استغربت.. من أين ستصلني تلك
الرسالة؟ تناولتها وإذا بها من ليبيا، أختي متزوجة من ابن خالي هناك. كنت قد أرسلت
رسالة لأخي وكتبت له عنواني..
أخي الحبيب...
كم كانت فرحتي عظيمة عندما علمت أنك
في الأردن وأنك قد خرجت من السجن. بالطبع لم أكن أدري أنك مكثت كل هذه المدة هناك،
على أي حال الحمد لله أنك بخير. مرسل لك مبلغ خمسة عشر ديناراً وأريدك أن تبحث عن
أي جامعة تدرس فيها، أعلمني عن كل تحركاتك.
أختك
دليلة الهلالي
قفزت السعادة من عينيّ. اصطدمت بأبي
نادر. فسعد لسعادتي، هاهو ذا الزمن يبتسم. رسالة أمل وفلوس أيضاً. شربت الشاي
ودخنت لفافة ثم خرجت. وأمام الفندق رأيت بعضاً ممن قابلوني بعد صولي إلى عمان
يلعبون الورق.
تذكرت محمود وأفكاره وآماله وآلامه.
كتلة من كل ذلك كان هو. جلست بينهم وبعد لحظات شاركتهم اللعب. المهزوم يشتري لنا
الشاي.. وافقت. بدأت متقدماً حتى الدور الأخير عندما هزموني. دفعت ثمن الشاي. نظرت
إلى ساعتي.. الثانية بعد الظهر. غادرتهم وذهبت إلى مطعم مجاور كنت أرتاده مع محمود
قبل أن ننتقل إلى ذلك المنزل المشؤوم . جلست.
- ماذا ستفعل يامحمود؟! سألته.
- طبعاً سألتحق بقوات الثورة.
- وزوجتك وأولادك؟!
- سأحضرهم عندما تستقر الأمور.
ولم تستقر الأمور. فاجأته رصاصة تعرف
طريقها. استقرت في رأسه وبقيت زوجته وأولاده في خان يونس.
تناولت طعامي ممزوجاً بمرارة الذكرى.
دخنت نصف لفافتي ثم خرجت. أيضاً لا هدف لدي.. لأذهب إلى مكتب المنظمة. قلت لنفسي.
وأن صادفني ذاك الحارس ستكون نهايتنا نحن الأثنين. دخلت وكان هناك. لم أنظر إليه.
تألم. تقدم مني.. صافحني على استحياء..
- ألا زلت ناقماً عليّ؟! قال.
- فقط عاتب عليك.. فأنت رفيق سجن
وماكان يجب أن يصدر منك ماصدر.
حاول أن يتكلم، لكنه حبس كلماته بين
شفتيه في اللحظة الأخيرة. أيقنت أنه كان مدفوعاً من أحدهم، ولم أرد إحراجه فهو رجل
كبير في السن ويبحث عن لقمة عيشه.
كان بعض الرفاق يجلسون في إحدى حجرات
المكتب. أعرفهم.. أحدهم "طلال" كان قد شاركنا ذاك الاجتماع الذي عقدناه
في جباليا عندما فكرنا في تكوين "منظمة الواجب المقدس" صافحتهم بحرارة،
أفسح لي مقعداً بجانبه.
- ماذا تعمل هنا يايوسف؟! سألني.
- لاشيء..
- أليس لك وضع تنظيمي؟!
- بلى.. ولكن في الهواء.
- ألم تحصل على منحة دراسية؟!
- ليس لي واسطة؟!
اتسعت عيناه. جلت بنظرة عليهم
جميعاً، كانت هناك فتاة تشاركني عدم الوسامة اسمها فاطمة. عندما التقت نظراتي
بنظراتها أحسست أنها تستنكر ماقلته.
لكنها كظمت غيظها، حضر أبو الرائد.
دخل مكتبه. لم أعره انتباهاً. تدافعوا إلى المكتب. خرج طلال وقال الحمد لله لقد
تقرر إرسالنا إلى بغداد لإكمال دراستنا.
- وهل أنا معكم؟! سألته..
- لا أدري..
أيقنت أنني خارج البعثة الدراسية. لم
أبتئس، فأبا الرائد هذا لم يرتح لي منذ النظرة الأولى، ولا أدري لماذا. ربما
صراحتي وقلة دبلوماسيتي دفعتاه ألا يطيقني.
- أريد أن أتعلم الإنكليزية. قالت
فاطمة.
- ومن غير يوسف يعلمك إياها.
قال طلال وهويعرف أني درست في كلية
بير زيت.
- حقاً..
- حاولي...
- أو تقبل يايوسف أن تعلمني؟!
سألتني.
- لاباس. قلت...
كان الجواب سريعاً. انطلق بدون أن
أفكر فيه. أعرف أنني لا أستطيع أن أقول "لا" وهي واحدة من سقطاتي
المدوية، وصفت لي مكان منزلها وتواعدنا على أن أزورها الليلة وأبدأ معها الدرس
الأول.
- الساعة الحادية عشرة ليلاً. قلت.
- إنه وقت متأخر . قالت.
- عندي ارتباطات حتى ذاك الوقت.
- لابأس.. قالت..
خرجت من المكتب دون أن أقابل أبا
الرائد. لو كان يريدني لأرسل لي. إنه لا يريد أن أذهب إلى بغداد مع الرفاق لأدرس
هناك. فضلت أن أسير على الأقدام لأصل المنزل. تهت في شوارع عمان. لكني كنت أعرف
طريقي جيداً. تركت قدميّ تسيران كما تريدان. وتركت أفكاري تسافر حيثما تشاء. قالت
ذيبة لأخي.
- خالتك عزمتك على الغذاء. أعط يوسف
قرشاً يشتري فلافل.
من أين جاءها هذا الكرم؟! لكنها تريد
أن تكفر عما فعلته معي هذا اليوم، لقد مزقت قميصي والتم الجيران لأنني جلست على
كرسي كان من المفروض أن لا أجلس عليه حسب رغبة أخي كما قالت هي لي وللجيران. تناول
قرشاً من جيبه وقذف به إلي. رفضته.
- لماذا؟! سأل باستغراب.
هو نادراً مايجود علي بمثل هذه الهبة. لكنه على وفاق مع ذيبة وفوق
ذلك مع نفسه. كما أنه مدعو للغذاء عند خالتي.
- تمزق زوجتي قميصي وتلم الجيران علي
لأنني جلست على كرسيك... ثم تعطونني قرشاً تعويضاً عما حدث!
أسقط في يدها. لم تتوقع أن أبوح بما
لا يباح.
- متى حدث هذا؟! سأل وقد انتفخت
أوداجه.
- هذا الصباح. قلت.
- لماذا فعلت هذا؟! سألها.
- ألم تطلب مني ألا أخرج هذا الكرسي
خارج حجرتك؟! قالت.
- ملعون أبو الكراسي، وملعون أبوك.
أريد أن أرتاح، ولكن مشاكلكم لا تنتهي.
أخذا يتقاذفان بكلمات جارحة. صفعها
بشدة. أخذت تصرخ بحرقة، هربت إلى منزل أخي المتوفى. في المساء حضر ذيب وأخذني
بالقوة إلى المنزل. استسلمت للواقع منتظراً فرصة أخرى لأقتلع القضبان وأنطلق
بعيداً.
وصلت المنزل منهك القوى، متعب
الأفكار، وجدت عاطف يتصفح أحد الكتب. ألقيت عليه التحية واتجهت إلى فراشي. هنا
أرتاح، أوقف الفكر والمعاناة.
أصارع النوم وكثيراً ماأهزمه وأنام،
وقليلاً مايتركني أتقلب على الفراش أقاوم الرغبة والقلق والذكريات الثائرة. تطول
فترة المقاومة هذه لكنها تنتهي بعد أن تتركني جثة هامدة وأنام عميقاً.
- هل ستنام ؟! سألني عاطف.
- وماذاتراني أفعل؟!
- لا تنس! موعدنا مع أبي نادر..
- عليك إيقاظي.
- لابأس.
وضعت رأسي على المخدة ، فضلت أن أنام
على السرير. لحظات ولم أعد أعلم بمايدور حولي.
وفي المساء ذهبنا إلى منزل جارنا
الذي أعد لنا عشاءً فاخراً أكلت كثيراً. كان الرجل كريماً. سعدنا بلقائه زمناً ثم
استأذناه في الخروج.
- أعرف أنكم ناس طيبون.
- نشكرك..
- أوصيكم مرة أخرى أن لا تجاروا
الآخرين وتقوموا بأعمال لاتحمد عقباها.
خرجنا ولا زالت كلماته تسكن عقلي.
لمصلحة من يحدث كل مايحدث؟
عندما اتفقوا على جمع السلاح من
الأفراد، كان هناك اجتماع لنا مع أبي نضال..
قال:
- إذا أحضر مندوب فتح والحكومة لجمع
السلاح اقتلوا مندوب فتح قبل مندوب الحكومة!...
النار المشتعلة تحرق كل شيء! حتى من
أشعلها. نقتل مندوب فتح والحكومة، ومن سيقتلنا بعد ذلك؟ والجاثمين على أرضنا؟! من
يقتلهم؟! تركوا المهمة لنا، وأخذوا يتفرجون علينا..
- ألن تذهب معي إلى المنزل. قال عاطف
عندما رآني انحرف عن الطريق..
- سأزور أصدقائي.
- هل سنتأخر؟!
- لا أدري..
وفي منزل فاطمة وجدت تلك
الممرضة "سها" على عكس
فاطمة..بيضاء البشرة..ناعمة الملامح... ذات صوت شجي.. أخرجت لفافة..أشعلتها نظرت
إلي بجسارة.
- ألا تقدم لي لفافة؟!
خجلت من تصرفي. لكني لم أعرف أنها
تدخن. أشعلت لها لفافة، وكانت فاطمة قد أحضرت فناجين الشاي..
- هل تعلم أنها تقلد صوت فيروز؟!
قالت فاطمة.
- حقاً؟ أسمعينا شيئاً.
- ماذا تريد أن تسمع؟
- أي شيء..
وانطلق صوتها ... ياجبل البعيد خلفك
حبايبنا... بتموج مثل العيد، وهمك...
ألم تختار إلا هذه الأغنية؟ ياجبل
البعيد خلفك غاده.. والجبل بعيد وفوق ذلك من غير المسموح لي بالاقتراب منه. أثارت
النيران تحت الرماد.. غاده.. عبد الكريم.. فاروق... ياللذكرى الهائجة.. خلفك
حبايبنا... بيعدوا.. آه.. عدت إلى ذاتي.. وحيد بين فتاتين.. لم أعد أشعر
بوجودهما..
- أين ذهبت ؟! سألتني فاطمة.
سؤال عبد الكريم الأبدي عندما آتيه
في ذاتي..أين أنت الآن؟! وماذا تفعل؟! طالت جلستنا دون أن أعلمها كلمة.. كان صوت
سها شجياً. وأنا أعشق فيروز والذكرى.. غادرتهم بعد منتصف الليل. تسللت إلى المنزل
ومن دون ضجة استلقيت على الفراش ونمت.
الساعة العاشرة صباحاً. عاطف في
المدرسة. وحيد في المنزل، أحن لهذه الوحدة كثيراً. فنجان القهوة واللفائف وجلسة في
الشرفة تسرق بعضاً من وقتك الطويل.. أراقب خلق الله، كل يبحث عن هدفه.. بعضهم بلا
هدف. وأنا هنا بلا هدف حتى الآن.. كانت ليلة جميلة..سها وصوتها الفيروزي.. تعارفنا
بسرعة. دخنا كثيراً من اللفائف.
- ماذا ستفعل ؟! سألتني.
أحياناً ينهمر المطر بلا مقدمات،
فتبتل ملابسك، ومن ثم جسدك حتى العظم..
- لا أعرف!!
- لماذا لا تدرس في الجماعة؟! قالت..
الجامعة.. إحدى الأمنيات المكبوتة..
ولم لا؟ فأنا أحمل الشهادة الثانوية. هذا هو الهدف.. الجامعة. ارتديت ملابسي وذهبت
إلى مكتب المنظمة. انتظرت مع الآخرون كانت فاطمة هناك. دخل أبو الرائد. دعت فاطمة
كل من له عمل معه للدخول. وبعد أن انتهوا من مقابلته. دخلت أنا. لاحظت تغير
ملامحه: جاداً ومتجهماً كان. لابأس قلت لنفسي فأنا لا أريد منه شيئاً مهماً.
- هل وجدت واسطة لتدخل عندي؟!
فاجأني تذكرت ماحدث بالأمس. تماسكت.
نظرت في عينيه حتى أؤثر فيه أكثر..
- أعرف ماتتكلم عنه.. قلت.
- أما كان من الأفضل ألا تقول ماقلته
بالأمس؟!
- كيف ؟ كل رفاقي ذهبوا في منحة
دراسية إلى بغداد إلا أنا؟!
- وضعهم التنظيمي يختلف عن وضعك.
- وأين وضعي التنظيمي هذا الذي تتكلم
عنه؟!
- وأبو خليل؟!
- من هذا أبو خليل؟!
- مسؤولك التنظيمي.
- إنني معلق في الهواء يارفيق أبو
رائد. فلم أقابل أبا خليل هذا مطلقاً. دائماً إما مشغول أو نائم!..
- أن تكون معلقاً في الهواء أفضل من
أن تكون على الأرض! ليتني معلق في الهواء مثلك.
أيها الثعلب .. تتلاعب بالكلمات..
تدخلني في موضوعات لا أهمية لها، وتترك المهم. الأستاذ خاطر كان يقوم بدور مماثل.
خرجت.. جلست بين الرفاق أسترد أنفاسي
وأدخن لفافة بعد تلك المقابلة..
- رفيق يوسف. قالت فاطمة..
نظرت إليها..
- أبو الرائد يريدك..
دخلت. تبدلت ملامحه.. أصبح مبتسماً..
- ماذا تريد؟!
- كنت أريد شهادة من المنظمة تثبت
أنني مبعد أذهب بها إلى سوريا علني أدخل الجامعة..
- لابأس..
خرجت مرة أخرى. وبعد لحظات أحضرت لي
فاطمة الورقة.
تشهد منظمة التحريرالفلسطينية أن
السيد يوسف بن يوسف الهلالي كان معتقلاً في سجون العدو مدة ثمانية عشر شهراً. وقد
تم إبعاده إلى الأردن عن طريق غور الصافي. وبناء على رغبته أعطيت له هذه الشهادة.
هذا كل ما أريده منكم، سأتدبر أمري
وأحقق تلك الأمنية التي سكنتني طويلاً. وددت أن أضحي بها من أجل العمل معكم، لكن..
آه.. هذه اللكن المرة.
vvv
تشظى الزمن. ظننته توقف. اندفع
الهلالي الكبير. وقد تضاءل وانكمش. في اندفاعه حطم باب الحجرة. لم أعد أراه كما
رأيته أول مرة. انبعث بريق مخيف من عينيه. تجاهلني وألقى بنفسه عليها. طوقها
بذراعيه. سعدى حبه الصافي وملاذه الآمن. لم يصدق أنها ستتوارى! ستعود مرة أخرى
وسيستلقي في ظلالها. احترمت ذهوله ولوعته. كانت حرقتي وانشداهي أكثر. ستتركنا.
دخلت دليلة باكية. لمن تتركينا يا أمي. أبكت من في الحجرة. حتى والدتي دفعت بدمعة
حارة من عينيها.
أصابتنا جميعاً. كيف حدث ماحدث؟
انهار الرجل العظيم، انتخب صارخاً: سعدى، الحروف التي اندثرت. الضوء الذي خفت.
مالهذه الأيام السوداء لا تفرز إلا مرارة وسواداً؟! الأرض التي أحرقت قدميّ وسعدى
التي عالجتها تتبخران في الهواء. يالنكد الدنيا! سعدى، عودي إلي! وماذا أفعل
أنا؟ ملقى بجانبها مهملاً.
يعتبرونني القاتل، وأنا القتيل،
صفعات الزمن المتلاحقة تستلقي على وجه أيامنا. أنا وهو ودليلة. عصارة الحزن
الصافي. ألم السنين الموحشة. سعدى مضت. حريق في القلب يلتهم كل الأحاسيس. دخل ذيب
تتبعه ذيبه. قالت لي زوجة أخي الآخر أن ذيب لم يكن على وفاق مع والدتي رغم دلالها
الزائد له. كان يبكي بحرقة وهكذا فعلت ذيبه. لا شماتة في الموت. لمن تتركيننا
ياسعدى؟ دليلة والهلالي الكبير وأنا. كانت خالتي تبكي بصمت. أما سكيبه فقد تدافعت
يداها في محاولة فاشلة لاستردادها. الموت! هذا الغامض المتربع على عرش حياتنا.
يختار ضحاياه بعناية. لم تشفع لها كل دعواتنا.
سعدى في رحاب الله.
تناولتني خالتي من بين الجميع. رفضت
ذيبه أن تجيرني. التجأت إلى زوجة أخي الآخر. وعندما تم مواراتها في مكان أجهله.
استأثر بي ذيب. أصرّ على أن يجيرني. تملصت منه في محاولة لأن التجئ إلى أخي الآخر.
رفض ذيب بشدّة.
عرفت فيما بعد سبب هذا الإصرار: يريد
أن يستأثر بما تجود به علينا وكالة غوث اللاجئين من أغذية كل شهر.
تدثر الهلالي الكبير بالحزن
والحرمان. أيام مضت ثم أرّقه شبقه ووحدته وحرمانه. تزوج بعد وفاة سعدى بأشهر
قليلة. لم يجد عند زوجته الجديدة ماكان يجده عند سعدى. الحب، الحنان، المرفأ
الآمن، الوفاء، القناعة، وفوق ذلك كله الاستقامة. أمضى شهوراً قلقة بعد زواجه. ثم
مات حسرة على سعادة اندثرت مع سعدى. ماسرّ هذه الحياة؟ تتوالى النكبات وماعلينا
إلا الانبطاح تحت وقع ضرباتها. وحيد في صحراء الحياة المترامية. حدثتك عن تلك
الصفعة الهائلة التي ألقتها ذيبه على صفحة وجهي.
- متى؟ سألته.
- هل نسيت؟ سألني.
- صهرتني مرارة أيامك! قلت.
-وهل في مقدور هذه الكلمات أن تصور
طعم تلك المرارة؟ تستعصي علي اللغة، هذه المخلوقة العجيبة! أروع مافيها أنها لا
تموت. بل تتجدد.. أجب بصراحتك المعهودة، هل نجحت في تصوير مالا يصور؟!
- أصدقك القول أنني تداخلت وصورك.
أحياناً أشعر بمرارة أيامك.
- أحياناً؟! قال باستنكار..
- أقصد معظم الأحيان. وفي بعض
الأحيان تسلبني من ذاتي بروعة تصويرك للأشياء.
- لم تجب..
- وماذا أقول؟ أترك ذلك للآخرين، أما
أنا فسأشاركك حديثك.
اخترت زاويتي في أحشائها بمحض
إرادتي، سعدت هي لاختياري. وبعد أن غادرتها أو الأدق غادرتني، اختارت ذيبه زاويتي.
منبوذ. كلمة صعبة، لكنها تصور حالي بعدما غادرتني. مهمل. ربما قضيت أيامي في تلك
الزاوية. كنت أظن أن هذه الرائحة الكريهة تنبعث من مكان بعيد، صعقت عندما عرفت
أنني مصدرها. زارتني زوجة أخي الآخر، استدعيتها سراً.
- عساك بخير؟!
سألتني بشفقة لا تخفى عن العين.
- من أين يأتي الخبر ؟ أجبتها.
- ما الذي يزعجك؟
- أريد أن أستحم!
- فلتفعل!!
نظرت لها نظرة عاتبة. فهمتني. حملتني
في سلة قديمة وخرجت بي من المنزل، وعندما رآها ذيب، نهرها أن تتركني. لابد وأن يرى
الطبيب. قالت. وأين هو هذا الطبيب الذي سيراه؟ قال. دعها تأخذه. قالت ذيبه. لم
يتكلم. ذهبنا معاً إلى منزلها. وهناك استعدت ذاتي التي تسربت مني عبر رائحتي
النتنة التي كانت تتسرب مني، إني جائع يازوجة أخي الرائعة.
تناولت الغذاء في ذلك المطعم الذي
اعتدت أن أرتاده ومحمود النجار. أهي مصادقة أن أجد تلك الطاولة خالية من رواد
المطعم؟! جلست في مقعدي الذي اعتدت أن أجلس عليه. تذكرته! إنه لا ينسى. خرجت
مسرعاً إلى المنزل. وعلى الباب وجدت ورقة مكتوب فيها "حضرت ولم أجدك أرجو
الحضور إلى منزلي اليوم مساءً. أبو الهيثم، أقفلت زاوية التفكير فيه وفي الرسالة.
فتحت باب أحلام اليقظة.. الجامعة.. كلية الطب.. وأن كان من الصعب تحقيق ذلك فكلية
الهندسة.
هندسة الطيران. المطار والطائرات
والسروال القصير والعمل الجاد. فأنت مسؤول عن أرواح مئات بل آلاف من البشر. سماعة
الطبيب المدلاة على صدرك وذاك المريول الأبيض. والوطن.. أو اشتريه؟! عجبت لهذه
الكلمة.. الوطن! بقعة من الأرض ومنزل.. لا.. لا ليس هذا هو الوطن.. ماهو إذن؟! ذاك
الرباط السحري بقطعة الأرض التي أنت على استعداد لأن تنساب دماؤك في سبيل الدفاع
عنها.
أهذا هو الوطن؟! ولماذا حدث ماحدث؟!
لقد سالت الدماء وضاع الوطن. عندما أمرك الجندي ورفاقك أن لا تلتفتوا للخلف، كنت
سعيداً.. نعم كنت كذلك.. ظننت أنها فترة مؤقتة بعدها نعود.. "صيغة الجمع.. من
نحن؟! لا بأس.. "إليه.. كما كان يعتقد والدك الهلالي الكبير وآلاف مثله..
أو ستقضي حياتك تنتظر تلك اللحظة!! آه اللحظة وغاده كانت لحظات تكون جزءاً من
حياتي. نسيتها لا.. لن أنساها.. هي في مقلة العين.. أظنها تتذكرني كلما سارت في
ذلك الشارع الطويل!! من يعلم.. إنها الوطن.. تلك الروابط السحرية التي تربطني بها
هي مايربطني بالوطن.. والوطن نحبه كما يقولون.. ستعود طبيباً أو مهندساً، وستبني
ذاك البيت الذي حلمت به كثيراً.. لم أنتبه لوصول عاطف من المدرسة، فتح الباب ودخل
كسراب الصحراء.
- مرحباً.. قال.
فاجأتني في خلوتي. أيقظتني من
أحلامي..
- أهلاً بعاطف..
- ألم تخرج؟!
- بلى .. لقد خرجت وذهبت إلى صاحبك..
- من هذا الصاحب؟!
- أبو الرائد..
- تشاجرتم..
- ليس تماماً..
- إذن ماذا؟!
- طلبت منه شهادة من منظمة التحرير
تثبت أنني مبعد..
- وهل حصلت عليها؟
- نعم..
- ماذا ستفعل بها؟!
- سأذهب إلى دمشق وأحاول دخول
الجامعة..
- خطوة جيدة..
أعلم أنه يتناول طعامك الغذاء خارج
المنزل، هذا اليوم لم يفعل. بدأ يعد طعامه. ساعدته. وعندما انتهى تناول غذاءه وحده
وذهبت لأنام.
في المساء خرجت. مخيم الوحدات هو
وجهتي. لماذا أسموه جمهورية الوحدات؟! لا أدري، لكني كرهت تلك التسمية. مخيم
الوحدات يحمل تلك المعاني التي نقاتل من أجلها. لكنهم مصممون على استثارتهم، ولقد
نجحوا. وصلت ولم تخن ذاكرتي في الوصول إلى منزل أبي الهيثم. طرقت الباب.
- أهلاً يوسف. قال مرحباً.
- أهلاً بك..
- هل وجدت الرسالة؟! سألني..
- نعم وها أنذا تحت أمرك.
- كل مافي الأمر أنني تسلمت رسالة من
ابن خالك في السعودية.
- وكيف عرف أنني هنا..
- يبدو أن خالك أرسل له..
تناولت الرسالة. كانت لا تزال مغلقة.
أعجبني تصرفه. فتحتها وقرأت ماأسعدني..
عزيزي يوسف.
اليوم علمت من والدي أنك في الأردن
بعد أن قضيت مدة طويلة في السجن. أعرف أنك ممتاز في الدراسة. وعليه فإنني مستعد
لأن أرسل لك مبلغاً شهرياً إذا دخلت أية جامعة.
تمنياتي لك بالتوفيق
المخلص
ابن خالك
محمد النزيه
سعدت بالرسالة، أتت في وقتها. سلمتها
لأبي الهيثم ليقرأها، انفرجت أساريره. قدمها لزوجته التي ابتسمت قائلة.
- هذه فرصة أتتك من السماء . لا
تتردد يايوسف.
- أنا فعلاً سأسافر إلى دمشق خلال
يومين.
- لماذا لم تخبرني؟!
- كنت سأزورك هذا اليوم وأقول لك..
كانت زوجته قد أعدت العشاء. هو يحب
اللحوم، فكان عشاءً فاخراً. دخنا بعده عدة لفائف مع فنجانين من القهوة والشاي.
- مايدور يا أبا الهيثم في عمان شيء
خطير.
- ألا تعلم إنني اعتقلت لأنني
اعترضت؟!
- أوليس هناك فسحة من الوقت نعيد
فيها التفكير فيما نقوم به هنا؟!
- لا أظن ذلك. لا يتركون لنا فرصة.
كثيرون الذين يتربصون بنا ويتصيدون أخطاءنا.
يتربصون بنا ويتصيدون أخطاءنا.. ثم
ماذا؟! أما من رجل ذي بصيرة يرى المستقبل ويقرؤه؟! ويجنبنا الكارثة. أبو الهيثم،
بعد اعتقاله سار مع التيار. دمشق هي الهدف! قادم أنا.. لا أستطيع أن أعيش وسط
الماء الآسن! الرحيل الرحيل.. غادرتهم وذهبت إلى منزل فاطمة استعداداً لدرس اللغة.
لم أجد سها هناك. خذلتني مشاعري، فعرفت فاطمة مايدور في رأسي.
- ستحضر.. قالت.
تغابيت. أحياناً ينقذ الغباء صاحبه.
- من؟! قلت.
- ألم تتوقعها هنا؟!
- من؟!
- لا تتغابى!
- آه .. سها..
- نعم يايوسف سها. سأعد فنجان قهوة
وقبل أن أنتهي منه ستحضر.
وهذا ماحدث. حضرت. بدأت تثرثر
كثيراً، دخنا وشربنا القهوة، وبدأت تغني. غنت كثيراً لكنها لم تغن تلك الأغنية
الجميلة. طلبت منها ذلك. غنتها، ياجبل البعيد خلفك حبايبنا.. بتموج مثل.. وسرحت
خلف الجبل.. التقيتها.. غاده.. احتضنتها.. طرت بها إلى آفاق بعيدة. منزل ريفي
أمامه شجرة خروب وشجرة تفاح وأخرى برتقال. حوض من الزهور أمام المدخل. خرجنا معاً
في مساء يوم شتوي. أعشق المطر.. يتساقط.. يتساقط
برشاقة. بعد لحظات يتوقف. الغيوم تملئ السماء، وغيمتي الهادئة تتهادى على
الوجه ناعم القسمات، غاده بجانبي.. تسربت داخلي وتسربت داخلها، نستمتع برائحة
الأرض المبللة بماء المطر. برودة الطقس تدور بأرواحنا بعيداً بعيداً في فضاء بلا
نهاية. تسلبنا إحساسنا بما حولنا. اقتربنا من شجرة البرتقال. جاورناها. امتدت يدي
تقطف إحدى البرتقالات المبللة بماء المطر. قطفت واحدة أخرى. عدنا إلى مدخل المنزل.
قطفت وردة حمراء فاقعاً لونها. رائحتها الزكية تسللت إلى رئتينا. اقتربت من الغيمة
المسكونة بالأسرار.
قابلتني. وضعت يدي على كتفيها، لم
أتكلم. سبحت في بحر عينيها. ياللجمال الهادئ. يضاهي جمال الطبيعة الشتوية. فكرت
لنفسي. لامست يداي وجنتيها.
هادئة كملامحها. تحركت يداها. احتضنت
يداي. اقتربت مني. اقتربت منها. تاهت في أعماقي. تهت في عطرها القادم من
غيمتها.
- غاده!
- لا توقظني..
- ظننت أنني أنا الذي فقد إحساسه
بالزمن والحياة.
- لا توقظني!
- ومن يجرؤ على ذلك؟!
- لا توقظني!
- أرافقك.. أستظل بغيمتك.. أسبح في
سحر عينيك.. أنت أيامي..
- أنت كل شيء في حياتي..
ومضت الأيام.. وفي الشتاء التالي،
خرجنا من المنزل.. أوس خلفنا. "عد إلى الداخل". همست له.. لم يلتفت
لها.. تابعنا تجوالنا.. زهرة أيامنا.. ذهبنا إلى شجرة البرتقال، قطعنا برتقاليتين..
قدمت لها وردة.. قطف أوس وردتين، قدم الأولى لغاده والثانية أهداها لي..
لا زلت مستلقياً على السرير. مبهوراً
بحلمي وبحياتي. ما أعذبه. ما أعذبها. والوطن؟! هو غاده وأوس، تلك الروابط الخفية،
الوطن الفكرة التائهة. ندور حولها، نحاول التقاطها. خلف الجبل، كما تقول فيروز.
والأيام تسقيك علقمها وأنت خلف الجبل. من
أين أتى هذا الوباء؟! عالجه!! وأنت خلف الجبل؟! ومشاكل مخيم جرش!! من يحلها؟!
أتركهم يفعلون دخنت لفافة تبغ. لفني دخانها. غرست الأفكار في رأسي. غاده وأوس
وشجرة البرتقال والشتاء والبيت الريفي. نهضت. هل حقاً ذهبت إلى السينما؟! سألني
ذيب. لم أجب. دلقت كل مافي جيبي من نقود بين يديه. كان في لباس ذئب ولم يكن في
مقدوري إلا أن أفعل مافعلت.
بدأ يومي. لحظة لا أحس بها. لحظاتي
كانت هناك خلف الجبل. فنجان القهوة واللفافة. هذه اللفائف اللعينة، لا أستطيع
تركها. تنغرس بي شفتي بتلقائية عجيبة. إلى أين ستذهب؟ لأتجول في شوارع المدينة.
عمان.. هذه المدينة الحزينة.. تائهة
هي أيضاً.. جامع الحسين.. سوق اليمنيه.. هكذا يسمونه.. اشتريت معطفاً ثقيلاً.
الشتاء في عمان قارص.. تابعت سيري بلا هدف.. أتصفح وجوه الناس والدكاكين.. كل شيء
هادئ.. ومن بعيد أتاني صوت الرصاص.. لم أبال.. والماره تجاهلوه.. جزء من حياتنا
هذا الرصاص.. والذين خلف الجبل؟
- يوسف..
صحوت على من يناديني... نظرت إلى
السماء.. غيوم كثيرة تتجول في هذا الفضاء اللامتناهي.. هل عادت من اللامكان
لتصحبني؟! وددت لو تشاركني تلك القطعة التي اشتريتها بكنز ذيبه.
- يوسف..
صوت قادم من الأرض.. تجاهلت الغيوم..
التفت إلى مصدر الصوت.. رأيته أحمد السلفيتي رفيق سجن هادئ.. عضو حزب العمل .. أي
حزب هذا؟! جاد وذكي.. مثقف.. رافقته شهوراً عدة
في سجن نابلس. تعاطفت معه ليلة أن صحونا على صراخ شاب لعوب بدأ يضربه بشدة
مدعياً أن أحمد حاول اغتصابه. لا يمكن أن يعملها. قال الرفاق، وأنا أعتقد ذلك، بدأ
يميل إلي ويحدثني عن حزبه صارم الانضباط. اتجهت نحوه.. أخذني بالأحضان..
- أين أنت يارجل؟! سألني..
- في دنيا الله الواسعة..
- متى خرجت؟
- في السابع عشر من أيلول.
أخذني إلى مقهى نسيت اسمه.. طلب لنا
فنجانين من القهوة. قدمت له لفافة. اعتذر. لا يدخن قال. وتحدثنا كثيراً. ثم دعاني
إلى الغذاء في منزله. ذهبنا معاً.
- ماذا تعمل الآن يايوسف؟!
- لا شيء..
- وماهي خططك للمستقبل؟!
- حاولت أن أكون مقاتلاً ولكن..
- هذه اللكنة اللعينة.
- ولكني فضلت الذهاب إلى سوريا،
سأحاول دخول الجامعة هناك، فأنا لا يمكن أن أشارك في هذا العبث الدائر هنا.
- حسناً فعلت؟؟
وطال حديثنا عن السجن وأيامه. السجن
أكثر أمناً من هذا المكان. قلت لنفسي. وظني أن هذا هو رأيه. ثم أعطاني اسم مسؤول
لحزب العمال في دمشق وأوصاني أن أزوره وأقارن بنفسي طريقة العمل. أعطاني رقم
هاتفه. كما أنه طلب مني أن أحضر له كتاب النظام الداخلي لحزب العمل. وعدّته بأنني
سأزور الرجل وأحضر الكتاب. استأذنته وانصرفت. شوارع عمان ضيقة. تضيق بالناس وتكتم
أنفاسهم. أحببتها. أشعر بوحدتي وسطهم. تابعت سيري بلا هدى حتى اشتكت قدماي. ذهبت
إلى المنزل. الساعة الثانية مساءً. عاطف يتناول طعام عشائه. تركت جسدي يتهالك على
مقعد في الشرفة أحضر عاطف كأسين من الشاي. مع لفائفنا ورشفات الشاي والصمت قضينا
وقتاً طويلاً.
- سأذهب غداً إلى دمشق.. قلت.
- قرار لا رجعة عنه!
- لا رجعة عنه. قلت.
- ليكن التوفيق حليفك..
- أشكرك..
- هل ستعود ثانية؟!
- الأيام هي التي ستقرر..
- كيف؟!
- إذا وفقت ودخلت الجامعة فلن أعود..
وإلا ستجدني أمامك..
- سأبقى في هذا المنزل حتى أسمع
أخبارك..
وفي صباح اليوم الثاني وضعت ملابسي
في حقيبة وحملت معطفاً على يدي وغادرت المنزل. كان عاطف قد ذهب إلى المدرسة. ترك
لي ورقة مكتوب فيها بعض عبارات الوداع الجميلة. كتبت له عليها.: "أطلب من
الله أن يوفقك. إلى اللقاء أيها
الصديق".. أقفلت الباب واحتفظت بالمفتاح معي. الساعة العاشرة والنصف صباحاً.
لا بأس إن ذهبت إلى فاطمة أودعها فعلت.
- صباح الخير. قالت.
- تفضل..
- دخلت منزلها. كانت قد أعدت الشاي
لنفسها فشاركتها.. دخنت لفافتين.. حضرت سها..
- أهلاً يوسف.. صاحت عندما رأتني.
- أهلاً سها..
- أرى حقيبتك منتفخة بالملابس.
- سأذهب إلى دمشق..
- حقاً..
- حقاً..
رافقتني حتى السيارات الذاهبة إلى
دمشق. ألقت بيدها بين يدي. اقتربت مني. استنشقت رائحة عطرها.. لا تضاهي رائحة عطر
غاده.. فكرت. اقتربت مني حتى أحسست للحظة
أنها ستقبلني.. ابتعدت قليلاً. انتهبت إلى أن الناس حولنا يرمقوننا بأعينهم..
- ليوفقك الله.. قالت ثم غادرتني..
وضعت حقيبتي في السيارة.. جلست في
المقعد الأمامي بجوار السائق. المقعد الخلفي كان قد امتلأ بالركاب. جاورتني امرأة
في مقتبل العمر. صاح السائق..
- أبو جاسر، نحن مستعدون وسننطلق..
- رافقتكم السلام.
الساعة العاشرة صباحاً. سجن غزة
العسكري. نرتب الأغطية ونبدأ في تنظيف
الحجرات بالماء والصابون، بعض المساجين ينظفون الممر أمام حجرات السجن. صاح عسكري
في مكبر الصوت.. كل من يسمع اسمه يحزم أغطيته ويستعد للنزول إلى ساحة السجن. أسماء
كثيرة تناقلتها أجهزة التكبير بينها اسمي.. يوسف بن يوسف الهلالي.. حملت أغطيتي، وبدأ
قلبي ينبض بسرعة. أمسكت به. لم يلتفت لي. صحت به أن أهدأ. لم يأبه بي مرة أخرى.
تجاهلني. وهكذا فعلت أنا. أومن
الممكن أن يطلقوا سراحي؟! لم يوجهوا لي أي تهمة حتى الآن. ولم لا؟! فاروق وعبد
الكريم لم يمكثا في السجن سوى أيام معدودة. لكني لم أتكلم عنهم كلمة واحدة. حتى
أنهم لم يستجوبوهم. أما أنت فاعترف عليك خليل أبو خديجه. وعرفت بعدها أنه مسؤول
الجناح العسكري للمنظمة.. "تشجع".. قال أحد رفاق السجن. ربما إفراج.
وربما نقل إلى سجن آخر.. دارت أفكاري ودارت بي الدنيا.. حدسي أنها الثانية.. سرت
مع الآخرين.
وصلنا إلى ساحة السجن. سلمنا
أغطيتنا. اصطفننا أمام جدار طويل.. "وجهك للجدار".
صاح أحد الجنود.. امتثلنا للأمر..
أوثقوا قيودنا. كل سجينين ربطا معاً. ثم أدخلونا سيارة السجن السوداء. غموا أعيننا
برباطة سوداء. تحركت السيارة.. محشورين فيها كخراف العيد. باب حديد يفصل بيننا وبين
حارسين بأسلحتهم. سارت السيارة بسرعة معقولة. أحسست طريق غزة بيت حانون. نحن على
مشارف القرية.
توقفت السيارة للحظات. لابد وأننا في
حاجز أيرز. تلك النقطة الفاصلة بين الذي استولوا عليه سابقاً وماضموه لاحقاً.
تحركت السيارة.. كم مضى من الوقت؟! لا أدري!! ولماذا أسأل؟ أخيراً أبطأت. دخلت
سجناً جديداً. نزلنا ونحن نجر قيود أقدامنا وأيدينا..
- رأسك في الأرض ياكلب.. وألقى بيده
على رقبة أحدنا..
نزلت رؤوسنا فوق صدورنا. ركلني أحدهم
بقدمه. ضرب جندي آخر سجيناً بعصا غليظة. ثم تهافتت علينا الركلات والشتائم..
"أنت في سجن عسقلان يا كلب.."..
سرنا في طابور.. لازالت رؤوسنا
مدلالة على صدورنا.. عندما وصلت..
- اسمك..؟!...
- يوسف..
اصطدمت يد غليظة بوجهي..
- كل كلمة هنا تتبعها بكلمة
"سيدي" فاهم ياحمار..
- نعم..
- وهوت اليد على وجهي مرة أخرى..
- نعم سيدي..
تعوم في بحر الإذلال... لا قدرة لديك
على الخروج.. كثر هم الذين سبحوا ولا يزالون في هذا البحر.. وإلا مامعنى مايحدث
الآن؟! ليس هنا.. ولكن في كل مكان..
استلمت أغطيتي.. وقادنا عسكري إلى
إحدى حجرات سجن عسقلان. كانت حجرة نظيفة تحتوي على حمام نظيف أيضاً. وضعت أغطيتي
في مكان ما. قال لي "شاويش" الحجرة وهو سجين قديم يختاره السجناء لقدمه
وأخلاقه..
- ضع أغطيتك هنا..
- ولماذا ليس هنا؟! سألت..
- أرجو أن تضعها هنا..
فعلت. بعدها بلحظات صاح الشرطي
"فسحة" خرجنا. درنا في ساحة السجن مدة نصف ساعة، ألقى علينا الشاويش
"خنجر" تعليماته أثناء دوراتنا.
- يديك خلف ظهرك. رأسك في الأرض. لا
تتكلم مع أحد.
وهكذا كان.. عدنا إلى حجرة السجن..
كانت أغطيتنا متناثرة في كل الأنحاء.. "طبل" شرطي الحراسة في طابقنا
نثرها.. قال إنها غير مرتبة جيداً.. "يا سبحان الله.. يعلموننا
الترتيب"..
- ماذا تحوي حقيبتك؟!
سألني الجندي ونحن في نقطة العبور
إلى سوريا.
- ملابس..
- فقط..
- فقط.. قلت.. وإذ بي أسمع أسمي..
- يوسف الهلالي.. يوسف بن يوسف
الهلالي.. انتهبت.. رفعت رأسي.. فاجأني السائق..
- هل أوراقك صحيحة؟!
- أظن ذلك..
- إذن لا تخف..
- دخلت حجرة فيها رجل بملابس مرتبة..
دققت النظر في وجهه. إنه كذلك.. قلت لنفسي. متجهم .. الابتسامة بعيدة عن شفتيه
بعدنا عن عمان.
- اسمك؟! سألني..
ومن الذي صرخ به؟!
- يوسف بن يوسف الهلالي..
- والدتك؟.
- سعدى عبد الرحمن..
- إلى أين ذاهب؟!
- إلى دمشق..
- ماذا ستفعل هناك؟!
- سأحاول دخول الجامعة.
- من توسط لك؟!
وبدون تردد قلت "الله" نظر
إلي طويلاً. قرأني.
- رافقتك السلام. قال.
الحمد لله. نجوت.. وممن أخاف؟ ذاك
الجندي عند معبر أيرز قال لي "لماذا لا تدرس في الخارج؟" وعندما أجبته
كيف قال خارج الكلية.. إذن أنت تدرس في الخارج.. ولم يفتح حقائبنا.. غادرت الحجرة،
وأنا راض عن نفسي، قلما رضيت عنها.. عندما صرخت في أبي الرائد بأن هناك واسطة..
هنأت نفسي على جرأتها. ندمت. انهلت بسياط التقريع على تلك النفس المندفعة. لو كنت
توددت إليه. ربما حصلت على منحة دراسية.
سأكون مديناً له مدى عمري.. ذهبت إلى السيارة. كان السائق قد التقط حقيبتي ووضعها
في الداخل. وعندما رآني تهللت أساريره.. دسست نفسي بجانبه. جاورتني تلك المرأة
الغامضة والصامتة. وانطلقنا إلى نقطة الحدود
الأخرى على الجانب الآخر.
- كم الساعة الآن؟ سألت المرأة..
- الواحدة بعد الظهر.
- ساعتان قضيناهما في النقطة الأولى.
قالت.
لقد نطقت. قلت لنفسي.
- لن نمضي وقتاً طويلاً في الثانية.
قال السائق.
وعندما وصلنا، طلب من السائق جوازات
السفر ليقوم هو بالمهمة الثقيلة عنا.
عندما سلمته بطاقتي. قال.
- أين جواز سفرك؟!
- لا أملك؟
- وهل مسموح لك الدخول بهذه البطاقة؟
- نظر إليها طويلاً.. قرآها..
إبراهيم حمدي كان الاسم، والمهنة.. مبعد من الأرض المحتلة..
- متى أبعدوك؟!
- منذ ستة أشهر.
انطلق بما يحمله إلى مبنى قديم.
نزلنا من السيارة وجلسنا تحت شجرة ظليلة.. غادرنا رفاق السفر الثلاثة.. بقيت أنا
والمرأة الغامضة معاً.. ثالثنا كان الصمت.. لحظات.. وذهبت إلى مقهى بالقرب من مبنى
الجوازات. اشتريت شراباً وبعض الأطعمة للمرأة ولي..
- ماكان يجب أن تشغل بالك بمثل هذه الأشياء. قالت.
- شيء بسيط.. قلت..
ترددت لحظات، ثم قبلت ماقدمته لها.
بدأنا نأكل والصمت معنا.
في مطعم كلية بير زيت كانت
المسؤولةعن الطعام تصرّ على أن يجلس كان طالب بجانب طالبة. يومها وللمرة الأولى
جاورت غادة خارج الفصل. استرقت بعض النظرات إلى وجهها فصحت في سري "سبحان
الواهب القهار.. كل هذا الجمال.. وجه ملائكي.." أطلقت على شعرها فاحم السواد
لقب "الغيمة المثقلة ببخار الماء.." وكانت رائحة العطر المنطلقة منها قد
امتزجت وأفكاري التائهة.
- ماهذا الطعام؟! سألت وأنا أحاول أن
أتذوق أوراق الملوخية المطبوخة. لم أعتد أن أتناولها على هذه الصورة.
- إنها ملوخية. انطلقت منها نغمات
كمان هادئ.
- أعرف ولكن لم أعتدها بهذه الصورة..
قلت.
- تريدها مخروطة.
- أنت تعرفين أنني فلاح وصعب أن أغير
عادتي.
بسمة ساحرة ارتسمت على شفتيها تساقط
الندى على وجنتيها، ارتعشت وردتاها، فتهت في سحر الجمال والرقة.
- تعود عليها أيها الفلاح.
قالت: ومازالت البسمة الساحرة تتراقص على شفتيها الورديتين.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتعود على أشياء
جديدة.. غاده.. من كلمة متوحش.. بداية التعارف إلى فلاح في طريقه إلى غيمتها التي
تواظب على إروائها بالندى ذي الرائحة الزكية.
قال عبد الكريم:
- لاحظتك وأنت جالس بجانبها... كانت
ألوان الطيف تتابع على وجهك لون بعد آخر. قلت لنفسي ترك يوسف ذاته فتاهت منه..
حاول أن يلتقطها ففشل مرات.
قالت المرأة الصامتة:
- من أين أنت؟!
- من غزة..
صمتت للحظات.. شردت نظراتها.. أيقنت
أن رديف ابن غزة هو المشاغب وصانع المشاكل.. آثرت الصمت عن أن أدفع صفة لم
أظهرها..
- فدائي ؟! سألتني..
- حاولت أن أكون..
- ماذا تعني؟
- لم أستطع أن أتعايش ومايدور هناك..
- دعت الصمت يشاركنا جلستنا مرة
أخرى.. رحبت به.. كما الغباء، فالصمت كثيراً ماينقذ داعيه من مواقف لا يحبها.
- قتل زوجي في إحدى المعارك.
قالت والمرارة تتقافز ليس من عينيها
فقط ولكن من كل أجزاء جسدها.
- إنه شهيد. قلت مواسياً.
- لا أعرف إن كان كذلك؟!
شدهت..
- ماذا تعنين؟!
- لم يفقد حياته وهو يقاتل العدو..
يا للمرارة ليس شهيداً وماذا يكون في
قتال بين الأخوة قتل لم تستعمل كلمة شهيد وقتل كثيرون في موقعة الجمل وعلي حارب
معاوية أو معاوية حارب علي ونبينا العظيم قال من قتل مسلماً فهو في النار لمن تتسع
هذه النار لا أعرف إن كان شهيداً وماذا يكون إذا لم يكن كذلك وأبو الفحم هو شهيد
لقد قاتل العدو وماذا عن محمود النجار قتل بعد شهور من إبعاده قتل أم استشهد قتل
أم استشهد هذا هو السؤال نعم وأنا أكره أن أعيش وسط الماء الآسن هذه هي الشهادة
التي طلبتها قال أبو الرائد يقال أن الدولارات تملأ منزله أنه ثائر والثائر لا يجب
أن يجوع وأن قتل برصاصة طائشة أهو شهيد تمنيت أن ينفجر لغم أسفل المجنزرة التي
ألقاني فيها الجنود في الوضع منبطحاً على بطني ولم يحدث وماذا لوحدث أكنت شهيداً..
- كرهت ذاك القتال العدمي. قالت.
أفقت على صوتها والألم يصبغه.. وأنا
كرهت هذه العدمية..
- متى حدث ذلك؟! سألت؟
- أيهما الكراهية أم حادثة القتل؟!
- الأخيرة..
- منذ شهرين.
في الوقت الذي غادرنا فيه محمود..
ومحمود يصرّ على أن يرافقني، وأنا أرغب في هذه الرفقة.. صاحب أخلاق ومبادئ، لكنه
لم يقتل وهو يقاتل العدو..
- رحمه الله..
- فليرحمنا جميعاً..
استقبلنا الصمت.. إنه ضيف خفيف
الظل.. أخرجت لفافة. ترددت في أن أقدم لها واحدة. قررت. قدمتها لها. قبلتها.
وأخذنا ندخن..
- هو من علمني التدخين..
- ليرحمه الله..
- كنت قد تخرجت من الجامعة عندما
قابلته للمرة الأولى..
- هل عندك أولاد؟
- لم يرزقنا الله بهم.
صحونا من إغفاءتنا على صوت السائق
يصرخ أن هيا سننطلق.. لقد أنجز كل شيء ولم يستغرق العمل وقتاً طويلاً، ربما كان
طويلاً ولم نشعر به حيث كنا مستغرقين في مناجاة مايحدث. ساعدتها على النهوض.
احتوتنا السيارة وانطلقت من جديد في طريقها إلى دمشق.
قال مصباح والدموع تتساقط من عينيه:
- ضاعت دمشق.. استفردوا بها.. لك
الله ياعاصمة الأمويين.. يقذفونها بآلاف من قنابل النابالم..سقطت مصر، وجاء دور
سوريا.. كنت أستمع له والنار تشتعل في داخلي... لم لا؟! ولقد كانت كارثة مفاجئة لي عندما علمت أن
الجولان سقط بهذه السرعة.
بلاد الشام ومعاوية.. من هنا خطا
خطوته الأولى.. من هنا سار عبد الملك بن مروان. دمشق عاصمة الأمويين. دهاء معاوية
وعدل عمر. وجيش أوله في الكوفة وآخره أين؟ في دمشق.. بوابة المدينة.. شارع متجمل
بصفين من الأشجار دائمة الخضرة.. جميلة هذه الدمشق.. من مخيم جباليا إلى عمان إلى
دمشق رحلة طويلة..
- هاقد وصلنا. قال السائق.
ساحة المرجة.. قلب المدينة.. تاهت
نظراتي في أنحاء محيطي.. الناس هنا أقل تجهماً منهم في عمان.. غريب في المدينة..
شعرت بغربتي ووحدتي.. التجأت إليها وإلى صمتي.. أنزلت حقيبتي من السيارة.. ساعدت
المرأة الصامتة التي تتمتع بمسحة من الجمال..
- كيف يمكن أن أساعدك؟! سألتها..
- أشكرك فأنا أعرف طريقي..
- إلى أين؟!
- مخيم اليرموك..
- رافقتك السلامة..
- إن قذفتك الأيام إلى هناك فاسأل عن
الحداد أبو عامر، أنا ابنته، قالت..
- مع السلامة..
غادرتني.. تابعتها وهي توقف سيارة..
تدخل فيها، وتضيع وسط الزحام..
استطالت ظلال المباني العالية. اختفت
الشمس، تقضي لحظاتها الأخيرة في دمشق.. ستعود غداً.. أنا موقن من ذلك..
- أين أجد فندقاً متواضعاً؟! سألت
السائق..
- هذه المنطقة كلها فنادق..
وأشار إلى مكان اتجهت إليه. فندق
سوريا الكبير. قرأت لوحة أمام مبنى قديم.
اتجهت إليه.
vvv
تمدد الهلالي الكبير على فراشه يئن
ويتألم. وقف ذيب بجانبه بلا حول وبلا قوة. بحث في جيوبه عن بعض النقود. لم يجد
مليماً واحداً. أخذ ينتحب ويطلب المساعدة. نظر إليه الهلالي الكبير عاتباً
ومقرعاً. كانت نظرة ذيب معتذرة. لا يملك نقوداً كي يحمله إلى المستشفى. كنت أسمع
الصراخ المتواصل من دليلة وزوجة الهلالي الجديدة. حملتني زوجة أخي الآخر لألقي
نظرتي الأخيرة على الرجل الذي انهارت قواه ولم تعد لديه قوة لمقاومة المرض. كان
صراخ ذيبه عالياً، وأظنه لم يكن من القلب. لقد كان قاسياً عليها. كانت متمردة
وترغب عن ذيب. هي ابنة عمي. وكان الهلالي الكبير يصرّ على زواجها من ذيب طمعاً في
أرضها التي استولوا عليها ضمن دولتهم الجديدة. كان المسكين يحلم بالعودة.
أصبحت وحيداً الآن، ذاك الغصن الذي
ربما استظليت بظله تلاشى واندثر. لفظ أنفاسه الأخيرة. كان حزن أخي الآخر كاسحاً.
إنه ابنه البكر من خالتي أخت أمي التي توفيت بعد ولادته. ضخم الجثة كوالده. طويل
القامة مثله. مهيب الطلعة ذو شخصية ساحرة. نظرت إليهم جميعاً. تفحصتهم. تآكل جذع
الشجرة، وماعليك إلا أن تواجه الحياة عارياً. تصرخ دليله من أعماق أعماقها. أنها
تكبرني بسنوات ويبدو أنها قدرت حجم المأساة وماستلاقيه من عذاب في ظل لا ظل له.
كانت ظنونها صادقة. كأمها تعاف نفسها
الأشياء إن شكت في نظافتها. عندما أنهت ذيبه طبخ بعض الخضار. سقط في الحلة ديك من
تلك التي تعتني بها في المنزل. عادت.
- دليله.. لفت انتباهها.
- مابك ؟ سألتني..
- لقد سقط ديك في الحلة..
كنا نلتف حول إناء مملوء بالحساء،
توقفت عن الأكل. توقف ذيب. تابعت أنا باستمتاع. صمت الجميع. انطلقت نظرات ذيبه
نارية، متحدية وصارخة.
- يافتّان! قالت دليله..
- كان عليك أن تحافظي على الحلة
نظيفه. صرخت ذيبه. أما أن تقضي وقتك عند زوجة أخيك الآخر، فهذا مالا أقبله..
تناثرت الاتهامات من ذيبه والدفاع من
دليله. كادت الأمور تصل حد التشابك. بالأيدي. تدخل ذيب وقذف بصحن الحساء في سقف
الحجرة صارخاً فينا جميعاً أن نصمت.. كان نصيبي بصقة في الوجه وصفعة قوية من
أحدهم، هربت على أثرها إلى منزل أخي الآخر.
- ماذا حدث بعد ذلك؟ سألته بأسى؟
- تقاطعني في اللحظة التي أود أن
أسترسل فيها فتقطع حبل أفكاري. نفذ صبرك.
- لا.. ليس كذلك..
عدت من رحلتي إلى نفسي، تائهة في
شوارع ضيقة، كرهت البقاء في المنزل. تتقاذفني جمرات التأنيب والسخط والهوان. ضمرت
شجرتي، فأصبحت عارية تحت حرّ الشمس اللافح. أما دليله فقد أنقذها زواجها من العوم
في الماء الآسن. اندلقت الأوساخ على جسدي وحدي. أخذت أئن تحت وطئتها. ثقيلة كانت
ذات رائحة نتنة. صبري فاق كل الحدود. عندما يضيق صدري. أنفجر محطماً كل ما أمامي.
أستعيد هدوئي، أندم، مضى زمن الندم. أحمل أثقالك وارحل..
حجرة رقم "10" أدرت
المفتاح وأضأت النور.. حجرة صغيرة منظمة وسرير عليه ملاءة بيضاء نظيفة.. ألقيت
حقيبتي في دولاب نصف مهترئ، لكنه صالح للاستعمال.. جلست على مقعد مقابل طاولة
صغيرة.. تخلصت من حذائي، صحوت على صوت نسائي... هيا "أسرع" ألقيت نظرة
خاطفة.. آه الباب مازال مفتوحاً.. ذهبت لأغلقه فالتقيت وجسد نصف ملفوف بملاءة
حمراء.. غزتني بنظراتها.. رجل يأتي إليها مسرعاً حاملاً فوطة حمام يسلمها لها.. لم
تهتز عندما رأتني... كانت جريئة.
أبقت عينيها في عيني لحظات طويلة ..
وتمهلت أنا في إغلاق الباب.
- سنتأخر عن موعدنا.. قالت بغنج..
- ليس كثيراً.. قال الرجل بصوت
نسائي..
فكرت أنها ربما تكون راقصة في ملهى..
امرأة تمتهن مهنة سهل القيام بها..
أقفت باب حجرتي ثم عدت إلى ماكنت
فيه... استلقيت على السرير.. وحاولت أن أنام..
قال ذيب:
- هيا ارتد ملابسك.. سنذهب إلى خان
يونس لنسلم على أختك وزوجها..
وأين هي تلك الملابس التي سأغيرها؟!
بحثت عن قميص طار لونه، لكنه نظيف، ولم أجد سروالاً أرتديه فاقترح هو أن أبقي على
سروالي. بحثت عن شيء يقيني سخونة الأرض فلم أجد. أعارني ابن أخي ذاك الشيء الذي
يقولون عنه "شبشب"، هذه المرة لم تنعتن ذيبه بالحرام، لأن ابنها أعارني
إياه. وهناك سلمت على دليله بحرارة وعلى زوجها صالح. كان همي أن أستلم هديتي وربما
قرشاً أو قرشين من صالح.. فيدي لم تقبض
على تلك الأشياء المعدنية منذ مدة طويلة..
استمتعت بالغذاء حيث كانت دليله تقدم
لي قطع اللحم لأتناولها. بعد ساعتين رفضت صحناً مملوءاً باللحم قدمته لي. كرهت أن
أقدم على عمل كانت ذيبه تفعله إما لابنها أو لزوجها. رفضت رجاءها. وتناوله ذيب
بشراهة فهو من محبي اللحوم وتوابعها.. مكثنا أياماً قليلة وحينما حان وقت الرحيل
درت حول دليله وصالح. لم أحصل على ماحلمت به من نقود.. أما الهدية فكانت قطعة قماش
خاطها ابن خالي بنطالاً وبعد غسيله للمرة الأولى لم يعد جسدي قادراً على الدخول
فيه. تلقفته ذيبه، ولا أدري أين ذهب بعد ذلك..
اغتصبت النوم. فنمت، سرت نائماً إلى
تلك الهوة العميقة. نظرت إلى القاع، لم أتبينه. ارتعشت أطرافي من الفكرة، دفعتني
يد قوية من الخلف فسقطت. أخذت أهوي بسرعة جنونية. التقطتني يد بارزة العروق. ارتحت
وتلك اليد على فرع شجرة نبتت في حائط الهوة. حاولت أن أرى وجه صاحب اليد. لم
أستطع.. شكرته على إنقاذي.. لم يتكلم، بقينا طويلاً على فرع الشجرة تلك. أتحدث أنا
ويصمت هو.
وعندما أدير رأسي محاولاً رؤيته
أصطدم وبعض الأوراق المستديرة الكبيرة التي لم أر مثلها من قبل. أخيراً قذفني إلى
حافة الهوة وصرخ "كن حذراً في المرة القادمة" سأحاول..
"قلت"....
صحوت مبكراً، تناولت طعام إفطاري..
الإفطار الدمشقي لذيذ، صحن من الحمص وبعض المقبلات.. دخنت لفافة في المطعم. غادرت.
سألت أحد المارة عن مكان مكتب منظمة التحرير في دمشق. اعتذر بأنه ليس من دمشق. سرت
على غير هدى. سألت أحدهم نظر إلي..
- فلسطيني ؟ سألني..
- نعم!!
- من أين؟!
- من غزة..
صافحني بحرارة..
- أنا من غزة أيضاً..
تشجعت..
- إذن رافقني إلى المكتب..
وصلنا هناك. دخل معي. سألت عن المدير
فعرفت أنه من سكان مخيم جباليا. كان مدرساً هناك. وهو يعرف ابن عم لي.. طلبت مقابلته.
أدخلوني عليه. مكتب جيد التأثيث . نظرت إليه عرفته... كثيراً ماكنت أستمع إليه في
الحفلات والندوات التي كانت تعقد في نادي جباليا الرياضي الذي أنشأته وكالة الغوث.
كانت هناك مجموعة من الرجال لم أتعرف على أي منهم.
- السلام عليكم..
صافحته ومجموعة الرجال. جلست على
مقعد بالقرب من الآخرين...
- هل من خدمة؟!
هاهي إحدى اللحظات التي ستذكرها
كثيراً. إما أن تبتسم لك الأيام.. وإلا كعادتها دائماً تضحك منك..
- أنا مبعد من سجون العدو.. سكان
مخيم جباليا - تعمدت ذكر اسم المخيم لأستولي على تعاطفه معي - أود دخول الجامعة
هنا في دمشق. هل في إمكاني أن أفعل ذلك..
مددت له تلك الشهادة التي طلبتها من
أبي الرائد. قرأها قدمها لأحد الجالسين حوله.. صمت لثوان.. ثم قال:
- هذا هو رئيس اتحاد طلبة سورية.
ويقيني أنه لن يخذلك..
اتجهت آمالي وعيناي إليه. رجوته بصمت
أن يساعدني في تحقيق أمنية سكنتني طويلاً وكنت أود أن أضحي بها في عمان لو كانت
الأمور في شكلها الصحيح.. طال الصمت. ربما قصر، فأنا من اللهفة لم أعد أحس
بالوقت..
- هل بإمكانك الحضور إلى القيادة
القومية لحزب البعث غداً؟! سألني..
- بالتأكيد أو تعطيني العنوان؟!
وصفه لي..
- غداً سأكون عندك الساعة السابعة
صباحاً..
- لا.. التاسعة أفضل..
- اتفقنا..
تقافزت كل دمائي إلى وجهي فغدا
مورداً.. انطلقت أحاسيس الرضا من عينيّ، خرجت بعد أن صافحتهم جميعاً, من لهفتي
اصطدمت وأحد المقاعد الخالية. عرفوا مقدار لهفتي على دخول الجامعة. فقال أحدهم.
- سيتحقق أملك إن شاء الله..
- أشكركم..
عندما نظر إلي ذلك الغزاوي، عرف أنني
نجحت. لكنه أراد أن يتأكد..
- ماذا فعلت؟
- خطوة أولى ناجحة..
- أين تسكن؟!
- في فندق سوريا الكبير..
أوصلتني إلى هناك. ودعني على أمل أن
نلتقي في المستقبل. أعطاني اسمه. لكني
نسيته، ولم نلتق بعد ذلك أبداً. ربما قابلته، لكني لم أتعرف عليه. ولم يتعرف هو علي.
تمددت في سريري. مرات قليلة هي التي
رضيت فيها عن نفسي. لحظات وبدأت طعنات خفيفة من الندم تتقاذف حولي... أما كان من
اللياقة أن تدعوه للغذاء معك؟! كنت تعرفت عليه أكثر!! ياناكر الجميل!! حاولت أن
أتقي تلك الطعنات. فشلت، قاومتها كثيراً.. غلبني النوم فنمت..
الرابعة مساءً من ثاني أيامي في
دمشق. الأستاذ عادل محمود والسيدة لمياء المصري.. رقم هاتفيهما في جيبي... ولقد
وعدت أحمد أن أتصل بهم. ارتديت ملابسي. نزلت إلى قاعة استقبال الفندق. صالة
متواضعة الأتساع والأثاث. ألقيت التحية على الموظف وطلبت كأساً من الشاي. بدأت
أدخن. دخلت تلك المرأة التي شاهدتها أمام الحمام. أطلت نظراتي إليها.. جميلة..
مغرية.. تحركت رجولتي.. حاولت كبحها.. هاجت.. اصمت أيتها اللعينة.. آن لي أن
أنطلق.. شجعتني..جلست بجواري.. طلبت فنجاناً من القهوة.. "أما من لفافة
أجنبية؟!" سألت واتجهت بعينيها نحوي.. شعرت أنها تطلبها مني. قدمت لها
واحدة.. أخذتها شاكرة..
- من أين؟!
ولم هذا السؤال الذي يفجر أحاسيسي..
لم تغادرني غزة لحظة.. أحتضنتها في قلبي. أسكنتها مقلة عيني. أو أتركها لحظة؟! لا
كنت إن فعلت!
- من غزة..
لايبدو عليها أية ملامح للانزعاج.. إذن هي في عالم غير عالمنا..
- طالب.؟!
- سأكون..
- أهلاً وسهلاً..
ألقيت نظرة إلى أسفل. فتلاقت نظراتي
بزوج من الأرجل البيضاء. باعدت ما بينهما.. "متعمدة" قلت لنفسي..
"أهي دعوة للغوص في بحرها؟!" هي كذلك.. صاحت أطرافي.. أهلت عليها كماً
هائلاً من الأفكار علها تهدأ.. تأوهت تحتها.. كالنار تحت الرماد.. لابد من الهرب..
هربوا هم أيضاً.. آه.. لأخرج. خرجت
ومن هاتف خارج الفندق هاتفت السيد
عادل. رد علي صوت نسائي..
- أهلاً..
- أود محادثة السيد عادل..
- ليس موجوداً الآن.. من نقول له؟!
- صديق وسأكلمه لاحقاً..
- مع السلامة..
السيدة لمياء، وأدرت قرصا الهاتف.
- نعم..
- ممكن أتحدث مع السيدة لمياء!
- أنا هي..
- أنا قادم من عمان من طرف الأخ أحمد
السلفيتي..
- أهلاً وسهلاً.. أين أنت؟!
- أقيم في فندق سوريا الكبير..
- أين أنت الآن؟!
- بجوار الفندق..
- انتظر في الفندق بعد دقائق سأكون
عندك..
ذهبت إلى الفندق. جلست في مكاني
نفسه. لازالت هي تدخن وترتشف الشاي هذه المرة. قدمت لها لفافة أخرى. قبلتها شاكرة.
ستحضر بعد لأي. ستجدني.. بجوارها.. وماذا في ذلك؟! سربت أفكاري لها.. أن تدخل مستسلماً في شق آمن،
لحظة لا تقاوم. أدخل إن استطعت؟! لن تمنعك.. ترحب بك.. كم من المال ستدفعه ثمناً
للدخول؟! هي تلك المشكلة.. ابتعد.. فمازال في العمر متسعاً من الوقت لتفعل..
دخلت.. ليست عجوزاً كما تصورت.. في منتصف العمر..
- السيد يوسف..
- نعم..
خرجنا معاً تصحبنا نظرات صاحبة
الدعوة التي لم أتسلمها بعد. أخذتني في سيارتها إلى حي راق عرفت فيما بعد أنه حي
المهاجرين. وفي شقة حسنة الأثاث دخلنا. حدثتها عن أحمد السلفيتي وحياتنا معاً في
سجن نابلس. لدي رغبة في العمل المنظم.. "قلت عندما سألتني عن استعدادي للعمل.
أمن أجل ذلك دخلت السجن؟ كانت تستجوبني بطريقة لبقة.. لا.. قلت.. بل كنت مع تنظيم
آخر لم أرتح لممارسات أعضائه في عمان..
- يريد أحمد كتاب النظام الداخلي
للحزب.. قلت..
لم تجب بسرعة.. انتظرت قليلاً ثم
قالت.. أنها ستخبرني غداً أو بعد غد عن قرارها. المهم أنها ستلقاني مرة أخرى.
وسنزور عادل ونتحدث معه. استأذنت في الرحيل.. أصرت على أن توصلني في سيارتها.
ارتحت لقرارها..
بدأت أغير ملابسي... جلست أمام
النافذة أشاهد دمشق في الليل. أخذت أتناول السندويشات التي اشتريتها من مطعم مجاور
للفندق. دخنت لفافة نفثت كل دخانها في فضاء دمشق مترامي الأطراف. مكثت طويلاً
أتأمل العتمة والنجوم السابحة فيها. سمعت طرقات على الباب. ضوء الحجرة أغرى من
بالخارج أن من بالداخل لم ينم بعد. طرقات خفيفة. غادرت مملكتي وذهبت لأفتح الباب،
كانت أمامي. اقتحمت رائحة عطرها الحجرة قبل أن تقتحمها هي. جريئة. قلت لنفسي. دخلت
دون استئذان. لم يكن أمامي إلا أن استسلم لرغبتها. أغلقت الباب. ألقيت بالقشرة
الخارجية لجذع الشجرة المورقة على الأرض. ناعمة الملمس من الداخل.. تحسستها بعينيّ
قبل يديّ، انزلقت رغبتي الهائجة بيسر. أغرتني النعومة فدخلت عميقاً. بدأ الماء
الذي التقطته الجذور من التربة ينساب بين
يديّ.. ظمآن وجائع أنا.. تسللت قطرات من الجسد الخالي من القشرة بين أطرافي.. لا
زلت ظمآن.. اطلب المزيد.. اقتحمت الشجرة مرة أخرى.. تداخلت أغصانها.. تطايرت قطرات
الماء من حولي.. لقد استنزفتها.. إنها شجرة معطاء.. أعطتني أكثر من حاجتي..
ارتويت.. عمل شاق لكنه ممتع.. استرقت الماء من عمق الأرض عبر ساق خلصته مايقيه حرّ
الشمس.. لا حاجة له به،.. فالوقت شتاء.. وشتاء دمشق قارص.. ربما كان يقيها برد ذلك
الشتاء! لا زالت الشجرة مورقة تستقبل الندى وهي متفتحة الأزهار.. لا ترتوي أبداً..
دائماً تطلب المزيد.. وكيف لها أن تعيش بلا ماء؟! شجرة ملقاة وسط شارع يعبره آلاف
المارة.. قلائل هم الذين يلتفتون إليها.. تصرخ فيهم أن أغيثوني، فلا مجيب.. فعلت
أنا مجبراً ومدفوعاً بقوة اقتحامها وهيجان رغبتي.. لا عاش من بخل بالماء على من
يحتاجه.. غاب الكون وتكثف داخل الشجرة.. تمددت تحت ظلها.. مورقة ندية.. مزهرة..
وظليلة.. نمت.. نمت..
وفي الصباح كنت أمام مبنى القيادة
القومية.. سألت عن مكتب رئيس اتحاد الطلبة السوريين، دلني عليه أحدهم. استقبلني
الرجل بابتسامة مرحبة. يشاركه الجلسة رجل آخر لم أره في مكتب المنظمة يوم أمس.
جلست على مقعد مجاور له. كان يدقق في ورقة أمامه..
- اسمك؟!
- يوسف بن يوسف الهلالي.
- أي كلية تريد؟!
هذا هو السؤال وهذه هي الأمنية..
تقدم وتخلص من سوداويتك. أي كلية؟! الطب هو المراد..
- كلية الطب..
نظر إليه طويلاً.. ربما تعاطف معي..
وربما عجب لطموحي.. وربما سخر منه..
- مضى من العام الدراسي الكثير وليس
في إمكانك أن تجاري الطلاب في تحصيلهم العلمي الآن. فكر في كلية أخرى..
تقلصت الآمال قليلاً..
-كلية الهندسة إذن..
- ولا تلك الآن..
لم يتبق إلا طريق واحد.. أسلكه..
- كلية الآداب - قسم اللغة
الإنجليزية..
- هذه نعم..
- من كلية الطب إلى الآداب... سبحان
الله..
قال الرجل الذي كان يستمع إلى
حوارنا..
- شيء خير من لاشيء.. قلت..
- راجعني بعد أسبوعين ، قال الرئيس..
- أشكرك..
بداية لابأس بها.. تتقطع بك
الأسباب.. وفجأة تمتد يد تأخذك إلى حيث تحلم. هاهي الأيام تبتسم لك. عانيت
الكثير.. لا تحلم! ربما تعاني أكثر وهل جامعة دمشق ككلية بير زيت؟! وهل سأجد
غاده.. قد تكون غاده أخرى. ألقت بك الأقدار في دمشق وها أنت ذا على بعد خطوات من
جامعتها.. أغلق أفكارك، أبدأ. نعم..
في المساء زارتني السيدة لمياء.
اصطحبتني إلى منزل السيد عادل. مكثنا وقتاً طويلاً نتحدث. كان يراقبني ويزن
كلماتي. اطمأن لي.. هذا ظني.. أعطاني كتاب النظام الداخلي لحزبه.. أيقنت أنني دخلت
الدائرة برغبتي.. عدت إلى الفندق. منيت النفس بأن أقابلها مرة أخرى.. خاب ظني.لا
أستطيع أن أبقى هنا أسبوعين، سأغادر إلى عمان، كيف ستدخل هناك؟! سأتبدر الأمر..
حملت أشيائي.. كنت كريماً مع موظف
الاستقبال. قدمت له أكثر مما طلب. صافحته. واتجهت إلى موقف السيارات الذهب إلى
عمان. كنت آخر من دخل السيارة. "عمان"؟ نعم. وضعت كتاب النظام الداخلي
في جيب معطفي. توقف تفكيري عند مشكلة دخول عمان. من يغادرها بإجازة فدائي يفقد
الحق في الرجوع إليها. علمت هذا وأنا في طريقي إلى دمشق. والآن كيف الوصول إلى
عمان يا عمان. لا بأس. عند مركز الجوازات السوري لم تواجهني مشكلة. قال لي الضابط
"سيردونك إلينا".. سأحاول قلت له..
قطعنا المسافة الفاصلة بين مركزي
الجوازات، وعند أول خطوة في الأراضي الأردنية، توقفت السيارة أمام جندي الحراسة.
طلب جوازات سفرنا. قدمت له تلك الوثيقة التي أخذتها من وزارات الداخلية وتثبت أنني
مبعد من الأرض المحتلة. نظر فيها ثم نظر إلي..
- هل خرجت بها؟! سألني..
- نعم.. قلت كاذباً..
سمح لنا بالمرور..
- هل حقاً إنك خرجت بها. سألني
السائق..
- بالطبع لا.. قلت..
- وماذات ستفعل؟!..
- أكتب في تلك الورقة التي ستسلمها
لمكتب الجوازات أنك تحمل أربعة ركاب فقط وعندما نصل مركز الحدود، سأغادركم وحدي
وأستقل سيارة من الرمثا إلى عمان..
- راقت الفكرة للسائق. وافق. وهكذا
حصل. أما حقيبة الملابس، فقد تركتها في السيارة على أمل أن أستلمها في مكتب
السيارات في عمان بعد أن أكدت للسائق أن لاشيء ممنوع فيها. ولقد كنت صادقاً...
نزلت من السيارة. درت حولها بحذر..
ابتعدت قليلاً.. تلفت حولي. لا أحد يراقبني. ابتعدت أكثر. أصبحت السيارة بعيدة عني.
تابعت سيري. نجحت. أصبحت خارج مركز جوازات الحدود. أسرعت الخطى. لم يوقفني أحد.
وبعد دقائق كنت في سيارة متجهة في رحلة داخلية من الرمثا إلى عمان.. تناولت الكتاب
الذي يثقل جيب معطفي، وضعته خلسة أسفل مقعد السيارة. هم عادة لا يفتشون السيارات
داخل المدن. وعلى مدخل عمان أوقفنا حاجز للجيش. شاب في مقتبل العمر يحمل بندقية
سريعة الطلقات. صلب، متجهم الوجه، متحجر الملامح. نظر داخل السيارة. تفحصنا كلنا.
كنت هادئاً. توقفت نظراته عندي..
- أخرج. أمرني..
خرجت..
- أين جواز سفرك؟
أخرجت له تلك الورقة العتيقة التي
أخذتها من وزارة الداخلية الأردنية. نظر فيها، ظني أنه لا يعرف القراءة ولا
الكتابة..
- هذه ليست جواز سفر..
- إنها من وزارة الداخلية..
تصورت أن جبلاً اصطدم ووجهي. كل
وجهي. فأصبحت بلا ملامح. سالت الدماء. تحسستها وهي تخترق ساحة وجهي وتتجه إلى
رقبتي. طارت صرخة رعب مني.. لم أكن أتوقع تلك الضربة... لم أفعل مايستدعي
العقاب..ربما ثمن الخطيئة.. قلت بلا كلمات.. في هذه اللحظة حضر رقيب من الجيش..
- ماذا هناك؟!
- لا يحمل جواز سفر. قال الجندي..
- لأجل ذلك تقتله؟!
- ربما كان خائناً أو ميليشياً....
حضر سائق السيارة مرتعشاً..
- ماذا تريد؟! صرخ فيه الجندي..
- أريد أن أعرف ياسيدي هل أنتظره، أم
أستلم منه أجرتي..
- خذ أجرتك..
إذن سيستضيفني هذا المتوحش، وتختلط
ملامح وجهي. ربما أفقد إحدى يديّ، أو أي جزء آخر من جسدي. كان الرقيب ينظر في تلك
الوثيقة التي سلمها له الجندي...
- انتظر.. قال الرقيب للسائق..
- إذن نجوت..
- هذا الرجل مبعد. قال الرقيب موجهاً
كلامه للجندي..
- مامعنى ذلك؟!
- أبعدته قوات الاحتلال الإسرائيلي..
- يعني أنه ليس جاسوساً ولا
ميليشياً..
- بالضبط..
اتجه إلي. تأمل الدماء النازفة من
أنفي. مسحها بمنديله، وضع يده على كتفي..
- لا تؤاخذني يارجل أنت تعرف الحال
هنا!..
قال معتذراً. تفهمت موقفه وقبلت
اعتذاره وحتى تصرفه: هو جندي عليه أن يحافظ على الأمن وينفذ الأوامر..
تناولت وثيقة إبعادي من الرقيب الذي
وضع يده أيضاً على كتفي.. ضغط عليها خفيفاً. قال كثيراً دون أن يتكلم. ولقد سمعته،
ارتاحت نفسي رغم ذلك الجبل الذي صدم أنفي. لا زال السائق منتظراً..
- اذهب معه.. قال الرقيب..
تحركت قدماي، بدأ الألم ينتشر في
أنحائي.. جلست مكاني.. تعاطف معي رفاق الطريق. لم أنطق ولم يكلموني..
- ربما لم يستطع قراءة الوثيقة. قال
أحدهم بعد فترة صمت طويلة..
- ربما..
وصلنا عمان. تسللت يدي والتقطت
الكتاب من أسفل المقعد. لمحني السائق. لم يتكلم..
- إذن تستحق ماحدث لك.. قال ضاحكاً..
- إن الأمر ليس كما تظن.. قلت..
ذهبت إلى مكتب السيارات التي تعمل
بين دمشق وعمان. كانت سيارتنا القادمة من دمشق قد وصلت. رأيت السائق. اتجهت إليه..
- هل وصلت حقيبتي؟!
- نعم، ولكن من ذا الذي فعل ذلك بك
؟!..
- لابأس..
- من؟!
- أحدهم..
- وهل فعلت ماتستحق عليه ذلك؟!
-لا..
- إذن لماذا شوه ملامح وجهك؟!
- أعتقد أنني ميليشيا..
ضحك.. سلمني حقيبتي.. استقليت أول
سيارة وذهبت إلى المنزل..
كانت الساعة الواحدة بعد الظهر، لم
يعد عاطف من المدرسة بعد. لا زال المفتاح ..معي. أخرجته. فتحت الباب. لا أحد
بالداخل. وضعت حقيبتي في الصالة. دخلت حجرتي. لا زالت كما تركتها. استلقيت على
السرير. ونمت دون أن أبدل ملابسي..
vvv
يجتثك الأسى من ركام الحياة، كتلة
مشاعر متناقضة، الرغبة في التحدي زادتك قوة وصبراً. اخترق جدار المستحيل. ولقد
فعلت. زودك الحرمان بطاقة هائلة من الطموح والرغبة في النجاح. ولقد كنت الأول في
فصلك. هل نسيت؟ لا.. لم أنس.. نعم.. عندما رسبت في السنة الأولى الابتدائية. بدأ
التحدي الكبير مع الحياة.. في سنة الإعادة كنت الأول في فصلك. في المنزل والشارع
كان ترتيبك الأخير. اختزلت ذيبه مشاعرك. الغضب وحماقة الاندفاع هما مابقي عندك.
تعاملت مع الآخرين وكأنهم ذيبه.
داخلك بركان يغلي جاهز للانفجار في كل لحظة وفي آي لحظة. وعندما تلمس لحظة صفاء
تستلقي بين يديّ الآخرين تنثر ذاتك أمامهم. ذاك الصدر الذي استلقيت عليه لحظات
تبوح له بداخلك ذوى وانتقل إلى عدمية عصت على فهمك. تقاذفتك الرياح حيث شاءت..
شدتها زادتك شدة. إصرار غريب في داخلك على الانطلاق. انطلق.. انطلقت..
ألق مرساتك حيث تستريح روحك، انطلق،
ذات يوم توسدت أشجار البرتقال تقطف من
ثمارها لتسكت عواء أمعائك المتواصل. أمسك بك الناطور متلبساً بالجريمة. ألقى بقدمه
الهائلة على قفاك فشعرت أنك قصمت نصفين. المنزل مكان كريه عافته النفس. وحيد أنت
وفي الشارع وحتى في فصلك الدراسي.
ذئبه - قصدت ذيبه- تلتهم مشاعرك، أفكارك،
أمانيك، أيامك، وأحلامك، ترعى في داخلك. تتحكم في حركاتك وكلماتك، تتفوه بكلمات
كثيرة لا معنى لها. تصدمك ردود فعل الآخرين كما تصدمك ردود أفعالك. حفظت كرامتك
رغم محاولات ذيبه الدائمة لاقتحامها. هو يرقب كل ذلك ولا يحرك ساكناً. تبرأ منهم،
لم تفعل. بل حاولت وحالت دون محاولاتك شراسته وأطماعه. الشارع هو مسكنك، ورغم ذلك
فأنت مسلوب الإرادة فيه. هل تذكر؟ الطلاب ملتمون حول بائع الفلافل وكل منهم أمامه
صحن صغير مملوء بالفلافل والفلفل الأحمر المخروط، وأنت، أمعاؤك تنتفض، تتراقص،
تحترق، يتسلل لعابها إلى فمك، فتنتحر أمانيك بجانب عربة بائع الفلافل. تبرأ منهم!
لم تستطع. نصف رغيف من الخبز هو إفطارك ومثله غداؤك. وماذا عن العشاء. ربما رغيف.
تجوع ولو كانت بجانبك لاقتطعت قطعة من لحمها وأطعمتك أياها. تبرأ منهم، كيف السبيل
إلى ذلك؟ حافظت على نظافة يديك وستحافظ.
انطلق في البساتين المحملة بالتفاح واللوز والبرتقال. فعلت. ظني أن يديك نظيفتان.
تبرأ منهم، وما الفائدة إذا كنت مشدوداً بحبال القرابة التي لا انفكاك منها؟ تتلوى
من الجوع لأنك صائم. ترفض أن تفطر بإصرار. حرام عليك ياذيبه، دعيه يفطر، إنه صغير،
قالت جارتنا، هو من يصر على الصوم، قالت ذيبه. ولم تعلم تلك الجارة الطيبة أنني
أصوم حتى أتمتع بمايقدمونه في السحور. تبرأ منهم، ليس في الإمكان أبدع مماكان.
- هذا قول مرفوض.. قلت بحزم..
- كيف؟ سألني..
-
كان بإمكانك أن تتبرأ منهم، تتمرد، وتشق طريقك..
- لم يكن ذلك في متناول اليد..
- ألم تقل أن وكالة الغوث كانت تقدم
لك مواد غذائية ولوالديك وأختك؟..
- هذا صحيح.
- إذن كيف تستطيع أن تتحرر من
هيمنتهم..
- كان سيقتلني ذيب لو فعلت..
مسحوق بالهيمنة والطمع وشهوة
الانتقام، دلقت ذيبه على كل أحقادها، تنفث شهوتها المنتقمة الحاقدة على شخصي، أئن
من وجع الأيام وحرمانها، كان علي أن أنطلق. فانطلقت؟!..
تسلقت الشجرة الرشيقة وارفة الظلال،
تزاحمت على أوراقها، رائحة حلوة تنبعث
منها وتملأ الرئتين. ترتاح النفس، تسكن بينها، تعصرني الأغصان. أحاول أن أتسلل
عبرها. أنجح. لا تقاومني. ندية وطرية هي. تساقطت قطرات الندى من على الأوراق. عذبة
وممتعة. الروح الظمآى تطلب المزيد. لم تبخل علي. هي أيضاً لا ترتوي، تمتد جذورها
عميقاً لتلتقط قطرات الماء من عمق التربة. وعندما سقطت من فوق الشجرة كانت تلك
اللكمة القوية التي أعادت ترتيب تضاريس وجهي. عقاب السماء. تسلقت شجرة ماكان عليك
أن تقترب منها. هي من دعاني. بل من اغتصبني. ضعفت أمام الدعوة. زارني خيال غاده.
عاتبة، مستهجنة، تبخرت مياه غيومها. لا تقترب مني. قالت. وهل بإمكاني أن أفعل؟!
تسللت عيناي إلى زمردتيها. طوقتها. جذبتها جاورتني. كان بإمكاني أن تبقى بجواري.
لم تساعدني الأقدار.. في اللحظة التي كنا فيها على بعد خطوات من العمل، ألقوا
القبض علينا، هذه لك، وتلك الشجرة ذات الأوراق الداعرة. أما كان في قدرتك أن
تتجنبها؟ صمت. تداعت التبريرات.
- يوسف.
صوت قادم من أعلى الحفرة التي سقطت
فيها. يوسف..
صحوت. اكتشفت أنني مبتل. العرق يتصبب
من جسدي. طردت الأشباح، زارني الألم، تحسست وجهي. متورماً. كان من الممكن أن يكون
جسمي كله متورماً. أنقذني ذلك الرقيب. باعدت مابين جفوني. صعب أن تحرك تلك
الجفون.. ملتصقة بعضها ببعض. حاولت ثانية. نجحت تراءى لي خيال عاطف. صحوت.
- يوسف..
استرجعت حواسي كلها. بقايا الحلم لا
زالت عالقة في ذاكرتي، متعة في الطريق. تجسد عاطف أمامي. بدأت أعي مايدور حولي.
- أهلاً عاطف..
- متى عدت..
- ظهر هذا اليوم..
أحضر طعامه معه. دعاني لأن أشاركه.
جائع. أمعائي تصرخ. روحي تصرخ في الندم، نهضت. ماأحضره عاطف لا يكفي. أعددنا وجبة
سريعة، جلسنا، لم يحدثني عن شيء. لم يسألني عن تضاريس وجهي المشوهة. بدأنا نشرب
الشاي. دخنت لفافة. وفعل عاطف. نظر إلي طويلاً. حافظ على مشاعري. التقطت نظراته
المواجهة إلى وجهي. صمت. لابد من أن أوضح له الأمر. ربما خمن.
- أحدهم كاد أن يلقي بي في غياهب
السجن.
- أين؟!..
- هذا في عمان..
- كيف؟
- لأنني لا أحمل جواز سفر، ولم يعترف
بتلك الوثيقة من الداخلية..
- نجوت؟!!
- بفضل رقيب في الجيش تفهم الموقف..
مساء عمان كان رائعاً هذا اليوم،
انتقلنا إلى الشرفة، بدأ عاطف يتصفح أحد كتبه. بدأت أنا أقرأ النظام الداخلي لحزب
العمل. عدة صفحات، ثم ألقيت به جانباً.
رغبت عن مغادرة المنزل. سحبت أفكاري
وأخذت أتأمل عمان من الشرفة.
كانت قدماي تؤلماني، والجرح مفتوح في
رأسي يتنازل عن بعض دمائي. احتملت الآلام في قدمي وتلك التي في رأسي. سجن غزة
المركزي. بدأ الشباب يلعبون لعبة خطرة، يخفض أحدهم رأسه إلى أسفل. يضع يديه فوق
رقبته. وآخر من الملتفين حوله يضربه بقوة على يديه. وعلى المضروب أن يتعرف على
الذي ضربه. إن عرف فإن الآخر يحل محله. جلست قريباً منهم أراقبهم. لا أستطيع أن
ألعب معهم، وعندما كنت أسمع صوت الضربات، كان جسدي يهتز، أتذكر تلك الضربات
الهابطة على قدميّ، وأنا أعدّها، فجأت توقف اللعب. كان أحد المسجونين قد فقد عقله
من وحشية تعذيبهم. حضر الشاويش بنحاس. يهودي من اليمن، طويل وأسمر البشرة. هو
للعرب أقرب. رغم الشراسة التي تستلقي على مساحة وجهه، إلا أنه طيب القلب يحب
الدعابة.
- مسعود.. صرخ على ذاك الذي فقد
عقله..
- نعم سيدي..
- نهض من آخر الحجرة ووصل الباب
جرياً...
- من الذي أحضرك هنا.؟!
- ديان ورابين وجولدمير..
- لم يستطع لفظ الاسم الأخير صحيحاً.
كان يقصد جولدمائير. تلك المرأة العجوز. رئيسة الوزراء في زمن الهزيمة.
- ومن أيضاً؟!
بدأت الضحكات تتناثر بيننا، فالملهاة
تستدعي أكثر من ذلك.
- بعض العرب وجيش إسرائيل..
- كله؟!
- نعم كله!
- ولماذا اقتحموا منزلك وأحضروك
هنا؟!
تكتمل فصول الملهاة..
- قالوا أنني سأهاجمهم وأدمر دولتهم
وألقي باليهود في البحر..
- وهل كنت فعلاً تنوي عمل ذلك؟!!
- لا والله! فقط كنت أود أن أعود إلى
منزلي..
- ما أنت في منزلك!
- لا .. ليس هذا المنزل..
- أنت طماع! عندك منزل وتريد آخر؟!
- لا.. لا.. لست بالطماع!
- وماذا وجدوا في منزلك؟!
- أي منهما؟!
- الذي كنت تسكن فيه..
- كنت أسكن في الاثنين!
- الأخير؟!
- وجدوا طائرة ميراج!
- فقط؟!
- ودبابة باتون!
- إذن أنت حقاً كنت تريد تدمير
الدولة!
- لا تصدق يارجل!!!
أخذنا نضحك ضحكاً هستيرياً، أعلى
الماساة أم على وضعنا؟! سألت نفسي، تداخلت ضحكاتنا مع ضحكات الشاويش بنحاس الذي
تذكر نفسه فصرخ فينا أن نصمت. صمتنا، كتمنا الضحك في قلوبنا. وقف بالباب دقائق يمعن
النظر في وجوهنا. عيناه تنطقان بتعابير كثيرة: الأسى، الحقد، الشفقة وربما
الاستهزاء، غادر باب حجرتنا دون أن ينطق، توقف الآخرون عن اللعب، بدأنا نتحدث،
طرقنا مواضيع مختلفة.كان الحرص يرافق كل كلمة ينطق بها أي منا خوفاً من أن تفلت
كلمة بالخطا فيتلقفها مثقوب ويطير بها إلى جهاز استخباراتهم. تحدث أحدهم وكان قد
حكم عليه بالسجن سبع سنوات قال:
- أعرف أنني لن أقضي السنوات السبع
في هذا السجن اللعين. سيحررنا العرب. لكني أخاف أن لا يعرف الطيارون المصريون أن
هذا سجن للعرب ويقصفوه بالقنابل.
- أهذا ما تخاف منه؟!
- فليدمروه فوق رؤوسنا، فقط دعهم
يحاربون..
قال آخر وقد تناثرت ضحكاتنا مرة أخرى
في أنحاء الحجرة.
ابتسمت من مرارة الذكرى، وربما من
الحنين إليها، تابعت رجلاً يحمل سلة مملوءة بالخضار، تأملته جيداً، في سن متقدمة،
حزين.. مكتئب.. هكذا يبدو. ومحمود النجار.. من ذا الذي سيحضر الطعام لزوجته
وأولاده؟! امرأة تسير بلا هدى. تتبرقع بالسواد، لعلها فقدت عزيزاً لها؟! من يدري؟!
قالت ابنة أبو عامر الحداد لي: لا أدري إن كان زوجي شهيداً أم لا!! لقد قتل في حرب
عدمية. قتال عدمي.. لماذا؟! وأولئك الذين خلف الجبل؟! آه.. ياللذكرى المرة.. سها وفاطمة...
سأزورهم الليلة. ربما غداً. عندما تستوي ملامح وجهي. ستعود إلى حالتها الطبيعية.
حتماً ستعود. تحتاج وقتاً. أتمنى ألا يطول!! وكم طالت أيام السجن؟! لاتبنى جدران
السجن على أحد. هكذا قال أحدهم عندما بدأت أتذمر من أيامه الطويلة ومراراتها.
ألقيت نظرة على ساعة يدي. العاشرة مساءاً، أبقيت على جسدي ممداً. طرت وعيناي هذه
المرة في فضاء عمان. السماء صافية لا يعكر صفائها شيء. ذيبه! أتركها تتدبر أمورها.
لقد رحلت عنها. بكت بحرارة عندما زارتني في سجن غزة. لم تستطع أن تكلمني إلا
للحظات، ثم بدأت بالبكاء. أيقنت أنها تحبني. ما هذا الهراء؟! أو ليست هي ابنة
عمي؟! لو أنها فقط تخلصت من حقدها وتشرذم نفسها الحزينة؟! وتخلص هو من بخله. لكانت
حياتنا أزهي. صبغا حياتي بألوان متضادة. سامحك الله ياذيبه! غداً ستجد من تطيح
بحطامها عليه.
- سأذهب لأنام.. قلت لعاطف..
- والعشاء؟
- لا رغبة لي..
- إن لم تستطع النوم، اخرج وشاركني
سهرتي..
- سأحاول أن أنام قلت وغادرت إلى
حجرتي.
ألقيت بالجسد المهدود على السرير،
حدثته، رجوته أن يقدم لي خدمة. أن أنام. "فما أطال النوم عمراً ولا قصر في
الأعمار طول السهر". قال. "من أين للأفكار المجهدة أن تجاريك في الشجن؟!
أعفني هذه المرة وغداً يوم آخر. وأعدك ألا تهزمني . مثقل أنت بأفكارك الهاربة
دوماً. لا تفارقك لا ليلاً ولا نهاراً. أبق كما أنت، فأنت محكوم بالتيه واللوعة
وأحلام اليقظة، أرجوك.. أقبل أياديك.. اتركني! لم تكن استجابته سريعة كاستجابة تلك
الشجرة الملساء عندما تسلقتها. وبعد طول مجادلة أراحني. نمت.
صحوت الساعة الخامسة صباحاً.
"اتركني ساعة أخرى" قلت له راجياً. هذا يكفي، انهض!!" فعلت. تسللت
من سريري. توضأت!! صليت الفجر!! وهل تقبل صلاة الخطائين، قلت لنفسي، والنفس أمارة
بالسوء، سألت الله أن يغفر لي!! كم من الخطايا نقوم به، ثم نطلب المغفرة؟! إن لم
يلجأ الخطاؤون إلى الله، فلمن يلتجئون إذن؟! لمن؟!
حاولت أن أنام ثانية، عصاني جسدي هذه
المرة. بدأت أتقلب في فراشي حتى غزتني الشمس من النافذة. نهضت. فنجان القهوة
واللفائف. صحا عاطف. الإفطار. ذهب إلى المدرسة. بقيت وحدي. معطوب في صحراء الحياة.
الخيارات أمامك قليلة، أخرج إلى الدنيا. إنس فعل الطبيعة في تضاريس وجهك، وهل يلام
المرء إذا دفعته الرياح من أعلى المنزل فكسرت ساقه؟! خرجت..
- أهلاً يوسف..
- ما الذي حدث لوجهك؟ سألني أبو
نضال..
- أحد تشوهات العصر!
- ماذا تعني؟!
- ميليشيا سقط في أيديهم..
قدموا لي فنجاناً من الشاي. داعب
أوراقاً أمامه. تجاهلني، وهل مثلي يلفت انتباهه. وقف. نظر إلى ساعته، الرحيل. أوقف
أبو مضر. مقاتل في إجازة. يتربع في صدر المكتب. أوليس مقاتلاً؟!
- حضرت أم علي؟! قال.
- ومن هي هذه الأم علي؟! سأل أبو
نضال.
- والدة الشهيد عمر.
- وماذا تريد؟!
- رواتب ولدها..
أشاح بيده. قفزت علامات الاشمئزاز
إلى ملامحه. "رواتب؟" قال. "لا أملك نقوداً". تابع. ذهلت..
لابل صعقت. أم شهيد. تطلب حقاً لها علينا. كان ابنها مقاتلاً كما أبو مضر. تشيح
بيدك أن أصرفها. كيف لنا أن نستمر؟! والبيت المملوء بالدولارات والذهب؟! أصرفها.
خرج. لم توقفه أنات الأم الثكلى. في حاجة هي لأن تستمر حياتها لتستمر مسيرتنا.
خرج!! وبعد ذلك!! إلى من تذهب أم علي؟! خرج!! لتنتظر عدة أيام في عمان..وبيتها
هناك خلف الجبل؟! لتنتظر أياماً أخرى! أين؟! تستطيع أن تدبر أمورها.. والرواتب؟!
خرج. أين تذهب النقود؟! خرج. في مهمة؟! أولاده يريدون الخروج. خرج. لم أعلق!! لا
تأثير لك هناك!! كيف؟! وأم الشهيد. لتنتظر كما قال. الأيام تفعل فعلها. وتقول إلى
أن تصل!! أين؟! واليد تلوح في الفضاء أن لا تزكم أنفي بهذه مطالب. خرج. خرجت.
- في مكتبه في اللجنة المركزية. قالت
لي أم الهيثم.
ذهبت إلى هناك. خلف مكتبه كان
جالساً. فتاتان من أعضاء التنظيم حوله. يتهامسون. طرقت الباب. انتبه. رحب بي
ودعاني للدخول. هي التضاريس البارزة. ماذا حدث لك؟! ذلك السؤال الدائم أمام انتفاخ
الوجه البارز. لا عليك. لا زلت أتحرك. والألم يمكن احتماله..
- ماذا فعلت؟! سألني..
- سأعود إلى دمشق بعد أيام..
- هل ستدخل الجامعة؟..
- تلك أمنية تفصلني عنها خطوات..
- أتمنى ذلك..
بقيت الفتاتان جالستين. تعثر الحديث.
قلت كل ماعندي. لا!! بقي ماجئت من أجله. بطاقة فدائي. أحتاجها. هل عندك صورة. نعم.
قدمتها له. تناولتها إحدى الفتاتين. بعد دقائق عادت وبيدها البطاقة، بحث في
أوراقه، التقط إحداها. تصريح إلى سورية وأمر دفع لمهمة لن أقوم بها. تسلمت البطاقة
والتصريح والنقود عانقته مودعاً. خرجت وأم علي؟ لتنتظر.
عندما عادت ملامحي نفسها خرجت، ذهبت إلى منزل أحمد السلفيتي، وجدته، بشاشته
التي اعتدت عليها لم تفارقه، وكذلك الجدية. رأي الكتاب مغلفاً في يدي. انفرجت
أساريره. نجحت. كيف؟! قصة طويلة. حدثته، قدم لي فنجاناً من القهوة.
لا أعتقد أنني سأكون منكم. في الوقت
الحاضر على الأقل. سأبقى على اتصال بالسيدة لمياء المصري. عندما تتكون قناعتي
سأقرر. ودعته وانصرفت. وأم علي؟! لتنتظر عدة أيام في عمان.
قضيت الأيام الثلاثة قلقاً
متحفزاً، صعبٌ هذا الانتظار.. كم هو صعب
عليها؟! لا أعرف إن كانت قد استلمت رواتب ابنها الشهيد أم لا؟! قال أبو مضر إنه
استشهد في عملية داخل الأرض المحتلة.. إذن هو لم يلقَ حتفه في ذلك القتال العدمي.
ظني أن غاده تكمل دراستها هناك خلف الجبل. بماذا تفكر الآن؟! وقت طويل مضى وهي
وحدها. تلك الهالة على جبهتها البرونزية.. هل لا زالت الرائحة الزكية تنبعث منها؟!
وماذا في ذلك. غداً سأغادر عمان. وصلت بسرعة إلى قرارك هذا. اتفقت مع عاطف. تركت
له حرية التصرف بأشيائي.
ذهبت مساء اليوم إلى منزل فاطمة.
رحبت بي، كانت سها هناك. كانت سهرة وداع، جهزت فاطمة لنا العشاء، وغنت سها أعذب
ألحان فيروز. دخنا كثيراً من اللفائف، تصافحنا. فترة قصيرة قضيناها معاً. كانت
كافية لأن تخلق التآلف بيننا.
حجرة صغيرة، أكبر من الزنزانة، مرتبة
ونظيفة، تتسع لنا نحن الثلاثة، حريتنا بلا حدود كانت. وسها حديقة مفتوحة لكل أنواع
الطيور. لا زال الأمل يراود فاطمة، هل تحقق؟! لا أدري. عدت. عاطف نائم. حاولت أن
أنام. اقترب الفجر. عمان هادئة هذه الليلة. طال هدوؤها، الانفجار قادم. نمت. وفي
الصباح كنت وحدي رتبت أشيائي وذهبت إلى موقف السيارات المغادرة إلى دمشق. وضعت
حقيبتي في السيارة. جلست مع آخرين أمام المكتب ننتظر أن يكتمل عدد الركاب. لم
أتناول إفطاري بعد. لأفعل هنا. لآخر مرة. من يعلم متى سأعود ثانية. لن أغامر وأعود.
ما أن انتهيت من إفطاري حتى اكتمل العدد. قال السائق:
- هيا يارجال.. أبو جاسر.. سنتوكل
على الله..
- رافقتكم السلام. صاح أبو جاسر..
وتحركت السيارة.
وداعاً عمان برغبتي نعم حاولت أن
أتجانس معك أحببتك، كرهت الأشجار الجرداء والماء الآسن أم علي تريد رواتب ابنها
الشهيد أشاح بيده يارجل هكذا نعامل
شهداءنا من يرى ويسمع يبتعد الواسطة تلك الآفة الفتاكة تسللت إلى مكاتبهم
إذا حضر مندوب فتح مع مندوب الحكومة لجمع السلاح اقتلوا مندوب فتح أولاً أيها
الثائر القتل ليس هنا أو بهذه السهولة مع كل متر تقطعه السيارة تودع عمان ابتعدت
كثيراً عن غاده لم أسمع منها ولا عنها شغلتني الأشياء والشجرة العارية عندما يأتي
الشتاء تبتل الأرض بالماء تنتعش الجذور تتفتح الأوراق في الربيع تتكاثر الزهور
وتدور الفراشات حول الورود في الحدائق الخريف والشتاء والربيع كلها مرت في يوم
واحد حتى الصيف تبللت وتلك الغانية لا ترتوي حاولت الأغصان ملساء انزلق بينها بيسر
وسهولة لا تجرحك تأوهت، أدخل لا تخف وماأن دخلت حتى نسيت من أنا وكيف لي أن أذكر
غاده هي نسمة في حياتي هنا الحياة والعوم في بحر هادئ بلا أمواج هل سبحتم في مثل
هذا البحر أنا سبحت كان العقاب سريعاً تضاريس وجهك تشوهت وعندما وضعوك في نصف
المجنزرة وألقوا عليك جزماتهم العسكرية الثقيلة كان ذلك عقاباً على فعل لم تفعله
الحياة والعمل الذي لابد منه أصبح لحياتك معنى حقاً أظن ذلك أن يتسلل الماء إلى
عروقك أو من عروقك ظمآناً كنت نعم الجامعة حلم من أيام المدرسة الابتدائية أحلامك
كبيرة دائماً والعجب أنك تحققها بسهولة تحسد عليها هذا شيء يحسدك عليه الآخرون
وغاده وفاروق الذي وسمك بالدمامة وكيف لمثل هذه الغادة أن تلجأ لمثل تلك الدمامة
عبد الكريم دائماً بجانبك وفاروق في زورق أبحر طويلاً وأنت معه أو هو معك من الصف
الأول الابتدائي وأنتما الاثنان معاً نعم فاروق والألم والحرمان والمغامرة جائع
أنا ذات مرة قلت له هيا إلى المنزل وأخته الوسيمة مثله قدمت لكما ماتريدان في
بستانهم في بيت لاهيا إنه صديق وأي صديق يندر أن تجد هذه الألفة في مكان آخر عبد
الكريم عمق المودة آه الأيام تعمل ماتريد وما عليك إلا أن تجاريها أين هم الآن في
طريقك إلى دمشق لتحقق أمنية كانت مخنوقة داخلك منذ زمن أو بهذه السهولة عجيبة هذه
الأقدار تبللت أيضاً بسهولة لأول مرة أتقوقع بين الأغصان أدخل صاحت لن أجرحك،
ودخلت ذبت في اللحظة كما كنت تفعل عندما كنت تذهب مع غاده دخلت عميقاً ولا زلت
ظمآناً تتدفق القوة من بين أضلاعك لا زلت قوياً وهي لا ترتوي عمان وداعاً لم أجد
فيك ما أريده ربما كنت خيالياً أكثر من اللازم وسها ربما كانت تريد أن تستلقي تحت
ظل الشجرة ظلالها ليست كثيفة وفاطمة صحراء
يصعب أن يقتحمها المرء استمعت بالظلال وبهواء الصحراء اللافح لم أبتل ولم تكن عندي
الرغبة في ذلك على حدود جرش نحن الآن لا تقترب منها قال أبو الهيثم لذاك الذي حاول
أن يتمرغ في بستان تلك المرأة في مخيم جرش ظني أنه أراد هو أن يستمتع بثمارها وحده
ربما نجح الماء الآسن وذلك الذي فقد ألفاً من الدنانير ولم يتأثر لفقدها قذفه
بأقذع الشتائم الرجل العجوز الذي دار حول السائق سبع مرات لكنه رفض أن يدفع الأجرة
وذلك المقهى الذي يحتضن كثيراً من شباب المخيم يلعبون الورق وربما القمار لعبت أنا
ذات مرة وستكررها قريباً الجامعة وتلك التي حبست رغبتك المتلفعة بين جنبيك كم
تمنيتها رأيت ملابسك الداخلية ذات يوم نهرك قريب زوجها أقسم لي صاحب الفرن أنه لم
يقترب منها وهي الظمآنة أبداً لم أكن جريئاً، وطرقت بابها تطلب شربة ماء في الظاهر
وتريد اقتناصها في الواقع هربت قبل أن تفتح الباب فتحته أنت واقتحمتك هي تبللت تحت
أغصان الشجرة الملساء كانت لحظة تهت بين الأوراق الغامضة تحسستها بيديك وعينيك حفظت تضاريسها عن ظهر قلب
وتشوهت تضاريسك في عقاب آني أنت أنت أيها التائه عبر الأيام والأزقة تبحث عن ذات
ضائعة ربما غير موجودة التجئ إلى أحلامك يقظتك هي المرفأ وغاده كانت مرفئي كما قال
عبد الكريم حسدك عليها فاروق لكنه لم يقترب منها ولو حاول لما استطاع فميناؤك محصن
غيمة متأهبة لإسقاط مطرها تحسسته بيديك وعينيك فرق شاسع بين اللحظتين وذيبه لا
تكرهها كما لا تكره ذيب تحب أن تراهم أحياناً ولترى مافعل بهما الزمن تفجر وانثر
أجزاءك على مساحة الأيام عمان ودائماً الحدود لا تخف تحمل بطاقة هوية اسمك غير
اسمك وصورتك هي صورتك والدنانير تملأ جيوبك اغترفت من الحياة حلوها واترك مرها
للآخرين هيهات أن تتحقق الأماني حاول ربما تنجح أبحث عن مياه حلوة وستجدها دمشق
يجري فيها بردى وأنت وحيد تبحث عن الماء والسباحة وستجدها دمشق علىمرمى البصر
لحظات وتدخلها فاتحاً ربما طحلباً نابتاً
وسط الماء أو فوق الصخور المبللة غريب في مدينة الأمويين وادخل لن أجرحك ودخلت وها
أنت ذا تدخل الجامعة وكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ماذا تريد أكثر من ذلك
ادخل نعم سأدخل لن تعود إلى عمان قال الشرطي، موافق وأين ستذهب إلى المياه العذبة
والأشجار الوارفة والأغصان الخضراء الناعمة وتتوه بينها ستجدها في كل مكان أدخل لا
تخف وفاطمة صحراء لم يحاول أحد الاقتراب منها وماذا ستفعل في صحراء جرداء عطشى
وأنت ظمآن لكن المياه المالحة لا تروي الظمآن وسها كانت ستتسلق أغصانها لو طالت
الأيام عافتها النفس بلا سبب ممرضة لكنها
غجرية الصوت والجسد هي قالت ذلك دنت منك وابتعدت عنها أدخل دمشق تفتح أبوابها
تندفع السيارة كما الريح كما شعاع الشمس أذهب إلى حيث الهدوء النفسي والماء العذب
والشمس الحارقة وعندما يأتي الشتاء تلفع
بالأغصان النضرة المنتظرة وهي كثيرة ومتشابكة لا تتردد أدخل وقاتل الوهن بين
أضلاعك أقتل مابنته ذيبه وذيب وانطلق أنت في عاصمة الأمويين دمشق لن تعيش وحيداً
بعد الآن سأحاول أعرف أن وحدتي أبدية حتى بين الأغصان والحسان لقد رأيت الكلية
وطالباتها الفاتنات صبايا دمشق وجهك غليظ القسمات تخلص منه أنساه سأفعل أدخل ولن
تندم ولن أندم سأدخل دمشق خطوات وتنفذ في أغصانها دمشق وداعاً عمان تركت الألم
وإشاحة اليد وأم علي التي طلبت رواتب ولدها الشهيد "أووة" قال ومن أين
للمسكينة أن تعرف أن بعضاً من رواتب ابنها يقتنصه اللصوص المتدثرون بعباءات
الثوريين غادر عمان غير آسف وقد فعلت ومحمود النجار جمرة في جنبات عمان قتلوه
قتلته كثر وتعرفهم لا عاش من ترك الأيام تحصره في زاوية الحياة انطلق فأنت على بعد
خطوات من دمشق وغاده ابتعدت ابتعدت لا تنساها لن أفعل ومن ينسى الوردة الأولى في
حياته أدخل الأيام ستقرر متى تلتقيان أدخل سأفعل دمشق يا إطلالة التاريخ بكل
كبواته ونجاحاته دمشق يامكمن المياه العذبة، الأغصان الندية دمشق كم من العمر
سأقضي بين ذراعيك وداعاً ياعمان ابتعدت ابتعدت ولابد أن تبتعد أهل كل تراب العالم
على ماضيك تخلص منه هل سأنجح جرب ولن تخسر شيئاً ألم تقل ذلك لعبد الكريم قبل أن
تدخل السجن بأيام أدخل وابتعد وذيب وذيبه هناك قابعان ارتاحا منك وارتحت منهم لا
تحقد عليهم ومن أين لي بهذه الصفة التي أحتاجها أحياناً ابتعد سأفعل نعم أهلاً
دمشق أقبّل رأسك التجئ إليك لا أحمل جواز سفر كل ما أحمله بطاقة فدائي اسمي عليه
ليس اسمي ونفسي ظمآى أنوي أن أرويها من مياهك العذبة الجامعة أمنية تتحقق وماعليك إلا أن تحافظ
عليها دمشق أنت الملاذ وأنا الغريب التائهة هل سأجد مكاناً..
نزلت من السيارة وتوجهت إلى فندق
سوريا الكبير... وهناك...
عزيزي / أنت..!
نعم أنت.. أنت الذي انهيت من قراءة
هذه الرواية..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد،
أصدقك القول أن هذه الرواية ليست كما
تظن، ظني أنك تظن أنها سيرة ذاتية.
واقع الحال أنها ليست كذلك، ماقرأته
هو ماكان يتمناه الهلالي أن يحدث، لكنه لم يحدث، هكذا قال لي الهلالي الصغير.
أتصدقني؟! على أي حال، لك مطلق الحرية أن تفهم الرواية بالطريقة التي تروق لك. ومع
ذلك مازال هناك الكثير لأقصه عليك عن حياة هذا الهلالي. وصلنا، أنت وأنا وهو، إلى
دمشق. إذن انتظرني في الجزء الثاني من قصة حياته لنرى معاً ماسيحدثنا عنه في دمشق
حيث دخل قسم اللغة الإنجليزية، ربما نجده وقد اهتدى إلى طريقه أو لعله مازال
تائهاً. انتظر معي. لقد حاولت أن أقنعه بأن يكمل قصته لأنقلها لكم، لكنه اعتذر
ووعدني أن يتابع قصته بعد أن تستسلم له الظروف وتهدأ نفسه ويرتمي بين أحضان دمشق.
إذن إلى اللقاء مع الجزء الثاني من
رواية هذا الهلالي التائه.
ناقل الرواية
محمد يوسف الصليبي.
vvv
هذا الكتاب
رواية حديثة بمضمونها وأسلوبها.
تتناول مشكلة الفلسطينين حالياً وارتباطهم في كفاحهم بمنظمة التحرير الفلسطينية
الآن.
وما يمكن أن يعانيه ( الفدائي) الذي
يبدو تائه فعلاً حتى يهتدي إلى حل ما أحداث كثرة تسرد رحلة (التيه) هذه من خلال
مذكرات البطل (يوسف) والأحداث التي تواجهه.
وعلاقة الحب التي يعيشها في ظل هذه
الأحداث.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire