dimanche 18 novembre 2012

العصفور والريح4


- 22 -
جاء المخرف إلى بيتنا بغتة، كنا نتناول الفطور حين سمعنا سعاله وهو يفتح الباب، يدفعها دفعاً... ويدلف دون استئذان، كمن يفر من شخص يلاحقه...
بدا مغتاظاً، مستاءً وهو في كامل هيئته، الأمر الذي أثارعجب أمي:
-منذ خمس سنوات لم ترتد ملابسك هذه! فما الذي جرى اليوم؟
لم يجب جلس بحذائه الجلدي وشرع يدمدم وحده..
-هل عاد عيسى؟
سألته فرد باقتضاب:
-لا...
عادت أمي لسؤاله والامتعاض يطفح على وجهها بسبب جلوسه مقابلها على الأرض:
-ولِمَ جئت؟
-جئت أبارك لكاكاحمة زواجه.
قرقرت أمي بضحكة طويلة، شامتة، واستخفت:
-أبعد شهرين يا مخرف!!
-لن أرد عليك الآن يا خجة، أنا جائع... لم أفطر بعد...
قال وعيناه ترمقان صحون الطعام بشهية.
-الأكل أمامك... مد يدك...
وبخته أمي فتشجع بسمل، رفع ردنه وبسط كفه... وبدأ يأكل بنهم..
-ألا تستحي على شيباتك؟
توقف عن الأكل لحظة مستوضحاً فأكملت أمي إهانتها:
-جئت تبارك بيد فاضية!
أحمر وجهه، زفر بشدة وصرح بأسى كاذب:
-أردت جلب هدية مناسبة تليق بكاكاحمة، قصدت دكان صالح..
-فوجدته مغلقاً، لم يفتح بعد...
قاطعته أمي ساخرة: وأضفت مستهزئاً:
-هذه حيلة قديمة يتذرع بها البخلاء..
تصنع الدهشة وصاح:
-ألا تصدقني!
-لا أحد يصدق كذبة واضحة.... كان عليك أن تنتظر الحاج ليفتح محله.. أو تطرق باب الدار.... تستحثه ليخرج... أحرجته أمي فتلعثم وعندئذ تدخلت هدهد بفطنة:
-عمي عثمان لن ينسانا ... سيجلب هدية زواجنا في مرة قادمة...
ضحكنا، أنا وأمي، فارتاح المخرف، وسألها:
-أيعجبك كلام خجة يا هداية؟
-مجيئك شرف لنا ياعمي... فأهلاً وسهلاً بك وشكراً..
-أنت ابنة حلال..
لم تسمح له أمي بتكملة حديثه، قاطعته من جديد:
-إذن ستجلب هديتك قريباً...
-سأجلبها يا خجة... إذا وافقتم...
كلامه الجاد الصريح، هيج أمي، رشقته بنظرة حادة وزجرته بغضب وهي تبلع ريقها:
-على ماذا؟
لحس شفتيه بلسانه، مسدّ جبهته وأجاب بلهجة الواثق من قدرته:
-جئتكم خاطباً.. أخطبك يا خجة من ابنك كاكاحمة..
انفجرت في عاصفة من الضحك، وامتعضت أمي بشدة .
انقلبت سحنتها غماً، ونهرته، بينما ظلت هدهد صامتة:
-هيّا امسح صحونك وعد إلى بيتك قبل أن تبول تحتك.
اعتراه الخجل وردها بانكسار:
-إنه مرض ياخجة، أمر اللّه القدير، فلا تسخري مني.
-آمنا  باللّه، إذا كنت مريضاً فلم جئت؟! هيّا أكمل فطورك وامضِ من هنا...
-سأشفى قريباً بإذن الله... ذهب عيسى إلى بغداد ليسأل لي عن أفضل الحكماء:
-عندما تشفى إن شاء الله وتتعافى تماماً، أبحث عن واحدة تناسبك، تليق بمقامك أيها المخرف.
-وأنت يا خجة؟ أترفضين حقاً!
-عيب عليك يامخرف... زوّج أولادك أولاً ... عندك ثلاثة شباب يستحقون الزواج... فكر بهم...
-ألديك مال يكفيك للزواج؟
سألته أنا بعد إهانة أمي فانتفض غاضباً واعترف:
-أناأغنى من في القرية... أموالي ضعف أموال الآغا... أراضيّ المضمونة تدر ربحاً سنوياً كبيراً يكفي القرية كلها، وسياراتي الثلاث كنز لاينضب... ورصيدي في البنك خير من اللّه...
اصطدته بسهولة، وأهنته دون رحمة:
-ولِمَ لم تتبرع لبناء المسجد؟! أنت الوحيد الذي رفض المساهمة حتى بفلس واحد! أدعيت أمام الرجال الذين زاروك أنك لا تملك قوت يومك!
ارتعش من الحرج، واستشاط غضباً وحرجاً حين أكملت بهدوء وفطنة:
-قال اللّه في قرآنه المجيد: "إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلاّ اللّه، وقال: "ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب"..
ارتبك من شدة الحرج، وزادت أمي ارتباكه بقولها:
-لم تستجب لأمر اللّه القدير، وتريد أن تتزوج أيها الكافر!
إن من لارحمة في قلبه لا يستحق الرحمة.. أتريد أن تميتني جوعاً!
لم يحتمل أكثر ... زعق في وجهها:
-وهل ماتت بشيرة؟ أسأليها، أيوجد في القرية من يأكل مثلنا؟
-لأنك دنيء النفس شره، يشتد اشتهاؤك للطعام بمرور الوقت، وحرصك على إحضار ماطاب لك ولذ!
-كفى.... كفى..
-لا تغضب يا عمي.. عمتي... تمزح معك.. تمزح..
تدخلت هدهد عندما سمعته يغمغم ويهمهم..
أشرت إلى أمي  بالسكوت... ففعلت... لكنه لم يهدأ استمر بهذيانه حتى طرق الباب...
نهضت أمي لتفتح بسبب قربها من المدخل.. فرفع عينيه فلمحت فيهما حزناً دفيناً وخوفاً، وترقباً.. ولم يطل الأمر... فمجيء يحيى ويوسف المفاجئ أذهله، جمده في مكانه.
-أنت هنا! ونحن قلبنا القرية بحثاً عنك..
تنهد يوسف وزمجر يحيى بوجه أبيه المرعوب:
-ماذا أنت فاعل؟ أتريد استغفالنا ياسيد عثمان!
سكت المخرف... لم يقو على الكلام، فأردفت يحيى:
-أتتفق من وراء ظهورنا مع السلماني الكلب! أتظننا سذجاً لا نعرف ألا عيبك؟
-كذب... كذب... لم أتفق مع أحد...
دمدم مهتاجاً فأفحمه يوسف:
-لعلمك يا أبي، كنا الآن عنده... في البيت... لقناه درساً لن ينساه، وطردنا من كان بانتظار تشريفك، ليأخذك إلى أربيل لتوقيع العقد، لماذا تفعل هذا؟ أأنت بحاجة إلى مال؟
صمت المخرف مأخوذاً بجرأة ابنيه، فبربرت خجة مغتاظة:
-لم أفهم  شيئاً!!
ابتسم يحيى وأوضح:
-أبونا المحترم يريد بيع بيت أربيل، دون إعلامنا...!
هذه هي المرة الثانية يا عمتي... التي يمكننا اللّه منه... في الأولى أفشل كاكاحمة العملية دون قصد حين أخذ أوراق البيع... واليوم نصار...
-كذب... كذب...
زعق بوجوههم وغادر البيت على عجل، دون أن يترك أثراً لبول، ولحق به الأخوان وهما في غاية الفرح...
-ربما دثر نفسه، أو وضع دثاراً... على قلاقيله... علقت أمي هازئة وهي تدقق في مكانه...
تحدثنا عن محاولة السلماني لاستدراج المخرف عن طريق سلطان ووساطته... واستنتجنا أن صفقة رابحة وراء ذلك، وهي التي أسالت لعاب المخرف ودفعته ليستعيد شبابه فيرتدي ملابس الحفلات ليمضي إلى أربيل...
بعد الفطور، أخذت هدهد إلى الأرض الشرقية، وبدأت العمل في البئر، بعد أن أكسبني بئر المختارخبرة كبيرة.
قبل يومين حددت المنطقة التي سأحفر بها، وأحضرت العدة اللازمة، فأس ومسحاة وقفة وحبل وإزميل...
رحت أحفر بهمة ونشاط، أملأ القفة بالتراب، فتنقلها هدهد إلى منطقة قريبة.. ترميها وتعود... وسرعان ماكبرت الحفرة ونزلت فيها... ولم تتوان هدهد لحظة.. كانت تسحب القفة بوساطة الحبل، بنشاط وحيوية ودونما ضجر....
وجاءت أمي لمساعدتنا، أخذت تتلهى بطحن ماجلبته أمس من القرون، تمهيداً لمجيء سعدو، الذي لم يمانع في العمل معي، حالما كلمه نصار، الذي حذرني منه "رأيته مع حسان"!
لم أستمر بعملي طويلاً، إذ أصابني الإرهاق وعاودني الصداع كما أن خشيتي على هدهد وعلى الجنين -الذي اعتقدت أنه بدأ ينمو في أحشائها-أجبرتني على التوقف طلباً للراحة.
تمددت بجوار أمي، ورحت أسترجع ماحصل لي، وما سيحصل.
كان الجو مشمساً، وثمة نسيم بارد عذب راح يلفح وجهي، أغمضت عيني وكدت أغفو.
سمعت صوت بشيرة تتساءل ضاحكة:
-ماذا قلتم لعمي ؟ ماذا؟
-لعنة اللّه عليك وعلى عمك المخرف... تعالي ساعديني... استقبلتها أمي باستياء وأمر، فقهقت بشيرة عالياً قبل أن تقول:
-هددني بالتجويع، إذا رفضتم طلبه.عرضه السخي بخطبتك يا خجة!
-خطبه إبليس إن شاء الله، أتدرين إنه خرج صباحاً قاصداً بيت الآغا ولم يكن في نيته المجيء إلى هنا.؟!
-أعرف ... أعرف، ظل يحيى يستجوبه طوال الليل حول سبب مجيء سلطان، فلم يحصل منه على مايفيد وفوجئنا صباحاً بنصار يخبرنا بأن عمي في بيت السلماني! تسلل من البيت دون علمنا... وحين شعر باكتشاف أمره فر هارباً إليكم... ليسوغ خروجه المبكر والسري...
في تلك الأثناء جاء من يخبرنا بوصول خالتي مريم إلى دار السلماني، فبعثت معه إليها رسالة شفوية مستعجلة:
-أيتها السافلة، إذا تخطت قدمك عتبة دارنا، سأدفنك حية... عودي إلى أحضان زوجك الكلب.. وأنذرت أمي وبشيرة:
-سأكسر رأس من تلتقي بها، لأي سبب من الأسباب .
(( شعرت وأنا في بيت النقيب خالد، بأني أعيش في بيتي، بيت أخوتي!
كانت غرفة واسعة ومريحة، سرير نحاسي عريض، وشراشف بيضاء ناصعة، مطرزة، وراديو صغير وتلفزيون شدني إليه شداً .
سررت بوجودي مع النقيب وزوجته، وسعدت. وسرّا بي أكثر وسعدا، وتعلقت الصغيرة مها ابنة الثالثة بي، إلى درجة عجيبة.
كنت أفطر وأتغذى وأتعشى معها كل يوم ماعدا الجمعة، إذ تصحو على يديّ، تستفيق من نومها في حدود التاسعة صباحاً، حيث يكون والدها في المعسكر، وأمها في الثانوية، أطعمها، أنظفها، وألاعبها، وأحكي لها الحكايات، تبقى معي حتى التاسعة ليلاً، تنام على كتفي فيضطر النقيب لأخذها برفق إلى السرير..
سناء المؤدبة الخلوقة، كانت امرأة بحق، تمتليء أعماقها بحب الناس فإضافة إلى مهنتها كمدرسة رياضيات ناجحة، فهي ست بيت نشيطة، لا تكل عن العمل أو تتعاجز.
وعلىالرغم من كثرة ضيوفها -من الأقارب والأحباب والطالبات- فبيتها يظل على الدوام نظيفاً مرتباً.
وعلى مر الوقت كان وجهها الذي لم يشهد الأصباغ، ضاحكاً مبتسماً، وبخاصة أمام زوارها، مما أثبت لي وأنا أقارنها بإلهام زوجة العقيد رأفت -طالبة الثانوية الفاشلة-بأن العربة الفارغة أكثر ضجيجاً، والسنبلة الممتلئة تنحني تواضعاً، وتبقى الخاوية منتصبة بزيف كاذب..
وكذلك كان النقيب خالد، خلوقاً ومؤدباً، لم أره قط منفعلاً أوغاضباً وظل مبتعداً عن الأهواء والأضواء : ولولا المناسبات والاجتماعات لما ترك البيت" بعد عودته في الثانية والنصف، أو أحياناً في الرابعة، ومنذ اليوم الأول عرفت أنه يتحاشى السهر والخروج مساءً، ويتجنب الاختلاط واستقبال الزوار!
فحال وصوله يأخذ حماماً وينهمك بعده في قراءة مايجلب من الصحف والمجلات الجديدة، التي يحرص على اقتنائها كل يوم... ثم يجلس لمتابعة برامج التلفزيون، قبل أن يتعشى في الثامنة، وينام في العاشرة...
كنت سعيداً معهماوفرحاً، واستمرت سعادتي وفرحي لسنة ونصف، ثم انتهى كل شيء في غمضة عين!
ففي يوم كالح وصبيحة لئيمة، انطفأت فجأة شعلة الحياة المتوهجة، ورحل النقيب خالد إلى السماء، ليلاقي خالقه!
تحطمت طائرته أثناء التدريب، ولم يسعف وقتئذ كما تقتضي التعليمات! مات فانتهى حلم سناء، وتكالبت الشجون فوق رأسها دفعة واحدة! فلم تمض ثلاثة أيام على المصاب الجلل حتى قدم أشقاء الراحل، يطالبون بحصتهم من "الغنيمة" ويدعون بما ليس لهم، وكأن الميت خروف وليس إنساناً!
ساوموها بنذالة يندى لها الجبين، بين إبقاء طفلتها معها وبين حصة زوجها، من ميراث أبيه،حصته من أملاك عديدة وثروة طائلة، ماكان الراحل يذكرها في حياته...
أرادوا تحويل حياتها إلى جحيم فهددوها لإجبارها على الموافقة والتنازل عن كامل حقوقها، وكادت تفعل لولاي...
وعيت اللعبة بكل أبعادها، فوقفت في وجوههم بشجاعة وجرأة وطردتهم حين جاؤوا لسرقة محتويات الدار مستغلين عدم وجودها، إذا انتقلت إلى دار والدها، لتلتزم العدة الشرعية.. تشاجرت معم وضربتهم... تغلبت عليهم رغم كثرتهم...
طول مدة تواجدها مع أهلها، بقيت أحرس البيت وحدي، أحافظ على محتوياته من شر أحقر خلق اللّه وأقذرهم ولأني عشت معهم على كفوف الراحة، أدركت أن الواجب يحتم عليّ الاستماتة في الدفاع عن البيت...
واستفدت من فرصة البقاء وحيداً، فجمعت المجلات القديمة، ورحت اقتطع الصفحات الفنية،وأقص صور الفنانين كهدية لعريفي إسماعيل مونرو المحترم... متناسياً كل ماعمله ضدي...
وبقيت أنتظر عودتي إلى المعسكر التي أصبحت أمراً مؤكداً، بعد رحيل النقيب...
وحين انتهت عدتها رجعت سناء إلى بيتها، مع أختها وابن أختها الصغيرة، عادت منهكة جزعة... تحمل في صدرها قلباً منكسراً، حزيناً...
-ماذا أفعل يا كاكاحمة؟ قلبي يتوجس شراً... من هؤلاء الأوغاد...
-قبل كل شيء أسرعي لتسجيل الدار باسم "مها" اليوم قبل الغد حتى لا تندمي...
-لماذا؟
-ألم تقولي إنهم أوغاد... قد يدبرون لك مكيدة..
فيتقوّلوا عليك مالا يصح... مايشين سمعتك.
-كيف ؟ أنت تذهلني...
-قد يقولون مثلاً: رأيناها مع رجل غريب... وبذلك يمنعون حضانتك لمها... ويطردونك من البيت...وعندئذ يتاح لهم بيعه بسهولة...
-غداً سأذهب إلى مديرية الطابو...
-الأمر ليس سهلاً... سنذهب أولاً إلى محام صديق زوج خالتي ... نستشيره...
-ولم لا أسجله باسمي؟!
-لا... سيثير ذلك شكوكهم، ويدخلونك في متاهات المحاكم بتهم التزوير والتلاعب بأوراق رسمية... سجليه باسم مها كي لا يحق لهم بيعه...
-أحسنت يا كاكاحمة... أحسنت... إنها فكرة رائعة...
-وسأذهب إلى المعسكر لمقابلة العقيد رأفت يجب أن يتحرك ويلجم الأوغاد... فكفاه سكوتاً...
-أتصدق أنني لم أره بعد الحادث، إلاّ مرة واحدة!
-أصدق..


vvv



- 23 -
فشلت محاولة البئر وخاب مسعاي:
فبعد خمسة عشر يوماً من العمل الجاد، وعشرة أمتار من الحفر صادفتني طبقة صخرية، صلدة!
أعلمتني رنة أول فأس على سطحها، باستحالة تفتيها، ولم تكتف، بل أسمعتني صرختها المدوية، حين لمحت إصراري على متابعة العمل، وعدم مبالاتي بها:
-لاتتعب يا كاكاحمة... كفى، فلا جدوى مماتفعله.
ورددت جدران البئر العاقر صدى الكلمات العشر وأعادتها أمي على مسامعي حالما هجست نيتي! ومن بعدها فعلت بشيرة، التي لم تأت لمساعدتي بل جاءت تشكو سوء حظها وتندب حالها، ولتعلن بدموعها الساخنة:
-إن خصامي مع يحيى هذه المرة هوالأخير.
لم أصدق، لم أقتنع، فكذبتها واضحة كشمس الظهيرة.
ولأني كنت منزعجاً بسبب البئر، تجادلت معها بغضب وأرجعتها إلى البيت حالما ارتفع صوت زوج عمتي، يؤذن للمغرب... لم استسلم للفشل فمازالت أعيش لذة العمل ونشوته.
لذة الروح وهي حالة من النورانية والانشراح في الصدر، فأعلنت تصميمي على مواصلة الحفر، حتى وإن اقتضى الأمر التسلل إلى ثكنة الجيش القريبة، لغرض الحصول على أصابع ديناميت، لتفجير الصخور المعترضة، وإزاحتها عن طريق الماء المخزون.
أعلنت ذلك للجميع وكدت أمضي قدماً لولا هدهد ... فعلى السرير، وإثر عجزي عن مجاراتها في الحب وخيبتي قالت مازحة :
-نضب بئرك يابن عمي، فلا تتعب نفسك.
هجست امتعاضي فأردفت بسرعة:
-كفاك تعباً وإرهاقاً لجسدك، وضياعاً لوقتك،اهتم بصحتك وليذهب البئر إلى الجحيم.
-الأرض بحاجة للماء ياهدهد!
-يمكننا جلب الماء من الجدول...
-ذلك أمر صعب... سيرهقنا...
-من أجل سعادتك، أقدم روحي رخيصة أمامك.. شكرتها، وقررت التوقف عن الحفر، وطمر الحفرة التي أرهقتنا، وإعادة التراب إليها....
ضاع جهدي المبذول طوال أسبوعين، وتطلبت عملية الردم ساعات نهار يوم كامل، أحسست في نهايته بارتجاف بسيط في جسمي، فأيقنت على الفور أنها علامات الانهيار، ثم استسلمت لنوبة الدوار المفاجئة... وأجبرت على الاستراحة ليومين متتاليين قبعت خلالهما في البيت، وعلى السرير بالذات ودونما حراك...إذ عاودني الصداع بشدة، وعاد ليعصف برأسي ثم حلت الحمى بجسدي كله، فاستلقيت على أساس أن النهاية حانت، ورحت أتلمس جسدي، تصورته نحيلاً هزيلاً لم يبق منه إلا الجلد والعظام... ووجهي شاحباً تعلوه، صفرة الموت...
ولأني رحت أهذي، توسلت أمي إلى الملاّ أن يأتي لزيارتي ليقرأ بعض السور القرآنية، ويكتب لي تميمة تقيني شروراً كثيرة، وتبعد الضرر عني وتجنبني عيون الحسد والحاسدين.
ولم يتأخر جاءني والألم يكاد يمزق الأحشاء، جلس قرب رأسي، لم تكن صحتي تسمح لي بفهم مايقوله ومتابعته... لكني سمعته يستعيذ ويبسمل، ويده على جبهتي، راح بعدها يؤذن ويقيم في أذني، ثم شرع يقرأ آية الكرسي، وفاتحة الكتاب وسوراً أخرى قصيرة.. مما أشعرني بشيء من النشوة..
ففتحت عينيّ لأشكره... فواجهني وجهه الباش وابتسامته العميقة:
ربت على كتفي بحنان وقال:
-ابشر يا كاكاحمة فالرسول (ص) يقول: إن المؤمن إذا حمّ حمّى واحدة تناثرت الذنوب عنه كورق الشجر.
فإن صار على فراشه فأنينه تسبيح وصياحه تهليل، وتقلبه على الفراش كمن يضرب بسيفه في سبيل الله وأن أقبل يعبد اللّه عز وجلّ بين أصحابه كان مغفوراً له، فطوبى له إن مات وويله إن عاد، والعافية أحبّ إلينا... ولا تنسى يا كاكاحمة: إن صراع ليلة يحطَّ كل خطيئة إلا الكبائر... وحمى ليلة كفارة سنة، ذلك لأن ألمها يبقى في الجسد سنة، لذا فإن سهر ليلة من مرض أفضل من عبادة سنة.
وتذكر يا بني إن المرض للمؤمن تطهر ورحمة وللكافر تعذيب ونقمة ولعنة...
كرر أقواله وأدعيته وذهب بعد ساعة ... وتبعته أمي فبقيت مع هدهد المرعوبة:
-ماذا بك يابن عمي؟
-عضلاتي مشدودة، متوترة، وأشعر بالإنهاك...
-أعطني ظهرك لأدوسك... سأفرك عضلاتك... أمرغها تمريغاً..
ضحكت على ألمي ولاطفتها:
-كم ظهراً داست يداك... حتى الآن ياهدهد؟
فطنت لسخريتي فركبهاالحياء وردت بمزاح:
-أنت الثاني يا بن عمي... الثاني...
سكتت لتجس نبضي وتسمع ردة فعلي، فالتزمت الصمت وكتمت ضحكة كادت تفلت من شفتي...
وحين دهمها اليأس من سماع جوابي أكملت والابتسامة تشرق في وجهها:
-أبي لم يكن يرتاح إلاّ ليديّ... كان يخشى من كفيّ أمي الغليظتين...
-وأنت ألا تحتاجين لمن يفرك عضلاتك يا هدهد؟
-لا تسخر ياكاكاحمة.. أنت تعرف أني بلا عضلات... ثم إن العمل معك نشط جسدي ... أزال خمولي، ومنحني قوة كبيرة....
بارك الله بك ومتعك بالصحة والعافية...
خاطبتها بفرح وسألتها بعد مشاهدتي صينية الأكل موضوعة على جنب:
-هل تناولت الفطور؟
تلعثمت، ترددت في الإجابة وقالت بعد حين:
-نفسي لا تطاوعني... منذ سمعتك تتلوى في الفراش عافت نفسي الطعام... كرهت الدنيا... إضافة إلى إحساسي بالغثيان... وبالدوار... عندما استيقظت صباحاً...
هدر حديثها في دماغي وأفرح قلبي، فتحركت يدفعني السرور:
-منذ متى؟.
-منذ يومين! لكني خجلت من مصارحة عمتي... لم أحب إزعاجها وهي مشغولة بك...
-هدهد!!
هتفت فرحاً واحتضنتها، فبوغتت:
-مالذي حدث!
لم أجبها، حلقت في  السماء طرت مسروراً مخمناً وجود سبب لإحساس هدهد..
تحاملت على نفسي.. تركت السرير ومضيت أسأل أمي التي خرجت في وداع الملاّ، أسألها وأستجوبها: فتهلهل وجهها وهرعت إلى الغرفة، تفحص هدهد بعين خبيرة متمرسة، وأعلنت بعد دقائق وهي تطلق زغرودة:
-مبروك يا هداية... مبروك ... أنت حامل ... ألف مبروك لك يا كاكاحمة...
ارتعش جسدي، تملكني الحبور... وتطايرت الحمى... لم أتمالك زمام أمري... قبلّت رأس أمي وجبهتها وقبّلت هدهد، التي اعترتها النشوة والارتياح، وراحت تتمتم من فرط الحياء والبهجة...
صح اعتقادي كنت متأكداً من حملها، فأنا كاكاحمة!
لم أشأ البقاء في البيت والاستسلام للمرض.. كنت أعرف أن الرجل قد يتحطّم لكنه لن ينهزم... لذا خرجت أزف النبأ للسماء وأشكرها، للأشجار، للأرض... متناسياً مرضي وصداعي... طرت مبتهجاً ... ففي بطن هدهد جنين معجون من طين جسدينا...

قادتني قدماي إلى الأرض الشرقية... نمت وسطها، وراحت عيناي تحدقان في السماء الرحبة...
كل شيء بدا على غير ماتعودت! الشمس وهي تغيب والقمر وهو يبزغ، يتلألأ بشدة عجيبة، وتتوهج نجوم درب التبانة بصورة غريبة، لا مثيل لها، كأنها تنير لي الطريق، ترشدني وتحفزني على السير قدماً في مشاريعي فكرت في كل شيء.. في إلهام والعقيد، وفي سناء والنقيب، في مجيد والعريف.. ثم في الأرض.. وفي أفضل مايمكن أن نزرع وأسهل... ووجدت اقتراح يوسف بزراعة الكروم هو مايناسبني حقاً... وتركز تفكيري في عنب محلي على شكل عرائش... لأنه "مشروع، نافع، ناجح" يسهل تسويقه... كل مانحتاجه لمستلزمات العمل هو الحصول على جرار لقلب الأرض وحراثتها...
قررت أن أبدأ بشكل بسيط، حتى لا أضطر إلى الاقتراض... فمن يقترض اليوم يستجدي غداً... خططت وقست.
ونصبت ركائز العرائش وأعمدتها...
وقررت أيضاً حث يحيى ليجلب شتلات عنب "الخليلي" الأكثرحلاوة، و"الآشوري" الكبير الحجم... كنت مستغرقاً في أحلامي، حين سمعت صوت بشيرة تنادي من بعيد...
توقعت حدوث خصام جديد، فلعنتها في سري.. وتغاضيت عن ندائها المتكرر.
-ماذا بك؟ ألم تسمعني حقاً!
صاحت باستياء وهي تقف على رأسي:
-عودي من حيث جئت.. لست متفرغاً لك... هيّا، حلّي مشاكلك السخيفة مع زوجك... وفي بيتك ... هيّا... ولا علاقة لي بالموضوع ... أياً كان... هيّا ... عودي...
-أنا لم آت من أجل ذلك يا أخي المحترم!
-ولم جئت إذن؟
-عيسى؟
-مابه؟
-عاد قبل قليل...
لم أدعها تكمل... قفزت فرحاً، وهرعت للقائه..
في الطريق صادفت سعدو.
-كيف أحوالك يا كاكاحمة؟
-أحسن منك..
كنت على عجلة من أمري، ولم أرغب في إضاعة الوقت مع ذلك وحتى لا أنسى وتفوت عليّ الفرصة قلت له:
-اسمع يا سعدو... لا ظنّ أنك تستطيع خداعي بألاعيبك ...
-خير إن شاء الله... ماذا بدر مني؟
-هل سيزوجك حسان من ابنة أخ كهرمان؟
-أعوذ باللّه.. تلك كانت نزوة حطمت أطرافي..
-مالذي تخطط معه ضدي؟
-لاشيء وحق المعبود... لاشيء....
-إذن اعمل معي بشرف ولا تتهرب...
صحت به ومضيت نحو بيت المخرف.


vvv



- 24 -
بعد يوم واحد من عودة سناء إلى بيتها، مع أختها سهام، أبلغت بأمر الرجوع إلى المعسكر!
وجبت عودتي، فمهمتي انتهت بمقتل النقيب خالد وماعاد وجودي ذا نفع، وكدت أنفذ الأمر وأعود، لولا سهام تدخلت بسرعة وحزم وفلحت مساعيها.
استأذنت من أخيها رأفت، -الذي غدا عميداً-ورجته أن يؤجل عودتي أسبوعاً "بسبب حاجة سناء إليّ لإتمام بعض الأعمال" فوافق بشرط "عدم بقائي معهما في البيت...".
أسكنني في فندق قريب،بناء على نصيحة زوجته إلهام، التي توقعّنا إنها وراء شروطه... وحدسنا إنها وشوشت في أذنيه "إن بقاء رجل عازب مع امرأتين شابتين إحداهما أرملة، يثير الأقاويل ويجلب الشك".
ولقد صحت توقعاتنا بالكامل، إذا أخبرتني إلهام فيما بعد "إنها عملت كل ذلك من أجلي فقط".
عملنا المستحيل لوقف المآسي التي حلت بسناء، ونجحنا في درء الخطر عنها وعن ابنتها الحبيبة.
وساعدنا كثيراً تدخل العميد رأفت، لصالح أخته وقوفه إلى جانبها،وتهديده الصارم لإخوة المرحوم خالد "بالموت إذا لم يبتعدوا عن سناء..."!
في اليوم الخامس من رقادي في الفندق، التقيت بإلهام، حدث الأمر مصادفة قرب مدخل بيت المرحوم، وربما كانت المصادفة أحسن بألف مرة من الميعاد....
كنت قادماً لاستكمال المعاملة، وإنجاز مابدأناه مع المحامي في تسجيل البيت باسم الصغيرة مها، وكانت هي قادمة للزيارة.
في حدود الثامنة صباحاً توقفت السيارة العسكرية أمامي فواجهتني وجهاً لوجه... دهشت، فقدت رشدي وأعصابي، وجمدت في مكاني على الرصيف... وجثمت  هي في مقعدها لثوان، نظرت إليّ بشيء من الاحتقار والغطرسة وتطلعت إليها بدهشة وإعجاب.
لم أرها منذ ضربتني، وهاهي أمامي أكثر فتوة وشباباً.
تذكرت ماحصل فأحرق العطش إلى الانتقام وأخذ الثأر حنجرتي، كدت اندفع نحوها، ألقنها درساً بما فعلته وتفعله بي، لكني بذلت جهداً كبيراً كيلا أفضح هياجي... نظرت إلى وجهها فطالعني وجه شابة في العشرين!
ولا أدري كيف نسيت وتناسيت كل أحقادي! وابتسمت لها، فابتسمت أقحوانة العشق في أعماقي.. فأيقظت روح الحماسة داخلي!
-أنت!!
همست بعجب وهي تقترب مني، إثر نزولها، فركبني الشيطان، لعب بعقلي، وبرز مجيد أمامي ضاحكاً... حاثاً مشجعاً:
"إنها فرصتك يا كاكاحمة فلا تضيعها بتهورك... إلهام مازالت تنتظرك... فأعلمها ولو من طرف خفي أنك أخطأت بحقها... وإن مافعلته آنذاك كنت مكرهاً عليه... مرغماً... والآن عقلت ونضجت..."!
ظل بصري مركزاً عليها... سمنت وازدادت جمالاً وروعة:
-كاكاحمة بنفسه، بلحمه ودمه ياإلهام..
-إلهام!!
همست باستغراب ودلع أضافت وعيناها ترصدانني بحذر:
-ماذا تفعل هنا؟ ألم تذهب إلى المعسكر؟
-مازال أمامي يومان...
-أتنام هنا؟
-أوامرك نقلتني إلى الفندق..
بوغتت، بلعت ريقها واستفسرت بمكر:
-ولِمَ جئتَ الآن؟
دفعني مجيد إلى الأمام، قرصني في خدي وهمس في أذني من جديد حاثاً مشجعاً... فتملكتني الشجاعة، وأيقنت عندئذ ضرورة الرضوخ أحياناً، الانحناء أمام "العواصف".. إذا كان عليّ أن أستسلم أخيراً، لأمر لم أكن مقتنعاً به... فتلبستني الجرأة واعترتني شجاعة لم أحس بها من قبل... شجاعة من نوع غريب...
اضطرمت النار في جوانحي .... حلقت صقوري  في الفضاء تريد أخذ الثأر! هامت مجرحة تنوشها آلام الذكرى، وأثر الضربة، ويرن في آذانها دوي تلك الصفعة المفاجئة، ويدميها أن يمر الأمر دون عقاب...
-جئت من أجلك.. من أجلك فقط...
افترّ ثغرها عن ابتسامة رائعة، وهمهمت:
-من أجلي!!
-نعم ... لأخبرك بأني تعلمت الطبخ... أخذت فنونه كما تشتهين...
رمقتني بنظرة شيطانية حادة، مدهوشة، وزمت شفتيها كمن يختار أفضل الكلمات، لينطقها...
الإحساس الغريب الذي حملته عيناي، جعلها تتأكد من جديتي... فهتفت نظراتها بفرح "سنرى"...
ابتسمت ثانية وبعمق، ثم مالبثت أن دفعتني جانباً. فتحركت قليلاً موسعاً لها مجال المرور، فمس كتفي كتفها! مجرد احتكاك ملابس ...... النار  شبت داخلي! فسرى دبيب الشهوة فيّ وارتعشت أطرافي لذة!
فتحت باب الحديقة بنفسها، بيد مرتعشة، ودخلت تقدمت خطوة، والتفتت، خصتني بنظرة معبرة ومضت هاربة!
استشعرت استعدادها لأعطائي فرصة ثانية.
فانتعش صدري بهجة،وانتظرت موعد الاختبار بلهفة وشوق.



vvv



- 25 -
عاد عيسى فألهب جوارحي، ألهبني وجوده في القرية، نيراناً حامية، وألهبته باقتراحي حماساً كبيراً.
-فكرتك رائعة يا كاكاحمة، رائعة، ولكنهم لن يسمحوا لنا...
-لا تيأس... لنحاول، فالحال تغيرت، ولا تظنني جاهلاً، بذلك، كنت أعرف أننا سنصطدم بالمعارضة... لذلك سعيت إلى إعادة بناء المسجد وتوسيعه ليكون البديل... به نبني الروح والعقل معاً...
-جيد.. الوقت مناسب جداً لفتح المدرسة، لكن أين سنفتحها إذا حصلنا على موافقتهم؟ أين؟! إنها ليست غرفة واحدة..
-سنبنيها على أرضي...
-أرضك غير صالحة لبناء مدرسة.. إنها مائلة ومرتفعة، الصعود إليها ينهك الصغار ..
-ماذا تقترح إذن؟ أين نفتحها؟
-لا أدري لم أفكر بهذا من قبل... أنت فاجأتني حقاً ثم  أن الأمر ليس سهلاً فمديرية التربية لن توافق بسهولة.. والآغا سيمنعها بأسنانه.
-سأدفنه إذا أبدى رفضاً... المختار والملاّ معنا..
-المدرسة حراب مسمومة، لن يسمحوا لها باختراق أمعائهم... لن يهضموها أبداً.
-هناك ألف مدرسة ومدرسة في أربيل وحدها، فلماذا نحرم نحن؟!
ثق أنني سأبنيها مهماكلفني الأمر من مال وجهد سأبنيها حتى لو اقتضى الأمر قتالهم... سأبنيها على أشلائهم... بشرفي... سأبنيها كما بنيت المسجد... وستكون أنت مديرها...
-أهدأ يا كاكاحمة... الأمر لا يحل بالانفعال...
قال مهدئاً وهو يرمقني بعين العجب..
وأضاف بعد فترى صمت وترقب:
-صحيح، علينا استخدام إيوان المسجد مؤقتاً، منذ الغد سرني اقتراحه فهمست معلناً موافقتي...
-فكرة جيدة... مدهشة.. الملاّ لن يرفض..
كنا نجلس في المقهى .. ننفرد في طاولة بعيدة عن صخب الرجال وثرثرتهم... ونصار يراقبنا ويمدنا بأقداح الشاي بالليمون... فرحاً بشقيق زوجته الذي جاء يبارك ويهنئ الزواج الميمون
إنها مجرد فكرة.. ربمانعثر على مكان أفضل كي نحصل على إجازة التربية بفتحها... لتغدو نظامية..
-هيا نذهب إلى الملاّ لأخذ رأيه، واستشارته..
سحبت يده حين لحظت تردده، خرجنا من المقهى باتجاه المسجد، ولاحقنا نصار بعينيه المستغربتين لم نجد الملاّ هناك فقصدنا البيت.
فتحت لنا الخالة رباب الباب، وأدخلتنا إلى الصالة.. حيث كان الملاّ يرتل القرآن.
رحب بنا، وبعيسى بالذات، مثلما رحب بالفكرة وأبدى مساعدته:
-سأجبرالرجال على جلب أطفالهم..
-قانون التعليم الإلزامي يجبرهم على ذلك..
ضحك الملاّ من قول عيسى وقال:
-لايابني...لا... في قريتنا لانطبق قوانين الحكومة، وبخاصة هذا القانون...
احتد عيسى وأعلن احتجاجه بأدب:
-ياحضرة الملاّ... هذا القانون بالذات أحسن القوانين وهو أمضى سلاح بيدنا ضد الجهل والمرض..
بسط الملاّ كفيه بانزعاج وقال موضحاً:
-البريطانيون هم الذين سنوا قوانين المدارس عندنا وفتحوها في بلدنا لتضييع أقوات أطفالنا وضياعهم..
وتشتيت روابط الأسرة.. ولحمتها...
أراد عيسى الاعتراض فمنعه الملاّ وتابع:
-مبروك لك يا كاكاحمة.. انجب ولداً أو ازرع شجرة.. أدركت مايقصد فأكدت له:
-وسأفعل ... سأحرث الأرض وأزرعها...
-اهتم بصحتك يا بني... فهي أثمن مافي الوجود ... لا تدري ماذا حل بخجة وهداية، حين سقطت طريح الفراش؟
اللّه الشافي.... "إذا مرضت فهو يشفين...".
-أحسنت يا كاكاحمة ...أحسنت.
ردد بلسان ذرب، وسكت لحظات، قبل أن يسأل:
-ماذا ستزرع في أرضك...؟
-قررنا أنا ويحيى أن نزرع الأرض عنباً..
-عال ..والماء؟ سمعت بفشل مسعاك في البئر ...
-سنجلبه من الجدول...سأنزل غداً إلى المدينة لأشتري المضخة والأنابيب اللازمة...
-أنت مرهق ولا داعي لمزيد من الإرهاق...
-لا ياعيسى... يجب أن أنزل بنفسي... وستأتي أنت معي... لتشتري الأقلام والدفاتر وكل مايلزم للمدرسة...
رفع الملاّ رأسه ليسمع جيداً مايقوله عيسى:
-مديرية التربية ستتعهد بكل مستلزمات المدرسة.
تبسم الملاّ ارتياحاً وأوضحت:
-نحن نهيئ ماقد يمنع علينا... مالا توفره الوزارة...
-الآغا منير لن يسمح لك...
أفتى الملاّ بما ينضح به صدره فدهشت، صحت به:
-لن يسمح!! سأقطع ذراعه يا حضرة الملاّ وذراع من يسانده...
اصفر الملاّ وحتى لا يهان تبسم مرغماً، فاستمر لساني مردداً:
-أتظنني خائفاً من تهديداته الفارغة، قسماً أيها الملاّ...
وأرجو أن يصله كلامي الليلة... قسماً بأني سأحز رقبته بالكامل وبالمنجل ذاته، وإذا مابدر منه أي عمل ضدي.., إنني أراقبه بحذر مراقبة دقيقة...وأتوقع أن يقوم بعمله غدر... لكنه لن يلحق...لا وحق الرب...
ضحك عيسى ثم أخبرني بسر بينما التزم الملاّ الصمت التام:
-سمعت أنه أبلغ زوّاره بأن سكوته عنك لن يستمر وأنه كلف حمودة بمراقبتك على الدوام...
-بأي عين؟
استغرب الملاّ وعنفني:
-لا تسخر يا كاكاحمة الآغا غادر وحمودة لكلب ذليل... فخذ الأمر بمحمل الجد...
-أعرف ذلك... أنت لم تعرفني جيداً بعد... لذا فمازلت تتصورني غافلاً ولا مبالياً بمايفعله السلماني... يا ملاّ، لقد حززت رقبته بمنجلي وأخذت منه دين أبي، واسترجعت أرضي وخصيت ثورة، وتريد أن ينسى أويسكت عني...! لا ياملاّ، لا... لا يجوز ذلك... حتى اللّه لا يقبل... صحيح إنه لم يرسل شخصاً ثانياً ليفتش بيتي، لكنه قد يفعل 
-وماذا أعددت له؟
سألني عيسى بجد فأجبته دون تردد:
-مفاجأة مذهلة... قنبلة حارقة... سأفجرها تحت مؤخرته، إذا فكر في اللعب بذيله... وهو يعرف ذلك، وصله تهديدي منذ زمان تكلمت بعصبية فلازمني الصداع،غطيت وجهي بكفيّ ثم رحت أمسدّ جبهتي، وأفرك صدغي... ففزع عيسى واستفسر بهلع وهو يكشف عن وجهي، يبعد يدي:
-ماذ بك؟
-مازلت مجهداً من جراء الحفر...
-أتحتاج لمساعدة...؟
-لا...
-إذن دعني آخذك إلى البيت لترتاح...
-لا... دعه هنا... تمدد يا كاكاحمة وارتاح...
اعترض الملاّ,... ولم يسمح عيسى لي بمزيد الكلام، قال:
-حسناً... كماتشاء يا ملاّ... سنتباحث في أمر المدرسة فيما بعد يا كاكاحمة...
تركني ومضى إلى دار نصار ليبارك لافتخار زواجها من "رجل شريف، مقتدر"، وأبقاني مع الملاّ الذي ابتلي بي...
انشغل مع الخالة رباب في تهيئة أسباب الراحة والهدوء ..حتى جاءت أمي بعد ساعة على غير توقع. جاءت فزعة، هلعة، خوفاً من حصول "شيء فظيع معي" لم تفصح عنه بلسانها لكن عينيها أوضحتا مخاوفها...
تهامست مع رباب، وتكلمت مع الملاّ فاعترى الشحوب وجهها وارتعبت، جلست بجواري وراحت تفرك جبهتي وأصابعي... وتقرأ قصار السور وتنفخ في الهواء...
لم أحتمل البقاء، شعرت بعظيم خوفها، فرأيت من الواجب ألا أزيد عذابها... تحاملت على نفسي وخرجت وحدي أبقيتهم حيارى... ألقيتهم في أتون الشك، ومضيت إلى الأرض الشرقية تمددت في وسطها وغفوت...
بعد دقائق جاءني نصار، بوجه باش ضاحك...
-مرحباً أيها الحبيب... مرحباً...
هتف محيياً كأنه لم يرني منذ أسبوع...!
جلس بقربي وشرع يسرد عليّ تفاصيل حياته الجديدة.
ويتحدث عن النعيم الذي يعيشه، بعد دخول افتحار بيته... الذي تحول إلى كتلة نشاط.
-منذ زواجنا  وهي -إضافة إلى شغل البيت-باتت تشغل وقتها الزائد بحياكة البسط التي تجيدها، لصالح محمد بن سلطان، تعاونها حنان بنت بشيرة...، التي تولعت بالعمل مع عمتها...
سكت برهة ثم استطرد قائلاً:
-أتدري من كان في مقهاي قبل مجيئي...؟
أدرك عدم اهتمامي فتابع:
-سعدو... وحمودة الأعور وحسان... جاؤوا بعد  ذهابك ... أنت وعيسى...
-وماذا في الأمر؟
-جلسوا يتهامسون... والتقطت أذناي اسمك... إنهم يتكلمون عنك..
-ليتكلموا يا نصار... وما المانع؟ القرية كلها تتحدث عني كما قال لي عيسى... لكن، وحق اللّه إذا بدرت من أحدهم نيّة سوء أو بادرة لؤم، أياً كانت... فسترى ما سأفعل... حاول نصار أن يشرح لي ويبدي وجهة نظره، فمنعته:
-أتتصور يا نصار، أنهم يخططون في المقهى لأمر هام! لماذا ولديهم أكثر من مكان!
-صحيح!! مالذي جرى لي...؟!
-إنهم يهدفون بث الرعب فقط، لتخويفنا ليس إلاّ...
-ومع ذلك، عليك بالحذر.. ولا تركب رأسك فتتورط، تورط نفسك بالدخول في بحر الصراع معهم...
قال ناصحاً فأزعجني... أفهمته:
-أتتصورني جباناً يا نصار؟! من يركب البحرلا يخشى من الغرق!
-لا يا كاكاحمة ... لا واللّه...
أقسم ... فاستفهمت منه:
-أجئت من أجل هذا الخبر؟
-لا... أردت إخبارك بأن عيسى سيذهب إلى أربيل غداً، في سبيل الحصول على إجازة  المدرسة....
-أعرف...
لم يتح لي المجال لتكملة الحديث... سارع يقول:
-وسأذهب معه لشراء المضخة لك، والأنابيب المطلوبة...
فاعطني المواصفات والمال... أنت تعب... سأساعدك في الشراء وأمر على المحترم الجمولي... أبلغه تحياتك.. وحبك الشديد له...

مزح معي فأضحكني -تذكرت خالتي مريم، وأردت معرفة ما حصل لها في زيارتا الأخيرة.
-لم تخبرني عن خالتي مريم... هل ألتقيتها؟
-لا... فرت هاربة إثر إنذارك لها... حتى إنها لم تتناول الغداء مع الخانم كما تعودت! لم تبق في القرية سوى ساعة، بعد رفضي الذهاب لمقابلتها... مثلما أرادت... وكذلك فعل المختار والحاج صالح... حين أرسلت بطلبنا..
-سيأتيك الجمولي قريباً... فماذا أعددت له؟
-لاأملك إلاّ رداً واحداً... "سددت مابذمتي لك من ديون واسترجعت المستندات... منذ زمان..."



vvv




- 26 -
((كما توقعت تماماً، وبعد يومين فقط، قدمت صباحاً إلى الفندق سيارة الجيب العسكرية.
كنت في طريقي للخروج، عندما صعد الجندي السائق يسأل عني... جيء  به إلى غرفتي ليخبرني:
-العميد رأفت أرسلني. كلفني بنقلك إلى البيت، حضّر حقيبتك... وجهز حالك...
وكنت حضرت حقيبتي وجهزت حالي منذ الفجر، وبقيت أنتظر رسول إلهام... التي حسبت شوقها قد بلغ الذروة... ولكي أزيدها شوقاً واشتياقاً، طلبت من السائق التوجه إلى المعسكر لتسليم حصة العريف، الذي كاد يطير فرحاً بالصور لكنه لم يسمح لي الاجتماع بمجيد، حتى ولا السلام عليه! وأمرني الالتحاق "بالعمل" فوراً.
لم أتأخر سوى ساعتين، كانت كافية لتأجيج نيران إلهام، ومثلما رسمت في خيالي استقبلتني.
-لم أستطع نسيانك لحظة، أحببتك يا كاكاحمة، أحببتك من أعماق روحي وقلبي... وكنت مستعدة لعمل أي شيء في سبيل استردادك... للانتقام منك ومن كل الذين يعارضون عودتك إلى أحضاني... فأنت أجمل شاب رأته عيناي... سحرتني بكتفيك العريضين،وبعينيك الزبرجديتين تعال ... تعال...
سحبتني... قادتني إلى الحمام، غسلتني بيديها، أطعمتني بشفتيها، وسحبتني إلى غرفتها... لا "لمعاونتها في إسدّال الستائر المستعصية"، بل لمشاركتها الفراش...
معها، وعلى السرير، اكتشفت أنني لست بحاجة للذهاب إلى "الحرب" لكي أعرف أسرارها وفنونها!
وأدركت أن الواجب يدعوني للاستسلام بدل استشهادي لذا سلمت نفسي أسيراً بين يديها في الساعة الأولى... ودفنت ذقني وفمي في طيات شعرها ونمت...
أحسست بالمتعة الخالصة ببقائي معها في الفراش..
وشعرت بحاجتي إليها أكثر من حاجتها هي، فتشبثت بأذيالها... بقدر تشبثها بي... وأكثر...
ستة أشهر عشتها في نعيم لا يوصف، في هناء لا حدود له، وبدل أن أعيش كمراسل وخادم، عشت كسيد مهاب... كزوج له كامل الحرية والحقوق... وكرب للبيت!
لم أكن أترك السرير إلاّ ليلة الخميس... حيث يأتي العميد رأفت فيحتل "ابن الحرام مكاني"!
السيد العميد الذي رفض واحتج على بقائي، مع سناء بوجود أختها! وافق على بقائي وحيداً مع زوجته! كان يقضي يوماً كاملاً مليئاً بالعراك، والصخب والنقاش والضرب! وبوجوده يسود جو التوتر والرعب، ويخيم البؤس والشقاء! ثم ينتهي كل شيء في عصر الجمعة.
ففي تمام الخامسة تأتي السيارة العسكرية، لترجع به إلى المعسكر حيث يقيم مرغماً!
حياتهما المشتركة كانت خدعة كبيرة، ورباطهما الزوجي الواهي لم يكن إلاّ أكذوبة، يغطيان بها عيوبهما، عن أعين الناس، وستاراً يحجب حقيقة مابينهما من خلاف، وتباين ومشاكل، وما يمارسانه من أخطاء فاحشة أمام الطفلين ... وينسيان أن مبيت العميد في المعسكر طوال الأيام الستة، يكفي وحده كشاهد على مايقال من سوء العلاقة بين الزوجين...
لم يفلحا في تغطية سقم حياتهما ومرارتها، بأي برقع، لحظته في عيون زوارها، رأيته بعينيّ وسمعته بأذنّي.
وشهدت خلال هذه المدة نزاعات دامية، وصلت مراراً إلى حد الضرب والإهانة والتهديد بالطلاق.... وبالقتل!
كنت اقبع في غرفتي عند مجيئه، استمع مذهولاً لما يحدث...أظل أتفرج على مالدي من مجلات.... أقتطع منها الصور الفاضحة وأخبار الفن والفنانات لصالح عريفي "أبوالحق" مونرو.... متحاشياً لقاء العميد أوالاصطدام به.
ولم أجسر على الدخول إلى البيت، أو تخطّي عتبة الصالة، أثناء وجوده... إذ تنحصر مهمتي آنذاك في البقاء داخل غرفتي أو في الحديقة صيفاً وشتاءً، وملاعبة طفليها الشقيين الثقيلين، النحسين المضجرين، اللذين تولعت بهما رغم مابينهما وبين مها -الملاك السماوي-من فروق...
لم أتدخل بين الزوجين، كي لا أعرض نفسي للشك والانتقام وابتعدت مرغماً عن مشاكلهما... وتصنعت البلاهة التامة أمامه، وتقمصت دور الساذج المسكين، الذي لا يثير الشك ولا يحسب له حساب.
أدركت عجرفته وعصبيته، ومدى بغضه لها، ومحاولته الجادة "لتدميرها نفسياً وجسدياً" مثلما أدركت مدى كراهيتها له... ومحاولتها لأخذ الثأر والانتقام منه بشخصي.. من خلال خيانتها لعهد الزوجية.... إذما يكاد يخرج حتى تحكم إغلاق الأبواب وتستدعيني إلى الصالة أو تقتحم غرفتي وتتنهد:
-اشتقت إليك... اشتقت!
-ألم تملأ صورة العميد عينيك؟
-لا... لاتقل هذا يا حبيبي ... لاتقل... فوجود رأفت هنا، لا يعني إلاّ الشقاء لروحي... إنني أجامله، أتحاشى الاحتكاك به خوفاً ورهبة...
-لماذا ينام في المعسكر؟
-.....
- إنه لأمر غريب!
-إنها قصة طويلة..
-أحب سماعها..
-لا... ليس الآن... عندما يحين وقتها سأقصها عليك الآن... تعال.... تعال...
لم يكن طفلاها يعيان ماتفعله... ولم يشعرا بقبح عملهما ولا بمجونها...
كانت تبقيهما في الصالة يتفرجان على أفلام الكارتون، بالفيديو، وتروح سابحة في لذاتها، تغوص في أحضاني وتغور، تنهل من عطائي وتستزيد طوال العصر.
وفي الليل، كان جنونها يظهر بشكل مثير للدهشة.... وتصر على نومي معها، حتى الصباح.
وفي تمام الساعة السابعة، تتسلل إلى غرفة الصغيرين و بعد أن يتركا السرير تطعمهما... ثم تبعثهما إلى روضة الأطفال بسيارة خاصة تأتي في الثامنة إلا عشر دقائق بالضبط.
وحين تتأكد من ابتعاد السيارة، تغلق الأبواب، تحكم سدها، وتعود لي على جناح السرعة.
إلهام كانت شبقة، ملتهبة كالنيران، ولم يكن أمامها إلاّ إحراق المزيد من الحطب لتبقى متأججة ...
وكنت جائعاً وغبياً، كـ "هابة أو رغل"...
ولم أكن أملك إلاّ الرضوخ... لمالكة قلبي!"


vvv



- 27 -
في حدود التاسعة وقبل دقائق من تحرك الباص، جاءني يحيى، مسرعاً، ليصحبني إلى أربيل، كما اتفقت مع نصار.
فاعتذرت، بسبب التعب، وأعطيته النقود وخولته شراء ماتحتاجه الأرض... ومايراه مفيداً...
أوصلته حتى باب الحديقة، حيث بوغتّ بتغيرالطقس،  عماتميز به الليل، كان الهواء يحمل رذاذ الأمطار حيناً، ورطوبة الجو المنعش والنداوة حيناً آخر.
شعرت بالنشوة حقاً، وتساءلت متى هطل المطر؟ لم أحس به بالرغم من أني عدت في وقت متأخر.... وبقت أتقلب في فراشي لما بعد الفجر...
راقبت يحيى وهو يتجه إلى المقهى، وانتظرت خروجه مع نصار.... ولما طال انتظاري... أغلقت الباب ورحت إلى الأقفاص، أجمع البيض المتكاثر يوماً بعد يوم.
تمهيداً لأخذه إلى دكان زوج عمتي، لبيعه حسب اقتراح هدهد....
ماكدت أبداً حتى اقتحمت الخالة زهرة بيتنا، وبوجه باك وفم مولول، يتبعها ابنها راضي...
-سرقوا عزيزة يا كاكاحمة! سرقوها....!
-تسللوا إلى الحظيرة وكسروا الباب...
أكمل الصغير باستغراب:
-متى حدث هذا؟
سألتها أمي فزعة، فأجابت وعيناها تنظران إليّ بخبث:
-أمس ليلاً...
-هل يتهمونني أنا؟
-لا يا كاكاحمة... جئت أسألك فقط...
-حول...؟!
-كنت البارحة ساهراً في الأرض الشرقية... فربما شاهدت...
-لم أنصب من قبل سعدو ناطوراً على حظائر القرية... زوجك البخيل لم يضع كلباً للحراسة.
-قتلوا كلب نصار...
هتف الصغير بمرارة... فأثار دهشتي، لكني لم أبال، سألت زهرة باستياء:
-من ذا الذي رآني؟
-حسان ... قال لأبي...
نطق الصبي بعد تردد أمه، فتفاقمت دهشتي وصحت:
-حسان !! أكان يراقبني؟
تركت البيت ومضيت هادفاً تأديب حسان.
وجدت القرية مستنفرة وكأن يوم الحشر قرب! عجبت وسألت عمي حسن، الذي كان أول من صادفني وهو يتجه إلى محله:
-أهو هجوم من جيش الحكومة؟
-لا...
-إذن مالذي يجري؟!
-لم يجب بل أجابني نصار بعد دخولي المقهى:
-المختار أمر بتفتيش كل بيوت القرية....
-لماذا؟! ثم أنت... ألم تذهب مع يحيى وعيسى؟
هز رأسه بامتعاض ورد بحسرة:
-لم يذهبا... لم نذهب بعد... المختار ضرب سلطان... فزعل هذا ولزم بيته رافضاً العودة إلى السيارة...
-قل لي ماذا حدث؟!
-الجمولي بعث سلطان، كلفه بإخبارنا بضرورة النزول إلى أربيل، لمقابلته غداً... ويبدو أن أبا محمد المحترم نسي نفسه! أو فهم الأمر خطاً، فحاول إجبارنا على مرافقته ... قال لي كل ماطلبه الجمولي... نقل لي رغبة زوج خالتك فرفضت... ورفض الحاج صالح... فأسمعنا كلاماً سخيفاً، سكتنا عليه، لكن المختار لم يسكت...
دار رأسي... خفت أن يلازمني الصداع، فأسقط طريح الفراش، حاولت الرجوع إلى البيت والابتعاد عن المشاكل، لكن لساني فلت على غير توقع:
-ولِمَ لا يأخذ يحيى السيارة؟ لا تدعو سلطان يتحكم فيكم...
-صحيح ... إجازته مازالت صالحة... سنلقن هذا الكلب درساً...
لم أسمع بقية حديثه، تركته يبحث عن يحيى بين جموع المحتشدين قرب مقهاه، وعند بيت المختار، وفي وسط الساحة، ورحت إلى دكان زوج عمتي، أفرحني تطور الشغل وكثرة الأرباح واتساع ابتسامة "مليحة"!
وكأنها لم تخنق القط الأسود في شبابها!
لم أنتبه لما قالته بخصوص البضاعة، إذ لفتت شذى نظري، وهي تخرج من البيت حاملة مصيدة الفئران المكتظة بـ "زوجين" كبيرين!
-أرنا شطارتك يابن خالي، أقتلهما....
مدت يدها تروم تسليمي المصيدة فنهرتها:
-أعطها لأمك... إنها تجيدالقتل...
قرقرت ضاحكة واستهزأت:
- تخاف من فأرين صغيرين، وانت كاكاحمة!
تذكرت بشيرة وعهدها بأن تسعى لإقناع يوسف، بالزواج من ابنة عمتي الجميلة... وعجبت حين فطنت إلى أني لم أتابع الموضوع! ولم تكلمني بشيرة عنه منذ اتفاقنا...!
حدست فشلها، رفض يوسف التام.... وقررت مفاتحة عيسى.... تناسيت حسان وتأديبه... وانشغل فكري بها... تركتها تتحدث وذهبت إلى محل عمي، الذي حدثني عن مشاكل سعدو مع زوجته  فضجرت، استأذنت منه وعدت إلى البيت، فوجدت افتخار بانتظاري.
سمنت حقاً وتوردت، ازدادت جمالاً وحلاوةً وأشرقت شمسها بمايبهر الأنظار... فثارت ثائرتي ولعنت العميد...
-جئت آخذ منك شتلات لأزرعها في حديقتي....
-ولِمَ مني بالذات؟
تحرشت بها فأحرجتها، ارتبكت ولم تجب، خصتني بنظرة متميزة، تعلمني أنها لا تجسر على مشاكسّتي أمام أمي، وتحت سمع هدهد المرهف، ولكن لسانها انطلق عندما انفردنا في الحديقة.
-ورودك وحدها التي تملأ روحي زهواًوغبطة!
-احذري يا افتخار، أنت الآن متزوجة، ونصار لا يعرف المزاح..
تبسمت ولكزتني بمرفقها قائلة:
-مبروك حمل هداية... فعلتها يابن سعد الله! وبأقصى سرعة....!
-حان دورك الآن.... أرينا شطارتك... وإياك أن تهملي نفسك أو تؤجلي الحمل فعمرك ماعاد يسمح.... اغتاظت بشدة وقاطعتني:
-عمرك!! عمرك!! أتظنني بعمر خجة؟ أبي سيذهب بعد أيام إلى بغداد، لغرض التداوي من أجل أن يتزوج أمك، لتلد له أبناء....
-المخرّف سيذهب إلى بغداد؟
-نعم، سيأخذه عيسى، قال أخي: إنه سأل عن مرض أبي هناك، فقيل له: الأمر بسيط وسيتعافى، ربما دون عملية جراحية...
راحت أصابعي تختار لها الشتلات، بينما طار عقلي إلى بغداد... واتتني فكرة، أخذ هدهد، أرتأيت عرضها على الأطباء بسرعة علّ اللّه يكتب لها الشفاء على أيديهم... بوجودي....
بعد انصراف افتخار عدت إلى غرفتي، بقيت في الفراش حتى المغرب، حين جاء من يخبرني بعودة نصار ويحيى من أربيل، ومعهما مضخة الديزل والأنابيب اللازمة، وفي حين فضل عيسى البقاء هناك، لمتابعة قضية المدرسة.
لم أستطع ترك فراشي، وتلبية دعوتهما بالحضور لمشاهدة المشتريات... تدثرت بالأغطية ونمت..
وفي صباح اليوم التالي تعاوّناعلى نصب المضخة، ومد الأنابيب، وبدأنا أنّا ويحيى وأمي وبعض الشباب
-الذين استأجرناهم-في العمل، واستأجرنا جراراً به حرثنا الأرض وبذرنا... وشتلنا... بعد يومين... إذ قررنا زرع ثلاثة أرباع الأرض كروماً، عالية المستوى، جيدة المردود، ونبقى الربع الباقي للخضروات الموسمية.
-هاتوا جثة كلب نصار... وادفنوه هنا... إنه أفضل سماد.
قلت للشباب ففعلوا، وعلق يحيىساخراً:
-رائع!! رائع جداً فبعد عشرة آلاف سنة، ستتحول عظامه إلى نفط... وبهذا ستضمن مستقبل أطفالك يا كاكاحمة...
نجحنا أنا ويحيى في إتمام عملنا على أكمل وجه، وفشل عيسى في مسعاه فشلاً ذريعاً، ففي ظهيرة اليوم الثالث، عاد خائباً، خالي الوفاض، ميتاً من الرعب، بعد أن كادت تعصف به الرياح العواتي:
-سبقونا وقدموا بلاغاً ضدنا، اتهمونا فيه، أننا نريد فتح المدرسة لأغراض حزبية، تضر الصالح العام، وتمسّ سيادة الدولة رفضوا الطلب وهددوني بتحويل القضية إلى دائرة الأمن...إذا عاودت إلحاحي...!
-أبهذه السرعة ؟ هل عرفتهم...؟
زم شفتيه بغضب، وكاد اليأس يفرخ في نفسه، يسلمه لحالة من الذهول، فاقترحت:
-هذا ما توقعناه، سنفتحها رغماً عن أنف السلماني وعصابته، سنشتري الكتب والدفاتر والأقلام... وسنفتح الصف الأول في المسجد,..... اذهب إلى الملاّ وحدد له أوقات الدراسة، واتفق معه حتى نبدأ قريباً.... رحب بفكرتي لكنه تردد وتخوف فدفعته دفعاً..
ذهب بعد توسلاتي لكنه أقبل بعد نصف ساعة، وهموم الدنيا على رأسه!
كان وجهه مربداً، مكفهراً، وقرأت الأزمة على جبينه قبل أن أسمعها من لسانه.
حاولت استنطاقه فسكت، وراح قلقه ينتقل إليّ رغم كلماته المطمئنة، وإصراره على أنه ليس في الجو مايعكر المزاج، لكني لم أصدقه...
ألححت عليه وأنا أنتحي به جانباً، بعيداً عن آذان يحيى وبقية الشباب فأخبرني:
-رفض الملاّ طلبنا... نكث بعهده لنا!
-لماذا؟
-يدعي بأنه سيفتح صفاً للصغار، لتعلم وحفظ القرآن!
-هذا رائع... ولكنه لن يتعارض مع المدرسة...
هز رأسه مؤكداً صحة ما أقوله، وتطلع إليّ بألم، كمن يعتذر عن فشله في مهمته.
-يبدو أن هناك من حرض الملاّ عطا اللّه ضدي...
-الملاّ! لا أصدق... سأذهب إليه لأعرف السبب...
أردت الذهاب فاعترضني، ربت على كتفي قائلاً:
-لا... لا تدعه، يفرض شروطه علينا... هذا المسخ من وعاظ السلاطين... ياويله مني وسواد ليله... ثق أنني لن أسكت... أنهم يهدفون لبث اليأس في قلوبنا ودب الرعب والخوف فيها، حتى يشعروننا بالضعف...
هددوني فخفت! ودهمني اليأس على الفور! بينما المنطق يقول: لا يأس مع الحياة... اليأس ممنوع... كل ما أطلبه منك يا كاكاحمة، ألا تنهار مثلي... وتستسلم ... فأنت أملنا وبك سننظم أنفسنا ونبدأ عملية الهجوم.
بدل أن نظل واقفين، بين دهش وهلع وغضب ومستنكر دون أن نفعل شيئاً...
-ماذا تقترح؟
-ولأن الهجوم أحسن وسيلة للدفاع عن الذات... علينا التفكير جيداً وابتكار أساليب مناسبة في التعبير عما نريد، لنحصل على كامل حقوقنا..
ادهشني كلامه ! لم أفهم مايريده بالضبط ... ولم يسمح لي مكبر الصوت بسؤاله، إذ جعجع أثناء حديثه، يعلن افتتاح دورة تعليم القرآن، ويزفّ البشرى لأهالي القرية، ويدعوهم لتسجيل أطفالهم...
-وحق اللّه سأبني المدرسة... لدينا مساحة كافية، قال بتصميم وسبابته تشير إلى البيوت الطينية الثلاثة... الواقعة خلف دارهم....
-وأبوك؟ أتراه يوافق ؟
-سأقنعه بحول اللّه...
-إياك أن تأتي على ذكر اسمي أمامه..
ضحك لتحذيري وقال:
-أتخاف أن يشترط : خجة مقابل المدرسة...؟
-سيجدها فرصته الذهبية... فيعرقل مسعانا. بعد افتراقنا وجدت نفسي مندفعاً إلى بيت الملاّ على الضد من نصيحة عيسى وتحذيره، والغضب يغلي في صدري طرقت الباب عدة مرات، وأخيراً فتحت رباب وهي تستر وجهها بنقاب....وبادرتني بنبرة كاذبة:
-الملاّ نائم....
فهمت ... ولم اشأ ازعاجه... تراجعت عن غضبي ...
لكني لم أدع الفرصة تفوتني... أعدت على مسامعها بعض ما سمعته أنا من عيسى.
-قولي لزوجك... هذا المسخ من وعاظ السلاطين....أنا لم آت للعتاب فهو لا يستحقه... الملاّ لا أخلاق له ولا يعرف شرف الكلمة... وعندما تقتضي مصلحته "أن يتواجد" في أي منطقة تراه متربعً هناك دون حياء...
بترت كلامي بسبب إحساسي بالتعب وعدت إلى البيت، تاركاً إياها واقفة تزم شفتيها في دهشة وحيرة.



vvv




- 28 -

لم يكن نجاحنا الكبير في الأرض دون ثمن، فبعد أن أثرنا العجب وأججنا الحقد والحسد حدثت المشاكل.
مرّ الأسبوع الأول على مباشرتنا العمل بسلام،  وكذلك الثاني... لكن مع بداية الأسبوع الثالث، أحسست بالانهاك وشعرت بآلام حادة فاضطررت إلى ملازمة السرير دون حركة، متذرعاً بـ "خشيتي على هدهد الحامل، ووجوب البقاء بقربها".
وعلى مدار يومين متتاليين بقيت بعيداً عن الدنيا، ومشاغل القرية، ولم أعلم بما كان يدور، ولم يتطوع أحد لاخباري.
حتى هدهد التي ظلت إلى جواري كل الوقت، لم تفتح فمها بكلمة... ربما خوفاً عليّ... أو خوفاً من تهوري...
فبالإضافة إلى حيرة الجميع بسبب حادثة عزيزة، وانشغالهم في البحث عنها وعن سراقها -إذ مضت خمسة أيام على اختفائها ولم يظهر أي دليل يكشف هوية اللصوص، على الرغم من حرص المختار على إجراء التحقيق بنفسه، وجديته، ومتابعته المستمرة-فنصار لم يهدأ لحظة... لم يترك ثغرة إلا ودس أنفه فيها ليعرف سر مقتل كلبه... وظلت افتخار تحثه على عدم السكوت وتحرضه على المشاركة في التحقيق، لتبيان سبب الهجوم الفاشل على بيتها... فأزاح الهدوء الذي تميز به جانباً وعاد لشراسته وشقاوته... وبذلك لم يدع للمختار أية فرصة للراحة...
وفي خضم حيرة الرجال وبحثهم هطلت الأمطار بغزارة شديدة محدثة سيولاً جارفة، تهدمت من جرائها عدة بيوت، وتضررت المزارع القريبة من الجبل، المنخفضة منها بالذات، وساهمت في إخراج الأفاعي من أوكارها، لتهاجم المسالمين وتفزعهم، ولأنها كانت في سباتها السنوي لم يكن خطرها كبيراً... مما سهل القضاء عليها دون عناء،واستغل السلماني الوقت فمد أصابعه الخبيثة لتعبث في القرية.
سمعتهم يتهامسون سراً  أمي وبشيرة وافتخار وعيسى ونصار، فثارت شكوكي، نهضت مرغماً وسألتهم عما يشغلهم فلم يجبني أحد‍‍! وحاولوا إعادتي إلى السرير فرفضت ... وفي تلك الأثناء جاء موسى، سمعت صوته فخرجت إلىالفناء الخلفي رأيته ملتفاً بعباءته، منفعلاً :
-ماذا بك؟
-إنه يبحث عن خروفيه...
سارعت أمي ترد، وأكمل عيسى كأنه حدس شكي في جواب خجة...
-جرفت السيول خرافة... استرجعناها كلها ماعادا الخروفين ... ضاعا دون أثر!
ثارت شكوكي، فتلعثمه وارتباكه لم يكونا  نتيجة خسارة خروفين، بل لأمر آخر، أكبر وأهم بالتأكيد...
خرجت من البيت لأتحقق من ظنوني، رغم ممانعة الجميع!
فالتقاني المختار والحاج صالح وسط الساحة... كانا في وضع مرتبك، وحاولا أيضاً إرجاعي إلى البيت! إدخالي عنوة فرفضت:
-ماذا يحدث ؟ ليخبرني أحدكما عما جرى...
لحق بي عيسى وبشيرة فلم أسمع تمتمة الحاج...
وتنبهت لابن المخرف وهو يقول، هادفاً إبعادي عن شيء كبير وهام:
-رفض أبي منحنا الأرض، ولم يوافق على تهديم البيوت الطينية المتداعية لجعلها مدرسة... ثم تبين إنه باعها للسلماني سراً!
ضحكت، فأنبرت بشيرة توضح:
-لا تضحك... المصيبة...
اسكتها المختار بعصبية:
-عودي إلى بيتك هيّا...
 والتفت نحوي ليبشرني:
-قبضنا على سارق بقرة سعدو..
-إنه أحد الرجال الذين أرسلهم السلماني....
-اسكتي يا بشيرة.. اسكتي..كاكاحمة مريض.. فدعي الأمور تجري بسلام...
صاح بها المختار مقاطعاً فنهرته:
-لا واللّه... لن أسكت يامختار... أيعتدون على زوجي وتريدني أسكت؟! سأهد الدنيا على رؤوسهم...
-ضربوا يحيى ؟! من هم؟
سألتها فأجابت بفزع:
-أدموا وجهه... قطع السلماني الماء عن الأرض، وخرب  المضخة وأتلف الأنابيب..
-متى حدث هذا؟ متى؟
هتفت والنار تتأجج في صدري.. فأعلنت:
-أمس، تسلل رجاله ليلاً... مستغلين شعورنا بالأمان... ولولا كلب نصار الجديد لما كشفنا جريمتهم...
-استيقظنا على نباحه، فرأيناهم يفرون لحق بهم نصار وأمسك أحدهم... وأمام المختار اعترف وأقر...
-حمودة هو الذي دفعه لسرقة البقرة...
تدخل عيسى بعد افتخار فأذهلني دار رأسي، حدقت في وجه بشيرة ومضيت... إلى الأرض الشرقية فزاد ذهولّي واستعرت النيران داخلي أكثر شدة... كانت الأنابيب كتلاً مهشمة، تنتشر بشكل فوضوي، والمضخة محطمة... لم أحتمل المنظر، جننت .. غلى مرجلي... خمّنت كل ما حدث، وحزرت، لِمَ منعني الجميع من الخروج...
التقيت في الطريق بيوسف يمشي كالمجنون، وافتخار تهرول خلفه مذعورة، أوقفته لأفهم فصاح وذراعه تلوح بهرواة ..
-ضربوا أخي وأدموه...
صمت لثواني، واستطرد:
-راح يتفاهم معهم فضربوه...
اندفعت إلى دار السلماني، بقوة لا تقاوم وبلا سلاح لأصفي الحساب القديم من حسان ولأنتقم مما حصل أمس، ولحق بي يوسف ورجال آخرون..
خرج حمودة الأعور لاستقبالي، بوجه يتقد نيراناً، وببندقية انكليزية، سريعة الإطلاق، محشوة دائماً..
-قف ولا تتقدم..
زعق بي وشهر سلاحه لإرهابي..
عينه البيضاء ذكرتني بعين الصقر الذي اصطدته ذاتي يوم وحاولت تدريبه بتجويعه، فاقتطع لحمة من يدي... ولم يتركني إلا بعد أن اقتلعت له عيناً...
أسنان حمودة المزمجرة ذكرتني بالثعبان وهو يغرز نابه المسومة في ساقي، ولم يتركني إلاّ وأصابعي تغوص في لحمه الطري...
-قلت لك قف... قف....
نبح ثانية فلم آبه به وتابعت تقدمي،كأني لم أسمعه.
-خطوة واحدة وسأرديك قتيلاً..
-نبح ثالثة ورابعة وكدت أرضخ، أقف وأتراجع لولا "العميد رأفت" برز أمامي فجأة وهو يسقيني الكأس...! فازداد جنوني... وانفجر مرجلي من شدة الغيظ...
تقدمت فتراجع هو.. تخاذل.. فتقدمت أسرع... رأيته يتراجع خطوة... خطوتين... هو يصرخ، يهدد، ينبح:
-قلت لك قف.... سأقتلك... لا تدعني أقتلك... لا تقترب... احذر... سأحشرك في المقبرة....
-أعقل يا حمودة ... لا تركتب جريمة من أجل السلماني... دوى تحذير عمي حسن، وهدرت بعدها صرخة نصار في أذني وأنا أتقدم:
-سنمزقك إرباً إرباً  يا حمودة، إن أطلقت...
لم يرتدع حمودة، وفي خطوة يائسة لإرهابي، دفعته حماقته لأن يرفع بندقيته ويطلق على السقف!
هرب الرجال وخيم الرعب من حصول مالا يحتمل... حتى حمودة أفزعته الإطلاقة أكثر من أي شخص آخر.. وبدل أن يدب الذعر في قلبي كما أعتقد وبدل أن أهرب... ازددت تصميماً وإصراراً...
وحين تراءى لي "العميد" ثانية، يضحك مني ويسخر، ماعدت أرى شيئاً  ودون اعتبار للنتائج هجمت... وهجم نصار في الوقت ذاته..
استطعنا معاً وبحركتنا السريعة، السيطرة على حمودة، انتزعت البندقية من بين يديه، وبضربة واحدة ماحقة هشمت أخمصها الخشبي على ظهره، فجأر من شدة الألم كما جأر البكر حين خصيته.
اكتفيت بالضربة، وتركته ليوسف، وكان عند حسن الظن. إذ لقن الأعور درساً لن ينسى.. ومما زاد الأمر سوءاً عليه مجيء الأخوين موسى وعيسى حاملين سلاحهما!
فتعاون الثلاثة على نهش لحمه المر... فلم يصمد طويلاً... انهار كثور متعب...
لم يتدخل أحد لفك الاشتباك، أو لمساعدة حمودة إثر عودتهم...! وقفوا يتفرجون بإثارة وترقب على المسرحية... حتى الحاج صالح الرجل المؤمن، اكتفى بالتطلع، وكذلك فعل المختاروبقية الرجال...وكأن الأمر لا يعنيهم بالمرة... مما دل على الكراهية التي يضمرها الأهالي للسلماني ورجاله.
رأيت حمودة يتلوى بين أقدام الإخوة، يصرحّ متوسلاً يصيح متألماً، فرق قلبي وخشيت موته، أمرتهم بالتوقف والابتعاد عنه، ففعلوا....
تكوم أرضاً كجثة هامدة، تقدمت منه، قلبته بقدمي على قفاه، فحدجني بعينيه السالمة، يستعطفني فداخلني الأمان...
-عزيزة... أين عزيزة؟
صاحت الخالة زهرة وهي تدخل هلعة، فزعة.
فتصدي لها المختار، قائلاً:
-ستعود لكما اليوم... عرفنا مكانها... أرسلنا بعض الشباب مع سعدو لجلبها...
-وإذا لم تعد؟
-سندفع لك حقها كاملاً ... اذهبي  الآن....
طردها فاستجابت مرغمة.... وعلى وجهها قناع الشك...
راقبتها وهي تبتعد ثم التفتّ إلى حمودة وخاطبته:
-اسمع... لا أريد أن أطيل عليك... فأنا أعرف نذالتك... وكفى مارأيناه منك... خذ حاجتك وارحل الآن...
سكتّ على شهادتك الزور، لكني لن أسكت الآن ...هيّا ارحل فمّا عادلك وجود بيننا....
بان العجب على وجوه الجميع واحتج عمي على الفور:
-إلى أين يذهب؟ سيموت إذا غادر القرية...
سخر عيسى وأفتى:
-صنف حمودة يموت من الجوع أو برصاص البلدية..
لم أبال بماسمعته ركزت بصري على حمودة وهددته:
-أمهلك ساعة واحدة، لتلم مايخصك... وإذا وجدتك بعدها ستندم... هيّا بدأ الوقت...
استبشر بقراري... استجمع قوته وندت عنه كلمة واحدة، وهو يزحف مبتعداً:
-حاضر..
ارتفعت بعض الأصوات مستنكرة رافضة، تطالب بتقديمه إلى المحاكمة،’ فلم أعلّق أو أناقش لاسيما وقد تصدى المختار لهم، موبخاً، وآمراً، بالتزام الصمت...
وافرحني تدخل عمي السريع، الذي حسم الأمر:
-حمودة هذا ليس إلاّ خادماً... ادخلوا حاسبوا سيده...
-ومن قال لك إننا سنتركه يا عمي حسن؟ سترى بأم عينيك...
رد يحيى كأنه يتحدث عن لساني:
تطلعت إليه وهو يقترب مني بوجهه المتورم..
حاول أخذ البندقية من يدي، فرأى أخمصها المكسور.
ولم يفت ذلك في عضده، اندفع مع أخوته إلى بيت السلماني... اقتحموا المضيف،وحين لم يجدوا أحداً ولجوا الصالة والشر يلمع في أحداقهم...
بقيت مع حشد الأهالي ننتظر ماتسفر عنه الدقائق...
سمعنا أصوات سقوط أشياء وتكسر حاجات وصراخ الخانم!
وماهي إلاّ دقائق حتى خرج  يوسف ليعلن بأسى:
-هرب منير السلماني وابنه حسان...
وأضاف حين شهد دهشتنا:
-تسللا خفية من الباب الخلفي وهربا كالفئران...
-لم نسمع صوت محرك سيارتهّ !! فمتى هربا؟!
تساءل نصار وردّ آخر:
-أنا سمعت...
-لن يهرب طويلاً...
أكد يحيى وهو يخرج غاضباً، وتبعته الخانم بثوبها الشتوي المزركش، ويشعرها الأسود المتهدل.
رأيناها تطل من مدخل الباب العريض، حاسرة، حافية تصرخ بانفعال وغضب شديدين.
-عيب هذا الذي تفعلونه ... عيب...
إهانة بليغة وجهتها للجميع دون استثناء.
وبازدراء بالغ تحركت لردها فسارع يحيى يوبجها:
-ألا تعرفين غير كلمة العيب؟
-لأنها من أهل العيب...
أجبته بصوت عال فتنرفزت الخانم، وضحك الرجال:
-انتبه لنفسك يا كاكاحمة... واخجل من تصرفاتك ...
-زوجك كاد يقتلني... جئت لأتفاهم فغافلوني... ضربوني...
أخبرها يحيى فسخرت منه:
-ولِمَ يقتلك إذا لم تكن آذيته...؟
واستدارت صوب المختار لإهانته:
-وأنت ياعبد اللّه... يا مختارنا المحترم لِمَ تسكت ولم تتدخل؟
استاء المختار احتدَّ قائلاً:
-ياخانم، حاولت إنقاذ يحيى من بين أيدي المعتدين فمنعني الآغا...
-الكلب....
صحت معترضاً فتجاهلتني، واستمرت تهين المختار:
-السلماني أكبر من أن يفعل هذا يا عبد الله...
-لاكبير إلاّ الله يا خانم...
صدح صوت عيسى في آذاننا وانفجر المختار مؤنباً:
أتكذبينني!
-ومن أنت!
زعقت بوجهه باستهزاء فأخرسته. ولم أحتمل، اغتظت لجوابها وفكرت بتعريتها.. وضعها أمام الأمر الواقع:
-أتعرفين امرأة اسمها كهرمان؟
بوغتت الخانم، صفنت لثوان، تستعين بذاكرتها. ثم ردت بحماقة واقتضاب:
-لا.. ولِمَ تسأل؟!
-إنها امرأة فاسدة.. راقصة ملهى.. ومع ذلك تزوجها زوجك السلماني..
-كذب.. كذب.. يا حقير..
تجاسرت بالصراخ في وجهي فانفعلت. بصقت على وجهها وصحت:
-اخرسي.. لعة اللّه عليك، لماذا لم تتكلمي عندما زور زوجك وابتلع أرضنا؟
صعقت من شدة المفاجأة.. أذهلها تصرفي المستغرب وزاد ذهولها حين حاولت التقدم ناحيتها، لشد أذنيها منعني الرجال، ووقف المختار في طريقي.. وصارحها:
-كاكاحمه لم يكذب في حياته-ما يقوله صحيح-
تسللت إلى صوتها بحة غريبة وهي تغمغم:
-لا  أصدق.
-حمودة ما زال في القرية.. يمكنك سؤاله لأنه كاتم أسراره، وابنك يعرف كل فضائح الآغا وعلى اطلاع تام عليها وربما كان شريكاً بها.
دهشت فارتفع صوتها ممزوجاً بنبرة أليمة:
-حسان!! سأفقأ عينيه إذا..
-وإذا رغبت في معرفة المزيد، يمكنني افادتك-إنني أعرف مكان البيت الذي اشتراه لها.. قبل ذلك.. ثقي أنني لن أسامحك. على جسارتك.. سأشد أذنيك وحق اللّه..
قلت لها ما بقلبي وانصرفت..
ولم تمص إلا ثوان حتى استعادت القرية نبضها. برد الجو كثيراً، وأمطرت السماء لعشرين ساعة متتالية، لم أبرح الفراش خلالها إلا دقائق.. هي أوقات ذهابي إلى الحمام. كنت آكل، أتناول طعامي وشرابي وأنا تحت الغطاء.. ولم أنتبه إلى توقف المطر إلاّ حين تناهى لأذني صياح الأطفال المفرح، وهم يلعبون كرة القدم في الساحة.
تحاملت على نفسي ونهضت. كان الوقت قبل الظهر. فتحت  النافدة ورحت أتطلع إليهم بسرور كبير..
كانت هبة من ريح خفيفة تعبر، فتحرك الأشجار بينما يعتم الضباب الشفيف الطقس، ويمنع رؤية السماء، إلاّ من إشراقة بعيدة لشمس شباط.. تغيب خلف كتل من الغيوم المتدحرجة السريعة.
ولم يطل وقوفي، جاءني يحيي، أخذني إلى الأرض. وهناك أعلمني:
-الخانم تعهدت بتحمل كل الخسائر التي أحدثها رجال زوجها بنا، ودفع التعويضات المناسبة، ورجتني أن أقوم مقام ابنها حسان، في إدارة الوكالة مؤقتاً.. وكلفت سعدو الذي عاد ببقرته سالمة، برعاية الأبقار بمعاونه الخالة زهرة..
قبل الظهر، ونحن نتعاون على إعادة المياه إلى مجاريها السابقة، نزيل الأنابيب المحطمة، ونمد أخرى جديدة ونثبت الركائز. قالت هدهد بصورة مباغتة:
-اسمع صوت محرك سيارة!
توقفنا عن العمل. أصغينا، لنسمع جداً وتلفتنا نتفحص الطريق، فلم نر أو نسمع شيئاً!.
عادونا العمل ونحن نسخر منها، فإذا بها تضحك وتقول:
-ألم تسمعوا حقاً؟! الصوت واضح!
تبادلنا نظرات العجب وتنصتنا من جديد. فهمس يحيى بخجل:
-صحيح، هناك صوت سيارة قادمة.
سمعنا الصوت يأتي هادراً، من خلف التلال المحيطة بالقرية.
انتظرنا عدة دقائق فبانت سيارة الشرطة الخضراء.. وإذ خفقت قلوبنا رهبة لمنظرها، قدحت الفكرة برأسي مرة أخرى.. النفق!!.
هتف بي هاتف: أنسيت النفق يا كاكاحمة؟!
فأجبته بتأكيد: لا.. لم أنسه.. بل أجلته.. بقينا في أماكننا، لم نتزحزح. جلسنا ننتظر معرفة سبب مجىء المعاون مع أربعة عناصر من الشرطة..!
راقبنا السيارة وهي تتجه إلى دار المختار. وشاهدنا المعاون ينزل على عجل، ويلج كالفاتح.
أخذت قلوبنا تخفق بشدة، حين جاءنا الصبي راضي بن سعدو.
ليخبرنا:
-الشرطة جاءت من أجل يحيى ويوسف.
أبقانا في حيرة. وزادت حيرتنا حين استدعيا بعد قليل إلى بيت المختار. وهناك اعتقلا بناء على أمر من حاكم. تحقيق أربيل، استناداً على شكوى قدمها السلماني ضدهما.
صرخت بشيرة حين اقتادوا زوجها، كأنها فقدته إلى الأبد! مما حفز المخرف على إهانتها وإسكاتها.
-لم يشتك عليك السلماني! أليس هذا غريباً!
هكذا فاتحني أكثر من شخص، فلم أجب. إلاّ أني لم أتردد في إخبار الخانم. التي جاءتني معتذرة، طالبة العفو والسماح. بعد رفضي دعوتها لي بالحضور إلى بيتها.
قدمت صباحاً، دخلت بيتنا لأول مرة. وجلست تنتظر خروجي من الغرفة بصبر أيوب.
-لماذا لم يفعل يا كاكاحمه؟
-السلماني ليس غبياً. يخاف الفضيحة، ويخشى أن ينقلب السوء ضده.. يتوقع إذا اشتكى عليّ فسأقول كل شيء.. لذا فضل عدم زج آسمي..
-مثلاً..
استفسرت يلفها الاضطراب. كان خوفها مني واضحاً. وخوفها من سماع ما يرهبها أوضح..خوفها من انتقامي دفعها إلى الحضور مبكراً. حدست-وأمي تخبرني بمجيئها-إن يحيى وراء إقدامها الجرىء على الحضور.. ويبدو أنه نصحها بالإسراع في مصالحتي لتلافي الخطر الدائم.
-ألم أكن السبب في كشف جريمة قتل هبة. التي تستّر هو عليها..
-تستّر!! لماذا؟
-لأنها كانت عشيقته.. كانا يلتقيان سراً في دارك.. كل يوم.. وحين اكتشف نصار ذلك قتلها أمامي.. وساومه السلماني، ونجح في إقناعه بطمر الجثة حتى لا يتحمل وزر قتلها. وشهد زوراً برؤيتها تفر هاربة، مثلما شهد زوراً مع سعدو والجمولي على بيع وشراء الأرض الشرقية.
-عن أي شيء تتكلم؟
سألتني باستغراب فتابعت مدركاً عدم معرفتها بخفايا وأسرار زوجها، جهلها التام بكل ما دار ويدور.
-عن خيانته لك.. المحكمة كشفت زيف ما ادّعى.. فحكم عليه بسنتين سجن.. لكن شطارة محاميه زوج خالتي وسخاء يد حسان لمساعدة أبيه.. خفضا الحكم إلى ستة أشهر..
-أخبرني حسان: بأن سبب الاعتقال، عدم رضا الحكومة عنه.. لأنه رفض التعاون معها..!
قرأت في قسمات وجهها كآبة عميقة. أحسست وهي تتكلم كأنها تبكي، فلم أكتف:
-وماذا تريدين أن يخبرك عن أبيه؟ أنت لم تحضري المحاكمة.. فمن حقك ألا تعرفي..
-ومن هي كهرمان؟
-قلت لك إنها زوجته.. امرأة ساقطة، كانت تمتهن الرقص في ملهى النجوم بأربيل.. أوقعته بشباكها عن طريق الجمولي، وبمعرفته.. وحسان يعرف ذلك ويتستر.. سأعطيك عنوان البيت لتتأكدي بنفسك إذا رغبت..
-ولِمَ خبأت كل هذا عني؟ لماذا لم تخبرني من قبل؟ لماذا يا كاكاحمه؟
بحة الحزن في صوتها، آلمتني. فكررت عليها كلاماً كنت قلته لإلهام:
-كنت يا خانم، أسعى للمحافظة على ديمومة الفرح في عينيك..
vvv


- 30 -
 ((هذا الكلام ذاته قلته لإلهام، التي بوغتت بقرار إحالة العميد رأفت على التقاعد..
أخبرني السائق قبل أيام فأذهلني. وفضلت الصمت.
قال لي وهو يسلمني الحاجات اليومية:
-إنه اليوم الأخير يا كاكاحمه..
وإذ لحظ دهشتي استرسل موضحاً:
-أحيل العميد رأفت على التقاعد..
لم أسأله عن السبب. فهو بالتأكيد لا يعرف الإجابة. ولا علاقة له بالموضوع، لا من قريب أو بعيد.
صعقت عند سماع الخبر. ولم أشأ إخبار الهام بالنبأ حتى لا تصعق مثلي.
وتلك الليلة، اختلقت عذراً لأبتعد عن الخطر.. ونمت في غرفتي، خشية أن يباغتنا العميد ونحن عرايا على فراشه.
وفي الصباح اختلقت عذراً لعدم مجيء السائق. وكررت العذر في اليوم الثاني. وخرجت أتبضع بنفسي ما تحتاجه من سوق قريب.. وأنا أكثر حذراً في تصرفاتي معها..
كانت رهبتي من مجىء العميد على حين غفلة، أكبر مما تحتمله روحي المعذبة.. ورحت أتوقع دخوله بين لحظة وأخرى، لذلك حرصت على الابتعاد عنها، وبدأت في اتخاذ أقصى درجات الحذر. فوقعت بين نارين. نار الخوف والرهبة من دخول العميد المفاجىء، ونار الشهوة الطافحة لدى إلهام مثلما كان من المستحيل عليّ إسكات صوت الرغبة في أعماقي.. تعودت عليها وتلذذت معها.. ولا يمكن بتر صلتي بها.. بسهولة.. ودون تبيان السبب..
ولم يغب عن بالها ما آل إليه حالي.
كنا على مائدة الفطور حين خزرتني بعين ثاقبة. قالت بعدها بلهجة مزاح مبطن بالتأنيب:
-كأنما سهرة البارحة تمخضت عن مشكلة!
وحين صمتّ، ثار عجبها:
-ما بك! بتّ متردداً حتى في الحديث معي! لم تعد تنام معي حتى الصباح! تنفتل خارجاً قبل أن تنستر! تتسلل إلى غرفتك، وتحرص على البقاء بعيداً عن الصالة طوال النهار! قل لي ماذا حدث؟
استفسرت بتهكم واهتمام. فأجبتها بصراحة أخبرتها بما سمعته، فصعقت كما توقعتّ.
للحظات، ارتعش بدنها ثم جمدت في مكانها مذعورة. استغرقت في صمت محيّر..
فاجأتها بأمرغير متوقع. رفعت حاجبيها دهشة، ودار بؤبؤا عينيها رهبة:
-ولِمَ؟ ماذا حصل؟
نظرت إلى عينيّ بهلع مستنطقة إياهما، فقلت:
-لا أعرف.. أخبرني السائق قبل أيام..
-ولِمَ أخفيت الأمر عني؟ لِمَ؟
سألتني وهي تداري حزنها وتكتم غيظها. فأجبت:
-سعيت للمحافظة على ديمومة الفرح في عينيك..
برقت عيناها ارتياحاً وهمست بفرح:
-اتحبني إلى هذا الحد يا كاكاحمه؟
-وأكثر..
-يا حبيبي..
-لكن.. مع الأسف سينتهي كل شيء..
-ماذا تقصد؟
-سأعود إلى المعسكر حتماً..
قلت لها فجنت. أسودّت الدنيا في ناظريها، وهتفت بحرقة واختناق:
-مستحيل.. لن أدعهم يأخذونك مني.. لن أدعهم..
-ما عادت للعميد سلطة تخوله الحق بإبقائي في بيته. وما عاد باستطاعتنا أخذ الحرية..
لم تصدق ما تسمع.. اتسعت حدقتاها هلعاً وتساءلت:
-أيعود رأفت إلى هنا حقاً؟! أيبقى في البيت..؟ أمام عيني في الليل والنهار؟ لا.. لا.. لن أحتمل.. لن أحتمل.. سأنتحر.. سيجبرني على ذلك.. إذا لم يقتلني بيديه..
-ماذا تقولين؟
-هذا القاتل لن يدعني أهنأ.. لقد قتل العقيد حسام.. أخبرني بنفسه حين همّ بقتلي..
-بقتلك!!
-دس السم لي.. أراد قتلي.. وحين اكتشفت لعبته القذرة هددته بالفضيحة.. وجرى الاتفاق بينه وبين أبي.. على مبيته خارج البيت.. أخذوا منه تعهداً.. أبي وإخوتي..
أسبلت جفنيها بخشوع.. ثم أجهشت بالبكاء.. وتدريجياً اشتد بكاؤها.. فلم تقدر على أن تفصح أكثر..)).



vvv




-31-

أفسدت الخانم بجسارة وجرأة، خطة زوجها الخبيثة التي شاء بها تحطيمنا جميعاً. وأسقطت بفطنتها وسرعة تحركها حجته باتهام يحيى ويوسف، وبالاعتداء عليه ومحاولة قتله.
ففي صباح اليوم الثاني، قادت جمعاً من النسوة. وذهبت بهن إلى مديرية شرطة أربيل، بسيارة المخرّف الكبيرة.
((هناك أدلين بشهادتهنّ المغايرة لإدعاء السلماني. اتهمنته بأنه سبب المشاكل ومفتعلها، والمحرّض الوحيد على الفتن والاضطرابات التي حصلت في قريتنا.. وفندن تلفيقاته بخصوص الإدعاء بمسؤولية الأخوين الموقوفيين. وشهدن بحسن أخلاقهما وشهامتها!
ولم تكتف الخانم بتكذيب زوجها، والتأكيد على بطلان حججه كافة وعدم صحة أقواله.. بل ذكرت للمحقق سرقة بقرة سعدو بأمره، والاعتداء على يحيى بعد تحطيم مضخة الماء وإتلاف الأنابيب. لكنها لم تذكر قضية الأرض الشرقية، بيعها المزور.. وشراءها.. وبعد أن اتجهت بهنّ إلى دار "الكهرماني" وتأكدت من حقيقة ما سمعته منك، ثارت ثائرتها وهددت السلماني "إنه إذا لم يطلقها، ولم يسحب دعواه على الأخوين في خلال يومين، فستثير فضيحة ما بعدها فضيحة! وستتقدم شكوى ضده تتهمه بسرقة أموالها، والتلاعب بدفاتر حسابات الوكالة".. وتأزم الموقف وتعقدت المشكلة فاضطر الجمولي-محاميه الخاص-إلى التدخل. وأقنعها بإنهاء القضية على خير.. مثلما أقنعني بعد جهد بعدم إقامة دعوى ضد المعتدين على زوجي وعلى أملاكه، وعدم إثارة قضية الاستيلاء على أرض أبي الشرقية بالتزوير.
تصرف الخانم الحاذق، الحازم والسريع، أنهى المشكلة. وأعاد يحيى ويوسف إلى القرية معززين مكرمين. في حين لم يجسر السلماني على العودة. بقي بعيداً عن بيئته وأملاكه، مما سهل لمطلقته الخانم السيطرة عليها، ووضع يدها على كامل ثروته. على الرغم من مجىء حسان بعد أسبوع-إثر توسط المختار-يحمل توكيلاً عاماً بإدارتها. لم تأبه به وأصرت على عدم رؤيته.
حسان وسّط الملّد ليصالحه مع يحيى، بعد أن أقسم بأن لايد له في كل ما حصل، وإن دوره اقتصر على حماية والده وتهريبه. لكنه لم يفلح في ترضية أمه ومصالحها.. رفضت استقباله ومنعت دخوله البيت، وأجبرته على السكن في الجناح الخارجي وحيداً، ككلب أجرب.. وأقسمت إنها لن تغفر له ولن تكلمه طوال عمرها..)).
استمعت للقصة من بشيرة التي ما إن أنهت حديثها حتى باغتتها بسؤالي:
-أين صارت قضية شذى؟ هل وافق يوسف؟ دهشت، بانت الدهشة في عينيها، فزجرتني:
-ألم تكف عن هذا السؤال؟ أضجرتني به وحق اللّه. سألتني إياه عشر مرات!
-عشر مرات؟! أنا؟
-نعم.. أنت.. قلت لك إنه رفض.. رفض..
في تلك الأثناء جاءت افتخار. سلّمت، ونقلت لي رسالة نصار.
-أرسلني لأخبرك: بأن الجمولي في ديوان السلماني..
ويريد رؤيتك..
آنذاك فقط تذكرت "الملف الأحمر" هرعت إلى غرفتي ملهوفاً، قلبت الفراش فوجدته كما هو، في المكان ذاته، الذي وضعته فيه منذ أيام.
تصفحت أوراقه فأنتشيت. وساورني الخوف من فقدانه. فقررت حفظه في مكان أمين...
خرجت من الغرفة فسمعت افتخار تحدث بشيرة:
-جاء يحثني على العمل معه في المشغل.. فلماذا لا تعملين أنت معه؟
-أنا! لا وقت عندي لأحك به رأسي.
-أي مشغل؟
سألت افتخار فسخرت:
-أنت الذي شجعته على فتحه محمد يشكرك كثيراً. لأنك فتحت له باب رزق لن يغلق.
-اسمعي يا افتخار.. احفظي لي هذا الكيس.. في مكان لا يعرفه حتى نصار..
قلت لها وأنا أسلمها أوراق الجمولي.
فاستفسرت بعجب، وعيون أمي وبشيرة ترمقني بفضول:
-ما هذا؟
-أوراق هامة احتفظي لي بها لمدة أسبوع فقط..
تركتها في حيرة وخرجت:
اتجهت مباشرة إلى مضيف السلماني، فوجدت زوج خالتي يجلس على نار، وحده، فبادرته:
-ماذا تريد يا جمولي؟
-اجلس.. أريد أن أحدثك.
-هل أرسلك السلماني؟
-لا.. جئت أسألك عن الأوراق.
-الأوراق!! أيّة أوراق منها؟! إنها كثيرة!
-كلها، كل الأوراق التي أخذتها من الخزانة..
-أمجنون أنت! عم تتكلم؟
جاء نصار.. دخل متنرفزاً. وتدّخل باحتقار:
-هل أسمعك قصته العجيبة؟ الأستاذ المحامي حامد الجمولي.. زوج خالتك المحترم جاء يطالبني بدين وهمي.. يحاول ابتزازي!
ابتسم الجمولي بخبث واستهزاء وقال:
-يا نصار!! لا ينفعك النكران..
قهقه نصار مما أغاظ الجمولي. وتفاقم غيظه حين استفزه.
-أعندك ما يثبت قولك؟
زفر الجمولي بحرقة وأعلن:
-الصكوك سرقت!
قهقه نصار من جديد ثم سخر:
-سرقت! أم انتهى وقتها؟
صفن زوج خالتي يستوعب السخرية. فأكمل نصار:
-يا جمولي، أخذت حقك منذ أعوام.. فكفاك ابتزازاً لنا واستغلالنا.
-متى تشبع؟ اتق اللّه..
قلت له فزعق في وجهي بألم:
-كنت متأكداً بأنك السارق-قبل أن تصلني تهديداتك-فلم يدخل بيتي سواك.
-كنت عاقلاً، فاستوعبت رسالتي، فلو عاد رجالك لتفتيش بيتي لورطت نفسك.
-كيف سولت لك نفسك؟ كيف تجاسرت وسرقتها؟ سأمهلك خمسة أيام فقط لتعيدها.
-خمسة!! لماذا لا تجعلها ستة؟!
-أتسخر! يا لك من صلف! سأؤدبك وحق اللّه.. بعد اليوم الخامس سأتقدم بشكوى.. أتهمك بالسرقة.
أطلقت صفيراً وسألته باستخفاف:
-ما هو دليلك يا جمولي؟ وأين كنت طوال الشهور الماضية؟ ثم كيف سولت لك نفسك أنت سرقة أرضنا؟ كيف تجاسرت وزورت الوثائق وانتحلت بصمة أبي؟! لماذا وأنت زوج خالتي؟ اشتركت في جريمة قذرة لا يقدم عليها محام شريف أبداً..!
سكت مصعوقاً فتابعت:
-ثق بالله إنني سأتقدم بشكوى ليعاد التحقيق في كل قضايا الملف..
-ألم يعد لك السلماني أرضك؟ فماذا تريد بعد؟
-هل لاحظت نقصاً في دنانيرك المكدسة؟ هل سرق منها شيء؟ ما أخذت فلساً واحداً.. لأنني ما تعودت السرقة في حياتي.. وأنت تعرفني جيداً.. وأعترف أنني كنت غبياً.. لقد عدت إلى القرية سيراً على الأقدام.. لأن جيوبي كانت فارغة.. لم أكن أملك مالاً.. كنت غبياً فلم آخذ درهماً يكفيني.. لا تظنني أهتز لتهديك الفارغ.. أو أخاف منك.
اصفر وجهه بشكل مقيت. وبرزت عيناه وهو يستمع لبقية كلامي، متوقعاً أن أفجر قنبلتي في رأسه:

-إياك أن تلعب بذيلك.. سأسلم الملف الأحمر إلى الشرطة. ارتعش بدنه، انتفض متوسلاً:
-أعده لي.. إنها أسرار الناس!
-سأعيده بشرط.
ساومته فرد موافقاً:
-ما هو؟
-تجلب لنا موافقة على فتح مدرسة.
فوجىء، لم يصدق، أعتقد أنني أمزح. نظر إليّ بإمعان وقال:
-مدرسة!! ألا توجد مدرسة هنا؟
أدركت استسلامه فأوضحت له:
-لا.. السلماني أفشل كل محاولات فتحها..
نقر بإصبعه على فخذه وأعلن بعد ثوان:
-بسيطة.. أمهلني أسبوعاً.. ولكن أين ستفتحونها؟
-لا أدري! سندبر لها المكان المناسب، فيما بعد..
-ربما تأتي لجنة من مديرية التربية لدراسة أحوال القرية، معرفة عدد الأطفال الذين تجاوزا السادسة والاطلاع على موقع المدرسة المقترح.. ألا مكان جاهز في القرية..؟
-لا..
-ولم لا تفتحونها هنا..؟ مضيف السلماني واسع.. اقترح ببساطة فأدخل البهجة لقلبي. هتفت مؤيداً:
-إنه أفضل مكان.
-والآن.. أعطني الأوراق.. الملف..
-لا. يا زوج خالتي. لا..سيبقى مصاناً، في مكانه الأمين. حتى تنهي عملك..
-أعدك بشرفي..
-يقولون: شرف المحامي في محفظته..
سخر نصار فواصلت تهديدي:
-ليكن في علمك بأنني لست مغفلاً لأضعه في بيتي، مثلما تتصور.. كن عاقلاً.. فأي تهور سيقضي عليك..
سأسلمه إلى النائب العام دون تردد..
حدس جدية التهديد فلان، أظهر ليونته بقوله:
-دعنا نتفاهم يا كاكاحمه..
خفت من مراوغته.. وخداعه. قاطعته بحدة وحسم.
-انتهى التفاهم.. يا زوج خالتي.. نفذ شرطنا وعد إلينا ثانية.. مع السلامة..
انتفض غاضباً وخرج دون كلام.
-حسناً فعلت يا كاكاحمه.. أوقفته عند حده.. جاءني مهدداً فأخرسته، مثلما أخرسه المختار والحاج صالح..
-مكنني الله منه فقصمت ظهره.. آمنت بأن الخالق يمهل ولا يهمل.. آمنت..
أفضيت بما في صدري.. وخرجت.. بينما بقي نصار للتحدث مع الخانم بناء على رغبتها!
عدت إلى البيت فوجدت عمتي مليحة بانتظاري! استقبلتني أمي بوجه صارم. وراحت تسأل وتستفسر بإلحاح، عما  تريده افتخار وعما جاء يفعله الجمولي في القرية! طمأنتها.. شرحت لها باختصار، وجلست أستمع لعمتي وهي تتحدث وتتحدث عن الجمولي "الحرامي"! الذي جاء يطالبهم بدين "لا أساس له"! وعن السلماني، الذي ظهر أنه متزوج من "ممرضة شابة"!.
ظلت تعيد وتصقل مما دعاني لسؤالها، وقد خمنت أن وراء قدومها أمراً آخر غير الذي حدثتنا عنه "الحرامي والممرضة"
-عمتي، هل تتكرمين بإعلامي-دون لف ودوران-عما جئت من أجله..
ارتبكت وتمتمت:
-أنا! لا.. لم أتِ إلاّ لرؤيتكم..
-قولي يا مليحة.. ولا تخجلي..
شجعتها أمي. وبقيت هدهد صامتة، منهمكة في مغزلها وصوفها، وإن ظلت تصغي بأذنين مرهفتين.
تلعثمت عمتي. نقلت عينيها في الأرجاء. وتحركت شفتاها لتنطق بكلمتين:
-المحل الجديد-ماذا به، المحل الجديد يا مليحة؟!
استحثتها أمي بكراهية، فتوثّبت. التفتت نحوي وقالت بصراحة. ربما نكاية بزوجة أخيها الراحل:
-عمك الحاج صالح يقول: لو يمنحنا كاكاحمه مبلغاً آخر، يسعفنا بمائة، مائتي دينار..
استاءت أمي. أكفهر وجهها لدرجة المقت فناكدت خانقة القط:
-طمعتم بمال اليتيم يا مليحة! لم لا تبيعين أساورك الذهبية؟
جفلت عمتي، ارتعشت، تلعثمت، ومن جديد نقلت عينيها في الأرجاء. ثم تمتمت:
-نحن نسعى لتوسيع المحل.. الحاج يريد..
سفهت أمي أقوال عمتي وعادت لمناكدتها:
-إنها أفعالك أنت.. ولا دخل للحاج بها..
امتعضت عمتي مليحة. حدجت أمي بنظرة استرحام ثم تطلعت إليّ بتوسل شعرت بالعطف تجاهها، فأمنتها:
-أمهليني أسبوعاً يا عمتي.. سأراجع حساباتي مع الحاج.. وسأدفع ما أقدر عليه، إن شاء الله.. وأرجو أن يجهر الحاج أوراق الشراكة، لتصديقها عند كاتب عدل أربيل..
شكرتني وخرجت مسرورة. وإن نغزها طلبي الأخير.. إذ قيدتها بحبال الحق والشرع.
شعشع "النفق" في مخيلتي حال خروجها! حاولت الذهاب إلى الأرض.. فأخبرتني أمي بهطول المطر..
أردت التأكيد بنفسي. نهضت فدهمني الوجع.. أحسست فجأة بصداع حاد.. تذكرت نذالة الجمولي حين طردني من بيته.. ودوّت "كلمات الطبيب" وهو يهمس بها للممرضة"، في أذني.. فجريت إلى سريري.. مذعوراً وكأن النهاية حانت..
ولكي أخفف من شدة الوجع، ومن كبر مصيبتي.. لم أجد سوى الدموع، بعيداً عن عينيّ وأذنيّ هدهد..
رحت أسترجع أيامي وذكرياتي الحلوة. وبدوت كألأبله، أو كمن أبهظه ثقل الواقع ففاء إلى ظلال الماضي، يستلف أرجها وأريجها..
وبعد مضي ساعة تقريباً، طرأ بعض التحسن على حالتي، وخف الصداع. وعاد النفق بوابة أحلامي.. لم أطق الصبر.. لم أحتمل البقاء "فالعصفور لازم يشق الريح" تماماً، كما قال الملازم علي، وهو يدربني في معسكر الغزلاني تخيلت الطريق الجديد وأنا منطرح على السرير: خططت في خيالي وانتظرت ساعات حتى توقفت المطر.. فخرجت سراً، لأتحقق من صحة رسومي ودقة مشاريعي..
صعدت التل الكبير. تطلعت مبهوراً إلى سفح الجبل حيث متعت بصري بأشجار الفاكهة واللوزيات، المنتشرة بكثرة.. أوراقها الخضراء المغسولة بماء السماء هيجت مشاعري وأنعشت قلبي. وازداد انتعاشي إثر نزولي الوادي.. المكتظ بالأشجار المتنوعة والخضار، المشهورة بطعمها اللذيذ نتيجة لارتوائها من العين.. عين صغيرة ماؤها عذب، صاف، شفاف، مثل البلّور.. رأيت صورتي على صفحته المضاءة بنور النهار.. كنا نأتي أنا وأحمد نلعب هنا ونلهو.. أو أنا وافتخار سراً لنتبادل الغرام..
قست المسافة، العمق.. قمت بالمهمة وحدي. ثم أعدّتها في اليوم الثاني مع هدهد، لأتأكد. ولأسعد زوجتي في الوقت نفسه
كل من رآني سخر في أعماقه. كل من استمع لشرحي استهزأ بعينيه إن لم يفه لسانه خوفاً..
صحيح أن الأمر لم يكن سهلاً.. لكنه ليس مستحيلاً.. يحتاج لجهد الرجال وعضلاتهم، تفانيهم وصبرهم.. ارادتهم الفذة.. ولو كنت قادراً على إنجازه وحدي، لما طلبت مساعدة أحد.. وما احتجت إلى مشورة أحد.. أياً كان..
صممت على إنجاز الطريق مهما كلفني ذلك من جهد.. سأنجزه ليكون ذكرى خالدة في مخيلة الأهالي، بعد رحيلي كذكرى المسجد والمدرسة، التي ستتحقق.. حتماً.. سيقولون "هذا طريق كاكاحمه" فأفرح حتى وأنا في قبري..
أعدت هدهد إلى البيت. واتجهت إلى بيت المختار. أسأله عما جرى بينه وبين الجمولي، ولأوضح له طبيعة المشروع وفائدته..
في الطريق تراءى لي أحمد. رأيته مسجّى بدمه.
فهتفت موبخاً مستنكراً، متألماً:
-لماذا يا أحمد؟. لماذا فعلت ذلك العمل المشين؟!
نكس رأسه حياء فلمحت على هامته "أكليل شوك"! (حلَ الضيوف عند المختار، كانوا شباباً من الأنصار عرف أحمد أحدهم، وكان مطلوباً لقوات الأمن. فتسلل يخبر السلماني الذي اتصل بجهاز اللاسلكي. فدوهم بيت المختار بعد ساعة. واعتقل الشباب الخمسة رغماً عنه. ورغم معارضته الشديدة وتوسلاته، أعدموا أمامنا رمياً بالرصاص. ولولا فطنته وسرعته بإخفاء سلاحهم، لأعدم معهم دون ريب.. ومع ذلك شوّهت الحادثة سمعته، وأزالت هيبته. وألبسته ثوب العار، وإن أقسم بالمصحف أمام الأهالي مرات ومرات، أن لاعلاقة له بالموضوع.. ولكي يثبت للناس صحة ما يدعيه، وليسترد شرفه الذي هو أغلى من المال والبنين، بصق في وجه السلماني وصفعه وسط الساحة.. وترصد لابنه الوحيد الهارب.. وذبحه بيديه ذبحاً.. من الوريد إلى الوريد..)
شرحت للمختار ما يدور في رأسي وبينت فائدته للقرية. فافترّ ثغره عن ابتسامة صفراء، وراوغ:
-إنها فكرة مدهشة، لكنها ليست سهلة كما تتصورها.
-وليست صعبة يا مختار. بهمّتك وهمّة الرجال يمكن إزالة الجبال وليس هذا التل الترابي..
-آمنا باللّه..
-لا تحبط عزيمتي ولا تزرع اليأس في قلوب الرجال بموقفك المتخاذل هذا..
أحس بالإهانة تطعنه فغير لهجته على الفور:
-أنا بكامل الاستعداد.. قل لي ما الذي يتوجّب عليّ فعله يا كاكاحمه؟ أنا مستعد لتنفيذ كل ما أقدر عليه.. وسأضع يدي في يدك بشرط..
-شرط!! ماذا تريد يا مختار؟
-أن تذهب غداً إلى أربيل لتعرض نفسك على طبيب.. باغتني بطلبه، فأرهبني.. وحتى لا أدخل في متاهة معه وأثير شكوكه أكثر، أبديت موافقتي دون تردد..
-أوافق.
-غداً ستذهب مع عيسى سيأخذ والده إلى المستشفى لعرضه على طبيب خاص..
-نريد "سيارة شغل" تساعدنا في هدم التل وحمل التراب إلى الوادي.
-إنه أمر سهل-أمهلني بضعة أيام..
-لا تقل: انتظروا الحكومة، لتكمل الطريق.. لن يأتي منها سوى الخراب والقتل..
طرحت وجهة نظري وودعته. أردت الخروج فأوقفني هازئاً:
-الجمولي، جاءني مطالباً بالدين، فطالبته بالصكوك.. قلت له: اجلبها في المرة القادمة لأدفع لك مستحقاتك ونخلص.. إن كنت تطلبني حقاً..
-لن ترى وجهه أبداً.. لكن وجهي لن يغيب عن عينيك هذا الأسبوع تركت بيت المختار. وتوجهت إلى موقع "النفق" في البدء عملت وحدي. رفضت مساعدة هدهد. التي جلبها عرفان مع مغزلها وصوفها. وعاد يلعب مع أقرانه في الساحة. لم أسمح لها بمعاونتي، أجلستها أمامي. أتملّى في محاسنها، وأتسلى بحديثها وهي تغزل بخفة ورشاقة.
كان عليَّ التمهيد لمجىء "الشفل" أصنع ممراً ليدخل حتى التل، كي يهده بمغارزه الحديدية الضخمة. ومن ثم يحمل ترابه إلى الوادي ليصنع منه ممراً عريضاً للسيارات..
على غير المألوف، وبصورة مفاجئة جاءت الخانم بحجة المشاركة. رحبت بها وشكرتها، وخمنت هروبها من جلسة الصلح بين حسان العائد نادماً، وبين أبناء المخرف برعاية المختار والملاّ..
-قبل أن أساعدك اشرح لي ما تنوي عمله..
انحنت عليّ لترى ما بيدي. فشممت رائحة طيبة. عُطر أنفاسها وشذى عطرها ملآتا روحي نشوة.. شممتها بعنف وأنا أرسم لها على الأرض قوساً كبيرة، يمثل الطريق الحالي الذي يؤدي إلى القرية. ثم رسمت خطاً مستقيماً قصيراً يصل بين طرفيه:
-بدل هذه الدورة الجبلية الطويلة، والمتعرجة، الشاقة والخطرة، سيكون هذا هو طريقنا الجديد بإذن الله.. بعد أن تدكه المداحل وتعبده المزافت..
-والله، إنها فكرة رائعة. لم تخطر على بال أحد، إكمال الطريق بأنفسنا.
-صحيح أنها ليست سهلة..
-لا.. لا تقل هذا يا بني.. التلال من تراب، يتفتت بضربة فأس.. والوادي ليس عميقاً.. يمكننا أن نملأه بأحذيتنا..
-لسنا مجبرين على ملئه بالكامل.. ما يهمنا هو الطريق..
-صحيح.. ما أسهل ذلك.. لنتوكل على اللّه..
قالت بإصرار. فباركت لها. وتمنيتها زوجة لعبد اللّه المختار.. تعينه في وحدته وتدفىء فراشه البارد..
شرعت معي تعمل بهمّة ونشاط، تكفيراً لذنبها بحقي طوال ساعتين.. وكان وجودها حافزاً قوياً للكثيرين.. إذ تدافعوا أفراداً وجماعات يساعدوننا..
بعد ذهابها طرت إلى عيسى، إثر معرفتي أنه لم يذهب إلى بيت الملاّ. مع إخوته..
أنهضته من نومه وشرحت له اقتراح الجمولي، وخلاصة الفكرة التي برقت في ذهني لتقسيم الديوان وبناء الصفوف.
-ماذا أراد الجمولي منك؟
سألني بعد انتهائنا من موضوع المدرسة. فأخبرته بوجود الملف الأحمر وتهديدي للجمولي. فحذرني بلهجة هادئة:
-زوج خالتك ليس ساذجاً.. قد يهاجم الدار بدورية أمن..
-لا تخف.. أنها في مكان آمن.. ليس بيتنا بالطبع، لقد جرب قبل الآن.
-لا تعطه الملف قبل تصويره.. أعطني الأوراق لأصورها غداً..
لنبق نسخة بيدنا وقت الحاجة.. كسلاح فعال ضده..
-أتذهب غداً إلى أربيل؟
-سأخذ أبي.. أتحب مرافقتنا..؟
-لا.. أرجو أن تسأل لي عن طبيب عيون جيد.. لأعرض هدهد..
-هدهد!! أحسنت يا كاكاحمه.. أحسنت..
-هذا دينار.. اشتر لي قنينة عطور أو أكثر..
-عطر نسائي بالتأكيد..
-طبعاً.. طبعاً..
-يالك من عفريت.. يا كاكاحمه.. بدأت تعرف أسرار النساء..

vvv

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire