-7-
وأخيرا، هاهو
التاريخ الأبكم ينشق عن فجر مؤنس طال انتظاره، فابتداء بالغمر الأزرق ، وانتهاء
بمدى الصحراء راحت الأشياء تشع بسحر خاص ، كأنما مسها ساحر ! وفي البيوت والمتاجر
والأزقة والأسواق والسكك أنشأت الأمور تتخذ إيقاعاً متسارعاً مع إعلان الوحدة بين
سورية ومصر ! فأخذت تتأمل في الناس والحدث ، وتعد نفسك للإقلاع مع الريح ! لم يكن
ثمة شيء واضح في مدى الرؤية ، لكن جزءاً مهماً من الحلم كان قد تحقق ، جزءاً استقى
ماءه من المدرسة والشارع والإذاعة والصحافة والتظاهرات الغاضبة التي كانت تدعو إلى
الوحدة ، ربما لأنها كانت ترى بأن الأوان لردم الهوة التي تفصل تلك الأرض عن الأمم
الراقية قد أزف ، فأخذ الجميع يعدون أنفسهم لخير عميم هلت بشائره ! كل شيء كان
يندغم بطقس من القبول ، خلا بضع أسئلة راحت تطفو على السطح !
لماذا لم يقف
حسين ورفاقه إلى جانب تلك الوحدة !؟
بيد أن توجيه
سؤال كهذا إليهم لم يعد ممكناً ، لأنهم اختفوا كما يخـتفي الماء في اـلرمل !
فاختلفت الآراء في تفسير اختفائهم !
بعضهم قال بأنهم
انتهوا إلى السجن !
وقال البعض : إنما
هم متخفون هنا وهناك !
بينما قال آخرون :
لكن قسماً كبيراً منهم غادر البلد !
كنت تتمنى أن يكون
حسين نفسه إلى جانب تلك الوحدة ، ربما بسبب من المودة التي كنت تكنها له ، لكنه
غاب مع الغائبين ، فيما انشغلت - أنت – بالبحث عن عمل يدرأ عنك تقلبات الأيام !
فبقيت تتردد على الدوائر الرسمية كعادتك ، من غير أن تنتبه إلىأن ذلك
التردد كان يتطابق مع اللحظات التي لا تجد فيها أوراق ( اليانصيب ) المشهرة
في يدك مشترياً ، فتنضح النفس باليأس ، وتظل تلوب في تلك الأزقة التي كانت تنهبك
كل يوم بحثاً عن الرغيف ، إلى أن يزحف التعب نحو العضوية المحاصرة بين واقعها
المؤسي وأحلامها الممزقة ، ثم ينتهي يومك عند ثلة الشباب التي انشغلت – في تلك الفترة – برسم أحلام وردية للأيام القادمة !
كانت بشائر
المصريين قد وصلت إلى البلدة ، وكان للحياة أن تمضي هادئة واعدة ، ريثما تنجلي
الخطوة القادمة !
ولكن ، لماذا
أمحلت السماء في هذه السنة !؟
سؤال راحت
الشفاه تلهج به في منطقة تعد الزراعة عمودها الفقري ، فيما أخذت عيون الفلاحين
تتعلق بقزعات الغيوم القادمة من الأفق الغربي ، تنطر مطراً راح يعز ، وفي البحث عن
الإجابات كان ثمة ما يدعو إلى التوجس !
غضب هذا ! قال
البعض !
ممن وعلام !؟
غير أنك انشغلت
عن اللغط المثار الذي أخذ يتغلغل في ثنايا الأرض وشقوقها بما استجد في أفقك ، فلقد
وقعت أخيراً على عمل بصفة (( قياس )) لدى مديرية المساحة ، وبدا لوهلة أن النحس
الذي وشم خطواتك قد تنحى قليلاً ! فاندفعت نحو الدائرة باكراً في صبيحة اليوم
التالي !
لم تكن الساعة قد
بلغت الثامنة ، فراحت خطاك تذ رع الأزقة المحيطة بها، بينما كانت الأعماق مرسحاً
لمشاعر عديدة ومتناقضة بآن ! ولما أزف الوقت ، خطوت نحو الداخل بخطا متقصفة ! كان
قلبك قد ضاعف من وجيبه ، وجبهتك ترشح بعرق غزير وبارد ، فيما أخذت أعصابك تتوتر
تحت تأثير النظرات الفضولية التي انصبت عليك من كل حدب ! فالتجأت إلى عب الطاولة
المخصصة لك ، وراحت عيناك تتحاشيان نظرات الآخرين المربكة ، متلهية بالتطلع عـبر
الـنافذة المواجهة !
شيئاً فشيئاً
أنشأ المحيط يخفف من ضغطه ، والأعصاب المشدودة تعود إلى مدارها الهادئ، فشرعت في
اختلاس النظرات إلى المكان بين الحين والآخر ، مستغلاً انشغال الآخرين بما بين
أيديهم من أوراق ! كانت الغرفة التي ستضمك مع آخرين إلى حين ضيقة ، ومع ذلك فقد
غصت بأربع طاولات، احتل رجلان توسطت بهما سنون العمر اثنتين منها، بينما استأثرت
سيدة أصغر منهما بالثالثة ، والى حائطها الجنوبي اتكأت خزانات حديدية ضاعفت من ضيق
المكان ووحشته، أما نافذتها الوحيدة فراحت تقتنص من الحديقة المجاورة رؤوس أشجارها
!
شـرح رئـيس
الشـعبة طبـيعة العـمل الـمطلـوب منـك إنجازه، فغرقت في الأوراق المكدسة فوق
المنضدة ! وكان الأمر جديداً عليك، فغاب عنك أن ليس ثمة رابطة بين صفتك في العمل
والعمل الذي كلفك به ! وما كنت قد اعتدت البقاء في مكان واحد لفترة طويلة، لكن
إحساسك بأنك مراقب، وحجم العمل الكبير سرقاك، فلم تنتبه إلى تصرم الوقت إلا مع
تهيؤا الآخرين للانصراف !
كـان الجوع قد
انضم إلى حبات العرق المتلألئة فوق الجبين ، وكان ثمة دوار خفيف في الرأس، فترسمت
دربك نحو البيت بسرعة ! إلا أن الأيام التي تلت لـم تـنقض بالطـريـقة ذاتها، إذ
بدأت - أكثر فأكثر _ تشعر بأنك تقف على ارض صلبة، وأن المكان يخصك بقدر ما يخص
الآخرين ، فتراجعوا إلى حدودهم الطبيعية !
أما اللحظة التي
لا تنسى بحق ، فهي تلك التي أمسكت فيها أصابعك المرتعشة بأول اجر شهري لك ، ذلك أن
المبلغ كان كبيراً ، فأخذت تحملق فيه بذهول !ألف طيف التمع في الذهن ، وألف حلم
مكسور هاجس النفس مذكراً ! وعلى قلق أنشأت تستعيد الخطط التي كنت قد أعددتها حول
أوجه التصرف به ، وراح ذهنك يجتهد في اصطفاء ما يمكن شراؤه في ذلك الشهر ، وما
يمكن أن يؤجل إلى شهر آخر ، ولكن الأولوية في المشاريع الصغيرة كلها كانت من نصيب
ثوب أمك الجديد ،لأ ن ثوبها كان قد بلي تماماً ، وفقد ألوانه ، بحيث لم يعد
ارتداؤه يليق بها ! حذاؤك هو الآخر كان قد اهترأ ، فبدا شراء حذاء آخر مطلباً
ملحاً لا يقبل التسويف !
كان الزمن قد شرع
بالانتظام في مدار اكثر هدوءاً ، لأنك _ الآن _ تتحصل على (( معاش )) ثابت ، يردع
عنك التقلبات الحادة للأيام ، فاستكنت النفس لحاضرها إلى حين ! لكن المقام لم يطل
بك في تلك الغرفة ، إذ طرأ ما حسبته في صالحك ، بسبب من مقاربته لطبيعة التجوال
فيك ، وذلك عندما صدر قرار بضمك إلى فرقة من فرق المساحة ، فأخذت القرى المتناثرات
في أنحاء المحافظة تتجاذبكم ، وتحتفظ كل واحدة منها بكم زمناً يطول أو يقصر ،
لتمضي شبكة الدروب بكم _ من ثم _ نحو قرية أخرى !
- 8 -
ربما كان الشتاء بأمطاره وأوحاله في منطقة تفتقد إلى الطرق
المعبدّة كمنطقتكم، هو العائق الوحيد في وجه عملكم، ذلك أنّ الدروب الترابية التي
تصل بين القرى المتناثرة كحباّت عقد؛ كانت تنقلب إلى مصائد حقيقية للسيارات عقب
الأيام المطيرة! بحيث يضحي السير عليها مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولولا ذاك الفصل
الأهوج الذي يبطن احتمالات شتّى يصعب التكهّن بها، لما وقف شيء كحجر عثرة في
طريقكم، لا الصيف الأحمق الغاضب أبداً والمتعرًق، ولا الخريف الأعجف بشمسه
المحايدة المحتضرة! وعندها، فإنّ الكثير من العطلات الأسبوعية كانت ستندرج في محيط
عملكم الميداني، ثّم من يدري، إذْ ربماّ طال الأمر بعض الأعياد أيضاً!
كانت القرى شديدة التماثل كسبحة من الطين تزيّن حباّتها صدر
الأرض، لأنها كانت متقاربة التصميم، ليس من
الخارج فحسب، بل في تقسيمات بيوتها من الداخل أيضاً، تلك البيوت التي كانت تشبه
بيتاً ما، في مكان ما، في زمان ما لم يعد موجوداً! ليزهر الحنين إلى فترة وادعة
أضحت طيّ ماضٍٍ بعيد، ربمّا بسبب من رؤية تلك السقوف الخشبيّة المقوّسة تحت ثقل
التراب المليّص، والكوى الصغيرة، والأحواش الواطئة، وأعشاش العصافير، لكن ذلك
الحنين لم يعد يشبه الحرقة الكاوية التي كانت تجتاح الأعماق بعد الفترة الأولى
لرحيلكم عن القرية، وككلّ مبهظ كنت تتنهّد هامساً!
هو الزمن يؤكدّ في المجتبى الأخير، أنه الرابح الأوحد،وأن لا
رابح سواه!
كانت أعمال التحديد والتحرير تختلسكم من حضن دوركم، وتلقي بكم
في محرقـة عمل مديد وصعب، يبدأ صباحـاً بإعـادة رسم حدود القريـة، وفرز
العقارات الزراعية عن البيادر والمقابر والتلال، ومن ثمّ تسجيل
أسماء مستثمريها، وينتهي مساءً برسم المخططّات، وحساب المساحات الزراعية، ليجمعكم
الليل تحت عباءته، فتنطلق أحاديث شتّى، تبدأ من نهاركم الذي رحل لتوّه، مستعيدة
الأحداث الطريفة التي وقعت لكم فيه، وتنتهي عند حواف البرهة التي تجمعكم حول إبريق
الشاي، بعد أن تمرّ على المواضيع المطروحة للنقاش، سواء منها ما يتعلّق بظروف
العمل ومشاكله، أو ما يتعلّق بالشؤون العامة المتحررّة من أسار العمل ورتابته، وما
كان الأمر ليخلو من علاقات متفاوتة تنشأ بينكم وبين الأهالي!
وللسنة الثانية على التوالي أمحلت السماء إذْ لم تغب الشمس
الوانية عن نهاراتها إلاّ لماماً طيلة فصل الشتاء، فلم تبلّل نهاياتها العطشى بالمطر،
بما جففّ الضرع، ولم تنبت الحنطة التي أودعت الأرض السمراء أسرارها، وراحت الماشية
تنفق جوعاً على تخوم البادية بعد هزال! كان الأصفر يطالع الناس هشاً متقصفاً، حتى لكأنهم ما
يزالون في فصل الخريف، في الوقت الذي كان الربيع ـ فيه ـ قد عبر نصفه المؤسّس للأخضر عادة، فعاد الهمس
يطال موضوع الساعة !
أما قلنا لكم إنّه غضب!
كان الخوف من المحل
وشلاً مدّملاً عرف الناس ألمه، فراحوا يتأمّلون الأرض المختنقة بعطشها،
والسماء التي لم تستبدل ثوبها الأزرق بترقبّ وقلق، ثّم أردفوا بمرارة!
أنبأناكم بأنّ هذه الوحدة لا تحمل لنا خيراً، فما صدقّتمونا!
وفي المفارق والمنعطفات أخذ الهمس يتعاظم؛ بأنّ "عبد
الناصر" يخطّط
لإسكان خمسة ملايين نسمة في الجزيرة السورية، فرّد المتعاطفون:
ليس في الجزيرة وحدها، وإنمّا في كامل الإقليم الشمالي!
لكنّ المتطيرّين من مواقعهم تابعوا:
أرأيتم!؟ فيما تابع المؤيدّون :
وما الذي يشكل في الأمر!؟
فتساءل المتشككوّن بدهشة:
كيف! وهل تظنوّن الإقليم الشمالي هذا بقرة حلوباً!؟ سنموت في
الشوارع جوعاً! سترون!
وكان ذلك الهمس يجرحك!
طلبنا الوحدة، فتحققّت، فما الغريب في الأمر!؟
ولم تكن قد نشأت أيّ علاقة مباشرة بينك وبين المصرّيين فلم
تصدّق ما كان يشاع عنهم!
من أنهّم ينظرون إلينا كمستعمرة!
وهم يتجاوزون القوانين!
يا أخي، ما عاد بإمكان الرجل أن يصرّح بما يجول في ذهنه حتى
لزوجته خوفاً من رجال المخابرات!أمّا بالنسبة لك، فإنّ الوحدة كانت فأل خير، ذلك
أنك وقعتَ في مستهلّها على عملك الحالي! وكنت تتفكّر بأنّ إسرائيل هزمتنا عام
ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف لتَفَرقّنا!
وقلتَ: نسينا مَثَل الرجل الذي استدعى أولاده الثلاثة قبيل
الموت، وفرّق عليهم عصّياً، طالباً إليهم كسرها، ففعلوا! ثمّ جمع العصّي في حزمة،
وطلب إليهم إعادة الكرّة، فامتنعت عليهم العصّي! فقال لهم: مَثَلكم مَثَل هذه
العصّي، إن افترقتم حلّ بكم الضعف والهوان، وإن توحدّتم اجتمعت لكم القوة والمنعة!
إلاّ أنّ الآراء المتباينة كانت تستعصي على اللقاء، فتمضي بقية
السهرة بين ورق الشدّة، أو لعبة إخفاء الخاتم، ثمّ يُغرّم الفريق الخاسر بديك
رومي، أو بشيء من الفاكهة!
في صبيحة اليوم التالي كنت تنطلق نحو الخلاء متوحداً، أو برفقة
المجموعة، بما يقتضيه الظرف، وذلك بعد أن سقطت تلك الحساسيات الصغيرة من حساب
أفرادها، ربّما بحكم المعاشرة الطويلة، فصار بإمكان أيّ منهم أن يحلّ محل الآخر
بحدود! وعليه؛ فإنك لم تكن كثير الاختلاط بالأهالي، وكنت تذهب في تفسير احتفائهم
بكم إلى سجاياهم الكريمة، لكن الفلاح الذي دنا منك ذات صباح، ظلّل ذلك التفسير
بغلالة من الشّك والحيرة! ربما كان اللطف الذي أظهرته له هو السبب في تجرؤّه،
ولكنّك كنت معذوراً، لأنك كنت تودّ أن تعرب له عن امتنانكم لما تلاقونه من استقبال
حسن، فكيف بدر منه ما بدر!؟ شديد الغيظ كنت ومهاناً، إذ لم يكن ثمة مجال للخطأ في
فهم مراده! إنهّ يعرض عليك رشوة مبطنّة! حاراً تصاعد الدم إلى قمة رأسك، وثرت في
وجهه بشدّة، فأُسقط في يده، وانصرف عنك بارتباك، لكّن الأعصاب المتوقدّة لم تستعد
هدوءها إلا بعد حين، ومن يومها أخذت تدقّق النظر في الناس جيداً، لتفهم الدوافع
اللاطية خلف ما يظهر من سلوكهم!
وهـاهـو غيابكـم عـن بيوتكم يطـول، فيزداد شوقكـم إلى أهلكـم،
بيد أنّكم
تتحاشون إثارة الموضوع في تواطؤ شبه معلن، رغم أنه أضحى مقروءاً
في عيونكم، إلى أن يطفح الكيل، موهناً فيكم القدرة على التغاضي، وما يعود التجاهل
مجدياً، فتلحّون على رئيس الفرقة من أجل أن يسمح لكم بزيارة خاطفة للبلدة،
وتلحفون، لكنّه يماطل قليلاً في البدء، إلاّ أنّه ـ في ما بعد ـ يتنبّه إلى أنكّم
تكادون لا تنجزون عملاً يُذكر، فيدرك بأنّ مماطلته لم تعد مجدية، ويرضخ لإلحاحكم،
وعندها تركبون الدروب شمالاً، أو جنوباً بحسب الجهة التي كنتم تعملون فيها، تسبقون
توقكم إلى أحضان زوجاتكم وأطفالكم، فتمضون ليلة دافئة في بيوتكم، لتعيدكم العربة
السيّارة في صباح اليوم التالي إلى مواقع العمل، بعد أن تكونوا قد استعدتم شيئاً
من نشاطكم!
فما الذي ألقى "بحسين" في طريق الذاكرة !؟
ما الذي أعاد صوته الهادئ إلى الذاكرة السمعية!؟
هناك، في ذلك العراء المديد استلقت القرية ـ التي غادرتموها
منذ سنوات بعيدات ـ على حواف "الزركان" بكسل! وعلى الفور تداعت ذكريات
عزيزة على قلبك، فأخذتَ تتحراهّا بعين الشوق والفضول! كلّ شيء كان ما يزال على
حاله تقريباً، أو أسوأ قليلاً! الساحة الضيّقة،
البيوت المتماثلة التي تتزاحم من حولها، وتغيّب ملامح الدروب المتفرّعة
عنها، المتابن، والدروب القصيرة الضيقة! ليس هذا فحسب، بل أنّ بعض بيوتها كانّ قد
تهدّم جزئياً، أو كلياً، بعد أن غادرها
أهلوها قاصدين المدينة، فنهضت محلّها تلّة ترابية، وتيبسّت البساتين الصغيرة
المسيجّة التي كانت تفصل هاتيك البيوت عن بعضها، فيما لم تقع عيناك على شجرة بطم واحدة
حول المكان، بعد أن طالتها يد الاحتطاب بشكل فظيع، وعدا الخراب العميم، فلم يكن
ثمة شيء قد تغيرّ، وتداعت أصوات وأصداء وألوان وطيوف وروائح بعينها، إلاّ أنها
اليوم ما عادت موجودة، بعد أن غاب من غاب، ورحل من رحل! حتّى الذين بقوا كان الزمن
قد طالهم، فما عادوا أولئك الأشخاص الذين
عرفتهم ذات يوم! الآن فقط، كانت صورة القرية قد استقرّت في خلايا الذاكرة بلا
رتوش أو إضافات على شكل أكواخ تنضح بالفاقة والجهل والتخلفّ! وكان
"لحسين" دور أساسيّ في نزع الغلالة الرقيقة عن عينيك! كنت تتمنىّ أن
يكون مخطئاً في ما رسمه، لكن السيف الذي هوى مزّق الحجب، وحين دارت العربة حول
القرية فاجأك بناءان جديدان في الجهة الغربية، فتساءلتَ عنهما، ثمّ عرفتَ بأنهّما
مستودعان لمزارعين يقيمان في البلدة المجاورة!
كان التماثل بين كلام "حسين" واللوحة التي تراها
كبيراً، فتداعت ذكراه بإلحاح، وراحت الأسئلة تضجّ وتتلاحق "أن كيف عشتَ تلك
السعادة في عبّها!؟ أنت لا تستطيع أن تمضي في هذا المكان ليلة واحدة فقط! ربما
استطعتَ أن تمضي فيه فترة قصيرة كضيف، ولكن حتى تلك الفترة ـ على قصرها ـ ستمّر
عليك بطيئة، ثقيلة ومملة!" وبرغم أن
الاكتشاف لم يعد جديداً إلاّ أن حزناً
رهيفاً كحرف شفرة راح يتنامى نادباً الصلات الإنسانية المتشظيّة، إذ أن ملاذاً
وهمياً آخر أخذ يتداعى، تاركاً مكانه أسلاكاً شائكة تحفر في النفس، وتجرحها!
عبر النافذة كان السكون عميماً، وكان ثمة قمر شاحب يضفي على
السكون جلالاً ومهابة، فانكفأتَ في فراشك، مصعّداً آهة سخونة! ولأيام عديدة تلت راح
ضيق مبهم يثقل على الصدر كلمّا نهضت الصورة في المخيلّة!
- 9 -
قد لا تكون سعادة خالصة، ولا خوفاً خالصاً ما يتوزّع القلب، بل
هي مزيج من هذه وتلك راحت تلهج في الدمّ، لتغرق في عرقك مهتزّاً كقصبة في مهبّ
الريح! ومن حولك كان الناس يتدافعون، فلم يبق ثمة مكان لقدم، وراح صوت الطبل يقوّض
هدوء الحي، في الوقت الذي أخذ الأطفال ـ فيه ـ يتراكضون حول حلقة الدبكة!
كان الزقاق مُتخماً، ومن فوق الرؤوس ارتفعت غلالة من الغبار
الذي أنشأ ينطلق عن أقدام الراقصين، بينما كانت الزغاريد المنطلقة من أفواه النساء
تصّم الآذان! وعلى الرغم من المظاهر المؤكدّة، كنت ما تزال تكذّب ما تراه عيناك!
مؤشّر الذاكرة مضطرب، يرتحل إلى الوراء، أو إلى الأمام، ينسج ما قبل وما بعد، ما
حدث وما يمكن أن يحدث، ليودعه في صندوقها المقفل إلى حين، فيما راحت أحداث الأيام
القليلة المتصرّمة تتداعى، إذ أن كآبة غامضة أخذت ترين على روابي النفس مؤخّراً،
واسمة مزاجك بكدر قلق، ولياليك بأرق عنيد، لتستيقظ عند الصباح خاملاً، متكسّر
الأطراف! وكان ثمة خيال نسائي غامض يتكشّف جزئياً عن كوابيس تناهبتك، من غير أن
تشير الذاكرة إلى امرأة بعينها، بمقدار ما كانت تشير إلى المرأة كجنس مختلف! لم
يكن ثمة نسوة في حياتك، لذلك راح توقك اللايُحدّ إلى امرأة يتضوع أريجها في محيط
العمر يرهج الدم، وينتش في النفس الكثير من الآمال، لكن الأيام التي توالت رتيبة
بلا جديد، دفعت النجوم إلى التساقط في شقوق النهار الباهتة، فلقد كنت جاهلاً بعالم
النساء الرخيّ، ولم تكن تعرف شيئاً عن الكلام الذي يمكن أن يقال في حضرتهّن، فإن
تصادف وجودك معهن في مكان واحد؛ جّف حلقك، وشحب وجهك مع هجرة الدماء عنه، ثمّ
تورّد بالدم المتدفق من الوجنات حتى تحمرّ أذناك! ولم تكن تعرف سبيلاً إلى التغلب
على تلك المشكلة! كل محاولاتك في هذا الاتجاه أخفقت، كما أخفقت محاولاتك الرامية
إلى تناسيها أيضاً، وهاأنت تعمل وتسير وتأكل، تنام وتسافر وتعود، لكن جزءاً من
دماغك يأبى الاندغام في تمام اللحظة، بل يظل يعمل في اتجاه آخر، فإذا سايرته بمكر
لسبر ما يمكن سبره، قادك إلى صورة غامضة لامرأة غائمة الملامح، نائية!
وهكذا راحت الأيام تمرّ بطيئة، ثقيلة الظل والخطو، تنشر هنا
وهناك ردود أفعال تتسم بالعصبية، ردود تدخل في باب التفريج ربما، بيد أنّها لم تكن
تسفر عن شيء، فيطل الإحباط برأسه ضارباً جذور التماسك في أسّها! وكمن يقرأ في كتاب
مفتوح كانت أمك تتابع أحوالك من ركنها المنزوي، إلى أن فاجأتك يوماً:
ـ أحمد! لماذا لا تتزوج!؟
كضوء كشّاف باغتك السؤال، فأجبتها مأخوذاً:
ـ أتزوج!؟
ـ نعم تتزوج، فأنت لم تعد صغيراً أم أنني مخطئة!؟
فقلتَ بحيرة:
ـ كيف!؟ أنت ترين الظروف، و……
ـ وهل تعتقد أن الظروف ستتغيّر برمشة عين!؟ أنت لستَ ساحراً يا
بني، فما الذي يمكن أن يتبدّل في حالنا بعد سنوات خمس مثلاً!؟ لا تقل لي
أنك ستنتظر مدة كهذه، أو أكثر!
وأنشأ ذهنك يبرق بكلّ الاتجاهات، مقلبّاً الاحتمالات على
وجوهها كافة، ذلك أن الكثير من التفاصيل كانت تحتاج إلى شيء من التمحيص!
ـ طيب، والمهر!؟ ثم ماذا عن العروس!؟
ـ أمور الزواج مُيسّرة دوماً، ربما لحكمة من ربّك يا بني! ثمّ
من تظننّا نقصد!؟ ليس أمامنا إلاّ أعمامك، والدم لا يصير ماءً كما يقولون!
لم تكن المفاجأة قد سحبت ذيولها عن كتفيك بعد، ربّما لأن
المسألة كانت ما تزال مشوشّة في ذهنك، فأرجأتها كما هي عادتك في الأمور التي لا
تملك لها حلاً عاجلاً!
ـ دعيني أقلّب المسألة في ذهني بعض الشيء يا أماه!
ـ ولكن يا بني!
ـ أرجوك يا أماه!
ـ حسناً يا ولدي!
لكنك حينما انفردت بنفسك؛ سارعتَ إلى مصارحتها بأن العجوز قد
وضعت يدها على الجرح، فحالكم لن تتبدّل بين ليلة وضحاها، وأنت لن تنجح في إقامة
علاقة عاطفية مع إحداهن! أمّا ما يدعيّه أقرانك من رسائل، أو لقاءات مسروقة في
غفلة عن الأهل، فستظلّ بالنسبة لك أمنية غير مُدركة! لقد جنّبتك إحراجاً كبيراً
بمكاشفتها تلك، لأنك كنتَ ستخجل من مفاتحتها! هي محقّة والله، وليس على كلامها أي
تثريب، فأن تتزوج اليوم خير لك من أن تتزوج غداً، إذْ من يستطيع أن يتكهّن بما
ستؤول إليه المهور والمصاربف غداً! ولكن ارتباكك أغلق الباب في وجهك إلى أمد، فكيف
تعود إلى فتحه!؟ أنت مكابر بطبعك، ولن تستطيع مفاتحتها بالأمر، وقد يتصرّم وقت
طويل حتى تعود ـ هي ـ إلى الخوض فيه ثانية! ثمّ ماذا عن الطرف الآخر؟! مَنْ مِنْ
بنات عمك ستكون من نصيبك!؟ أنت لا تعرفهن جيداً، ورسومهن لم تعد تحضر في الذاكرة
إلاّ بصعوبــة، لأن زياراتكم المتباعدة ـ
التي انقطعت منذ أمد ـ ما عادت كافية لاستحضارها، أو لأن الصورة كلّها كانت غائمة
ومُبهمة! ولكن ماذا لو رفضوا!؟
كصفعة مباغتة فاجأك السؤال، فحاولتَ إقصاءه، لكنه راح يلحّ،
وأخذتَ تعلّل النفس بالأمل؛ مؤكّداً على صلة القربى حيناً، مستحضراً مواضيع أخرى
لعلّها تشغلك، بيد أنها راحت تصبّ في الاتجاه ذاته، فأنشأتَ توبخّ العجوز في سرّك،
ربّما لأنها لم تقترح لك واحدة منهنّ، ولو أنّها فعلت لأراحتك من عناء الاختيار،
لاسيما أنك مقرّ بأن لا سبيل إلى الزواج غير ما ذكرتْ! فهل كانت تقرأ ما يجول في
رأسك من طيوف، حين عادت تفتح لك كوّة
الأمل!
ـ يا بني، لمَ لا نحزم أمرنا، ونقصد الجماعة في ما نحن مزمعون
عليه!؟
في ما بعد سطرّت الذاكرة في دفترها نهاية موفقّة لرحلتكم؛ التي
انضمت إلى قائمة الذكريات السعيدة في حياتك! كان عمّك لطيفاً في استقباله، وتمكّن
من إزالة الارتباك الذي سيطر عليكما بلباقته وحسن تصرّفه، فهل حدس الموضوع بقضّه
وقضيضه!؟ تلك كانت المرة الأولى التي تراه فيها بعد وفاة أبيك، وكنتَ تجهل كيف
يتصّرف الناس في مثل تلك المناسبات، لكن أمك استطاعت أن تتدبّر الأمر راسمة الخطوط
الأولى لقصة زواجك! قد يظن الآخرون أنّ الأمر كان سهلاً، غير أنه لم يكن كذلك،
وعلى العموم فإن هذه المسألة لم تعد مهمّة الآن، لأن القصة كلها أصبحت في ضمير
الماضي، أضحت جزءاً من تاريخك الشخصي؛ رغم أنها غير قابلة للنسيان، ففي تلك الليلة
أخذت ظلال المساء تتطامن، وليل كتوم واعد يهّل، وراح المدعوون يتناثرون فرادى إلى
بيوتهم، ولمّا انصرف الجميع، دخلتَ على عروسك! هناك، على بعد أمتار وقفت الفتاة التي
دخلت حياتك فجأة ملتفّة بعباءتها البيضاء! كان ضوء "اللمبة" شاحباً، فلم
يبدُ منها سوى خصلات أثيثة من الشعر، وعينين سوداوين فوق وجنتين شديدتي السمرة!
ثمّ كان أن رفعتْ رأسها لوهلة، فعرتك
رعشة، وراح جسدك يضجّ بالعرق! كان عليك أن ترى المرأة التي هبطت عليك بغير ميعاد؛
بعد أن محت خطا الزمن ملامح الطفلة الصغيرة التي كانَتْها يوماً، ورغم أن العباءة
كانت تلفّ كامل الجسم، إلاّ أنّ جذعها الناهض داخل العباءة لم يغب عنك!
ولكن؛ ما الكلام الذي يقال في موقف كهذا عادة!؟ رباه! أيّ حيرة!؟
بكلّ ما سمعته من أترابك عن مغامراتهم العاطفية استنجدتَ، لكن
الذاكرة ـ التي تفاجأت بالموقف على الصعيد العملي ـ نضبت، خوت تماماً، وأخذ صمت
خفر ينفر من كلّ شيء، صمت يشعر المرء معه بأن كلّ خطوة تنذر بمفاجأة، وكلّ عبارة
تنطوي على فخ! فأيّ موقف غريب وجدتَ نفسك فيه!؟
كان عليك أن تكسر حاجز الصمت الذي أثقل عليكما، وتردم المسافة
الفاصلة بينكما، فدنوتَ منها، وحرّكتَ يديك بحيرة باحثاً عن كلمات تناسب المقام،
لكن النظرة الخجلى التي خالَسَتك لبرهة، والإجفال غير المحسـوس الذي اعترى الكومـة
المتسربلـة بثيابهــا، أفاءت الكلمـــات التي
كانت في طريقها للخروج إلى الصمت،فغضضتَّ! ولكن لا بدّ من حسم
الأمر!
تفكرّتَ، وجذبتها برفق، فلم تنبس ببنت شفة، بل انساقت إليك
بطواعية! كان عليك أن تكمل ما بدأته، فتغلبّتَ على غضاضة الموقف، ونزعتَ عنها
العباءة، لتتفاجأ بحبات من العرق الناعم تنتظم الجبين كما النمنم، ولم تكن حالك
بأفضل من حالها، بيد أنك كنتَ تدرك بأنّ التراجع لم يعد ممكناً، فالتفّت يداك حول
خصرها، وتلاحقت الأنفاس المضطربة، ولما وقعت شفتاك على الوجنة السمراء، انتقل
إليها طعم الجليد والنار من تحت الجلد، شيئاً فشيئاً بدأ الجليد يذوب، في ما راحت
يدك تتوغّل في بلاطة الظهر الفسيحة، وتضغط صدرها الناهد إلى صدرك!
أيّ حمّى قلقة راحت تعدو في الدم!؟
وأيّ جذوة كانت تشعّ من مكامن اللذّة!؟
كانت المرأة التي تضمّها عظيمة الكفلين، وكانت عانة ندية
كطحالب الجبال قد نبتت لتوّها هناك، ومع الكرّ والفرّ أنشأ الجسد الأنثوي يشبّ
كعجاج في الدم، وراحت العضلات و الأعصاب والخلايا تتوتّر طالبة المزيد! لم يعد
للزمن معنى مع التفاصيل الموغلة في العذوبة، الموغلة في اللدونة، ولم يعد للأشياء
من حولكما وجود! غابت، تلاشت في الإيقاع المتناغم للجسدين المنتشييَنْ بدهشة
الاكتشاف، وراح المدّ يرتفع نحو ذروته القصوى، نحو عوالم رحيبة وملوّنة!
برضى استلقيتَ على ظهرك؛ بعد أن تعمّد جسدك بالطقس المُقدس،
عبر النافذة كان القمر ينسخ الظلمة التي نذرها الليل عل نفسه، فيما بدا العالم من
حولكما هادئاً، غارقاً في غبطة وسلام عميمَيْن، وإلى جانبك كانت المرأة التي
ستشاركك أيامك القادمة قد غطّتْ في نوم عميق!
- 1 -
مترنّحاً وعاجزاً عن الفهم وقفتَ أمام العبارة الراشحة بالألم،
وراحت الأنباء المتضاربة من كلّ لون تتوالى، وتزيد الصورة بلبلة، فيما ظلت الأسئلة
تضجّ وتتلّمس طريقها بصعوبة، لتعرف إن كان ما حصل حقيقة أم كابوس، فهجستَ:
ولكن كيف حدث هذا!؟ وهجستَ:
لقد تركنا الأمور على عواهنها، ولو أننا احتكمنا إلى الحوار،
وضربنا على أيدي المخربّين لكان هذا أجدى لنا!
كان هيكل المشفى الكبير ـ المُزمع افتتاحه ـ يربض على مربّع
واسع من أرض "العزيزية"، وعلى قدم وساق كان العمل قائماً في الأبنية
السكنية عند التخوم الشمالية للأرض الموسومة بحي المطار، إلا أن الناس تاهت عنها،
ربما لأنها لم تعد تسمع صوتاً غير صوت جوعها، وما كان باليد حيلة، فهمستَ:
لله الأمر من قبل ومن بعد، ثمّ من يدري، فقد يكون العام المقبل
علينا عاماً خيّراً، يعّوض ما أصاب الناس من ضيق وعنت!
وتهادى، لكن مقدماته لم تكن أمينة للأمنيات التي تدارت في
الصدور، فتضاءلت الناس، وضجّت، وأخذت الهمهمات تدخل مدار الاتهـام الواضح:
قلنا إنه غضب، لكننا لم نجد أحداً ينصت إلينا!
وقلتَ: ولكننا كسرنا الطوق الذي فرضه الغرب علينا، وهانحن
نستقدم السلاح من الدول الاشتراكية! بيد أنهم تابعوا احتجاجاتهم:
لقد أهلكنا تسلّط الأجهزة، ثمّ أننا لسنا مُستعمرة لأحد!
غرباء عن بعضهم كانوا، منغلقين على وجعهم الخاص، فتاهت الأصوات
والخطا، وفي الوقت الذي كان الكلام ـ فيه ـ يدور ويداور ويشتطّ ويرتطم؛ انتشرت على
الملأ قوانين جديدة أدهشتهم، إذْ تقرّر وضع سقف للملكية الزراعية، ليُوزّع ما يزيد
عن ذلك السقف على الفلاحين المحرومين من الأرض، بينما طالت قوانين التأميم الشركات
الصناعية الكبرى، فكانت بلبلة عظيمة؛ غادر الكثيرون من أصحاب تلك الشركات ـ في
خضمها ـ البلد في غفلة عن الأعين، لكنّ الحكومة لم تكتفِ بما تقدّم، بل وضعت يدها
على عمليات الاستيراد والتصدير، متشدّدة في إبعاد كلّ يد عن ميناء
"اللاذقية"! وعلى الرغم من أن "مصر" أيضاً كانت قد شهدت
القوانين ذاتها، إلاّ أن الموضوع برمتّه ظلّ سابقة غير مألوفة، رأى فيها الكثيرون
مخالفة لتعاليم الدين الحنيف! حتى أكثر المؤيدين حماسة تردّدوا، واستسلموا لصمت
حائر له أكثر من تفسير، فيما لم يجرؤ الكثير من الفلاحين على الاقتراب من الأراضي
المستولى عليها، إمّا لمكانة أصحابها الدينية، أو لأنهم كانوا ما يزاولون يتذكّرون
بكثير من الخوف سطوة مالكيها السابقين، وفي كلّ الأحوال فإن المسألة لم تخلُ من
حسّ مُبهم بالإثم!
للسنة الرابعة على التوالي استوطن المحل الأرض، فأضحت جديبة
كامرأة عاقر! كان الجّو مشحوناً بالترقّب، فانكمشت الناس متطيّرة ممّا يحدث، وعلا
صوت الحاجة على كل صوت، وراحت رائحة نذير مُبهم تزكم الأنوف، لكن التكهّن بما يمكن
أن يحمله الغد لم يكن أمراً سهلاً، إلى أن جاء اليوم الذي استيقظ فيه الناس على
نبأ "الانفصال" الصاعق، المبددّ لأحلامهم!
والآن!!؟!؟
ورحتَ تضرب أخماساً بأسداس، فالأمر كله لم يكن قابلاً للتصديق
بتلك السهولة، فهمستَ بحنق:
متوحدّين كنّا، فهزمنا الدنيا كلّها يوماً، وتفرقّنا، فتكسّرنا
على أصابع البلدان الأخرى!
لكنّ الصمت امتصّ كلماتك، رغم أنها شكلّت الحلم الذي وسوس
للناس ردحاً من الزمن، فاندفعوا إليه بقوة، وحققّوا جزءاً منه، على أن تليه
الأجزاء الأخرى، غير أن الرياح جرت باتجاه آخر!
كوعل محاصر في حضرة صياد لا يرحم بدوتَ، بينما كانت البلد تميد
تحت أقدام المتظاهرين الرافضة، وبدا كل شيء قابلاً لأن ينفجر ثانية! كان العطب
ينعكس على الوجوه الساهمة في كلّ مكان، بعد أن أبهظها الإحساس المؤلم بانكسار
أحلامها، ربّما لأن الناس كانت تريد الوحدة، ولكنها ترفض أسلوب الحكم، وكان ذاك هو
مأزقها!
أمّا أنت فكان أن تملكّكَ شعور حاد بالنكوص، بأنّ شيئاً ما ليس
في مكانه! كان هذا واضحاً في وجوه الناس، وفي حركتهم، أمّا هل كانت البلد تعبر
مخاضتها، أم تدخل جحيمها الخاص، فإنّ الإجابة لم تكن سهلة! إحساس ممضّ راح يلحّ في
التعبير عن نفسه:
فهل هو نقمة!؟ أم أنه غضب!؟
وراحت الأسئلة تحاصرك، وراحت الوجوه تحاصرك، وراح الهواء
يحاصرك، وفي تلك الأزمنة التي أشعرتك بأنها ليست لك كنتَ تهرب، إذْ لم يكن ثمة
خيار آخر، ولم تجد مُتنفّساً غير العمل، فأخذتَ تعمل بطاقتك كلّها، ربّما لأنك لم
تكن تودّ أن يكون في نهارك لحظة فراغ تتسرّب منها الهواجس، ومع ذلك فإنّ جزءاً من
دماغك كان يعمل في اتجاه آخر، فكان أن انتبه "خليل" إلى حالتك تلك!
ـ ما الأمر يا أحمد!؟ لا تبدو على ما يرام!؟
وكنتَ عاجزاً عن التفسير!
ـ لا أعرف على وجه التحديد! لكن الأشياء من حولي تفقد معناها،
وتبدو لي بلا طعم أو لون أو رائحة!
كان "خليل" قد تخرّج من كلية الحقوق مؤخرّاً، وراح
يخطو خطواته الأولى في عالم المحاماة، في الوقت الذي كانت الحياة ـ فيه ـ قد دفعتك
بعيداً عن الدراسة بتلك الصورة الدراماتيكية! إنه واحد من زملاء الدراسة الأقلاء
الذين استمرّت علاقتك بهم على اختلاف الدروب!
ـ ولكن ما يحدث خارج عن إرادتنا يا أحمد! ثمة ظروف تفرض نفسها
علينا في بعض الأحيان، فلا نملك إلاّ أن نكيّف أنفسنا معها، ولو إلى حين!
وكنتَ ممتلئاً بالمرارة، متمزّقاً، وعاجزاً عن المتابعة، ولكنك
جاريته في الحدود الدنيا!
ـ ماذا تقصد بالظروف!؟ ثمّ لماذا نخضع لهذه الظروف خضوعاً
كليّاً، بدلاً من أن نسهم في صياغتها وفق ما نريد!؟
ـ حسناً! أنا لست مختلفاً معك في الأساس، ولكن ماذا لو خرجت
الأمور من أيدينا لفترة من الزمن!؟ هل نفقد توازننا بهذا الشكل، أم نتعامل مع
الظروف المستجدّة بما هو ممكن، إلى أن تأتي اللحظة المؤاتية، فنغيّرها!؟
وأعيتك الكلمات، إذْ كيف لك أن تشرح له ما تحسّه بدقة!
ـ يا عزيزي ما يقال هو مجرّد كلمات، والكلام لا يغيّر من
الواقع المناقض للأماني شيئاً!
ـ فماذا تقترح أنت!؟
ـ لا أدري! لا أدري! ثمة فكرة تدور داخل هذه الجمجمة، لكنها لم تتضّح جيداً بعد!
وراح شهر رمضان يدنو متئّداً، من غير أن ينتبه الناس السادرون
في هواجسهم لمقدمه! كانت انتفاضة "حلب" في وجه الانفصال قد أخفقت، فقلتَ
لنفسك:
لابأس، فقد يحمل الصوم للنفس العزلاء بعضاً من السكينة
والهدوء!
ذلك أنّ رمضان كان ما يزال يحتفظ في النفس بشيء من بريقه
القديم، ففي مطلعه كانت الدنيا ـ من حولك ـ
تُشحن بألق شفّاف، والنهارات تكتسب بعداً آخر، بعداً غير منظور، مُستمدّاً
من هالة القداسة التي كانت تحيط به ربّما، فيضحي كلّ شيء مُعمّداً بوهج من القناعة
والرضا والنور! وفي مطلعه ـ أيضاً ـ كان أبوك يمّون البيت بالدبس والتمر والبطاطا،
مستضيفاً على مائدة الإفطار بعضاً من الأصدقاء أو الجيران، فينقلب البيت إلى خلية
نحل تمور بالحركة والنشاط والبشْر! إلا أنّ اللحظات التي لا تُنسى بالنسبة لك تظلّ
متمثلّة في تلك الهنيهات التي كنتَ تتكّئ فيها على الحائط الغربيّ للدار في انتظار
مدفع الإفطار، وحين ترتفع الغمامة السوداء الناجمة عن إطلاقه فوق تل
"غويران"، متداخلة بصوت الآذان، كنتَ تسبق صوت المدفع نحو باب الدار،
لتندسّ بين أبيك وأمك المتحلّقيَنْ حول سفرة الطعام، التي كانت تحمل صنفاً خاصاً
برمضان من كلّ بدّ! أمّا العالم الأكثر نشوة وسحراً فيظل متمثّلاً في عالم السحور
الذي كان بهاؤه ينداح على حواف النفس، فأن تفيق ليلاً، فتشارك أبويك طعام السحور،
ثمّ تنهض أمك المتلفّعة بملاءتها إلى الصلاة، وتدعو الله أن يغفر ذنوبكم، فيما
يتمتم أبوك ما يحفظه من أدعية، وهذا كلّه في هدأة من الليل ، شيء رائع لا يتكرّر؛
وأخيراً يهلّ العيد، فأيّ فرحة لها أن تعادل فرحتك بالثياب الجديدة والسكاكر
و"العيديّة" التي تخشخش في الجيب! أمّا إذا أبدى أبوك شيئاً من التباطؤ
أو المماطلة في شراء ثياب جديدةلك، متعلّلاً بظرف ما، فإنك تحرد عن الطعام،
وتتضامن أمك معك، حتى يضطر إلى الرضوخ لرغباتك، فإذا جاءت ليلة العيد؛ أخرجت أمك
الستائر البيضاء المُزّينة بشغل الأبرة، وغطّت بها النوافذ والجدران، ومن يدري!
فقد تبيّض الجدران نفسها بالكلس الأبيض، وتزنرّها بالنيلة الزرقاء، ثم تفرش البساط
الصوفي ذا الرسوم الجميلة الملوّنة على الأرضية، فيبدو بيتكم شبيهاً بالجنّة التي
كان أبوك يتكلّم عنها دوماً!
وفي صبيحة العيد كنتَ تفيق بعد نوم مضطرب، مليء بالأحلام
العذبة، وكانت تلك الأحلام تختلط بأحلام اليقظة، بما يتعّذر ـ معه ـ فصلها عن
بعضها، فتُخرج بنطالك من تحت الفراش الذي كنتَ نائماً عليه، فإذا به مكويّ كسيف
صقيل! وتلبسه على عجل بعد أن فقد الصبر سطوته على النفس المتلهّفة، وتخرج على
الرغم من أن الظلمة لمّا تمحّي تماماً، فتدخل مع أترابك بيوت الحي بيتاً بيتاً، من
غير أن تسهو الذاكرة عن بيت واحد، إلى أن تمتلئ أكياسكم بالسكاكر والأحلام
الملوّنة!
قُبيل العصر كنتم ترجعون إلى بيوتكم مُنهكين، جائعين، وسعداء
بآن، وكانت أمك تنتظر أوبتك بفارغ الصبر، فلقد تأخّرتَ عن موعد الغذاء!
ـ تعالَ يا حبيبي! تعالَ، لقد جعتَ، تعالَ وكُلْ!
إنك جائع لا شكّ، ومُتعب، ولكنك مشغول بما هو أهمّ، فلقد عاد
أبوك من صلاة العيد، وعليك أن تتحصّل على "عيديّتك" أولاً؛ على أن تزيد
عن تلك التي أخذتها من الآخرين!
إيه! أيّ ذكريات، ولكن الغياب يقوّض الأيام في الذاكرة، فلا
تتكرّر، بحيث يبدو الإمساك باللحظة المتصرّمة كمحاولة للإمساك بالسراب! حتى أمك ما
عادت تلك الصبيّة المسكونة بالحركة، التي كانت تنفخ في الأشياء بعضاً من روحها،
لتنبض بالحياة! لشدّ ما كسرها رحيل أبيك المبكّر! وهاهو شهر الصيام يلّوح بيديه
مودعاً، وعيد آخر لا كالأعياد يجيء، ربما بتأثير من مواجع الفترة الماضية، فتناهض
ممنياً النفس القلقة بجديد بدا موغلاً في النأي! وتتفكّر:
ربّما كان علينا أن نستفيد من القرارات التي أصدرتها الحكومة
حول إعادة مصادرات التأميم إلى أصحابها في تعبئة الناس ضدّها!
وتتفكّر أيضاً: إذا لم نستطع أن ننظّم تلك التظاهرات
والإضرابات التي عمّت البلاد في تيّار، فعلى هذه الأرض السلام!
وكان عليك أن تترجم ما يدور في ذهنك بصورة ما، فقلتَ لنفسك: أن
نخطو خطوة واحدة، خير من أن نمضي العمر كلّه في الكلام!
وكان أن ضمّك "الاتحاد الاشتراكي" الوليد تحت جناحه،
فانشغلتَ تماماً بما يجري!
وعلى نحو مفاجئ وقاصم هاجمك المرض، لكنك عرفتَ ـ فيما بعد ـ أن
الواقعة لم تحدث بغتة كما تراءت لك لأول وهلة، وأن الكثير من الإشارات كانت تفصح
منذرة، إلا أن جهلك بالعواقب من جهة، وميلك إلى تبسيط الأمور من جهة أخرى، حجبا عن
ناظريك حقيقة ما يجري، فكان أن وصلت الأمور إلى مفترق صعب!
في البدء راحت آلام شديدة تغزو أسفل الظهر، بحيث لم تعد قادراً
على ثني جذعك، أو رفع يديك إلى الأعلى إلاّ في حدود ضيّقة! بعضهم تكهّن بنقص في
التكّلس، فيما تكهّن آخرون بلمعة في الظهر! هؤلاء اقترحوا أن تشرب بيضة نيئة كلّ
صباح لمدة أربعين يوماً، واقترح أولئك نوعاً من اللبخات؛ التي ما عدتَ تتذكّر
المواد الداخلة في تركيبها، بيد أن الألم تشدّد في ضغطه، وكان لا بدّ من عرض
الموضوع على الطبيب، الذي أكدّ على الراحة التامة، فتمددّتَ على ظهرك أياماً عشرة،
إذْ لم يكن ثمة خيار آخر! كان الأوان لدفع فاتورة وقوفك المديد في العراء بصيفه
الخانق، وشتائه القارس قد أزف، وابتداءً بصبيحة اليوم الخامس أخذ الألم يتراجع
موحياً بالشفاء! فالتحقتَ بفرقتك ثانية، وغرقتَ في دوامة العمل، ذلك أنك كنتَ تجهل
بأنّ مرضك علّة ميكانيكية؛ ستتفاقم إن رجعتَ إلى الأعمال المجهدة، ولم يلبث الألم
أن هاجمك متشدّداً في ثورته، بحيث أضحت أي حركة معادلة للموت، ولم يقتصر الألم على
أسفل الظهر في هذه المرة، بل اتخّذ لنفسه مساراً آخر يتفرّع عن العمود الفقري نحو
المفصل الحرقفي، فامتداد العضلة الخلفية للفخذ والساق! ولم يكن ثمة مناص من مراجعة
الطبيب ثانية! لم تكن قد سمعتَ بالتهاب العصب الوركي، أو فتق النواة اللبيّة من
قبل، و لهذا أقلقك الاقتراح الغريب !
ـ أخ أحمد، أنصحك بأن تعرض نفسك على أخصائي في الأمراض العظمية
أو العصبية! سافر إلى "حلب"، واستشر طبيباً هناك!
وتهاويتَ على المقعد متفكّراً، لكنه لم يتركك لهواجسك طويلاً!
ـ لا شيء مهمّ يا أخ أحمد! فقط أريد أن أطمئن عليك!
ـ ولكن إلامَ تذهب أنت في حالتي يا دكتور!؟
ـ لستُ متأكّداً! ربما تكون مصاباً بالديسك!
كانت التسمية غريبة عليك، فتململ الخوف الهاجع تحت الجلد،
وتساءلت بحيرة:
ولكن أين العلاقة بين
العمود الفقري، والألم المنتشر على امتداد القدم اليمنى!؟
وانتبه الرجل إلى شرودك، فقال:
ـ أخ أحمد، لا تتوهّم مسبقاً! سافر أولاً، وعندما تعود سنرى!
وغادرتَ العيادة ذاهلاً! في الخارج كانت الشمس شعاعاً واهناً
يمتصّه ضباب خفيف، غير أنك كنتَ منشغلاً عمّا حولك، فأنت لم تسافر خارج حدود
المحافظة من قبل، ولا تعرف كيف ستتدبّر أمورك هناك! كان السفر إلى "حلب"
معادلاً لأن تدفع سبع ليرات في الذهاب، ومثلها في الإياب، وربما استتبع الأمر
ليرتين أو ثلاثاً للفندق عن الليلة الواحدة! ثم أن الطبيب سيطالبك بعشر ليرات على
سبيل الكشف، هذا إذا لم يطلب صوراً وتحاليل مختلفة! أنت لم تتفكّر في الطعام
طبعاً، ربما لأن رغيفاً من الخبز كفيل بحلّ المشكلة، ولكن ماذا لو جنحت الأمور نحو
العمل الجراحي!؟
وراحت تلك الأسئلة تلهج في طلب الأجوبة، لكن
"خليلاً" تدّخل ليمنعك من الاسترسال فيها!
ـ يا أحمد أنت تنظر في الأمور مجتمعة، فتعظم في عينك! ثمّ من
يدري يا أخي، فقد لا يحتاج موضوعك في النهاية إلى أكثر من زيارة للأخصائي!
ـ ولكن! فاحتدّ:
ـ دعك من "ولكن" هذه! تدبّر أمرك في السفر الآن، وفي
ما بعد سيكون لكل حادث حديث!
فسافرت إلى "حلب"، لتخطّ الذاكرة في سِفْرها ذهول
الروح أمام أبهّة مدينة ملأى بالعمارات الشاهقة، مزدحمة بالعربات المختلفة، وقرميد
المدن ذي الأصول القديمة! كان الطريق إليها طويلاً، فاستيقظت هواجسك ثانية، لتسطّر
أسئلة الغريب في ذاكرة السفر، في حيرته من مثل أين تنام!؟ وكيف السبيل إلى عيادة
الطبيب!؟ ماذا لو تهتَ في بحر هذه المدينة الكبيرة!؟ وهل ستكفيك النقود التي
تحملها معك!؟ وهكذا ظلّت الأسئلة تأخذك وراءها، إلى أن توقفّت السيارة في ساحة
"باب الفرج" التي عرفتَ اسمها فيما بعد، فنزلتَ منها مُشعثاً، مُنهكاً،
وتلفتَّ حولك بحيرة!
أين أنت!؟
ومن فوره تمطّى الذهول في وهاد النفس!
من أين تجيء كلّ تلك الحشود!؟
كان الناس يتدافعون من حولك جماعات، فتغلبّتَ على تردّدك؛ و
استفسرتَ عن فندق تنام فيه! وبدوره راح الجوع يضغط، فرشوته ببضع لقيمات، ثمّ أويتَ
إلى غرفتك بالفندق لترتاح! ولمّا جاء الصباح؛ قصدتَ عيادة الطبيب القريبة من
الساحة، فنهض رجل كان قد تجاوز العقد الرابع من عمره بقليل من خلف الطاولة!
ـ أهلاً، أهلاً سيد أحمد، تفضّل!
ونابت الرسالة التي كان طبيبك قد كتبها في الكلام بدلاً عنك!
ـ لابأس يا سيّد أحمد، ولكن هل تتمدّد قليلاً!؟
وتأملّ في الصورة الشعاعية التي كنتَ تحملها مليّاً، ثمّ رفع
قدمك اليسرى إلى الأعلى، فلما جاء دور اليمنى؛ أبت أن ترتفع، وراحت مكامن الألم
تنزّ، فربت على كتفك!
ـ حسناً، حسناً، هلاّ جلستَ!؟
وأنشأ يتحرّى المنعكس العصبي عندك بوساطة مطرقة صغيرة مُغلفّة
بالبلاستيك الأسود!
ـ آهّا، سيّد أحمد أريدك أن تتمّشى على رؤوس أصابعك!
فمشيتَ بشيء من التعثّر!
ـ يكفي يا سيّد أحمد، يكفي! والآن امشِ على عقبيك لأرى!
وامتثلتَ، فتنهّد قائلاً:
ـ سيّد أحمد، ثمة انقراص في المستوى الواقع بين الفقرة القطنية
الخامسة والعجزية الأولى! حالتك واضحة تماماً، ولا أعتقد أنك تحتاج إلى صورة
شعاعية جديدة! باختصار يا سيّد أحمد فأنت مصاب بالديسك!
وكانت المسألة تشكو شيئاً من الغموض بصورة ما، فسألته:
ـ وماذا تريدني أن أفعل يا دكتور!؟
ـ قبل كلّ شيء عليك أن تبدّل العمل الذي تقوم به!
ـ كيف!؟
ـ لا تخف، سأزوّدك بتقرير طبيّ، وعندما تعود إلى بلدتك عليك أن
تتقدّم بطلب إلى دائرتك، لكي تحولّك إلى اللجنة الطبية لفحص الموظفين، وفي ضوء
التقرير الذي سأكتبه لك، فإنها ستقرّر نقلك إلى عمل إداري!
وكان ذهنك يشتطّ في اتجاه آخر، فسألته بقلق:
ـ وهل تعتقد بأنني سأحتاج لعمل جراحي!؟
ـ أوهّو! لا … لا! لقد شطحتَ بعيداً يا سيّد أحمد! أنت ما تزال
شاباً، و في مثل حالتك نفضّل أن نجرّب العلاج المحافظ، أمّا المداخلة الجراحية،
فلا نلجأ إليها إلاّ إذا فشل العلاج المحافظ! على كلّ حال تلك أمور يعود تقديرها
لي؛ فدع عنك هذه الهواجس! سأصف لك بعض الأدوية، ولكن عليك أن تتذكّر دوماً بأن
الراحة هي نصف العلاج! وأنا أفضّل أن تتمدّد على فراش قاس، وألاّ تنهض إلاّ لقضاء
حاجة، وبعدها سنرى!
وتركتَ "حلب" وراءك! كان كلامه قد بعث في نفسك شيئاً
من الطمأنينة، من غير أن يخلو الأمر من بعض المنغصات التي تتعلّق باللجنة الطبيّة،
وتغيير العمل، لكنك أرجأتَ المسألة إلى ما بعد عودتك!
ثم ماذا بعد حساسيتك المفرطة تلك!؟
الإحساس بالعجز، أم المرض، أم الانقطاع المديد عن الناس
والحياة الاعتيادية!؟
ترى أيّهما يأتي قبلاً، وأيّهما بعد!؟ أيّهما السبب الذي يفضي
بالآخر إلى تلك الحال، وأيهما النتيجة!؟
ساعة إثر ساعة كان الوقت يمضي وئيداً، وأنت مستلقٍ على ظهرك،
عاجز عن الحركة تقريباً، إذْ باستثناء قضاء حاجة ما كانت الحركة محظورة عليك
تماماً، ربّما لأن التحسّن كان شديد البطء هذه المرة، فراحت الأسئلة تتلاحق،
ليتضافر اليأس مع الملل، ويتراكم بكلّ سواده ومرارته في سراديب الذاكرة المكتظّة بدماملها!
ثمّ ماذا لو أقعدك المرض!؟
وعند هذا السؤال- على وجه التحديد- كان كلّ شيء يلبس سواده الخاص، بينما يرين سكون
مميت على الروح المتشرنقة بيأسها وخوائها! إلا أن بقعة ما، بقعة نائية في الأعماق
ظلّت تدرك بأن إحساسك بالعجز ما هو إلاّ نتيجة وليس سبباً، ذلك أن المـرض كان قد فرض عليك فسحة إجبارية طويلة
تتفكّر خلالها في حالك، وفيما تخبئّه لك الأيام، فأخذتَ تدرس الاحتمالات كافة،
لكنّها بعيداً عن كلّ مؤشّر بدت لك مؤسية! لم يكن مرضك هو السبب الوحيد في حساسيتك
تلك، إذْ هاهي الأيام التي تلت عودتك من "حلب" تفاجئك بكل غريب، ربّما
لأنّك كنتَ تتوهّم بأنك تعرف دائرتك جيداً، لكنك اكتشفتَ بأنك مخطئ، فلقد رفضت
طلبك الذي تلتمس فيه عرضك على اللجنة الطبيّة!
والآن!؟
أنشأ السؤال يسطّر نفسه كهمس حائر ينثّ من مسام الجلد، وفي
غمرة الذهول جاءك الحلّ الذي تاه عنك من أحد الزملاء:
أنْ وسّط أحد المتنفذيّن بالموضوع!
ولمّا لاحظ حجم الدهشة التي انداحت على ملامحك، أردف:
ـ ما بك!؟ ألستَ من سكّان هذه الأرض!؟ ألا ترى إلى ما يجري من
حولك!؟
ولكن حالتي واضحة وضوح الشمس في يوم قائظ!
هذا ما أرادت النفس أن تجهر به في ردّة فعلها الغاضب! بيد أنك
ما إن هدأتَ، وتفكّرتَ في كلامه ملياً، حتى وجدتَ فيه الكثير من الصواب، فالتجأتَ
إلى عبّ الصمت هامساً:
هكذا هي الأمور إذن!
كنتَ تتوهّم بأن الأيام المكفهرّة قد رحلت عن حياتك، لكن
الأحداث الأخيرة أثبتت العكس، وأخذت صورة مُضبّبة للأيام المقبلة تلوح في الذهن،
وتدفع الأحاسيس الغافية نحو الحافات، إذْ كان عليك أن تتفكّر في حلّ يحفظ لك ماء
الوجه، فلم تجد مخرجاً آخر، وفي هذه المرة وافقت الدائرة على ما سبق لها أن رفضته!
فتساءلتَ:
ولكن ماذا لو وقع لك أمر مماثل أمام اللجنة الطبية لفحص
الموظفين!؟
وبحسب ما جرى، فإن هواجسك لم تكن بغير أساس، إذْ ما الذي
تتوقّعه من أناس لا تعرفهم، إذا كانت دائرتك قد تصرّفت بما يخالف واقع الحال!؟ هنا
استطعتَ أن توسّط البعض في المشكلة، فماذا ستفعل هناك!؟
وراحت أعصابك تتشظّى في فضاء تساؤلاتها خلف الاحتمالات
المختلفة لإمكان ما قد يحدث، لكن موافقة اللجنة على طلبك أعاد لتلك الأعصاب شيئاً
من هدوئها!
غبّ أيام كلفّوكَ بعمل إداري في مديرية الزراعة، فابتعدتَ عن
مرسح الأحداث الأخيرة قليلاً، لكن ذلك الابتعاد لم يفلح في كبح مخاوفك، فأنشأتَ
تتأمّل في الدلالات والمعاني التي تكشّفت عنها أحداث الأيام القليلة التي تصرّمت،
وفي غياب من حسّ الأمان أخذتَ تتساءل عن المصير الذي ينتظر عائلتك فيما أنت عاجز
وأعزل! كان قلقك ينصبّ بالدرجة الأولى على ابنك، لأنّ أمك امرأة كبيرة في السن،
قليلة المطالب، وكسرة من الخبز تسدّ حاجتها! وزوجتك امرأة صابرة، مدبّرة، ولن
يُعييها الرغيف أبداً، أمّا ابنك الصغير الذي عرفتَ بوجوده في لحظة تختصر العمر
كلّه في خانة النشوة، وآنَ جاء ملبيّاً لهفتك ، كان للأرض رائحة عشب الغابات وشذى
الزيزفون! أمّا ابنك ـ هذا ـ فهو صغير ما يزال، وأنت تخشى أن تظلمه الحياة كما
ظلمتك! لذلك ربّما أخذ إدراك مبهم يتململ، ثمّ يتبلور ويتضح تدريجياً، إدراك راح
يقرّ بأن "خليلاً" و "إبراهيم" كانا محقيّن في ما ذهبا إليه
حول ضرورة انضمامك إلى النقابة، وأخذ هذا الإدراك يكبر شيئاً فشيئاً، إلى أن
انضممتَ إليها!
لم يكن ثمة مَلْمَح واضح للعمل النقابي في الذهن، فأنشأتَ
تجتهد في ذاك الاتجاه، متوهمّاً بأن الأمور مُيسّرة، مرهونة بالإرادة والتصميم،
إلا أن الواقع العملي فاجأك بأنّها ليست كذلك، وببطء وعناء شرعت صورة ابتدائية
للعمل النقابي تلملم نفسها،
بينما راحت القراءات والحوادث المستجدّة تصقل تلك الصورة يوماً
بعد يوم، ثمّ أنّ "خليلاً" لم يأل جهداً في كشف ما استغلق عليك من
مفاهيم، ولم تكن المثابرة لتنقصك،ربما لإحساسك المرمض بالظلم والفوات!
فهل كان الزمن قد ظلمكَ حقاً!؟
لكنّ الإجابة على سؤال كهذا لم تكن مجدية، فيما النفس ما تزال
ترزح تحت وطأة شعور كذاك! شعور يرى بأن العالم المسكون بالعدل والسلام ما يزال
بعيد المنال! ثمّ أنها لن تكون إجابة محايدة وموضوعية، لكنها ستقف على سرّ تعاطفك
مع المظلوم تارة، وسخطك على النفس العاجزة؛ المتألمة من ضآلتها تارة أخرى، وستفسّر
لك ارتفاع صوتك في وجه مظلمة أصابت عاملاً هنا، أو حيف لحق بعامل هناك، من غير أن
تأبه بالنتائج، لتفتقد علاقتك مع الإدارة إلى المودّة! وكان غياب التفاهم بينكما
مُتوقّعاً، لكن الذي بدا لك غير مفهوم، هو ذلك التماثل المقيت بين موقف الإدارة
ذاك، وموقف غالبية أعضاء اللجنة النقابية، بما كان يدفع الأعصاب إلى حافات
اشتعالها!
ولكن أليست مهمتّهم هي الدفاع عن حقوق العمّال!؟
بيد أن صمتاً عاجزاً عن التبيان كان يجابه ذاك السؤال، فتزداد
عناداً، وتزداد صبراً، وتزداد إصراراً، ويوماً بعد يوم كانت الأرض تشتّد تحت
قدميك، ترسخ وتتوطّد، ومن كلّ مكان، من فرق المساحة التي كانت تركب شفق الدروب،
إلى لجان توزيع أراضي أملاك الدولة والاستيلاء التي لم يُكتب لمهامها إتمام الدرب
بعد، فورشات الميكانيك، وجموع السائقين راحت العيون التي كانت قد أضحت موئلاً
لعروق التعب الحمراء، والظهور التي كانت أعباء الحياة قد أحنتها؛ تدفعك إلى كفكفة
مشاعر الإحباط، فلقد بدأتَ تلمس بوضوح التفاف العمّال من حولك، ما منحك ثقة كبيرة
بالنفس وبالآخرين، فرحتَ تغزل صورة بهيّة للأيام المقبلة، تتعزّى بها عن أيامك
الكالحة!
- 4 -
إنّه يوم من تلك الأيام التي يقال فيها بأنها لك، وليست
عليك!كان شباط يجّر مؤخرته فوق الثلوج مندحراً، وقزعات من الغيوم البيضاء الصغيرة
تتناثر هنا وهناك في سماء عميقة الزرقة، بينما راح آذار ينساب زلالاً من بين
السطور، أمّا الأخضر الذي كان حتى الأمس القريب قد فقد ملامحه تحت وطأة عبث ثقيل
للطين، فلقد راح يفتّر بالتدريج، وأنشأت الحيوانات التي نذرت نفسها لسبات طويل
تستيقظ!
متوتراً قدام فسحة الدار أخذتَ تذرع المكان جيئة وذهاباً! كان
الانتظار قد نال من الأعصاب المشدودة، فيما كانت الدار قد انقلبت إلى خلية تعجّ
بحركة محمومة، لكن الصغيرة التي أصرّت على استهلال حياتها بالبكاء أخيراً، أطفأت
رماد الأعصاب المشتعلة بقلقها، فدخلتَ بلهفة:
ـ الحمد لله على سلامتك يا أم خالد!
وانخفضت عيناها بذلك الخفر الأنثوي الذي ابتدأ بأمنّا حواء
ربما، وشعشعت ابتسامة ذاوية فوق الوجه المُنهك بآلام الطلق والولادة!
قلتَ: لن يشعر "خالد" بالوحدة بعد!
وقلتَ: ترى ما الاسم الذي يليق بهذه القادمة التي ملأت الدنيا
صراخاً!؟
وانشغلت الأسرة باستحضار الأسماء التي يمكن أن تُطلق عليها،
ولمّا تبرعم الاسم في المخيلة؛ شقّت ابتسامة عريضة طريقها إلى زوايا الفم
والعينين!
"سورية"! نعم "سورية"، فليس ثمة أسم أبهى
من هذا الاسم!
ولم يلق اقتراحك أي اعتراض، فتفكّرتَ: إنْ يأتِ الخير يأتِ
فرادى، و إنْ يأتِ الخراب فإنه يعمّ! فمن يدري!؟ لقد كان ما مضى في مجمله
انكساراً، وقد تسطّر هذه الصغيرة خاتمة لذلك الانكسار!
كان الذين قادوا ثورة آذار ضدّ الانفصال قد أطلقوا الأحلام
والفراشات الملوّنة على أعنتّها، غير أن أكثر تلك الوعود ملامسة لشغاف القلب تمثّل
في إعادة الوجه الوحدوي للبلد، فأخذتَ ترفل في طيوفك الملونة، وقلتَ: نحن أبناء
اليوم، فلنر أي جديد يخبئه لنا! ورميتَ بأيام السجن الذي أطلقوا سراحك منه خلف
ظهرك، أو هكذا خُيّل إليك، ذلك أنّ مؤشر الذاكرة راح يمّر على الأحداث سريعاً،
مؤكّداً أن ثمة أحداثاً في الحياة لا يمكن للنسيان أن يمحوها!
ليلاً كان الوقت! وكانت الكائنات الحية قد تدثرّت بالصمت، حين
أفقتَ من النوم على خشخشة خافتة، وأصختَ السمع جيداً، لكنك لم تستطع أن تتبيّن إن
كان ما سمعته من دبيب فوق السطح هو وقع أقدام، أم خشخشة جرذ، فاستويتَ في فراشك!
ـ ما بك!؟ سألتك زوجتك!
ـ لا شيء! أريد كأساً من الماء!
كان السكون العميم يسرّ بنذير مُبهم، وفجأة علا صوت قرع على
الباب، فالتقت العيون الدهشة متسائلة عمّن يكون الطارق في مثل ذلك الوقت، وارتفعت
أمك بجذعها الأعجف!
ـ ولكن من الذي يمكن أن يقصدنا في هذه الساعة!؟
أمّا ما حدث بعدهــا، فلقد عبر الشاشة مُشوّشـاً، مُبهمـاً،
فسقطت بعض
التفاصيل في شقوق الليل والنسيان، بحيث لم تتمكن الذاكرة من
تسجيلها في دفترها المهترئ!
من يا ترى!؟
تمتمتَ، وفتحتَ الباب، وبسرعة؛ وقبل أن تستوعب الموقف امتدّت
اذرع كثيرة من قلب الظلام، وجذبتك إلى الخارج، لكنك تمكنتَ ـ خطفاً ـ من التقاط
الرسم الخارجي لأشباح بشرية متدثرّة بالعتمة فوق السطح، وخلف النافذة، وأمام باب
الحوش، فتساءلتَ بدهشة:
كلّ هؤلاء جاؤوا للقبض عليك!؟ ثمّ تساءلتَ:
هل ولولت أمك بعد أن استوعبت المفاجأة!؟ وهل صرخت زوجتك بعد أن
ندّت عنها تلك الشهقة!؟
لم تكن تعرف كيف جرت الأمور من بعدك في البيت، فلقد انطلقت
عربة الجيب خبباً عبر الدروب المتدثرّة بالوحشة والظلام، بما لم يسمح لك بمعرفة
المزيد!
وخالد!؟ فجأة قفز
الوجه الطفولي البريء إلى ساحة الذاكرة!
ترى هل أفاق على ما جرى!؟ هل رأى شيئاً!؟ أنت لم تسمع له
صوتاً، إلا أنك ـ الآن ـ لم تعد متأكّداً من شيء! يا الله! أيّ رعب سيتغلغل في
مسامات الطفولة إن كانت عيناه قد وقعتا على شيء من المشهد!؟ ثمّ ماذا عن الجيران!؟
لماذا لم يخرج أحداً منهم من باب الفضول على الأقل!؟ إذْ من غير المعقول أن تكون
أمك وزوجتك قد صمتتا بعد أن جرّوك بتلك الطريقة، ولا بدّ أنّ صراخهما قد زرع جنبات
الليل بالرعب واللوعة، ولا شك أن الجيران قـد اجتمعـوا علـى صراخهمـا، فلمـاذا لم
تسمع حركتهم!؟
لقد غادرت السيارة المكان مسرعة، وربّما لهذا لم تقع عيناك على
أحدهم!
ولوّحتَ بيدك كمن يحاول أن يطرد ذكريات غير مُستحبّة، لكنها
ظلّت تلحّ، وتطغى على السطح باندفاعات غير مُنتظمة! في ما بعد عرفتَ كيف تصرّمت
ليلتهم المرتعشة بالرعب والعزلة! ذلك أنّهم لم يناموا، وكان ما يحدث غريباً عليهم،
ولم يتبيّنوا جلية الأمر إلاّ حينما أسرّ إليهم أحد الجيران بحقيقة ما حدث! أمّا
الأيام التي تلت، فلقد تحوّلت إلى سؤال مضنٍ عن مصيرك، سؤال ممضّ وجارح راح الصغير
يلهج به في وجه المرأتين، مضاعفاً بذلك قلقهما، فيما هما عاجزتان عن القيام بأيّ
خطوة!
كان البعثيون قد شاركوا في حكم "العراق"، بينما كان
نصفهم السوري يقلب الأرض من تحت أقدام "الكزبري"، منادياً بتوجه
التوأمين إلى "مصر" بشتى الوسائل! إنهم يسعون لإعادة الوحدة، وذلك بعد
تنظيفها من أساليب حكمها الخاطئة! هذا ما كانوا يزعمونه على الأقل!
فهل هم بصدد ثورة!؟
وحده الزمان سيكشف عمّا يحدث! المهمّ ـ الآن ـ أنك عدتَ إلى
حضن عائلتك، على ألاّ تتكررّ تلك التجربة مهما كان الثمن أو الظرف! أمّا تلك
الأسئلة التي تدور حول مسائل من قبل "أين تجتمعون، ومن هم رفاقك في الخلية
الحزبية، من هو المسؤول المباشر عنكم!؟" تلك الأسئلة التي راح المحقق يلاحقك
بها، مدعيّاً النصح تارة " هاتوا قهوة للأخ أحمد!" و "هل ترغب في
لفافة" و "أخ أحمد أنت عامل بسيط، ونحن لا نريد بك أذى! نحن نريد الرؤوس
التي غررّت بك! فكّر في عائلتك وأولادك! إنهم يحتاجون إليك، وينتظرونك بفارغ
الصبر!" حتى إذا أدركه اليأس من صمتك، توارت لغة النصح خلف تهديد مُبطّن
"إذا كنتَ تظنّ بأنك ستصمد، فأنت واهم، وهذا العناد لن ينفعك في شيء! إنهّم
في الخارج ينتظرون إشارة منّي، وعندها سترى ما لم تكن تتصوّره أبداً، أنا لا أريد
أن أسلمّك إليهم، إنني أرأف بحالك، فلا تدفعني إلى مسلك لن يسّرك!" أمّا تلك
الأسئلة فلقد تركتها وراءك، بيد أن الأمر لا يخلو من اندفاعات كريهة هنا أو هناك
بتأثير ممّا تراه أو تسمعه، وعندها تستعيد تلك الإضاءة التي كانت تُسلَّط على
عينيك، والعرق الذي كان ينشع عبر الجلد برائحته النتنة، والخلايا التي كانت تضجّ
بالألم تحت ضغط العصيّ المُنهالة على باطن القدم، والسياط التي كانت تلاحقك هنا
وهناك، لتتحامل على آلامك مُكرهاً، وتحاول أن تتفادى اللسعات الكاوية المُعلقة
بذيلها ما أمكن! إنهم يريدونك حيّاً، لكن صمودك وصمتك يزعجهم، ولذلك فهم يفكّرون
في جولة أخرى، فيكرهونك على الحركة حتى لا تصاب قدمك "بالغرغرينا"! لكن
تلك الهذيانات والكوابيس التي أثقلت عليك, بدأت ـ اليوم ـ بالتباعد، فلم تعد
تستيقظ فزعاً إثر صرخة ندّت عنك، وما عادت زوجتك تفيق هلعة، لتسألك عمّا ألمّ بك!
ـ لا شيء، لا شيء، هاتي كأساً من الماء!
وتبسمل وتحوقل مغمغماً، متسائلاً عمّا إذا كانت تلك الفترة
ستظلّ ندبة متقرحّة تنزّ! وقد تحضرك صورة "صالح"، فتتساءل عن البئر التي
تمتح تلك الوحشية نسغها منها! وتتساءل أن كيف تأتّى لذلك المستطيل البشري الجبار أن يتشوّه على ذلك النحو،بحيث أضحى
إيلام الآخرين مصدر نشوةله!؟
وأخيراً، هاهو فاصل التعذيب يقترب من خاتمته، إذْ لا بد للسجين
ـ في
النهاية ـ من الاحتماء بالإغماء عندما تخونه قدرته على
التحمّل، فيلجــأ
ـ عندها ـ إلى عالم
ناءٍ مناقض للألم، لكن دلو الماء حاضر لتحقيق معادلة متناقضة، فتتحول نقطة الماء
التي عزّت خلال ساعات العطش الطويلة إلى مادة مُهرقة مجاناً ومعادية، فيما الأسئلة
ما تزال تتلاحق!
من، متى، كيف، ولماذا أو أين!؟
إلاّ أنك لا تجيب، وهذا لا يعجبهم، فيتفكرّون في وسيلة أخرى
تجبرك على الاعتراف بما يريدون، بالكهرباء مثلاً، لتتزلزل الأرض والسماء من تحتك،
وينتشر الألم المميت في الخلايا المتشنّجة، حتى تشرف على النهاية أو تكاد، فتتساءل
إن كانوا لا يتعبون! ذلك أنك عاجز عن فعل أي شيء، عاجز حتى عن الإفصاح بأنّك جاهز
للإقرار بما يريدون، وهم يعلمون هذا! إنهم لا يضيّعون وقتهم، إذْ يكفي أن تحرّك
سبّابتك لكي يتوقّف الضرب في التوّ! وترتسم شارات النصر على الوجوه، ولكن الويل
ثمّ الويل لك، إن كانت سبّابتك قد ارتفعت لكسب استراحة بين فاصلي تعذيب، لأن وسائل
التعذيب التي قد لا تخطر لك على بال ستنهال ـ آنئذٍ ـ عليك، فتتمنّى في كل لحظة أن
تموت، وتستريح، إلا أن الموت سينأى!
أعادتك يد خالد من الرجعى، فانتبهتَ! كانت الأصابع الغضّة
مشغولة باكتشاف العالم على طريقتها، فراحت تداعب وجهك الخشن، موقفة سيل الذكريات
عند سؤال رئيس:
هل كنتَ ستنهار وتعترف لو كنتَ تتحصّل على شيء تعترف به!؟
وتراجعت النفس مُجفلة قرفة مـن فحوى السؤال، فشددّتَ العظـام
الغضّة بقوة إلى صدرك،من غير أن تعي تماماً فيما إذا كنتَ تحميها أم تحتمي بها!
- 5 -
بكلّ المقاييس كان ذاك الصباح صباحاً عادياً؛ لا يختلف عن غيره
من الصباحات التي كانت تتكرّر مع مطلع كلّ يوم، من غير أن يشعر المرء بها، أو يدرك
أن عمره قد نقص يوماً آخر، فلم يكن حاراً ولا بارداً، ولم يك غائماً ولا صحواً،
بحيث كان بإمكانه أن يمضي كغيره من الصباحات الباهتة التي لا لون لها ولا طعم، إذ
أن خصوصية بعض الأيام مُستمدّة من الأحداث التي تلوح في أفقها، وتلوّنها بلونها،
فلماذا اختارت أمك الرحيل في مُستهلّ ذلك الصباح من غير أن تزعج أحداً!؟ لماذا مضت
بهدوء طيف من تلك الطيوف الكثيرة التي تمرّ بهذه الفانية من غير أن ينتبه إليها
أحد، فلم تضطرب أو تصرخ، بل رحلت بلا تشبّث أو ضجيج، ليغيب مخلوق آخر من تلك
المخلوقات التي يمتلئ العالم بها من غير أن يشكو منها أو يتأففّ!؟ ربّما لأنها
بسيطة، متفانية، ومتواضعة في أحلامها، هذا إن لم تكن تلك الأحلام في الأصل مُنصبّة
على أحبتّها من أخوة أو أولاد أو بنات، حتى أنّ موتها بدا كحدث عادي مُنتظر، إذْ
لم يكن ثمة نواح زائد، ولم يكن ثمة ضجّة،
لكن الأمر لم يخلُ من شعور بسيط بالذنب، ربما لأن المسكينة رحلت من غير أن يراها
الطبيب! صحيح أنّها لم تكُ تشكو إليكم ، ولكن حالتها كانت واضحة لكم، وكنتم ترونها
تدنو من منيّتها حثيثاً! كان هذا بينّاً في التهدّم الذي طال جسدها فجأة، وراح
يعمل فيه كمعول حاد، في الذهول العميم الذي خيمّ على روحها وعقلها، في النوم
القصير الذي كان يباغتها وقوفاً أو جلوساً، وفي أيّ وقت ، في الأحاسيس المرهونة
لصالح ماض متسارع، والتي لم يعد يحرّكها شيء ـ اللهمّ ـ خلا تلك اللحظات القصيرة
المتباعدة التي كان الصغيران يلجآن ـ فيها ـ لمداعبتها، وفي الذاكرة الملتاثة التي
اختلطت فيها الأيام والأرقام والحوادث والتآريخ!لكنكم لم تعرضوها على طبيب، ومن
غير أن تناقشوا الحالة في ما بينكم، تواضعتم على أنّ الحيّ أبقى من الميت، وأنّ
مايُصرف عليها بغير فائدة قد يسدّ أفواهكم إلى حين!لم يكن تواطؤاً مُعلناً،بل كان
نوعاً من الإجماع الُمضمر بأنّ دورها على المرسح قد انتهى، إجماع مقروء في عيونكم
رحتم تدارونه لإدراككم بأن شعوراً كهذا لا يليق بالإنسان! وعليه فقد انقضت أيام
المأتم بهدوء، إذْ أنكم كنتم تعلمون بما أضمرتم، فتحرّجتم من الموت ذاته في إحداث
ضجة زائدة! ومن الماضي المتعرّج كلّه ظلتّ صورة واحدة تلّح على الذاكرة بإصرار،
كانت تلك صورة الصبية البهيّة ـ التي كانَتْها أمك يوماًـ وهي تضمك في الحظيرة
بقوة! وكان ذلك صباح يوم أقلّتكم فيه شاحنة إلى المدينة!
متحسّراً، مكفكفاً بداية إجهاش جاش في الصدر همستَ:
إنّا لله، وإنّا إليه لراجعون!
وقلتَ: لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلاّ به! ما
مضى قد مضى، وما عليك إلاّ أن تعيد ترتيب أمورك،لكن اللغط الذي ترافق بمرور لواء
"اليرموك" بالمدينة في ذهابه للقاء الأكراد، وإيابه لم يترك لك مثل تلك
الفرصة!
ولكن كيف، ومتى!؟
وارتدّت الذاكرة إلى الماضي، صوب تلك السنوات التي أمضيتها
هناك في "الجدَيدْة"! صوب محمد وطه وحسّو والمختار والفلاحين والنسوة
و"الزركان"! ولكن أليس هؤلاء هم الناس الذين عشتَ معهم تلك الطقوس
الرائعة المرافقة لذبح الخراف والعجول المُسمنّة؛ التي كانوا يشترونها صيفاً،
ويسمنّونها حتى العشرة الأوائل من كانون،
كي يبرد الجّو جيداً،فيأمنون فساد اللحم، ويعمدون من ثمّ إلى ذبح "الربائط"،
ليرين على القرية جوّ من الأريحية والكرم، ويأكل الجميع من اللحم ما لذّ وطاب، ثمّ
يُملّح الباقي أو يُفرم بشحمه، ويوضع على النار من دون ماء؛حتى يتحوّل إلى
"قليّة"، فيرفعونها في صفائح أو دنان لأيام الشتاء الشحيحة!؟ أمّا إذا
استمرّ الأزرق بغير منازع، ولم تتلبّد السماء بالغيوم الداكنة،تطيّر الفلاحون من
تلك الهبّة الجافة لرياح الشمال الباردة، وخرجوا إلى القرية المجاورة في غزوة
كاذبة، يلقون ـ خلالها ـ بسروال امرأة ثيّب في دنّ مختارها، ويسوقون ماشيتها على
سبيل النهب المفتعل! وكان فلاّحو القرية الأخرى ـ بدورهم ـ يخرجون للتظاهر بالذود
عن قريتهم، ثمّ يفرض الطرف المنتصر على الطرف الخاسر خروفاً! وربما عمدوا إلى
التلّة بثيابهم التي ارتدوها بصورة معكوسة، يتقّدمهم إمام المسجد، وراحوا يتضرّعون
إلى الله في طلب المطر، فإن تصادف خروجهم مع غيوم آخذة بالتلبّد، خرج الأولاد
حاملين دمية خشبية تمثّل عروس المطر، وأنشأوا يهزجون:
عروسنا تطلب المطر!
وعجلنا يبغي العشب!
ونحن نرجو من الله مطراً!
وعندما يجتمع لديهم ما يكفي من البرغل ،كانت إحدى النسوة تطبخه
لهم، فيأكلونه فوق البيادر!
كــان الأكـراد قـد تحركّوا ضدّ حكومـة المركز في شمال
"العراق"، فأرسلت الحكومة لواء "اليرموك" لمعاضدة العراقيين،
وأثار مروره بالبلدة لغطاً كبيراً، فأخذتَ تنبش في الذاكرة عمّا يشي بمقدمّات لذاك
اللغط!
إذن فالأكراد ينظّمون أنفسهم،ولكن كيف سهت أذناك عن التقاط
مؤشّر يكشف ما احتجب! لقد أقمتَ بينهم ردحاً،وعايشتهم لحظة بلحظة،فكيف لم توسوس لك
الجدران بشيء!؟ هل حجبتْ براءة الطفولة عن الشبكية ما كان يدور في الخفاء، أم أنّ
مطاليبهم لم تكن قد نضجت بعد!؟ أنت لا تنكر بأنّك أحببتهم، وأنّهم بدورهم أحبّوك،
وعاملوك بالحسنى،وأنّهم آووك وحموك وأطعموك من خبزهم ولبنهم! كما أنّك لا تنكر
بأنّك ابتعدتَ عنهم بعض الشيء بعد أن غادرتَ القرية، فلم تقم بينك وبين من عرفتهم
هنا إلا أواصر محدودة! صحيح أن هذا طبيعيّ قياساً إلى نسبتهم من سكّان الحيّ،
لكنّه في حال كحالك لا يبدو كذلك تماماً! بيد أنّك ـ في النهاية ـ لن تقبل بأيّ
شيء يعيق مسيرة هذه الأمة، فهذا شيء وذاك شيء آخر، ولذلك ـ ربّما ـ فإنّ المناقشات
المحتدمة كانت تنتهي إلى طريق مسدود، ذلك أنّ الآخرين قد يترسّمون خطاهم، فيما
الانفصال ما يزال خرّاجاً مؤلماً في الصدر، وحتّى حين شكا أحدهم من الحيف الذي لحق
به جرّاء إحصاء اثنين وستّين وتسعمائة وألف، فهو يشتري السكر والشاي والرز والزيت
بسعر السوق السوداء، لأنّ اسمه لم يرد في عداد المواطنين، كما أنه لا يستطيع أن
يعمل في المؤسسات الرسمية، فإنّه لم يلق منك أي تعاطف، بل انشغلتَ عنه بما يقلقك،
ولم يكن ما يقلقك قليلاً!
- 6 -
قد لا تكتفي الأمكنة بشوارعها وأزقتّها وطرازها المعماري حتى
توحي للآخرين بصورتها، فتروح تمتح من بشرها بأشكالهم وطباعهم وعاداتهم ما يعطي تلك
الصورة ملامحها الخاصة، والبلدة التي شهدت شبابك واحد من تلك الأمكنة، فهي تتّسم
بسمات خاصة تميّز أهلها عن سكّان البلدات الأخرى؛ إنْ على صعيد اللهجة، أو على
صعيد الطباع الشخصية، رغم أنها ـ في الأصل ـ تنطوي في نسيجها البشري على فئات
شتّى!
وإذا كانت الأعراف والعادات توحّد الناس في أنماط متقاربة،
وتنسخهم على شاكلتها، فإن الأمر لا يخلو من شخصيات طريفة متفرّدة لا يطالها
المنطق، أو التاريخ أو الذوق العام، شخصيات تعلو على الأعراف والتقاليد، فتخلط الحابل
بالنابل، كما تخلط المزاح بالجدّ، وتبوح بالحقائق عارية، من غير أن ينالها العيب
أو الإثم أو العقاب، وبمعنى ما فإنّ تلك الشخصيات تبدو في طبيعتها النفسانية،
وسلوكها اليومي أقرب إلى التغريب في المسرح، مع فارق وحيد هو المكان، إذ أنّ
المكان هنا هو تيار الحياة العريضة ذاتها! إنّهم ضمير المدينة التحتي وقاعها،
فرسانها الذين لا يجدون أي فرق بين الهزيمة أو النصر، فلا غضاضة ولا نشوة، وبذلك
يكسبونها علاماتها الفارقة! وقد لا يكون "فياض" أشهرها، لكنه بالتأكيد
واحد من تلك الشخصيات التي لا تحتاج معها لأن تذكر اسم أبيها أو شهرتها، وذلك لأنه
غنيّ عن التعريف، أمّا الذين يجهلونه، فلا شك بأنّهم سيتلمّسون الخلل في شخصيته،
رغم أن تحديد مكمن ذلك الخلل خارج عن حدود الإمكان، إذ لن يستطيع أحد أن يتكهّن
فيما إذ كانت العلّة تكمن في جذعه القصير المحنّي، أم في أطرافه القوية، وقد يتوقّف
البعض عند شعره الخشن غير القابل للتسريح، أو عينيه الماكرتين اللتين لا تقدران
على إخفاء مكرهما الصريح والحسّي، أو شكله العام الذي يقارب شكل القردة! وقد يصرّ
البعض على التوقّف عند دواخل تلك الشخصية الغامضة وسلوكها المكشوف!
و"فياض" هذا لا يستقرّ على حال، فهو اليوم يبيع الحلوى، لكنه في الغد
سيعرض على الناس صحفاً ومجلات، في الوقت الذي كانت بضاعته ـ فيه ـ بالأمس مقتصرة
على أوراق "اليانصيب"، لكن سبب شهرته لا يرجع إلى هذا الأمر أو ذاك، بل
يرجع إلى المذياع الصغير الذي كان يحمله دوماً بالقرب من أذنه، ليسمع نشرة الأنباء،
ثمّ يعيد قراءتها بصوته الجهوري في أزقة البلدة، مقلّداً في ذلك أسلوب مذيعيها!
وما إن تقع عيناه على فتاة جميلة حتى ينساق وراءها من مكان إلى آخر، رافعاً من
وتيرة صوته، على أمل أنْ تتنبّه إليه، ثمّ ينتهي به الأمر إلى زاوية
تخفيه عن العيون قليلاً أو كثيراً، ليمارس فيها العادة السرّية من غير أن
يأبه بانكشاف أمره!
أمّا مجموعة "حمّالي السّلة" في سوق الهال فهم حلقة
مهمّة من حلقات تلك السلسلة، فهم يقومون بدور وسيط بين الباعة وزبائنهم صباحاً،
ويقتصر ذلك الدور على إيصال الخضار واللحوم إلى بيوت أولئك الزبائن حتى تخوم
الظهر، أمّا بعدها فلابأس بشيء من اللهو، إذْ هاهم قد انقسموا إلى فريقين
متناحرين، لتبدأ الحفلة التي ليس لها نظير، فتغادر الطماطم المتعفنة حاوياتها،
وتتطاير عبر الأزقّة المسقوفة، تلطّخ
الجدران والأبواب والزوايا التي تدارى أفراد المجموعتين خلفها، وتنداح على الأرضية
المغمورة بالسوائل والمياه العفنة، فتلقي فوق قذارتها بقذارة جديدة، من غير أن
يستطيع أحد التدخل بينهم، أو تفريقهم! والويل ثمّ الويل لبدوي نسي نفسه، أو قاده
حظّه العاثر إلى مقربة من المكان، إذْ أنه لن يفلت ـ حينئذ ـ من لطخة حمراء على الظهر أو الحطّة، وقد يرتمي العقال
عن رأسه، غير أنه لن يجرؤ على الاعتراض! وعندما تتدثّر الأزقة الشاحبة بالعتمة
مساءً، يرجعون إلى بيوتهم ملوحيّن مُنهكين، ويخلعون سلالهم عن ظهورهم، ثمّ ينامون
من قبل أن يغسلوا أيديهم أو وجوههم أو أرجلهم! إنّهم ينتمون إلى زنّار الفقر الذي
بدأ يحيط بالبلدة، وبدعة كهذه لم تصلهم بعد! لكنهم على الشقاوات التي يقترفونها لا
يقربون حمّالي "كراج النجمة"، ذلك أن هؤلاء أكبر سنّاً، وأكثر تماسكاً،
وهم فوق هذا وذاك مُسلّحون بخطّافات حديدية ذات مقابض خشبية تساعدهم في العمل، أو
في المشاحنات!
ولا تتحرّج عصبة "الكراج" تلك من فرض أتاوات صغيرة
على الدكاكين التي تسوّر الساحة، أو تتفرّع عنها! إنّها بمعنى ما منطقة نفوذهم،
وقد يُقدم أحدهم على استعارة تفاحة من
هنا، أو عنقود عنب من هناك، من غير أن يدفع الثمن، لكن أصحاب المحلات يغضّون النظر
عن الأمر، فهم يعرفون بأنّه فرد في مجموعة متراصّة متعاضدة، وأنه يقترف تلك
"الجرائم" الصغيرة تحت مظلّة الإحساس بالقوة المُستمدّة من انضوائه تحت
لواء جماعة متكاتفة، قد لا تجد غضاضة في الإقدام على عمل أكثر عنفاً إن وجدت من
يجابهها، أو يشجعّها!
وإذا أُخذت الأمور بعواهنها، فإنّ أحداً من أفراد تلك
المجموعات لم ينجح في أن يكرّس نفسه مثلاً أو قدوة أمام الآخرين، ربّما لأنّ
ملامحهم امحّت في ملامح مجموعاتهم، فخصوصيتّهم هي نتاج كلّ لا نتاج جزء! إنهم جسد
واحد بأذرع وأرجل كثيرة، لذلك فهم عاجزون عن تأكيد حضورهم في أذهان مَنْ هم أصغر
سنّاً، على العكس من "كرمو" و "غنّاوي" و"حنّا
النجار" و "عثمان" و "إبراهيم علي الدرة "!
و "كرمو" هو تصغير لاسم "عبد الكريم"، بما
لا يتضّح معه إن كان مرد ذلك التصغير يرجع إلى التحبّب أم إلى التحقير، بيد أنّ
المنطق يقول أنْ لا سبب يدعو الآخرين إلى تحقير الرجل، وإذن فلا بد أنه تصغير موغل
في سنوات طفولته، ولا ينتمي إلى صورته الراهنة في شيء! ذلك أنّ "عبداً"
استطاع أن يحوز بطولة الجمهورية في كمال الأجسام ، في الوقت الذي بوّأته دماثته
مكانة تعلو على الحزازات والخصومات المستفحلة بين الآخرين!
أمّا "عبد الغني " أو "غنّاوي" فهو لا
يقلّ عنه شهرة! إنّه بطل آخر من أبطال كمال الأجسام في البلدة، وهو يستأثر بمحبّة
وإعجاب الصبية الذين يتوقون من كلّ قلوبهم إلى امتلاك عضلات فولاذية كعضلاته! إلا
أن "حنّا النجار" هو النموذج الأكثر طرافة في ذلك العقد، ربّما لأنه
يتسّم بطبع ناريّ لا يخلو من بعض رعونة، في حين تعطيه لحيته المُشذّبة
"كاراكتيراً" خاصاً، يؤكّده
سلوكه المتعالي في الطريق! أمّا في الحفلات فهو يصرّ على القيام بكلّ ما هو غريب
وصعب، كأن يلتهم نثار الزجاج مثلاً، أو يسحب عربة بأسنانه! وقد يلوي أطواقاً من
الحديد السميك بيديه المجرّدتين، أو يكسر صخرة كبيرة فوق صدره العريض! فيما يمثّل
كلّ من "عثمان" و "إبراهيم علي الدرّة" نموذجين مختلفَيْن عن
سابقيهم، فـ "عثمان" بدوي صحيح الجسم، تمكّن من أن يحقّق لنفسه قوة
كبيرة بالمران، لكن بدنه لا يخلو من بعض ترهّل، فهو يجهل كلّ شيء عن قواعد
التغذية، لذلك تراه شرهاً إلى الطعام، متوهّماً بأنّه يمدّه بالقوة، من غير أن
يميّز في ذلك بين البروتينات والنشويات
مثلاً، والمسألة ـ في النهاية ـ تدخل في باب التباهي؛ على أساس أنه يستطيع ما لا
يستطيعه غيره! أما "إبراهيم" فهو لا يقلّ عنه قوّة، إلاّ أنّ قوّته ـ
تلك ـ تقترن بالكثير من التهوّر والحماقة، تلك الحماقة التي ستدفعه ذات ليلة إلى
مهاجمة فتاة جميلة أثناء عودتها إلى دارها القريبة من خزّان المياه، لكن الفتاة
ستعضّه في شفته السفلى، وستنجح في التخلّص منه، وترك ندبة دائمة على تلك الشفة،
وسينتهي به المطاف إلى السجن لبعض من الوقت، إذْ أنّه من فرط حماقته لن يداوي شفته
بعيداً عن العيون، بل سيقصد مشفى البلدة مدّعياً بأنّه سقط عن ظهر الحصان، فتضع
الشرطة يدها عليه! ولا شكّ في أن تلك النماذج هي فتّوات بمعنى ما، ولذلك فإن
العلاقة بينهم تفتقد إلى المـودّة، لأنهم
لا يكتفون بمناطق نفوذهم، بل يسعون إلى بسط سطوتهم على الأحياء المجاورة، وعندها
ينشب بينهم صراع مريّر! ثمّ أن البلدة ما تزال صغيرة، ولابدّ للوجوه ـ فيها ـ من
أن تتقابل، فلا تخلو تلك المقابلات من جرح في زند "حنّا" إثر طعنة سكيّن
من "إبراهيم" غبّ معركة صغيرة لا تستحق الذكر، أو سنّ أمامية مكسورة
جزئيّاً في فم "إبراهيم" بعد عراك مع "حنّا" أو مع آخرين!
وإذا كانت مجموعة "حمّالي السلّة" أو حمّالي مرآب "النجمة" لا
تملك أن تضاهي هؤلاء الفتوات، فهي قطعاً لا تحوز الأساس الذي تتقدّم به على مجانين
البلدة؛ الذين يستأثرون بعطفها وسخريتها بآن، وعليه فإن أسماء "فياض" و
"سيبورة" و "عزيزو" و "قاسو" و "ظافر" هي
نجوم حقيقية في سمائها! ثمّ أن هؤلاء المساكين هـم الـمادة الأولية التي ينصّب
عليها لهو تلك المجموعات ومجونها، فقد يهربون بالحلوى التي يلتقط "ظافر"
رزقه بوساطتها، و "ظافر" لا يستطيع اللحاق بهم، لأذيّة ما في جهازه
العصبيّ ـ الحركيّ، إنّه بطيء الاستجابة، لذلك فإنّه يسترحمهم لكي يعيدوها إليه،
مظهراً لهم المسكنة حيناً، والغضب حيناً آخر، ولكن بلا أيّ جدوى! وقد يعنّ لهم أن
يخطفوا معطف "عزيزو"، ويستولوا على الدريهمات القليلة التي تصدّق بها
الناس عليه، فيجنّ فوق جنونه، ويلاحقهم من مكان إلى آخر، تسبقه شتائمه البذيئة
المصحوبة بحركات مشبوبة مؤكّدة، إلى أن يستردّ معطفه، وقد يفتعلون معركة مع
"سيبورة" لكي يبعدوها عن كوخها، ثمّ ينهبونه، ويبعثرون محتوياته،
مؤكدّين أن خطوات اليفاعة الهوجاء قد مرّت بالمكان! إنهم لا يعرفون لماذا يتصرفّون
على ذلك النحو، ربما لأنّهم لا يعون بأنّ حياتهم بائسة وشقيّة، وأنهم بتلك الطريقة
إنّما ينفسوّن عمّا في صدورهم، منتقمين من حرمانهم، من غير أن ترتبط الوسائل ـ في
أذهانهم ـ بالنتائج، وتستمرّ حياتهم على ذلك المنوال رتيبة بطيئة ومملّة! لكنّ
لوحة البلدة لن تكتمل إلاّ إذا مرّت العين الملاحظة على حشّاشيها، وصيادي الأسماك،
وروّاد المقاهي الصغيرة ذات الكراسي الواطئة خلف كأس من الشاي، أو نفس من
"التنباك"، حيث الدخان الُمفعم برائحة النميمة، وآخر أخبار السياسة
والتجارة والدعارة والفضائح المالية أو الأخلاقية التي تجري في الخفاء! بيد أن
الألق الذي لا يُقاوم يظلّ من نصيب لاعبي كرة القدم، إذْ هاهي البلدة الوادعة
بصغيرها وكبيرها تنقسم بين ناديي "الحسكة" و "الخابور" ليقف
نصفها في صفّ الأول، بينما يقف نصفها الآخر إلى جانب الثاني، فلا يستطيع نادي
"الجزائر" أو نادي "الشباب" أن يثبتا موجوديّة إزاء
الناديَيْن السابقَيْن! أمّا "أبو كربو" و "جورج مختار" و
"فيزي خليل" و "نبيل نانو" فهم أقمار بهية تحلّق في فضاء
المكان، وقد لا يدانيهم في شهرتهم ـ تلك ـ إلاّ سيمون كَروّم لاعب كرة السلّة
العتيد!
ولكن هل كنتَ تدري أنّ تلك الوجوه ستغيب يوماً، أو تفقد ألقها،
وتنزوي في ركن مُهمل، فيغمرها النسيان!؟ وأنّ هذا ربما تزامن مع ظهور قطب كبير في
الشرق، راحت أفكاره تراود الكثيرين على حساب المكانة التي كان الغرب يتربّع عليها
بشكل تقليدي، باعتباره مركز الحضارة العالمية في الأزمنة الحديثة، لا سيما حين
طالت تلك الأفكار مسؤولين في مفاصل هامة من الدولة! ليس على مستوى القطر فحسب، بل
على امتداد الخارطة التي كانت تنضوي على ما يُسمّى بالعالم الثالث، فتفتقد البلدة
تلك السلال المعدنية التي كانت تتشبّث بخاصرة أعمدة الكهرباء، كي يلقي الناس بأوساخهم
فيها، وتختفي المربّعات الترابية الصغيرة المخصّصة لزراعة الأشجار من أرصفتها!؟
ولكن هذا لا يعني أنّ ظهور ذلك القطب هو
السبب الوحيد في غياب تلك المربّعات، فلا شك في أنّ يأس البلدية من صلاح حال
الناس، وانعدام تفهمّهم لضرورة الحفاظ على نظافة البلدة؛ قد لعب دوره في غياب تلك
السلال والمرّبعات، إذْ كم من سلّة غابت إثر ليلة ظلماء، وكم شجرة زُرعت في
الصباح، ثمّ مرّ بها أحد مربّي الماشية في غدوه من السوق أو رواحه، فاقتلعها ليهشّ
بها على دوابه، وحين أحاطت البلديّة الشجرة الجديدة ـ التي زرعتها بدلاً عن تلك
التي اقتُلعت ـ بمشبّك حديدي يحفظها، غاب المشبّك نفسه مع الشجرة! فما عادت
البلديّة تسعى إلى تقليد البلديات في الغرب، ولم تنجح في إرساء القواعد لبلدة
نظيفة مثل المدن في الشرق الاشتراكي، وهكذا تحولت البلدة إلى مكان مُكتظّ وقذر،
يسفّه الغبار صيفاً، ويغمره الطين شتاءً! وقد ترغب في أن تضمّ سبباً آخر إلى خانة
الأسباب السابقة، ذلك أن قوة الدولة وحضورها في الحياة اليومية راح يزداد يوماً
بعد يوم، كما ازدادت هيمنة شرطتها ومخبريها وموظّفيها وأجهزتها ومؤسّساتها
المنظورة وغير المنظورة على كلّ مرفق، بحيث راح صوتها يعلو على كلّ صوت! كانت
البنى العشائرية قد تراجعت كثيراً، وما عاد رجال من وزن "عبد العزيز
المسلط"، أو "أكرم حاجو"، أو "آل مرشو" سادة مُطلقين في
الريف أو المدينة، وتحوّلت البلديات بالتدريج إلى مجموعة من الموظفين يهمّها ـ
أولاً ـ ما تقبضه في مطلع كل شهر، كما يهمّها أن تظلّ الوظيفة في حدود المفاهيم
السائدة في البلدان المتخلّفة، ذلك المفهوم القائم ـ أساساً ـ على مبدأ
الامتيازات، وألاّ تتحوّل إلى دورها الأساسي كقطّاع خدميّ، وبالتالي فإنّها لم تكن
ترى كبير حرج في تراجع الخدمات القائمة!
وهكذا ستأفل عن سماء البلدة الكثير من الشخصيات التي وشمت
أزقتها بعلامات مميِّزة، فيغيب "علو" أياماً ثمّ يكتشف الأهالي بأنّه
مات في كوخه بصمت، وأنّ كلابه لم ترَ غضاضة في نهش جثته عندما أمضّها الجوع في
الكوخ المُغلق، ولم تجد شيئاً تأكله، وتحصد المنيّة "أبو زهرة" درّة
"كراج النجمة" اليتيمة، ودلاّلها الشهير، فيغيب قميصه المخطّط ذو
المربعات، وتختفي قبّعته المتكسّرة الأطراف، ويغيّب الثرى جرمه الضخم المتناقض مع
رأسه الصغير، وعينيه الحولاوين، يموت الرجل ذو اللسان اللاذع، فيرتاح مسافرو الريف
من سخريته وقسوته! وتموت "سيبورة" في هدأة من الليل، فلا يشعر بهـا أحـد،
وتنقلب العربـة السيـارة "بحنّـا النجـار" على الطريــق
القادم من "حلب"، فينهض مذهولاً، ويرى في تلك اللحظة
الكاشفة السابقة على الموت منيّته، فيصرخ محتجّاً، أو مدهوشاً:
ـ حنّا يموت! لا..لا حنّا لن يموت!
كان شاباً قوياً، مُعتّداً بنفسه، فلم يصدّق بأنّه سيموت هكذا
ببساطة، لكنه مات، وشهدت البلدة واحدة من جنازاتها الحافلة، التي طافت بشوارعها
وأزقّتها على أنغام الموسيقى، فيما راحت الجموع تودّع صاحبها المطلّ من لحده ذي
الغطاء الزجاجي المُكلّل بالزهور! واختطفت الغربة "سيمون كَروم" و
"فيزي خليل" فتاهت الخطا بالأول خارج حدود القطر، بل خارج حدود القارة
كلّها، إذ أنه استقرّ في واحدة من الأمريكيتين، وألقت بالثاني على أعتاب حاضرة
البلاد بحثاً عن اللقمة ربّما، في حين انتهى " إبراهيم علي الدرّة" إلى
أحضان جنون غريب أحاله إلى شخص خائف و مسكين، بعد أن كان يزرع الطرقات بجبروته
وقسوته، واختفت ملامح "عثمان" طيّ بدانة مبكّرة تشي بالهرم، وتفرّقت
الجماعات في دروب الحياة، فما عدتَ تصادف أحداً من "آل المرتضي" إلاّ
إذا قصدتَ سوق اللحّامين، وما عدتَ ترى "غنّاوي" إلاّ إذا مرّ بك الدرب
بحيّ "الناصرة"، ووقعت عيناك على صالة بيته التي حوّلها إلى ما يشبه
نادياً لكمال الأجسام فيما درست آثار الكوخ الحجري الذي لم يكن يرتفع عن نصف قامة
الإنسان، بعد أن تيبّس "قاسو" بداخله ذات صباح! غاب من غاب، وغادر من
غادر، في الوقت الذي كانت البلدة ـ فيه ـ سادرة في هواجسها بعد أفول الزمن الذي
كانت الأحلام ـ فيه ـ تبدو؛ كأنها في طريقها إلى التحققّ!
- 1 -
قد تغفو الأحاسيس، أو يُكتب عليها أن تعيش محكومة بعدم الفهم،
ربّما لأنّها ما فتئت في يأسها تخال بأنّ زمنها قد تعطّل، أو لأنها ألفت حالها
الراهن، متوهّمة بأنه الجوهر، وأنّ ماعداه عارض، وعندها فإنّ الإحساس بالأمان
يتراجع، ليتسرّب خوف مُبهم إلى بقاع النفس، خوف من اليوم، من البارحة، ومن الغد!
خوف من الذات، ومن الآخرين، ومن الزمن الذي يتأبّى على الرغبات،ذلك أنّ الصمت كان
قد طال حتى كاد يصبح قاعدة! ورغم أنّه كان صمتاً مدوّياً، منذراً بالانفجار، فإن
الجموع لم تتحسّسه في حينه! وفي الوقت الذي كان الناس ـ فيه ـ يتوهّمون بأنه قدرهم
أو مصيرهم؛ جاء الانفجار مفاجئاً،
مزلزلاً، فتوارت نوافذ المقاهي خلف اللون الأزرق خوف القصف، وفي الشوارع و الساحات
والبيوت التي التصقت بالأرض والدكاكين، كما في القرى والمزارع والقصبات استعاد
الناس حسّ المُبادهة، وأخذوا يتابعون المعركة بكلّ جوارحهم عبر الصحف والإذاعات،
من غير أن يتوقفّوا كثيراً عند التبدّل الذي طال مرافق الحياة كافة، وراح الصوت
الأنثوي يذكي مشاعر الكرامة التي أهيضت أكثر من مرّة!
هدّم مزّق، حطم واسحق، لا ترحم أبداً أعداءك!
وبين الفينة والفينة كان صوت دلال الشمالي يصدح:
من قاسيون أطلّ يا وطني …!
فاستفاقت تلك الأحاسيس الغافية، وعاد الجوهرّي في النفوس إلى
مكانه، بعد أن تنحّى العارض الذي ركبها طويلاً، إذْ كان ثمة ما يرجّ المياه الآسنة
بعد طول انتظار، الآذان ملتصقة بأجهزة "الترانزستور"، الذي قطع برامجه
الاعتيادية، وراح ينشر على الملأ البلاغات العسكرية عن سير المعارك على جبهات
القتال في سورية ومصر والأردن ، فيما راحت الأغاني الحماسيّة تشعل المشاعر
الوطنية، وتبثّ روح الصمود!
الآن ـ قلتَ ـ سترجع الأرض التي اغتُصبت إلى أصحابها، ويعود
أولئك الذين شُردّوا عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف إلى بيّاراتهم وحقولهم وقراهم، بعد أن طالت غربتهم
في المخيّمات التي سوّرت "دمشق" و "بيروت" و "عمان"
وسواها من العواصم العربية!
وبحسب البلاغات التي راحت تتوالى كانت أعداد طائرات العدو
المتساقطة تتعاظم، وراحت الناس تترسّم الدروب التي كانت القطعات العسكرية تتقدّم
فوقها على الخارطة نحو "طبريا" ،بينما
راحت الآمال بنصر وشيك تتزايد! لكن
مطلع اليوم الخامس فاجأ الجميع، وقلب الأمور عاليها سافلها، فلقد وقعت الأطراف
المتحاربة على وقف إطلاق النار وسط ذهول
الناس وحيرتهم، ولم يكن إيقاف العمليات العسكريّة القشّةَ التي قصمت ظهر البعير،
بل أنّ ما تمخضّت عنه تلك العمليات من نتائج كارثيّة مباغتة هو ما زلزل كيانهم!
كانت الأنباء متضاربة، ولم يكن ثمة تصوّر واضح عمّا يجري هناك، بيد أنّ الجميع كانوا
قد أدركوا أنّ ليس ثمة نصر، وأنّ الخسائر الفادحة المُنزلة بصفوف العدو هي خسائر
مزعومة؛ لا تمتّ إلى عالم الواقع والحقيقة بوطيد صلة!ثمّ راحت الأمور تتكشّف عن
أحداث مروّعة، فلقد سقطت "القنيطرة" مع مساحات واسعة من هضبة الجولان
بيد العدوّ، وعلى الجبهة "المصرية" كان الإسرائيليون قد وصلوا إلى شواطئ
القناة لأول مـرة، في حين فقـد "الأردن" الضفّـة الغربيـة، أمّـا
"لبنـان" فلقـد تخلّى عن
أجزاء من جنوبيه!
وعبر المذياع أطلّ "عبد الناصر" مفصّلاً في أسباب
الهزيمة بصوته الهادئ الحزين، ثمّ تقدّم إلى الحكومة باستقالته، باعتباره مسؤولاً
عن تلك الهزيمة كقائد للجبهة المصرية، فبدت الجموع كما لو أنها ضُربت على أم
رؤوسها بشيء قاس، وراحت تعْول في الشوارع، وتعرّض كثيرون لشدّات عصبية! لقد شعروا
فجأة بأنّهم عراة لا يستر عورتهم شيء، وأنّهم مكشوفون بلا أي غطاء أو حماية، أنّ
حكوماتهم قد غررّت بهم، وكذبت عليهم في كلّ شيء! فراحوا يتخبّطون في كلّ اتجّاه
بتأثير من صدمتهم ودهشتهم، ولكنهم ـ فجأة أيضاً ـ نزلوا إلى الشوارع، وقالوا
كلمتهم الشهيرة، أنْ "لا" لاستقالة "ناصر"!
كانت مشاعر المرارة
تتراكم في قلوب السوريين وذاكرتهم كنار مُخبّأة تحت الرماد في انتظار الساعة
المؤاتية! وراح هدوء مشوب بالحذر والترقّب والانتظار ينيخ بثقله على الأطراف كافة!
وما كانت اللوثة التي أصابتك لتسمح لك بالتمييز أو المحاكمة،
رغم أنّ ظاهرك لم يكن يشي بالكثير! ربّما لأنّ التهدّم و الانسحاق كانا قد طالا
الدواخل، التي انسحبت نحو المراكز العميقة احتجاجاً،بحيث راح التواصل مع المحيط ـ
أكثر فأكثر ـ يُشكِل، فاستسلمتَ لحالة غريبة من العزلة أمسكت بجماع النفس، وهمستَ:
إنْ هو إلاّ صمت آخر ندخله في هذا الزمن العاري البذيء!
- 2 -
للمرة الخامسة ربّما ارتفعت الزغاريد مبشّرة حيّكم بمولود آخر،
لكنها كانت المرة الأولى التي يهلّ عليك ـ فيها ـ زائر جديد إثر رحيل أمّك! كان
هذا المولود أكثر أخوته مشاكسة، سواء في الحمل، أو في الولادة، إذْ أنه كان أكثرهم
إرباكاً لأمه طيلة حملها، ولمّا أزف أوان الولادة، تأخّر بها الطلق، وجاءت عملية
الولادة نفسها عسيرة، لكنه لم يكتفِ بما تقدّم، بل أستمّر في البكاء طويلاً، كمن
يحتجّ على مفارقة عشّه الدافئ، فيما كان وجهه ينتقل من الأحمر إلى الأزرق مع
إغراقه في الصراخ!
أمّا أنت، فلقد وجدتَ نفسك في مواجهة موقف غريب ومربك، بسبب
غياب أمك ، إذ أنّ العجوز كانت تستنفر خبراتها السابقة في هذا الجانب، فتحضّر
الأقمطة التي سيُلفّ بها الوليد، وتسخّن الماء، وتعدّ بعض الأدوات من مقصّ وخيوط
ومنظفات، وتستدعي "الداية"! ثمّ أنك كنتَ خائفاً على زوجتك، بما أسهم في
إشعال الأعصاب التي لم يكن ينقصها التوفّز أساساً، وفي الأحوال كلّها، كان الموقف
نسائياً في أسّه، ولا يناسب الرجال في شيء، وعليه فإن فرحك بالمولود جاء مُضاعفاً!
كان العجوزان كلفين كثيراً بالأطفال، لكنّهما رحلا عن هذا
العالم من قبل أن يحقّقا رغبتهما في إنجاب شقيق لك أو شقيقة، بيد أنّ العجوز كانت
قد تمكّنت من أن تنقل تخوفّها في هذا الجانب إليك، فأخذتَ تنتظر مولودك الثاني
بفارغ الصبر؛ خوفاً من أن يكون نصيبك في مسألة الإنجاب من نصيب أبيك! إلاّ أنك ـ
اليوم ـ أب لذكور ثلاثة وانثَيين، وهذا ما كان سيثلج صدر العجوزين لو أنّهما لم
يفارقا هذه الدنيا!
كانت خلافاتك مع اللجنة النقابية قد وصلت إلى مُفترق صعب،
ربّما بسبب تأخّرها المزري في مساعدة عائلة سائق، أودت بحياته حادثة مروّعة على
طريق "دير الزور"، فكانت تلك الحادثة بمثابة الحطب الذي زاد النار
اشتعالاً! وأخذتَ تتابع الحكاية مدفوعاً بحزن عميق! كان السائق المسكين قد كُلّفَ
بمهمة خارج حدود المحافظة، ولكن العربة خرجت عن الطريق لأسباب مجهولة، وانقلبت به
وبرفاقه، وعندما تناهى الخبر إلى أسماعك؛ هرعتَ إلى المشفى، إلا انّك وصلتَ
متأخراً، ذلك أنّ المراقب الزراعي كان قد توفيّ من توّه، أمّا السائق فكان قد
توفيّ قبيل إسعافه بقليل، بينما أصيب رئيس المهمة بكسور وجروح عديدة؛ سيُكتب لها
أن تترك ندوباً وتشوّهات كثيرة في وجهه وجسده! ورغم أنّ الطبيب نصحك بأن تتخلى عن
رؤية الجثتين، إلاّ أنك بقيتَ متشبّثاً برأيك!
إنه الحد الأدنى من
واجبنا نحو زملائنا! قلتَ، ودخلتَ إلى حيث انتهت الجثتان قبل أن تواريا في مثواهما
الأخير، وهناك باغتك صمت عميق وشامل، صمت من نوعٍ خاص لا علاقة له بذلك الذي
يتحدّث عنه الأحياء! كان الموت بمعناه المادي والمعنوي يبسط قدرته الكليّة التي لا
مردّ لها على المكان، متغلغلاً في أدق المسامات! قرب الباب استلقت جثة المراقب
الزراعي فوق الطاولة بإهمال، فتدلّت اليدان إلى الأسفل،كانت الملامح قد غابت تحت
الدم المتخثّر، فلم يعد التعرّف عليها بالمهمة السهلة، وبقوة استأثرت الأصابع
باهتمامك، ذلك أن أظافرها كانت قد امّحت لشدّة ما ضغطت على إسفلت الطريق هرباً من
الألم، فاندفعت معدتك بعيداً في تشنّجها، وكاد مخزونها أن يتدفق عبر الفم، لكنك
تماسكتَ قليلاً، وانتقلتَ ببصرك إلى الجثة الأخرى، عند الركبة والورك والمرفقين
كانت الثياب قد تمزّقت بفعل الاحتكاك! فيما كان الدم يغطّي الفم والأذن والأنف
والجبهة، أمّا العينان فكانتا قد توقّفتا من غير رفيف عند نقطة بعيدة ومجهولة، بينما
ارتسم أسى وتساؤل عميقَيْن في البؤبؤ، ولم تكن ثمة أجوبة لتساؤلاته تلك، فخرجتَ!
تفاجأ الجميع بغياب أعضاء اللجنة الذين لم يحضر أحد منهم حتى
صباح اليوم التالي، فأثار إهمالهم ذاك الكثير من الاستياء، ولمّا أثيرت مسألة
التأخّر في تحصيل حقوقهما، تعلّلت اللجنة بطبيعة القانون الذي تمّ استخدام السائق
بموجبه! ممّا أعاد اللغط الحاد حول تعدّد قوانين العمل في دوائر الدولة إلى واجهة
الاهتمامات، ذلك أنّ التعاقد مع العاملين في مديرية الزراعة كان يقوم على أنظمة
ثلاثة هي قانون الموظفين، وقانون المستخدمين، وقانون العمّال، ناهيك عن استخدام
العمال المياومين بصفة موسمية! وكان ثمة تفاوت في المزايا بين تلك الأنظمة، بحيث
بدا قانون الموظفين امتيازاً بالقياس إلى بقية الأنظمة، ولم يكن الحوار الدائر على
أشدّه في صالح اللجنة، التي كانت تلقي بالموضوع خلف ظهرها، في حين أنّ العمّال كانوا
يطالبونها بإثارته، وربما لأنك كنتَ من المتحمّسين لطرحه، ازداد التفافهم من حولك،
بما أعطى لقامتك مداها!
وحين ضاقت النفس بما تحمل، أفضيت ببعضه "لخليل"، على
أمل أن تتخفّف من همومك وهواجسك، فضحك، وكشف لك النقاب عن أرقام لا تُصدّق بهذا
الصدد، ذلك أنّ أنظمة الاستخدام كانت تتجاوز المائة برقم قليل، وهكذا فإن كل وزارة
كان لها أنظمتها الخاصة في التعاقد مع عامليها، وبيّن لـك أنّ أصل المشكلـة في
العمـل النقـابي هو افتقـاده إلى الاستقـلال فـي
تكوينه، وفي قراراته!
كانت الدلالة العامة لمقالته مفهومة لك، و كنت تَتحسّسها بصورة
غائمة، لكن التفاصيل، واستقراء ما بين السطور هما ما كانا يشكلان عليك! فعاودك ذلك
الإحساس الممضّ بالندم على تخلّيك عن الدراسة، أمّا المأتم، فلقد تكشّف عن دلالات
كثيرة، لم تكن بعيداً عنها في الأساس، بيد أنها راحت تتأصّل! كان السائق قد ترك
وراءه زوجة وأربعة أطفال، في حين أن المراقب الزراعي كان في مُقتبل العمر، وكانت
زوجته قد أنجبت طفلاً وليداً منذ فترة وجيزة، فانداحت الأسئلة كسيل!
ولكن كيف لهؤلاء الأطفال أن يعيشوا في الحدّ الأدنى!؟
وانتفضتَّ كمن لدغه عقرب، ربّما لأن الأسئلة ـ في مستوى آخر ـ
كانت تطالك أنت أيضاً،بل كانت تطال الجميع، ومن غير أن تنتبه راحت النفس تهجس،
بأنك لا ينبغي أن تترك أطفالك للقدر يعبث بهم على هواه، ولكن ما الذي تستطيعه
لهم!؟
- 3 -
كلّ شيء يبدو لناظريك بلا معنى أو جدوى، يتحرّك وفق منطق
الضرورة أو الواجب أو الإكراه! ثمّ أنّ الحياة نفسها خارجة عن حدود الإرادة، إذْ
ليس للمرء دور في اختيار لحظة الولادة، ولا في لحظة الرحيل عنها، ولولا أنّ الروح
تستمدّ من ضيقها نفسه شيئاً من الفرج باعتبار الأهواء والنوازع تنطوي على نقائضها،
إذن لكان الاستمرار فيها بحكم المستحيل! فكيف تتغلّب على تلك الكآبة القاتلة التي
أخذتَ تغرق فيها بالتدريج!
لا الأولاد، ولا العمل، ولا الأصدقاء نجحوا في انتشالك من تلك
الحالة المدمّرة، فيما أخذت الأعماق تنضح بميل متأصّل إلى الحزن، راح يدفعك إلى
مأتم الرجلين كلّ يوم، فأقلقك الاكتشاف، لا سيما حين تنبهّتَ بأنك تنأى بنفسك عن
الآخرين في أفراحهم، متوارياً خلف جدارك الكتيم غير القابل للاختراق! وقلتَ:
لا بدّ من حلّ!
ولم يكن ثمة حلّ، ومن غير أن تتنبّه راحت عادة قديمة تعود إلى
أيام الشباب تستيقظ، فأخذتَ تتمدّد بعد الغداء قليلاً، لتنطلق نحو الأزقة التي
كنتَ قد خبرتها طويلاً، فتدور وتدور بغير ما هدف، وعندما تفقد القدرة على
المتابعة، تعود أدراجك على مهل! لكنّ قدميك وجدتا ـ فيما بعد ـ طريقهما إلى
المقاهي، من غير أن تطيل المكوث كثيراً، واكتفيتَ ـ في بادئ الأمر ـ بدور
المتفرّج، لكن تلك الأجواء راحت تطيب لك شيئاً فشيئاً، فأنشأتَ تشارك الآخرين في
اللعب! وبتأثير من ذلك الجّو شرعت لفافة تبغ من هنا، وأخرى من هناك تجد طريقها إلى
شفتيك، هذه لأنك ارتكبتَ هفوة في اللعب، وتلك لأنّها تقدمة عزيز لا يُردّ،
وبالتدريج ما عادت لفائف الآخرين تفي بحاجتك، فكان عليك أن تشتري علبة سجائر بين
الفينة والأخرى! ثمّ راحت المدة بين العلبة والعلبة تتناقص، إلى أن أدمنتَ هوى
جديداً، سيُكتب له أن يرافقك في السنوات المتبقّية من عمرك! فلا يعود احتساء قدح
من النبيذ أو الخمر يثير فيك الكثير من الندم كما حدث لك في المرة الأولى! ذلك أنك
في أمسية صيفية لم تعد تتذكّرها جيداً استسلمتَ لكآبة مبهظة! ولما راحت تلك
الأمسية تتقدّم من النقطة التي تنكسر فيها الحرارة على حوافها؛ مبشّرة بليل عليل
تستفيق تحت عباءته الأشجان الخفيفة، دعاك أحد الأصدقاء لمرافقته إلى استراحة صيفية
ظليلة، فقبلتَ على سغب، وحين عرض عليك أن تشاركه في احتساء كأس من الجعة، رفضتَ،
لكنه ألحف في عرضه، مؤكّداً بأنها لن تؤثّر فيك لضآلة نسبة الكحول فيها، فقبلتَ أن
تجرّب كأساً، ثمّ تلتها كأس ثانية، إلى أن راح دوار بسيط يداعب الجبهة، فاستأذنته
في الانصراف، فيما كانت مقدمّات نشوة خفيفة تزهر في الدم!
لا بأس! هو ذا دواء آخر للنسيان!
وأنشأت ساعات غيابك عن البيت تطول، من أن غير تنجح شكاوى زوجتك
في تطويق ذلك الغياب، أو الحدّ منه، فلقد كنتَ تغادر الدار بُعيد العصر، لتطويك
الأزقة خلفها إلى ما بعد الغروب، ثم تأخذ خطاك طريقها نحو المقهى الذي ينتظرك فيه
رفاق اللعب، فتغيبون عمّا حولكم إلى ما بعد منتصف الليل، وفي إحدى تلك الجولات
استوقفتك واجهة زجاجية تعرض من خلفها ثياباً جاهزة، على أمل أن تجد لنفسك قميصاً
مناسباً، بيد
أن الجبهة التي كانت
تلوح من فرجة في الواجهة راحت تلّح على
ذكرى بعينها!
ولكن من، ومتى، وأين!؟
وارتدّت الذاكرة صوب دروبها المظلمة تنقّب في الوجوه التي
غيبتّها زحمة الحياة؛ إلى أن تطابقت الصورة الماثلة أمامك مع أصلها القديم في قاع
الذاكرة!
ولكن يا الله! إنه "حسين"!
ـ حسين!
ـ أحمد!
وتعانقتما بقوة، ثمّ تراجعتما قليلاً، بينما بقيت الأيدي تربت
على الأكتاف، وراحت عيناك المندهشتان تجريان على صفحة وجهه مترسّمة آثار
الزمن!
ـ كم من الوقت مضى يا رجل!؟
ـ على وجه التحديد لا أدري يا أحمد، أربع عشرة سنة، وربّما خمس
عشرة!
كان سالفاه قد ابيضّا
قليلاً، فيما كانت عيناه تنمّان عن اضطراب داخلي عميق؛ مع تلك الرمشة اللاإرادية
المتكرّرة! أمّا شكله العام فلقد احتفظ بالصورة التي كان عليها من قبل إلى حدّ
كبير!
ـ لقد ترهلّتَ يا أحمد!
فأعياك الجواب، وأجبت متلعثماً:
ـ نحن نكبر يا حسين!
فتأوّه بحسرة، وقال:
ـ نعم والله، نحن نكبر!
وجاءت "والله" تلك غريبة في وقعها على أذنك، ربّما
لأنك كنتَ تعرفه جيداً، لكنك ـ في ما تلى من أيام ـ اكتشفتَ أن "حسيناً"
القديم قد اختفى لصالح آخر جديد، ولم يكن "حسين" غبياً، فلا شكّ أنه قد
حدس ما يدور في ذهنك من تساؤلات ، أو أنّ
ظهورك ثانية أعاد إلى ذاكرته طيف ماضٍٍ قديم كان يودّ أن ينساه، فكلّمك
مُطوّلاً عن الخيانات الصغيرة، والتنظيم الذي انقسم على نفسه، الرفاق الذين أمسوا
رفاقاً وأصبحوا أعداء متناحرين! ثمّ كلّمك عن الإحباط، والثقة التي افتُقدت،
والنخر الذي طال كلّ شيء مثل سرطان خبيث! دور السلطة، ودور المناخ العام! كان
الرجل يقدّم لك حساباته، فهل كان يبّرر لك ما استجدّ في تاريخه الشخصّي، حتى
من قبل أن تتبيّن طبيعة ذلك التغيير، أم
أنه كان يبرّر لنفسه، من أجل أن يتوازن معها!؟ ولم يكن تنظيمه هو التنظيم الوحيد
الذي انقسم على نفسه، بل أنّ ذلك البلاء كان قد طال التنظيمات الأخرى أيضاً، وراحت
الأشطار تكيل لبعضها الاتهامات، ناسية ما يحدث حولها، منشغلة ببعضها البعض، فأخذ
الأفراد ينسلّون منها فرادى وجماعات لمصلحة حالة من اللامبالاة والإحساس بالعقم!
فهجستَ:
لقد طال التبدّل الجميع، ولم يطله لوحده، إذْ ها أنتذا تهمل
كلّ شيء من حولك!
وقلتَ: هي الأمور سواء، ولا شيء يجدي! لكن مبرّراتك لـم تفلح في
دحـر أسى حرّيف راح يتسرَّب نحو الأعماق كدود خبيث، لينغل فيها!
- 4 -
كان يوم العمل يوشك على الانتهاء، عندما رنّ جرس الهاتف،
فرفعتَ السماعة، ومن الطرف الآخر جاءك صوت "إبراهيم" طافحاً بالبشر:
ـ أحمد، أهلاً، هل سمعتَ الخبر!؟ صاحبك أصبح قاضياً!
ومن فورك فهمتَ بأنه يومئ إلى "خليل"!
ـ حقاً!
ـ نعم .. نعم، فمتى نمرّ عليه لنهنئّه!؟
ـ أنا بأمرك، فقط حدّد الساعة!
ـ ما رأيك في السابعة!؟
ـ لا بأس، سأكون عندك في تمام السابعة!
وضعت السماعة متفكّراً! وإذن "فخليل" الذي جمعتك به
صداقة مديدة، صمدت في وجه الزمن أصبح قاضياً! كانت لقاءاتكما قد تباعدت في الفترة
الأخيرة، ربّما بسبب طبيعة عمل كلّ واحد منكما، وتعقّد نمط الحياة ذاتها، بيد أن
تلك الأريحية المعروفة عن علاقتكما توطّدت! بينما كانت علاقتك "بحسين"
قد فترت، إذْ لم يعد ثمة ما يقال بينكما، فأخذتَ تشعر بأنكما تجترّان ماسبق لكما
أن خضتما فيه من هواجس وانكسارات، وأنكما تندبان ماضياً، بدا لك بوضوح أنه لن
يرجع! كان "حسين" القديم قد أخلى مكانه "لحسين" آخر، لا مكان
في حياته إلاّ للمربح، والمربح فقط، وراحت تلك اللقاءات تنكأ جراحاً قديمة حول
عالم انهار وتداعى! وكانت تلك مناسبة لأن تعيد النظر في أشياء كثيرة، فتفاجأتَ
بأنك كنتَ قد فقدتَ معظم أصدقائك بشكل تدريجيّ، وأنك الآن إذا توخيّتَ الدقة بلا
أصدقاء، هذا إذا استثنيتَ "خليلاً" و "إبراهيم"، واستبعدتَ
تلك العلاقات العابرة التي حلّت محلّ صداقاتك القديمة، بما يخالف النفس البشرية
التي يُفترض فيها أن تنزع للاجتماع، ولم يكن مكمن الخلل منظوراً، بحيث تستطيع أن
تضع يدك عليه بقصد الفهم، كما لم تكن الأشلاء في مستوى من التماسك يؤهّلها
للتجاوز، فأخذتَ تدخّن وتشرب وتلعب بالورق، وتؤمّ دوائر بذاتها بقصد الإمساك
باللحظة الفارة من كلّ قيد، وأنشأتَ تفتعل النوادر، ترويها، وتستمع إلى نوادر
الآخرين، وتغرق في الضحك من كلّ شيء بما لا يحتمله الموقف، لكنك فشلتَ في إنزال
الهزيمة بذلك الإحباط، وظلّت الأعماق رهينة عزلتها القاهرة!
كان "خليل" قد دعا الأصدقاء إلى حفلة صغيرة، وكان
جلّ الحاضرين من موظّفي السلك القضائي وإدارييّه، إلى جانب ثلّة من المحامين، ولم
تكن تعرف الكثيرين منهم، فانزويتَ عن الجميع في ركن متطرّف، مكتفياً بشيء من
الحلوى، وكأس من الشاي، إلى أن انصرف الآخرون، فتقدّم "خليل" نحوك!
ـ أهلاً أحمد!
ـ أهلاً!
ـ زمان مضى من غير أن نراك!
ولم تجد ما تقوله:
ـ مشاغل!
وقال "إبراهيم"
ـ دعونا من المجاملات! ما الموضوع يا أحمد!؟
وحرّكتَ كتفيك بحيرة :
ـ لا أدري! هناك الكثير، إلا أنه ما يزال متناثراً ومتشظّياً!
فقال "خليل" :
ـ أنت تبالغ!ـ ربّما! أنا أيضاً أقول شيئاً من ذاك القبيل،
وألوم نفسي حيناً، لكن الأمور تبدو وكأنها خرجت من يدي!
ـ حسناً ـ قال إبراهيم ـ هل لك أن تفصح قليلاً!
فاعتدلتَ في جلستك، وسحبتَ نفساً عميقاً:
ـ أصدقك القول بأنني لا أدري تماماً من أين أبدأ، كلّ شيء غائم
ومتداخل، منقسم إلى ألف هاجس وهاجس، ربّما كان أبسطها ـ الآن ـ أنني هنا ولست هنا،
ذلك أنّ قسماً من روحي مزروعة في أرض الماضي على سبيل النكوص ربّما، مع أنني أعي
تماماً بأنّها لم تعد تلك الأرض المغزولة صورتها البهيّة في الذاكرة، وأنّ الصورة
ذاتها ما هي إلاّ وهم من نسج المخيّلة، لكنني لا أريد أن أصدّق! أمّا القسم الآخر
فتراه يضرب جذوره في اللحظة الراهنة، لكنه ـ هو الآخر ـ ينشقّ عنها في جزء منه،
مرتحلاً نحو الأعماق لينغلق عليها! إنّه عاجز عن التواصل مع الآخرين، حيث لا تماسك
أو فواصل واضحة! هل تصدقونّني إذا قلت لكم بأنّ الزمن ـ بمعنى ما ـ لا يتقدّم بي!؟
إنه بالنسبة لي وحدات زمنية منفصلة ومتداخلة بآن! طبعاً أنا أحاول أن أقاوم تلك
الأحاسيس، أن أصمد، وأتجاوز، بيد أن الموضوع ـ على ما يبدو ـ خارج عن حدود
الإمكان!
كـان صوتك هادئاً، مشحونـاً بالأسى، وكـانت الكلمات التائهـة
تكتظّ في
الذهن، متدافعة للخروج، وشيئاً فشيئاً أنشأ "خليل" و
"إبراهيم" يلجان في الطقس الذي كنتَ ترسمه، بحيث أصبح من الصعب على
المتأمّل أن يتبيّن فيما إذا كانا يسمعانك، أم أنهما يستمعان إلى هواجسهما
الدفينة بصوتك!
ـ أحياناً يعنّ لي أن أحسب الأمور على النحو التالي، فأقول :
حسناً يا ولد، لقد وُلدتَ قُبيْل الاستقلال، ونشأتَ في كنف أهداف كبيرة من مثل
الوحدة، وتحرير الأرض المحتلة، ثمّ تصرّم الزمن، وكبرتَ، وها هو الاستقلال يقارب
الثلاثين من عمره، أو يكاد، فأين المُجتنى!؟ المحاولات التي رامت توحيد الصفّ ـ
كما تعلمون ـ باءت بالإخفاق، وراحت الهزائم تتوالى كقدر لا مفرّ منه! ستقولون أن
المسألة مسألة حكومات، وأنه خاضع لموازين القوى، وأن…وأن…! ولكن ماذا ستقولون
عنّا!؟ ماذا عن حياة الناس!؟ أنتم لن تختلفوا معي بأن الأغلبية بائسة مثلي وفقيرة،
وأن هذه الأغلبية تتزايد باستمرار، وأنّ "المحلات" التي تبيع ثياباً
مُستعملة أكثر من تلك التي تبيع ثياباً جديدة! أنّ مشكلة الخبز كما هي ما تزال،
وكذلك مشكلة الديموقراطية، وما شابهها من شعارات ما أنزل الله بها من سلطان! طبعاً
أنا أجيب نفسي أحياناً، فأقول: أنت تحمّل هذه النفس ما يفوق احتمالها يا ولد، فما
أنت في عمر التاريخ حتى تطرح تلك الأسئلة كلّها !؟ لِمَ لا تبقى كغيرك مواطناً
دارجاً، تبدأ حدوده من حدود الأسرة والبيت والعمل، وعند تلك الأقانيم تنتهي!؟
وأرُدف: هي الأمور هكذا، فلا النصر عاد يجدي، ولا الهزيمة! ثمّ انظروا الناس! أهي
الجموع ذاتها التي كانت تتظاهر ضدّ الاستعمار وحلف بغداد ومشروع الهلال الخصيب!؟
من الذي كسر أحلامها وأفقرها إلى تلك الدرجة!؟ وحين تعييني الأجوبة، أترك الأمور
على عواهنها، لكنها ـ في النهاية ـ وبالتضافر مع غيرها، أنتجت هذا العبد الماثل
أمامكم!
وما عدا صوتك الرتيب كان الصمت عميماً، عميقاً، لم يكن ثمة
نأمه، ولا حتى حرف! ذلك أنّ كلماتك كانت قد لا مست فيهما وتراً موجعاً، فوقعا في
الرجعى! وعادا إلى تلك الأيام المحمولة على أجنحة الشعر و الأحلام المندّاة، وراح
ظلّ ثقيل لهواجس تجاهلاها أو أبعداها يعكّر صفو النفوس!
نهضتَ!
ـ تصبحون على خير!
وجاءك الجواب مشوباً بالأسى:
ـ مع السلامة يا أحمد!
- 5 -
هو الزمن يخبّ، مورّثاً الآخرين اللهاث والحسرة، يمضي، فيمضون
معه، ويحاولون اللحاق به، فلا ينتبهون إلى أنّه يتجدّد، فيما هم يشرفون على
النهايات، بحكم محدودية أعمارهم على سطح هذه البسيطة،وهاهي الحفلة التي ضمّتكم منذ
فترة وجيزة تمسي مجرّد ذكرى لجلسة حميمة تندرج في سياق راح ينأى بسرعة ! طبعاً أنت
لم تبح ـ يومها ـ بكلّ ما في جعبتك، فلم تقل لهما ـ مثلاً ـ بأنّ الملاحقة والسجن
ينتظران كلّ من ينظر إلى الوقائع التي سردتها بعين الرفض، ولم تقل لهما أن
المجتمعات تبتكر قوانينها بوحي من أنظمتها الاجتماعية، إلا أن أحداً لا يتوقّف عند
السؤال عمّن أعطى لفئة دون أخرى الحقّ في معاقبة الآخرين، ولا كيف يتحدّد هؤلاء من
غيرهم! ثمّ من يدري كيف كانا سيستقبلان الموضوع لو أنك أخبرتهم بالبقية! إذْ ربّما
عمدا إلى تخيّله على شاكلة الأفلام السينمائية، حيث تنهال صفعة على خدّ البطل،
فيرّد عليها بنظرة غاضبة متحدّية، ويخوض صراعاً مريراً ينتصر في ختامه الحق على
الباطل! ولا شكّ أنهما معذوران في تصوّرهما ذاك، ربما لأنهما لم يخبرا ذلك العالم
الكريه القابع خلف القضبان، فيما احتفظتَ ـ أنت ـ بتفاصيل تلك الفترة التي أمضيتها
هناك لنفسك، فلم تسرد شيئاً منها على مسمعهما، بسبب من التهديد الذي وجهّه المحقق
إليك قبيل الإفراج:"أن انسَ القصة كلّها يا سيد أحمد، نحن لم نرك، وأنت ـ
أيضاً ـ لم ترنا،……!" صحيح أن الزمن درس تلك التفاصيل، ثمّ جاءت تفاصيل
ووقائع جديدة أزاحتها، وحلت محلّها، لكنها لا تموت كما قد يتبادر إلى الذهن، ذلك أنّ
الخرّاج المؤلم في الجوف خبيء ما يزال، ويكفي أن تحكّه حتى ينتفض الماضي حيّاً
نابضاً بالوجع القديم! فهنالك، خلف تلك الجدران الرطبة والكتيمة، كانت الساعات
تتصرّم متوالية برتابة، حيث اليوم شبيه بالبارحة، أو بالذي قبله، وليس ثمة أمل في
أن يكون الغد مختلفاً، ما يرضّ النفوس التي تدّعي التماسك، تتظاهر به، وبمضّي
الوقت تصدّق كذبتها، لكن النخر كان يعمل في الخفاء، من غير أن يشي به ما يظهر على
الأدمة من انفعالات، ثمّ فجأة، وبلا مقدّمات تبدأ السدود والمتاريس بالانهيار،
وبالتتابع أو بالعدوى يطال ذلك الانهيار الجميع، فيرفض البعض ما يُقدّم إليهم من
طعام، وينخرط البعض في نشيجّ مرّ، ويتشنّج آخرون، فيتكوّرون في أسرّتهم كأطفال
مذعورين، وقد يدفع بعضهم الأمور نحو حدودها القصوى، فيقدمون على إيذاء نفوسهم، على
أمل أن يقضوا بضعة أيام في المشفى، ولكن من الذي يستطيع أن يتكهنّ بحدود تلك
الأذية، إذْ ربما وصلت بقصد، أو من غير قصد إلى تخوم الموت! هو الإحباط ربّما،
يخامره شيء من الحنين، وشيء من الغضب، وبعض ندم مُوارب فات أوانه، والكثير الكثير
من الانكسار، من غير أن يبدو أي مُنفرج، أو كوّة تنقذ الروح من عذاباتها، بيد أن
الوقت المنضوي على دلالات متناقضة هو ذاته الذي يمنح تلك الأرواح البائسة بعضاً من
الهدوء، لتبدأ دورة جديدة، فتسود السكينة ثانية، وثانية يمارس المساجين حياتهم
اليومية الرتيبة في حيّز ضيق كخرم أبره!
كنتَ تتوهّم بأن
المساجين يشكّلون نمطاً واحداً من البشر،
بسبب من وحدة المكان والظروف، لكنك سرعان ما اكتشفتَ خطل ما اعتقدتَ، فلقد
وجدتَ نفسك أمام بشر بالغي التنوع، بل ومتناقضين أيضاً! إذ في تلك المساحة
المحدودة صادفك بخيل مقّتر، راح يتاجر بحصّته التي لا تُذكر من الدخان، وينشئ في
سبيل تجارته تلك شبكة من العلاقات تطال بعض الحرّاس أيضاً! إنّه يأمل في جمع ثروة،
لكنه لم يتفكّر يوماً ما الذي سيفعله بها، وهو مرمّي خلف تلك الأسوار العالية
بصورة مُؤبّدة! ولم يخلُ الأمر من نماذج ترغب في بسط سطوتها على الآخرين بالسبل
كلّها، تماماً كما هو الحال خارج تلك القضبان! أو نماذج تقبل أن تتجسّس على زملائها،
مع أنّها تعرف جيداً بأنّ أولئك الزملاء لم يعد لديهم ما يخسرونه! أمّا أن يصل
الأمر بالبعض في تقليد الحياة خارج ذلك المكان إلى تخوم الشذوذ على سبيل التعويض،
أو توهمّه، بحيث يعاشر سجين سجيناً مثله معاشرة الزوج لزوجته، فإذا بالآخر يتقمّص
بالتدريج صفات مُؤنثة، فتتقصّع مشيته، ويصاب بذلك الخفر الذي يميّز النسوة في حضور
الرجال، يتزيّن، وينتظر أوبة الزوج من الساحة، بعد أن يقوم على تنظيف عشّ الزوجية،
فذاك مثال آخر ـ على غرابته ـ يذهب إلى المدى الذي يمكن أن يصيب الإنسان من تشوّه
روحي في تلك الأمكنة الرهيبة!
لكن زماناً طويلاً قد
انقضى على تلك التجربة اليوم، وعلى مضض أخذت وقائع جديدة تجرفك معها، إذْ هاهي
أسوار المدارس تغيب تحت ملصقات تدعو الناس إلى انتخاب مرشّحيهم لمجلس الشعب، ذلك
أن الحكومة دعت الأحزاب الأخرى إلى الائتلاف في جبهة وطنية، على أن تحتفظ لنفسها
بقيادة تلك الجبهة، فانشغلت الجموع بالاستعداد لخوض المعركة بكلّ قواها، وراحت
الملصقات التي تزيّن لقارئها اختيار "أحمد العمر"، أو "عبد العزيز
الشاري"، أو "خضير السمّاك"، أو آخرين كمرشّحين عنهم، تغطّي أحواش
البيوت، وأبوابها، والواجهات الزجاجية للمقاهي والمتاجر، والأعمدة الأسمنتية
الفاصلة بين المحال، بينما انتشرت اللافتات القماشية الداعية إلى انتخاب هذا
المرشّح أو ذاك!
كان "أحمد العمر" قد التحق بمديرية الأعمال الفنيّة
كعامل قيّاس في فترة مقاربة للفترة التي عملتَ فيها هناك، ثمّ نُدبتما سويّة للعمل
في مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي، وابتداءً بالدورة الانتخابية الأولى؛ لن تمرّ
دورة انتخابية للمجلس، أو للإدارة المحلية، من غير أن يكون مُرشّحاً فيها! كان
"أحمد" شديد الاعتداد بنفسه، لكن الظروف حالت بينه وبين إتمام دراسته،
لذلك فإنّه كان يشعر بأن الحياة قد ظلمته، وأنه أهل لما هو أرفع مكانة، إلا أنه لم
ينجح البتة في هذه، أو في تلك!
أمّا "الشاري" فلم يكن يكتفي بالملصقات، أو الكتابة
على الجدران، بل كان يخوض حملة انتخابية صاخبة على طريقته، فيعتلي ظهر أحدهم،
ويجمع حوله مجموعة صغيرة من المتفرّجين الساخرين أو الأنصار حيث لا فرق، ليقرأ عليهم
ما يشبه برنامجاً انتخابياً، ومن يدري، فقد تأخذه الحماسة، فيهرع ـ عندها ـ إلى
مكبّر للصوت يستعين به، ويتمترس في زاوية المسجد الكبير غبّ صلاة الظهر، حتى إذا
انفضّ المصلّون، أنشأ يدعوهم إلى انتخابه، فيتداخل صوته المبحوح بأصوات الباعة
الجوّالين، والأصوات المنطلقة من أبواق العربات السيّارة في "سيمفونيّة"
ناشزة!
كان "عبد العزيز" ـ أو "عزّوز" كما اشتُهر
عنه ـ رحّالة محباً للسفر، زار بلداناً عديدة اضطرته للغياب عن البلدة فترات
متفاوتة في طولها، وفي إحدى رحلاته عاد مُصاحباً بزوجة أحضرها من الديار المصريّة،
ليبتلي هو الآخر بتلك السوسة ردحاً طويلاً من الزمن، من غير أن يخدمه الحظّ
بالنجاح لمرة واحدة، تماماً كما هو حال "العمر"!
إلا أن "خضير السمّاك" ـ
"العرضحالجي" الشهير، الذي
اتخّذ من "كولبته" مقرّاً، يقود منها حملاته التي غطّت الجدران بكتابة
غير مُتقنة؛ أن انتخبوا مرشّحكم "خضير السّماك" !ـ يظلّ الشخصية الأكثر
طرافة في ذلك العقد الفريد، إذ اجتمعت في شخصه
الروح الشعبية البسيطة والأصيلة؛ في امتزاجها بذلك التكيف المذهل مع قمع
المؤسّسات عبر عقود من الزمن! وعليه فإن "خضيرّ" كان رجل مكر من الطراز
الأول، لكن مكره كان مكشوفاً، جلياً للعين، لا يخلو من بعض لزوجة، وكان في الوقت
ذاته على قدر من الشهامة والطيبة، وهي صفات تقارب بين الشخصية وروح النكتة
والتندّر، ولكنها ـ قطعاً ـ لا تسلك بها الدرب نحو النجاح في الانتخابات!
وإذا كانت الناس قد أخذت أمر "العمر" و
"الشاري" و "السمّاك" على سبيل الهزل، وراحت تلهج به متفكّهة،
إمّا لأن أسماءهم راحت تتكرّر في كلّ دورة،أو لأنهم لم يدخلوا صميم اللعبة عن
طريقها الصحيح، وذلك وفق منطقها الداخلي، فإنها
لم تُلقِ بالموضوع كلّه خلف ظهرها، بل أن البلدة شهدت نشاطاً محموماً،
وانقلبت إلى قفير نحل يمور بالصخب والحركة، ربمّا لأنّ الجميع توهّموا بأن انتقال
أكثر الصلاحيات الإدارية من الوزارات المختصّة إلى مجالس الإدارة المحلية؛ يتيح
للفائزين السيطرة على مراكز القرار في البلدة، فانقلبت تلك الانتخابات إلى صراع
حادّ بين المرشّحين، بما يمثلون من طوائف حذرة وغير منسجمة،صراع سيتجدّد كلّ أربع
سنوات، فتظهر وجـوه، وتختفي أخرى، فيما البلدة تميد تحت الأقدام الراكضة هنــا
وهناك، باحثة لنفسها عـن موطئ قدم! هذا كلّـه وأنـت فـي
ارتكاسـك إلـى الخاص مغرق ما تزال!
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire