لوجودي بعد قليل . فناداني
لأدخل، فأبيت .
كرر النداء ثم فهم وحده ! تحامل على
ذاته وجاء مستفسراً فأخبرته :
-أريد الملا .. لي حديث معه ...
-حاضر ..
هتف بمحبه ومضى . وعلى الأثر قدم
الملا ...
لا طفني دون مقدمات :
-لم تدخل المسجد لأنك لم تزل خائفاً
من سقوط السقف . أليس كذلك ؟
تمعنت في لحيته الحمراء التي يحرص
على صبغها " للبركة " .
تيمناً بالأوصياء -بحنة يزد المهربة
من إيران . تأتيه أكياسها عن طريق المهربين مرة كل شهر، مع احتياجات الخالة أرباب
من علب " الماكياج " .
-نعم . خوفي كبير يا حضرة الملا . لذا قررت أن أبدأ
بالهدم ابتداءً من الغد ..
دلت دهشته، وحركة عينيه على أنه لم
يصدق ما سمع فاستطردت لأثبت ركائزي في دماغه :
-سنهدم هذا البناء القديم . ثم نشرع
في حفر الأساس ونبدأ بتشييد المسجد الكبير ...
صفن، يستوعب المعنى ويتدبر الأمر .
وردد بعد ذلك:
-بورك إيمانك .. بورك ... لكن الأمر
ليس سهلاً كما تتصور يا بني .. نحتاج لمال كثير وجهد كبير ...
-لن يكلفنا أكثر مما نستطيع ..
والجهد موجود .... الرجال على أهبة الاستعداد لمعاونتنا .. ولا أعتقد أن أحد يرفض المساهمة في البناء تطوعاً أو تبرعاً
بالمال .... أنت تحثهم بعد صلاة الظهر، وسأفعل ذلك في المقهى .. وللعلم .. قررت
المساهمة بالمال ... أيضاً ...
لم يقتنع بفكرتي، أخذ يرواغني .
-كيف سنبنيه ؟ على أية صورة ؟ لابد
لنا من مخطط.. رسم هندسي كي نسير عليه ...
-سنبنيه على غرار مسجد في الموصل .
ورسم البناء في ذاكرتي . حفظته لكثرة ما رأيته ..
رحت أشرح له وأرسم على الأرض، فتابع
مراوغته :
-لنؤجل ذلك كاكاحمه ..إلى وقت آخر
... فأربعينية جدتك أم المختار ستحل بعد
أسبوع .. ويمكننا رسم مخططك على الورق، ليتوضح أكثر للبنائين .... اقتنعت .
ولم أشأ إحراجه .
قلت وأنا أودعه :
-سأنتظر إشارتك يا حضرة الملا .. لا
تتكاسل .. فأرواح المسلمين بيديك
-أتدري من كان عندي هنا .. قبل قليل
؟
أدركت محاولته التهرب من موضوع بناء المسجد، فلم أجب . تابع ضاحكاً .
-سعدو، جاء يشكو زوجته . تسلطها عليه
واحتقارها له . أدعى بأنك شجعتها على
الخروج عن طاعته . فأخذت تصرف المال بسخاء، وتطاول لسانها بصورة غريبة .
-لقد أنقذت بيتها من الخراب .
-أصحيح أنه أراد الزواج سراً ؟
-صحيح ...
-كيف عرفت ... ؟
-إنه أمر اللّه القدير ...
vvv
-12 -
بعد يومين من دخولي المطبخ، عرفت موقعي بالضبط. كما عرفت ما
يتطلب مني عمله، وما يستوجب عليّ القيام به يومان فقط وطار عقلي ! يومان رأيت فيهما
العجيب والغريب ! وشهدت خلالهما نجوم الظهر !
حتى ذلك الوقت لم أنفرد بامرأة -طوال
حياتي -مثلما انفردت بإلهام .. ولم أضجر
من امرأة مثلما ضجرت منها! كانت عيناها الغجريتان تترصدني على مر الوقت. تستطلعان
كل حركة أو التفاته تصدر عني ! ونظراتها لم تنفك تلاحقني بشغف ودلع . تحمل نشوة
عارمة وسرور لا حدود له . وتظل كالسهام مسددة إلى خاصرتي ..
وحتى تلك اللحظات ما كنت أعرف، أن
الشيطان امرأة ! وأية امرأة ! كنت عاجزا عن استيعاب أي شيء من حركات إلهام
وألاعيبها ! عاجزاً عن فهم نياتها ومقاصدها ! لكن ما إن سمعتها تقول : -إن أوتار
الكمان تبقى صامتة حتى تلامسها أصابع رقيقة مدربة .
حتى فهمت، إنها لم تكن امرأة بل
شيطان -وفطنت إلى حقيقة إنها لم تأت بي لأصبح طباخاً .. بل أرادتني أن أتفرج على
نهديها وأشم رائحة صدرها -تمهيداً لعمل المنكر...!
يومان وجننت ! وقررت الرحيل مهما
كلفني ذلك من ثمن .
كنت استيقظ في السابعة صباحاً .
فتدعوني لإعداد مائدة الفطور للطفلين " ميسر العاقل وصباح المشاكسة )) أبدأ
بقلي البيض وعمل كأس حليب، محلى بملعقتي عسل لكل منهما . ثم أشرع في تقطيع قالب
الجبن وتحضير صحن. " المخلمة" لها . وتهيئة إبريق الشاي مع الحليب،
وتسخين خبزها الخاص ..
وعندما أتم عملي تجلس مع طفليها،
ليلتهموا كل شيء . بينما أظل جاثماً وحدي
في المطبخ، حسب رغبتها ! لأنها " لا تحب أن تغدو فرجة لأحد . يتسلى بمراقبتها
أثناء الأكل "
وبعدما تنتهي من وجبتها، تناديني
لأجالسها . أحدثها في الوقت الذي يختفي ميسر وأخته في غرفتهما، يتسليان بألعابهما
الكثيرة، المتنوعة ...
أجلس أمامها، أو قربها . فترهبني
بحدقتيها الحجريتين، وهما تحدقان فيّ بنهم وشبق . تحفزانني، تحثانني وتنقلان إليّ
ظمأ صاحبتهما، كظمأ أرض قاحلة وعطشها، كعطش
صحراء! وجوعها، كجوع ذئبة مراوغة، شرسة تجذبني بصدرها المكشوف نصفه
وبثديها المطلين من فتحة قميص النوم الشفاف، بتحد صارخ وبوجهها المبهرج الألوان
وبساقيها البيضاويين المكتنزين،
المنفرجين بوقاحة وبحديثها الجسور، الصريح ...
تأخذني الرهبة إلى حد الجنون . صحيح أن كل ما تفعله كانت دلائل
واضحة، تفصح حقيقة ما تريده وترغب . لكني ولا أدري لِمَ؟ أبسبب الخوف الذي كان يركبني ؟ أم لتصوري
الخاطئ، بأن تفعله إلهام أمامي، هو تصرف بريء، عفوي غير مقصود إضافة إلى غبائي
المنقطع النظير وقتذاك، وقلة إدراكي لحقائق الأمور، ولعدم خبرتي في أخلاق النساء
ومكائدهن، ولعدم إجادتي الخوض ببحرهن العميق، وبسبب تربيتي القروية المحافظة ..
أبعدتني عنها، ومنعتني من القيام بأي عمل قبيح .. منكر ...
وستبقى ليلة اليوم السادس خالدة في
ذاكرتي . لأن أثر الصفعة التي تلقيتها، لم تزل ساخنة وتدوي في أذني .. تنبئني بأن
" ليس الغباء غير مستحب فحسب، بل إن صاحبه لا يستحق أن يسمى إنساناً "
مثلما بقيت كلمات مجيد الموبخة هذه،
محفورة في صدري . منذ العصر صخب البيت بأحاديث الضيوف وضحكاتهم .
وضجت الحديقة بمرح الأطفال ولعبهم ..
بقيت أراقبهم من خلال خصاص نافذة
غرفتي . حيث أمرتني إلهام بالبقاء فيها
((لا أغادرها حتى تناديني )) ولم تفعل إلاّ بعد خروج الجميع ... مما أكد
لي إنها "تخمرني " ولا تحب أن تراني عين أحدهم .. الأمر الذي أشعرني
بالغضب ... لم احتمل، صارحتها بهواجسي فأنكرت .. واتهمتني بالشك .. والظن
اللامعقول .
ولكي تثبت لي " صفاء سريرتها
ونقاء نيتها، ولأجل مراضاتي دعتني لتناول العشاء معهم، ومن ثم للبقاء في الصالة وحدي، أتفرج على التلفزيون بعد نوم
الطفلين ...
انتظرت بجزع حتى عادت بثوب شفاف صارخ
. لم يكن يستر جسدها بقدر ما يبرز مفاتنها بشكل مثير، ويفضح عورتها !
خفت منها، ارتعشت وخجلت . أحسست
بالعار والفزع ونظراتها تسوطني بضراوة لا هوادة فيها !
مازحتني وأحضرت بنفسها صحناً من
الموالح المتنوعة، وسلة فواكه . ثم فتحت قنينة بيرة مثلجة . أجبرتني على تجرع كأس
كامل منها،على الرغم من اشمئزازي من الشراب المر، الذي خدعتني بقولها " إنه
شراب الصحة والعافية، وهو خلاصة عصير الشعير الطازج "
وبين الجد والمزاح قادتني إلى غرفتها
. بحجة معاونتها في إسدال الستائر المستعصية، ونصب " الكلّة " بسبب كثرة
الناموس .
أمرتني بأن أسبقها في الدخول لأضيء
المصباح . وهناك أظهرت سوء نيتها وخباثة أصلها . وما تنطوي نفسها عليه من شرور ..
فعلى حين غرة إنهالت على شفتي وخدي لثماً ولحساً ... !
ولما لم تبد مني مقاومة أو رفضاً،
تشجعت فتعرت! نزعت كامل ملابسها ... قطعة
.... بعد أخرى ! وألقت نفسها عليّ ! وراحت تغمر وجهي، عيني، شفتي، رقبتي بقبلاتها
المحمومة !
آنذاك تذكرت افتخار، ونزواتنا معاً .
حين كنا نذوب .. بعيداً عن العيون ...بناء على رغباتها وأوامراها ... كنت أتمدد
على الأرض أو استلقي وتنسل هي .. تنام أو تستلقي، تسحق نهدها على كتفي وتروح تغمر
وجهي بقبلاتها النارية .. تلك كانت افتخار وكنت أخذ منها شيئاً على الحساب
لكن من تكون هذه ؟!
لقد وعدت افتخار بالزواج ....
تواعدنا .... وتعاهدنا .. لذلك كنا نتجرأ فنسبق الزمان ... نستلف قبلة ... ولا شيء
آخر ... اعتقدت أن الأمر سينتهي مع إلهام إلى هذا الحد .....
لكنها لم تتوقف عن طيشها وتهورها ...
فجننت ... ثارت براكيني .. لعنت الشيطان .. وقادتني غريزة عجيبة، استقيظت بداخلي
فجأة إلى الجنون ! وازداد جنوني حين راحت تطالبني، تلّح عليّ بأن أتعرى ! أفعل
مثلها -فرفضت وجدتني أمام إغراءات قوية، وتحت ضغط شهوات عارمة . فهتفت داخلي :
" يجب أن أرفض الخنوع
والاستسلام . فهذا تدريب وامتحان لإرادتي وملكاتي ... يجب أن أخرج من هذا المأزق
بإرادة قوية ونفسية صلبة . أسيطر على نفسي وأحافظ على شرفي أمام الشهوة الحيوانية،
الجامحة ...."
تذكرت نبي اللّه يوسف الصديق ....
وتراءى لي الملا عطا اللّه وهو يشرح قصته مع " زليخا " زوجة عزيز مصر ..
" أغرمت بجماله وعشقته . استقر عشقه في قلبها ...
كان البيت خالياً من أي مزاحم .
والأجواء مهيأة، لتنفيذ خطة الشيطان .. طلبت منه ممارسة الحرام ...أغلقت الأبواب
حتى لا يهرب منها .. ونادته .. تعال فأنا مستعدة لك .. قال " معاذ اللّه .
إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ..."...."
كان صوت أنفاسي يعكر صفو المكان ...
وتوسلاتها ترن في أذنّي ... إلحاحها يفت في
كبدي ...
" آه .. آه ... يا إلهي .. يا
لقساوة الحياة ! يالمرارة العذاب ..! " هكذا صرخت في أعماقي .. وهي تسحبني ..
إلى السرير ...
ر فضت بإصرار فسحبتني بشدة ...
دفعتني فوقه . فوق الفراش، ورمت نفسها وكادت تفلح ... تتغلب عليّ .. ويفلح الشيطان
معها .. ويتغلب هوالآخر عليّ .. لكني أفقت . .ويوسف الصديق يتراءى أمامي ...
دفعتها بقوة ... ونفرت منها ... وابتعدت عن السرير ...
بصقت على عريها .. على جسدها العاري
ولعنتها ...
فجنت .. وراحت تهذي ...
لعنتها ثانية ولعنت الشيطان .. فجنت
أكثر ..! ووثبت نحوي .. كنمرة جريحة ...
حاولت صدها فصفعتني بشدة ...!
صفعة لئيمة مفاجئة ..... )
vvv
- 13 -
اسيقظت من نومي، على يد هدهد، لحظت
عجبها فهدأت راقبتها وهي تتلمسني باهتمام، وعلائم الدهشة تبدو على وجنتيها بوضوح
كبير.
-ابن عمي، أنت تتغير حقاً ! هذه
المرة لم أخطئ .. رشقتني بمخاوفها فسألتها :
-بماذا يا هدهد ؟
-من خلا ثلاثة أيام تحسست ذبولك،
وتيقنت من ذلك الآن .. قل لي بصراحة ... سكتت لحظة ثم غمغمت في ذاتها بخجل:
-بت أخاف عليك من ... ؟
أدركت قصدها، فضحكت، فضحكت، قهقهت
عالياً حتى امتلأت أحداقي بالدموع . بينما لفها الذهول واحمر وجهها حياءً :
-ما الذي يضحكك ! إنني متأكدة بأنك
لست على ما يرام. يشعرني قلبي وأحاسيسي بذلك ! أأكون السبب ؟
-أنا بخير يا هدهد .. الأمر طبيعي
جداً يا حبيبتي .. كان جسمي متورماً من لدغة الثعبان ... والآن، كل شيء يعود لحجمه
الأصلي .
-الحمد للّه ..
تنهدت بارتياح . شرعت ترتدي ملابسها
.
بعد خروجنا، لم أتوقف على الضحك،مما
أثار فضول أمي، فاستفهمت ونحن على مائدة الفطور :
-ما بك أراك سعيداً اليوم!
لم أقدر على مصارحتها، كما ظنت هدهد
.
اعتقدت أنني سأكشف السر، لذا توسلت
والحياء يصبغ خديها بحمرة قانية :
-كاكا حمه !! أرجوك .
واجهتني أمي بوجهها المستغرب، تنشد
معرفة ما يدور . فاضطررت إلى ممازحتها، لأبعاد شكوكها، وتجنب الخوض في حديث
لاتستسيغه هدهد ... وقد يحرجها.
-زوجتي حامل يا خجة !
بهتت هدهد ثم قرقرت حنجرتها بضحكة
مكتومة
وشع الفرح في عينيّ أمي .. هتفت من
فرحتها :
-حامل !! صلوات على النبي المصطفى ...
-لا تصدقيه يا عمتي ... لا تصدقيه
... إنه يمزح .. سارعت هدهد للتكذيب .
وفطنت أمي لبساطتها . ضحكت من نفسها وسخرت :
-صحيح لم يمض أسبوع بعد !
واردفت تجاملنا :
-ستحملين بإذن اللّه .. ستحملين يا
هداية ..
فرحت هدهد وتمتمت شاكرة .
وبعد حين بوغتنا بها تخاطب أمي
متوسلة :
-يا عمتي، انتهى دلال العرس . الأيام
الثلاثة الأولى مرت بخير، والحمد اللّه . أنا فرحة حقاً ومسرورة، وسيزداد فرحي
وسروري لوتتفضلين بإعطائي حق العمل، وتعريفي بواجباتي البيتية .
ابتهجت، كما ابتهجت أمي . أشارت إليّ
خفية بعميق محبتها لهدهد . وتقديرها لهذا العرض الحلو .
لكنها أعلنت رفضها القاطع :
-ابق في غرفتك يا هداية ... أنت زوجة
ابني، وسأضعك في عيني وقلبي
ابتسمت هدهد واحتجت :
-وأنت عمتي وأمي، وواجبي أن أخدمك ..
ألف شكر لك يا عمتي ..ألف شكر.. أنت تعرفين أن أمي لم تدللني كما تفعلين الآن .
وكنت أعمل كل شيء في بيتنا .. لذلك سأكمل مشواري هنا ... معك ... حتى لا أكون عالة
..تنبل .. كالبهيمة ..همها علفها . ..
" أكل ومرعى بلا صنعة "
أعجبني كلامها . وضحكت أمي فرحة .
التفتت تستشيرني بعينيها ؟ وحين لم تلحظ مني رد فعل، سارعت تأخذ رأيي
-ماذا تقول ؟ زوجتك يا كاكاحمه تريد
أن تعمل في شهر عسلها !
(( قبل انتقال خجة من بيت أبيها إلى
دار جدي القديم . كعروس لوكيل الآغا السلماني، المحترم سعد اللّه . لم يكن أحد من
السكان يعتقد بأنه يضم بين جنباته أسرة خبيثة من الجن ...
كل شيء كان طبيعياً حتى وصلت العروس
خجة، فثارت الزوابع وتأججت النيران . ففي ليلة الدخلة وعلى غير العادة، وبينما
كانت الزغاريد تدوي في الأرجاء، والأغاني تصدح في الفضاء، ضج الدار بصراخ رهيب !
فأخرست الأفواه وخففت القلوب وعم الصمت للحظات .
ثم تراكض الجميع مذعورين إلى غرفة
العروسين، حيث كانت تنتظرهم مفاجأة مدهشة .
صعقوا برؤية سعد اللّه العريس واقفاً
كالصنم، بملابسه الداخلية . في حين تكورت
خجة على نفسها، تحت الشرشف الأبيض، تهتز كسعفة في مهب الريح، باكية مولولة،
تتوسل إلى القادمين ليبعدوا " الخنزير " عن وجهها، يخرجوه من الغرفة حالاً! وما أن استجابوا لطلبها
وأخرجوا العريس المذهول، حتى هدأت واستكانت . وبدل أن تشرح لهم وتوضح سبب تصرفها
الغريب، طالبتهم بالخروج أيضاً . وحين فعلوا أحكمت إغلاق باب غرفتها . ورفضت ليوم
كامل إدخال أحد، خاصة العريس ! مما دفع
أمها -بعد فشل محاولات إقناعها إلى التسلل من الشباك لفهم حقيقة ما يجري ... وتسلل
بعدها أهل الدار ... وراحوا يستدرجون العروس
لتحكي لهم عما رأته، وتخبرهم عن الدافع الرئيسي " لجنونها " .
فادعت وهي بين الدهشة وعدم التصديق " إن سعد اللّه يتمثل لها -حين يقترب منها
-كخنزير متوحش ! برأسه وجسده "
سخر منها بعضهم وكذبها البعض الآخر
... ولكي تقنعهم أقسمت أمام عيونهم المستغربة، بالقرآن على صحة ما تقول ...
وعندئذ قرقرت بطونهم من شدة
الخوف،ولم يجدوا أبداً من استدعاء الأمام عبد اللّه -والد الملّا عطا الله -ليحل
لهم هذا اللغز المحير، والمثير . وكان الرجل معروفاً بقدرته على فك طلاسم السحر
وعمل الحجاب والتمائم، وتحضير الأوراح .
وجاء الإمام مصحوباً بالصلوات ونقرات
الدفوف، وعزف الزرنايات .. وجلس مع خجة على انفراد لوقت طويل سمع نحيبها واستمع
لقصتها . وأعلن دون تردد اقتناعه بها..فطمأنها وهدأ روعها .. وخرج بعد ذلك باشاً
فرحاً، يعمل بين جوانحه الحل الحاسم . واجتمع بأهل العريس فقط . أطلعهم على مجريات
الحادث .
قال لهم بعد تبصرّ وتفكر : "
بالتأكيد، إن الجن وراء ما حصل . وأجزم أنهم غاضبون على العريس لسبب ما . ويجب
معرفته بسرعة، وإجراء المصالحة ... ولأجل ذلك، ولفك عقدة المشكلة يجب إقامة وليمة
غداء، فاخرة .. لهم "
فاجأهم بطلبه ... لكنهم لم يمانعوا
.... وأجبرهم الخوف على سمعتهم الموافقة على كل ما حدده عبد اللّه من أصناف .
ونفذوا ما أشار عليهم وطبخوا عدة أنواع من الطعام، وإن كانت غالية الثمن ... وبناء
على طلبه وتوجيهاته وضعوها في السرداب، وصعدوا .. اختفوا في غرفهم كيلا يسمعوا
" حديثه مع الجن " ومن خلال زجاج نوافذهم لاحظوه يشمر عن ساعديه وينزل
وحده ليتفاهم مع " السادة الجن الكرام " وذلك بعد أن قرأ أدعية خاصة
وتوكل على الرحمن ...!
بعد دقائق من نزوله تعالت صرخات
حادة، أعقبتها أصوات مختلفة، مختلطة ببعضها، ثم صيحات غاضبة، مستهجنة .. وأخيراً
ضحكات ماجنة .. فرحة .. ثم هدأ كل شيء هدوء الأموات !
وساد صمت القبور لأكثر من ساعة . لم
تسكن القلوب خلالها عن الخفقان لحظة واحدة . وتوقعوا حدوث المكروه . وحين كاد
اليأس يدب في أعماقهم تراءى لهم شبح عبد اللّه الإمام يخرج من السرادب ! رأوه ملطخ
الوجه بألوان عديدة، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة ! .. وأذهلهم أنه وقف وسط الدار
ضاحكاً بشوشاً أسرعوا ناحيته يسألون ويستفسرون عما جرى له .. فقال لهم وهو يمسّد
شاربيه ويتجشأ :
-اطمئنوا ..انتهى كل شيء بسبب فصاحتي
وموهبتي، وبفضل اللّه القدير .. لقد صحت توقعاتي .. فالسادة الكرام كانوا وراء ذلك
... لكني أقنعتهم بعد جهد .. سعد اللّه اعتدى على أحدهم يوم أمس دون مبرر ..
فغضبوا عليه، حولوه بعين زوجته فقط -على هيئة خنزير .. بشع ... استغرب الجميع،
وكان العريس أشدهم استغراباً . أقسم أن ذلك لم يحدث أبداً . وإذا حدث حقاً فهو دون
دراية، وليس مقصوداً .. أصر على كلامه ورفض حجج الإمام وطلبه الصفح والغفران .
وحين استجوبوه جبراً، طالبوه بأن
يسترجع أحداث الأمس ويتذكر ما اقترفته يده .. وبعد جهد، اعترف مرغماً بأنه رفس
" القط الأسود " الذي حاول التهام دجاجة صغيرة .... فاستبشر الجميع لأن
عبد اللّه الإمام أصر على أن القط الأسود هو الجن ذاته ......!
وبعد أن قدم سعد اللّه العريس اعتذاره وأعلن ندمه قال
له الإمام " -هيّا توكل على اللّه وادخل الآن على عروسك .
وقل بسم اللّه الرحمن الرحيم ...
وأنتم لا تنسوا الحنة .. لطخوا باب الدار والغرفة وأطراف أصابعكم العشرة .. وانصاع
العريس فرحاً واستجابت خجة . وكنت أنا ( كاكاحمه ) ثمرة اللقاء ... !
وبعد دخول سعد اللّه العريس على
عروسه، وخروج عبد اللّه الإمام من الدار محاطاً بآيات التعظيم والثناء، ترافقه
نداءات التكبير والصلوات، نزلت عمتي مليحة وجدي مع بعض الرجال إلى السرداب .
فوجدوا الأكل الذي عملوه قد طار!
والصحون التي أنزلوها ممتلئة، خالية
نظيفة ! آنذاك صدقوا بكل ما حدث وتحققوا من ادعاء أمي وآمنوا بمعجزات الإمام ..
وبعد أن تأكدوا من أن الجن يسكن معهم في الغرف وينام معهم في الفرش، أخذوا يتصرفون
برهبة وخشوع
وبمرور الأيام اختلفت أمي مع عمتي
مليحة ... وتحركت غرائز الانتقام فأشاعت العمة " خجة كاذبة، كانت تحب شخصاً
آخر ... فتذرعت بحجة واهية ... وعبد اللّه محتال خبيث كان مطلعاً على قصة حبها ..
لذا هددها بالتشهير والفضيحة .. ودبر حيلة الجن ليبعد شكوكنا، وليلتهم الطعام الذي
يحبه ... حيث وجد الفرصة المناسبة لسد شهيته المفتوحة دوماً، وليشبع من زادنا إلى
حد التخمة ... " ولكي تثبت عمتي صحة ما تقول، وتؤكد مؤامرة خجة والإمام خنقت
القط الأسود في صباح اليوم التالي، أمام أعين الجميع !
وتخوف الناس مما حدث وتوقعوا الشر .
ولم يمض وقت طويل حتى اختفت عمتي الصغيرة بتول .... خربطوا بين الحادثتين .. وكانت
فرصة خجة الذهبية . فلم تدعها تفوت . استغلتها لتنفث سمها وتشفي غليلها . فدارت على أغلب بيوت القرية، وهمست في آذان
صاحباتها المقربات " بتول كانت على علاقة مع شخص آخر غير يوسف، وهربت معه
" .. وأشاع آخرون بأن الحلاق حسن ذبح أخته بتول ودفنها بمساعدة أبي . وذلك
لسوء سمعتها ! .. وعلى الفور اتهمت أمي بتسريب الإشاعة ... ولكي تستر مليحة على
نفسها وحتى لا تنتشر الفضيحة، عادت لتشهر راية الاستسلام البيضاء أمام أمي .
وتعلن تأكيدها على وجود الجن ....!
))
-لتعمل يا أمي، لتعمل . أنت عملت في
بيت جدي منذ اليوم الثالث ...
-كنت مضطرة .. مجبرة .. لكن من ذا الذي يجبر الحبيبة هداية ؟
-لا يا أمي، جلبت هدهد لتعاونك ...
فلا تكسري خاطرها ستعلمينها الغزل .. ومنذ
الغد سأوصى موسى بزيادة كمية الصوف التي يجلبها لك ... أريد لزوجتي أن تكون امرأة
منتجة، لتغدو قدوة لكل نساء القرية ... أشرقت ملامح هدهد، تورد وجهها . فجذبت يدي
اليمني وراحت تقبّلها بامتنان .
وأفادت بلهجة ظافرة وبمزيد من الغبطة
.
-شكراً لك يا بن عمي .. شكراً .. أنا
سعيدة جداً .
-كما ترغبان...
رضخت أمي بطيبة .. أعلنت موافقتها ..
تركتهما تتفقان على توزيع المهام،
وخرجت لأبدأ العمل بتنظيف بئر المختار.
vvv
- 14 -
(( حتى التاسعة صباحاً بقيت ممدداً
في فراشي . لم أبال بصياح الصغيرين وتوسلاتهما . ولم أمتثل أوامر إلهام . ولم أفتح
لها الباب رغم طرقاتها الصاخبة، وضجيجها المفتعل .
وعندما عجزت عادت إلى الصالة، تسب
وتشتم . وعندئذ قررت ترك البيت . فلملمت حاجاتي وارتديت ملابسي العسكرية . وانتظرت
وصول السيارة، لأعود إلى معسكر الغزلاني ..
وحين جاء السائق في موعده المحدد،
جالباً احتياجات البيت اليومية أسرعت وركبت إلى جواره .
-إلى أين ؟!
استفسرت إلهام بعجب، وهي تطل من باب
الحديقة فلم أجب . حتى أني لم أرما في عينيها من غضب، إذ لم ألتفت إليها .
خفت أن تأمر السائق بإنزالي، أو تلفق
تهمة تستر بها فضيحتها . لكنها بدت أعقل من ذلك . وسمعتها تخبر الجندي بصوت مرتجف
ساخط :
-قل لسيدك العقيد، أن هذا المكلف هرب
من الخدمة .
-لماذا ؟!! ماذا حدث ؟
سألني السائق والسيارة تبتعد بنا .
فلم أرد .
وأعاد العريف مونرو السؤال ثانية،
وبحدة . فلم أرد أيضاً . مما جننه واضطر إلى حجزي بعد وصولي مباشرة ولم يسمح لي
بالاتصال بأحد ... وظل يتردد بين وقت لآخر، يستجوبني ويود معرفة سبب عودتي . لكني
لم أتزحزح عن موقفي ولم أفتح فمي ... ترى بماذا أجيب ؟ هل أخبرهم بما حصل فأفقد
رأسي .. وهاهو الصديق يوسف أمامي خير شاهد ونذير " قد قميصه من دبر فألقي به
في السجن " !
فضلت الصمت حتى استدعاني العقيد رأفت
بعد الظهر .
جاءني العريف إسماعيل مونرو فرحاً .
وصاح شامتاً وهو يخرجني من غرفة الحجز
-أستعد، ستمثل أمام العقيد رأفت
قادني كالأسير فاشتعلت نيراني ...
وكدت أتهور وأضربه لكني تجاهلته ورحت استرجع لحظات أمس وأشكر اللّه لأنه أنقذني من
شر الشهوة، وسألته أن ينقذني من الشر القادم ...
-يجب أن تؤدي التحية للسيد العقيد
...
-حاضر ..
-هل تعرف ماذا تقول أم نسيت ؟!
يا إلهي كم كرهت العريف لحظتها !
تساءلت مدهوشاً وهو يقودني : لم يفعل كل هذا بي ؟ أهذا جزاء من حافظ على شرفه ؟!
وشرف البيت الذي يخدمه ؟!
-يجب أن تؤديها الآن .. أمامي لأتأكد
...
استوقفي فجأة فزادت كراهيتي له .
ورددته بلا مبالاة :
-لا داعي ..هيا امش ...
احتد وقال مستهزئاً :
-أعرف أنك غبي .. والمصيبة ستحط على
رأسي .
أزحته جانباً .. فدهش ..حاول إمساكي
فدفعته ومضيت قدماً .
طرقت باب العقيد ودخلت وحدي .
استقبلني كافر القلب بنظرة طويلة
صارمة، متفحصة .. أديت التحية وقدمت أسمي ورتبتي ووحدتي . وانتصبت صنماً في الوسط،
تماماً كما تقتضي الأعراف العسكرية .
من حسن الصدف وجدت لدى العقيد ضيفاً،
برتبة نقيب طيار . زاغت عيناي ناحيته فالتقت بعينيه . لم أره في المعسكر من قبل ،
فجذبني وجهه الباسم.
-أتدري ما عقوبة الفرار من الخدمة ؟
زعق العقيد فانتبهت قبل أن أسرح
بعيداً .
-أنا لم أفر ...
-لم تفر !! وماذا تسمي تركك البيت ؟
-لم يعجبني العمل!
-لم يعجبك! وما الذي يعجبك ؟!
-أنا لم أعمل طباخاً من قبل ... ولا
أريد .. لأني لا أجيد الطبخ .. رنّ جرس الهاتف مع انتهاء كلامي ..
رفع العقيد السماعة، أصغى بانتباه .
وتحدث :
-هذا هو السبع الفار أمامي ... لا ..
لم يقل شيئاً، سوى أنه لا يجيد الطبخ .. ولم يشتغل طباخاً ... أطمئني، سأشد أذنيه
..حلاقة موسى وسجن خمسة عشر يوماً ...
" لو نكحتها يا سيادة العقيد
فبماذا كنت تعاقبني ؟"
صحت في أعماقي .
-بالتأكيد ..الذنب ذنب أمه ... لم
تعلمه ..
قال العقيد لمحدثته وأغلق الخط ...
تطلع إليّ باستخفاف وهمّ بطردي
وتسليمي لكلبه مونرو، الذي خمنته واقفاً قرب الباب يحدّ أسنانه، كي يفلح في تنفيذ
أمر سيده ، لولا تدخل النقيب :
-اتركه لي سيدي العميد ... سامحه هذه
المرة .. سآخذه أنا إلى البيت .. وسأتكفله ...
بأن العجب على محيا العقيد والرجاء
في عينيّ النقيب الذي التفت صوبي وأكمل :
-لن تتعب عندي .. زوجتي لا تحب الأكل
من يد غيرها ..
كدت أصرخ رافضاً .. وامتنع عن تحقيق
رغبته .. وأعلن موافقتي على السجن وحلاقة الموسى .. مفضلاً إياهما على دفعي إلى
أحضان الشيطان .... لكن وجه النقيب الضاحك أخرس لساني وملأ قلبي نشوة !
تطلعت إلى العقيد بانتظار موافقته .
-قد يتعبك ويتعب سناء .
خاطبه محذراً فانبرى النقيب مدافعاً:
-لا أعتقد ... كاكا حمه جندي ممتاز
..... أرجو منحه فرصة جديدة
-لنمنحه الفرصة .. فماذا يضر ؟
استسلم العقيد . وهددني :
-النقيب خالد، زوج أختي . سأعفيك هذه
المرة من العقاب، من أجل خاطره ..وإياك تكرار فعلتك مع سناء ..إنها أختي الصغيرة ...
المدلله .. إياك .. اذهب الآن، وحضرّ حالك
.. سيأخذك غداً صباحاً ...
" يا إلهي !! ماذا فعلت بنفسي ؟
كلها بيوت ضباط فلم وافقت ؟ " كلمت حالي همساً ....
أديب التحية وخرجت .. فاستقبلني
مونرو :
-ما العقوبة ؟
فح بوجهي كالثعبان . وحين لحظ
احتقاري له، هزّ رأسه بصلف وحرك يده
مهدداً . وأعاد سؤاله بكثير من الاعتداد بالنفس والاستهتار بي :
ساورني الانفعال ... وطلبت السجن !
اشتهيته في تلك اللحظة، لأتخلص من ورطتي الجديدة ..
-سأدفنك حياً لو نطقت كلمة أخرى ...
ذهل لجسارتي . اصفر وجهه إلى درجة
المقت . وارتعش شاربه من شدة المفاجأة . فبالإضافة إلى أنه لم يتعود رد الجنود على
تخرصاته، إذا لم يكن الانضباط العسكري يسمح بذلك، أبداً، فلم يكن يتوقع الإهانة
مني بالذات . لذا فوجئ بردي الوقح وجسارتي فجفل وخرس .
تركته واتجهت إلى المهجع، حاملاً
" يطغي " فلحق بي متوسلاً، وإن كان الغضب يفوح من حدقتيه :
-ماذا قال لك السيد العقيد ؟
-اسأله بنفسك ...
صحت في وجهه وتابعت سيري .. ولم يكف أو يتوقف عن الجري
خلفي .. وعندئذ تذكرت الراحلة مارلين .. حبيبته ومعبودته ..فضحكت ..
توقفت ضاحكاً ...
-ما الذي يضحك ؟
لم يكن العريف مونرو مهتماً بكل
أحداث العالم، السياسية والاجتماعية . لم يتابعها يوماً ويشغل فكره بها . وعلى حد
تعبير مجيد " أبو الحق، عريفنا المبجل لايعرف نظام دولتنا .. أهو ملكية
دستورية أم جمهورية ديمقراطية شعبية ؟" أخبار الفن، وبالأحرى أخبار الفنانات
بالذات هي التي كانت . تشغل باله، وتثير اهتمامه .. أكثر من أي شيء آخر في الدنيا
.. فهو يعرف مثلاً كل خفايا مارلين مونرو .. حياتها بالكامل لحظة بلحظة .. أسرارها
وكل شيء عنها منذ ولادتها حتى وفاتها ..
أصدقاء طفولتها، معارفها في حين لم يعرف إلى حد الآن اسم أمه الصحيح .. أهو زهرة
أم زهور !
-ألم يعاقبك العقيد ؟ لا أصدق أنه
تركك ..هكذا لوجه اللّه !
قال لي وهو يسايرني، فسألته وأنا أغص
في الضحك :
-ماذا فعلت حتى يعاقبني ؟ تركت العمل
في بيته لأني رفضت أن تكون خدمتي العسكرية طباخاً عند زوجته .
بحلق مذهولاً، لا يكاد يصدق ما يسمعه
مني .. تمتم بذعر كلمات متداخلة غير مفهومة وعاد راجعاً من حيث أتى ...
استقبلني مجيد وبقية الجنود بترحاب .
أخذوني بالأحضان، سألوني واستفسروا طوال ساعة .. ثم انفرد بي مجيد، وخمن سبب هروبي
الذي أثار الجدل :
-بما أن حضرتكم " هابة لا بشر
ولا دابة " فليس متسغرباً هذا الهروب ..
-ماذا تقصد ؟!
-أقصد أنك حمار أربيلي كبير ....
-لماذا ؟
-لأنك تركت النعيم وجئت لتريني وجهك
النحس ..
-لا .. ليس نعيماً .... إنه مكان
فاسد ....
-فاسد !! تعال ... تعال .. حدثني ...
حدثته بصراحة فجن . لطمني على جبهتي
بشدة . دفعني إلى الوراء قائلاً :
-قلت لك حمار، وأزيد الآن أنت ثور يا
كاكا حمه .. أكبر ثور على وجه البسيطة .. وإذا أردت الحق فأنت لست إلاّ " رغل " لا سخل ولا بغل ...
-ما هذا الكلام ؟ إذا كررته سأزعل
منك ..
-تزعل !!
هتف ساخراً وأضاف وهو يضرب بكفيه على
خديه
-أنا ألهث وراء طيف امرأة وأنت ترمي
الثمرة الناضجة من بين شفتيك ! وتريدني أن أسكت ... !
لم أتفوه بشيء . وكأنه تذكر شيئاً،
لطم جبهته حسرة وندماً وقال :
-إنه ذنبي .. نسيت أن أنبهك إلى
حقيقة الوضع مسبقاً.. فاتني ذلك .. حدث الأمر بغتة ... لم يتح لي العريف اسماعيل
فرصة الشرح والتوضيح .. لكني سأشرح لك الآن كل شيء كي لا تفوت الفرصة عليك ثانية
ثق بأنني سأتفرغ لك، لأجعل النساء تحوم حولك حوم البرغش حول الشجرة ..
-عريف اسماعيل يقول : إنك ابن كلب ..
-لماذا الخطأ يا كاكاحمه ؟
-لأنك تسبني وتهينني ...
-لا يا كاكا حمه .. لا أقصد أنك
تسرعت ..آخ لو كنت مكانك .. آخ وألف آخ ..
تصور يا كاكاحمه، إن حظي السيء يرميني دائماً على بيوت الضباط الشرفاء، فكلما أردت
التحرش أو حاولت التقدم، فالزوجة أو الأخت أو البنت .. بل حتى الخادمة .. تصدني
وتهينني ! .. ويكن السجن بانتظاري .. ضوعفت مدة خدمتي بسبب سوء الحظ ورفضهن لحبي
.. آه لو يختارني ابن الكلب الحقيقي اسماعيل مرة .. لو فعل لعدت ومعي مارلين مونرو
.. بلحمها ودمها ...
بقينا نتناقش طوال النهار، بعد
التدريب وأثناء الغداء، ونحن على الأسرة:
-لو كانت السيدة إلهام تجيد مثلك
تربية الكواسر... ولها تخصصك في تدريبها لما حصل هذا الذي حصل...
-ما علاقة الكواسر بإلهام؟!
-أخطأت معك خطأ فادح... كان عليها
تجويعك.... تجوعك لتكسر نفسيتك القذرة، تماماً كما يتطلب منك واجب التدريب تكسير
نفسيه الطير الجارح، بتجويعه راح يحدثني ويحدثني، يوصيني ويوصيني... حتى جاء
العريف إسماعيل ينفخ، يزبد ويرعد:
-لماذا لم تخبرني عن النقيب خالد.؟
-ومن أخبرك؟ يا أبا الحق...
-أنت وقح!
-وأنت...
-اسكت ياكاكاحمة... هذا عريفنا
المحترم أبو الحق...
على الرأس والعين...
قاطعني مجيد محذراً، وأمسك يد العريف
مراوغاً:
-اجلس يا أبا الحق... ألا تحب سماع
أخبار جديدة عن زهور حسين؟
-لا...
-تحية كاريوكا؟
-لا ... لست مستعداً لسماع شيء...
صاح بغضب.. فزم مجيد شفتيه وقال
بلهجة مخادعة:
-كما تريد يا عريفي ... أردت أن
أفيدك...
فتر غضب العريف فجأة وهو يقول دون
خجل
-إذا كان لديك مايخص فقيدة الفن، قله
ولا تدعني ألعن الساعة التي عرفتك بها..
ضحك مجيد... ربت على كتف العريف،
وأسهب في الشرح:
-اجلس.. اجلس ياعريفي... معلوماتي
جديدة، مستقاة من أرشيف المخابرات الأمريكية..
-ومن أين حصلت عليها.؟
ند السؤال عن شفتيه بذهول، فاستطرد
مجيد مخادعاً:
-من عميل للمخابرات السوفيتية، كان
جاراً لصديق عم ابن خالتي المتوفاة..
ارتد العريف مأخوذاً، ولأنه لم يعتره
يوماً أي شعور بالخجل، خاطب مجيد بلهفة، معلناً في الوقت ذاته الجلوس قربنا.
-الخلاصة... ماذا يقول التقرير؟
-إن فقيدة الشاشة، حبيبة الجماهير،
كانت تقيم علاقة حميمة غير مشروعة...
انتفض العريف كمن نخز بحديدة، وصاح:
-اكمل.... أكمل.. لا تشنع بأعراض
المسلمين ... حرام عليك ..
-إنها ليست من ديننا يا عريفي...!
-اكمل... اكمل... كنت تقول إنها
صديقة...
-كانت تقيم علاقة "صداقة"
مع الرئيس الأمريكي كنيدي، ومع شقيقه المدعي العام روبرت، الذي كان يفضي إليها
بأسرار الدولة، وخوفاً من تسرب المعلومات إلى قوى اليسار التي وثقت الفنانة
علاقتها بهم، بسبب زوجها السابق "آرثر ميلر" الكاتب المشهور...
-أكان زواجها شرعياً؟
أستفسر هلعاً وكأنها أخته أو خطيبته،
فرد مجيد بهدوء:
-اللّه أعلم.. المهم أن CIA الاستخبارات المركزية الأمريكية خططت للتخلص منها ونحجت...
قتلتها...
امتعض العريف هز يده استخفافاً وزفر
بحنق:
-أهذا هو كل شيء تعرفه؟ مسكين أنت!
تظاهر مجيد بالعجب، تساءل وهو يقف
على قدميه:
-مسكين!! لِمَ يا عريفي؟
-استخبارات أمريكانية وعميل سوفياتي
وعمة خالتك...وكلام فارغ ضيعت وقتي فيه! ظناً بأن لديك أشياء جديدة..
تصنع مجيد الدهشة العارمة واحتج:
-لا يا عريفي.. لا ... معلوماتي
دقيقة.. ويجب أن تثق بي وتصدقني...
تهكم العريف، من جديد هز يده
استخفافاً، وشرع في عرض معلوماته، يسردها بفخر، وعيناه ترصداني بحذر:
-لكنها قديمة... أنا أعرفها قبل عشر
سنوات...
-مستحيل... إنها أسرار طازجة.. هل
سمعت إنهم حقنوها بمادة مخدرة... قاتلة...؟
-سمعت.. سمعت.. حقنوها وادعوا
انتحارها، لماعرف عنها من محاولات سابقة في الانتحار..
-قسماً بأني لن أخبرك بشيءآخر يخص
فقيدة الفن... ملكة الإغراء.. فأنت تنكر فضلي دائماً.. وتدعي معرفتك بكل شيء..
أقول لك معلوماتي جديدة طازجة، فتعيدها عشر سنوات.
ضحكت فتنرفز العريف وسألني:
-لم تضحك؟
لم أعره أذناً صاغية وواصلت ضحكي،
مما أغضبه:
-أتتظاهر بالبلاهة؟
-لا ياحضرة العريف... كاكاحمة لا
يتظاهر.. هوأبله فعلاً..هو كذلك حقاً... لم يتغير منذ زلطته أمه...
غمز لي بعينيه كعادته ليضمن سكوتي،
وليعزز ثقة العريف به: وكما في كل مرة سارع لاحتواء الموقف
-لماذا برأيك يا عريفي كانت معبودة
القلوب تريد الانتحار؟
سأله بنبرة ساخرة مغلفة بالجد، فضرب
الآخر الأرض بجزمته وصاح كطفل أحمق وإصبعه يشير إليّ:
-لن أجيب إلاّ إذا أخبرني هذا، لماذا
كان يضحك؟
قبل أن أتفوه نغزني مجيد بقدمه
وسألني:
-أكنت تضحك على عريفك "أبو
الحق" ياكاكاحمة؟
انتظر "أبو الحق" جوابي...
وساورتني الحيرة وأنا ألحظ حركة حاجبي مجيد السريعة، كأنه يشير عليّ حول أمر ما
سبق واتفقنا عليه! حاولت أن أتذكر ماهوبالضبط،
فلم أفلح... وعجبت حين سمعته يقول بعد حين:
-لابد أنك تذكرتملا عطا اللّه
فأضحكتك قصته
-مابه...؟! مالذي يضحكك فيه؟
سألني العريف فأحرجني ... سكتّ...
وسارع مجيد يصوغ كذبة، ويخترع حكاية طريفة، ليتجنب ردة فعل "أبو الحق":
-قبل أن تشرفنا يا حضرة العريف، كان
كاكاحمة يحدثني عن الملا عطا اللّه... إمام المسجد...
- اسمع يامجيد الزفت... لاتحاول
إبعادي عن الموضوع، فأنا أعرفك جيداً، أعرف ألاعيبك و...
-لا ياعريفي..لا.. لعن اللّه الشيطان
الرجيم الذي يحرضك ضدي همس مجيد مقاطعاً محتجاً وأضاف موضحاً:
-كان ملاّ عطا الله مولعاً في
الطيور، يربي النادر منها يقضي أغلب وقته معها، وبسبب اعتزازه بطير ملون نادر
واهتمامه بتربيته وتدريبه، كان يتأخر عن صلاة الظهر... ويبقى المصلون بانتظاره...
على أحر من الجمر... ذات يوم وأثناء انهماكه في تعليمه الطيران برز
"شاهين"في السماء الرحبة، وانقض على الطائر الجميل واختطفه في غمضة عين!
وأمام عيني الملاّ المذعورتين.
-وماذا فعل؟
استفسر العريف بلهفة وشوق، فمضى مجيد
بحكايته:
-جن الملا عطا الله سحب بندقيته وجرى
خلف الشاهين في شوارع القرية... بملابسه الداخلية.... وراح يطلق عليه نيرانه ....
حتى أصابه...
-والطير؟!
عاد العريف يستفسر من جديد بلهفة
وشوق كبيرين وبنبرة شقيه متخابثة أجابه مجيد:
-لا تخف ياعريفي.الملاّرام ماهر أصاب
الشاهين فقط وسقط الطير من بين مخالبه سالماً دون أن يصاب بأذى.
-لقد فرح الملاّ بعودة طائره...
لم أستطع تكملة حديثي... قرقرت ضاحكاً
فغضب العريف خصني بنظرة استياء، وألتف إلى مجيد موبخاً:
-وما علاقة هذا بذاك؟ واللّه أنت
مسودن... نحن نتكلم عن الفن وأنت تتكلم عن ملاّ عبد العاطي!
-ملاّ عطا اللّه ياعريفي...
صححت له فتدخل مجيد يحثه:
-هيا يا عريفي... أجب عن سؤالي....
لماذا حاولت مارلين... العفو السيدة مارلين مونرو الانتحار، عدة مرات؟
أبدى العريف امتعاضاً وقال لمجيد:
-لنسمع نهاية الحكاية أولاً...
ثم استدار نحوي وسألني بغلاظة ليستر
بها رغبته هي معرفة ماجرى:
-كيف عاد ملّك العاطي إلى البيت؟
وكأنه حدس عجزي عن الإجابة انطلق
لسان مجيد قائلاً:
-عندما وجدنفسه شبه عار، فطن لغلطته
وسوء فعلته، وأنه كان إمام المسجد ومحترماً استحى على نفسه وخجل من منظره، فاختبأ
خلف أقرب شجرة، وأرسل صبياً ليجلب له الجبة والعمامة.
-هل استرحت يا عريفي؟
سألته فلم يجب ومازحه مجيد:
-يبدو أنك لا تعرف... فتتهرب...
زمّ شفتيه بأسى وغمغم بحزن:
-لأنها ولدت من زواج غير شرعي، تنقلت
بين دور الأيتام، وفي أحدها تعرضت للاغتصاب البشع، وهي في الثامنة من عمرها، مما
ولّد لديها حالة نفسية منهارة... وعندما تزوجت لأول مرة في السادسة عشرة لم يكتب
لها النجاح.... لم توفق في حياتها الزوجية... اصطدمت بالفشل.
قالها بحرقة وأسف ثم أطلق تنهيدة
اليأس وراح... فعلق مجيد:
-أبهذه النماذج سنهد الكون...؟ عريف
غبي عاشق فنانة راحلة، وجندي أبله لا يجيد القنص!
vvv
- 15 -
كنا
منهمكين في هدم سقف الدكان القديم، عندما جاء نصار، سلّم وعرض مساعدته،
فشكرناه، وتوقعنا انصرافه، ليتخلص من الغبار المتطاير، إلا أنه لم يفعل! وقف طالت وقفته ثارت شكوكي وريبة عمتي، التي
دفعتني نظراتها إلى سؤالة:
-ماذا وراءك يا نصار؟ أجئت تساعدنا
في البناء.
ابتسم بخبث، حنى رأسه وهمس بحرج:
-أراك نسيتني يا كاكاحمة؟
-ظننته يمزح فزجرته أمام عمتي وزوجها
وابنتها:
-كيف!
-وعدتني بخصوص...
قطع كلامه .... ففهمت في الحال
مايقصد وفكرت بإبعاده عنهم حتى تلك اللحظة لم أنفذ شيئاً من وعودي، بل نسيتها
تماماً! نسيت عهودي لشذى وافتخار ونصار... ولولا كلام نصار لماتذكرت.
-لا... لم أنس... هل ستذهب إلى مجلس
الأربعين؟
أدرك قصدي فابتعد عن الحديث عما جاء
من أجله وقال:
-إنه مختارنا يا كاكاحمة؟
-إذن انتظرني هناك... مع السلامة...
ذهب نصار فاقتربت شذى مني مستغربة..
-لِمَ طردته؟... ماذا بينكما؟...
ماذا أراد منك؟
-لم أطرده، نصار رجل طيب... ولو كنت
تصلحين لزوجتك له...
-إنه أكبر من أبي!
ردت بسرعة وأضافت بدهاء همساً:
-هل كلمك عني هو الآخر؟
فطنت لمكرها، وتذكرت ورطتي فاعتذرت:
-لم أر موسى بعد..
فنددت كذبتي بقولها الجسور والمباشر:
-عجيب! أيهما الكاذب أنت أو ابنة
أختك حنان؟
جاءت إلى المحل عقب حديثك... قالت:
إنك وعمها موسى تجلسان في الحديقة...!
أحرجتني وزاد حرجي حين نددت نظراتها
الصارمة بتصرفاتي... وأمعنت في التنديد بي حين أكملت:
-لماذا سكت؟
ألقيت مابيدي، ونظفت ملابسي من
التراب، وتذرعت:
-تعبت... سأذهب لأرتاح في البيت...
-ومجلس الفاتحة؟
-مازال أمامي في ساعة...
تركتها في حال لا تحسد عليها، من
الخيبة وسوء الطالع، وتوجهت لمشاركة أمي ومساعدتها في تعليم هدهد، غزل الصوف
بالمغزل اليدوي البسيط... ثم خرجت صوب الحديقة قضيت بقية الوقت مع أقفاص الدجاج،
وراقبت أمي وهي تجمع البيض بفرح لا يوصف... رتبت زهوري... وجلست قرب هدهد على
الحصيرة، انتظر حلول المغرب، ليتسنى لي الذهاب إلى المسجد... ليس من أجل
العشاء-الذي ينتظره الأهالي بشغف-ولا من أجل حديث الملاّ فهو بالتأكيد سيدور عن
الراحلة وسيرة ابنها المختار المبجل، وقصة حياتهما وتعداد مناقبها ومناقب
ذويهما... كل ذلك لم يكن يهمني بشيء قدر اهتمامي بخاتمة المجلس، إذ تعود أن يبهرنا
بمعجزات السماء، وفضائل الرسول المصطفى وآل بيته الكرام.
قبل الوقت المحدد لبدء المجلس، توافد
الأهالي، تجمهروا أعداداً غفيرة خارج المسجد، بعدأن اكتظ الإيوان... بعد دقائق من
وصولي، أحسست بالغثيان... كدت اختنق لم أحتمل البقاء... خرجت إلى الساحة، استنشق
الهواء النقي... ولم يحتمل الملاّ أيضاً لكنه لم يستطع الخروج... حرارة الجو
المزدحم والصخب الدائر وكبر السن، اجتمعت معاً وأثرت عليه... هاجمته دفعة واحدة
فتهاوى....
فعلى غير توقع أخذ يرتجف، ارتعشت
أطرافه واصطكت أسنانه... ثم تشنجت أعصابه فلوى عنقه ومد لسانه وكما ينزلق الماء
على المرآة انهار الملاّ، سقط أرضاً فاقد الوعي!
وضج المسجد، اضطرب الحضور وهرع
الأقرب منهم لنجدته تعاونوا على حمله إلى الخارج ومددوه في الساحة، وهو مابين
الحياة والموت... وتكوّم الخلق حواليه يتصايحون هلعاً...!
واستغل عمي حسن الفرصة -بعد تأكده من
إلغاء المجلس-فأخرج الرجال، ليتسنى له تنظيف المسجد وإغلاق الباب، والذهاب إلى بيت
المختار لإكمال المشوار وتناول العشاء، حيث نصبت القدور هناك...
وفي خلال دقائق لم يبق أحد في
المسجد، إذ تحمس الجميع لفكرة تناول العشاء في بيت المختار، بسبب الراحة الدفء..
تدافعوا تباعاً، وكانت تلك معجزة إلهية لن تنسى...
فبصورة مفاجئة حيّرت عقولنا، هوى سقف
الإيوان، سقط كتلة واحدة دون مقدمات! فأحدث دوياً هائلاً صم الآذان، وتكومت كتل
الحجارة الضخمة في الداخل محتلة مكان الأهالي! وتناثرت القطع الصغيرة في كل اتجاه، وتصاعد الغبار والتراب ليطرد الواقفين..
واندفع الناس كتيار متماوج وسادت الفوضى وعم الصخب..!
وسمعت صرخات استغاثات ورعب... ثم هدأ
كل شيء....!
ومن بين ذارت الغبار المتطايرة،
تراءت لي وأنا في محلي وجوه الرجال صامتة مذهولة لماحدث...!
وراحت العيون تدور في الأرجاء تمسح
المكان، وتتفقد الوجوه، كل يبحث عن أبيه وإخوانه أو أبنائه... يلفها الذهول
والرعب... وآثار الصدمة تنطبع على ملامحهم بوضوح...
قبل أن يداخلهم الأمان ويطمئنوا..
فبعد دقائق رهيبة من الذعر والترقب،
من الصراخ والفزع، والصمت والخوف، تعالت صيحات الفرح والابتهاج....!
لقد سلم الجميع من موت محقق، لم يصب
أحد بأذى، وذلك بلطف الله القدير...
-الحمد لله.... الحمد لله...
سمعت هتاف الملاّ الخافت، وهويفتح
عينيه ويستعيد صوابه، ويسترد عافيته....
كنت مصعوقاً من شدة المفاجأة، وربما
أكثر الجميع... لذا بقيت في مكاني دون حراك... لم أنفعل مثلهم أوأبتهج.
لقد صعقت... فالحلم الذي راودني ذات
ليلة، تحقق الآن بحذافيره!
-حصل خير...حصل خير...
صدح صوت المختار.... وأيده
الكثيرون... وهم مدهوشون لا يكادون يفهمون حقيقة ماحدث...
-نادوا لي كاكاحمة.... نادوا لي
كاكاحمة...
ميزت صوت الملا المتوسل، وأنا أتفرج
على معجزة السماء، فلعنته في سري.
جاءني أكثر من شخص ناقلاً لي رغبة الملاّ فرفضت مما اضطره إلى الزحف
نحوي.
-أين أنت يا بني.. أين أنت ؟
نظرت إليه فوجدته خائراً، منهاراً،
لم تبارحه بعد حالة فقدان الوعي إلا قليلاً.
-أرأيت ما فعله اللّه بي؟ أرأيت عظم
ذنوبي يا كاكاحمة!
لم أستمع إليك... منذ شهر وأنت تلح
عليّ!
فغر الرجال أفواههم عجباً واستطرد
.... بندمه:
-منذ شهر، وأنت تلح بإعادة البناء
وأنا أراوغ.... هذا جزاء ذنوبي.. معصيتي.... ليغفر اللّه لي.... ليغفر لي... لم
أصدق حلمك يا بني... لم أصدق... ليغفر اللّه لي، ليغفر اللّه لي...
vvv
- 16 -
على مدى أسبوع كامل ودون انقطاع،
وبهمة الرجال وتآزرهم أزيلت الكتل الحجرية المتساقطة، وأزيح التراب، وهدمت الأسوار
والجدران، التي ظلت قائمة بعد الحادث، وما تبقى من البناء القديم... ثم شرع في حفر
أساس المسجد الكبير... بعد أن تم وضع المخطط الجديد، المعدل عن الرسم الذي أحضرته.
فبناء على رغبة الملاّ وبموجب
اقتراحاته، واقتراحات المختار وآخرين، أضيف إلى المخطط جناح خاص، وحذف منه محل
الوضوء والمرافق...
وبعد ذلك تعاون الجميع على جلب
الصخور والأحجار اللازمة، وإحضار أكياس الإسمنت والجص... وتهيئة كل مستلزمات
البناء.
وانطلاقاً من قول اللّه القدير:
"إنمايعمر مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الآخر"، الذي رفعه الملا،
إنهالت التبرعات من كل حدب وصوب، كل البيوت ساهمت، وكل الرجال شاركوا ولو بشكل
بسيط، باستثناء عثمان المخرف! وحده الذي رفض التبرع، وتذرع بألف عذر وعذر! ولأن
الكل يعرف مزاجه الرديء المتقلب، وحرصه الشديد على ماله، لم يناقشه أحد.... خاصة
وأن أولاده الثلاثة عوضوا عنه كثيراً، بالمال والجهد....
وأرسلت القرى المجاورة مساعدات
مالية، أعانت كثيراً في إتمام البناء بعد عشرة أيام أخرى...
الجهود الكبيرة التي بذلها نصار
-الذي تولى مهمة البناء الرئيسية-ولمساته الفنية، أضفت على المسجد جمالاً ودقة.
كما أضفت الاقتراحات والتعديلات التي
أجريت على المخطط رونقاً واتساعاً، فخرج البناء رائعاً، مريحاً شامخاً بمئذنته
الجديدة وإيوانه الكبير، ومساحته التي تخطت الأربع مائة متر...
وبعد صبغه وفرشه بما توفر من حصروبسط
يدوية، تقرر إقامة حفل بسيط لافتتاحه.
فاقترحت على الملا:
-ليكن التدشين صباح الجمعة المباركة... كي نصلي صلاة الجمعة.
-بارك اللّه بك يا كاكاحمة... فلك
الفضل الأكبر..
-الفضل للّه يا مولانا..
فرحت ورحت أدور في القرية أعلم
الرجال والشباب، بضرورة الحضور، التواجد أثناء الصلاة، لغرض إشعار الملا بحبهم له،
ومساندتهم لعمله الإنساني الكبير....
وجاءت الجمعة وتم الاحتفال، وأقيمت
الصلاة، بحضور كل رجال القرية وشبابها.... ماعداي!
لم أحضر، لأني سهرت ليلة الخميس مع
هدهد، حتى ساعة متأخرة.. وبقيت نائماً حتى الثالثة ظهراً.
وحين أفقت أخبرتني أمي ونحن نتناول
الغداء:
-جاؤوا عليك أكثر من مرة! لكنني رفضت
إيقاظك..
-خيراً فعلت..
vvv
- 17 -
للمرة الثانية نسيت وعودي تماماً! نسيت ماوعدت شذى
وافتخار ونصار، به! وكاد النسيان يستمر... ولولا إلحاح نصار -دون غيره-لما تذكرت
أبداً... فوجه شذى الذي ظل أمامي طوال أيام، لم يذكرني بشيء! لا أثناء العمل ولا
في فترات الراحة.. لكن ماكان جاء نصار حتى أدركت مقدار ورطتي -وأسفت لأني لم أستطع
بعد مساعدة هذا الطيب، فيماتبقى من حديد وحجر وإسمنت وحصى، ورمل، بنينا دكان الحاج
صالح، بمساحته الجديدة التي تجاوزت الستة عشر متراً، وعندما تم نصب الرفوف
الخشبية، جلبنا البضاعة التي ازدادت وتنوعت بزيادة مساهمتي مائة دينار وذلك بعد أن
أعاد لي الملاّ ألف دينار، قال : إنها فاضت لديه بسبب كثرة التبرعات!
كنا منهمكين في العمل، أنا والحاج
نفرغ الصناديق من محتوياتها، وتطوعت شذى وعمتي لمساعدتنا، في توزيعها وتنظيمها
للعرض.
حين جاء نصار عارضاً مساعدته، وبعد
أن شكرناه لم يتردد في الاقتراب مني، والقول بألم:
-مضى أكثر من أسبوعين على وعدك!
ومازلت أنتظر...
آلمني كلامه بشدة فتذكرت افتخار.
وعجبت لنسياني الوعد كل هذه المدة! مثلما نسيت وعدي لبنت عمتي، التي كانت عيناها
تستفسران عنه بنهم، إلا أني لم أفهم سرها واكشف خفاياها إلاّ الآن...!
تطلعت إليّ العيون مستوضحة، ففزعت،
ولم أجد بداً من إعطاء وعد جديد:
-جهز حالك هذا الأسبوع يا نصار....
-كلمة شرف..
-كلمة شرف..
-أرجو ألا تخيب ظني بك يا كاكاحمة..
أرجو
توسل إلي ومضى عائداً إلى مقهاه....
حاولت عمتي الاستفسار عن طبيعة
الوعد، فتجاهلتها...
تغاضيت عن الرد وتابعت العمل بصمت،
حين فوجئت بشذى تسألني في غفلة عن أمها:
-قل لي ماذا يريد نصار بالضبط؟
أحرجتني فصمتّ ارتسم الازدراء على
جبينها، وزمجرت:
-أوعدته بالزواج مني؟
-أعوذ بالله... من يتزوج ابنة خانقة
القط!
فغرت فاهها مدهوشة فتركتها.
استأذنت من الحاج ومضيت إلى بيت
المخرف مباشرة.
صادفت يوسف في الطريق فاستوقفني:
-إلى أين؟
-أريد مقابلة افتخار.
امتعض، بان ذلك في عينيه،و.نضح على
لسانه:
-افتخار!! ماذا تريد منها؟ أنت الآن
متزوج...
-لايذهب عقلك بعيداً فتسيء الظن
كالأثول....افتخار أختي...
أفهمته والغيظ يتملكني وسرت قبل أن
أدعه يرد.
فسمعته يبربر عجباً:
-بالأمس محمد بن سلطان واليوم
كاكاحمة! أمر غريب!
لم أفهم مالذي عناه، ولم أشغل فكري
بتفسير مايقصده.
تابعت سيري حتى باب الحديقة، التقيت
بأطفال بشيرة يلعبون تحت العريشة.
ناديت على أحدهم وطلبت منه مناداة
عمته، فهرع كالأرنب فرحاً.... ولم تتأخر دقيقة:
-لم يأت عيسى بعد.
بادرتني بتهكم، فلم أبال.
وقعت نظراتي على عينيها، لاحظت الدمع
المترقرق، وملامحها الحزينة فتألمت.. وزاد ألمي حين تذكرت أنني السبب..كان الأفول
يبدو عليها بوضوح، إضافة إلى عدم الحماس للحياة، وشيء من الملل...
-أعرف ذلك.. جئت من أجلك يا
افتخار...
حركت رأسها استهانة وقالت بهزء، ثم
بخبث:
-من أجلي!! هل اشتقت لي فجئت
تغازلني؟ ألم تشبعك هداية وتروي عروقك..!
-اخرسي...
-لِمَ جئت إذن؟
-نصار خطبك مني... فماذا تقولين؟
تبدلت ملامحها بسرعة البرق، سرت فيها
البهجة وبرق الأمل في عينيها، وامتلأت أوردتها بالدماء.
لم تباغت بعرضي المثير، ولم يحمر
وجهها خجلاً، ولم تفر من أمامي كمافعلت في المرة السابقة.. وكأنها كانت تعيش على
أعصابها منذ أخبرتها بمشروع العمر، وإنها انتظرت على جمر طوال تأخري عنها....
-منك !! وما دخلك أنت؟
صاحت مستغربة فأخرستني، اعتقدت أنها
بحاجة قصوى لتخلو إلى نفسها وتتحدث إليها -فالمدة السابقة لم تكفها كما يبدو-فإذا
بها تباغتني كمن أدرك تسرعه وسوء تصرفه... وتخوفه من ضياع الفرصة المنتظرة، وحدست
ماأصابني من ذهول وحيرة، أضافت بغنج ودلال..
-ليكلم أخوتي، لديّ أربعة أخوة
ياكاكاحمة!
-سأكلمهم أنا... أردت معرفة رأيك
فقط...
-ألم تعرفه حقاً حين كلمتني...! أم
أن الغباء مازال يسيطر عليك!
ابتسمت مدارياً فواصلت جسارتها،
لتضمن مستقبلها:
-ولمَ أنت.؟ ليكلمهم هو بالذات...
ضحكت فرحاً ووافقتها:
-كما تريدين... كما تريدين... فهذه
هي الأصول..
استدرت لأذهب فتذكرت ما بربربه موسى،
مما حفزني لسؤالها:
-ماذا أراد محمد منك بالأمس؟
-أتغار عليّ! كن مطمئناً إذن.. لم
يأت لخطبتي.. بل جاء يحثني على إعادة العمل في النول! تماماً مثل ما أراد من كل
نساء القرية، اللائي مر عليهن... ووعدنا بجلب الصوف، تجهيزنا بكل ما نحتاجه، وتعهد
بشراء إنتاجنا... بالكامل..
سرني ماسمعته، إذ بدأ محمد بتنفيذ
اقتراحي... وتوقعت له النجاح الباهر..
عدت لنصار وكلمته، ففرح بموافقتها،
واقتنع بأقوالها، وترجاني مرافقته إلى دار المختار ومن ثم إلى دار الملاّ عطا
الله، ليتوسّطا له...
استقبلنا المختار بترحاب، وأعلن
استعداده التام لمساعدة نصار:
-خطوة مباركة يا نصار... خطوة مباركة...
سأكلمهم حتماً... اتفقا مع حضرة الملاّ كي
نذهب معاً... في أي وقت يرغب... ولم يمانع الملاّ، أبدى ترحيبه الحار، وقال:
-امهلوني وقتاً...يوماً... أو ثلاثة
على أكثر تقدير... لن يرفضوا طلبك يا نصار... فأنت رجل طيب وابن حلال...
-أنا حاضر، مستعد لكل مايطلبون...
ولن أقصر بشيء...
-هم ليسوا بحاجة إلى المال، أو لأي
شيء مادي آخر، بقدر حاجتهم لمن يستر أختهم ويصون عرضها...
-وسأفعل يا حضرة الملاّ... سأفعل...
أحلف بالمصحف الشريف... أحلف...
خرجنا من دار الملاّ فرحين:
قبل افتراقنا قال لي نصار ضاحكاً:
-البارحة، أخبرني حسان عرضاً، بأنه
سيدع البكر ينتقم منك شر انتقام... قريباً... أقسم على ذلك فكن حذراً.
-حسان!! والله، سأخصيه هو الآخر.
-ومن قال لك،إنه ليس خصياً!
علق ساخراً وأردف بجد:
-لوكان رجلاً بحق مابقي عازباً...
لم يعجبني تدخله في الشؤون الخاصة،
فأتممت تهديدي:
-إنه حر يانصار، ليفعل مايشاء... إذا
رأيته اليوم فأخبره عن لساني، البكر سيكون ضحية للأرض الشرقية، بدمه وقرنيه سأسقي
الأرض وأسمدها... وسأصنع أحذيتي وملابسي من جلده وفروه... بعد أن أهب اللحم لفقراء
القرية...
قهقه نصار وقال:
-وسأخذ منك الرأس والأحشاء لكلبي...
والشحوم لتزييت قناديلي... ستتنور المقهى بفضلك...
-ويبقى الذيل لحساء خجة...
أكدت له قبل انصرافي...
اتجهت إلى البيت... كنت مرهقاً
وتمنيت النوم...
ألفيت بشيرة تبكي... استقبلتني
بدموعها فطار النوم...
لم أسأل عما تفعله عندنا في هذا
الوقت، وعلام هذا السخاء في ماء العيون الغزير... لم أسألها السبب، إذا خمنته
دونما عناء... وماكان ذلك صعباً عليّ في أي يوم...
رحت أتابع بشغف حركة المغزل، وهو
يدور برشاقة بين يدّي هدهد... مازحتها وشجعتها على الاستمرار... وإذا وقع بصري على
الصغير سامر، قابعاً في حضن جدته يتطلع إلي بعينيه الثعلبيتين، حملته، داعبته
ورفعت ملابسه لأرى...
-لاتبحث عن "الشوطة"
غسلتها بالفوح كما نصحتني، فطارت...
أعلمتني أختي بدموعها، واستفهمت أمي
بعينيها، فحدثتها عن نصيحتي لبشيرة... ثم أخبرتهن حول خطبة نصار لافتخار.
باركت أمي واستبشرت هدهد،’ وبدل أن
تحذو بشيرة حدوها، إذ بها تجن!
لطمت على وجهها فجأة وناحت كبومة
حزينة:
-هذا ماكان ينقصني! ماذا فعلت بي يا
كاكاحمة؟! ماذا؟
ألا تعرف أن المصايب ستقع على رأسي!
من ذا سيعتني بالمخرف بعدها؟ من؟!
تركتها تفرغ شحنات غضبها على صدر
أمي... وذهبت إلى المطبخ، جهزت لنفسي كأساً من الشاي. ارتشفته على عجل، ودخلت
غرفتي.
لحقت بي هدهد، أخبرتني وهي تجلس
قربي:
-أختك، تشاجرت مع يحيى، وجاءت
زعلانة.
-لاشأن لنا بهما... إنهما يتشاجران
كل يوم منذ خمس عشرة سنة، لكنهما لم يفترقا يوماً...
على السرير ينتهي خصام يوم كامل..
-أقسمت إنها لن تعود إليه!
-سمعت قسمها للمرة الألف بعد
المليون.. وهي صادقة، فلن تعود قبل حلول المغرب إلا برفقة يحيى.... تعوَّد أن يأتي
عليها، ليصالحها بنفسه... لكن... إذا تأخر لسبب ما... فتجن... وحالما تسمع صوت
الحاج صالح ينعي النهار، تهرول عائدة... لتشارك افتخار بمسح بول المخرف... وتصالح زوجها...!
فلا تكترثي بقسمها....
vvv
- 18 -
(بعد يومين فقط من عودتي إلى
المعسكر، وقبل أن يأتي النقيب خالد ليأخذني إلى بيته... جاءت الشرطة العسكرية
واعتقلتني...
استدرجوني من ساحة التدريب إلى
المهجع، تآمر العريف مونرو معهم.... استدعاني بإشارة من يده وقادني إلى حيث نصب لي
الكمين... وبعيداً عن العيون...
من غير معرفة السبب، وبلا أي توضيح
هاجموني، وكبلوني! وقادوني مخفوراً كأي مجرم شاذ! مما أثار عجب الجنود وسخطهم، وفي
حين بقيت مذهولاً، صامتاً، لم يطق مجيد صبراً، صرخ في وجه أحدهم:
-ماذا فعل؟ مالذي يحدث؟!
-ارجع إلى ساحة التدريب وإلاّ...
أمره العريف مونرو بحدة، وأضاف يشبع
فضول العيون المستطلعة:
-تم إلقاء القبض عليه بناء على طلب
من وزارة العدل...
كان واضحاً، من خلال نظرته شماتته
بي... وخمنت إنه افتعل هذه المسرحية انتقاماً مني... إذا لم يكن هناك مسوغاً لكل
ما فعلوه... إلاّ إذا همس مونرو في آذانهم شيئاً محرضاً... أدخلوني إلى غرفة
المحقق العسكري، الذي أمطرني بوابل من الأسئلة العامة، ثم شرع في استجوابي!
بدأ السؤال عن اسمي وعمري ومهنتي،
بعدها انتقل لما أذهلني:
-ماذا تعرف عن هبة؟
-هبة!! من هي هذه ؟
سألته مصعوقاً وقد تبخرت من ذهني
كافة المعلومات، التي يختزنها منذ أمد، فأجاب ببرود قاتل:
-هبة، زوجها نصار، صاحب المقهى...
صعقت صعقاً، فهتفت دون وعي:
-وما علاقتي أنا!!
ضحك الضابط الشاب، وكان برتبة ملازم
اول قانوني.
قال وهو يشير عليّ بالجلوس أمامه،
على كرسي جلدي:
-ماذا تعرف عنها؟
بدا المحقق واثقاً من نفسه، ومع ذلك
سعيت إلى خداعه:
-هربت من القرية قبل سنتين...
ابتسم بعمق، نقر بإصبعه على سطح
المكتب الخشبي الواسع:
وفاتحني ببساطة بعد أن تبادل النظر
مع مساعديه الاثنين:
-قيل إنها ذبحت، وبالتأكيد أنت تعرف
الذي ذبحها...
ابتسامته العميقة شجعتني على المضي
في الخداع:
-ومن أين لي أن أعرف؟
تصورته سيكتفي بما سمع مني ولا
يورطني في مشكلة أنا في غنى عنها... وإذا به يكشف أسراري، ويدفعني لكشف المزيد:
-قيل إنها ذبحت، وأنت الوحيد الذي
شهد ذبحها... فحدثنا بكل شي... ولا تراوغ...
-كانت امرأة زانية...
-نصار، يدعي أنها هربت..
-ربما..
-ربما!!.. أتحاول التستر على القاتل؟
تغيرت لهجته، اختفت ابتسامته وهمس في
أذن رئيس العرفاء الكاتب، الجالس على يمينه، بضع كلمات، وأكمل:
-لدينا أدلة كافية لإدانتك باعتبارك
شاهداً رئيسياً، لكنك تخفي المعلومات عنا وتضلل العدالة...
صعقت من جديد فسألته:
-أية أدلة يا سيدي الملازم؟
-هبة ذبحت على يد نصار، وأنت رأيت
ذلك بعينيك...
شهدت الحادثة وحدك... أليس هذا هو
اعترافك؟
-أنا!! متى؟
-نحن الذين نسألك... ونريد أن تخبرنا
الحقيقة وتجيب على أسئلتنا بصراحة ودون لبس....
-وإلاّ فسنضطر إلى إدخالك "دورة
تقوية عضلات واسترجاع الذاكرة".
أرهبني تهديد الشخص الثالث، وكان
أصلع يرتدي ملابس مدنية، وعلى عينيه نظارات طبية، فحدسته ضابط أمن... جلاد..قدم
لأخذي إلى مديرية الأمن العامة، حيث سيسلخ جلدي... خفت كثيراً.... وتذكرت (إلهام)
-أخبرتها بسري فباحت به... قلت لها أني رأيت نصاراً يذبح هبة... فما عاد الإنكار
ممكناً، وهو لن يفيدني بشيء بالتأكيد، وليس أمامي سوى الإقرار والاعتراف:
-صحيح، تذكرت... شهدت الحادثة
حقاً... رأيت كل شيء بعيّني هاتين... رأيت نصار وهو يهوي بخنجره عليها!
يغمده في أحشائها! كنت في طريقي إلى
العين في حدود الواحدة ليلاً لأشرب، إذ أحسست بالعطش ولم أجد في البيت مايكفي
لإروائي... في البدء سمعت صرخة فزع! فتنبهت...
التفتّ باحثاً... فلمحت هبة تندفع من
بيتها مذعورة، باتجاه الساحة بملابس النوم! حاسرة، حافية... عرفت أنها تفر من خطر
داهم فركزت بصري عليها، وعلى الفور ظهر نصار
يتبعها حاملاً الخنجر! .... اختبأت خشية أن يراني....
ورحت أراقبه.... لحق بها وأمسكها وسط
الساحة! حاوّلت الصراخ فكمم فمها بيده اليسرى وكتم صوتها، بينما راحت اليمنى تهوي
بالخنجر على جسدها... طعنها أربع أو خمس طعنات! ولم يدعها تسقط... تلقاها بكتفه،
أسندها وسحبها نحو البيت. وعيناه تجوسان المكان، تتلفتان يمنة ويسرة، وتتفحصان
الطريق لتتأكدا من أن أحداً لم يره... وفي الصباح ادّعى نصار بأنها هربت... وشهد
السلماني "بأنه ورجاله رأوها تهرب ... ترحل عن القرية حاملة حقيبة
صغيرة"! ولأنها من "القرج" لم يشكك أحدنا بقصة نصار، سكت الجميع
فسكتّ بدوري، اعتقاداً مني بهروبها.
صدقت بأنهاهربت فعلاً بعد رؤيتي
لها.. اعتقدت بأن إصاباتها كانت جروحاً خفيفة، ليست قاتلة كما خيل إليّ... وأقنعت
نفسي "إني لم أر جيداً في الظلام" وبمرور الأيام نسيت كل شيء... ولم أفتح
فمي بكلمة حول الموضوع، حتى استجوبتني إلهام زوجة العقيد رأفت...
هكذا تحدثت أمام المحقق بصراحة،
معترفاً بالحقيقة كاملة.... دونما خوف، ومن غير تعذيب وجلسات "استجواب ودورات
تقوية الذاكرة"... وهكذا أعدت الاعتراف أمام المحكمة ... بعد أسبوعين....
فتحت التعذيب الذي لا يرحم، أقرّ
نصار بجريمته. اعترف بصحة مارويته، وكذلك أجبر السلماني على الاعتراف بكذبته، ثم
الشهادة بما رآه... فحكم عليه بسنتين سجن مع الأشغال الشاقة، بتهمة شهادة الزور،
وتضليل العدالة، والتستر على جريمة قتل، لكنه بفضل الجمولي، بمكره وقدرته على قلب
الحقائق، وبسطوة الدنانير ورهبتها استطاع الخروج من السجن بعد ستة أشهر فقط!
دفع السلماني أموالاً طائلة، لقاء
حريته، بينما حكم على نصار بعشر سنوات، خفف إلى خمس لأسباب خاصة... وخرج بعد ثلاث
سنوات، إثر مراحم كثيرة ..... شملته كلها....
vvv
- 19 -
بعد شهرين من زواجي، تزوج نصار، زفت
افتخار إلى بيت جديد، كان ضمن شروط موسى، الذي أصر أن تسكن أخته في موضع بعيد، عن
المكان الذي دفنت فيه هبة، بعد قتلها!
بعد جهد ووقت وافق موسى على زواج
أخته، بينما لم يجد الأب، ولا يحيى ويوسف، مانعاً يحول دون الزواج، فأعلنوا
موافقتهم دونما شروط، لم يبد سبباً، مقنعاً، وإن تحجج بأن الواجب يقتضي انتظار
عيسى وأخذ رأيه... لكن المختار ألجمه وأجبره... مما حفزه لفرض شروطه....
تزوجت افتخار، وغدت بشيرة سيدة البيت
دون منازع، إلا أنها لم تصبر، لم تصمد طويلاً، فشلت في الامتحان.
وحدث المتوقع بعد يومين فقط... وحملت
حالها وجاءت شاكية متبرمة.
-سأموت لا أحتمل شغل البيت وحدي...
-وابنتك!! ألم تقولي إنها أصبحت
عروسة فلِمَ لا تساعدك!
صحت بها وتدخلت أمي معاتبة.
-كلفيها بأشياء بسيطة... تدّرجي
معها... هذه هداية أمامك خير مثال... إنها في المطبخ منذ الصباح... وعندما تنهي
عملها هناك... ستأتي لمغزلها مباشرة..... لن تتركه حتى تهجع...
-المشكلة ليس في الطبخ والمطبخ... بل
مع عمي عثمان.. لا يريد أن يقترب منه غيري... وأنا لا أطيق رائحته... لا أطيق....
اشمأزت أمي وسألتها:
-ألا يساعدك أحد أبنائه؟ زوجك!
-يوسف فقط..
أعلنت بشقاء وعادت تبكي بدموع
التماسيح... وصمتت أمي... ورحت في دوامة الأفكار...
لم أنتبه لما راحت تقوله وكدت أغوص
في الأعماق لولا فكرة طارئة قدحت في رأسي فجأة، فطرحتها:
-يوسف! لِمَ لا تزوجينه؟
استغربت بشيرة وردتني في الحال:
-أزوجه! ومادخلي أنا؟ لست أمه ولا
أخته! الأب يريد الزواج! أمس قال لي: لو تقبل خجة بي، سأهبها كل أملاكي....
استاءت أمي، سبت المخرف، لعنت
أجداده... ثم أبدت ترحيبها باقتراحي...
-اسمعي يا بشيرة... ماقاله أخوك هو
عين العقل... زواج يوسف أو موسى هو الحل... امرأة في البيت تساعدك وتسليك...
-وأين أجد هذه المرأة يا أمي...؟
قالت بعد اقتناع فاقترحت من جديد،
للتخلص من ورطني:
-مارأيك بشذى بنت عمتي؟
امتلأ وجه أختي بالبشاشة، لكن خجة
اعترضت.
انتفضت كالملسوعة، وصاحت بي:
-لا... موسى أصغر منها... لا يجوز
أبداً...
استغربنا هذا الرفض الصريح، واحتجت
بشيرة:
-بستة أشهر... لا يهم يا أمي...
-لا... لايمكن، من تزوج امرأة أكبر
منه يقصر عمره يا بشيرة...
-خرافة يا أمي... ماتقولينه خرافة،
لايصدقها عقل...
أفهمتها بهدوء وصرخت بشيرة:
-لاتتدخلي ياخجة... لا تقطعي نصيب
البنت... حرام عليك...
-أنا!!
-سنخطبها ليوسف.... مارأيك يابشيرة؟
صفنت بشيرة، أدخلت الفكرة في
رأسها.... دوّرتها لتختمر، وسرعان ما أخرجتها طازجة، ناضجة... خرجت بنتيجة طيبة
بعد تفكير، فأفتت:
-أتريد الحق... إنهما لائقان ببعض...
يوسف وشذى...
-إذن توكلي على الله... ابذلي
جهودك... علّها تنجح فتضربين أربعة عصافير بحجر...
-هل ينسى عمتك بتول؟
-يا أمي، الموتى لا يعودون...
-لا... بتول لم تمت... اختفت...
-اختفت، هربت، ماتت، أكلها الجن،
اختطفها الجن.... كل ما تريدين قوله نعرفه... فاسكتي... احترمي شيبتك ولا
تتدخلي... ودعي الأمر يمر بسلام....
خاطبتها بشيرة برجاء ممزوج بحدة،
وغادرت البيت يلفها الأمل....
vvv
- 20 -
التقيت بسلطان وأنا في طريقي إلى
الأرض الشرقية، كان عجولاً على غير عادته،يحث الخطى باتجاه بيت المخرف!
سلّم عليّ فلم أرد، مضى يتعثر بقدميه
مما هيج فضولي، فلاحقته بنظراتي، أدهشني انفراده بالمخرف... لكني لم أهتم
كثيراً... تابعت سيري وكلي تصميم على إنجاز ماتبقى، مضت فترة على تركي إياها...
ولابد من مواصلة العمل...بعد أن ضيعت يومين في تنظيف بئر المختار...
مساحة أرضي التي تتجاوز الثلاثة آلاف
متر مربع، أغرتني بتنظيفها من الأحجار والصخور المتراكمة، بعد حرق وانتزاع الأشواك
والصبيّر، في المرة الأولى...
لم يكن الأمر سهلاً... لكن عزيمتي
وإرادتي، وِإصراري دفعتني قدماً إلى العمل الجاد... وزادني عزيمة وإرادة وإصراراً
مجيء هدهد لمعاونتي... باشرت بعد دقائق من وصولها... على الرغم من ممانعتي!
-لم تتعبين نفسك؟! عودي من حيث
جئت... عودي...
-إنها أرضنا يا كاكاحمة؟ وتعبي فيها
راحة لي، فلا تشعرني بالنقص... دعني أساعدك... بلا إهانات...
-ماقصدت إهانتك يا هدهد... أردت
راحتك، ليثبت ابننا في بطنك..
-إذا لم يخرج قوياً فلا خير به... لا
خير... لا أريد طفلاً يأتي بعد تسعة أشهر من الراحة والاسترخاء... لاأريد... فلن
يفرح قلبي بالتأكيد...
وألهمني وجودها إلى جنبي قوة ونشاط،
لم أعهدهما فيّ من قبل! وكانّ مثار الإعجاب ودافعاً كبيراً لتحريض الأهالي... خاصة
الرجال، جاء حشد منهم... تدافعوا مبدين استعدادهم للعمل.
وتسابقوا في إظهار براعتهم في اقتلاع
جذور الحشائش، وانتزاع الأحجار والحصى، والصخور النابتة، ومن ثم جمعها ورميها على
الحدود المتاخمة لمزرعة السلماني، وأرض المختار... مكونين سوراً بارتفاع قدمين على
طول الأرض وعرضها.
فاستغنيت بذلك عن أحجار بيت جدي
القديم، كما خططت سابقاً...
كنت أتوقع الانتهاء من العمل بعد
أسبوعين، إلاّ أن أيدي الرجال قلصت الزمن إلى ثلاث ساعات فقط..
-انتهينا! أمر لايصدق... فيكم البركة
يا رجال... فيكم البركة... كثر اللّه أمثالكم.. وألف شكر لكم.. ألف شكر..
-ونحن، ألا شكر لنا يا كاكاحمة! حتى
ولا كلمة واحدة!
فرحت شذى وهي تمسح جبهتها، فأسرعت
بشيرة لاحتضانها.. أخذتها بين ذراعيها بمحبة وهمست قرب أذنها..
-أنا سأشكرك ... شكرك عندي مع بشرى
خاصة... تعالي معي... تعالي...
سحبتها بعيداً عنا.. لحقت بهما هدهد،
قبل أن تقودها أمي..
-أرضك هذه لا نفع منها يا كاكاحمة...
لا نفع ولا جدوى من كل الجهود التي بذلناها...
صارحني يحيى وهو يتمدد قربي، عقب
انصراف الرجال... عجبت فوبخته:
-أنادم أنت على مساعدتي يا يحيى؟!
-لا... لست نادماً.. ولكن منذ
أخبرتني بأنها أصبحت لك، وأن السلماني تنازل عنها حتى..
-السلماني لم يتنازل ... أعاد لي
حقي...
-أعاد حقك.. ماأن سمعت بذلك حتى
أدركت أن الأمر لا يخلو من طرافة... فالأرض ميتة ولا حياة فيها.. لذا تنازل...
أعادها السلماني بطيبة خاطر، وبثمن التراب... فهو ليس غبياً، يعرف أنها مرتفعة عن
مجرى الماء...
أزعجني كلامه، منطقه الغريب. فأوضحت
له:
-سأحفر بئراً.. وسأبدأ غداً.. سأسحب
الماء بمضخة خاصة..
-والكهرباء من أين ستأخذه؟
-من المسجد... إنه أقرب مكان..
ضحك فازداد عجبي وانزعاجي... حاولت
الاستفسار عما يضحكه، فواجهني بابتسامة ساخرة وقال:
-أنت تتحدث بلسان طفل، ليس إلاّ...
وكأن كل شيء أمامك يسير وسهل...!!
-ولِمَ لا يكون ذلك! وإذا كنت طفلاً
كما وصفتني، فأنت أكبر الأغنياء... رغل لا سخل ولا بغل...
-بدأت تتجاسر ! أتصفني بالرغل!
-لأنك لم تعرف بعد، أنني من أختار
الأرض... أنا الذي اخترتها وإذا كلفك السلماني أو ابنه بالسعي لتحطيم إرادتي
وإحباط عزيمتي.. فامض إليهما، اخبرهما أنني سأبدأ الحفر غداً... وستعينني هدهد على حمل التراب... ولأنك ساعدتني في
المرتين السابقتين سأمنحك أجراً... فلا أريد منتك... ولا أريد رؤية وجهك ثانية...
واعتبر ما بيننا من اتفاق لاغياً.. بعد أن نقضته أنت...
قهقه عالياً حتى سالت دموعه..
-أنت مجنون حقاً يا كاكاحمة! لم
تتسرع في إصدار أحكامك! كنت أمزح معك... أمزح... ألا تميز الجد من الهزل؟ عقلك
صغير أشبه بعقل طلي... منذ ساعتين وأنا أعمل معك... ألم تلاحظ ذلك...؟ قصدت أن لا
جدوى من حفر البئر...فالتعب قد لايثمر عن نتيجة...
-لم أفهم!
-أنت من نظف بئر المختار، لا غيرك،
فماذا وجدت؟ الماء قليل لا يكفي أرضنا... إلا اللّهم إذا اكثرته بدموعك ...
-وماذا تقترح يا زوج أختي؟
-علينا سحب الماء من الجدول، بمضخة
جديدة.. ولو أن الماء وحده لن يكفي.. الأرض تحتاج لسماد كثير...
-لم يفتني ذلك... سأذهب غداً إلى
المسلخ والوادي... سأجمع كل قرون البقر والأظلاف... وسنتولى أنا وسعدو تكسيرها
وطحنها..
-سعدو!! إنه يود مص دمك!
-لايهمني مايشاع... سعدو خبير في طحن
القرون...
وسأمنحه أجراً... ومادامت رقبته بيدي
فلن يرفض لي طلباً..
-يالك من عفريت ياكاكاحمة.. عفريت
بحق.. القرون أفضل الأسمدة الطبيعية... ولكنها تحتاج لجهد في تفتيها ... لم لا
تجلب الدماء؟
-ومن قال إنني لن أجلبها... أوصيت
يوسف عليها... وتعهد بجلب تنكّة دم من المسلخ كل يوم... ونصحني بزراعة الكروم....
-عال... نصيحة قيمة....
أخذ يسرد عليّ خبراته ويحدثني عن
أفضل الطرق الزراعية،وعن أجود الأنواع من العنب، تلك التي تدر أرباحاً أكثر من
غيرها...
-ماذا أراد سلطان من أبيك؟
بوغت بسؤالي المفاجئ، رفع حاجبيه
وهتف مستغرباً:
-سلطان!
-لأني أعرف أن علاقته بك مباشرة، وهو
لا يسلم إيراد السيارة إلاّ لك... فقد أثار شكي وهما يختليان تحت العريشة ...
راقبتهما... بقيا ساعة كاملة!
-متى حدث ذلك؟
-اليوم... صباحاً؟
-اليوم ؟! لم يخبرني أحد!
-اسأل بشيرة ... تركتهما يتهامسان
وجاءت لمعاونتي...
لاحت نذر الشؤم على جبينه... فصاح:
-ياساتر، أسترنا من المخرف.. لابد
إنه يخطط لكسر رقابنا... نهض متنرفزاً... ونيران الغضب، والشك تلمع في حدقتيه.
vvv
- 21 -
(بعد عشرين يوماً من التحقيق
والمحاكمة، برئت ساحتي وأطلق سراحي دون اعتذار، أوتعويض مادي... عدت إلى معسكر
الغزلاني، فاستقبلني الجنود، الأصدقاء والمعارف، مباركين لي البراءة ومرحبين
بعودتي، وأمطروني بوابل الأسئلة، ولم يتح لي مجيد فرصة الرد على كل استفساراتهم
الغريبة.
جرني من وسطهم وأخذني بعيداً عن
آذانهم، وطالبني بشرح وتفسير ماحصل، ولم أكن أملك شرحاً ولا تفسيراً ومع ذلك علق:
-إلهام هي السبب بالتأكيد، خافت أن
تضيع من بين يديها وتتلقفك أحضان أخت زوجها، خافت أن تبوح للجديدة بكل شيء...
سارعت فدبرت لك هذه المكيدة... لم تحسب أنهم سيفرجون عنك بهذه السرعة... والآن
وبعد الذي حصل لن تتركك بسلام، باعتبارك عملة نادرة... وبما أن عقلك عقل خروف لا يشتغل كما يجب، فما عليك إلا تشغيل
فحولتك... وهما.... -إلهام والجديدة-في مسيس الحاجة اليها... وعليّ تدريبك لوجه
الله... لكن إياك أن تتكلم بشيء هنا أو في أي مكان آخر عن زوجة العقيد... وإلاّ
سيدفنك حياً... ثق باللّه أن هذا القاتل لن يرحمك... فهذا إنسان كافر القلب... لا
يعرف الرحمة... استغل وجودنا في الأردن فصفى كل الضباط غير المرغوب فيهم... بطرق
فنية ... وهنا قتل العقيد حسام لأنه نافسه في أمرة المعسكر.... كل الضباط يعرفون
ذلك لكنهم يتسترون.
-أنا لن أفتح فمي، لم أفتحه إلا
لك... أنت موضع أسراري... قلت في خوف ورجاء ... فطمأنني:
-بالنسبة لي.. اعتبر أسرارك في
بئر... فأنت لست صديقاً لي فحسب، بل أخاً، واللّه شاهد... ولا تدري كم تألمت لما
جرى لك... لذا صممت أن أنتقم من ابن الكلب مونرو شر انتقام... من أجلك فقط...
-عريفي إسماعيل!! لماذا؟
-لماذا !! ألا تدري أنه حاقد كسيده
العقيد! وأنه لن ينسى أحقاده بسرعة! أنت أهنته أمامي وأمام الجنود فحتم عليه
"الواجب" أن يأخذ بثأره ... فكر بالانتقام منك وحين سنحت له الفرصة دبر
لك مكيدة خبيثة، وكاد ينجح بها لولاي... أحبطتها بسرعة بفضل اللّه القدير...
-عن ماذا تتكلم يا مجيد؟
استفسرت بعجب فاستطرد:
-استغل مجيء مفرزة الشرطة العسكرية
لاعتقالك، فانفرد بالضابط المسؤول وشوه سمعتك، أدعى أنك مصاب بمرض عقلي، ونصحه
بمعاملتك، "بحذر" واقترح اتباع الحيلة والخداع ليتم القبض عليك بهدوء...
وكاد يفلح لولاي... ألتقيت بأحد أفراد المفرزة عرضاً وكان صديقاً لي -فأخبرني بكل
شيء...ولأني أعرف خباثة العريف "أبو الحق" ومكره، أفهمت صديقي بعدم صحة
ماسمعه، أقسمت له برجاحة عقلك وكذبت ادعاء مونرو وفندت أقواله، وأقنعته بوجوب
توضيح ذلك للضابط ... قبل أن يدفعك لمستشفى الأمراض العصبية ...
-المستشفى!! لكن لماذا؟
-أراد زجك في الشماعية، دار
المجانين... هادفاً تحطيمك تماماً... فهو يعرف أن فيها رجالاً لا يعرفون الرحمة،
قلوبهم قدت من صخر... يعتقدون برأي الغرب القديم، بأن مرضى الأعصاب لعنة سماوية
تحل بصاحبها أو شيطان دخل في نفسه، فكان المرضى يوضعون في سجون مظلمة، وقد قيدت
أيديهم وأرجلهم، ويعزلون عن العالم وعن أهلهم أيضاً...ويسلم أمرهم إلى ممرضين
أشداء لا يعرفون إلاّ لغة الضرب والشتم والتعذيب....
-ياساتر!! أهكذا خطط ابن الكلب؟
واللّه...
-لا تقسم ... دع الأمر لي ... لن
يقدر عليه غيري ...
بقيت في المعسكر يومين... منحت بعدها
إجازة أسبوع فذهبت إلى مدينة أربيل ومنها أخذت سيارة أجرة أقلتني إلى القرية...
وصلت بعد الظهر، وكنت متعباً... لكن حفاوة الاستقبال بددت تعبي وأنستني همومي... نسيت
معسكر الغزلاني والعريف اسماعيل وجلسات التحقيق والمحاكمة... لكني دخت من كثرة
الأسئلة فابتعدت عن الناس، باستثاء افتخار..
عدت إلى الموصل، وفي أول يوم، وبعد
حصة التدريب، أحسست بالإعياء والإرهاق، لم أحتمل حرارة المهجع اللاهبة، وعرق
الأجساد المتصبب، ورائحة الآباط المقززة، فهربت... رحت إلى رحاب السماء باحثاً عن
رعشة هواء في الجو الخانق ...
كنت مرتاحاً، مستلقياً في الظل، أفكر
بما حصل لنصار... وبالإهانة التي لحقت بالآغا، والتي أفرحت القرية بكاملها، عندما
جاء العريف إسماعيل كالطاعون...
انتصب قربي واقفاً، لم أهتم به، ولم
أبال، لكن حين طالت وقفته، التفتّ إليه:
ألقى عليّ نظرة ازدراء وأمر بجفاء:
-حضر حالك، ستذهب مع النقيب خالد...
-إلى أين؟
-إلى المشنقة... إلى ساحة الإعدام...
-ستسبقني إليها إن شاء الله..
-أنت محظوظ، لأنك ستهرب من بين
يدي...
-وأنت أكثر حظاً يا إسماعيل، لأنهم
أبعدوك عن "مجنون"-
-سنلتقي وستعرف من هوالعريف
إسماعيل...
هددني بقبضتيه، فصحت وأنا أقف أمامه:
-ولِمَ نؤجل اللقاء؟ .. هيّا، سأكسر
رأسك لتعرف من هو كاكاحمة... المجنون... ياكلب... يانذل يابن...
ارتد مذعوراً... تراجع خطوات... تطلع
إلي بعجب وأنذر:
-لن أمررها عليك ... وسترى
-سأفقأ عينيك... أيها الخبيث...
الكاذب...
-لم يتجاسر أحد عليّ طوال خدمتي في
الجيش!
-لو احترمت نفسك معي... لاحترمتك...
لكنك....
-كفى، كفى... هيّا حضّر حالك، وانتظر
قرب البوابة... صاح مقاطعاً وابتعد مذهولاً....
انتظرت لمدة ساعة، ومجيد بجانبي،
ينصحني ويرشدني، يسليني ويقوي عزيمتي، ويزيدني إصراراً، ولم أتخلص من ثرثرته حتى
جاء العريف إسماعيل مرة ثانية فعجبت وزاد عجبي حين لمحته يشير خفية إلى مجيد
ليقترب منه إلا أن هذا لم يفعل، فاضطر هو للاقتراب وتحفزت بدوري للرد عليه، ظناً
مني بأنه سيتشاجر....
-لِمَ تتهرب مني يا مجيد؟!
أذهلنا بسؤاله ... فمازحه مجيد:
-أقسمت ألا أحدثك... ماذا تريد...؟
-جئت أسألك... أريد معرفة: من هو
الرئيس كندي؟ أهو منا؟ سمعتك تقول: إنه كان على علاقة بـ...
قاطعته مجيد بهدوء: وهو يخصني بنظرة
تحذيرية كيلا أتهور وأضحك:
-رح ياعريفي، إلى مكتبك وسآتي لأشرح
لك عن علاقته بمارلين...
-بالسيدة مارلين مونرو...
صحح العريف وأضاف بحدة، وعيناه
تراقباني:
-لايجوز يا مجيد، لفظ الأسماء، أسماء
العظماء دون ألقاب.. لايجوز...
توقف لحظة، تنحنح كمن يستأذن ثم حسم
أمره، ابتسم ولوى رقبته كالذليل، فتقاقم ذهولنا وكدت أسأله فسبقني مجيد:
-ماذا تريد ياعريفي ؟ يبدو أنك جئت
لسبب آخر...
-أريد أن أطلب من كاكاحمة أن يجمع
لي...
-فهمت يا عريفي ... فهمت...
أكمل مجيد حال تلجلج لسان العريف...
والتفت إليّ مخاطباً بهزء واضح، دون أن يغير نظرته التحذيرية:
-كاكاحمة أيها العزيز، لا تنسى
عريفنا المبجل، "أبو الحق" قلّب كل مايقع تحت يديك من مجلات في بيت
النقيب... واقتطع منها الصفحات الفنية فقط... خاصة الملونة...
و"الستربتيز" بالذات... وأجلبها عند عودتك، ليباركها "أبو
الحق" ويمررها على...
-هز العريف رأسه شاكراً ومضى...
فانفجرنا ضاحكين....
-عريفنا ليس مجنوناً فحسب بل خيرة
المجانين...
راح مجيد يضحك وينكت، ولم أتخلص من
ثرثرته، وقفشاته إلابعد مجيء سيارة الجيب.
مد السائق الشاب رأسه وصاح:
-اصعد يا كاكاحمة... يا محير عقول
العباد...
ودعت مجيد وصعدت:
جلست في المقعد الخلفي... وبقينا لدقائق
حتى جاءالنقيب الطيار خالد، جلس بجواري وبادرني بوداعة وإخاء:
-يا كاكاحمة، كيف الأحوال؟
-بخير، سيدي النقيب بخير...
-الحمدّ لله، الحمد لله...
-شكراً سيدي النقيب... شكراً...
-سمعت أنهم برؤوك.
-لا دخل لي في الحكاية... إلهام
ورطتني...
-إلهام!! زوجة العقيد رأفت؟
-نعم، حدثتها ذات يوم عما حصل فأخبرت
الشرطة...
-هل يعرف العقيد رأفت بذلك؟
-لا أدري...
سكت فسكتّ بدوري... حتى وصلنا
البيت..
-تعال، أحك لي الحكاية من البداية...
صدح صوته وهو يقودني إلى غرفة الضيوف
غرفة صغيرة، مرتبة ونظيفة، احتلت
المكتبة، واجهتها الأمامية، بينما وزعت الأرائك على مدارها، في سقفها، علقت ثريا بسيطة، وعلى نافذتها ستائر
جميلة، طرزت عليها بالإبرة ورود ملونة وطيور مختلفة...
أجلسني ونادى على "سناء"
لتسمح الحكاية معه، استقبلتني زوجته الشابة بأدب ملأ قلبي غبطة، أدهشتني حشمتها
المتناهية، ووقارها وفي الحال شعرت بالطيبة تنبع من وجهها الخالي من المساحيق...
سلّمت عليها فردت مرحبة، أحسست
بالأخوة تشدني إليها وبالحنان، وتطايرت خطط مجيد الجهنمية ووصاياه الشاذة من
دماغي، أدركت في تلك اللحظة، أن مجيداً ليس مخطئاً فحسب، بل مجرماً حين مزج كل
النسوة
-نسوة الضباط عندنا -في بوتقة
واحدة...
وعلى الرغم من معرفتها بأني المراسل
الجديد، أشعرتني أنني في بيتي، مما ملأني غبطة مذهلة...
حدثتهما بما وقع فدهشا، حديثي البريء
لإلهام ومن ثم اعتقالي ومحاكمتي... وتمنيت أن أخبرهما بتلك المحاولات العقيمة التي
قامت بها زوجة العقيد، لاستدراجي إلى جادة الرذيلة... وعمل المنكر... لكن لساني لم
يطاوعني...!
قال مجيد: إياك أن تفتح فمك فالعقيد
لن يرحمك...
إضافة إلى أن كتم أسرار الناس واجب
كل شريف...
تخيلت أختي بشيرة أمامي، تحدثني
بمحبة وتخبرني:
-غرفتك في الحديقة، وفرنا لك
ماتحتاجه، وأي شيء ينقصك أخبرنا عنه...
واسترسلت حين رأتني أهز رأسي شاكراً
وأجنح ‘إلى الصمت:
-لن تضجر عندنا أبداً... ولا تشغل
بالك بالأكل... سيصلك يومياً دون أن تدخل المطبخ... مهمتك تنحصر في الاعتناء بمها
أثناء غيابي... أنا أذهب إلى الثانوية في السابعة والنصف صباحاً وأعود في الواحدة
والنصف... فأرجو الاهتمام بها في هذه الفترة... أنا لم أرتح لدور الحضانة... فلا
عناية بها كما أريد ... وابنتي لم تتعافَ منذ أدخلتها، قبل أشهر...
امتلأت من الأعماق بنوع غريب من
السعادة، فشكرت اللّه على نعمته... رحت أقارنها بإلهام فلم أجد شيئاً مشابهاً.
-سأضع الصغيرة في عينيّ...
فاطمئنا...
-قل لي يا كاكاحمة ... وبصراحة...
أسبق لك الخوض في هذه الشغلة ... شغلة تربية الأطفال؟
ضحك النقيب وهو ينهي كلامه...
ولاطفتني زوجته وهي تشهد ابتسامتي:
-لاتخجل ... أجب...
-عاونت أختي بشيرة في تربية
أطفالها... ويشرفني معاونة أختي الثانية بابنتها...
-سلمت يا كاكاحمة... سلمت يا أخي...
هتفت بفرح كبير....
vvv
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire