samedi 17 novembre 2012

أعاصير في بلاد الشام4






مشروع الأستاذ عزيز صغير على قيس الذي يلوب كالشباب منذ نكبة فلسطين متسائلا لماذا ضاعت من العرب أراضيهم وهم كثرة؟ لماذا وقف العالم ضدهم؟ لماذا.. ولماذا .. ولماذا؟ كيف يؤسس مجتمع جديد وقيادات جديدة؟ استعادة مجد العرب؟ كيف؟ لايكفي استيحاء الماضي! بالماضي نقاوم إسرائيل التي تزرع مستوطناتها بآلات حديثة وتبني مدنا معاصرة وتستخدم بنوكا اوربية؟ سيبقى قيس مفتونا بالشعر العربي القديم وشذى القرآن. لكن كيف يفسر كارثة معاصرة بعقل معاصر؟ وبأية معاصرة يقابلها؟ ماالعمل؟ 
هل يوحي كل زمن بأجوبة كما يوحي بأسئلة؟ هب نسيم من سوريا! وهب من مصر. بيّنت أول مذكرة للقيادة المشتركة أهمية الأردن وصعوبة الجبهة السورية وبعد المصرية. يجب أن تنضم الأردن للقيادة المشتركة. كيف؟ وهل يمكن ألا تهب على الأردن ريح الخمسينيات، وهو استمرار حوران، جنوب سوريا، ونصف عائلاته في الشمال ونصفها في الجنوب؟   
في مقهى في عمان عرفه رفيقه فائز بمجموعة من الفلسطينيين. بحث مثل بحثك ياقيس هز عصبة العمل الوطني في فلسطين. نحن مجموعة صغيرة تقاوم استكمال هزيمة العرب بالقواعد العسكرية. نكتب نشرات ونوزعها. ممنوعة طبعا! نقاوم القواعد والأحلاف العسكرية التي يقترحها من خلق إسرائيل! بدأ مشروع سوريا الكبرى من هنا ليفقد سوريا استقلالها! سقط مشروع الهلال الخصيب الذي رعته العراق. والآن يجب أن يسقط حلف بغداد! خلال هذا الصراع يتغير الناس والمجتمع والقيادات. لاقيمة للفرد وحيدا ياقيس، البركة في الجماعة! هل كانت تلك المجموعة تحتاج فردا مثل قيس، ماهرا في خطاب الناس، يجمع حوله جمهور النادي الثقافي في بلده، وأصدقاء من أحزاب واتجاهات متنوعة!
لم يعد العالم مغلقا في صراع لاأفق له. بل أصبح للصراع ناظم تتحرك به المجتمعات من شكل إلى شكل. الإنسان هو صاحب هذا الكون وهو الذي يجب أن يقرر مصير مجتمعه. لكن الإنسان فردا لايبدل الوضع الراهن. تبدله الحركة الواعية التي تقودها الطليعة إلى مجتمع متقدم، فيه حريات سياسية واجتماعية وفكرية، والثقافة فيه حق الناس! هذا مايريده قيس! وجد الجوهر الذي يبحث عنه! هل كان ذلك كله ساذجا وبسيطا؟ لماذا يجب أن تسلك الحقائق الطرق المعقدة؟! سيعرف فيما بعد أكثر مما عرفه الذين حدثوه عن خفايا الأحلاف وعن الحرية والقومية والاشتراكية وتطور المجتمعات البشرية. لكنه اكتفى بالجوهر! وجد قضية يرتمي فيها بروحه كلها. سلم قيس مصيره للخمسينيات المجيدة والدامية. وخيل إليه أن بلده سيتبدل قريبا في حياته نفسها. وبدا له أنه هو نفسه أصبح جديدا، مختلفا.  لكنه لن يعرف إلا فيما بعد أن المجتمع الذي رفضه أسس جزءا من روحه وطباعه. 
تدفق قيس متحمسا. يريد أن يشرك من حوله باكتشافاته؟ قال في محاضرته: لن يرد الحق إنجيل ولامصحف، جرنا للبؤس الغرب الذي شيد على أشلاء موتانا دويلة السلب. ولن نرده إلا بمقاومتنا قواعده العسكرية! صفق له الجالسون والواقفون. جروه أو جرهم إلى مظاهرة كبيرة تضامنت مع المصريين الذين تظاهروا ضد المعاهدة البريطانية.
يقصدون المعاهدة البريطانية في مصر أم يقصدون المعاهدة البريطانية هنا؟! في اليوم التالي فتشت الشرطة بيت قيس. فوجدت نشرات ضد القواعد العسكرية، وكتاب أندريه جيد "مات الله". مات الله؟ أنت ياقيس إذن أكثر مما نعرف! أنت عضو في حزب سري!
لكن لايوجد "حزب الشعب الديمقراطي" بعد! توجد مجموعات "الديمقراطية" من فلسطينيين لجؤوا بعد سنة 1948، وأردنيين درسوا في الجامعة الأمريكية في بيروت وفي الجامعة السورية في دمشق لمّتهم مقاومة الأحلاف. لايعرفهم قيس، لكنهم سيرتبون الدفاع عنه! 
حوكم قيس بعد ثلاثة أشهر مرت عليه في السجن. رئيس المحكمة بهجت التلهوني، الذي صار فيما بعد رئيس وزراء وعضوا في مجلس الأعيان. محاميا الدفاع شفيق رشيد، الذي أصبح فيما بعد وزير عدل ثم سكرتيرا عاما للمحامين العرب. وصلاح الدين ، الفلسطيني. بين يدي القاضي المستمسكات التي ضبطتها الشرطة عند قيس. 
قال المحاميان المدافعان عن قيس: أولا، لايمكن أن يكون موكلنا عضوا في حزب الشعب الديمقراطي لأن هذا الحزب غير موجود! ثانيا، كتاب "مات الله"، المستمسك ضد موكلنا، كتبه أندريه جيد ليبيّن فيه أن مثله الأعلى، الاشتراكية، مات. الكتاب إذن ليس كتابا دينيا، وليس دليلا ضد موكلنا، بل معه. يالحرج المحكمة! كان قيس قد أنهى ثلاثة أشهر في السجن. فحكمت عليه المحكمة بالسجن ثلاثة أشهر. نقل من المحكمة إلى السجن مباشرة، سلموه أشياءه وأطلقوه. لكن الشرطة ليست المحكمة! أفلت منها اليوم لكنه لن يفلت غدا! يهددونه؟ لايبالي بهم! وجد محور حياته، ولتعصف العواصف! ولن تكون المرأة، المخلوق الجميل، غير عنصر فقط يواكب هاجسه الكبير، الوطن، حتى يمتنع عليه!
استقبل قيس المهنئين بخروجه من السجن. احتفى به غرباء لايعرفهم. وتفرج عليه شباب كما يتفرجون على بطل. عبق في بيت قيس انتصار بدا كأنه انتصار على حلف بغداد نفسه. تحدث رجل حديثا هادئا عن حركة التحرر الوطني التي تحرك آسيا وإفريقية وأمريكا اللاتينية، وتتوهج في الآرض العربية. قال في نشوة: لكل زمن سمة. وسمة الخمسينيات أنها للأستاذ عزيز مجموعة مريدين، ومشروع حزب، لكنها لنا ولقيس فضاء! اكتشفت الشرطة علاقة شيخ الجامع في قرية قرب إربد بالشيوعيين، وقيل بالبعثيين، فربطت رقبته بلفته وجرته في الشوارع. مع ذلك وقف المختار وقال للشيخ البديل الذي شتم البعثيين والشيوعيين في صلاة الجمعة: اسمع! نصف هذه الضيعة شيوعي ونصفها بعثي، فالزم حدّك! وعندما تحدث الشيخ عن الملائكة التي تنقل الأخبار وقف رجل من المصلين وقال له: تجعل الملائكة كالمخبرين؟! عيب، ياشيخ! سمى السياسيون هذه الأيام زمن نهضة حركة التحرر الوطني! يجب أن يسموها سنوات البريق!
وقت كنت في السجن ياقيس، لم يكن لدى مصطفى الذي أرسل إلى الإتحاد السوفييتي سنة 1917 برقية باسم "الحراثين"، بطاريات راديو. فاخترق الطريق الموحل ودق الباب على جاره: نمت؟ لا! خير؟ يجب أن أسمع الراديو! أضاء جاره الفانوس وجلسا يبحثان عن المحطات. هاهي! استمع الزائر إلى الأخبار. بعد الأخبار نهض لينصرف. سأله صاحب البيت دهشا: أذاعوا ماأتيت لأجله؟ نعم! لاتزال الأحلاف العسكرية معروضة لكنها لم تنتصر! ظنه أتى في الليلة العاصفة ليسمع خبرا عن نجاح ابنه في الشهادة! نسي أن الرعيان يحملون في هذه السنوات الخمسينيات الترانزيستور ليسمعوا الأخبار.
روى رجل آخر أن ابن عم مخلص، الذي فصله عرفان من عصبة التحرر، وسيقتل في السجن فيما بعد، ضابط الشرطة، صادفه في الطريق: اعطني نشرة جماعتك ضد القواعد العسكرية! فرد: تجرؤ؟! قال له الضابط: الله يسامحك! مقبولة منك! خذ هذا الدينار مساعدة لهم! فرد في كبرياء: آخذ منك مساعدة!! وعندئذ روى قيس أن أحد رجال الشرطة الذين فتشوا بيته طلب أخته للزواج "كي يكون لأولاده خال شجاع"! 
عند الباب همس الرجل الذي أتى بوفد المهنئين: كن حذرا! نريدك خارج السجن لاداخله! البطولة أيضا أن تحمي نفسك منه! لكنه كلفه بتنظيم مظاهرة يمكن أن توصله إلى السجن. فهمس قيس مرحا: توصل الدروب كلها اليوم إلى هناك!
كشف قيس موهبة منظم ماهر ودقيق. فكانت المظاهرات تتجمع هادرة وتذوب كالملح عندما تتفرق. لكن قيسا وسط حماسته لم يستطع أن يجمع الرحمة إلى الحزم! كلف شابا بأن يبدأ الهتاف في المظاهرة التي ستتجمع وقت خروج المصلين من المسجد ضد القواعد العسكرية. لاحظ الشاب أن الشرطة سبقت المتظاهرين فقدر أن سر المظاهرة أفشي. لم يهتف فلم تتجمع المظاهرة. قال له قيس: هذا جبن! بكى الشاب، وهاجر من البلد.
كانت هوية يومذاك قد أتت من العدسية واستأجرت بيتا تمضي فيه الصيف بعيدا عن حر الغور. تركت بيتها وسلطانها وأتت إليه؟ نام تحت ناموسيتها. ومع ذلك تبينت مسافات أخرى بينهما ليست البعد بين بلدتين. عاد إليها متأخرا. لماذا؟ كان يجمع التواقيع على عريضة ضد القواعد العسكرية والقنابل الذرية! جفلت هوية: هذا كلام شيوعيين! ماعلاقتنا بالقنابل الذرية والقواعد العسكرية؟ هذه شعارات مستوردة! قال لها: كلامك كلام أميركان! أكدت له: الاشتراكية هي الخطر الأكبر علينا، لاالاستعمار! رد: لاأرى غير القواعد العسكرية والمعاهدة البريطانية هنا! رجته: اترك السياسة ياقيس! رد: ليت السياسة تتركنا! هي في كل شيء. كلامك نفسه سياسة! البهائية سياسة! موقف! لم تكمل هوية الحوار معه. ستنتظر يوما آخر.
طلب منها أن توقظه باكرا كي يجد سيارة توصله إلى عمان ليراقب المظاهرة التي لن تنطلق لأن الشاب لم يعطها الإشارة بهتافه. أيقظته. حضرت له الفطور. سألته: أخذت ماوضعته لك تحت المخدة؟ ماذا وضعت له؟ رسالة حب؟ وجد ثلاثين دينارا. فرفع ذراعه وصفعها وخرج. تشتريه؟ رأى مرة أخرى حاكمة العدسية ولم ير المحبة. 
في المساء رجع إلى بيته. فوجدها جالسة مع أبيه. كيف اهتدت إلى بيته؟ بعد القهوة انصرفت. وتبين قيس أنها تركت له هدية: ثيابا. قال له أبوه: بهائية! احذرها! لم يتساءل قيس: ماالفرق بين ثلاثين دينارا وبين هدية أغلى منها؟ ولماذا يقبل منها جسمها وروحها ويرفض مالها؟
حسب قيس عودته إليها اعتذارا. ولم يذكر أحدهما الصفعة. قالت له: أنت الآن دون عمل. قدم طلبا للمحفل البهائي لتأخذ حقك. من يعلّم البهائيين له حق الوارث! تحدثه امرأة عن حاجته؟ يرفض ذلك! فهم كل منهما أنه سيترك الآخر. كانا ينتظران فقط سببا خارجا عنهما كأنهما يغاران على حرمة الذكرى. عادت هوية إلى العدسية. وفهم قيس أن زمن العدسية انتهى. فهل يستطيع ألا يودعه؟
نزل إلى الشونة موجوع القلب. اتفق مع سائق تاكسي انتظره في المقهى ومشى إلى العدسية. ليست العدسية بحاكمتها! بل بالمسكينة فيها! عبر الدرب كأنه ذاهب إلى غرفته القديمة. ثم دخل مزرعة غولروخ. رآها من تحت شجرة البرتقال تسند رأسها إلى زجاج النافذة كأنها تبحث عن شيء في العتمة خارجها. هبّ قلبه. تتوقعينني ياوردة؟ وقف يستمتع بها وهي في إطار النافذة، نجمة مضاءة في عتمة البستان. ظل واقفا حتى استدارت لتبتعد فركض إليها. رمى حجرا صغيرا على النافذة، ورآها تسرع في لهفة إليها. فتحتها وتلفتت فخطر له أن يصفّر لها. ثم خرج من الظلام حذرا. لم تتكلم، عانقته صامتة، شدته إليها، وضعت رأسها بين كتفه ورأسه وسكنت زمنا. أنت؟ كم كان اللقاء مبهرا! لكنه لايمكن أن يستمر! 
  







بقيت هوية في العدسية، وعبرت أسرة لور معه بعض سنواته الحاسمة. ليست المسافة فقط، ياهوية، مايقرر الفراق واللقاء! للعدسية في قلبي أشواق! لكن البهائية ابتعدت والعدسية صارت بعيدة!
تابعت أسرة لور قيسا في المحاكمة. استمعت إلى اكتشافاته. وقرأت النشرات التي حملها لها. استهوتها العدالة التي يتحدث عنها كما كان يستهويها الشعر؟ لاتستطيع لور أن تندفع إلى هناك! ستكون من مريديه الصامتين! سالم، أخوها، هو الذي كاد ينجرف بقيس! وكان ذلك في عمان.
اشتغل قيس في دائرة الأراضي في جبل اللويبدة في عمان. وانتقلت لور لتشتغل في عمان. فجمعتهما المصادفة مرة أخرى. بيت لور في طريقه! غرفتان وسط بستان، بينهما شجر وأحواض زهور وفي نهاية البستان حمام. يلمح لور أو أمها أو إخوتها. ينادونه: تفضل! هناك التقى أول مرة بسالم الذي نزل من قطعته ليزور أهله.
تنقل قيس وسالم بين نادي التعاون الذي يلتقي فيه الشيوعيون وبين المنتدى العربي الذي يجتمع فيه البعثيون والقوميون العرب. ثم فضلا المنتدى العربي لأنهما يستطيعان هناك أن يشربا كأسا من البيرة. تعليمات حزب الشعب الديمقراطي، ومنظمة مناهضة القواعد العسكرية، صارمة: لاتقربوا الجيش! أول أسئلتهم: هل لك أقرباء في الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل أنت منتسب للجيش؟ لماذا خطر لقيس إذن أن يحدّث سالماً عن القواعد العسكرية والمعاهدة البريطانية؟ طبعا، يجب أن يحدثه عنها! في الأيام التالية قصده شباب قالوا له: حكى لنا سالم عنك، اعطنا النشرات التي أخذ مثلها منك!
صحا قيس؟ لعل اعتقاله أنقذه من خطر أكبر! مر في طريقه في جبل اللويبدة ببيت لور. تفضل! رد: سأعود! لديه موعد مع خليل الذي سيحمل له منشورات. أتى خليل على دراجة، سلمه حزمة المنشورات وانصرف. على بعد خمسة أمتار رأى الشرطة تنتظره في أسفل الدرج. سلّمه خليل إذن ودليل إدانته في يديه! صرخ قيس: ياناس، خليل جاسوووس، خليل جاسووووس! سمع المارون قيسا، وسمعته لور. سيصل الخبر لمن يجب أن يصل إليه! لكن قيسا لم يعرف أنه حمى نفسه! لم تقدمه الشرطة للمحاكمة، كي تستر خليلا. فنقل دون محاكمة إلى معتقل الجفر. اصرخ ياقيس في الصحراء كما تشاء! أسس هناك مع أصحابك جمهورية، واكتب لها دستورا أيضا! تسخرون؟ ستكون تلك الجمهورية على مدّ العين، وسيكون لها دستور! 
بعد الطريق الطويل في سيارة قفزت وترنحت في ليل بارد، احتفل قيس بوصوله سالما إلى معتقل الجفر. وبدا له هدوء الصحراء مخمليا بعد هدير السيارة طول الليل. أليس الممتع أن يرحب المعتقلون بالضيف الجديد؟ قال لمن عانقه: كأنكم تمنيتم حضوري وانتظرتموه! من قال شر البلية مايضحك؟ افتتح ياقيس الأشهر التي ستعيشها هنا، وقصّ الشريط الحرير! وماأكثر ماستقصّ في بلادك الأشرطة الحريرية فيما بعد! رأى قاووشين، واحدا للمحكومين وآخر للمعتقلين، بينهما شريط يتحادثون من خلاله. رأى في أقدام المحكومين سلاسل. فتساءل: في أي عصر نحن؟ رد عليه طبيب معتقل: تكتشف بلدك؟ اكتشفه، لكن لاتبالغ! في اليوم الأول يبدو كل شيء صعبا وغريبا! احتفل بأنك دون سلاسل، مع المعتقلين! صدم قيسا هدوء الطبيب أمير تصور أن ربط إنسان بالسلاسل يجب أن يثير تمردا، إضرابا، عصيانا! قال له الطبيب: لكل تعبير حسابات سياسية دقيقة، كيلا تفشل أو تفجع! تأمله قيس فابتسم الطبيب: ذات يوم كنت مندفعا مثلك. ثم تعلمت الحكمة! سأله قيس: كم عمرك؟ عمره ثلاثون سنة، متخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت. وكم هو وسيم! قال: وصلت ياقيس عشية الاحتفال! غدا يوم الجمعة. يسمح للمحكومين بأن يتغدوا عند المعتقلين. ويمتد احتفال الغداء من الصباح حتى الساعة الرابعة تقريبا. يقرأ المحكومون والمعتقلون ماترجموه أو كتبوه من مقالات وخواطر وشعر وقصة! صدقوا إذن! جمهورية في الصحراء!
انظر! هذا هو عرفان! الرجل الأسطورة أمام قيس! سمع قيس تفاصيل حياته! فهل تستطيع المثل أن تعيش حياة شخصية؟ لاحق لها في حياة عادية! يعرف قيس أن عرفان ولد في بلودان في سورية، ورجع إلى الناصرة سنة 1922 درس حتى الصف الرابع فقط، وترك المدرسة فاشتغل عاملا في صناعة الأحذية. اشترك في انتفاضة البراق 1929 وفي انتفاضة 1936 نفي وحكم بالإقامة الجبرية في الخليل. سجن في سجن عكا. بعد السجن بقي في الإقامة الجبرية في الناصرة. هرب إلى الثوار في الخليل. وقاد الانتفاضة المسلحة في سنة 1939 في منطقة القدس والخليل خلفا لعبد القادر الحسيني الذي جرح. من اشتباكاته مع الإنكليز في كسار وعرطوف وأم الروس كسب شعبيته. جرح ووصل مشيا إلى بغداد. دخل الكلية العسكرية وتخرج منها بعد أشهر. واشترك في ثورة رشيد عالي الكيلاني. بعد فشل الثورة انتقل إلى ايران. رفضته ايران فنقلته السلطة العراقية إلى كردستان، ثم اعتقلته. بعد العفو العام في أواخر 1943 رجع إلى فلسطين وفرضت عليه الإقامة الجبرية.
أتعرف ماالفرق بيننا وبين اوربا ياقيس؟ تعتد اوربا برموزها. وقت يصل الفرد فيها إلى مستوى الرمز تمدّه في الولاء العام وتجعله تراثا وطنيا لتعتد به أمام الهوية الأخرى! نحن، قد نستطيع ذلك عندما نقلّب تراثا قديما. فنعترف للغزالي ولابن رشد بالمكان التاريخي. لكننا في الصراع المعاصر نحبس الخصم الفكري في سجن حقيقي أو معنوي. لانعي أن الوطن يغتني برموزه المتنوعة!
أعد الغداء احتفالا بعيد ميلاد عرفان. كتب قيس متحمسا، مسرعا، متدفقا قصيدة له. ألقاها بصوته الذي يصبح عذبا شجيا وقت يلقي الشعر. كان المعتقلون والمحكومون ملتفين بالحرامات من البرد. فهبّ عليهم دفء من شعر قيس ومن صوته. وقف عرفان، رفع يديه المقيدتين بالسلاسل وعانقه. رفّ قلب قيس. تأثر الحاضرون. دمعت عيون بعضهم. لاشيء يمنع هؤلاء المرتجفين من الصقيع، المحرومين من دفء البيوت، من فوران العواطف وحرارة الايمان! ستمر السنوات والمحكومون يرددون كل يوم لايمكن أن تبقى الدنيا كما هي الآن! فأي حلم مبهر يرون! أية ألوان؟
أصبح قيس نجم المعتقل! زاده حنان رفاقه توهجا. استمتع بالحب وسيظل طول حياته عطشان إليه. ياللشاعر! توقده المحبة، وتطير به! في لقاء المعتقلين والمحكومين التالي أنشد قيس قصيدة طفح فيها حبه على فلسطين حتى الشفقة، فقبل في شهامة أن يبقي فيها، يوم يستعيدها، بعض الغرباء الذين يحبونها، شرط أن يعترفوا بالدولة الفلسطينية الديمقراطية! يحلم؟! ياقيس لم تتبين بعد مشروعهم! لو كان مشروعا صغيرا لما طردوا شعبك! وسيظلون يلاحقونه!   
نهض عرفان، عانقه وقال: هذه قصيدة تنضح بالأممية! أطرب قيسا أن يعانقه قائد ويمدحه! أطربه أن يصبح مركز الحب! الاتفاق مع المجموعة مريح ياقيس، والخلاف معها يشقي. لكن الصراع مع الضمير هو التعاسة. لن تهنأ زمنا طويلا بالرضا وستضحي به!   
وجد قيس في المعتقل مجتمعا منظما. سيدين له كثير منهم بكشف مالم ينتبه إليه في روحه من خير وشر، وبتقويم طباعه، وبدفء الصداقة في المرض والبرد. تمثل المعتقلين مجموعة تتصل بالحرس، توزع مجموعة الأعمال من طبخ وتنظيف، وتكتب مجموعة دفاتر الثقافة التي يتداولها المعتقلون. قرأ قيس في أحدها مقالة عرفان: "تاريخ الحركة الوطنية في فلسطين". جفل؟ همس: خطأ! شتيرن والأرغون ساهمتا في طرد الاستعمار الإنكليزي من فلسطين؟! لا! خرج الإنكليز من فلسطين لأنهم استكملوا تنفيذ الوطن الصهيوني الذي تعهدوا به في صك الانتداب! قتلت العصابات الصهيونية المتطرفة من العرب أكثر مما قتلت من الإنكليز! حاربت الإنكليز لتخرجهم من فلسطين؟ كان مشروعها الأول أن تخرجني من بلادي! هل يعلن هو الشاب رأيه أمام رجال يكبرونه في العمر وفي التجربة؟ هل الوقت مناسب لذلك؟ مال إلى جاره الطبيب أمير وأشار بإصبعه إلى المقالة: يمكن أن يفهم منها أن الصهيونية حركة تحرير! رد الطبيب: تعبر مقالته عن اجتهاده الخاص! قصة اليساريين الصهيونيين قصة طويلة. بان أنهم كانوا صهيونيين ونكلوا برفاقهم العرب. حوسب بعضهم وأعدم. اقرأ فيما بعد عن بورغر! فهم اولئك اليساريون اليهود الجبهة الشعبية بأنها تعني دعم المعتدلين، وايزمان وبن غوريون، ضد المتطرفين، جابوتنسكي والأرغون! وأكدوا في عنصرية أن العرب غير مؤهلين للقيادة والتنظيم. كانت الحلقة محكمة فالمسؤولون في الاتحاد السوفييتي عن منطقتنا كانوا صهيونيين، مدير جامعة الشرق للكادحين، ومسؤول الصلة بين الجامعة والكومنترن، والذين أعطوا الشهادات بالعرب الفلسطينيين. اعتقل اولئك مع جوزيف برغر في حملة التطهير في الاتحاد السوفييتي. ولتتذكر كلمتي ياقيس: سيدفع ستالين طول عمره ثمن هذا التطهير الذي أبعد به الصهيونيين عن قدر بلاده وعن صلتها ببلادنا! ادرس تلك التناقضات المتلاطمة بعين باحث واسع لتكون استنتاجاتك واسعة. قدّر وزن الوقائع وقدّر أيضا وزن الأوهام! امسك السمة العامة لتحكم حكما صحيحا، كيلا تجنح بالتفصيل الذي لايعبر عن الجوهر. ياقيس، أعترف لك بأن قصيدتك الماضية لم تعجبني! كنت مجروفا بعاطفة خيالية! لاتستطيع أن تمارس قتل أعدائك الذين سرقوا بلدك، لأنك متحضر ورحيم. لكن خيارهم: أنت أو هم! ذكرتني قصيدتك بموضوعات إخوتنا في فلسطين. دعوا إلى دولة عربية حرة تحمى فيها حقوق الأقلية اليهودية. ذلك صحيح نظريا. لكن في الواقع كان اليهود "اليساريون" أولا قلة لاوزن لها، وكانوا ثانيا  يرفضون تحديد الهجرة الصهيونية أو منعها، وثالثا يرفضون أن يكونوا أقلية في دولة عربية! تمييز عصبة التحرر بين الصهيونية وبين يهود البلاد صحيح نظريا. لكن الصهيونية كانت تجرف أكثرية اليهود في فلسطين. استند يهود صفد إلى ثقة العرب فيهم واشتروا باسمهم بعض الأراضي للمؤسسة الصهيونية! وضح عرفان سنة 1946 أن كسب الجماهير اليهودية في فلسطين وإبعادها عن الصهيونية ممكن، وأن هذا النضال يجب أن يكون هدفا استراتيجيا للحركة الوطنية العربية. فهل هذه الموضوعة واقعية؟ كانت المنظمة الصهيونية العالمية تبتلع اليهود وتنظّمهم وهي التي تؤمن لهم العمل والسكن. تشهد أحداث مصفاة حيفا على هذه الشبكة من التناقضات. قررت مصير حيفا نفسها المؤسسة العسكرية اليهودية لامجموعة تنادي بدولة فيها حقوق متساوية للعرب واليهود. ولذلك انتبه إلى تحفظ غروميكو في الجمعية العامة وقت قال "إذا" استحالت دولة واحدة.. فدولتان. رأى كديبلوماسي مشكلة لاتحل. مصفاة حيفا مثل على امتناع واحات التفاهم بين العرب واليهود في زمن تحكمه الصهيونية. كان عدد العمال العرب في المصفاة 1700 عامل، ثلاثون في المئة منهم أعضاء في عصبة التحرر الوطني، وعدد العمال اليهود 270 عاملا، نصفهم أعضاء في الهستدروت. وكان الإداريون 190 يهوديا و110 عربيا و60 إنكليزيا. بعد قرار التقسيم انفجرت الصدامات بين العرب واليهود. وكان من أولها مذبحة مصفاة حيفا. رمت عصابة الإرغون في 30 كانون الأول 1947 قنابل من سيارة مسرعة على العمال العرب الذين ينتظرون عملا يوميا أمام باب المصفاة. فقتلت ستة عمال وجرحت 42 عاملا. فانعكس ذلك فورا في صدام بين العمال العرب والعمال اليهود داخل المصفاة، وقتل أربعون عاملا يهوديا. أدانت الوكالة اليهودية هجوم الإرغون لكنها وجهت الهاغاناه إلى الهجوم على بلد الشيخ، حيث ضريح القسام، فقتلت ستين شخصا من عمال المصفاة ونسائهم وأطفالهم ونسفت عشرات البيوت. مع أن لجنة التحقيق بينت أن هجوم الإرغون عند باب المصفاة سبب الصدام في المصفاة، وبينت أن كثيرا من العمال العرب حمى العمال اليهود. عندما أعلنت دولة إسرائيل في أيار أخذ المهاجرون اليهود الاوربيون مكان العمال العرب في المصفاة وأخذوا بيوتهم ووطنهم! فهل كانت نداءات سحب الجماهير اليهودية من نفوذ الصهيونية موضوعة واقعية؟! لتكن تلك مهمة اليهود الذين تتاجر بهم الصهيونية وتفصلهم عن الشعوب التي يعيشون بينها! لكن لاتظن ياقيس أن المخطئين أو الواهمين فقط يدفعون الثمن! رتّب مؤتمر أريحا سنة 1948 لتعلن الشخصيات الفلسطينية المجتمعة فيه رغبتها في الانضمام إلى شرق الأردن فتطوى حكومة عموم فلسطين التي قررها مؤتمر غزة. عارضت عصبة التحرر الوطني قرار مؤتمر أريحا، فاعتقل بعض أعضائها. جرتهم قوات البادية مربوطين بالحبال خلف الخيل من نابلس إلى عمان، فمات في الطريق من العطش روحي زيد الكيلاني وجروه مقتولا، ووضع الباقون الأحياء في الجفر. لكن لماذا نذكر الأحزان فقط! سأروي لك مايضحكك. في تلك الأيام كسبت "حكومة عموم فلسطين" أحمد حلمي باشا، المقرب من الملك عبد الله. فلجأ إلى القاهرة. فأرسل إليه الملك برقية كتب فيها: ماعهدناك ياأحمد كبش نطاح! فرد أحمد باشا ببرقية قال فيها: ماعهدناك إلا نعجة لقاح! ضحك قيس والطبيب أمير. ضحكا أكثر مما تستحق البرقيتان. فهل كانا يردان عنهما صورة الرجال الذين جروا بالحبال خلف الخيول في حرّ تموز؟       
وضع الطبيب كفه على كتف قيس: إذا انقلبت الدنيا ذات يوم فألغي الاتحاد السوفييتي سيرى أعداؤه انتصاراته خطايا، لكن أحدا لن يعترف بأن قرار تقسيم فلسطين ظلم، أريد به أن يفتتح اجتياح المستوطنين الغرباء القرى والمدن العربية. ولن يقال إن الاعتراف بإسرائيل، فورا بعد إعلان نفسها دولة، خطأ حقوقي لأنه يشترط الاعتراف بدولة فلسطينية قررها قرار التقسيم لكنه لم يتضمن ولم يرغب أن تنشأ! مع ذلك لاتبحث ذلك هنا، الآن! واسمع نصيحتي لك كإبن: رموزنا ياقيس من تراب بلدنا. نتمنى أن نراها صافية، كأنها غير بشرية. وربما يوجد اولئك الناس المنزهون كالملائكة. لكن ليست مهمتنا فقط أن نكون، في مستوانا، رموزا فنضبط غضبنا، ونقمع أشواقنا، ونزن كلماتنا وخطواتنا. مهمتنا أيضا أن نحرس رموزنا الكبرى بحكمتنا. فلا نبالغ عندما نزن أخطاءها. تذكر أن الحركة الوطنية لاتعتمد رموزا مصنوعة في الغيب تحميها قدسيتها. بل تصنع رموزها بالحياة. ويوم تدمر هذه الرموز ويبدد الايمان بها سيعود الإنسان إلى زمن وحشي، وستنطلق شروره، وستصبح المجموعة البشرية دون معايير ومثل! وستكون تلك الحرب على الإنسان أبشع الحروب!
جلس قيس بعد حديث الطبيب صامتا. إقامته في الجفر، محاكمته، سجنه، خطاباته تجعله هو أيضا رمزا؟! فهل يستطيع أن يحمل ذلك الثقل؟ فيقيس عواطفه، ويكبح نزواته، ويزن كلماته، ويلجم حبه وكرهه؟ عاد إلى الطبيب. وقال له: لاأستطيع أن أكون رمزا! ضحك الطبيب: وأنا أيضا! لاتقرر الرموز لنفسها ذلك. يقرر لها الزمان! لك ياقيس مزاج شاعر، وسيقسمك إلى شطرين الحرية التي تحتاجها والالتزام بأن تسوس نفسك كرمز! لكن أليست للحرية التي نحتاجها وللتمرد على الركود معايير؟ المهم ياقيس أن يكون لنا وجه واحد لاوجهين! وأن نضع أنفسنا بين الناس لافوقهم. ففي المتمردين والثوريين والسياسيين ضبع يأكل روحهم إذا توهموا أن خدماتهم تفرض لهم على الناس ضريبة، وأن تضحيتهم تلزم مريديهم بأن يخدموهم. لاتظن أن السياسيين الحاكمين فقط يتصورون أنهم متميزون عن الناس! السياسيون غير الحاكمين قد يتوهمون ذلك أيضا! وهم أيضا قد ينحازون إلى أولادهم وأحفادهم ويقدمونهم على أولاد شعبهم.       
لم تمنع صداقة الطبيب وحب المعتقلين والمحكومين عن قيس التدرن الرئوي. نزف دما. تساءل مازحا: هل كان العرب يرسلون أطفالهم إلى الصحراء ليتنفسوا الهواء النظيف؟ والصقيع؟! اقتطع له المعتقلون أحسن طعامهم ليغذوه. ولكن حتى قيس يرفع رأسه إلى السماء ويرمي مصيره على القدر! لم يترك التدخين إلا يوم نزف أول مرة. من حظه أن حكومة توفيق أبو الهدى سقطت وأن فوزي الملقي، كلف برئاسة الوزارة. اختار الملقي شفيق رشيد وزير عدل. فأعلن رشيد عفوا عاما عن المعتقلين. وخرج قيس من الجفر مع المعتقلين. حاملا مرض الرئتين، ونفورا من عرفان دفنه في قلبه سيكون أساس خلاف طويل بينهما فيما بعد، ولن ينفذ نصائح الطبيب!








بعد أسبوع من استقبالات المهنئين بعودة المعتقلين من الجفر، اشتغل قيس كاتبا في دائرة الأشغال في إربد. مكتبه في غرفة ساري الفنيش. في غرفة واحدة مع الفنيش المتهم بتسليم صفد لليهود؟ لاترفع صوتك!  هذه وظيفة لابيت! ابتكرت لساري وظيفة لزيادة دخله! ثمن المدينة الجبلية الجميلة وظيفة تملأها من الصباح إلى الظهر كؤوس الشاي والتدخين والكلام؟ راقبه قيسا وهو يتساءل عن الحدود الفاصلة بين الخيانة وبين تنفيذ الأوامر. لايتحمل قلبه الشاب أن يكون هذا المكان الصغير والراتب الصغير ثمن مدينة صفد، ثمن مدرسته و"المنزل"، وبيت أميرة، ودروب نزهته مع أصحابه! في البداية لم يسلّم قيس عليه. ثم تعود أن يتأمله. ثم بدأ يحاول أن يفهم الرجل الذي يكرهه. قال له ذات يوم: أنت سلّمت صفد! رفع الفنيش رأسه ونظر إلى عيني قيس. يتهمه؟ بل ينقل مايقوله الناس من دمشق إلى عمان! رد: ياحبيبي، أنا سلّمتها؟ من أنا كي أسلّم مدينة؟ جاءتني أوامر: انسحب، فانسحبت. هكذا راحت صفد! وقف قيس: لكن الأوامر التي أتتك لم تكن من المسؤول عن الأوامر! هل يقول الفنيش، أتت ممن أعلى منه! سكت. يجر أمثال الفنيش مستمعيهم بعيدا عن البقع السوداء في حياتهم، ليظهروا أن فيهم جوانب أخرى جذابة وحيّة. يأملون أن يبدلوا حكم الناس عليهم؟! بدا الفنيش ظريفا وهو يحكي لقيس: في العشرينيات كان عندنا ضابط إنكليزي، مسؤول عن المخابرات، اسمه سومرست. وقتها طلب الإنكليز من الأمير عبد الله قواعد أو اتفاقية توجس منها الأمير فتلكأ في الرد عليهم. أوعزوا لأحد رجالهم من منطقة الكورة من مشايخ الشريّدة كي يثور على الأمير. قالوا له: من هذا! جاء إلى شرق الأردن على جمل! ثر عليه وخذ مكانه! "ساوي" ثورة في الكورة!
عمل الرجل تمردا في الكورة. فهم الأمير المراد منه وصفّى الجو بينه وبين الإنكليز. فانتهى التمرد. لكن الشيخ أتى قبل نهاية ثورته إلى الضابط سومرست وقال له: ثورة وعملنا، قل لي ياسيدي  ياصورم سيد، كم نجمة أعلق؟ رد عليه سومرست: علق قدر ماتشاء! لم يستطع قيس إلا أن يضحك. هل أراد ساري الفنيش أن  يصور له كيف ينفذ الموظفون الأوامر؟ قيل له، هو أيضا، انسحب من صفد فانسحب! مطلوب أن تسقط صفد قبل الخامس عشر من أيار!
انتهت أيام دوام قيس في وظيفته الهادئة، بمظاهرات عاصفة. بين سنة 1953 وسنة 1955 هل مر شهر دون مظاهرة؟ انقطعت مفاوضات الجلاء عن القنال بين إنكلترا وبين مصر في أيار 1953 وسحبت إنكلترا رعاياها المدنيين من مصر. فردت مصر على التهديد بغارات فدائية في منطقة القنال. نظم الجيش والمخابرات العمل الفدائي فسدده لكنه أفقده صيغته الشعبية. وكانت قيادات الأحزاب في السجون، والوضع يشبه ماسيتكرر فيما بعد. فالأحزاب الوطنية ستسند الحكم نظريا، لكنها لن تكون قادرة على مده بقوتها لأنها مراقبة أو مسجونة. وصل دالاس في تلك الأيام المتوترة في أيار 1953 إلى القاهرة واقترح حلفا عسكريا "يحمي مصر من الشيوعية والاتحاد السوفييتي". الدفاع المشترك؟! البلاد العربية كلها ضد أمريكا التي خلقت إسرائيل ودعمتها! دالاس وسيط بين مصر وإنكلترا، وجلاء إنكلترا مقابل حلف مع أمريكا وإنكلترا؟ قال له عبد الناصر: يبعد الاتحاد السوفييتي عنا خمسة آلاف ميل. ليست بيننا وبينه مشاكل أبدا. لم يحتل أرضنا ولم يهاجمنا وليست له قاعدة في مصر، بينما لاتزال بريطانيا تحتل القنال! في 20 كانون الثاني 1954 أطلق الإنكليز الرصاص على جنود مصريين فاشتدت المقاومة المصرية المسلحة، ونزلت المظاهرات إلى الشوارع في مدن سوريا والأردن تعلن التضامن مع مصر. سجن قيس، وقال الفنيش لمن جلس إلى طاولته: سكة قيس لاتوصل إلى السلامة! 
لم تصل إلى جماهير البلاد العربية تفاصيل الصراع بين المنظمات وبين قيادة الثورة في مصر. وسط الصدام الكبير بالغرب، وصلت تصريحات عبد الناصر: "الجلاء عن القنال أو القتال حتى الموت!".. "على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل!" فرفعت في المظاهرات أمام القادة العرب الهادئين تمرد جمال عبد الناصر على الغرب. وستظل الشوارع العربية تردد تمرده مختارة حتى سنة 1959. وستتصل مصائر أجيال بمسار عبد الناصر وقراره السياسي.
صدحت الخمسينيات! احتشد فيها الأمل والأحلام. شباب في أول العمر تصوروا أنهم يحكمون القدر! "إذا الشعب أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر"! وسددوا ثمنها من الأفراح والأحزان. في اتفاقية جلاء الإنكليز عن القنال حق الإنكليز في العودة إذا هوجمت تركيا، لكن فيها أن القنال جزء من مصر. وستغطي محاولة اغتيال عبد الناصر الخيبة بالشرط في المعاهدة.
قال قيس لأصحابه في السجن: أخرج الإنكليز من القناة في سنة 1954. وفي سوريا سقط الشيشكلي، وكانت الانتخابات سنة 1954 تصويتا ضد الأحلاف. نجحت كتلة نيابية وطنية يدعمها الضباط الوطنيون. واجتمع مؤتمر للشخصيات السياسية الوطنية العربية في بيروت. وقع نوري السعيد ومندريس في 24 شباط 1955 حلف بغداد، وانضمت إليه إنكلترا. لكن ريح الخمسينيات تهب على العرب. ياللسنة المجيدة! رفضت الحكومة السورية الأحلاف، وعقدت اتفاق القيادة العسكرية المشتركة مع مصر والسعودية. اشترت أول صفقة من الأسلحة التشيكية سنة 1954 والصفقة الثانية من الاتحاد السوفييتي سنة 1955. ووصل أول سلاح سوفييتي لمصر في أيلول 1955. حشدت تركيا والعراق حشودا عسكرية على حدود سوريا في 21 آذار ووجهتا مذكرتين استفزازيتين تدعيان قلقهما من الخطر الشيوعي. قدمت الولايات المتحدة مذكرة وقحة لسوريا. فأعلن الاتحاد السوفييتي في 23 آذار أنه يؤيد سوريا وسيساعدها في حماية استقلالها. وفي نيسان 1955 جمع مؤتمر باندونغ رؤساء الدول الآسيوية الإفريقية وأعلن رفض الأحلاف العسكرية، والحياد الايجابي، والمبادئ الخمسة لعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كان قيس واقفا وهو يتحدث كخطيب. ابتسم أحد المسجونين المستمعين إليه. ابتسم لأن قيسا توهج في خطابه كأنه تحت سماء واسعة، كأنه حر! وغمره شعور قيس بالحرية والقوة. وعندما انغمر بوهج قيس لم يعد هو أيضا ينتبه إلى جدران السجن القاتمة. لذلك رفع يده كيلا يقاطع أحد قيسا. لكن رجلا قال: ردت إسرائيل بغارة على المخافر السورية وقتلت 41 عسكريا سوريا، وبغارة على غزة! تناول قيس الحديث فورا: أغارت إسرائيل؟ ملأت الجماهير الشوارع: تفضلوا! سنصيدكم إذا نزلتم من الجو، وسنخرج إليكم إذا أتيم من البر! عقدت سوريا اتفاقية تجارية مع الصين، واتفاقية مع ألمانيا الديمقراطية. وشيعت دمشق شهداء العدوان الإسرائيلي. يتجمع العرب في هبّة التحرر. عقد من 31 آذار إلى 1 نيسان التلاقي الوطني الشعبي للبلدان العربية في دمشق، فكان "تظاهرة عربية كبرى ضد الأحلاف". حضرته شخصيات دينية وسياسية ونواب وصحفيون وأنصار سلام. كشف بيان التلاقي الشعبي أن هدف التدخل الاستعماري "ترتيب صلح بين الدول العربية وإسرائيل لإدخال إسرائيل في كتلة عسكرية تشمل منطقة الشرق الأوسط. الاتفاق الإنكليزي العراقي الأخير صك عبودية يحلل استعمال مطارات العراق .. نؤكد مطالب إخواننا اللاجئين العرب في استعادة حقوقهم السليبة في فلسطين والعودة إلى ديارهم ونحيي التضامن ضد حلف تركيا العراق".
هل يمكن ألا تهب على الأردن ريح الخمسينيات، وهو جنوب سوريا واستمرار حوران، نصف عائلاته في الشمال ونصفها في الجنوب؟  بينت أول مذكرة للقيادة المشتركة أهمية الأردن. يجب أن تنضم الأردن للقيادة المشتركة! قال قيس: سنخرج من السجن خلال أيام! وخرج المعتقلون من السجن حقا بعد أيام.
انشغلت الأحزاب بالانتخابات في الأردن في تشرين الأول 1954. لكن الجبهة بين الوطنيين لن تنضج إلا بعد أن يذوقوا الدم. مع ذلك تجمعت جبهة من الشخصيات الوطنية، برنامجها تعريب الجيش وإلغاء المعاهدة، وإطلاق الحريات.. وقائمة مرشحين. فلتلغ المعاهدة البريطانية مع الأردن! لم ننس دور غلوب في حرب فلسطين! يسّرت الاجتماعات الانتخابية للمرشحين الوطنيين أن يشعروا بقوتهم، وبخوف السلطة منهم، وضغطها على الناس كيلا ينتخبوهم، وبغفلة القوى التي لاتعي ضرورة الجبهة الوطنية لرد حلف بغداد. قال قيس في أحد الاجتماعات: جرت الانتخابات لأنها طلب الزمن!
لكنها لم تكن صوته! لذلك عاد الناس إلى الشوارع! في مظاهرات القدس، حاولت الطالبة رجاء أبو عماشة أن تنزل العلم الإنكليزي فقتلها الإنكليز بالرصاص. فنشرت صورتها في الصفحة الاولى في الجرائد السورية، وتصدرت صورها المظاهرات في سوريا وفي الأردن. خطب قيس في مظاهرة كبيرة. صفق الناس له، ومنعوا الشرطة أن تقطع خطبته. لكنها وصلت إليه، ضربته وضربت المتظاهرين. بين المتظاهرين شابة مستديرة الوجه، بيضاء، لم تشترك في المظاهرة لأنها فقط تقاوم حلف بغداد، ولأنها فقط تكره الإنكليز الذين يحكمون جيش بلدها، ولأنها فقط متحمسة كالطالبات بعد مقتل رجاء أبو عماشة، حالمة بأن تكون مثلها، بل أيضا لأنها مسحورة بقيس. وهاهي ترى الشرطة تضربه والدم يسيل من وجهه ورأسه! هتفت: عاش قيس، ولتسقط الحكومة! هل تحتاج الشرطة إلى آذان كي تسمع الهتاف الفظيع؟ اعتقلتها كما اعتقلت قيسا. لم تنتبه إليهم. انتبهت إلى نظرته الضاحكة لها تحت الدم الذي غطى وجهه. 
أخوها وزير. ذهبت أمها إليه: ياإبني، أخرج أختك من السجن! تطلب وساطته ليخرجها من السجن؟ "أخرجها؟ تسب الحكومة وأنا أخوها وزير فيها، وأخرجها؟ فلتنتظر في السجن ريثما يستلم قيس الوزارة ويخرجها من السجن!"
هل كان قيس يخمن أنه سيلتقي بجورية بعد غربته الطويلة، وستجلس أمامه واضعة ساقا فوق أخرى كما تجلس بنت عائلة كبيرة، مزينة بماض ثمين وهيبة عشيرة؟ لاتزال عزباء. مرت الأيام الجميلة. لاتوجد أية أيام أخرى يمكن أن تمحوها! في دفتر حياتها أنها هتفت وسط مجموعة كبيرة باسم حبيبها. هل يحدث مثل ذلك كثيرا؟ بقي ذلك الهتاف كالوردة التي رمتها لحب انقطع، ولامجال لأن يعود، ولامجال لأن يستبدل بأصغر منه. فلتملأ الحياة أمور أخرى كبيرة وصغيرة، لكنها ليست الحب.. أبدا ليست الحب! هل يفهم ذلك قيس الجالس أمامها، مكللا بشعره الأبيض، مشغولا بهواجسه؟! أهذا حقا قيس الذي أحبته، وقاست به الرجال، ووهبته عمرها؟    



 




في تلك الأيام من أيار 1955 ملأ الربيع الحقول بشقائق النعمان. فبدت في البستان حول بيت قيس مرجا أحمر. وقيل سنة خير. أتت بين الأمطار الغزيرة أيام صاحية يحلو فيها الاسترخاء في الشمس على عشب البرية. في أحد تلك الأيام التقط الضابط ابراهيم خريشان قيسا من المظاهرة التي خطب فيها ضد حلف بغداد، وهتفت فيها جورية: عاش قيس ولتسقط الحكومة! ضربه في مركز قيادة المنطقة على رأسه بقضيب من الحديد. فنفر الدم على وجهه ورقبته. كم سيتكرر هذا المشهد: رجل ذو سطوة، حوله رجاله وأدواته، وأمامه رجل مقيد؟! قال قيس: ياللشهامة! جمع كل مافي فمه وبصق في وجه قائد الشرطة. ذلك مايستطيعه! ضربوه بعد البصقة. ونقل مدمى إلى غرفة المرضى المنعزلة. لكن الخبر انتشر في البلد: كسر قيس هيبة قائد الشرطة! وسيزيد ذلك ممن سيخرجون خلف قيس في المظاهرات. ففي الخمسينيات لم يكن البطل من يكنز المال ويملك سيارات وأرصدة، بل من لايبخل على الوطن بروحه.
رمي قيس في غرفة المرضى الصغيرة. بقي فيها حتى وصل الدهان والنجار اللذان كلفا بتجديدها. لم تكن في ذلك السجن القديم زنزانات منفردة تستوعب النزلاء. ولم تكن مؤسسة السجانين بعد قد فصلت عن البنية التي تعيش فيها. فنقل أبو صالح، مدير السجن، قيسا إلى قاووش المسجونين.
أهلا بالضيف! محكوم؟ رد قيس: موقوف. وأنتم؟ كان ماهرا في القرب من الناس. يبدأ من السؤال عن العمل وينتهي بالسؤال عن المرأة. فيقيم بسرعة صداقة مؤسسة على معرفة حميمة. وخلال ذلك يحكي عن الناس الذين عرفهم، ويتنقل بين الواقع وبين حكايا التاريخ. بعد ساعة من الزمان أصبح مركز الجالسين. المسجونون العشرة فلاحون فقراء. لم يحكم عليهم بعد. لكن الحكم إذا صدر سيكون ثقيلا. جريمتهم؟ لايعترفون بجريمة! هم من الغور، تسللوا إلى الأرض المحتلة قربهم وأخذوا بقرا وغنما. بلادهم، مواشيهم، سرقها محتلون غرباء! حقا، ليسوا هم أصحابها شخصيا. لكنهم يستعيدون ماتيسر مما سرق منهم! سرقت إسرائيل بلادنا كلها! كثير إذا استعدنا بعض بقرنا؟ يعرفون أن الأحكام صارمة. لماذا غامروا إذن؟ يعرفون أيضا أن الأحكام تخفف إذا رشوا رئيس المخابرات، طاهر. قال قيس: لن تدفعوا رشوة! لكن تمسكوا بشهادتكم! نتمسك بها! دون خوف؟ نعم!
وقت مر أبو صالح بقيس في جولة المساء قال له قيس: أريد أن أقابل قائد المنطقة! المعايطة؟ نعم! يثق أبو صالح بقيس. شاب يعرف مايريد! تصور قائد المنطقة أن قيسا سيبوح بأمر خطر. سيتراجع؟ مستحيل، وليست هذه الأيام للتراجع! لكن لو حدث ذلك سيسجل له النصر! قال لأبي صالح: هاته!
نقل قيس مقيدا إلى المعايطة الذي وقع اتفاقيات الهدنة وجرف السيل فيما بعد بيته فقال الناس: انتقم الله منه! سأل قيسا: نعم؟!
صاغ قيس كلمته كأنه في محكمة: تدعون أنكم تدافعون عن القانون والعدل! لكنكم تسمحون بالرشوة. وممن الرشوة؟ من فقراء. تتهمونهم بالسرقة لكنكم تشاركونهم فيها. تأخذون حصتكم مما تدعون أنهم سرقوه! ذات سنة أبطل عمر بن الخطاب الحدّ، سامح الفقراء وأدان بسرقتهم الأغنياء! سأله قائد المنطقة: ماذا تقصد بخطابك؟ قال: يطلب رئيس المخابرات من اولئك الفقراء رشوة ليخفف عنهم الحكم. لدي عشرة شهود على ذلك!
ينتشر الخبر في بلد صغير. ضجة! ثم لجنة تحقيق! لن يذهب هؤلاء المنسيون كشربة الماء! قال أهل البلد، يجد قيس مشروعا حتى في السجن! وقال قائد المنطقة: سبب المتاعب أن أبا صالح وضع قيسا بين المسجونين! أنت ياأبا صالح مسؤول! سيدي، غرفة المرضى دون باب! اخلقوا أبوابا من تحت الأرض! ضعوا عليها عشرة أبواب! تذكر أبو صالح ست بدور خلف السبعة البحور. وشعر بأنه يحب قيسا. قال الحاكم العام: ألغوا التصليح حتى يخرج قيس!
في المساء همس أبو صالح لقيس: قامت الدنيا هنا وفي البلد! قال قيس: لاتقعد إذا لم تقم! فخرج أبو صالح من السجن في طريقه إلى البيت وهو يردد بينه وبين نفسه: لاتقعد إذا لم تقم!
في الطريق بين البيت وبين السجن يمر أبو صالح بدكان أبي قيس. يشتري منه قمحه وعدسه وطحينه. وفي الأيام التي يسجن فيها قيس يتناول من أبي قيس وجبة الغداء ووجبة العشاء فيوصلها ساخنة لقيس في السجن. في جولة المساء، وقف أبو صالح  قرب القضبان: قلت لأبيك أرى قيسا أكثر مما تراه! يكاد يكون مقيما عندنا في هذه الأيام! رد قيس: واجب، ياعمي، واجب! قال أبو صالح: تريد أن تسقط غلوب ياقيس؟ رد قيس في ثقة: سيسقط! قال أبو صالح: قد تنزل الملائكة عن عروشها، لكن غلوب لن ينزل من عرشه! ناول أبو صالح قيسا باكيت سيجارات وسأله هامسا: تشتهي شيئا؟ فقال له قيس: كأسا من العرق! انصرف أبو صالح وهو يكتم ضحكته.
أسس قيس فيما بعد مع الفلاحين الذين التقى بهم في السجن نقابة العمال الزراعيين في الغور. يعود إلى العدسية بطريقة أخرى؟ لكنه لم يحزر أنهم سيحملون من رتب اغتياله ويرمونه في البركة!      






بعد أسبوعين من سجن قيس، قال المعايطة: هاتوه! السجن بجانب قيادة المنطقة، ومع ذلك قيدوه، ومشى خلفه عسكري وأمامه عسكري. أدخلوه على المعايطة. قال للعسكريين: فكا قيده واخرجا! وبقي وحده معه. قدم له سيجارة. ثم طلب له قهوة: هل أوحت لك هذه الأيام بقصيدة جديدة؟ كان الملك عبد الله معجبا بشعر عرار رغم مافيه، وأنا معجب بشعرك رغم مافيه! رد قيس: تحط ملائكة الشعر في البلاد الرائقة. عندنا تحط شياطين الشعر! السجن أنسب مكان لها؟ استرخت ملامح المعايطة: تضيع ياقيس عمرك وموهبتك لأجل من يبيعك! نادى: هاتوا رؤوفا! وأنت ياقيس اشرب قهوتك!
دخل رؤوف. نظر إليه قيس. طبعا، يعرفه! سأله المعايطة: هذا هو الذي نظم الاجتماع في كرم ابن عمك؟ نظر رؤوف بسرعة إلى قيس: نعم، سيدي! سأله: هل تعرفه؟ نظر إليه نظرة سريعة أخرى: أعرفه، سيدي! قال المعايطة: انظر إليه جيدا! هل تعرفه؟ رد رؤوف: طبعا أعرفه، سيدي! سأله: واثق؟ رد: طبعا، سيدي! سأله: الاجتماع الذي نظمه قيس كان قبل البارحة؟ رد: نعم سيدي! قال المعايطة في هدوء: اخرج ياحقير! قيس عندنا في السجن منذ أسبوعين!
خرج رؤوف. والتفت المعايطة إلى قيس: هذا هو الشعب الذي تدافع عنه! تريد فنجانا آخر من القهوة؟ رد قيس: شكرا على القهوة! لكن هذا من تختارونه من الشعب! نادى المعايطة العسكري. وضع القيد في يدي قيس، وأعيد إلى السجن!
سأله أبو صالح وهو يتسلمه في السجن: خير؟ رد قيس: لاشيء! شربت فنجانين من القهوة في مكتب المعايطة! قال أبو صالح: سأرسل لك فنجانا ثالثا! ابتسم قيس لنفسه وهو يعود إلى زنزانته. الشعب؟ كيف يستطيع أن يفهم المعايطة، الرجعي، أن الشعب ليس هؤلاء الأجراء؟ شعب قيس جموع ذات مشروع، تدافع عنه رغم الشرطة والضرب والسجن والنفي والتسريح. تحلم بالعدل وحرية البلاد! الشعب ليس هؤلاء. الشعب هذه الدنيا.. قبائل الماوماو.. الجزائر التي بدأت ثورتها المسلحة.
جلس قيس بين الفلاحين المعتقلين وأنشد لهم شعر مفيد زكريا في أحمد زبانه الذي نفذ فيه حكم الإعدام في سجن بربروس:
قام يختال كالمسيح وئيدا


 يتهادى نشوان يتلو النشيدا

شامخا أنفه جلالا  وتيها


رافعا رأسه يناجي الخلودا

اشنقوني فلست أخشى حبالا



واصلبوني فلست أخشى حديدا

واقض ياموت في ماأنت قاض


أنا راض إن عاش شعبي سعيدا

قال لهم: ذلك هو الشعب! واستعاد كتاب يوليوس فوتشيك "تحت أعواد المشنقة". أخرجه الغستابو وداروا به في المدينة: انظر، الناس يتحابون ويعيشون غير مبالين بك! لابد أن كثيرا من المسجونين الذين يمكن أن يهز تراجعهم الضمير العام، أخرجوا في مثل تلك النزهات الليلية السرية ليروا شعبهم المنصرف عنهم! لكن اولئك المعتقلين كانوا يرون شعبا آخر، ويوسّعون سجونهم الضيقة بنشيد وشعر. ماأعجب أن يكون هؤلاء الواقعيون رومانسيين؟! اولئك هم رجال الأحلام! في السجن ستنشد جميلة بو باشا التي عذبت أكثر من جميلة بو حيرد، أشعار مالك حداد! وسترى شعبا استقوت به. وإن خرجت من السجن فيما بعد محطمة وستظل تتناول المهدئات طول حياتها!
قال لهم قيس: سيبقى الصراع على الشعب الذي نستقوي به زمنا طويلا! فهل خمن أن "العدو" سيكتشف دروبا متنوعة معاصرة إليه. ليسقط المثل والمشروع التي يرفعها، ويسوقه في برامج ومثل أخرى! هذا الشعب الذي يتدفق في مشروع وطني الآن، يمكن أن ينكفئ في بيته، ويمكن أن يصبح غوغاء. قال قيس للفلاحين المعتقلين معه: صراعنا على الشعب، على القوة التي قد ينظمها مشروع عاقل فتجعل الدنيا جميلة وعادلة، وقد تجرفها أهواء تبددها لتخدم الظالمين! ولم يكن الشعب في زمن قيس مربوطا إلى التلفزيون، ولم يكن مسحورا بأحلام الأغنياء، ولم يكن فسد بالرشوة وسحق بالجوع والعمل، ولم يبدد شجاعته بعد الخوف واليأس، ولم يجتحه الشك في المثل ويفجع بسقوط السياسيين!
انتبه قيس في ذلك اليوم إلى الصراع على الناس. لكنه لم ينتبه إلى ماسيقدّره بعد أربعين سنة: للرجال خصوصيتهم أكانوا رجعيين أم تقدميين. لذلك لايعرّفون فقط بصفتهم الفكرية. شغله التفكير في يوليوس فوتشيك بعد عودته من مكتب المعايطة وردد: الصراع على الشعب! لكنه لم ينتبه إلى الشهامة في المعايطة وفي أبي صالح وفي القضاة الذين صادفهم في عمان قبل أن يعتقل.  
بعد أربعين سنة تذكر المظاهرة النسائية التي نظمت في عمان ونزل قيس إلى مكان تجمعها. فرأى النساء ورأى الشرطة السرية أيضا. اقترب منه رجل أمن ووقف أمامه. قال: مومسات عمان يتظاهرن! ذهل قيس. ماهذا؟ رأى فجأة سهام، وسعاد، وعائدة... مومسات عمان! أتت الشرطة واعتقلت المتظاهرات، واعتقلت المومسات أيضا. كشف قيس لأصحابه فورا ماعرفه: أنزلوا المومسات إلى المظاهرة! في يوم المحاكمة قابل قيس وأصحابه قاضي الصلح. فهز القاضي رأسه: هذا الأسلوب في الصراع غير مقبول! وحكم بإطلاق سراح النساء!
بعد زمن طويل تذكر قيس ذلك القاضي، وتذكر رئيس الشرطة الذي ترك على طاولته رزمة نشرات سلمها جاسوسه. أبقاها كما طواها قيس، ليحذره! وتذكر المعايطة، وقال: شهامة! لم يفكر قيس فيهم يومذاك. مع أنهم كانوا من عناصر الصراع على الشعب! لو يستطيع أن يعود إلى ذلك العمر، إلى تلك الأمكنة، ليقول الكلمات التي لم يقلها!    






ضرب قيس في مركز قيادة الموقع، لكنه لم يضرب كالرجل الذي رموه قربه ليراه! صدق أصحابه الذين تعرف إليهم في مقهى في عمان يوم حدثوه عن الفرد والمجموعة! كان الرجل الذي رموه وحيدا دون مجموعة، لذلك لايحاسب أحد بدمه! أوجع قيسا أن يسكت الرجل على جروحه. طريق الوعي طويلة ياقيس! وربما طريق الكرامة! وليس الشارع المتوهج الذي تراه هو الموجود فقط! يوجد هذا الجانب أيضا في الشعب!
هل كانت وظيفة الرجل المدمى أن يهز روح قيس! ربما ضرب فقط كي يفتت روحه! تناولوه بعد يومين ولم يستطع أبو صالح مدير السجن أن يفصّل في المعلومات عن الرجل. قال لقيس: لو تحدث لعرفنا على الأقل من لهجته من أية ديار هو!
وقت بقي قيس وحده شعر بالأسى. في هذه البرهة يعدم في ايران الدكتور يازدي، كما أعدم فاطمي ومئات الضباط. وقيس مقصوص الجناح. أي ظلم يجتاح العالم! أي شر! عصف اضطراب بروح قيس حتى اكتملت قصيدته. عندئذ اجتاحه اضطراب آخر، هياج من الفرح والانتصار. سيتحدى الموت والظلم! نحن هنا! وأحاطت به الصورة التي رسمها الفنانون وكتبها الكتاب طوال عصور: حامل الراية على الأرض دام وآخر يتناولها منه! وقصيدة ناظم حكمت التي أصبحت نشيد جيل الخمسينيات: إذا أنا لم أحترق وأنت لم تحترق فمن يضيء الدنيا؟ وقصيدته عن شجرة الزيتون التي يجب أن تغرسها ولو كنت في السبعين من العمر! طار قيس بانتصاره في التعبير الذي ساس به اضطرابه وأساه وهزيمته. لم يغطس بعد في الشك بما أنجزه، ولم يشعر بعد فيه بأنه كتب كلمات عادية، وأنه إنما صاغ كلمات الصحف. ماسيقوله لنفسه فيما بعد وهو يفحص قصيدته قبل أن يصوغها صياغة أخرى.
يوم خرج من السجن تناول منه سليم، القومي السوري، القصيدة وغناها. كان صوته رخيما وعزفه على العود شجيا. بين المجموعة التي استمعت إلى الأغنية كانت إلهام، أخت سليم. دمعت عيناها وأدهش قيسا رأسها المرفوع في كبرياء رغم الندى في عينيها. لم تجرب أن تخفي دمعها، ولم تحجب العواطف عن ملامحها. سحرته بتلك الصراحة. شغلته إلهام في تلك الأيام السريعة. أحبها ولم تخف عنه أنها أحبته. ولم تكن الطرقات الطويلة إلى الحب ضرورة بينهما. فكل منهما يعرف أنهما إذا التقيا اليوم قد لايلتقيان غدا.
نظرت إلهام إليه. في السهرات ماأحلى حديثه، ماأحلى ابتسامته التي تميل إلى جانب الفم! يروي الحكايا والنكات، وينشد شعر القدماء فيظهر رونقه وكماله! قالت لنفسها لايدهشني أن يحبه حتى الرجال، فلماذا لاتحبه الفتيات؟! لم تصبح الثروة بعد حلم الفتيات. فالحياة رخيصة وهنيّة، والعلم نور، والسياسة تخلب لب الشباب! نعم، تحبه مع أنها تعرف أن حبهما لن يدوم. حبهما كزهر البرية نضر قصير العمر. بين قيس وبين أخيها القومي السوري مناقشات. يقول قيس لسليم: أنت وطني ياسليم، في روحك إرث أبيك المقاتل في الثورة العربية، لكن قيادتك ستوصلك إلى جهنم! ويرد سليم: أنت ياقيس وطني، شجاع، تحديت الشرطة وأنت مقيد، وتحملت الضرب بقضيب من الحديد على رأسك، لكني لن أفهم أبدا كيف تقبل تقسيم فلسطين! يقول قيس: تحدثنا عن الموضوع نفسه مرات عند الخياط! أقبل التقسيم؟ أقبل أن تقتطع ذراعي أم قلبي أم رئتي؟ لكن ماأشد خوفي أن يصبح طموحنا التقسيم الذي رفضناه!  يختلفان على الموقف من الاتحاد السوفييتي. يقول سليم: قوة عظمى مثل أمريكا! فيرد قيس: قوة عظمى تختلف بنظامها الاجتماعي عن أمريكا، بيننا وبينها علاقات قديمة، لذلك هي صديقة للعرب. يذكره سليم باليهود الروس والبولونيين والتشيك والمجريين الذين حاربوا العرب واستوطنوا فلسطين بالقوة. يقول له: مصيبتنا جاءت من هناك! فيرد قيس عليه: بيض! هربوا من نظام بلادهم الاشتراكية! لكن ليست لدى قيس بعد معلومات دقيقة عن الصهيونيين الروس الذين زيّفوا الاشتراكية، وعن اليهود المجريين الذين صفّوا غير اليهود في الحزب الاشتراكي المجري. يجهل ماسيعرفه فيما بعد وسيرعشه فيه أن الصهيونية حاربت الاشتراكية من داخلها. واقتصت باسمها من الشعوب في وحشية أكثر من وحشية النازية. في سنة 1919 كان 22 عضوا من 24 عضوا في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي المجري يهودا، لذلك سماه الناس حزب اليهود. وصفي فيه غير اليهود بتهمة الخيانة. تسلق اليهود القمم وجر أحدهم الآخر إليها. وكان لهم مشروعهم الخاص. في العشرينيات في روسيا كان برونشتاين (تروتسكي) رئيس المفوضية العسكرية في الجيش والأسطول، ومساعدوه الذين عينهم في المراكز المفتاحية يهود: غيرشفيلد رئيس المجلس الحربي الموسكوفي، شتينغراد  المفوض الحربي لمنطقة موسكو، غوبيلمان المفوض الحربي للمنطقة نفسها، غيتس المسؤول العسكري عن منطقة بيتروغراد، روم المفوض القضائي العسكري للجيش الثاني عشر، روزمانوفيتش مفوض الاستنطاق العسكري لمنطقة موسكو، غليزر مفوض حرس الحدود، ليختنغر مفوض مجلس جيش  القفقاس، غلوزمان المفوض الحربي لفرقة سكاريا. والمفوضون السياسيون ميتشيك للجيش الثاني عشر، ليفنسون لفرقة الجيش الرابع، دزينيس لمنطقة فيتيبسك العسكرية، سبيرو لجبهة رومانيا، فيشمان المفوض فوق العادة لجيش الشرق، بوزرن لمجلس جيش الجبهة الغربية. والقادة: غيكير للجيش الأحمر في ياروسلاف، ماتسيتيس للجبهة الغربية، على حدود تشيكوسلوفاكيا، سلوزين ومساعده زيلبرمان لجبهة كورسك، زاك قائد دفاع القرم. أطلق هؤلاء اليهود النار على العزل وقتلوا الضباط الروس بينما كان الأبطال الشعبيون مثل تشابايف، كوتوفسكي، فرونزه، يحملون النصر للجيش الأحمر ويرتقون جرائم الصهيونية. كان 80% من قادة الجيش الأحمر وقتذاك ضباطا سابقين في الجيش القيصري. أعدموا كلهم تقريبا في سنة 1927 بعد أن ابتعد الخطر وزالت الحاجة إليهم. كان الحوار قصيرا جدا مع "الغرباء عن الطبقة" مع أن برونشتاين والمفوضين الذين عينهم غرباء جدا عن البروليتاريا! لم يتخلص برونشتاين من ضباط الثورة فقط بل من محبوب منطقة الدون ميرنوف أيضا. وهكذا وصلت السنوات الثلاثون والقادة الذين قاتلوا لأجل الشعب، والضباط الأكفاء قد أبيدوا. وأخذ مكانهم الصهيونيون، ياكير المسؤول عن إبادة الهيئات العليا الكازاكية، توخاتشيفسكي الذي سحق انتفاضة البحارة في غرونشتات، اوبوروفيتش المعروف بحقده على الروس، كورك مساعد القوات العسكرية في اوكرايينا والقرم وقائد جبهة كردستان، ثم منطقة لينينغراد العسكرية، ثم المسؤول عن منطقة موسكو العسكرية، ثم عن أكاديمية فرونزه. غامارنيك مسؤول القيادة السياسية لجيش العمال والفلاحين الأحمر، زميل تروتسكي، الذي أعاد اللجنة الوطنية السوفيتية ضد معاداة السامية، وأصبح مسؤول اللجنة الوطنية للدفاع وكان مساعدوه: أزول، بولين، روستيت، بلومنتال، ريزين، برلين، رسكين، رايخمن، بولتمان، غرنبرغ، كانتسنيلسون. وضع غامارنيك في المراكز المفتاحية يهودا فأصبح مسؤولي الإدارة السياسية: أرونشتام لجيش الشرق الأقصى، أميلين لمنطقة اوكراينا الحربية، غينتز لطيران ماخلف القفقاس، فيلتنر لطيران الفولغا، ربينوفيتش لأسطول البلطيق، ميزيس لمنطقة الفولغا العسكرية، شيفريس لمنطقة شمال القفقاس العسكرية.. وغيرهم مثل غيرشين والمارشال غلوخير الذي لم يقصر في إبادة "أعداء البروليتاريا". قرر اولئك الصهيونيون الحياة والموت في القطاعات التي حكموها قادة عسكريين ومسؤولين سياسيين. وقتلوا ملايين الناس في الإرهاب. ودمروا كادرات الثورة المخلصة. نفذ تروتسكي، سفيردلوف، ياكير، توخاتشيف، غامارنيك، ايبشتاين، في السنوات العشرين مذابح وحشية. لكن تروتسكي سيبدو كثوري كبير متمرد في الغرب زمنا طويلا. وسيدان بالإرهاب ستالين الذي أزاح قبضة اليهود عن قمم الجيش والسياسة. وسيقتله الأطباء اليهود بالسم. وسيغير من بقي منهم أسماءهم ليتسللوا من المساواة إلى القمم مرة أخرى ويحكموها بالبنوك اليهودية. لكن حتى الضحايا لن تتبين ذلك إلا متأخرة!
تنتهي المناقشات بين قيس وسليم عادة بنزهة في الطريق الذي تمشي فيه الصبايا والشباب مساء بين الحقول حتى "الكامب". أو بجلسة يغني فيها سليم أشعار قيس. عرف سليم بإحداها فصارت تطلب منه في السهرات: غن لنا "ياصاحب السجن"‍‍‍‍‍!
كان بيت سليم وإلهام بيتا قديما، باحة حولها غرف، ثم ممر يوصل إلى زقاق. استندت إلهام إلى الجدار وانحنى قيس عليها. ملأت في تلك البرهة عينيه. وفجأة تجمدت ملامحها وارتخت ذراعها. فالتفت قيس إلى حيث وقفت نظرتها. رأى في نهاية الزقاق أخاها سليما. أرخى قيس ساعديه وانزلقت إلهام إلى البيت. وقف قيس جامدا في انتظار سليم. تقدم سليم، طويلا، فارعا، ممشوقا، قويا. هل سيضربه؟ وصل سليم إليه، وقال له: ياقيس، هل يمكن أن نتحدث؟ طبعا! تعال إذن نمشي قليلا! مشى قيس معه وهو يتوقع لطمة منه. لكن وجه سليم هادئ، ساهم. ابتعدا عن الحارة. هناك سأله سليم: هل تحب أختي؟ رد قيس: نعم! قال سليم: لي طلب واحد فقط. احترم عذريتها! رد قيس: وعد! هل فهم قيس كم يحبه سليم؟ هل قدّر سعة روحه؟
كان صوت سليم حلوا، رخيما. كان صوتا فريدا. وكان عزفه على العود مطربا. لحّن قصائد قيس وغناها فانتشرت بلحنه وصوته. فهل غاب عنه أن إحدى تلك القصائد لأخته ولو موّه قيس فيها اسمها؟ غنى سليم قصيدة قيس عن السجين الذي رمي قرب قيس داميا. وصارت تلك القصيدة أغنية في البلد. صاحب هذه القصيدة يحب أخته! ولايستطيع الزواج منها لأن بلاده تشرده. فهل يبخل عليه بحبيبته؟ 
في ذلك المساء نفسه جلس قيس إلى سليم، واستمع إليه وهو يعزف على العود ويغني لأصحابه قصيدة قيس. اسمعوا ناظم حكمت العربي!
هذه ليست كلماته بل مدى ينشره سليم، بحبه وبامتنانه لأن قيسا كتبها! اعتذر لسليم بعينيه وخرج. وفي العتمة بكى.
بعد مقتل رياض الصلح غاب سليم عن قيس زمنا. وعندما التقيا عاتبه قيس كأنه هو القاتل. ودافع قيس عن القاتل كأنه هو. لاتوصل الاغتيالات إلا إلى بركة من الدم! رد سليم: يجب أن يدفع الصلح ثمن إعدام أنطون سعادة! دفعه حسني الزعيم الذي فاوض إسرائيل سرا وسلّم سعادة، ويجب أن يدفعه الصلح! لايقاوم الخطأ بخطأ ياسليم! ألم يبتعد جيلنا عن ثأر العشائر إلى حوار أصحاب العقيدة والرأي؟ رد سليم: هل تحاور أنت غلوب باشا أم تقاومه؟ المسألة ياقيس أن كلا منا رتب صداقاته وعداواته في نسق معين. نسقك ياسليم خسارة لك قبل أن يكون خسارة لغيرك. لاتتحمل هذه البلاد الدم! قبيل مقتل المالكي فترت للقاءات بينهما. ولم يكن لدى قيس وقت ليتساءل أيمكن أن تكون تلك السهرات الممتعة انتهت وأصبحت من ماض لن يستعاد. ولم يتنبأ بأنهما سيكونان أكثر قربا بعد عقود من الزمن!
عندما رجع قيس إلى بلده بعد عقود من السنوات أتاه رسول من إلهام: أريد أن أراك! يراها؟ يخشى على الصورة القديمة، على الشباب! يخشى أن يراها سمينة، أو كهلة، أو بيضاء الشعر! وأنت ياقيس، ألم تتغير؟ ألن تقول لك ليلى إذا رأتك: لو صادفتك في الشارع لما عرفتك! لكن إلهام ستستعيد بعد ربع ساعة عينيك، وملامح وجهك، وقامتك. وأنت ياقيس ستستعيد ملامحها!
تذكر قيس سليما، تذوق خطواتهما في ذلك اليوم وهما يبتعدان عن الحارة معا. لمس عبق تلك السنوات وقاس البعد بين تلك البلدة التي استبقى فيها أخ حبيب أخته وصدّق وعده، وبين هذه المدينة التي يعيش فيها الآن. تبع دروب سليم، وتأمل القوة المتدفقة التي تطلب مسارات تملأها. حاول سليم اغتيال إحدى الشخصيات. نفذ تفجيرا عشية حرب حزيران. عبر دروب الخطأ والصواب إلى فلسطين! أين أنت اليوم ياسليم؟ هل تجلس مثلي مستعيدا تفاصيل سنواتنا المجيدة؟ متقاعدا تجري الحياة بعيدا عما حلم به وصاغ له مشاريع واسعة؟
في سجل في الشرطة بقيت قصيدة قيس محفوظة كعمل جميل مؤثر لكنه خطر. لكن صوت سليم الذي غناها تبدد. أغلق قيس نوافذه. تصدح أغنيات أخرى لايريد أن يسمعها!





اغتيل الضابط عدنان المالكي في دمشق في 22 نيسان 1955، في الملعب البلدي. خلال مباراة كرة القدم سدد رقيب في الشرطة العسكرية مسدسه إليه من ظهره، فتله وانتحر. قرأ قيس الجرائد السورية واستمع كأبناء بلده إلى راديو دمشق وقال: عقاب على صفقة السلاح التشيكية والروسية للجيش السوري! وانتقام من مكانة سوريا في مؤتمر باندونغ. نفذ الاغتيال حلف بغداد! يراد هز سورية من داخلها لأن الضغط عليها فشل من خارجها!  
اتهم جورج عبد المسيح بتخطيط اغتيال المالكي. كان يتابع تنفيذ الاغتيال، وينتظر الخبر! بدا ذلك لمن خارج سوريا مؤامرة عليها. وقع قيس برقيات من بلده "تستنكر المؤامرة وتتضامن مع الجيش السوري الوطني".
فهل تستطيع الصداقة أن تقاوم هذا الاصطدام الدامي؟ قبله كان قيس يناقش أصحابه القوميين السوريين فيقول: مشروع الهلال الخصيب ليس وحدة عربية، بل ربط بلد مستقل ببلد مقيد بمعاهدة إنكليزية! وأين البلاد العربية الأخرى في مشروع الوحدة؟ مع ذلك بقيت المناقشات بينهم كلاما حتى اتهم القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. أراد الضباط القوميون السوريون في الجيش أن يتخلصوا منه؟ من العقل الذي رتب جريمة كبيرة؟ ليس ذلك صراعا شخصيا! المالكي اتجاه وطني، محور يجمع عليه الجيش. قتله هجوم على سورية! أنت مادخلك ياقيس؟ مادخلني؟! ماتزال بلاد الشام واحدة! إربد تتمة حوران. إذا انهارت سوريا صرنا دون ظهر! نسيتم أن عرار درس في مكتب عنبر، وأن رجال الثورة العربية من دمشق؟ تدافعون عن قتل المالكي؟ لا، لم يدافعوا جميعا عن قتل المالكي! قال الخياط لقيس: القتل مؤامرة على حزبنا! أخفى جورج عبد المسيح عن بقية الأمناء مخطط الاغتيال! حارب القوميون السوريون الصهيونية في فلسطين فكيف يوافقون على قتل المالكي الذي حارب معهم هناك؟ 
مسؤول القوميين السوريين حامد حسين حلال، من بلد قيس، صفورية. وبينهما صحبة. أبواهما أيضا صديقان من أيام صفورية. يعرف قيس أن حامد حسين حلال يحبه. يقصده مع شباب آخرين قوميين سوريين، يقرأون عليه أشعارهم ليسمعوا رأيه فيها. فيجلس في صدر القاعة ويتحدث عن الفن. وتبدو القاعة كمضافة للشباب تجمعهم في جلسات سياسية وفنية! ثم يغنون مع سليم قصيدته.
عائلة حلال كلها من القوميين السوريين. مع ذلك أحدث قيس فيها خرقا. فصار أخو حامد الأوسط من أعداء حلف بغداد. نقل منشورات إلى العراق فاعتقل على الحدود وسجن في بغداد. فاتهمت عائلة حامد قيسا: أنت السبب!
مع ذلك ظل الخصام كلاما دون أحقاد حتى اغتيال المالكي. عندئذ أخرج الطرفان جميع الأسلحة ومنها السلاح الذي استعمله خصومهما "المتخلفين": الأخلاق. ألم يحارب قيس بتهمة الإلحاد؟ ألم تدسّ العاهرات في مظاهرة النساء ضد القواعد العسكرية وتنشر الصحف: اعتقال عاهرات عمان! ستظل تلك أسلحة القتال إلى زمن طويل، وستستعمل حتى عندما تنشطر الأحزاب وتتخاصم الزمر ويصبح الرفاق القدماء أعداء. الأخلاق حلبة الصراع! غرف قيس من ذلك الماعون! جلس مع أصحابه وصاغ برقية نشرها بين الناس كأن كاتبها حامد حسين حلال أرسلها إلى زوجته بعد غياب أسبوعين. البرقية أربعة عشر حرفا كلها ح ح ح.. شيفرة سرية معناها: حبيبتي حلا. حاحضر حالا. حمّي حمّام. حضّري حمام. حبوس حضرتكم. حبيبك حامد حسين حلال.
انتشرت البرقية في البلد. وأضحكت الناس. لايستطيع حامد حسين حلال أن يجلس في مقهى دون أن يكبح الحاضرون ابتساماتهم. عاتب قيسا غاضبا: هكذا؟! صرت تحارب بالسيوف القديمة؟ سأله قيس: بذمتك، أليست حلوة؟ هز رأسه: برأس أبي، حلوة! سأله قيس: إذن أكلت الحمام واغتسلت في الحمّام؟ لكن أصحاب حامد لم ينبهروا بتلك النكتة. هذه إهانة لمسؤول في حزب. القصد منها الإساءة السياسية! وسيعاقبونه عليها يوم يتمادى في ذنوبه!      






زار عبد الحكيم عامر، قائد القوات السورية المصرية المشتركة، الأردن، وتفقد المراكز الأمامية فيه. فاستوقف رجل في الطريق قيسا وسأله: زيارة عامر مقدمة لاشتراك الأردن في تلك القوات؟ رد قيس في ثقة: وهل يخرج الأردن على روح الزمان والمكان؟ بعد أيام وصل فجأة إلى عمان تمبلر، رئيس أركان حرب القوات البريطانية. لكن حكومة سعيد المفتي رفضت التوقيع على حلف بغداد، واستبقاء المعاهدة البريطانية الأردنية دون تعديل،  فاستقالت. بحث ذلك الرجل المجهول عن قيس. رآه قيس فقال له قبل أن يعرف سؤاله: جاءت حكومة المجالي لتوقع على الحلف، لكنها لن تجسر! لن يخرج بلدنا على روح الزمان!
في 17 كانون الأول 1955 هبت المظاهرات في القدس وعمان وإربد. تحتج على زيارة تمبلر وتهتف: يسقط حلف بغداد! قابلتها حكومة المجالي بالنار. سقط قتلى وجرحى. حل الملك البارلمان. وأعلنت الأحكام العرفية، واعتقلت شخصيات سياسية ومنظمو الإضرابات. نزلت مظاهرات كبرى في دمشق وحلب تضامنا مع الأردن. "استنكر مجلس النواب السوري الضغط الاستعماري على الأردن"، وبين أنه يعني تطويق سوريا بحلف بغداد. وكتبت جريدة الإزفستيا عن "انتفاضة الأردن" وتحدث عنها راديو موسكو.
استقال المجالي بعد الاصطدامات الدامية. فتساءلت الجرائد السورية: "تراجع الاستعمار"؟ وأجابت: لجم الاتحاد الوطني في الأردن اندفاع الحكومة إلى حلف بغداد. لكن هذه جولة اولى فقط. فمازال الوطنيون مطاردين. "لم تخمد انتفاضة الأردن الباسلة". تنقلت الأخبار في المضافات والمقاهي ووصلت بين المدن. تعرفون؟ رفع ممثلو الأحزاب والشخصيات في الأردن مذكرة إلى الملك، ترفض حلف بغداد وتطلب وزارة وطنية. وأضرب المحامون والأطباء. ورفض كثير من ضباط الجيش إطلاق النار على المتظاهرين. وأحرق العلم الأمريكي خلال تشييع الشهداء. تتصور الحكومات أن الشعب يتلقى ماتقدمه له حكوماته، منصرفا إلى شؤون بيته، فإذا به غير ذلك "هي في واد، وهو في واد!"

وصلت سنة 1956 والشوارع ملتهبة والمنظمات والأحزاب مستنفرة رغم الأحكام العرفية. تسندها برقيات التضامن والمظاهرات السورية. في صدر الصحف السورية: "عاش تضامن سوريا والشعوب العربية مع الأردن في معركته ضد حلف بغداد! "
بعد سقوط حكومة المجالي، شكلت حكومة ابراهيم هاشم. لكنها منعت اجتماع الهيئات الشعبية، فعادت المظاهرات في 6 كانون الثاني تطلب حكومة وطنية، وانتخابات حرة، وتنظيف الجيش من الإنكليز. انضم بعض جنود المدرعات إلى المظاهرات التي ملأت المدن. طاردتها قوات البادية وقتل بعض المتظاهرين، واعتقل آخرون. هجم المتظاهرون على مراكز النقطة الرابعة الأمريكية وأحرقوها، وهاجموا المفوضيات الأمريكية والإنكليزية والتركية. وفي القدس أنزل المتظاهرون العلم الأمريكي وأحرقوه.  أعلن غلوب حالة الطوارئ. شكل سمير الرفاعي حكومة وتعهد بألا يرتبط بأي حلف. تراجع المستعمرون ثانية؟ لايزال الوطنيون مطاردين! لجأ أربعمائة طالب أردني إلى سوريا. نظم الطلاب في دمشق مظاهرات تضامنا مع الأردن. وأضربت نقابة المحامين في دمشق تضامنا مع الأردن.
تناقل الرجال في المضافات أن مصر وسوريا والسعودية أبلغت الأردن بمذكرة رسمية أنها مستعدة لتعويضه عن المساعدة الإنكليزية التي تقيده بالمعاهدة مع إنكلترا. قالوا: لكن حكومة الرفاعي تائهة بين ضغط الشارع وضغط غلوب. أجمع البارلمان خلال البيان الوزاري على رفض الأحلاف، لكن الرفاعي ماطل في قبول المساعدة العربية. حجته أنه  سيشاور نوري السعيد ولبنان. وسخروا من الرفاعي: يقال إنه يقبل المساعدة العربية، إلى جانب المساعدة البريطانية! كأنه يجهل أن هدف المساعدة العربية تحرير الأردن من المعاهدة الإنكليزية! خلال هذا لايزال "غلوب يحتل" المدن. "احتل غلوب" الرمثا. واعتقل في إربد تسعة أشخاص. لكن روح الزمن تهز الأردن والضفة الغربية. قدمت لجان التوجيه الوطني في نابلس مذكرة إلى الملك تعلن رفض حلف بغداد، وتطلب الحريات وتحرير المعتقلين، وتلح: يجب أن يقبل الأردن الأموال العربية لاالأجنبية! تظاهرت الطالبات في نابلس. وخطب قدري طوقان في مظاهرات نابلس. وأعلنت الكتلة الدستورية في البارلمان أنها ضد حلف بغداد. يقال، قتل الكولونيل باتريك في الزرقاء! هل الخبر صحيح؟

تحدث الخطيب في مظاهرة الطلاب في دمشق عن جرائم غلوب وباتريك مدير المباحث الإنكليزي: رميت قنابل على المتظاهرين في المفرق. ضرب الضابط المتوحش ابراهيم كريشان طالبا بقضيب من الحديد على رأسه. دخل ثلاثون شرطيا إلى بيت فواز الروسان، عضو محكمة التمييز العليا، بحثا عن أخيه فائز الروسان. فقال لهم إذا كنتم تروعون أولادي وزوجتي وأنا عضو محكمة فماذا تفعلون بالمواطنين العاديين؟! قال الخطيب إن المعتقلين يرسلون إلى السجن الصحراوي الذي يسمى الجفر. وقرأ فقرات من البيانات التي وزعت باسم "جبهة النضال العربي" وباسم "الشباب الواعي". وفي تلك المظاهرة انتخب وفد ليستقبل الطلاب الأردنيين الذين وصلوا إلى درعا. وفي يوم النضال العالمي ضد الاستعمار حيى اتحاد الطلاب ذكرى الطلاب الشهداء الثلاثة الذين قتلوا في المظاهرات في الأردن، رجاء حسن، عبد الله محمود تايه، اسماعيل الخطيب.
في المهرجان الشعبي في حمص تضامنا مع الأردن، وفي اجتماع نساء حمص تضامنا مع الأردن، وفي الاجتماع في نقابات العمال تضامنا مع الأردن، تحدث الخطباء عن مقاومة الشعب الأردني الشقيق. لكن الاجتماع الكبير في سينما بلقيس في دمشق لدعم الأردن أصغى إلى الدكتور عبد الرحمن شقير الذي نجا من الاعتقال. وانتهى ببيان يطلب تطهير الجيش من الإنكليز.   
من سينتصر؟ الشعب! مع أن دائرة المطبوعات الأردنية كذّبت أن مباحثات الرفاعي في دمشق وبيروت تناولت الخلاص من غلوب والضباط البريطانيين، لأن ذلك مسألة داخلية! ومع أن الرفاعي سافر إلى بغداد! "أطاح" الشعب الأردني بالمجالي فهل يعجزه أن يطيح بغيره؟ قال الخطباء: تضامننا يقوي الاتجاه ضد الأحلاف في الوزارة والبارلمان الأردني. لاتيأسوا! "إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر".. الشعب الأردني يريد الحياة!
قال قيس: لم تقترح الأحلاف كي تهدئ المنطقة بل كي تشعلها وتحرقها! كي تضم إسرائيل إلينا كعضو شرعي، كأن الاتحاد السوفييتي البعيد عنا هو خصمنا لاإسرائيل وأمريكا عدوتنا! لذلك أغارت في 28 شباط 1955 على غزة. ولذلك اغتيل عدنان المالكي في 22 نيسان 1955 بعد صفقات السلاح مع تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي. ولذلك ردت إسرائيل على القيادة العربية المشتركة فاعتدت على المخافر السورية حول طبرية في 12 كانون الأول 1955. لايريد الاستعمار لنا أن نعيش حياة هادئة سوية، لايريد لنا أن نفكر ونحلم وندرس ونشتغل وننعم بثرواتنا الوطنية. لكننا نرد: نحن مع سورية أمام الضغط التركي الأمريكي عليها. ونرفض إلغاء محور الصراع بيننا وبين إسرائيل وأمريكا واختراع محور آخر وهمي! نرفض حلف بغداد! ذاب قيس بعد كلمته كأنه ملح. احتضنه أصحابه وأخفوه. يبحثون عنك ياقيس! انتبه!
يوم قيل لقيس إن ضابطين من ضباط عبد الناصر وصلا إلى الأردن بإسمين مستعارين لينظما مجموعات العمل ضد إسرائيل من الضفة الغربية وغزة، قال: أهلا! لكن الجو المتفجر لاينتظر ضابطين كي يعبئوه! حلف بغداد يكاد يفرض علينا بالقوة، وأين فلسطين وقتذاك!  انفجرت طرود مفخخة في الملحق العسكري المصري في عمان وفي ضابط مخابرات غزة، وقتل الاثنان في يوم واحد. وعادت التفاصيل إلى مجالها في الاصطدام الواسع.
يوم وصل تمبلر في كانون الأول 1955 بدا أن الأردن سينضم إلى الحلف. فتقدم قيس المظاهرات ضد حلف بغداد، وخطب فيها، مزج الشعر بالنثر فزاد من حماستها وغضبها. كأنه يملك عصا قادة الجوقات السحرية! وكان أمامها يعي قدرته على خطابها! من مكانه المشرف عليها فهم مرة أخرى كيف يمكن أن تكون الجموع روحا واحدة، قوة مجردة من الخوف، عاقلة ومندفعة. تصبح الحياة المفردة شرعية باتصالها بالمجموعة فقط، مع أن شعور الفرد بها في تلك البرهة مرهف أكثر مما كان قبلها ودونها. كان التناقض بين الرغبة المضطرمة بالحياة الذي يبدو هدف التجمع، وبين الاستخفاف بالموت، يستوقفه بعد كل مظاهرة خطرة. لكنه يومذاك رآه عندما دوى الرصاص ورأى الجرحى. لم يكن قيس والصف الأول من المظاهرة مستهدفين فقط، بل كانت الكتلة كلها. قرار غلوب إذن أن يخمد بالموت وبالخسائر الهبّة العامة! أخمدها؟ يستطيع قيس وأصحابه أن يضبطوا أول المظاهرة لكنهم لايستطيعون أن يسوسوا آخرها واستمرارها وردّها عندما يتدخل الطرف الآخر في وحشية. هاجم متظاهرون غاضبون النقطة الرابعة وأحرقوا السيارات. أطلقت الشرطة النار عليهم فقتل رجل. وفي الرمثا احتل المتظاهرون مراكز الحكومة وأعلنوا جمهورية. فقررت الشرطة أن قيسا أول المسؤولين عن ذلك الشغب. 
عندما أعلنت الأحكام العرفية ومنع التجول، اختبأ قيس في بيت شيخ الجبل. دخل ضابط المخابرات طاهر مسمار مع جنوده إلى مضافة العشيرة، سلم وقصد أبا قيس: أين ابنك؟ لاأعرف! علمي علمك! إما أن تأتي به حيا أو نأتيك به ميتا! التفت طاهر إلى شيخ الجبل: ياأبا نعيم، عندنا معلومات تقول إن قيسا دخل هذه الدار! رد شيخ الجبل في سخرية: الدار أمامك، ياطاهر بك! فتشها! أي تحدّ! يفتش بيت زعيم العشيرة المهيب، رئيس مجلس النواب سابقا؟! قال: ولو ياأبا نعيم! كلمتك كافية! 
في مخبئه قرأ قيس بيان سعيد الغزي في المجلس النيابي السوري. قرأه مرات واستمتع به. قال: سياسي هادئ، صرح بموقف جريء دون أن يخرق الأصول. يعترف بواقع فيه دول وحكومات عربية، ويذكر بواقع روحي هو غير ذلك! ولد قيس بعد سايكس بيكو. ومع ذلك شعر في تلك البرهة بأنه من جنوب سوريا. وخفقت في قلبه دمشق. قرأ: "الأردن جزء من الوطن العربي، كما أنه في الوقت نفسه جزء من الوطن السوري. نريد له الخير والعزة والاستقلال التام.. الأردن مرتبط بدستور ومجلس وحكومة وأوضاع شرعية لتلك المنظمات.. نحن لانتدخل في أموره الداخلية. لكن واجبنا القومي أن نقدم إلى الأردن الشقيق المساعدة والمعونة، التي تمكنه في ظل حكم نيابي شرعي صحيح، من أن يتخلص من القيود التي تحد سلطاته الشرعية. وقد تشاورت هذه الحكومة مع الحكومتين الشقيقتين مصر والسعودية في أمر تقديم المساعدة المالية للأردن وبعد المشاورات التي بدأت بعد الحوادث الاولى في الأردن وانتهت اليوم، قدمت الحكومات الثلاث مذكرة رسمية إلى الأردن جاء فيها أن الحكومات الثلاث ترغب في أن تتشاور مع الحكومة الأردنية في الطريقة التي تقدم بها الدول العربية المساعدة والمعونة للأردن.. أما المساعدات الأخوية التي علينا أن نقدمها نحو أبنائنا وإخواننا من أبناء الأردن الشقيق الذين جاؤونا مستغيثين، فقد فتحنا لهم أبواب بلدنا وحدودنا، وقدمنا وسنقدم لهم كل المساعدات التي يفرضها علينا واجب الإخاء". شعر قيس بحرقة في عينيه. فاستدار صاحب البيت كيلا يحرجه وهو يلاحظ ندى الدمع. قال له وهو يقلب الجريدة: صحيح، ياقيس! سورية سندنا! نحن هنا استمرار حوران! 
بقي قيس في بيت شيخ الجبل يومين وليلتين. وصلته رسالة: يجب أن ترحل إلى سوريا فورا!  







في تلك الليلة قال شيخ الجبل لقيس: لو كان الأمر لنا لما تركناك تخرج في مثل هذا المطر! لكن سلامتك عزيزة علينا! الله معك! حظك أن هذه السنة كريمة بمطرها وصحوها!
لبس قيس ملابس عربية فوق ثيابه، وخرج في الصباح الباكر مع رشيد، أخي صاحب البيت. مشى خلفه كأنه شغيل يسوق له زوج بقر. مشيا تحت مطر غزير إلى آخر بيت في إربد. في كرم واسع في المنطقة الشمالية من البلد بيت ابراهيم، ابن عم رشيد. وصلا إليه في السابعة صباحا. بقي قيس في ذلك البيت حتى جاءه موسى الجبل في الثامنة مساء ورافقه إلى قرية كفر جايز. خرج مع موسى والمطر يتدفق. المسافة بينهما وبين كفر جايز عشرة كيلومترات فقط لكن الوحل إلى الركبة. وصلا في العاشرة إلى بيت أحمد، زوج بنت موسى. أحمد أبيض الوجه، أبيض اللحية والشعر، في السبعين من العمر. زوجته في الرابعة والعشرين من العمر. 
بيت أحمد في باحة واسعة فيها بقر وغنم وماعز. خارج الباحة الدكان. أوقد أحمد النار: جففوا ثيابكم! جلسوا قرب النار. وأحضرت زوجته العشاء: لبنة وجبنا وزيتونا وبيضا. يجب أن يعود موسى في الليلة نفسها! احتياط للسلامة! بقي قيس وأحمد وزوجته وطفلته الصغيرة. قال أحمد لقيس: نم أنت هنا، وسأنام أنا في الدكان. فوجئ قيس. ينام في غرفة واحدة  مع زوجة الرجل الشابة؟ قال: ياعمي، سأنام في الدكان، ولتنم أنت هنا في مكانك! ابتسم أحمد في سخرية: ياقيس، يقال إنك ذكي وفتح وشاطر. والله لاأنت ذكي ولافتح ولاشاطر! سأله قيس: لماذا ياعمي؟ قال: إذا شمّوا رائحة وجاؤوا يفتشون عنك فوجدوني في الدكان لن يخطر لهم أني وضعت غريبا عند امرأتي الشابة! قال له قيس: لكنهم اتهموني ياعمي، بأني دون دين ولاأعرف الله، فكيف تتركني عند زوجتك؟ أجابه أحمد: والله، فيك دين أكثر ممن يقول ذلك عنك!

بكى قيس في تلك الليلة. لاعلاقة لهذا الرجل المسن بأي حزب، بأية منظمة، بأي ناد. ومع ذلك يؤويه في غرفة زوجته الشابة! ماأقل مايعمله لشعب فيه هذا الرجل! هل تستطيع ياقيس أن تحمل الثقة بك طول العمر؟! هل تستطيع أن تحفظها يوم تفكك المجموعات ويهشم الناس حتى الصداقات، ويبدو الفرد وحيدا، حرا حتى في الانتحار؟ 
بدت حماية قيس مقاومة يتعاون فيها الأصحاب والسياسيون والعشيرة وتتجمع فيها الصداقة والتنظيم والحماسة للزمان. وصل جابر في مساء اليوم الثاني ليأخذه إلى سما. ناما ليلة فيها وخرجا في اليوم التالي إلى منطقة في الشريعة يفترض أن تكون سهلة العبور. مع السلامة ياقيس!
بقي قيس وحده أمام النهر الذي قطعه ذات يوم إلى بلده. كان حدودا بين السلامة والخطر؟ بين الواقع والحلم؟ بين الوجع والانتظار؟ تدفق النهر بماء الأمطار الغزيرة التي امتدت من الشتاء إلى الربيع. نعم، هذه السنة غنية بالمطر والصحو! بحث قيس عن معبر. فغاصت قدمه وشعر بتيار الماء الجارف. لن يجد هنا معبرا! تلفت فرأى من بعيد بيت شعر. اتجه إليه. في العتمة يبدو الضوء قريبا لكنك تمشي طويلا قبل أن تصل إليه. ومشى قيس يجر ملابسه العربية.
يامرحبا بالضيف! نادى الرجل زوجته: شتوة! فأحضرت طعاما. كان ذلك قبل مطلع الفجر. سأله الرجل: منهزم؟ لامجال للكذب. قال: نعم! قال البدوي: وماعرفت تقطع؟ رد قيس: صح! بعد الطعام قال لقيس: قم! وأوصله إلى منطقة يصل فيها الماء إلى خصره. خلع قيس الملابس العربية وأعطاها للبدوي، وقال له: اسمي قيس!
لم يعد البدوي إلى شتوة. رحل إلى إربد. بحث عن أبي قيس وسلمه ثيابه العربية: اطمئن، قطع قيس الشريعة!
قطع قيس الشريعة! مقابله مزيريب. هاهو في الأراضي السورية! وصل إلى مرتفع والفجر قد طلع. رأى رجلا فسأله: أين أقرب مخفر؟ أشار الرجل: هناك! تبع قيس إشارته: أنا قيس!.. أوصلوه بالسيارة إلى درعا واتصلوا بالشام.
بقي قيس أسبوعين ضيفا في بيت كان أبناؤه ينزلون إلى إربد، فيزورون بقية أسرتهم ويحضرون اجتماعات النادي الثقافي. إربد أقرب إليهم من دمشق. استضاف ذلك البيت أيضا يوسف الهرمي، الذي احتل مع المتظاهرين مركز الحدود والجمرك في الرمثا، وأعلن "جمهورية"! وهرب مع مجموعته إلى درعا عندما أعلنت الأحكام العرفية. قال له قيس: جمهورية، دفعة واحدة يايوسف؟ هل كان قيس يتصور أن بلادا ومناطق ومقاطعات صغيرة في العالم لاتستطيع أن تؤمن حتى طعامها اليومي ستعلن الانفصال بعد نصف قرن من الزمان، وقت تتجمع الدول الكبرى في وحدات إقليمية؟! 
وصل من دمشق نمر، الطالب في الجامعة السورية، يحمل لقيس مئة وخمسين ليرة سورية. ورافقه في منتصف كانون الثاني 1956 إلى دمشق.
دمشق في الخمسينيات مدينة صغيرة، أكثرها أحياء عربية ذات حارات. تمتد منها أحياء حديثة قليلة، بيوتها من طابقين أو ثلاثة، شوارعها مزروعة بالأشجار. فيها بناء واحد من ست طوابق هو "كسم وقباني" قرب البارلمان. وآخر في ارتفاعه تقريبا هو فندق فيكتوريا الذي لم تنزل فيه فيكتوريا لكن نزل فيه سلطان باشا الأطرش، ومصطفى كمال وشخصيات أخرى من الزوار. تبدأ غوطتها في الغرب عند التكية السليمانية، ومن الشعلان والروضة والسبكي. وفي الشرق عند الباب الشرقي. وتمتد من شارع بغداد حتى حي الصالحية على الجبل. مدينة جميلة، نظيفة،  ومضيافة. مطاعمها رخيصة، يرتادها المثقفون والطلاب. والملاهي فيها ليست عزيزة على الموظفين. فيها بارات على شاطئ بردى وفي البارلمان والقصاع بقيت منذ أيام الاحتلال الفرنسي. ومقاه صيفية للعائلات في شارع بغداد والقصاع. أجر البيت فيها بسيط. والفواكه فيها كثيرة يتصدرها المشمش البلدي. يعرض فيها تفاح لبنان الملفوف بالورق الملون والمشمش الهندي في سوق علي باشا قرب المرجة. وتجوبها عربات باعة اللوز الأخضر المزينة بزهر المشمش والدراق في الربيع، وعربات عليها حلّة كبيرة فيها الشوندر في الشتاء وعرانيس الذرة في الخريف. يتوقف فيها الناس إذا مر السوداني الأسود النحيف الذي يحمل على ظهره علبة يبيع منها "فستق العبيد" الساخن في قمع من الورق. يخرج أهلها إلى الغوطة أو إلى الربوة في أيام الجمعة. وتمشي بناتها في طريق الصالحية مزهوات بشعرهن الجميل وقاماتهن الشابة وملابسهن الملونة، ويتجول الباحثون عن خطيبة هناك. وهناك غرفة الشاي التي يلتقي فيها الطلاب والموظفون في جلسات هادئة. دمشق صغيرة سكانها ثلاثمائة وخمسون ألفا. نظيفة وهادئة. أرصفتها عريضة مرصوفة. وحاراتها مشطوفة. في الأمسيات الحارة ترش سيارة الشوارع بالماء لترطبها. ماأحلى المشي في دمشق! ماأحلاه في أيام الشتاء الدافئة المشمسة، وفي الليل! سيستمتع قيس بليلها وهو عائد من مطعم سقراط إلى غرفته في الحبوبي! وسيصغي إلى حفيف القنب الذي تحمله الحمير إلى الأفران عند الفجر!
يوم وصل قيس إلى دمشق لفحته روح المدينة. وخيل إليه أنه يشعر بحرارة وهجها. كانت دمشق مركز مقاومة الأحلاف، مركز الحرية. مزهوة ببارلمان منتخب وحكومة وطنية وجيش يسوسه ضباط وطنيون حاربوا في فلسطين. مزهوة بأنها كسرت الحصار باتفاقيات اقتصادية مع المعسكر الاشتراكي، وبصفقات أسلحة تشيكية وروسية. كأن القهر الذي شربته في حرب فلسطين طوي! فأصبحت مدينة تتحدى دولا عظمى، وتستطيع أن تدافع عن نفسها! وسيبقى دائما وزنها وأثرها أكبر من مقياسها. وستجد دائما بذكائها التقليدي أحلافها الصحيحة. ليست وحدها الآن! معها المعسكر الاشتراكي ومجموعة عدم الانحياز والعواطف العربية! قال بولغانين في مؤتمر الدول الاوربية في فرصوفيا في أيار 1955 إن الاتحاد السوفييتي "لايمكن أن يقف مكتوف الأيدي" أمام الضغط على سوريا ومصر والبلاد العربية لإرغامها على الانضمام إلى الكتل العسكرية. وسيتكرر كثيرا هذا التعبير. وسيفهم منه السوريون الاستعداد للدفاع عنهم بالقوة! وسيقولون مازحين: نحن والاتحاد السوفييتي أقوى من أمريكا!    
في دمشق، الجامعة مركز سياسي. للطلاب تجمع فيه ممثلون عن البعثيين والشيوعيين والإخوان المسلمين. تبدأ منها المظاهرات والعرائض والمذكرات إلى المجلس النيابي أو الحكومة أو الهيئات الدولية. يقرر ممثلو البعثيين والشيوعيين والإخوان المسلمين، مجتمعين، تلك النشاطات. تخرج المظاهرات من حديقة الجامعة الرئيسية، تمشي في طريق الجامعة، تنحدر بين أشجار الكينا، تعبر المتحف، وتصعد الطريق المرصوف بالحجر الأسود إلى البارلمان بين حديقة المنشية الجميلة وكازينو دمشق الدولي المظلل بأشجار كينا ضخمة، أو تمشي أولا إلى المرجة، ساحة الشهداء. يهتف المسؤولون الحزبيون ويردد هتافاتهم الطلاب. وأحيانا تصدح أغنية "ياظلام السجن خيم، إننا نهوى الظلام، ليس بعد الظلم إلا فجر يوم يتسامى".. نشيد يسمعه الطلاب الجدد فيتذكرون المتقدمين عليهم الذين سجنوا في أيام الشيشكلي، ويشعرون بأنهم مبتدئون لأنهم لم يمتحنوا بالسجن. لكن ذلك لايمنعهم من أن يتصوروا أنهم يسقطون حكومة أو يسندون حكومة، ويكشفون المشاريع الاستعمارية، ويمنعون القواعد العسكرية. بفضلهم لاتجسر حكومة على عقد اتفاقات تسمح بقواعد عسكرية! بفضلهم لاأهمية لأكثرية البارلمان المحافظة! هم والجيش يسندون النواب الاشتراكيين في البارلمان والنائب الشيوعي الوحيد! هم امتداد التجمع الذي يسمى جبهة وطنية! عندما تصل المظاهرة إلى البارلمان يقفز المسؤولون الحزبيون إلى السور ويلقون كلماتهم، ثم تتفرق المظاهرة ويشعر الطلاب بأنهم أنجزوا عملا كبيرا. هل يعرفون أن ذلك الاعتداد هو سبب الفرح الذي شمه قيس في الجو عندما دخل إلى الجامعة أول مرة؟! ليس الصبا فقط سبب الفورة التي رآها! بل هواء سورية! 
في الأيام العادية يتجمع الطلاب بعد المحاضرات في الحديقة أو النادي. يسمعون إذاعة نادي الجامعة تنادي أو تنقل أو تداعب وتطلق أغنيات فيروز في الحديقة. يستمتعون بمناقشات الندوة الثقافية التي تنظم لقاءات ومهرجانات أدبية وفكرية. خلال زيارة قيس الجامعة أول مرة، عرض في كلية التربية فيلم عن جامعة موسكو قدمه كامل عياد. وقرر ممثلو الطلاب مظاهرة بدأت من الجامعة ووصلت إلى المجلس النيابي. خطبوا، وخرج إليهم النواب. انبهر قيس بتلك الحركة، فلم يشعر بالوقت الطويل الذي يثقل على اللاجئين السياسيين. 
أبناء بلده في الجامعة شاب تخرج من كلية الطب يتدرب في المستشفى الوطني، وطلاب في كلية الحقوق، وطلاب في كليات الصيدلة وطب الأسنان. قدموه لأصحابهم السوريين وللعراقيين اللاجئين من حكومة نوري السعيد. وكان قيس يستمتع بتجمعات الرجال ومناقشاتهم التي تستمر حتى الفجر، فأصبح بسرعة وسط مجموعة.
 قال للاجئين السياسيين العراقيين وللطلاب السوريين والأردنيين الذين جلس معهم في نادي الجامعة: سيطرد غلوب كي ينفتح حل ما. ستأخذ أمريكا مكان إنكلترا في المنطقة. وقد نفيد من عصر الانتقال فنصفّي النفوذ الإنكليزي! ثم جنح إلى الشعر، ووصف الشخصيات التي صادفها في السجن.
ملك بحديثه ونكتته تلك المجموعة من الطلاب فاستقبلوه في الجامعة يوميا. وانتظروا معه يوم الخلاص. داعبوه كلما رأوه: لم يسقط بعد غلوب؟ وسألوه أين سيستضيفهم في جمهوريته. وداعبهم أيضا فتجول في مدن العراق التي سيدعونه إليها! وفي مدن فلسطين التي سيزورها معهم! شرب معهم الكاكاو الذي تقدمه الندوة الجامعية، وأكل صحن "ميزو سبانخ مع الرز" من يد نجاح في مطعم الجامعة. وتجول خلال ذلك معهم في الحديقة. تأمل وجوه الطالبات النضرة البيضاء، وقاماتهن الرشيقة، وملابسهن الملونة الأنيقة. تنفس في عمق وقال: الشاميات! فداعبه ابراهيم السوري: أتين من أنحاء سوريا! تلك الشقراء الجميلة من اللاذقية! وتلك السمراء الرشيقة من حلب!
  هل جمعت اولئك الشباب منظومة فكرية واحدة، أو مشروع عام فقط؟ لا، بينهم صداقة، حب، لهفة. كأن أحدهم مستعد أن يفتدي الآخر بروحه! ماسبب ذلك التوهج الذي يوهمهم بأنهم يصنعون القدر؟ الفرح باكتشاف الأخوة في منظومة فكرية مشتركة؟ سعة المشروع، ومدى الحلم؟ وهل يملكون غير المشروع والحلم وهم بعد دون أسرة ودون بيت ودون عمل؟ تذكر قيس تلك العلاقات الصافية الحميمة فيما بعد، عندما انقسمت الأحزاب في بلاد الشام، وتباعدت منظمات كل بلد عن الأخرى. في تلك الأيام نزل قيس عند السوريين كأنهم ملزمون به، ووجد العراقيين في وضعه نفسه! كأن بلاد الشام لاتزال موجودة، والأنظمة المحبوسة بالقواعد العسكرية في الأردن والعراق موقتة! سيسمي قيس فيما بعد جيله "جيل الخمسينيات"، وسيوسع تلك المجموعة حتى تسع منافسيه أيضا. 
تحدث قيس في حرارة عن إعجابه بالجامعة. فرد عليه نمر، كأنه صاحب الجامعة: كل من ينزل في دمشق يزورها! يقصدها حتى السوريون الذين يبحثون عن زوجة! انظر، ذاك الضابط حام حول تلك الفتاة شهرا ثم خطبها. وذاك الشاب تخرج من الجامعة وخطب هذه الشابة السمراء النحيلة. عرض لوحة عنها في معرض اللوحات الجامعية. قال لي: حلمي الذي كنت أبحث عنه! روى نمر لقيس قصص حب أخرى ودلّه إلى أصحابها. هذه نعمت، قامة سويدية، لكن بشرة وجهها غير صافية. قومية سورية معتدة بنفسها لكنها دون نشاط سياسي. تنتقي أصدقاءها. اختارت حتى الآن اثنين رسبا في امتحانها. لديها الآن هذا الشاب الوسيم الغني. استقرت عليه ويبدو أنهما سيسافران إلى إنكلترا أو أمريكا! سأله قيس: وأنت يانمر؟ رد: ليس لدي شابة أحبها! سأتزوج من عشيرتي عندما أعود إلى البلاد! هنا، أذهب إلى بيت سري في الشعلان، فيه نساء جميلات!
في تلك البرهة عبرت الحديقة شابة بثوب أزرق مخضر، ووقفت عند مجموعة من فتيات وشباب. هبّ قلب قيس وشعر بأن وجهه احمر. انسل وجع رقيق عذب من قمة رأسه إلى قدميه وهو ينظر إليها. وكأنه عاد إلى اليوم الذي رأى فيه أول مرة الزرقة والخضرة في زخارف قبة الصخرة في القدس، فغمرته الرهبة والانبهار وشد على كف أبيه ذاهلا.  قال لصاحبه: فلنقعد! واجتاحه خوف من أن تفلت الفتاة من عينيه. تبع خفقان شعرها، لحق فرحها، وجهها الصبوح، بشرتها المتوهجة. أحب قامتها وكتفيها. وردد لنفسه: نعم، كتفيها! ثم التقط فيها كبرياء استفزه. قال لنفسه: كأنها تملك الدنيا! وفي البرهة نفسها أكد لنفسه في هدوء: هذه الشابة قدري! قرر أن مااستشفه أصبح حقيقة وليس عليه إلا أن يتبعها لينفّذها. سأل صديقه: من هذه؟ لايحتاج صديقه إلى السؤال من تقصد. لاحظ أن قيسا ثبت عينيه عليها. قال له مبتسما: ليلى! سأله قيس: لاتمزح! من هي؟ رد نمر مرحا: ليلى! لم تسأل ياقيس إلا عن ليلى؟! ياللمصادفة! قيس وليلى مرة أخرى؟! كاد قيس يضحك. هرب من بلده متخفيا، عبر الليل والنهر والخطر كي يلتقي بليلى؟! دمشق أم ليلى أم هما معا هذا الصبا؟ قال نمر: ليلى صديقتنا! طالبة في كلية الصيدلة. لكنها لاتتجول في حديقة كلية العلوم. تقول، تلك الحديقة للعشاق! تفضل حديقتنا! لماذا اجتاح الفرح قيسا؟ لأن ليلى ليست عاشقة وإلا لفضلت الحديقة الأخرى! مع ذلك، ماأهمية أن تكون عاشقة؟ سينتزعها من أي رجل لأنها هواه المقدر له في أبراج السماء! هل بين ايمانه بحدسه وبين ايمانه بالغيب حدود؟!
أضيف إلى الجامعة رونق خاص لم يخف على صديق قيس! أمتعه أن يرى قيسا باحثا عن ليلى. فإذا صادفها ثبت في مكانه إذا كانت واقفة مع أصحابها، وجرّ صديقه ليدورا حول الحديقة إذا دارت ليلى مع أصحابها حولها. بدت ليلى لقيس دائما مشغولة بأمر لايعرفه أحد. كأنها تظهر، وقت يراها، في طريقها بين مكانين أو عملين. لذلك بدت له مستحيلة. لايمكن أن يمسك بها. وسيظل هذا الشعور يلازمه. قال له صديقه: وقعت ياقيس؟ كانت كلمة "وقع" تستعمل بين الأصدقاء للتعبير عن الغرق في الحب. لم يجبه قيس. قال نمر مبتسما: بلّغوني أنك ستلقي اليوم قصيدة في الاجتماع ضد حلف بغداد. سأكون هناك.. وأعتقد أن ليلى ستكون أيضا هناك. تريد أن أعرفك عليها؟ ستكون ليلى هناك؟ وستسمعه؟ أيمكن أن يقترب من ليلى، ويكون كهؤلاء الذين تتحادث معهم الآن في بساطة كأنها تعرفهم منذ ولدت؟! يجب أن تحتفل الدنيا بأول مرة تجمعهما! هز رأسه وقال لنمر: لا! فليترك للصدفة لقاء اليوم! يؤمن بأنه سيعرف ليلى، وسيمسك بكفها ويضعها على قلبه ويقول لها: اسمعي رجفته! ويقول: تريدين أن أنتزعه لأضعه على كفك؟ لو أتت اليوم فسيلقي شعره كما لم يلقه من قبل. وسيكون ذلك لها. مع أن قصيدته ستكون عن حلف بغداد.
في أرض دار بيت عربي في الميدان بحث قيس عن ليلى بين الحاضرين منذ دخل. ورآها بثوبها الأزرق المخضر نفسه، على كتفيها إشارب مطبوع برسم من رسوم  بيكاسو. رأى بشرتها الشفافة، وخفق قلبه مع حركة شعرها. عم كانت تتحدث؟ هنا أيضا، كانت كأنها تملك الدنيا. فهل سيكون له مكان عند هذه السعيدة التي يبدو أنها لاتحتاج أحدا؟ ومع أنها بدت منصرفة إلى ماحولها بكل قلبها، قال لنفسه: ليست هنا، كأنها تفكر في مكان آخر، ويوم آخر! وشعر بالغيرة منها وعليها. ومرة أخرى انسل وجع عذب من قلبه إلى جسمه كله. لم يجسر أن يقول لنفسه أحبها. لكنه قال: قدري، وسأمسك به! قد يترك دمشق فجأة، قد يبتعد أو تبتعد، لكنه لابد أن يلتقي ذات يوم بها لقاء لن يفترقا بعده! لم يخب حدسه أبدا. فهل يخيب في أكثر الأمور قربا من روحه؟!
في الاجتماع استمعت ليلى إلى شعر قيس. أعجبتها رشاقته ونحوله. وقالت لنفسها: صوته، صوته! في صوته نغمة لاشبيه لها. أسى؟ سحر؟ قبلت قصيدته لأنها صحيحة سياسيا. لكنها لم تصفق بعد كل مقطع منها كما صفق من حولها. انصرفت خلال ذلك إلى النظر إلى وجه قيس وقامته وقوس الليوان فوقه، وشجرة النارنج إلى يمينه. رفعت رأسها إلى السماء مبهورة بزرقتها النيلية على حدود الليل. لكل ذلك جمال خاص على ايقاع صوته. نظرت إليه عندما أضيئت الأنوار كأنها لاترى سواه. وعندما انتهى بدت كأنها نسيته.    







بقي قيس حتى سفره من دمشق كالطلاب المداومين في الجامعة. يتأمل ليلى من بعد، ويقترب أحيانا فيسمع صوتها الذي يقفز قفزا، يسمع ضحكتها السريعة، ويعجبه العنفوان في كلامها. صار يستهويه أن يمشي خلفها عندما تخرج من الجامعة. ينحدر وراءها مع النهر ويعبر معها التكية ثم يصعد الطريق قرب أشجار الكينا إلى التجهيز، وهو يتأمل ظهرها وساقيها وكعبها وحذاءها، رفيف ثوبها وشعرها، عبورها الشارع كأنها فيه وحدها.  قال، سريعة كالمهرة، وحفظ رسم ساقيها وسيجعله مقياسه. حفظ ثيابها وفهم أنها تحب اللون الأزرق الأخضر والأبيض. فسأل صاحبه: أيمكن أن تكون عاشت في القدس؟ دهش نمر: في القدس؟ أظن أنها لم تسكن إلا في دمشق! ردد قيس: عاصمة بلاد الشام، حلم جنوب سوريا! واستعاد انبهار أبيه بالشام، وماترويه نساء بلده عن الزوجات الشاميات ساحرات الرجال. لكنه في زمن آخر! وليلى شامية أخرى!






في الثاني من آذار سمع قيس من الراديو: طرد غلوب. في الثالث من آذار 1956 نزل إلى ساحة المرجة، وركب السيارة مع المسافرين راجعا إلى بلده. عبر سهول حوران، ثم عبر درعا. لاتؤاخذوني ياأصحاب البيت الذي استضافني، لاأستطيع التوقف! ولم يكونوا في انتظاره! سبقوه إلى أهلهم في الرمثا وإربد وعمان والزرقاء ليحتفوا معهم بطرد غلوب. وفي دمشق لم يتوقع أصحابه أن يودعهم.
على الحدود حشد من الناس. ينتظرون الغائبين! كيف عرفتم أننا قادمون؟ حدس العشيرة التي تراقب أولادها من النوافذ، وتتابع أهواءهم وتزعجهم بذلك! انعقدت الدبكات وحاول الراقصون أن يطلقوا بها فرحهم. الدبكات التي ستعقد فيما بعد لتؤدي واجبا، أو لتنافق، أو لتخفي العواطف الحقيقية يوم تصبح الأفراح مقدّرة بمواسم، ويفقد حتى الحزن مذاقه، وتصبح الأعياد دون بهجة، وينكفئ الناس من الشوارع إلى البيوت، ويفسد مجتمع القرية والمدينة! وسيكره قيس عندئذ الدبكات كلما رأى صورتها في الجرائد.
على الحدود التقى بالعائدين من دمشق. ورأى المواكب التي رافقتهم حتى مدنهم وقراهم. مرة أخرى الجموع التي يحدد لها المشروع فقط أن تجري في الخير أو في الشر، ويجعلها المشروع فقط غوغاء أو جمهورا. شعر بالنشوة وهو يستمع إلى أهازيجها. لكنه عندما عاد إلى السيارة التي تنقله إلى بلده، ترددت في روحه قصيدة الرحبانيين التي كان يسمعها بصوت فيروز من إذاعة الجامعة، وهو يمشي خلف ليلى: وقوفا وقوفا، أيها المشردون وقوفا وقوفا. ترى هل تسمعون، ديارنا من يفتديها، من غيرنا يموت فيها؟ في الأمطار راجعون، في الإعصار راجعون، في الصباح، في الرياح، في السهول، في البطاح راجعون.. تمنى قيس في تلك البرهة أن يغني، وتذكر أنه لم يغن منذ زمن بعيد! ولكن أية عودة تريد ياقيس أن تغني؟ بأية عودة تحلم؟ صار الرجوع إلى البلد الذي هجّروك إليه أمنية؟ كأنك سامحتهم بفلسطين! ردد: أبدا! أبدا! لكن الهزيمة والنصر تبعدنا أو تقربنا منها! 
بقي بيته أسبوعا مفتوحا للمهنئين. منذ ألف ليلة وليلة مايزال الأسبوع يؤرخ للفرح والحزن! وقبلها بآلاف السنين! لكن الاحتفال الطويل لايناسب الزمن! لا، ياقيس! نسيت أن التهنئة كالتعزية تعبير سياسي؟!
مع المهنئين أتى أبو صالح مدير السجن. أهلا ياأبا صالح، أهلا! قدم له قيس سيجارات. لاأدخن! يجب أن تدخن كي أفيك الدين! بقي أبو صالح حتى انصرف آخر الزوار في تلك الليلة. في فمه كلام. نعم ياعمي أبا صالح؟ اسمع ياقيس! قلت لك في السجن إن الملائكة قد تنزل من عروشها لكن غلوب لن ينزل، فأجبتني بل سينزل! وقد نزل. فكيف عرفت؟ دهش قيس. هل يتصور أبو صالح أن قيسا ذو صلة بمن يرسم قدر الممالك والبلاد؟ نظر إليه. نعم، ينتظر أبو صالح أن يبوح له قيس بسرّ! ياعمي، يزاح الشخص عندما يصبح عبئا على زمن. غلوب ماعاد مقبولا في البلد. مع أنه يخاطب العشائر بلغتها ولايفوّت عرسا أو وفاة أو مولد طفل، ويقدم فيها كلها الواجب. الخمسينيات تهز بلدنا كما تهز آسيا كلها. بدأ بعد الحرب العالمية الثانية زمن جديد، وصراع جديد. غلوب يوقف بلدنا في زمن مضى. سأله أبو صالح: وكيف عرفت كل ذلك؟ لم يكن الناس يومذاك يسمعون المحطات التلفزيونية ويتابعون الحوار بين المتنافسين فيعرفون ماتعرفه "الطليعة" وقد يسبقونها في الاستنتاج!        
غاب قيس عن بلده زمنا قصيرا. ومع ذلك نظر إليه أبوه بعد انصراف الزوار كأنه يفحصه. فالتفت قيس إليه بملء وجهه. قال أبوه: فيك شيء لم يكن وقت سافرت إلى الشام! ردد قيس: شيء جديد؟ يابا، اختفيت أول مرة في عمري، لبست ملابس ليست ملابسي، قطعت القرى في الليل وغصت في الوحل والمطر. أكلت على سفرة غريبة، ونمت في فراش غرباء. وترى أني يجب أن أكون كما كنت؟ ابتسم أبوه. وصمت قيس. سأله: مازالت بنات الشام جميلات؟ فهم قيس مايقصده. قال: ذهبت إلى بيت في الشعلان فيه نساء جميلات! هذا مايريد أبوه أن يعرفه؟ سأله: ياقيس يلزمك مال؟ خذ! يفرحه أن يكون لديه ابن شاب يسعى إلى النساء! لكن لماذا لم يخطر له أنه "وقع" في الحب؟ نعم، هناك شيء جديد يخفيه! حب لن يفارقه طول عمره! 
كان يعرف أن ليلى لن تكون حيث بحث عنها قبيل سفره. لكنه مر تحت شجر الكينا، وعبر المتحف والتكية، وصعد في الطريق إلى التجهيز. واستمع إلى خطواته على الحجارة السوداء هناك، واستسلم لأسى رقيق وممتع. وقف على المرتفع الذي يطل على بردى أمام التجهيز، وبدا له أنه قال لليلى أو للمدينة: إلى اللقاء! كيف؟ متى؟ لايعرف، لكنه واثق من اللقاء! هل كانت ليلى حلما يتمنى كل إنسان أن يستبقيه نضرا ويحتفظ به؟ هل كشف له هواه أن القضايا العامة لاتملأ وحدها الروح، وأنها إذا لم تتصل بعواطف يصبح حاملها آلة دون قلب؟ بقي في دمشق زمنا قصيرا لكن لهفة مجموعة الشباب الذين صادقهم بينت له أن المنظومات الفكرية والمشروع هي علاقات إنسانية. وعاد فرحا بها. وبدت له ليلى روح ماأحبه في دمشق، صبا وعنفوان وكبرياء مدينة وزمن ومجموعة. هل كانت تدري ذلك، أم كانت تجري في فضائها الحرّ مسددة إلى أفقها؟
سيضع قيس فيما بعد صورتها في جيبه، وهو يعبر منظمات ممزقة، وبلادا تهيء انهيارها، ويغطس منتقما من نفسه ومنها ومن الواقع الذي ترنح، وسيتخيل أنه يحمي نفسه من كل ذلك بالحلم بها. سيعانق فتيات متنوعات وصورة ليلى في جيب صدره بينه وبينهن، وسيخيل إليه أنها تحميه من الزلل. هل يحتاج حتى أكثر المعاصرين معاصرة، وأكثر المتمردين تمردا، إلى تميمة تقيه الشرّ وعين الحسود وغدر الزمن؟ ويكون كالطفل الذي لفّت أمه "الحجاب" المثلث في غلاف من القماش الأبيض، وأضافت إليه خرزة زرقاء وعلقته على صدره؟ هل كانت ليلى بثوبها الأزرق المخضرّ تميمته التي تدفع سواد النهار؟ إذا لم تكن ليلى حلما ومدينة ومشروعا، مثلا لايمكن أن يفجع به، نجما لايمكن أن يخبو، صديقا لايمكن أن يغدره، فلماذا ستظل بألوانها طوال العمر الذي سيعبره، دافئة رغم الثلج، وجميلة رغم كل من عرفهن من الجميلات؟ ربما كانت ليلى زمنا، سنوات مجيدة وجميلة في بلاده، الجزء الذي يعتز به من عمره! لذلك يجب أن يلقاها ذات يوم! لابد أن يلقاها ذات يوم!    



rrr





رقم الايداع في مكتبة الأسد - الوطنية

أعاصير في بلاد الشام :رواية د. ناديا خوست - دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998-206ص؛ 24سم .

1- 813.03 خ و س أ 2- 813.009561 خ و س أ
3- العنوان                                4 - خوست
ع -1355/9/98                                                             مكتبة الأسد

r



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire