dimanche 18 novembre 2012

العصفور والريح1



فائق محمد حسين









العصفور والريح

- رواية -








من منشورات اتحادكتاب العرب
1998







Zone de Texte: الحقوق كافة 
مـحــــفــــوظـة 
لاتـحــاد الـكـتـّاب الــعـرب
 










تصميم الغلاف للفنان : اسماعيل نصره








-1 -

حين شممت الرائحة وسمعت الزعيق، كانت يداي معقودتين خلف ظهري، وقدماي الشاردتان حرتين على مهل، ولا تبصران ما أمامهما بوضوح وعيناي الزرقاوين غائرتين، تجولان في الآفاق أو تكنسان الطريق، والدموع تلهث فيهما، بينما تلتهب الشجون في حلقي الجاف.
كان الجو صافياً، هادئاً، وفي السماء التي كانت تطفو فوق الجبال والأشجار العالية، غيوم قطنية مبعثرة تسبح بكسل، وشمس الظهيرة في ذروتها. تلهب سياطها الذهبية رأسي الحاسر وجسدي المتعب.
خنقني الدخان الكريه وأيقظني الصراخ الداوي، من شرودي رفعت بصري لأتبين مصدرهما فبوغتّ بصوت محرك سيارة يهدر في أذنيّ!
ذعرت وساورني الاضطراب وتلفتّ، فإذا بباص المارسيدس على بعد خطوة مني، حتى ليكاد يلامسني! رأيت فروة سلطان الممتدة من مقصورة القيادة. وأبصرت يده البلهاء تلوح محيية، ثم طالعني وجهه المستغرب:
-ما بك يا كاكاحمه؟
فاجأني، فهززت يدي نافياً وجودي شيء. وحركت رأسي معتذراً عن عدم انتباهي.
-أنت تبكي!
لم أهتم لما قاله. انحرفت عن مساري. ابتعدت عن وسط الطريق، فاسحاً المجال لسيارة "عثمان المخرف" كي تتابع سيرها وهممت أحث الخطى في الممر الجبلي الضيق. رافضاً أي نوع من المساعدة.
لم أبال بنداءات السائق، ومساعده، ولم أصغ لصيحات الركاب وتوسلاتهم، أو أستجيب لدعواتهم لي بالصعود. لم أعر أذناً لكل همساتهم وتعليقاتهم وكدت ابتعد عنهم لولا "سلسلة الأفكار “تذكرتها فراحت أنظاري تفتش بينهم تجتاح الكراسي بنهم، تتطلع بلهفة، بحثاً عن "السلماني" دون غيره وإذا مسني اليأس سألت سلطان لأبعد شكوكه: -ألم يأتي عيسى؟
-لا... ماذا تريد منه؟ هل وجدت له وظيفة؟
لم أكن راغباً في محادثة أحد، ومع ذلك تحمست لسؤاله:
-ألم تلد زهرة؟
-هذا أسبوعها الأخير، إن شاء الله. محمد وأمه يلازمانها كالظل. رد بصوت خشن يخالطه الأمل. وصاح مع أكثر من شخص:
-اركب تعال اصعد... لا تعاند. الطريق طويل.. ماذا بك؟ ماذا يدور في رأسك؟
لم أرد، تابعت السير. لم أكن مستعداً لكشف أوراقي، وفضح ما آل وسيؤول إليه مصيري ومسقبلي.
صحيح، إنها ريح عاتية هذه التي تمر عليّ والتي حولت الأحلام في نبضي إلى جناحين، إلا أنها بالتأكيد ريح موسمية. ستتلاشى حتماً بإرادتي، وبفضل اللّه القدير... فكل شيء جائز عنده... كل شيء.. لذا سأقف بوجهها كجدار صلب. وسأتجلد أمام الآخرين، لأظهر بمظهر القوي تماماً، كجبل لا تهزه العواصف. فلقد تحسنت صحتي بعض الشيء، وبدأ شعري الذهبي ينمو... والفضل "لأزرق برلين".
وصحيح أيضاً، أنني خبرت الحياة، وآن لي أن أعرف الشجى وأترنم بألحان الأسى، لكني لن أفعل. لن أستسلم، وسأقاوم. فالصمود واجب مفروض. وكل جهد يهوي مقابل ما سأعمله.
قال الطبيب: اصبر، وابتعد عن الإجهاد والتوتر. كيف أصبر وقد تحدد مصيري؟! يا إلهي، أضاع الشباب حقاً؟ أبداً العد التنازلي؟ ثم كيف لا أجهد نفسي وأعمالي القادمة لن ينجزها إلاّ الجهد والمثابرة؟ يا إلهي، بالأمس كنت فتياً فمتى لحقت بي دودة الهرم بهذه الشراهة، فنزعت مني كل تفاؤلاتي وأبقت لي أفكاراً غائمة تتصارع في مخيلتي؟ لا أعرف كيف أميزها، أو بأيها أبدأ...!
عليّ أن أسرع الخطى، لأصل سالماً قبل أن تخور قواي وأقع. وقبل أن يعاودني الصداع، فيلازمني طويلاً ويؤخرني.. أصل لأبدأ من جديد.. لن أدع" ما حصل" يفسد طموحي وآمالي، وسأبذل كل ما لديّ من طاقة لتنفيذ ما عزمت عليه. سأعمل، فبالعمل وحده أحقق إنسانيتي وأشعر بالراحة.. العمل سيخفف عذاباتي.. لولا أمي ما عدت. إنها مصدر كل معاناتي. ما توقعت أبداً أن أعود هكذا خالي الوفاض، دون نجاح يذكر. "فالعميد" هرب إلى تركيا و"إلهام" التي كنت آمل أن يؤويني صدرها بضعة أيام، تزوجت! ما أشد الخيبة وما أقسى المرارة! خاب أملي بها وتفاقمت مرارتي، حال معرفتي بالنبأ... قصدتها، واضعاً في خيالي أن التجئ عندها إلى حين نيل المرام وتحقيق الهدف، باعتبارها الملجأ الوحيد، الذي يمكن أن أحتمي به وأستدفئ بظله، وأرتوي بحنانه على مغالبة ما ألمّ بي، بل وأصارع الدهر!
ظلت السيارة ولدقائق، تسير بمحاذاتي ببطء متناه، كسلحفاة عجوز، مما أزعجني وزاد من انزعاجي إلحاح سلطان والركاب! وعلى الرغم من أن عقلي كان بعيداً عنهم، سارحاً في ملكوت السموات، ولم انتبه بالضبط لما كانوا يقولونهن إلاّ أني خمنتهم يحثونني على مرافقتهم، ربما عطفاً وشفقة. ظناً منهم بأني تعبت والسير أرهقني. وكأنهم لا يعرفون منْ أنا! عجباً، أتراهم نسوا بطولاتي الرياضية؟ أشرت إليهم شاكراً، وتصرفاتهم العجيبة تثير دهشتي! تساءلت مع نفسي بألم وأنا أشهد إصرارهم: ما الذي يريدونه؟ ما الذي يتصورونه؟ أيعتقدونني جننت؟ لا.. وألف لا.. فأنا بكامل وعيي، وعقلي يزن عقولهم مجتمعة.. أعرف جيداً ما أفعله وما سأفعله... أمامي ثلاثة كيلومترات حتى أصل قريتي بعد أن قطعت خمسة بالتمام. وما دام الإنهاك لم يهد مفاصلي بعد، فساواصل السير بعزيمة، ودونما كلل... وعلى بركة اللّه.
ليعتقدوا بما يشاؤون، فما عادت تهمني كل أعتقاداتهم. ماعاد يهمني أسار الركب أم ركب الأمير... عدت إليهم إنساناً آخر ولينتظروا "فكاكاحمة عاد... عاد" صرخت في أعماقي وتابعت سيري. وحين دب اليأس في أوصالهم، ونخزهم عجزهم عن إقناعي بالصعود معهم، تركوني. ومضت سيارتهم في طريقها، تتهاوى في سيرها كحمار أرهقته الأحمال... بينما أخذني حملي بعيداً وحلّق بي عالياً.
كان حرياً "بالخبر الصاعق" أن يدفع بي إلى القبر، في الحال. لكن "أوراق الجمولي" أعادت لي الأمل، ووهبتني الحياة من جديد ها هي على قلبي ملفوفة بكيس نايلون خشية من العرق المتصبب من جسدي... "أخ لو حصلت عليها من قبل... أخ..."!
أطلقت زفرة حرى. وعضضت أصابعي حسرة. فلو وقعت هذه الأوراق في يدي قبل الآن، وفي ظروف أحسن، لكانت فائدتها أكثر بالتاكيد. ومع ذلك سأستثمرها سأبدأ "بالسلماني" لن أدعه يهنأ بثروته. فبعد أن "باع حصيلة الموسم بربح وفير" وجب أن أستعيد حقي.. سأخرق موتى موتاه.. و"سعدو الخائن" لن يفلت مني. أخذ حصته فليعطني حصتي... ما كنت أعرف أن الأوراق تتكلم! تنطق! إنما "المال يتكلم" فتلك حقيقة لاغبار عليها، كحقيقة أن الفقر وحش شرس، لا يقاوم وأنا سأجعل الدنانير بين يديّ.. وتغني... فلينتظرا... لينتظر الجميع.. فكاكاحمه عاد... عاد.
طوال الأيام القصيرة الماضية انبثقت الأفكار في داخلي! تدفقت بصورة غريبة، كشلال بارد، فأطفأت نيران القلب والروح المتأججة. كنت أعد مشاريعي، أرتبها، أزيد عليها وأنقص منها، ثم أقلع عنها نهائياً! كل ما أفكر به في الليل يمحوه النهار ببساطة! وكل ما أخطط له في الصباح، كنت أتخلى عنه في المساء... ولم أستقر على رأي أبداً، بسبب اضطرابي وتشوش ذهني... ولأن هدفي كان التسلية فقط، وقضاء الوقت. فحسب ما قاله "مجيد": على الإنسان أن يملأ روحه بشيء ما، وإذا لم يفعل وباتت الروح خاوية، فالقلب سيجتر دمه بنهم شديد... واليوم، تغير كل شيء وما عاد هناك تسلية، ولا حاجة لقضاء الوقت... بت في موقع المسؤولية، وباتت أمامي مشاريع جديدة، محددة، لا زيادة فيها ولا نقصان، ولا يمكن الاقلاع عنها ومحوها من الذاكرة... مسؤوليات لا يحق لي التخلي عنها.. أبداً.. أبداً.
كل شيء كان واضحاً لنا، لكن الدليل.. تقديم البرهان أعجزنا... السلماني الكلب، لن يفلت هذه المرة.. لا.. لن يفلت... نذالته وخسته هما وراء موت أبي... طمعه في أرضنا وتهديده لنا ورفضنا عرضه لبيعها له وتشبثنا بها، دفعته إلى حرق محاصيلنا. ولكثرة الديون المترتبة عليه اضطر أبي للعمل عند المخرف، سائقاً لسيارة الأجرة الصغيرة، لكن الأمر لم يدم سوى أشهر. انقلبت في حادث أليم وطارت روحه إلى السماء وعندئذ برز لنا السلماني بأوراقه! إدعى أن أبي باعه الأرض قبل مدة واستلم المبلغ كاملاً عرض لنا ورقة البيع والشراء ممهورة "ببصمة أبي" ومذيلة بشهادة حمودة الأعور وسعدو وزوج خالتي المحامي! صدقنا مرغمين... غير أن الحيرة لازمتنا... الحيرة في النقود! فمتى أخذها أبي وأين صرفها؟! أقسمت أمي بأنها لم تسمع عن البيع شيئاً ولم تر فلساً واحداً! صدقنا إدعاء السلماني، لجهلنا وسذاجتنا... لكن أوراق الجمولي كشفت لي الحقيقة...
تذكرت مصاب أبي والفاجعة التي حلت بنا. فراودني حلم الانتقام القديم من السلماني الذي أكل حقنا وطردنا من الأرض. ولا شيء تكره نفسي في الدنيا كلها مثله، لنذالته، ومثل هذا الطريق الطويل، المتعرج، بالتواءاته القاتلة. التي ضيعت العشرات وعلى رأسهم المرحوم أبي...
كرهت الطريق ولطالما تمنيته رجلاً لأقتله. ولطالما فكرت في وسيلة أتفادى بها المرور عبره، ولم أجد. ووجدت الآن الفرصة متاحة للتفكير...
جالت في ذهني أفكار جديدة، فأتعبتني، وبلبلت حالي... وفجأة برزت واحدة منها، كشعاع منير، انطلق محلقاً في الأعالي. وحوله لاحت نجوم خماسية مضيئة! تسمرّت في مكاني. تجاهلت كل مشاريعي وسلسلة الأفكار. واندفعت صوب مشروع جديد.. أهمّ وأكثر فائدة. طرأ على غير توقع! ولأني أكثر الجميع معرفة بقريتي، أعرف كل شيء عن أحوالها، ناسها وبيوتها، أزقتها وشوارعها أعشابها وأشجارها، حصياتها وصخورها، أوديتها ومنحدراتها ومرتفعاتها، عاينت المكان تفحصت الأرجاء ثم صعدت إلى أقرب تل.
من قمته ألقيت نظرة على الجبل والتلال المجاورة وفكرت: لماذا لا نشرع في إكمال الطريق؟ منذ عشر سنوات ونحن ننتظر الحكومة! فإلى متى سنبقى في الانتظار؟ يكفيها إنها قررت إقامته وفتحت لنا النفق قبل أن توقف أعمالها بسبب القتال... لو أزلنا هذه التلال وبترابها ردمنا الهوّة، لغدا الطريق سهلاً وقصيراً... بالتأكيد...
طابت لي الفكرة واستسهلتها ولأني عدت لأعمل، نسيت تعبي. وبقيت أخطط وأرسم أتخيل فأحضر، أحكم فأردم... حتى ضج دماغي وتشبع خيالي... فتابعت المسيرة وكلي عزم وإصرار على ضرورة التخطيط بعقل، كي لا أتسرع ولا أندم، فالسرعة والندم أخ وأخت ثم أن واجب الإنسان أن يفكر جيداً قبل الإقدام على عمل ما... وعليّ أيضاً أن أستشير المختار والملاّ، فهناك دائماً أصوات متعقلة وسط الفوضى والضلال...
بعد ثلاث ساعات وصلت قريتي. التي تتوضع بمهابة على حافة سهل أربيل الجميل، الذي تختزن أعماقه أسرار وتفاصيل غريبة لا تصدق، وتشرف على أرضه الواسعة، المشهورة بطيب هوائها وبمياهها الرقراقة العذبة، التي تنبع من الأعالي وتنحدر مع الصخور لتشكل جداول ما أروعها، وتطل على الطريق العام...
لاحت مئذنة المسجد شامخة. وبانت أغصان الأشجار المتعانقة. وظهرت البيوت الحجرية العتيقة، متناثرة على امتداد المساحة الخضراء المترامية الأطراف.
لفحتني وأنا أدخل أول منعطف، عذوبة الهواء، ورطب وجهي بنسيم ما بعد الظهيرة العليل، فدمعت عيناي وانتعش قلبي بنسيمات الخريف، الناعمة، الرقيقة، الباردة.
في بداية الشارع المؤدي إلى ساحة القرية والذي كان مظللاً بأشجار اللوز قبل حرقها أيام الحرب وجدت الصبي راضي بن سعدو يسرح بالبقرة عزيزة.
دهش لرؤيتي سائراً على قدميّ سلم عليّ فمازحته وسألته:
-قل لي يا راضي، هل السلماني في القرية؟
-لا.. منذ شهر وهو في أربيل. وأبي ذهب إلى عمك ليقص شعره... ألمني جوابه، وفتّ في عضدي. لأن كل مشاريعي ستتأجل...
تركته ومضيت، فألتقيت بعد قليل بموسى عائداً من جولته اليومية، يقود قطيع الخراف والماعز -أهلاً كاكاحمه... أهلاً... الحمد للّه على السلامة.
بادرني مرحباً بوجهه الطويل المبتسم، وحاجبيه المتصلبين.
كان يمسك بعصاه المعقوفة، ويشد وسطه بزنار جلدي ويستر رأسه بقطعة قماش. رددت التحية وسألته:
-ألم يأت عيسى؟
-عيسى في بغداد... ماذا تريد منه؟ أصدر أمر تعيينه؟ تركته ومضيت قدماً، مخترقاً الساحة حيث كان الأطفال يلعبون كرة قدم. اشتعلت الذاكرة فجأة فوقفت . تذكرت ملاعب طفولتي... الأصدقاء... وبرز شبح أحمد ابن المختار برفقة عمتي بتول وأخي رحيم، فبكيت.. وأصبح طيف أحمد أكثر حضوراً وهو يأخذ بيدي ويقودني....!
سرت بعد دقائق، فوجدت بانتظاري جمعاً حاشداً يقف عند مشارف البيوت وعلى عتباتها، وبقرب مقهى نصار، بحيث ازدحم بهم الممر الترابي الضيق.
استقبلني بعضهم بترحاب بالغ. وأمطرني آخرون بالقبل، وبأسئلتهم اللحوحة المستغربة:
-مضت خمسة أيام على غيابك! أين كنت؟ ماذا قال لك الطبيب؟ لم أنبس بحرف، مما زاد في استغرابهم. اكتفيت بالتطلع إلى وجوههم الصفراء المرتعبة، بحثاً عن وجه أمي. وحين لم أره بينهم تقدمت متثاقلاً، فأفسحوا لي لأمضي بعيداً.
تركتهم في حيرة. ومررت على دكان عمي حسن لأحلق رأسي. لكني لم أدخل لرؤيتي سعدو جالساً بين يديه. سلّمت وابتعدت قاصداً دارنا. أحسست من خلال نظراته ونظرات زبونة القلقة أن هناك أمراً غير طبيعي، لم يخامرني شك في سلامة عقلي، بل خفت على أمي وتلبّسني الذعر...
على امتداد الدرب احتشد الصبيان يتفرجون عليّ، بينما يتقافز الدجاج قربهم بحثاً عن طعام! مما زاد في ذعري، الذي سرعان ما تلاشى.
فعلى العتبة العريضة وجدت أمي تفترش سجادة صلاتها الصوفية تتربع، تسد الباب بجسدها القصير النحيف. المغزل الرفيع يدور بيدها وكيس الصوف ملقى جنبها كخروف صغير!
رأتني فنهضت، أخذتني بالأحضان وشرعت تبكي بدا وجهها الجميل يكتظ بالحزن والأسرار. تشع فيه عينان ثابتتا النظرات، تقرأ فيهما تأريخياً طويلاً من المعاناة والشقاء.
بدل أن أمسح دموعها المتقاطرة، وقفت أمامها كالصنم، بانتظار أن تتزحزح وتفسح لي المجال لأدخل وأستريح، وأستبدل ملابسي بعد أن بللني العرق إلا أنها لم تفعل! حتى أنها لم تدعني أتفوه بكلمة. كنت غاضباً ومتوتراً وتمنيت لوانها تتركني وشأني، ولا تبدي كثير أهمية لعودتي، وتستمر في غزلها دون أن توليني أي اهتمام... ظهر سرورها برؤيتي واضحاً، فآلمتني... وذاب ما بي من غضب وتوتر، وتلاشى. واستلهمت الشجاعة من عينيها اللتين تفحصتا في بروية وحنان، واستفسرنا بهلع ومن خلال الدموع عما حصل لي في أربيل، وَلمَ عدت هكذا بسرعة ... فقلت: أنا بخير.يا أمي... بخير...
داخلها الاطمئنان فاستبشرت أساريرها. أنتشيت بدوري حالما رأيتها تبسط كفيها رافعة بصرها إلى السماء تشكر اللّه.
-لم أتأخر.. لم أرغب في البقاء أكثر من هذا.
أظهرت استغرابها. فأردفت.
-فكرت بك يا أمي... بوحدتك..
أعياني التعب، وفترت قواي خفت أن أتهاوى مجبوراً متهالكاً فسمعتها تستفسر بلهفة:
-هل وجدت عملاً؟ هل حصلت على مال؟ أجلبت معك شيئاً من خالتك؟
-لا يوجد في جيبي فلس واحد.
غاظها ردي. شعرت بخيبة حقيقية فعادت تستفسر:
-عجيت! ولم عدت إذن؟
-جلبت معي هذه الأوراق.. عدت من أجلها..
تسمر فكها عجباً للحظات. غير أن الشفتين اليابستين ارتعشتا قليلاً وتساءلتا بمرح:
-أوراق! أتطعمنا أوراقك هذه؟
-نعم... وسأتزوج بها...
بهتت، تطلعت إليّ بعينين ذاهلتين. وتحركت شفتاها من جديد وانفرج بالتالي ثغرها، لتنطلق منها ضحكة مدوية..
قهقهت حتى ترقرق دمعها! ثم أعقبت بتوضيح ساخر:
-تتزوج؟ مليحة الجرباء رفضت تزويجك ابنتها!
سكتّ، فاستمرت بسخريتها المريرة. تركتني وتمددت على السجادة دلالة الغيظ، وباغتتني بسؤالها القاتل:
-فمن تقبل بإفلاسك وبسواد...؟
-هدهد.
أجبتها، فجنت! لم تصدق. رأيتها تقفز قاعدة وتهبد بيدها فوق صدرها. وفي غمره غيظها تساءلت بقرف وضيق:
-هداية العمياء؟!
ألمني ما سمعت ولم أشأ الدخول معها في نقاش عميق، وعقيم فهي أمي وأنا مرهق والكلام لا يسد جوعاً، قلت بحزم:
-هي بذاتها... وسأتزوجها بعد غد...
أذهلتها... حدقت فيّ بعجب، راحت لثوان تنظر إليّ نظرات ملؤها الوجل والريبة. وحين لحظت جديتي عادت لتتأكد:
-هداية!! هداية العمياء؟! بماذا ستنفعك. وتنفعنا؟ كدت أصرخ بوجهها "إن ابنك مكره لا بطل" لكني عدلت:
-استغفري ربك يا أمي... أنت تكفرين! ألم تعلميني بوجوب شكر الخالق وتحذريني بألاّ نعيب على المنقوش. وحاشا للّه أن نعيب على خلقته، جلت حكمته! ما ذنب المسكينة هدهد، إذا فقدت بصرها في ضربة حاقد؟ وكلنا معرضون لأن نصبح مثلها... تصوري موقفك، لو جاءت الضربة على رأسك؟
صفنت تستوعب المعنى، ولأنها تعرف مدى إصراري، وتشبثي بكلمتي، تراجعت عن سخريتها وغيظها، وأعلنت بصدق:
-لا يا بني... لا... إنني أمزح... أنت سيد العقل، والمال ليس كل شيء في الحياة.. سأكلم الحاج صالح بنفسي... فشذى لن تجد أفضل منك... وهي تنتظر موافقتك.. سأكلمها بعيداً عن عمتك... رقص قلبي لذكرياتي مع شذى، كأنه معلق على جناحي طائر.
-لا تتعبي نفسك... فانا لا أريد شذى.. لا تكلميني عنها ثانية... ثم أنت تعرفين عمتي جيداً، إنها طامعة في بيتنا... وهي لا تحبنا لن ترتاح لي، ولن تتركني أرتاح... هذا إذا وافقت..
-صدقت... مليحة، لئيمة حقودة، وغيور... وعادة البدن لا يغيرها إلا الكفن...
لم تبدأ أمي كامل استسلامها، وإن نطقت بكلمة حق بسبب كراهيتها لعمتي.
حين تركت المستشفى أيقنت أن هدهد، هي الفتاة الوحيدة القادرة على انتزاع الكمد القاتل من قلبي، وإزالة الغمامة السوداء من نفسي، أو تخفيف وهجها على الأقل.
-ماذا جرى يا بني؟! ماذا بك؟ أين عقلك؟
-تركته عند أختك الكاذبة. وأخذت هذه الأوراق بدله.
-خالتك مريم! ماذا حدث بينكما؟ ألم تكن عندها؟
-لم تبقني في بيتها ساعة واحدة! سحبتني بأمر الجمولي الحرامي إلى المستشفى... وتركتني هناك وحيداً ككلب أجرب!!
-لماذا؟! ما الذي حصل؟
-لماذا! كأنك لا تعرفين أخلاق أختك وزجها؟
ما أردت الذهاب معها لولا عنادك. أنت سبب كل ما حصل لي...
صمتت يلفها الندم، كمن يسترجع الذكريات ويتحقق من صحة المعلومات التي تلقاها.
-وكيف جئت إلى هنا؟
-جئت مشياً.. سرت على قدمي، الطريق كله...
-لا بدّ أنك هربت... ماذا قال لك الطبيب؟
أصمت منكسراً... فتكمل بحنان ولهفة:
-اخبرني..
-قال لي: وسواس... تزوج يا كاكاحمه فتتخلص من وساوسك...
-تتزوج! من أين؟ أتظن الزواج لعب أطفال؟ وها أنت تعود حافياً "لا من قدام ولا من ورا غير الهوا" ضحكت... وصفقت باستهزاء... فآمتعضت وأوضحت لها:
-لا ياأمي... لا تقولي هذا... لا تنسي حكمة أبي "من عامود إلى عامود يفرجها الرب المعبود".
-آمنت باللّه.. لكن..
-جئت يا أمي لآخذ حقي... وسترين... كيف سآخذه.
أخبرتها بثاني المشاريع ففغرت فمها مستغربة:
-إنه شرع ربنا، ولا يمكنني التفريط به، سأخذه فأطمئني.
-تأخذه ممن كان يعرف  اللّه ويخشاه... لا من السلماني!
-سأفقأ عينيه، ثم أتزوج.
وكأنها لم تستسغ حديثي سارعت تسأل:
-وماذا نقول لعبد اللّه المختار؟ كيف ستواجهه؟
إنه يحبك يا بني...
-وما دخل المختار يا أمي؟! أنا لن أتزوج خطيبته!
-كن عاقلاً وأجل الموضوع. لم تنته أربعينية الحاجة..
ولا أظنه سيوافق على زواجك..
-يا أمي، مختارنا أعقل مما تتصورينه. أمه عجوز، ماتت بعد أوانها بخمسين عاماً.
-عجوز!! أنت لا تحبها. وربما ماتت بسببك أنت... لقد آذيتها كثيراً..
ضحكت.. أدركت قصد أمي، غرضها الواضح، سعيها لعرقلة زواجي. فهي لم تكن في يوم ما على وفاق مع العجوز المتوفاة.
تذكرت شعيرات شارب المرحومة. ولحيتها الناتئة ببشاعة والتي كانت تغريني على أذيتها بكل السبل. وتدفعني إلى اقتلاعها بيدي نتفاً كنت أتسلل خفية إلى مطرحها، أثناء غفوتها. وانتزع الشعيرات انتزاعاً، غير مبال بصراخها وبالألم الذي أسببه لها.. وآخرها قبل ثلاثة أشهر، حين جئت في آخر إجازة عسكرية.
قبل تسريحي من الجيش... تذكرتها وتذكرت جلادة المختار... ومرقت أمامي صورة أحمد، الذي ذبحه. ليحافظ على شرفه، وليبقي رأسه مرفوعاً...!
لم أجد الرغبة في الخوض بما لا أحب. ولم أكن مستعداً لكشف أوراقي وفضح أسراري لأحد، حتى لأمي. انتهى كل شيء... انتهى حسب توقعاتي... انتهت أيام النعيم والشقاء، ولم يبق إلا مسك الختام، والحمد للّه الذي لا يحمد على مكروه سواه.
ثم أن ما جرى لي يخصني وحدي، وحالتي لا تسمح لي بمزيد الكلام والتوضيح. فأنا متعب وجائع. مشيت مسافة طويلة ووجب أن أخلد إلى الراحة. أستريح وأهدأ، فمشواري القادم أطول... مشوار العمل والجهد.. عدت لأعمل لا لأتحدث وأضيع وقتي... أمي تريد قتل ساعاتها الطوال في اللغو والثرثرة. كأرامل قريتنا الشابات، الجميلات. وأنا لا وقت عندي.. لا وقت.
أزحتها جانباً ودخلت. اتجهت إلى غرفتي، فواجهتني لوحة الميداليات. القديفة الحمراء المزركشة المؤطرة. وتحتها انتصب رف الكؤوس... كدليل ساطع على بطولاتي. وحولها توزعت عشرات الصور التذكارية، صور المسابقات والمهرجانات الرياضية وفي الوسط علقت صورتي الكبيرة في إطار من خشب. حفرت في جانبيه أغصان وورود ملونة.. بقايا ذكريات بادت وأيام قضت. تحسرت على الشباب... وندمت لأني لم أحسن التصرف.
دسست الملف تحت الفراش، غطيته جيداً. وأبدلت ملابسي ثم استلقيت على سريري، أنفس عن كربي وأتنفس الصعداء. جالت عيناي في أرجاء الغرفة الصغيرة. لم يكن هناك ما هو غريب خزانة ملابسي، سريري، مشجب، منضدة وضع عليها راديو أبي الكبير العاطل، وساعة دائرية لا تعمل. كان لها جرس تنبيه أخرسته ذات يوم بضربة كف. وعلى الأرض بساط صوفي حاكته أمي قبل زفافها، وتقويم قديم ملون.
لحقت بي أمي مع مغزلها. جلست عند رأسي تسأل وتستفسر. وتوقعت أن تستمر أسئلتها. وخفت أن تستدرجني وتكشف ما بي. كما خفت أن يزل لساني دون إرادة مني، فيبوح لها بما يؤذيها ويجرح فؤادها. وربما يزيد في آلامي.. وأنا الذي أقسمت على الصمت ما دام أحد لم يعرف شيئاً بعد...
استويت قاعداً وخاطبتها بلهجة صريحة وقاطعة:
-اسمعي يا أمي، اذهبي الآن إلى الخانم. أبلغيها سلامي وخذي منها ثوبين صالحين، لفيهما بكيس. واذهبي إلى عم مصطفى. اخطبي لي هدهد. وأخبريه عن لساني، بأني قررت أن أخصي له ثور السلماني وأحفر البئر بنفسي. وسأزوره غداً لأزف له بشرى خاصة.
لم تفهم ما عنيت. ضربت الأرض بقدمها وصاحت موبخة: -أأجننت؟ أتتصورني طفلة أتصرف بمشورتك. أتظن الذهاب إلى الخانم أمراً سهلاً. ثم من قال لك إن مصطفى سيقبل بك؟
-سيقبل يا أمي، فإذا أطعمت الفم تستحي العين. قولي له إن كاكاحمه يسلم عليك بسند الجمولي، وسيكسر رأسك!! إذا امتنعت...
-سند الجولي!! أي سند؟ ماذا تعني؟
-لا يعنيك الأمر يا أمي، أرجوك اذهبي... هيّا..
انتابها الشك في سلامتي. فهذا أمر لم يكن في الحسبان اطلاقاً. مسكت رأسها بحيرة وقالت:
-يا بني، العرس لا يتم هكذا... فلا تستهن بتقاليدنا. فاردمي، شعرت بنوع غريب من التمرد النفسي، فضربت وبشدة حافة السرير بقبضتي وصحت:
-تقاليدنا!! تقاليدنا!! مالي وتقاليدكم؟ كل ما أرغب فيه، أن يتم زواجي بسرعة... بسرعة! هل كفرت؟! أردت القول "فلا وقت لديّ كي أضيعه" لكني سكْتّ. بانت حيرتها، وكنت حائراً مثلها. ويعتريني شعور دفين بالحزن عليها أكثر من الحزن على شبابي.
فضلت التراجع عن غضبي كي لا أجعلها تغوص مثلي في أوحال عذاب مستديم.
تنهدت لأروح من غيظي. إذا إن واجبي يحتم عليّ الهدوء والالتزام بأبسط نصائح الطبيب، قبل أن تعاودني الحالة من جديد. فالصداع الذي استعمر رأسي ولم يتركني منذ كأس العميد، لا يرحم. وإذا ما عاد فسيطرحني في الفراش ممزقاً، محطماً لأيام... لا يعلمها إلاّ اللّه.
-اذهبي يا أمي. أرجوك دعيني أرتاح قليلاً. وسأذهب إلى الملاّ بعد أن آكل..
زفرت بحرقة وكشفت عما بها من مرارة:
-تأكل!! ماذا تأكل؟ لا يوجد في البيت شيء يؤكل. ولا أملك درهماً لأصرفه عليك.
صعقت! أيعقل أن يفرغ بيتنا من الطعام؟ وتفرغ جيوب أمي من المال؟ بيتنا الذي كانت عمتي تصفه بأنه أفضل من دكان زوجها! وأمي التي وعيت على الدنيا وجيوبها ملأى بالدنانير... وصدرها يضج بلمعان القلادتين، وتحتشد الأساور والمعاضد الذهبية بمعصميها!
التقت نظراتنا المستغربة الحزينة فأكملت ودمع غزير صامت ينساب علىخديها.
-لم أبع صوفي بعد. وأختك لم تذكرني منذ يومين!
-ألم تقصدي دكان الحاج صالح؟
-استحيت... كثرت ديوننا.
-وعمي!! ألم تذهبي إليه؟
-عمك حسن ليس أحسن منا. دكان الحلاقة لا يدر ربحاً. ولولا الملاّ لهلك... ثم إننا أثقلنا عليه..
دخت. أمسكت رأسي دهشة وقنوطاً. وقبل أن أقع في شر الاضطراب تماسكت وطالبتها بهدوء:
-إذن اذهبي إلى ملاّعطا اللّه. اخبريه أننا جياع، ليزودنا بمؤونة الشهر. وأعلميه بأني سآتيه بعد صلاة المغرب لآخذه إلى بيت عم مصطفى لنكتب الكتاب... فليكن مستعداً، وليحضّر شاهدين... هيّا توكلي على اللّه...
لحظت ترددها، فلم أتحرج. زفرت بعمق ورجوتها:
-يا أمي، دخيل اللّه لا تؤخريني... أمامي عدة أعمال. لا بدّ من إنجازها... لا بدّ توكلي على اللّه وانهضي..
تمعنت في وجهي بأندهاش صارخ، كأنما تراني لأول مرة في حياتها. حاولت أن تستوضح مني إلاّ أن طبيعتها الهادئة ألجمت اندفاعهما في التصريح عما تحس به.
-قولي له: إن كاكاحمه يعرف كل الحيل والآلاعيب جيداً. لذا فهو لا يحب سماع "أعطونا مهلة نأخذ رأي البنت وأمها" أو"دعونا نستشير ونأخذ خيرة" لا يحب.
أدركت فشل محاولاتها فتركت مغزلها على الأرض، وابتعدت قليلاً.. ثم فرّت من أمامي كغزالة مذعورة. الجوع أشعرني بصداع! بداية صداع قد يهدني. وعلى غير ما تعودت، قررت التخلص منه بنسيانه. فبدل أن أدس رأسي بين وسادتين أرتجف وأبكي، رحت ألوب في أرجاء الدار. لم أرد البقاء طريح الفراش، لا أقدر أن أرى نوراً أو أسمع ضجة لدقائق، بقيت أذرع فناء الدار جيئة وذهاباً. استرجع لحظات سوقي إلى الخدمة العسكرية كجندي مكلف. واختياري من قبل "العريف إسماعيل مونرو" للاشتراك في ألعاب القوى وساعات التدريب الشاق وفوزي المتكرر، لسنتين متتاليتين بالمرتبة الأولى في كل المسابقات.
هدأت وخف الألم. ولم أجد مفراً من المضي إلى بيت المخرف، لأعاتب بشيرة ولأستفسر عن عيسى، ولأتناول عندهم ما يمسك رمقي. فأمي ستتأخر دون شك...
سرت بسرعة، لم أبال بتحيات من قابلني. ولم أرد على سلام أحد منهم. حتى أني لم أجب على أسئلتهم...
كان بيت المخرف في نهاية الطريق الرئيسي، واسعاً، متميزاً بلونه الأبيض. تحيطه حديقة عامرة مسوّرة بأعمدة خشبية متينة، يليها نبات الآس ذو الرائحة الطيبة. وتظلل بابه العريض عريشة عالية من الكروم. تحتها مدت حبال غسيل نثرت عليها ملابس ملونة زاهية، وعلى خشب السور غسيل منشور بكثافة.
لفت نظري منظر الدجاجات وهي تنتشر بكثرة، تدور هنا وهناك وعلى قرب كانت مجموعة من عصافير الدوري تغمس مناقيرها في الطشت النحاسي. فتمنيت اقتناصها وأخذها إلى أمي لتشويها في التنور.
استقبلني أطفال بشيرة الثلاثة تسلقوا ظهري وكتفي كالقرود، فرحين مستبشرين. وخرجت الكبرى حنان تحمل الرضيع سامر شبه عار. أردت توبيخها بسبب برودة الجو، فلاحظت بقعاً حمراء على جلده. وهممت بسؤالها عن سر ذلك فشاغلتني انهمكت في تفتيش جيوبي مستفسرة: -ألم تجلب لنا حلوى يا خالي؟
-خالكم المحترم لا يملك سوى قلاقيله.
أجاب عني صوت هازئ ناعم التفتّ مدهوشاً فشاهدت افتخار تطل من الباب الداخي، وتقترب مني. سر قلبي لرؤيتها وانتشت روحي. بدت نوعاً فريداً من النساء، لم تألفه عيناي في القرية، أصلحت هندامها ورجّلت شعرها فغدت أكثر نضجاً وفتوة!
راقبتها وهي تقف ضاحكة. تشد على يدي وتهمس مازحة
-أهلاً بالغائب الهارب!
وكأنها لاحظت ضعف شهيتي للكلام، وقلة انتباهي.
أشارت إلى أطفال أختي بالانصراف ولكزتني بمرفقها.
-تعال، أنا في شوق إليك.
-عدّت للتحرش بي! ألا تكفين عن ذلك؟
ضحكت من غمازتي خديها وهمست بمحبة ودلع:
-الحب ليس حراماً يا كاكاحمه!
ما زالت ابنة المخرف تستحم بمياه الذكرى، تتعلق بخيوط الشمس الواهية، وتحبني إلى درجة الأحلام. لقد أحببتها بدوري، وسأبقى. فهي لم تزل كما كانت دائماً تضج بأنوثة صارخة. كنت ولم أزل أشتهيها. وحلمت بالزواج منها... لكن اللّه غالب على أمره!
قبل أن أعلق هدر صوت المخرف الأجش، يستفر بآزدراء
-أهذا ابن خجة؟ ماذا جاء يفعل؟
-جاء بتوكيل من عزرائيل ليقبض روحك.
صاحت افتختار وهي تمد رأسها صوب الداخل... سمعته يسبها، فسألتها:
-ألم يمت بعد؟
-أبي لن يموت إلاّ بعد أن يقبرناكلنا.
-اللّه يشفيه ويعافيه.
-قل يقصف عمره ويأخذ أمانته ادع يا كاكاحمه، دعاء الشريف مستجاب.
-هل رشرش الصالة؟
أخرجت حشرجة من حلقها ودمدمت.
-الصالة فقط! بوله غطى البيت كله. ما عدت أطيقه، ما عدت
استشعرت عذابها فسألتها وهي تسحب لي كرسياً، من الكراسي الستة القديمة، المصنوعة من خشب الجوز المصفوفة في الممر.
-ألا تساعدك بشيرة؟
-بشيرة!! اللّه يساعدها ويعينها على أطفالها الخمسة بسببهم ستجن. يكفيها همّهم وهمّ أخي المحترم يحيى، ثم إنه أبي... وأنا أولى بالعناية به.
استأنست بحديثها فقلت وأنا أجلس أمامها مباشرة.
-بارك اللّه بك.
ارتاحت لجوابي فقربت كرسيها مني وتساءلت بمكر:
-أجئت من أجل عيسى حقاً؟ قيل لي إنك سألت عنه.
هل جلبت له أمر التعيين كما وعد الجمولي؟
هززت رأسي نافياً وتمنيت أن أسمع منها ما يفرحني لأبدأ مع أخيها بتحقيق الأمل الذي راود خيالي وسكنه، منذ كلمني مجيد عن الفائدة الكبرى، والذي فكرت به أكثر من أي شيء آخر، وباهتمام فاق تصوري.
-ذهب إلى بغداد ليشتري كتباً جديدة، ليتثقف! لأن شهادة دار المعلمين لم تكفه! أخذ حفنة دنانير من أبي!
-هل يطول غيابه؟
-لا بالتأكيد... ستجده هنا الأسبوع القادم، لكن، قل لي ماذا تريد منه بالضبط؟ إذا كنت تريد أن تفتح له مدرسة هنا، ليكن في علمك إذن... إنهم لا يسمحون لك..
أزعجتني بسخريتها المريرة، فحاولت التهرب من ذلك:
-وأين بشيرة ويحيى؟
-أختك في مملكتها. واللّه، دخلت المطبخ منذ الصباح، ولم تخرج بعد! سمعت بعودتك وأرادت المجيء إليكما فلم تجد الوقت... وأخي خرج بعد الفطور ولم يعد بعد!
-ماذا طبختم اليوم؟ أنا جائع..
-حاضر... على رأسي وعينيّ الاثنين.
-أريد شيئاً خفيفاً.
حركت حاجبيها دهشة وضحكت:
-أراك مستعجلاً!
لم أحب المراوغة والكذب قلت:
-سأخطب هدهد الليلة.
بهتت لحظة ثم أفلتت ضحكة هازئة، كأنها هجست "دعابتي" فلم أجد بداً من مصارحتها دون تردد:
-وسأتزوج غداً.
صعقت، تطلعت إليّ بعجب. قرأت تصميمي وتأكدت من صحة كلامي. فأربد وجهها وأسوّد. ولاح لي أن حزناً غريباً يطل من عينيها، حزن الإحباط قبل أن يتملكها الغيظ وتصيح باستخفاف:
-هداية؟! هداية؟!
يبدو أنني تعجلت بنثر "قباحتي" أمامها وما عاد هناك من مفر. أجبتها:
-نعم، ابنة عمي مصطفى.
أطلقت صفير استهجان وسخرت:
-عمك!! عمى اليعميك..
بعدئذ اختنق صوتها وانطفأت الكلمات فوق شفتيها وبينما لفّها الذهول والصمت رحت استعرض بدايات حبنا كيف صارحتها بحبي واتفقنا على الزواج وتعاهدنا. كنا ننزوي هنا وهناك بناء على أمرها ورغبتها. تنسل قربي وتسحق نهدها البارز على كتفي وتروح تغمر وجهي بقبلاتها النارية.. وكنت دائماً آستأذنها وأخذ شيئاً من الحساب.
فجأة، نطقت بصوت مخنوق:
-أتتكلم من عقلك؟
-لا... من بطني.. ألم تسمعي جيداً؟
آستاءت من سخريتي. لم تستطع إخفاء نظرة حزن هاربة من حدقتيها، وهي تلجأ للملاذ الأخير كحل، سعياً منها للعرقلة، تماماً كما فعلت أمي:
-والمختار!! ماذا تقول له؟
-سأكلمه.. وسآخذ موافقته.
-ألا حرمة للموتى لديك! إنها جدتك!
-أخت جدتي.
اكفهر وجهها بسبب الفشل. وكدت أصيح "ابتسمي أيتها الحبيبة، فالأبتسامة تزيد الوجه إشراقاً".
تملكتني رغبة جامحة في معانقتها، احتضانها وإعادة علاقة استمرت سنوات وانقطعت قبل أشهر. إنها حبيبة القلب الأولى. أحببتها من صميم قلبي وحلقت معها قبل مرضي، على متن آمال عراض... وأمي تعرف ذلك، لكنها خطبت لي شذى بنت عمتي نكاية بالمخرف.
لقد سمنت افتخار! والمرأة تسمن ما دامت في البيت، وتسمن أكثر في الشتاء. لكن هل ستبقى على ما هي عليه الآن بعد الذي سمعته؟ وبعد زواجي؟
ابتسمت لها وانتظرت استجابتها. ترقبتها بأمل. وفهمت مرادي وبدل أن تستجيب لاحظت انفعالها، أرتعاشة شفتيها اختلاج خديها واصفرار عنيها. وحسبت إنها ستهدأ سريعاً وتستكين وتتخلص من دوامة الصعقة. فإذا بها تزمجر مغتاظة:
-أين وعودك لي؟ سلمتك نفسي يا كاكاحمه!
-لم يتعد ما بيننا القبل.
-أتظنها لا تكفي للذبح؟ لو علم إخوتي بها لذبحوك قبلي ذات مرة، لمحنا يحيى ونحن نتبادل الحديث همساً، تحت العريشة فغض الطرف عنا. لاحظته أنذاك، وهو يبتعد خفية حتى لا يشعرنا بوجوده، ويحرجنا... لكن يوسف القصاب لم يسكت حين رآنا. صارحني علانية "إنني أشعر بالقلق كلما لحظت النظرات الغريبة التي تتبادلانها. ولن أسمح لكما بالانفراد".
أحسست بقلبي يغوص في صدري... فحدثتها بصراحة. فلم يكن أمامي إلاّ جرحها بصورة مؤقتة بدل تحطيم حياتها.
-صحيح أنني اتفقت مع يحيى على الزواج منك، لكني فكرت فيما بعد، فوجدت أن العقل والمنطق يمنعان زواجنا... فأنت أكبر مني بخمس سنوات.
أسقط في يدها فشهقت:
-عجيب!
وبدل أن تنخرط في البكاء افتعلت نبرة هزء في صوتها ونهرتني:
-الآن عرفت يا شاطر! ألم تعرف من قبل؟
-لا أريد ظلمك يا افتخار، فأنت شابة طموحة، ربما لا تحتملين إفلاسي ومرضي.
كشرت عن أسنان لؤلوية وبسطت راحتيها راضية مستأنسة وأعلنت:
-أنا موافقة على كل ما بك يا كاكاحمه... موافقة...وأبصم لك بالعشرة... أنا...
اختنقت لفظة (أحبك) في حنجرتها.
-وأنا لا أملك كما تقولين سوى قلاقيلي. وهدهد لا تحتاج إلاّ لهما.
استولت على روحها قبضة خانقة فزفرت بحدة، ثم فركت صدغيها بسبابتها والوسطى وتساءلت:
-لِمَ جعلتني انتظر كل هذه المدة؟!
سكتّ فطفرت حبات الدموع من عينيها المكحلتين، وسال الدمع الأسود فوق خديها، راسماً خطوطاً رفيعة، دروباً طويلة كطرق مظلمة، فآلمني منظرها لكني لم أظهر ليونة، صحيح إنها ستظن وتظن، ولكن سرعان ما تتأكد من بطلان ظنونها لذا تابعت "وقاحتي" كي أدخلها في يأس تام.
-أمي تقول: إن من يتزوج امرأة تكبره سناً يموت قبلها.
-كذب... لعنة اللّه على أمك. تزوج سيدنا محمد (ص) السيدة خديجة وهي أكبر منه، وماتت قبله! وخجة! كانت أكبر سناً من أبيك؟!
أردت ردعها برد يفحمها. غير أني لم أجد ضرورة لذلك تراجعت، وتلافيت زلة لساني. استطعت أن أسترد الكلمات قبل انزلاقها.
غمرتها الكآبة والخيبة وهي تقول:
-أنت تخشى أخوتي، فتتهرب مني..
-أعوذ باللّه.. ولِمَ هذه الخشية؟! لو أردتك يا افتخار لأدخلتك الغرفة الآن.
شع جبينها بالفرح وفي أعماقها صرخ صارخ يعلن رغبتها في تحقيق ذلك، وإن تظاهرت بالسخرية.
استهزأت مني بلسان متلعثم. ووقفت مطوقة خصرها وكأنها تتحدّاني ولسانها يلهج خفية "لو كنت رجلاً بحق فنفذ ما تقول... افعله بلا تردد..."
-أليس صحيحاً ما أقول؟
سألتها فرفعت رأسها بكبرياء مشيرة بالنفي وزعقت:
-أتظنني "هبة الغجرية"؟!
راحت تتكلم وتتكلم. ولم أسمع كل ما قالته. شعرت بالصداع وخفت أن يعتريني الدوار الشديد. فمعدتي بدأت تعضني من الجوع. حاولت إخفاء ارتعاشة شفتيّ ويديّ بسبب وجيب القلب المتصاعد. إلاّ أنها فطنت لم يغب عنها شيء من ذلك.
-ما بك؟ إنك ترتجف! وثمّة حمرة في عينيك... "هذه مصيبتي يا افتخار... أرجو أن تفهمي"
خاطبتها في سري وأجبتها بلساني:
-ليكن، شيء من الراحة بعد الزواج سيعيد إليهما الصفاء، والنقاء تلعثمت وسألت بخوف:
-ألم يصف لك الطبيب دواءً؟
ابتسمت بمرارة وأجبتها مستهدفاً قتل آخر طموحاتها:
-وصف لي الزواج! قال: تزوج. وسأتزوج هدهد.
-مبروك مقدماً..
همست رغماً عنها، فعبرت عن أمتناني بارتباك.
-شكراً..
-يجب أن تدعوني إلى العرس... وإذا لم تفعل سأجعلك تندم وحق اللّه... يا عريس الغفلة...
لم يتسنّ لها سماع جوابي. إذا جاءت بشيرة تحمل همومها. وشرعت حال جلوسها في تقديم الشكوى. والحديث عن مشاكلها فتذرعت افتخار لتبتعد.
-سآتي لك بشيء تأكله... وأعمل... كأس شاي...
تمنيت أن تبقى للحظات أخرى، لكنها راحت تتعثر بأذيال ثوبها. وتعلق بصري عليها وهي تؤوب بانكسار، دون أن تلتفت، حزنت لحزن افتخار، أدركت أنني آلمتها، قسوت عليها وما كان أمامي حلاً آخر تسببت في أذيتها رغماً عني، ولصالحها فأنا أحبها ولا أريد لها أن تشقى وتتعذب مثلما أشقى وأتعذب... فسأرزح تحت أثقال من الهموم قبل أن أمضي خفيفاً مثل الحلم.
كلمات بشيرة الكثيرة المتلاحقة، وحركاتها المثيرة للشفقة أيقظت شرودي.
-ضجرت يا أخي، ضجرت وحق اللّه. ما عدت أحتمل أكثر. هذه السنة الرابعة عشرة. وما زلت قابعة في هذا الجحيم خادمة، ذليلة.. قال لي يحيى: سنة واحدة ونستقل في بيت، وحدنا! حنان، كبرت... صارت امرأة. جاءها أكثر من خاطب... أنت أخي الوحيد فأنقذني... دبرّ لي حلاً...
ضحكت من هلوستها التي لم تنقطع منذ زواجها.
وكالعادة، لم أر غير المزاح، أخفف به عنها.
-يا بشيرة، جئت لآكل لقمة ولست حلالاً للمشاكل.
-أجئت من أجل الأكل؟
استفسرت بامتعاض. فأجبتها:
-ليس في بيتنا شيء يؤكل. فجئت لعتابك. منذ متى لم تمري على أمي وتتفقديها؟
فهمت ما أقصد فآنفعلت. أبدت تذمرها دون حياء:
-أمي!! أمي!! كأنك لا تعرفها فصدقتها. ماذا أفعل وهي لا تقبل أن تأكل في غير بيتها! ولا ترضى بأن تُمد لها يد المساعدة وترفض أي شيء من بيت عمي وعمتي؟!
بكت بحرقة وأسهبت في شرح مأساتها:
-هي وحدها وأنا برأسي أحد عشر نفراً..!
-اطمئني... المخرف سيموت قريباً... فأصبري.
استخفت نصيحتي وبربرت، ووجهها يحتقن غضباً.
-هذه الأسطوانة المشروخة سمعتها آلاف المرات، قبل الآن. ولم تتوقف منذ خمس عشرة سنة. وها هو عم عثمان أمامك بحول الحي الرزاق أقوى من كاوا الحداد. ماتت عمتي أم يحيى غماً وكمداً. ومات أبي بسببه. وبقي هو من أجل عذابي، ليس إلاّ... قل لي ماذا أفعل؟ أخبرني، انصحني. أريد أخذ راحتي... فكفى عذاباً... كفى...
أزعجني إلحاحها فسألتها:
-أيستطيع يحيى أن يفتح لك بيتاً مستقلاً؟
زاغ بصرها إلى السماء وهتفت برجاء:
-يا ريت، أقبل ولو غرفة واحدة... فكوخ يضحك خير من قصر يبكي... ثم لوت عنقها بقهر كأنما تذكرت الحقيقة وأكملت:
-يحيى لم يزل يأخذ مصروف جيبه من عمي.
-وإذا استطاع، فبالتأكيد لن يتمكن من توفير نصف ما يتوفر لك الآن من طعام.
ضربت كفاً بكف وشهقت:
-أنا لم أشتك من قلة الطعام... فالخبز وفير والحمد للّه، وعمي والشهادة للّه لم يبخل علينا بشيء، إنه يصرف دونما حساب.
-جيد. أنت تمتد حين الجانب الطيب منه. إذن فعليك التحمل...
-إلى متى؟
-هل تمنع افتخار عنك الطعام؟
-لا.. إنها أخت وحبيبة..
-أيؤذيك أحد؟ هل أسمعوك ما لا يليق... ما يخدش الحياء؟
-لا.
بكت وهي ترد، عضني الجوع فأحسست بالضعف، ثم بوجع القدمين، وارتخاء في الأعصاب، مثلما شعرت بالضيق من حديثها الممل.
-هل يقصر معك زوجك بشيء؟
أخجلها سؤالي فركبها الحياء وغمغمت:
-لا..
-إذن اخرسي. اقفلي فمك ولا تكرري عليّ أقوالك التافهة. وأحمدي اللّه، وأشكريه على هذه النعمة المباركة... وتأكدي أن عمك المخرف سيموت يوماً...
لابدّ أن يموت وعندئذ سيرث زوجك ثروة طائلة...
قدمت حنان بصينية الأكل. تناولتها أمها ووضعتها أمامي على أحد الكراسي، وهرعت الصبية إلى الداخل كالمهرة. تناولت لقمتين أو ثلاث. ثم تركت كل شيء ونهضت استغربت بشيرة:
-أنت لم تأكل شيئاً!
-أشبعني لغوك الفارغ.
عادت حنان تحمل الصغير سامر، وهو عاري الساقين:
-أبق أشرب الشاي يا خالي. ستجلبه عمتي.
-لتشربه أمك...
كنت مرهقاً وعلى يقين أن عشرات من كؤوس الشاي وفناجين القهوة، لن تفلح في إخراجي من حالة الإرهاق.
-أضجرت مني؟
لم أجبها، تطلعت إلى ساق الصبي وعجبت:
-ما هذه البقع على جلد ابنك؟
تنهدت بشيرة بعمق وأجابت:
-إنها خير دليل على بؤسي وشقائي. هذه من أثر "الشوطة" رضعته من صدري وأنا في قهر وغضب.
-عليك بفوح الرز اغسليه لمدة أسبوع وسيزول كلياً.
-يا ما شاء اللّه... صرت طبيباً!
سخرت وهي ترافقني إلى باب الحديقة.
-أرسلي دجاجة إلى البيت... نظفيها جيداً..
-حاضر... سأبعث اثنتين...
-ليمر عليّ يحيى غداً صباحاً... أريد رؤيته لأمر هام.
-عيسى أم يحيى!
سمعتها تصيح بدهشة وأنا أبتعد.
خطر على بالي الملازم علي. فرددت لازمته المحببة.
"العصفور لازم يشق الريح"
وعليّ أن أفعل ذلك..
في الطريق إلى البيت رأيت بقرة سعدو، ممددة وبجانبها وقف ابنه راضي يرمي كلب نصار بأحجار صغيرة ليبعده عنه.
تطلعت إلى السماء عليّ أرى الغيم الأسود. فها هي البقرة المتمددة تنذر بسقوط المطر... تتنبأ به... راقبت الصبي. أعجبني تصويبه، دقته المتناهية! وراقبت الكلب. ابتعد قليلاً، رفع رجله وبال.. ثم هرول باتجاه المقهى ففرت في تلك اللحظة جوقة من العصافير. تنسمت هواءً عذباً أنعش صدري. وتمنيت أن التحف السماء وأنام. غير أني أحسست فجأة بازدياد خفقات قلبي.
اتجهت إلى البيت مباشرة عدت صاحياً، قلقاً، مرتجف اليدين قبل أن استسلم لنوبة دوار مفاجئة.
استلقيت على سريري.... بانتظار أن تأتي أمي بأخبارها لكنها تأخرت أكثر من المعتاد.
تلك الليلة بدت الرياح موحشة. أرعبتني حقاً. ففي عتمة الظلام سمعت عواءها ونواحها" لكني لم أهتم بها طويلاً... التحمت أجفاني بعد أن سيطر الكرى على عينيّ.
بعد حادثة الغدر آمنت بأن الحياة جديرة ببذل الجهود في سبيل أدامتها. أمنت بأنها أكبر من أن تكون قبض ريح لا مغزى لها. لذلك كان عليّ إبعاد اليأس عني. ومن ثم العمل بلا توان العمل قبل أن تستولي عليّ تشاؤمية لا حدود لها، تتساوى عندها كل المعايير فأضيع... وأفقد الأمل ويدب التخاذل في روحي ويسيطر الجسد وشهواته على عقلي...
vvv



-2 -
استيقظت باكراً على صوت أمي وهي تصلي، تنصتّ لتمتماتها ولدعائها، استعذت باللّه ونهضت من سريري. حيث نمت بعمق وارتياح، لأول مرة منذ أسبوع.
توضأت ولبست معطفي وخرجت قاصداً الأرض الشرقية. أرض جدي التي استولى عليها السلماني بالحيلة إثر موت أبي. وأنا أشق طريقي إلى ما حلمت به طويلاً، لفحتني نسيمات الفجر الباردة ورطبت وجهي رطوبة الجو، وتناثرت فوق رأسي حبات المطر القليلة، المختبئة على أوراق الشجر منذ ليلة أمس.
على التربة الصلدة صليت. ثم شرعت في إلقاء نظرة شاملة، فاحصة عليها. قررت أن أبدأ معها. أفتتح مشاريعي بها... خططت وحذفت، وسمعت ومحوت، نصبت أسلاكاً وأعمدة وأقمت أسواراً وحدوداً في الهواء، حفرت وطمرت ثم استرحت، بقيت جالساً حتى أشرقت الشمس، وبدأ الناس يتوافدون جيئة وذهاباً. فقررت الذهاب إلى المختار. لكن ما إن ابتعدت عن الأرض حتى قادتني خطاي رغماً عني إلى مقهى نصار!
وجدتها مكتظة بالعاطلين، والعمال الباحثين عن العمل، والأزواج الهاربين من ضغط الحياة، وثرثرة نسائهم ومطالبهن.
وبسبب الحرب كان عدد الرجال قليلاً. وبعد هجرة الفلاحين أصبح عددهم بعدد الأصابع.
استقبلني الأصحاب بالقبل والأسئلة الثقيلة على القلب. وحين أدرت لهم ظهري راحوا يتابعون ثرثرتهم، ويلعبون النرد والدومينو والورق، ويدخنون بشراهة ويتحدثون عن موسم الحصاد الهزيل وظلم السلماني..
بقيت صامتاً لم أتدخل أو أشارك في أي حديث. عيناي وحدهما كانتا تتحركان، ولولاهما لبدوت للكثيرين أشبه بالصنم.
وكاد صمتي يستمر لولا سعدو. تناهى اسمه إلى مسامعي فتنبهت. تنصتّ إلى الحديث الدائر ففهمت أنه في مصيبة" أصغيت جيداً فسمعتهم يتحدثون عن "ثعبان ولج حظيرة حيواناته فقتل خروفاً ودجاجتين. واستقر في مربض البقرة عزيزة، التي فرت هاربة. ولولا زهرة زوجة سعدو وابنه لما استطاع أن يجد لها أثراً".
ونظراً لخبرتي الفائقة مع الكواسر، وشهرتي في الصيد فقد رمقتني العيون. كأنها تترجاني أن أنهض لمساعدته!
وكانت فرصتي... راجعت حساباتي، دورت الأمر في عقلي مرات، ثم وثبت فرحاً.
-إلى أين يا كاكاحمه؟ إلى أين!
هتف أكثر من شخص فلم أجب. أشرت إلى نصار وأنا اقتحم غرفته الملحقة بالمقهى، ليتبعني، ففعل مستغرباً:
-أغلق الباب وراءك يا نصار.
أمرته ففعل وهو أشد استغراباً.
أخرجت رزمة الأوراق من جيب معطفي وسحبت منها ما يخصه. دفعتها إليه، تناولها وتمتم.
-ما هذا يا كاكاحمه؟
قلبها بيدين مرتعشتين. وفحصها بعينيه الذاهلتين وهمس بفرح طاغ:
-إنها الصكوك وسندات الفائدة والأمانة... التي بذمتي لـ...
-أطبق شفتيك... خذ الزناد وأحرقها.
مددت يدي فاختفى. اصفر وجهه وتردد. فصحت به:
-هيّا... لا تؤخرني... احرقها...
انحنى على جبهتي، قبلني بحرارة وتناول الزناد.
أحرق أصابع الجمولي التي كانت تتحكم به، تحكم قبضتها على رقبته ونثر رمادها على الأرض وداسها بنعليه... بعدئذ تنفس الصعداء.
-الآن أصبحت حراً يا نصار... ما عاد الجمولي يخيفك، ويهددك بشيء، فانسى الموضوع برمته، ولا تأت على ذكر ما حصل لأحد: إياك... إياك... وإلاّ سأذبحك بيديّ هاتين..
وأنا أمد يدي مهدداً بان "غدر الصقر بجلاء" فتذكرت قطعة اللحم التي اقتطعها الغادر بمنقاره، وازدردها!
لمحت طيف ابتسامة على شفتي نصار، القوي الطويل، ابن الاربعين.. والذي شغل القرية بشقاوته ومشاكله قبل أن ينتهي به المطاف "أسير مقهاة"... هادئاً مسالماً!
انحنى نصار ثانية وهمّ بتقبيل يدي فرفضت:
-كاكاحمه، أيها العزيز، أنت لم تفك رقبتي من الأسر فحسب، بل أعدت لي الحياة من جديد... إنني مدين لك بعمري...
-السلام عليكم..
قاطعته مودعاً، لم أدعه يكيل لي المديح والثناء، تركته وذهبت إلى المختار ثم إلى الحاج صالح، كل على حدّة، وفعلت الشيء ذاته معهما، حرق الصكوك وسندات الأمانة وتهديدهما بالذبح إذا ما فتح أي منهما فمه. وأخيراً وجدت نفسي حراً، وكي لا يتسرب الضجر إلى روحي كان عليّ أن أبدأ بتنفيذ خططي على الفور، وأشرع دون تردد في استرجاع حقي. فما عاد أمامي مجال للتخاذل، فالأفكار التي تحتشد في رأسي حان أوان إنجازها، لأن الزمن لا ينتظر أحداً... ومن تمر أيامه لا ترجع إليه أبداً. لذا وجب استغلال الفرصة والإسراع في العمل. حتى وإن اقتضى الأمر المجازفة... وليحصل ما يحصل... فلقد ضاعت مني المهجة والبهجة فهان عليّ كل شيء.. كل شيء...
واتتني شجاعة مفاجئة، كدت أجاهر بها وأتفاخر ليس أمام نفسي فقط، بل أمام الدنيا كلها. فاندفعت إلى بيت سعدو وكلي إصرار على استرداد كل فلس سرقه منا..
تحركت بهمّة وحماس، والخطى تهتف بي "هيّا يا كاكاحمه، لا تتراجع إنها تجربتك الأولى فثبت قدمك... ولا تلتحف بالعجز، عجز الواقع فلن يفيدك بشيء... هيّا اكسب المعركة... إنه امتحانك الأول... لكن إياك أن تفاتح سعدو الان بمسألة الأرض وتنزوير الشهادات... إياك"
مضيت قدماً... هادفاً طحن العتمة التي تريد أن تجرني إليها... وأستنبت النور للأيام القادمة، وأقهر اليأس كي تتكسر النصال الحاقدة تلو النصال على جسدي العليل..
صادفت بغلة سعدو تسرح بعيداً، وسحابة من البرغش تحيط بها، فعجبت! لأنه يحرص على ربطها في ساحة داره الأمامية، لتكون نصب عينيه وتسهل عليه مراقبتها وإبعاد الأطفال الذين يحاولون ركوبها، أكثر من خوفه من "البكر".
وعند عتبة الدار وجدت الصغير راضي، يفترش الأرض. يتلهى بآلة الجرش الصخرية، كأنه يساعد أمه. وقفت أراقبه وهو يجرش الطحين، ويدّور العتلة الخشبية بصعوبة. ثبتّ عيني على الحنوب التي يرميها، لاحظت أن الحبة مهما فعلت لتنجو فلا خلاص لها، تسقط بقلب الطاحونة في النهاية! أدركت مصير الإنسان. وحدست أن اللّه أوقفني لأشاهد الحقيقة. ولأعرف أن لا سبيل لنيل الحق إلاّ الإّقدام، ما دام الأمل معلقاً على سحائب من خوف، ويرسم شارات المصير...
اقتحمت الصالة. بوغتّ بالخبيث سعدو يلطم على رأسه، كثكلى فقدت عزيزها الوحيد! وبجانبه جلست امرأته تولول أكثر منه، وعلى وجهها سيماء من حلت بها فاجعة...
تجاوز هذا المحتال القصير القامة الخمسين من عمره ولم يزل موضع الريبة والشك من الجميع وإن تظاهر بالبراءة والطيبة استقبلني بوجهه العابس دوماً. رمقني بدهشة، بنظرة مرتابة، كأنه يتساءل عما جاء بي، وأزاح بصره عني حالما اقتربت منه، وحنى رأسه إلى الأرض. بينما ظلت عينا الخالة زهرة معلقة بي... وقفت أمامه. ربتّ على كتفه الأيمن وخاطبته:
-ما هي خسائرك يا سعدو؟
غزا الاضطراب وجهه كمن أخذ على حين غرة. رفع رأسه الكبير... تأملني في حذر وحنق، وقال بلهجة عتاب:
-أجئت تشمعت بي! اذهب جزاك اللّه خيراً... اذهب.. دفعني دفعاً، مسكت يده. انحنيت فوقه وقلت:
-لم آت لأجل الشماتة يا سعدو.
-إذن لم جئت؟
فكرت: أخيب ظنه وأفزعه بصورة غير متوقعة، فقلت:
-جئت لأسألك عن عقوبة شاهد الزور، ولآخذ حقي. جن، انتفض كالملسوع وصرخ آمراً:
-حقك!! اذهب من هنا... اخرج... هيّا... اخرج...
لم أتحرك من مكاني ولم أنفعل! هو يعرف طبيعتي الهادئة. فأنا مسالم "لا أحل رجل دجاجة" وإذا غضبت فالكلمات تخرج من بين شفتي قسراً... ولولا ذلك لما أخذ يدمدم، يرعد ويزبد... ولا أدري ماذا كان سيفعل لو علم بما لديّ من أوراق!
لم أبال بصراخه تابعت وعينا زوجته تكادان تطفران من محجريهما وكلمات مجيد "باغت عدوك تنل مرامك" ترن في أذني.
-أتريد اللحاق بخروفك ودجاجتيك، أو تدفع فوراً"
ارتعش بدنه. ولحظت ارتجاف عينيه وهو يتأملني بغيظ:
-أدفع ماذا؟!
حاول التملص والمراوغة فأمسكته من كتفه:
-دين أبي... كم بذمتك لنا؟
-ماذا!! ماذا!!
-أبي، أظنك تذكر كم استدنت منه... تذكر جيداً..
-أمجنون أنت؟! اخرج... اخرج..
أحكمت قبضتي على رقبته وهددته:
-سأمهلك دقيقة واحدة فقط لتتذكر جيداً، وترد الدين وإلاّ فسأدفعك إلى حيث الثعبان.
ازداد جنوناً فصاح:
-اتركني... اتركني يا مجنون.
لطمته على رأسه فهطلت دموعه.. وحاول أن يقاوم فرفسته على خصيتيه فجأر من شدة الألم.
وهبّت زوجته متوسلة بعد أن بانت لها جديتي.
-ماذا بك يا كاكاحمه! اتركه... دعنا في مصيبتنا.
-لا تتدخلي يا خالة زهرة.. أرجوك... أنت امرأة مؤمنة.
 نهرتها فسكتت على مضض... وعاد هو للصراخ والتهديد:
-سأشتكيك إلى الآغا السلماني... سيدق عنقك. شددت ضغطي على رقبته وهمست:
-مضت نصف دقيقة.
لم يبد تخاذلاً، أو يظهر استسلاماً مما أجبرني على سحبه بقوة نحو الداخل، إلى حيث المربض، وهو يجأر ويرفس الأرض بقدميه. وإذ حدس عدم جدوى ذلك، قام بحركة يائسة من يده تدل على الخضوع.
أدخلته المربض، فلحقت بنا الخالة زهرة، وفي عينيها فزع كبير. تتساءل باستغراب:
-ماذا تريد منه يا بني؟ ماذا تريد؟!
-أريد استرداد حقي... دين أبي الذي أنكره سعدو...
-أي دين هذا يا كاكاحمه؟ أي دين؟!
-خالة زهرة.. أرجوك لا تتدخلي... هذا الخبيث يعرف كل شيء...
-وأين كنت طوال هذه السنوات؟
-كنت غبياً، لا عقل لي. والآن عقلت فجئت آخذ حقي...
-لا شيء لك عندي.. لا شيء..
هتف سعدو بعناد وقدماه لم تتوقفا عن الرفس.
-صحيح أنك بغلت يا سعدو وصرت بليداً، لكنك لم تنس ما بذمتك حتماً... ينسى الدائن ولا ينسى المدين، أليس كذلك؟
خرس ولم يحر جواباً. تمنيت من كل قلبي أن تجري الأمور كما يجب، وقبل أن أدنس يدي وأتورط بعمل أندم عليه... لكن سعدو لم يتح لي مجالاً للتفاهم، فاضطررت إلى سحبه.
-سأرميك وحق اللّه. لن أدعك تفلت من بين ناب الثعبان...
-دخيلك يا كاكاحمه... دخيلك...
-قل، كم بذمتك لأبي؟ قل..
امتنع عن الكلام. وبدأ المقاومة حاول الإفلات لإنقاذ نفسه، وخشية أن يستقوي عليّ ويفلت من بين قبضتي ومهاجمتي وعندها أخسر سمعتي وتضيع مني كل الفرص لتحقيق ما في ذهني من المشاريع، لطمته ثانية بقوة ودفعته إلى الداخل...
تهاوى على قدمي مرعوباً.. واعتقدت أنه سيستلم فإذا به يهبّ واقفاً يروم الخلاص، فأعدته واللطمات تتوالى على رأسه أنذاك فقط أيقن أنني لا أمزح! فرفع يديه مستسلماً بصق دماً، وحدجني بعجب وعض إصبعه وضغط عليه بما تبقى له من قوة وأعلن بيأس:
-مائة وخمسون ديناراً.
-والفائدة؟ فوائد أكثر من خمسة عشرة سنة.
لنقل إنها أربعون، خمسون.. يصبح المجموع مائتا ديناراً زائدا عشرة دنانر عن الحلال والحرام...
-مائتان وعشرة... مائتان وعشرون... اتركني، سأدفعها لك فيما بعد...
-لا... ستدفعها فوراً..
-لا أملك فلساً واحداً..
لا تكذب... قبل أسبوعين سلمك الجمولي ثلاثمائة وخمسون ديناراً... حصتك السنوية..
ارتعب، وتطلعت الخالة زهرة إليّ تستقرئ في ملامحي حقيقة ما سمعته، لقد فاجأتها حقاً وأدهشتها، ظلت لثوان تنظر مستنطقة عينيّ. ثم تمتمت بذهول.
-ثلاثمائة وخمسون ديناراً! من أدراك بها؟
-أنسيت أن الجمولي زوج خالتي.
اكتفيت نحو سعدو يتملكها الغضب وسألته باحتقار:
-لِمَ أخفيتها عني؟
-أراد الزواج بها.
-كذب... لاصحة لذلك.
اعترض سعدو فرفسته في خاصرته. وجنت زوجته حين كشفت لها المزيد من الأسرار:
-ألم تتوسل إلى كهرمان لتتوسط لك مع ابنة أخيها؟
-من هي كهرمان...؟ تساءلت زوجته بذعر. أسقط في يده فخاف استطرادي، رمقني بنظرة ذعر وتوسل، بألا أزيد النيران لهيباً.
-إنها قصة طويلة، لن تنفعك، مهمتنا الآن تنحصر في قص جناح هذا الخبيث.
-سأشعل موتى موتاه..
صرخت وهمّت بمهاجمته، فانكمش وتراجع مذعوراً. حجزت بينهما. منعتها قائلاً:
-هيا سلمني المبلغ.. لا وقت لديّ... سلمه بيد خالتي زهرة لتعطيه إلى أمي... بيد أمي...
بدا مرتبكاً حائراً، لا يدري ماذا يصنع. وأصبح لصوته رنة تضرع وهو يحدث زوجته، التي راحت تولول وتندب حظها.
تقدمت منه وشددت الخناق.
-هيا.. لا تؤخرني... لن أتركك قبل أن تدلها على مخبأ نقودك سلمها المفتاح أولاً... هيّا..
أظهر خنوعاً تاماً، حرك أصابعه المرتعشة باتجاه رقبته الطويلة. انتزع منها خيطاً رفيعاً، تدلى المفتاح في نهايته.
-تعالى... خذيه..
ناديتها فلم تستجب. كانت ترتجف من الغيظ. تود نهش لحم سعدو المر... أخذت المفتاح من يده ورميته إليها.
-هيّا... لا تؤخريني... خذي مائتين وعشرين ديناراً... سلميها لأمي... بيدها... ولتأت إلى هنا لتعلمني.. وخذي الباقي... إنه حصتك أنت وابنك.. اشترى لك ثوباً ولراضي كل ما يحتاجه... هيّا.
كلمتها بانفعال فتحرك الدم في أوصالها. واندفعت بجسدها الطويل المكتنز تلبي ماطلبته. فبانت عجيزتها تتراقص من شدة الفرح.
أخرجت سعدو من الحظيرة وأجلسته قرب بابها.
-ابق هادئاً... لا تتحرك وإلا دفنتك.
أمرته وأنا أتربع على بعد خطوات منه. لم أسمح له بكلمة واحدة.. رحت في سبات اليقظة... خيل إليّ أن "النقيب خالد" يقف على رأسي يبسط كفه مرحباً ويمد ذراعه ليسحبني ففززت صحت به:
-اذهب.. اذهب.
-حاضر... حاضر..
سمعت صوت خالتي زهرة. وهي تستدير وتمضي سريعاً... تحمل رزمة الدنانير، ابتعدت زهرة عن عينيّ لتحل محلها صورة الصغيرة "مها" تنتظر أباها. وبجانبها أمها "سناء" منفوشة الشعر محمرة العينين، تبكي بحرقة تفتت الصخر آلمتني فمددت يدي لأواسيها فسبحت في الهواء! وحلت صورة أمي محل صورتها!
جمدت وانقطعت أنفاسي... للحظات مبهوراً بزغ وجه أمي الضاحك وهي تستفسر والدنانير تملأ كفيها:
-ما هذا يا بني؟ لمن هذا المبلغ؟
لا أدري كم من الدقائق مضت! لكني عرفت بنجاحي... بهرت وعادت أنفاسي تنتظم... لقد نجحت أولى مشاريعي..
-هذا هو المبلغ الذي استدانه سعدو من أبي" وأنكره بعد موته... احفظيه عندك إلى حين...
-أتذكر... كان ذلك منذ زمان!
-خذي خالتي زهرة.. لتشتري ثياباً وطعاماً لها ولراضي.. حاولت أمي الكلام مثلما حاول سعدو فمنعتهما:
-اسمع يا سعدو.. سأكافئك على الوفاء بدينك وحفظك للأمانة، كل هذا الوقت، بإخراج الثعبان من بيتك... دهشت أمي فصاحت محذرة:
-لا.. لا تفعل... إنه ثعبان سام... ليس صقراً أو نسراً أشرت إليها لتخرج ففعلت مع المرأة الفرحة... وزحف سعدو مرعوباً لا يكاد يصدق... لم بنبس بحرف وفر من وجهي معتقداً أنني أنقض على مصيري معصوب العينين.
غدوت وحيداً فتنبهت إلى محتويات الممر الفاصل بين الصالة والحظيرة. خزانة خشبية كبيرة، بلا أبواب رصت على رفوقها أكياس المؤونة، والعلب المعدنية المختلفة الأحجام وكومة من القضبان الحديدية وحاجات أخرى متنوعة. لم أهتم بها. خطوت نحو الحظيرة.
دفعت مصراعي الباب غير المحكم فأنفتحا. دخلت فصدمتني رائحة مقززة. رائحة روث البقر والخراف، مختلطة مع روائح البول المخمر والرطوبة العفنة.
ولجت رغماً عني. وراح بصري يفتش عن الثعبان بحذر بان لي دون عناء. يضطجع باسترخاء فوق الرف المقابل حيث علبة السمن الحر!
لونه الرمادي المبرقع بالأصفر أثار اشمئزازي. قدرت طوله بمتر ونصف وتحفزت.
عاد الصقر يذكرني بغدره. بالدم الذي سال من يدي ومن عينيه. فالتهب صدري بشعور لم أعهده من قبل. شعور يستعذب الألم ويستهين به. فلم تمسني الرهبة أو يتملكني الخوف.
تناولت عصا غليظة وتقدمت بقلب ميت.
أحس بي فرفع رأسه ورآني، انتصب، تماوج. وفح منذراً متوعداً، وهز ذيله... وتحرك.
فجأة، وكالسهم شب عليّ، فابتعدت، ضربته ضربة ماحقة إلاّ أني أخطأته، سقط قرب قدمي حاولت التخلص منه، فسبقني. كان أسرع مني وأكثر خبرة في الغدر. وثب على ساقي، التفّ حولها بمهارة وخفة، وأنبت نابه في لحمي بلؤم.
أحسست بألم العضة فشهقت. شعرت كأن خنجراً حاداً مسموماً يغمد في قلبي. سرى في جسدي ألم مبرح وأنا أمد يدي وأضغط على رقبته بينما راح ذيله يلتف ويضغط كمن يريد شل ساقي.
انغرز نابه في عضلتي. فشددت قبضتي، بحيث غاصت أظافري ومن ثم أصابعي في لحمه الطري. وانبثق دمه، مما دعاه لأن يخفف من عضته ويبعد فكيه عني، فازددت إصراراً على محقه من الوجود.
سحبته سحباً، انتزعته ورميته أرضاً، وأبقيت رأسه في قبضتي، نطحته بالجدار القذر مرة مرتين، ثلاثاً حتى هرسته تماماً. وحين أسلم الروح نزعت حزامي وربطت ساقي بإحكام.
تركته وخرجت. لم آبه للألم ما دامت الأيام تمر تباعاً من تحت أنفي وعيني مرور الكرام. لكني تساءلت:
-أيعجل هذا في مصيري؟
اتجهت إلى باحة الدار، فوجدت سعدو واقفاً يتلصص جلست وعيناه تراقباني بدهشة ممزوجة بالرعب. تنفست بعمق ومسحت العرق المتصبب من جبهتي، ثم أخرجت سكيني شرطت ساقي تشريطاً. ورحت أمص موضع العضة، وأعصر أمص وأعصر... وأبصق ما يأتي من دم وسم إلى فمي على الأرض. ولم يحتمل سعدو المنظر فأنفتل خارجاً، ملتاعاً يطلب النجدة!
جاءت أمي ومعها زهرة، ولحق بهما بعض الرجال وعلى رأسهم نصار وبأمره تناوبوا إلى مص السم والدم الملوث وقذفه إلى الخارج.
أحسست بخدر ثم تورم ساقي.. أرادوا تمديدي على ظهري وإجراء اللازم فرفضت. سمحت لهم برش الخمر المعتق على الجرح.
وجاء عمي حسن يرتعش من الرهبة. استفسر من الموجودين وحين تأكد أنهم أدوا الواجب، أمرهم بحملي إلى أرض الصبيرة. وهناك مددني وحقنني بإبرتين. وأنهمك في قطع كمية لا بأس بها من الصبير الطري، قشرها بسكيني وأمر نصار بدهن موضع العضة والجرح. ثم موضع الخدر، والساق بكامله... واتقاءً لكل المضاعفات تعريت أمام الخلق وراح نصار يدهن الجسد بكامله جاءت أمي لتساعدنا وهي تبكي...
-لا تخافي عليه. جسمه أقوى من أن يؤثر به سم ثعبان عجوز مازح نصار أمي فضحكت وضحك الرجال وهم ينصرفون تباعاً.
-وهذا ليس أوان موتي..
طمأنتها فارتاحت.
أضفت وأنا أرتدي ملابسي الداخلية:
-هل أعطتك الخانم ما طلبته؟
صفن عمي لرؤيتها تتلعثم وتجيب بعد ثوان:
-أعطتني... لكنها استغربت.. ورجتني ألا أخبر الأغا إذا عاد.
-وما دخل هذا الكلب! أهي ملابسه التي أخذناها؟!
إنها ملابس نسائية لا يلبسها هو!
-هل تحتاج لشيء يا بن أخي؟
استفسر عمي بحنان. فعدت للتحقيق مع أمي:
-ومصطفى، هل أعد مستلزمات العرس؟
سكتت برهة كمن تصقل كذبة، وتلفق أقوالاً عن لسان غيرها لتريحني:
-يابني، مستلزمات العرس لا تتم في ساعة! مصطفى فرح حقاً وإن أبدى استغرابه. أنت فأجأتهم بطلبك!
-يعني وافق.
-بالطبع يوافق.
-أتتزوج يا كاكاحمه دون علمي؟!
تنهد عمي مدهوشاً فأجابته أمي:
إنها خطبة.. أخذ رأي فقط.
-على بركة اللّه.. على بركة اللّه..
ردد بطيبة تبادلت مع أمي النظر وسألتها:
-والملاّ؟ ماذا قال لك؟
لم ترد. فهمت من عينيها المحرجتين موقفه.
-رفض أليس كذلك؟ حسناً.. سأذهب إليه بنفسي.. وسأنتف لحيته.
-لا... يا بني لا... الملاّ رجل يحبك، لكنه استغرب.
-كلهم استغربوا!! استغربوا!! ألم يتزوجوا قبلي؟
-ماذا طلبت منه يا كاكاحمه؟ قل لي علّي أستطيع تقديم الواجب.
عرض عمي مساعدته فتدخلت أمي.
-إنه يريد الزواج من...
أغضبتني أمي فقاطعتها بحدة:
-اسمعي يا خجة، وليكن عمي شاهداً. إنني سأتزوج هدهد. وإياك ...إياك أن تمانعي... أوتسمعي مصطفى أو زوجته كلمة تسيء إليهما...
-هداية بنت مصطفى!
تمتم عمي بعجب فصارحته:
-هي يا عمي، ألديك اعتراض؟.
أخذته الرجفة فأوضح:
-اختيار موفق يا كاكاحمه... بارك اللّه بك.. بارك اللّه. أفرحني رد عمي فالتفتّ لأمي:
-أسمعت يا خجة... والآن أعطي لعمي خمسين ديناراً، واحتفظي بالباقي لك وإياك أن تصرفي منها فلساً واحداً على عرسي. إنها أموالك الخاصة. فغر عمي فاه فرحاً، والتمعت عيناه بوميض الدهشة، بينما راحت أمي تعدّ الدنانير:
-لم أفهم! من أين لكم هذا المال... كل هذه الدنانير؟
لم أجب على سؤاله وأمرته بلطف.
-اشتر ما يحتاجه البيت. ولا تنسى الصوف لخالتي هاجر، ستغزل من جديد.
-أهي دين يا بني؟
استفسر بحرج وأصابعه تتلاعب في الهواء دون شعور.
-لا يا عمي.. إنها هدية مني إليك.
لم يصدق. تناول المبلغ من يد أمي، يكاد يطير فرحاً..
-ومن أين ستدبر نفقات العرس؟
-من أين؟! لا تشغلي بالك يا خجة... عدت لأسترداد كل حقوقنا.. ابتدأت بسعدو وسيأتي دور السلماني... كفى سكوتاً يا أمي... -هل أخذت المال من سعدو؟
أستوضح عمي بحيرة. فهزت أمي رأسها بالإيجاب:
-هذا هو المبلغ الذي استدانه من المرحوم لقضاء حاجة، ثم أنكره.
-أعرف ذلك.. أعرف... سألته مرات أن يرده، يعيده إلينا فلم يقبل.
-وكذلك لم يرضخ لتوسلاتي، ولم يأبه لمرارتنا وشظف حياتنا.. أكملت أمي بمرارة فتنهدت قائلاً:
-واليوم قبل ورضخ رغم أنفه! وسيرضخ السلماني أيضاً، سيدفع ما أريد ذعرت أمي، تحركت صوبي مستفسرة، وتبعها عمي مستغرباً:
-ماذا ستفعل؟
-كيف؟!
-إنها قصة طويلة.. قد لا تصدقانها.. وأنا أنتظر السلماني لأباغته بها.
-قصها علينا لنفهم..
-أبي لم يبع الأرض ولم يقبض فلساً واحداً... السلماني زوّر الورقة...
البصمات التي عليها ليست بصمات أبي... الجمولي زوج خالتي ساعد السلماني دله على الطريقة وشاركه في الجريمة. قال له: سعد اللّه مات، فمن يقرأ ويكتب ويتحقق... ولا أحد يعرف بصمات المرحوم.
لا تستغربا.. وأرجو أن تحفظا السر حتى عودة السلماني، لا أريد أن يعرفه أحد غيركما. تطلعا إليّ باندهاش فرجوتهما بعينيّ كي يصمتا. فهم عمي وغيرّ الموضوع:
-ربما يتورم جسمك كله.. دعنا نذهب إلى أربيل..
-لا تهتم يا عمي.. امض إلى بيتك.. سلّم على خالة هاجر وقبّل الصغير.. اشتر لهما ما يحتاجان. ولا تنسى الصوف.. لا تنس..
-وأنت؟ دعنا ننقلك إلى المستشفىن ربما لن تنفعك إبري.
-لا تهتم.. سم يأكل سم.. المستشفى، لن تنفعني وما بقي من سم ربما يطيل عمري.. وعليّ استغلال الوقت.
-لا أفهم.. ما بك؟! ماذا في رأسك؟
-يا عمي، تعلمت في الجيش أن ما يؤخذ بالسيف لن يرده إلاّ سيف أقوى. اذهب يا عمي. وإذا احتجت إليك فسأناديك حلق فرحاً وذهب. تذكرت عمتي " بتول" والاشاعات التي راجت حول إقدامه على ذبحها، تغطية لفضيحة هروبها مع الحبيب! كان عمي في الخمسين من عمره. شبيهاً إلى حد كبير بأبي، مربوع القامة عريض المنكبين، طويل الوجه بارز العينين، أصفر الشعر، يتولى إدارة المسجد وتنظيفه، إضافة إلى محله الصغير، فيتقاضى من الملاّ ما يكفيه لمسك رمقه. فقد أولاده الأربعة تباعاً في الحروب المستمرة والقتال العنيف، في السنوات السابقة، ولم يبق له إلاّ طفل في الخامسة..
-أتدرين أنني لم أحس بنخزات شوك الصبار؟!
أخبرت أمي بعجب. وأضفت:
-لذلك سأنظف الأرض الشرقية.
-احذر يا بني احذر.. ماذا دهاك؟ إنها ليست أرضنا هتفت مذعورة، فزدت ذعرها:
-ستكون. سأزيل أشواكها وأقتلع صبارها وأرفع صخورها.
-يا بني، السم ما يزال في جسمك. ارتد ملابسك، الدنيا باردة.. وربما ستمطر بعد قليل..
لم انتبه لتغير الطقس من قبل. تطلعت إلى السماء. دهشت وأنا أراها تتلبد بالغيوم كأنما تريد أن تمطر حقاً كامرأة حبلى تهمّ بالوضع..
-أنت على حق يا خجة. امضي اجلبي لي شيئاً آكله..
جعت يا أمي.. جعت امضي واجلبي معك المنجل القديم.. إنه على سطح الدولاب..
-ألا ترافقني إلى البيت؟ تساءلت بحيرة وحين لم تسمع ردي مضت. راقبتها وهي تبتعد. لاحظت فرحتها. تبدل حالها وتغير مزاجها سريعاً، والمال لا يبدل الأنفس فحسب، بل ينعش الأرواح.
حاولت أن استنشق مدى الألم الذي عانته، منذ موت أبي، واستشهاد أخي.. فلم أقدر.
رأيتها تقف، تتحدث مع عدد من النسوة والصبايا، كن يتفرجن عليّ عن بعد. خمنت علام دهشتهن وعلام ضحكهن! تمددت شبه عار ورحت أفكر في الأرض الشرقية لقد أدرجتها في أول الجدول.. جدول "قراراتي المصيرية".. أثناء رقودي في المستشفى، وإثر خروجي.
جعت وساورني القلق. سيطر على مشاعري! بالأمس، قضيت إحدى عشرة ساعة في الطريق، سيراً على الأقدام أو طلباً للراحة. نمت ست ساعات بالتمام، وفكرت كثيراً كثيراً فدخت ومن الطبيعي أن أجوع.. لم أفطر اليوم ولم تدعني بشيرة أمس أشبع.. جعت فلم القلق؟!
رحت أفكر.. حتى عجزت.. لم أعد قادراً على تحديد سبب القلق الذي بدأ يلهب أعصابي.. لولا افتخار.
جاءت مع أولاد أختي. مازحتني حول التعري:
-ما فعلها أحد قبلك في القرية!
-هل أعجبك منظري؟
لكزتني بمرفقها وضحكت:
-بعدما "رأتك" كل بنات القرية، ما عدت راغبة فيك.. أضحكتني فأردفت بشماتة:
-إنها "حوبتي" أرأيت كيف أشوّر"! حتى تتأكد إنني لم ولن أسامحك إذا..
لم أسمع بقية كلامها. آنشغلت بأمي العائدة..
جلبت لي خبز شعير وقطعة جبن التهمتها بنهم..
وغفوت بجفوني المتثاقلة
vvv



-3 -
حين أفقت بعد ساعة وجدت أمي إلى جواري، جالسة تتملكها الرهبة. وعلى بعد خطوات كان عمي حسن يتبادل الحديث مع موسى ويحيى وبشيرة ما إن رفعت رأسي حتى أمطروني بأسئلتهم. وانهمكوا يتحسسون حرارتي ويجسون نبضي ويعرضون مساعدتهم..
-الآغا يطلبك.. جاء حمودة الذليل لآخذك.
قالت لي أمي ويدها تساعدني على ارتداء ملابسي فملكني الفرح وهتفت في داخلي "آن الآوان يا حضرة الآغا.. آن الآوان".
-متى عاد.. السلماني..؟
-قبل ساعة..
-يا اللّه!! كم أشتاق لرؤيته؟
-للسلماني؟!
-نعم يا أمي.. للسلماني دون غيره..
-منعت حمودة من إيقاظك..
أوضح عمي. ضحك يحيى وأخبرني:
-رأى جسدك المتورم ففزع!
-ماذا يريد السلماني منك؟
سأل عمي مبدياً دهشته. ولم أجد جواباً مقنعاً غير:
-اختصر لي الطريق.. عجل في نهايته.
لفظة الآغا وطلبه، أوقدا تحتي نار الحقد الكامن. وأججا التحدي والعنفوان في صدري. لا أدري ما الذي جرى له فيتجرأ الآن ويطلبني! فمنذ أن أمتلك الخوف قلبه بسببي، دأب على تحاشي الاصطدام بي.. هو يعرف كراهيتي له.. ففي أول لحظة وعيت بها على السلماني كرهته، كراهيتي للشيطان! ثم تحولت الكراهية إلى حقد فظيع حقدت عليه. وأضمرت له العداوة والبغض.. وحين اصطدمت معه استحكم النفور بيننا إلى درجة عالية. صحيح أن قسوته جففت الدمع في عيون الكثيرين منا، لكن براكين الغيظ ظلت تمور وتغلي.. وخلال السنين الماضية تراكم القهر. فوق قهر.. وآن الآوان لوضع الأمور في نصابها. ختم الحكاية واسدال الستار، فهو لم يتعظ كما يبدو من اعترافاتي. ولم يكتف بالأشهر الستة.
-هل جلبت المنجل؟
بدت أمي مستلبة، مدهوشة تجاه السلماني. بالرغم من كراهيتها الشديدة له.
-هذا هو، تحت قدميك.
أشارت بكف ترتعش. فأنحنيت لألتقاطه وإذا ببشيرة تعلن مخاوفها:
-ما الذي ستفعله؟
-سأحش به الرؤوس الزائدة.. العفنة..
-لا تتهور يا كاكاحمه.. كن عاقلاً.
نصحني يحيى وانهالت النصائح والإرشادات. لم أستمع لأحد.. مضيت ومكبر الصوت يصدح بآذان الظهر.
كان المنجل قديماً لكن أسنانه البارزة الحادة، شجعتني على المضي قدّماً لأجني ثمار حصاد يائس.. لم أخف، فالخوف بداية الهزيمة.. وكاكاحمه.. أنا.. لا يمكن أن أهزم...
في الطريق ألتقيت بمحمد بن سلطان السائق أوقفني وأخذني بالأحضان.
-كيف حالك يا كاكاحمه؟ الحمد للّه على سلامتك.
-هل ولدت زوجتك؟
سألته أمي فأحرجته. ولم ير بداً من الرد:
-أكلت شهرها منذ يومين. تعسّرت ولادتها.. وأنا في حيرة.
-لا تهتم.. اذهب إلى الحاج صالح، وخذ منه صوف بعير. ضحك من وصفة أمي وأستفهم منها:
-صوف بعير!! ماذا أفعل به؟
-احرقه أمامها "ستلد حال أستنشاقها بخاره الحار. اذهب فوراً.. لتريحها..
-جئت لتوي يا خالة.. أوصيت أمي بنقلها إلى المستشفى إذا حصل طارئ.. جئت على عجل مع الآغا السلماني..
-إذن لم تترك أربيل وتجئ إلى هنا عبثاً! لا بدّ أن أمراً مهما أجبرك على القدوم؟
حدثته بلهجة الواثق فأجابني:
-هادي المخرف أرسل بطلبي... ليبيع أرضاً أو داراً..
-أما زلت موظفاً في البلدية..؟
-قسم عقارات الطابو..
-أعرف.. أعرف.. بعثك الله في الوقت المناسب.. قل لي.. أمعك أوراق بيع وشراء.. زائدة.
-لا.. ماذا تقصد؟
-إذن أجّل طلب المخرف إلى يوم آخر.
-لا أفهم.
-أنا في حاجة للأوراق.. أريدها اليوم بالذات.. اذهب إلى بيت المختار وانتظرني هناك.. سأرسل بطلبك بعد ساعة على الأكثر. فأنت متعلم وشورك في رأسك. وتعرف أن لا شيء في قريتنا اسمه الحكومة. لذا سينوب عنها هذا السيد تركته مذهولاً لرؤية المنجل المرفوع عالياً.
قصدت دار السلماني والنيران تشتعل في صدري، تضطرم كنيران يوم القيادمة. وصلت الباب بعد قليل، ولحقتني أمي. وقفت بجانبي ترتجف، تبسمل وتستعيذ من شر الشيطان الرجيم. سمعتها تقرأ صغار السور وتهتف بشفتيها:
-يا رب، يا من إذا نشدوك وجدوك.
طرقت المدقة النحاسية وانتظرت ثم عاودت الطرق بالمنجل، بشدة. مما أزعج حسان، فخرج غاضباً.. وزاد غضبه حين رأني.
كان حسان الابن الوحيد للسلماني، شبيهاً بأبيه من حيث التعالي والغطرسة واللؤم وهضم حقوق الآخرين. ولولا "إلهام" التي شاءت الانتقام مني، لما كسر أنفه وأنف أبيه، ومرغا بالتراب. لولاها لبقيا ينهشان لحومنا، ويتغذيان على دمائنا... منذ تلك الحادثة، التي زعزعت هيبة "الآغا" وقفت في عضده، وهدمت صروح ما بناه من ظلم وجور، وكشفت للناس حقيقته، وحسان لا يجرؤ على القيام بما تعود السلماني الطاغي "إذ لزم الوكالة التي استلمها بعد إتهام سعدو بالسرقة وطرده، معطياً لحمودة مسؤولية رعاية البقرات العشر وتربيتهن، إلاّ أنه لم يترك ثوره المميز "البكر"
-ألم تر الجرس الكهربائي؟
زعق بوجهي موبخاً. وعلى غير ما عرف عني "رضوخ وطاعة" لطمته على كتفه بقوة، فترنح كسكير. وكاد يفقد توازنه. أزحته جانباً وشهرت سلاحي الوحيد. منجلي القديم والحاد في وجهه. وفي وجه الخادم حمودة الأعور. وهو يصادفني في الممر ويعترضني! بهت لحظة وجمد شعرت وأنا أتابع سيري، بنظرات عينه الصحيحة تنغرس في ظهري كالسهام!
منذ حادثة "نصار وهبة" فقد دار الآغا منعته، كما فقد سيده نفوذه الواسع وإن ظلّ يحلم بأوهام العودة إلى أيام مجده الضائع على يدي، وسطوته المسلوبة متناسياً أن ما فات قد مات.
اقتحمت المضيف. دخلت كالصاعقة صفقت الباب بحدة أفزعت السلماني وضيوفه. فهبّ من مقعده وتبعتني أمي مستلبة مدهوشة.
قرأت مقدار ذعره وارتباكه لاحظت بياض شاربيه ومكر الذئاب المنبعث من عينيه. وفي وجهه لاحت معالم الحقد والضغينة كان قابعاً على فراش وثير. وعلى جانبيه وسائد عريضة ملونة، مختلفة الأحجام. وجلس أمامه ثلاثة رجال كبار، كما يجلس الخدم! وأحدهم غريب وسمين!
ذهلوا لرؤيتي ولجسارتي، وكأن الطاعون اقتحم ديارهم فألتزموا الصمت وانتظروا كلامي.
إنها المرة الثانية التي أدخل فيها، في الأولى كنت معتقلاً ولم يتجاوز عمري الخامسة عشرة، وكان هو عميلاً للسلطة آنذاك اثنتا عشرة سنة مرت. وبات واضحاً أن محاولاته العقيمة لتشويه الحقائق لم تؤد إلى توفير ما طمح إليه من استقرار وغنى -بعد فشله الذريع في احتوائنا-بل أدت إلى نفور وكراهية متبادلة بينه وبيننا جميعاً. مما ولد التوتر والاضطراب في قلوب كل رجال القرية. وزاد الأمر سخونة عندما تبدلت الأحوال، وانعكس الوضع وذابت السطوة. إثر انطمار وزارة ودفن أخرى، وبقي هو في أتون الصراع!
لم أشأ الوقوع في شرك الحرج وشباك الارتباك ولن أمكنه من خداعي واحتواء الموقف.. لذا وجب التصرف بسرعة فانتزع حجراً من وسط الجدار الآيل إلى السقوط بين لحظة وأخرى كي أفلح. ألم يقل لي مجيد "باغت عدوك تنل مرامك" -ماذا تريد يا سلماني؟
صحت فأرتبك وعاد لموقعه. نظر إليّ بعجب. رفع حاجبيه وكتم غيظه. وذهل الرجال لسكوته، فتطوّع السمين لردعي:
-سلم أولاً أيها الشاب!
لم أنس بعد مساء السبت الأول من تموز 1963 حملتني سيارة شرطة قديمة. واهن الجسد، محطم النفس جروحي تنزّ دماً، وتتعرج في لحمي دروباً زرقاء من آثار التعذيب الوحشي أدخلوني مقيّد اليدين. فراح السلماني مع جماعة من الحرس يسخرون مني. يضحكون ويقهقهون بفظاظة، وينكتون مثلما بهرهم منظري فتعلقت عيونهم المستغربة بي.
تتطلع ولا تكاد تصدق! تراني منفوش الشعر، مفتوح الصدر يرتفع سروالي قليلاً ليكشف عن موضع اللدغة وأثر جرح السكين والورم الذي بدأ يتفشى في كامل جسدي.. تراني.. تتعجب! كذلك بهرتني روعة المضيف، والأبهة الملفتة للنظر. فعلى الأرض مدت السجادة القاشانية الحمراء، الفاخرة التي لاكت الألسن عنها الكثير، فغدت مثار الإعجاب بألوانها وثمنها الخيالي.. والستائر المخملية الزاهية، المدلاة بتناسق. والثريات الثلاث المتلألئة في عز النهار! والمكتبة الخشبية، الفخمة التي غطت كامل الواجهة العريضة!
-كيف تتجاسر وتدخل بمنجلك؟!
زعق السلماني بوجهي كمن يريد استعادة الموقف، وأخذ زمام الأمور. وقبل أن أرد وزيادة في الصلف وكعادته بازدراء الآخرين أطلق سخريته، وهو يسد منخريه بسبابته وإبهامه:
-ما هذه الرائحة؟
تحكمت بأعصابي ريثما تحين فرصة الانقضاض وتحركت أمي خطوة لتعلن انزعاجها:
-إنها رائحة الصبير يا آغا. دهنّا جسده بالصبير الدبق.
-لا يا أمي.. لا.. إنها رائحته هو، رائحة إبطيه.. وما من رائحة أكره من رائحة السلماني...
فاجأته لهجتي الجسورة. فنظر مستنطقاً عينيّ عن مصدر قوتي. وتبادر إلى ذهني أنه أرجع سبب ذلك إلى عضة الثعبان، وأيقن أنها منحتني قوة لا تقهر، فصمت مذهولاً.. وتابعت:
-لو أمتلكت بندقية لحملتها بدل المنجل. ولجئت أصطاد الفئران في أحضانكم.. وهذه رائحة الصبير وضعتها لإثارتها وإخراجها من جحورها..
أثارهم كلامي، فغروا أفواههم دهشة، تطلعوا إليّ وإلى المنجل المرفوع عالياً.
-لم أرسلت بطلبي؟
أعدت سؤالي بغضب فرف جفناه، دار بؤبؤ عينيه هلعاً. ولكي يغطي على حرجه رمقني بنظرة عابرة، مستخفة، على سبيل التهكم. وبدل أن يجيب أشعل لنفسه سيجارة ليتلهىّ بها. عبّ منها نفساً عميقاً وسألني متنمّراً:
-ألم تذهب للعلاج! فلم عدت بهذه السرعة؟
استفزني. كدت أصيح عارضاً عملية النصب، لكني فضلت الهدوء:
-ما عدت بحاجة للعلاج.. شفيت..
-عجيب!!
-علام عجبك يا سلماني.. "إذا مرضت فهو يشفين".
-ماذا فعلت بسعدو؟
سؤاله المفاجئ طعنني في الأعماق نبش في داخلي فثار بركاني:
-وما علاقتك أنت؟ ألأنه شهد على شرائك لأرض أبي؟
اتسعت دهشته، وزاد عجب الرجال. قطب أحدهم حاجبيه:
-عجيب أمرك يا كاكاحمه!! هل جننت؟
زفر الآغا. وذكرني حمودة وهو يلج المضيف مع ابن سيده:
-أنت تتكلم مع الآغا السلماني!
-أعرف يا أعور.. يا شاهد الزور.. أتراني مثلك لا أميز الحمار من الإنسان؟
تلعثم الذليل، انعقد لسانه. وصاح حسان بانكسار:
-ماذا تريد؟ لم جئت؟
-لأتفرج على قباحتكم وأفضحكم.
-تأدب، احفظ لسانك.. ماذا جرى لك؟
-ابني في غاية الأدب. فالتزم الصمت أيها الغريب خير لك.
ردت أمي الرجل السمين، الجالس على يمين السلماني، فخر. خصني السلماني بنظرات ذئب لعب الفأر في عبه من كلامي.. فنفض سيجارته، بسبابته اليمنى، وقال مبدلاً لهجته، مرتدياً مسوح الواعظ.
-جاء، سعدو يشكو منك، ويدعي..
لم أدعه يكمل فمتى ما بدأ الثعلب بالنصح فقدت دجاجاتك..
-لا يصدق الثعلب إلاّ الثعلب.. ثم إنني لم أبدأ معه بعد بشأن الأرض أرتبك، أهتز بصورة ملحوظة. التقط إشارتي فأرتعشت يده وفضحت قسمات وجهه عن مدى اضطرابه. وقبل أن يتكلم أحد استطردت.
-أسألكم جميعاً-وعمري سيصل الثلاثين-أسمعتم أحداً يشكو مني؟ هل تجاسرت أو اعتديت على أحد منكم؟ لم أسمع أحداً كلاماً سيئاً، جارحاً، طوال عمري.
عشت بينكم بعيداً عن المشاكل، لم أمد يدي لمال أحد، أو أرفع بصري في وجه نسائكم أو بناتكم.. لم أخدش شرفكم.. فماذا حصلت؟ ضاع حقي...
-ابني يشرّفكم.. أشرف منكم جميعاً..
-الآن عدت لأطالب بحقوقي الضائعة.. كل حقوقي.. كان بيني وبين سعدو حساب قديم، صفيناه بهدوء.. حسابٌ اعترف به أمام الخالة زهرة وانتهينا منه. فلم تحشر أنفك وتتدخل؟
ازدرد ريقه. راح يغالب أمره ليتمالك نفسه ويخفي اضطرابه.
وبينما ران السكون وتوتر الجو. أخذ ينظر عبر الصمت المريب يحاول أن يستجلي حقيقة ما تراه حدقتاه.
-ألا تعرف أن الظلم لا يدوم ومرتعه وخيم يا سلماني؟
-كفى.. عمّ.. تتكلم؟
قاطعني بنبرة جافة، زعق ثانية مهدداً، ملوحاً بقبضته.
-من تحسب نفسك يا مجنون؟ لقد تماديت كثيراً.. تعديت حدودك..
لم أسمع بقية الكلام، فالغليان اندفع في أعماقي كالمراجل استفحل جنوني، واختمر الذل في داخلي حتى اشتعل ثورة لا تطفئها حراب الآغا ورجاله.
ومن جديد أدركت ضرورة الإسراع. والتصرف دون تردد.. كي لا أدعه هو يتمادى.. فسكوتي يعني أستسلامي، وضياع الفرصة التي تمنيتها، وانتظرتها طويلاً.. وها هو السلماني يتيحها لي.. يفرشها أمامي كبساط.
-اشهدوا يا رجال، إن منير سبني أمامكم دون وجه حق. ويبدو أنه يريد أخذ ثأر الأشهر الستة... لكني لن أمكنه. لم أكمل.. تعمدت مباغتتهم جميعاً، واستغلال عامل الوقت قفزت صوبه بخفة. وفي خلال ثوان كنت أقف خلفه وقبضتي اليمنى التي تتحكم بالمنجل على رقبته، واليسرى تمسك خصلة من شعره الأسود الفاحم.
حاول الحركة والإفلات فضربته بقدمي، رفسته فخمد كخروف العيد. وتقافز الرجال الثلاثة مبتعدين، كأرانب مذعورة. وتحرك حسان مصعوقاً وهدد. وشهر حمودة بندقية فحذرتهم:
-أبقوا في أمكنتكم ولا تخافوا.. لن يمسكم مني أذى.. وأنت أيها الأعور الذليل، أحذر من أن تخطئ الهدف فتصيب سيدك قبل أن أحز رقبته.
ران الصمت مرة أخرى. ثم راح السلماني الذي أخذته المفاجأة يرتعش ويتوسل. كأنه فطن أخيراً لمقدار تهوره، وأردك أنه أشعل النار في بيته، فخاف من الإنفجار المدمر، بعيد المدى، فقال مراوغاً:
-ماذا تريد يا بني؟ وأنت يا حمودة ألق البندقية.. ألق.. كلماته "المهذبة" أعطتني أنطباعاً بتخاذله أعلمتني بانهياره السريع غير المتوقع:
-بكم باعك أبي أرضه؟ بكم اشتريتها؟
-اتركه.. اترك أبي واخرج.. وإلاّ..
هدد حسان بإنفعال وهو يخطو باتجاهنا فنهره:
-ارجع يا حسان.. ارجع ولا تتهور.
توقف الابن ومن ثم تراجع. وعاد السلماني يرواغني ورقبته بيدي:
-أبوك! اللّه يرحمه.. لا أفهم!! قل ماذا تريد؟
"ما أسهل فرض الشروط وإصدار الأوامر وأنت في موقع القوة والاقتدار!" هكذا حدثت نفسي ظناً مني بالنجاح.. لكني لمحت إشارة خفية من حاجبي السلماني، مرسلة إلى ابنه فعرضت مقدار غبائي، لأنني تأخرت كثيراً..
تطلعت إلى حمودة المرتعب، فخمنت دون عناء إنهم سيغدرون بي.. برزت صورة العميد أمامي على حين غرة! حلت ساخرة هازئة مستخفة، فتوترت أعصابي وتحركت أصابعي رغماً عني فحركت المنجل ليحز لحم الرقبة الغليظة!
انبثق الدم كشلال وجأر "الآغا" ككبش ذبيح، وصرخت أمي محذرة، وصرخ حسان متوسلاً:
كدت أجن. استسهلت حركة المنجل وهممت بذبحه لولا العقل! بقايا العقل أشارت عليّ بأن أقتلع الفكرة من نفسي المعذبة، وأستفيد من الفرصة المتاحة.
خرجت حشرجة من حلق السلماني. وتحلب فمه لعاباً وكأنه شم رائحة حليب أمه في فمه تحول صراخه الغاضب إلى همهمة الرضا والاستسلام التام.
تسابق الرجال بالفرار ووقف الابن مذهولاً حائراً.
وأخذ حمودة يتحرك كمن في دبره دودة، هلعاً لا يكاد يثق بماتراه عينه. وذعرت أمي لرؤية الدم المنساب شهقت، توسلت ألا أتهور وفرت هي الأخرى مرعوبة.
-لا تظنني ساذجاً.. أخبرتك بأني جئت لأخذ حقي فعليك الامتثال والخنوع لأمري، بدل الغمز لأبنك.. الحل الأمثل أمامك، الذي ينجيك من الذبح هو إعادة الحق إلى نصابه.
كلمته بحدة فلم ينبس بحرف، أخذ يبكي كرضيع تاه ثغره عن ثدي أمه.
-بكم اشتريت الأرض من أبي يا سلماني؟
-بألفين..
-هل سلمتها له حقاً؟ أم تقاسمتها مع شهود الزور؟
-.....
-من زور بصماته؟
سألته وكفي يتراقص أمام عينيه ملطخاً بدمه فلم يجب.
-ما عاد الإنكار مفيداً. أطلعني الجمولي على كل شيء، أعترف بتزوير ورقة البيع، وشهادة الأعور وسعدو الباطلة.
-الجمولي!!
-كافة الأوراق والمستمسكات أصبحت في حوزتي. سلمتها بيد محام شريف. نصحني بإقناعك أولاً قبل إثارة الموضوع ورفع الدعوى .
-من هو؟!
-سأفضحك وحق الله.. إذا لعبت بذيلك..
-ماذا تريد يا بني؟ أنا طوع أمرك..
أبدى مرونة! تنازل عن جبروته ومسح دموعه.
-لا أريد سوى حقي.. تعيد لي الأرض فوراً.
استمر ببكائه. فلوحت بكفي الملطخ بالدم.
-إضافة إلى ما يترتب عليك جراء استغلالها طوال هذه السنين.. لو حسبنا كل سنة بألف مثلاً..
-أنت تعرف أنها أرض متروكة وأني..
-أتعتقد أنني أصدقك؟. وأنت الذي رأيت "هبة المدفونة" تفر من الحديقة بحقيبتها!
صعق. رفع رأسه ونظر إليّ بعينيه الباكيتين وأقسم:
-بشر في.. سأعيد الأرض لكم.. وسأدفع كل ما تطلبه..
-لا أريد ابترزازك.. لقد حرمتنا من أرضنا طوال هذه السنين.
-قل كم تريد؟
-أتراني أستحق ألفي دينار..
-تستحق.. سأدفعها لك الآن.. الآن..
-إضافة إلى هبة، لا تظنني غافلاً عن دار أربيل والعزيزة "كهرمانة" فقد انضباطه ووقاره تماماً. ارتعشت شفته العليا، وتراقصت شعيرات شاربه. بينما جمد الابن والخادم في مكانيهما،
-يا كاكاحمه.. قل ماذا تريد بعد؟
-لا شيء.. سوى الأرض الشرقية.. أرض أبي، وما عليها..
-خذها مجاناً.. وأغلق فمك..
-لا أريد هذه المكرمة.. سأشتري التجهيزات بفلوسي لا بسكوتي.
-بعتها لك بألف دينار.
-وأنا اشتريتها بخمسمائة دينار.
-مبروك عليك يا كاكاحمه.. مبروك.. إنها لك بشرفي.. همس بصوت خائف. فانبرى حسان معترضاً.
-لا يا أبي.. لا..
-اسكت أنت.. اسكت.
صاح بابنه مما شجعني لمخاطبة حسان باحتقار:
-اتعترض بعد كل ما سمعته! أمامك السيد الوالد وشاهد الزور الأعور يمكنك التأكد منهما.. هيا أسألهما.. هيّا. سكت فازددت حماساً بينما صمت الأب وخادمه: أخبره بالحقيقة يا سلماني.. وأنت يا حمودة، أفي كلامي مبالغة أو افتراء؟ ألم تشهد زوراً مع سعدو في جريمة سيدك بالاشتراك مع الجمولي واصلاً الصمت، فاستطردت آمراً حسان:
-اذهب إلى بيت المختار. ليأت بسرعة ومعه محمد، كاتب البلدية. أبدى امتناعاً فحثه الأب المجروح، والدم يسيل من رقبته على قميصه.
-امض يا بني.. امض.. أنت يا حمودة أسرع فامض.. هيا امض.. بسرعة أمر خادمه حين لحظ تردد ابنه، وتدخلت بدوري مهدداً:
-قبل خروجك، ألق بندقيتك جانباً.. وإياك أن تتهور. رقبة سيدك ستدوسها قدمي قبل أن تقكر بشيء قذر.. وثق أنني سأفقأ عينك الثانية.. ثق، قبل تسليمك للشرطة بتهمة التزوير..
-نفذ ما يقوله لك كاكاحمه.. نفذ يا حموده..
زمجر السلماني ويده تتحسس رقبته. فانطلق الأعور راكضاً لا يلوي على شيء.
-أحسنت يا آغا.. أحسنت.. بدأت تحكم عقلك..
قلت له قبل أن يدخل سلطان متوسلاً:
-دخليلك يا كاكاحمه.. خذلي حقي من الآغا.. خذ لي حقي.. امتعضت، بصقت على الأرض. ورددت كلماته التي قالها لي ذات يوم:
-امشي يا سلطان "حقك تأخذه بنفسك.. لست مسؤولاً عنك ... امش يا جبان..."
قبل أن يمتهن السياقة، كان سلطان تاجر الخضراوات والفواكه الوحيد، في القرية، والمتعهد الرئيسي لنقل البضائع بيننا وبين أربيل والقرى المجاورة. ولولا الطمع لغدا سيد القرية دون منازع دفعه الشيطان ليشارك السلماني بحجة تصدير محاصيلنا إلى الموصل وبغداد. لم تدم الشراكة سوى أشهر غدر به السلماني بلؤم.. سلخ جلده وطرده. وأعطى الوكالة لسعدو قبل أن ينفرد بها حسان ابنه..
ارتبك سلطان أحسّ بالخذلان وتذكر ذلك اليوم الذي التجأت إليه أطلب مساعدته ليكلم شريكه ويرد حقوقنا فنهرني.. وطردني..
أبعد السلماني يدي عن رقبته. ومضى بمراوغته.
-أحسنت يا كاكاحمه.... بارك الله بك... كل شيء حلال عليك. أضاف وهو يمسح الدم بذيل قميصه:
-أنت رجل..... أثبت رجولتك...
-المبلغ الباقي متى ستدفعه؟ ألف وخمسمائة ديناراً
-غداً... والله العظيم.. نقودي في البنك...
-أعرف.. سلمك الجمولي خمسة آلاف.. لذا سأمهلك حتى عصر الغد.. واحذر أنت والجمولي.. قل له ستسلم الأوراق للقضاء عند أول بادرة سوء منه.. وليبتعد عني ولا يريني وجهه ما دام حياً. قاطعني وهو يلقي بعنقه المدمى إلى الخلف. مريحاً رأسه على الجدار. وهرع حسان يخفف عنه، ويساعده.
-أعطيتك كلمة.. ولن أتراجع عنها..
-يا كاكاحمه..
أراد سلطان أن يتملقني فنهرته دون أن أبرح مكاني:
-الأيام تعيد نفسها يا أبا محمد! قبل قليل قلت للسلماني: "الظلم مرتعه وخيم.." وأقول لك الآن: أن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.. فأخرس يا سلطان.. وأخرج.
رفض سلطان وتحرك محتجاً. فقفز حسان صوبه. يروم إفراغ حقده، ضربه بدلاً عني. فمنعه والده:
-قف يا حسان.. اهدأ واعقل.. اترك سلطان ليخرج.. استجاب الابن وتوقف. توقعت مثل سلطان أن يبادر السلماني إلى ما يفرحه لكنه أمر حسان:
-اذهب إلى البيت. اجلب لي من غرفتي، قنينة كولونيا. لأعقم الجرح.. قد يكون المنجل ملوثاً.. سامحك الله ياكاكاحمه.. سامحك الله..
استدار سلطان ليغادر المضيف متلوعاً من الفشل فناداه السلماني:
-مر عليّ غداً يا سلطان.. مر عليّ غداً.. غداً..
-حاضر.. سيدي الآغا.. حاضر..
هتف سلطان بتملق.. وحلق طائراً.. وتبعه حسان.
-لماذا فعلت بي هذا يا كاكاحمه؟ لماذا؟ أهنتني أمام أصحابي.. أما كان التفاهم أفضل!
الخوف والجبن حولا "الآغا الكبير" من وحش كاسر إلى قطّ مسالم فراح يسترضيني، ويهدئ من ثورتي. كأنه قرأ ما في أعماقي وأدرك جديتي..
أنت البادئ، والبادئ أظلم.
عاد حسان بعد دقيقة بقنينة الكولونيا، ومنشفة نظيفة.
تناولهما الأب وشرع يمسح الجرح النازف، ويرش المطهر.
وبعد دقائق جاء عبد اللّه المختار، يرافقه محمد حاملاً حقيبته الجلدية.
فزعا لرؤية الجرح، الدماء وزاد فزعاً لرؤية منجلي. ووضعية "الآغا".. المسالم!
-ماذا جرى يا بني؟ ماذا جرى؟
-سألني المختار فأجاب السلماني بدلاً عني:
-لا شيء يا حضرة المختار، لا شيء.. حصل سوء تفاهم، وانتهى بحمد اللّه..
لم أهتم لحديثهما.. تذكرت أمي وافتخار فسألته:
-يا مختار، ألديك مانع من زواجي هذا الأسبوع، أي اعتراض؟
بوغت حقاً، بدا الأمر محيراً بالنسبة إليه. فلا مزاح أو تهاون مع الموت، لكن "الصكوك" التي أحرقها فخلصت  رقبته من أسر الجمولي و" رقبة السلماني المدماة" دفعتاه ليفعل المستحيل في سبيل إرضائي..
-لا.. لا يا بني.. لا.. ولم المانع!
-قيل لي: أنك ترفض.. تمانع بسبب المرحومة..
-كذب.. الموتى لن يعودوا.. مبروك لك يا بني.. مبروك عليك مقدماً.. وسأحضر بنفسي..
-وسأحضر.. أنا أيضاً..
أعلن السلماني..
لم أكن مستعداً لسماع المزيد. وبدا محمد على عجلة من أمره. لذا استعجلتهم فجرى البيع والشراء بيني وبين منير السلماني بصورة قانونية، وبرضا الطرفين. وشهد المختار وحسان، يلفهما الذعر والرهبة، ويعتريهما العجب والحيرة!
وعندما انتهى كل شيء. أحسست بصداع خفيف يطرق قحف جمجمتي. فتركت المضيف وخرجت متجهاً إلى البيت.
وجدت أمي في سعادة. وهي تلاعب الدنانير المنثورة، على امتداد أرض الصالة!
لم تنتبه لدخولي. سعلت لأشعرها بمجبئي.
التفتت فرأتني واقفاً قربها. خجلت وراحت أصابعها تلمّ الأوراق النقدية.
-أخبرني سلطان بأن الآغا بخير فطمأنني..
قالت مسوغة عدم عودتها إلى المضيف واسترسلت:
-اليوم فقط احترمته.. افتدى روحه بالمال من شر مستطير.. كان من الممكن أن يحرق الأخضر واليابس.
لم أعلق.. فسألتني بمكر:
-أكنت جاداً في ذبحه.؟
-لا أدري.. ربما..
أجبت، ودخلت غرفتي. فلحقتني.
تمددت على سريري. أغمضت عيني فسمعتها تهمس بخوف:
-جسمك متورم..!
قاطعتها بإشارة من يدي.
-دعني أجلب لك الحكيمة..
-لا داعي..
-إنها لدغة ثعبان!
-دعني الآن لأغفو قليلاً، إنها ليست أول لدغة!
-ماذا تقصد؟ ربما يتسمم جسمك كله..
-لا تخافي.. جسمي متسمم قبل الثعبان.. ولكني لن أموت الآن.. لم يحن وقتي بعد.. لم يحن..


vvv





-4 -
قبل صياح الديكة استيقظت شعرت وأنا أنهض بحيوية عجيبة، دفعتني لمغادرة السرير.
زال صداع أمس وبدوت في كامل نشاطي! فعجبت ودهمتني الأسئلة. تساءلت وألم الذكرى يعتصر بكلتا راحتيه فؤادي، هل يكذب الأطباء؟ أيمارسون إرهاب مرضاهم؟ أم أنهم لا يجيدون التشخيص؟
توضأت. تجرعت كوباً من اللبن، وأكلت كسرة خبز. وهما بقايا ماجلبته بالأمس أمي التي لم تزل نائمة عندما تركت البيت ومعي منجلي، معلقاً في زناري.
شعرت بعذوبة النسيم وبرودة الهواء، وأنا أواجه الساحة. وتسلل نسيم الليل إلى وجهي، وأنا أتجه إلى المسجد ناوياً الصلاة خلف ملا عطا الله.
بعد خطوات قليلة توقفت أستجمع أنفاسي وأملأ صدري بالهواء. لفحني النسيم البارد فآنتعشت روحي ودمعت عيناي. ارتعشت بنشوة. وسرت وسط الضباب المتجمع.
كانت رائحة الأرض الندية المفعمة بأريج العشب، تعطر الجو الممتلئ بالضباب، وبوشوشة الأعشاب وهسيس الأشجار وطقطقة العيدان، وبصوت اصطفاق باب حظيرة المختار الفارغة.
وجدت باب المسجد مغلقاً. فمضيت قدماً إلى دار الملاّ. طرقت الباب بهدوء، ثم بشدة حين لم أسمع جواباً. وبعد دقائق فتحت زوجته رباب، بعد أن أضاءت المصباح الخارجي.
بدت عليها الدهشة، لرؤيتي منتصباً أمامها!
-كاكاحمه!! ماذا تريد؟
تمعنت في وجهها الملطخ بألوان الليل. وتبسمت:
-جئت للصلاة. ذهبت إلى المسجد فوجدته مغلقاً!
بانت دهشتها بوضوح مع الأصباغ الباهتة:
-ما زال الوقت مبكراً يا كاكاحمه! وعمك الملاّ لم يبرح فراشه بعد!
تناهى إلى سمعي صوت خرير ماء. فداخلني الشك في قولها. ولأني ما تعودت أن أسمع كذباً من خالتي رباب، صدقتها. وكأنما أراد اللّه أن يبرئ ساحتها "مما تدعيه عمتي" تعالى في تلك اللحظة صياح ديك من مكان قريب! ثم تسابقت الديكة بالصياح. وكأنها على اتفاق مسبق.
-اللعنة، نامت الكلاب فاستيقظت الديكة.
-لا يا كاكاحمه.. لا.. لا تسب الديك.. إنه يوقظ المسلمين للصلاة.
نهرتني بأدب، فتراجعت عن لعنتي وقلت مؤكداً:
-أعرف يا خالة رباب.. أعرف.. فإذا صاح الديك فليقل:
أحدكم سبحان ربي الملك القدوس.
ذكرتها بما نسيته فرددت بزهو:
-سبحان ربي الملك القدوس.
وأردفت معاتبة:
-إذ كنت عارفاً كل هذا فلم تتغافل!
لم أول اهتماماً لما قالته. خاطبتها وأنا ابتعد على غير هدى.
-سأتي بعد قليل.. لينهض الملاّ.. سأذهب لإيقاظ الرجال.
ضحكت بهدوء.. ولاحقني صوتها هادراً:
-تعال افطر عندنا.. سننتظرك..
رفعت يدي شاكراً ومضيت.
مررت على بيت جدي المهجور فتوقفت. جالت في ذهني الذكريات المريرة.. تخيلت جدي وهو يخرج حاملاً عصاه! ويروح يتوعدنا.. أنا وأخي "رحيم" ولاح "دم عمتي بتول" وهو يغطي أرض الحمام أكثر احمراراً.. ونقاوة! فلم أحتمل المنظر البشع المحير..
استأنفت سيري فسمعت صوتاً يناديني بعد عدة أمتار! التفتّ فرأيت المختار واقفاً في غرفة نومه، يسند كوعيه على قاعدة الشباك الغربي. يفرك عينيه لطرد النعاس. رثيت لحاله، فهو يعيش وحيداً. يتعاون على خدمته-منذ وفاة زوجته -شباب القرية. يطبخون له وينظفون داره ومكتبه.
-صباح الخير يا حضرة المختار.
-صباح النور يا كاكاحمه.. إلى أين؟
-أريد الصلاة في المسجد..
-المسجد صار خلفك يا كاكاحمه!
-صحيح! سأرجع.
استدرت عائداً فصاح مستغرباً، ساخراً:
-تعال هنا.. ماالذي جرى لك؟ ماذا بك؟ تصرفاتك غريبة!
-لا غريب إلا الشيطان يا حضرة المختار.
-القرية كلها تتحدث عنك.. لا حديث لهم غيرك..
-ما دمت لا أملك أقفالاً، فستظل أفواههم مفتوحة. رددته بسخط وحاولت المضي بعيداً عن وجهه فاستوقفني
-اخبرني باللّه عليك، من أين حصلت على الصكوك؟
أغضبني استفساره. تملكني النفور منه فصحت به:
-رجوتك يا مختار ألا تذكرها! والآن أنذرك إياك.. إياك أن تفتح فمك ثانية.. بصددها.. انسها..
-وحامد الجمولي..؟
-دسه بقدميك كحشرة قذرة. ما عاد له عندك أي شيء حتى عود كبريت.. فلا تخف منه..
-أتظنه يسكت.. سيشتكي علينا؟
-ليلحس البلاط.. كفاه استغلالاً لك.. مضت عشر سنوات على الحادث.. وأنت لم تزل في خنوع مستمر! وإذا ما اقترب منك. سأقتله وحق اللّه. سأحز رقبته وأحسب أن اللّه لم يخلقه.
ابتسم برضا واقتناع. دعاني للدخول فرفضت، وإذا به يسألني:
-لماذا نسيت أوراق الأرض؟
-أية أرض؟
-الأرض الشرقية!
-ما بها؟
رازني بفزع وزفر بغيط:
-لا تجنني يا كاكاحمه! ألم تشترها أمس من السلماني؟
-نعم.
-إذن لم تركت الأوراق ومضيت دون سلام؟!
-أنا!!
-لا.. أمي! نعم أنت.. تركتها بيد السلماني وخرجت! تنهدت وصمت مفكراً. تذكرت كل ما حصل فدهشت. لكني لم أشأ إظهار سذاجتي:
-أيقدر السلماني على اللعب بذيله؟
-كأنك لا تعرفه!
-وأنت لم تعرفني بعد يا حضرة المختار! لو فعل فمنجلي ينتظره.. أين هي الآن؟
-أخذتها منه، أردت تسليمها لخجة، البارحة.
جئت مع محمد... وجدناك نائماً. فأخذها محمد إلى كاتب عدل أربيل، ليوثق عملية البيع ويصدقها بصورة رسمية ليسهل تسجيل الأرض بالسجل العقاري، لتحصل على سند التمليك.
-حسناً فعلت يا مختار.. لكن.. كيف نسيتها عندكم؟
-اسأل نفسك!
-سأسألها..
-عجيب!!
هتف ساخطاً.
تطلعت إليه مستغرباً. فتابع غير عابئ بضجري.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire