vendredi 16 novembre 2012

البطاقة السحرية1










البطاقة السحرية







محمد ساري




البطاقة السحرية


- رواية -

العنوان:
حي صالح لوانشي
عمارة 15 رقم 219
تيزي وزو 1510.
الجزائر

من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1997



Zone de Texte: v
لاتحاد الكتاب العرب












الغلاف للفنان :






الفصل الأول


في تلك الصبيحة القائظة، حينما استيقظ فجأة ووجد نفسه جالساً فوق الفراش، يتصبب عرقاً ويلهث في تنفس سريع ومضطرب، لم يكن يعي بوضوح وشفافية بأنه سيرتكب جريمة طالما راودته في لحظات حنينه إلى الماضي وذلك قبل غروب الشمس المحترقة بأشعتها المنثالة على الرؤوس الدائخة. استيقظ فجأة وبعنف، دون مقدمات تحت تأثير كابوس مرعب وأجهد
 نفسه ليتذكر ولو صورة واحدة منه دون جدوي. كان مضطرب البال منفعلاً ومتعباً رغم أنه نام مبكراً كعادته، نوماً متصلاً دون انقطاع. مكث شارد الفكر، مستلقياً فوق السرير، يحاول التركيز واستعادة حالته الطبيعية. تلا قليلاً من الآيات القرأنية والأدعية بصمت ولعن الشيطان الوسواس. وقبل أن يغادر الفراش، دخلت زوجته مبتسمة وفتحت مصراع النافذة الخشبي، فدلف نور الصباح إلى الغرفة وأخرجها من الظلمة الشاحبة التي كانت سائدة داخلها، لاحظت زوجته شحوب وجهه والعرق الكثيف فسألته عن السبب، ولكنه طمأنها بأن أرجع ذلك إلى الحرارة المرتفعة، هذه الحرارة اللعينة التي وصلت مبكرة هذه السنة، إذ موسم الصيف ما زال في بدايته. قصد غرفة الحمام، أراد أن يأخذ دوشاً بارداً فتح الحنفية فلم ينهمر ذلك السائل المنعش الذي يعيد للانسان حيويته ويمنح له قوة يصمد بها طوال النهار. وبدل السيلان المنعش، قابله صوت مزعج ومنفر احدثه الماء الذي تراجع داخل الأنابيب تحت ضغوط الهواء الخارجي ، مما ضاعف من انفعاله ، فصاح بصوت أجش منادياً زوجته لتحضر له دلواً من الماء. وحينما جلس إلى الطاولة في المطبخ، لتناول فطور الصباح، انقطعت شهيته ولم يبتلع سوى فنجاناً من القهوة وهو يبذل قصاري جهده كي لا يتقيأها دفعة واحدة إذ غمره غثيان مقزز مع ارتفاع في درجة الحرارة والضغط الدموي. انتعل حذاءه الصيفي وغادر البيت متمنياً أن تتحسن حالته النفسية كي يتمكن من عقد الاجتماع الطارىء لقدماء المجاهدين المقرر في تلك الصبيحة، كان طويل القامة، نحيفاً ولكنه قوي البنية، تتوسط وجهه المعظم بالوجنتين البارزتين شلاغم  سوداء كثيفة الشعر منحدرة قليلاً محلقة حول الشفتين. يكتنف شعر رأسه بياض من الشيب لم ينتشر بعد انتشاراً يوهم صاحبه بأنه شاخ وآن الوقت كي يفكر في الاستعداد للموت المريح.
ورغم شيب الرأس، مازالت الشلاغم محافظة على عظمتها ولونها الأصيل. كان يلبس بدلة صيفية رمادية اللون تتكون من سروال وقميص بنصف الذراعين.
في الخارج كان الجوّ حاراً وأجول رغم أن النهار ما زال في بدايته.
يبعث هذا الجو القائظ رخاء وكسلاً في الأجسام بحيث يبدو الناس في قعودهم ووقوفهم وتنقلاتهم كأنهم نيام أو سكارى أو أشباح كتلك التي نشاهدها في بعض أفلام علم الخيال.
الرغبة الوحيدة المعششة في الأذهان هي تلك التي توحي بالتمدّد والاستلقاء تحت ظل شجرة مورقة، تحرك أغصانها ريح خفيفة وتصفع الوجوه المتلألئة بحبات العرق الممزوج بالغبار المهيج للجلد، اتجه صوبا نحو مقر قدماء المجاهدين وهو شارد الفكر لا يلوي علي أحد من أهل القرية الذين يباشرونه بالتحية الصباحية والابتسامة تفيض من شفاههم المورمة، وهو يمشي بتثاقل بيّن يعصر نفسه في محاولة يائسة لاستذكار تفاصيل الكابوس الذي نغص عليه النوم اللذيذ، وبعث في نفسه حالة شعورية قلقة حائرة، جعلت جسمه النحيل لا يستقر على مكان ويتحمل الثبات والجمود، بل عليه بالتحرك المستمر والانشغال بشيء خارجي ليبعد عنه هذا الضغط المفروض من ذاكرته اللعينة التي طفق يصيبها النسيان والتلف. ينظر أمامه وهو لا يحدق في شيء بعينه بل يمسح ببصره الفراغ والعدم، متشبثاً بصور غامضة ومبهمة، تصور أنها مستمدة من ذلك الكابوس المزعج، ولم يتفطن إلى "كلاكصون" سيارة متوقفة قرب الرصيف المقابل من الشارع، الذي تردد أكثر من مرة، لما أدرك السائق عدم نفعية المنبه، فتح الباب، وقف متكئاً على سقف السيارة المغبّر ونادي بأعلى صوته الجهوري " ياسي مصطفى.. يا سي مصطفى " فنفذ النداء المرتفع إلى وعي هذا الأخير الغارق في حيرته، فالتفت في حركة سريعة ومفاجئة كأنه استيقظ من النوم للمرة الثانية في صبيحة ذلك اليوم الذي يبدو أنه لن يمر على خير. تحول من القلق والحيرة إلى الغضب ولسخط حينما تعرف علي المنادي وصاحبه المتكمش داخل السيارة بقامته القصيرة حتى كاد يختفي كلياً، تساءل مصطفى عمروش بغيظ عن لون القدر الذي جعله يلتقي بهذا الحلّوف في مثل هذا الوقت من الصباح. أنه نذير شؤم. منذ أيام وهو يتحايل لتجنب لقائه والابتعاد عنه قدرالمستطاع منذ تلك المرة التي وجده ينتظر خارج المسجد بعد صلاة الجمعة، فبادره بالتحية مصطنعاً ابتسامة مهادنة ودعاه إلى جوله قصيرة في سيارته الفخمة. فأنقاد مصطفى عمروش عن غير رغبة وهو العارف بأن " أحمد تكوش " الملقب بالسرجان لا يبحث عن خلق إلا ووراء ذلك مصلحة يقضيها إن عاجلاً أو آجلاً. وأثناء النزهة المفروضة، أنتظر مصطفى بفارغ الصبر أن يلفظ السرجان بهدف الدعوة المباغتة غير العادية، ولكن هذا الأخير بحسّ رجل أعمال، لم يطلب شيئاً محدداً، بل طاف حول ذكريات الماضي البعيد، أيام الحرب والجوع والتشرد الجماعي، مركزاً ذكرياته حول بعض المجاهدين الذين استشهدوا في المعارك الكثيرة التي انفجرت وسط الجبال المجاورة لقرية " عين الفكرون " مؤكداً على معرفته بهم أحسن معرفة وكانوا يقدرونه أكبر تقدير وذكر أسماء بعضهم الذي جندوا معه في الحرب العالمية الثانية وكيف نجا الأحياء منهم بأعجوبة لا يصدقها إلاّ من كان حاضراً.
السرجان يتكلم ومصطفى عمروش يبتسم بمرارة إذ أنه يعرفه حق المعرفة منذ أن كان طفلاً، لا يكبره السرجان إلا بعشرة سنوات فقط. يتذكر الأيام التي عاد فيها السرجان من الحرب العالمية الثانية وهو يتجوّل في القرية بزيه العسكري متبختراً، معلناً للجميع بأنه يرتبه سرجان وليس كَبْرَاناً مثلما يتصورون. ومنذ تلك الأيام أصبح معروفاً بهذا الاسم حتى حينما غادر الجيش الفرنسي في أواخر الخمسينات ليفتح دكاناً خاصاً للمواد الغذائية بمساعدة شيخ البلدية الفرنسي، وبعد أن التحق مصطفى عمروش بالثورة كانت تصلهم أخبار سكان عين الفكرون أول بأول وضمنها أخبار السرجان صاحب الدكان الوحيد وخاصة في السنوات الأخيرة مباشرة قبل الاستقلال حين أغلقت الدكاكين الأخرى لقطع المئونة عن المجاهدين في الجبال، وبقي وحده يتصرف كما يشاء، يبيع لمن يريد، ويرفض بيع القهوة والسكر والزيت لمن يريد أيضاً. وصلتهم أخبارٌ متعددة تفيد أن السرجان يرفض البيع لعائلات الشهداء والمجاهدين دون أن يصارحهم بالحقيقة. فمرة، السلعة مفقودة ومرة أخرى، يغلق الدكان بمجرد دخول أحد أعضاء هذه العائلات متحججاً بشغل ما خارج القرية، إلى أن حاصرته دورية المجاهدين في بيته وكان مصطفى خارج البيت يحرس الممر، وباغتته في سريره الوثير مطمئناً يغط في نوم لذيذ وأنذرته بالتخلي عن سلوكه المعادي، آمرة أياه ببيع السلعة للجميع دون تمييز وبالكمية التي يطلبونها. في تلك الليلة أقسم السرجان بكل الأنبياء والصالحين والأولياء المعروفين والمغمورين ورؤوس أبنائه، فلذة كبده بأنه لم يقصد ما يظنون بتاتاً بل يفرحه كثيراً مساعدة عائلات الأخوة الأبطال الذين يحررون الوطن من المعمرين الأشرار. ثم قصد غرفة جانبية وأخرج كيساً من المواد الغذائية وأعطاها لهم معلناً نيته الطيبة في مساعدة الثورة. ولكن أثبتت أفعاله فيما بعد بأن الولاء كان مؤقتاً ومصدره الخوف من الذبح لا غير إذ تمادي في تمييزه بين العائلات وأصبحت دوريات الجيش الاستعماري تطوف حول منزله ليلاً وفي أحيان كثيرة يطرقون الباب ويشربون الشاي عنده مستمعين إليه وهو يروي بطولاته المختلفة أيام تجنيده في الجيش الاستعماري. أجهد مصطفى عمروش نفسه لمعرفة هدف الجولة وطاف حول احتمالات متعددة دون أن يتوقف عند واحدة بعينها، وهو ما فتى، يسترق السمع إلى السرجان يسرد ذكريات الماضي. يتقرب الناس البسطاء إلى قسمة الحزب والمجاهدين عساهم يظفرون بامتياز مادي- سكن، قطة أرض، رخصة تاكسي أو فتح محل تجاري.. ويملك السرجان كل هذا وأزيد. فحالته المادية ميسورة ولا يحتاج إلى معونة، بل العكس هو الصحيح إذ يحتاج الناس إليه يطلبون منه المساعدة المادية والقروض المالية وكراء احدى شاحناته الضخمة لنقل البضائع. هذا ما أقلق مصطفى عمروش وحيّره، فجعله يفكر في الأمر أياماً حتى داهمه السرجان في مكتبه بعد خروج كل الموظفين. فمن عادته البقاء في المكتب بعد انتهاء أوقات العمل لقراءة القرارات والنصوص والوثائق التي يتلقاها من الجهاز المركزي للحزب، ليمعن فيها النظر جيداً، إذ يصر على معرفة كل القوانين المتعلقة بوظيفته، وذلك رغم ثقافته البسيطة وقراءته الابتدائية، فهو لم يلتحق بالمدرسة أيام الطفولة، لم يعرف مقاعد الدراسة إلا بعد الاستقلال عبر الدروس الليلية وهو كبير السن حيث تلعم مباديء الكتابة والقراءة حتى أصبح يقرأ الجريدة اليومية ويطالع بعض الكتب المتعلقة بتاريخ الجزائر، ثم توسعت دائرة معارفه وأضحى يقرأ القرآن والسيرة النبوية. وفي حالة غموض بعض العبارات والكلمات يستعين بإبنه البكر الذي يتابع دراسته في الجامعة وهو على وشك التخرج. داهمه السرجان دون إذن، ولم يتفطن له حتى وجده واقفاً بشموخ وكبرياء على عتبة الباب المفتوح دوماً، تسبقه كرشه المنتفخة الفائضة على حزامه السميك العريض، حزام يشبه أحزمة البذل الميدانية للجيش، ربما تكون عادة قديمة تعوّد عليها أيام كان سرجاناً حقيقياً، كان السرجان قصير القامة، ممتلئاً، يهتم بمظهر جسمه ولباسه بحيث يبدو أصغر من سنه الحقيقي الذي يدور حول الستين. يحلق ذقته باستمرار ويحافظ على التسريحة العسكرية لشعره. قبل أن ينبس بكلمة ويلفظ عبارة السلام المعتادة، أحس مصطفى عمروش بوجود شخص ما، فغادر بصره الصفحات الكثيرة المبعثرة على المكتب وتثبت على وجه الدخيل المتطفل الذي لم ير ضرورة الاعلان عن قدومه. ساد صمت قصير بين الرجلين قبل أن ينطلق السرجان في ثرثرة طويلة مسلماً ومعتذراً عن الازعاج المفاجيء.
- " كنت ماراً من هنا، شاهدت الباب مفتوحاً، فقلت لنفسي: لِمَ لا أدخل وأسلم علي سي مصطفى الرجل الطيب. يبدو أنك تتأخر كثيراً في المكتب، أنت تحب عملك دون شك" سكت برهة من الزمن تردد في الجلوس حدق حواليه في أثاث الغرفة المربعة الشكل، الضيقة. يظهر علي قسمات وجهه ارتباك ما. حالته مضطربة دون شك، ولم تلفت هذه الحالة من بصر مصطفى النافذ، وخاطب نفسه بأن الزيارة ليست مفاجئة وعادية بل يضمر أمراً ما وراءها، أمراً مهما يجعل السرجان مضطرباً وقلقاً ومرتبكاً في سلوكه، وهو الرجل الواثق من نفسه إلى حد التعالي والغرور. تعتبر الزيارة الأولى نوعها، لم يسبق أن تردد السرجان عليه في مكتبه، بل لا تربطه معه علاقة من أي نوع، طلب منه مصطفى عمروش الجلوس مرحباً، مصطنعاً الفرح والبهجة لحضوره.
تبادل الرجلان أخباراً عامة حول الظروف العائلية وأحوال القرية، ثم ساد الصمت من جديد، كانالجو مشحوناً ومكهرباً، تشاغل مصطفى عمروش بجمع الأوراق المبعثرة فوق المكتب، صنفها في تأن ثم أدخلها في الدرج الجانبي، فيما انساق السرجان خلف بصره الذي مسح المكتبة الخشبية الكبيرة برفوفها العريضة الغاصة بالملفات الادارية والوثائق الحزبية والكتب المتنوعة، محاولاً لم شتات تفكيره المتوتر الذي لا يأبي الاستقرار والسكون واراحة الأعصاب، بعد ثوان ثقيلة، تفطن إلى الصمت السائد، فسارع إلى كسره كي لاتنقطع المقابلة فجأة بسبب هذا الفراغ المضجر. هز رأسه ثم اتكأ علي حافة المكتب بذراعيه وقال بصوت يريده هادئاً ومعبراً- "اسمع ياسي مصطفى.. لقد تقدمت في العمر، فلماذا لا تفكر في مستقبلك ومستقبل أولادك، فتطلب التقاعد، وتفتح لنفسك محلاً تجارياً، يوفر عنك المتاعب وتعيش بقية أيامك سعيداً، مستريحاً. فيما تفيدك الوظيفة الحكومية؟ إنك تحرق صحتك وتعشي عينيك في قراءة ما لا ينفع أتظن بأن الحكومة تؤمن بهذه النصوص والقوانين التي تتكلمون عنها يومياً؟ أصحاب المناصب العليا يقولون كلاماً ويسلكون طريقاً يخالف ذلك الكلام أريد أن أصارحك بخبر سري؟
توقف عن الكلام، التفت حوله كأنه يحتاط من آذان صاغية، اقترب من محدثه حتى كاد يلامس كتفه ثم باض الاعتراف دفعة واحدة: "في هذه الأيام بالذات، اتصل بي وزير وطلب مني بناء فيلة له في مسقط رأسه، لأنه لا يأمن مستقبله في الوظيفة مهما كان شأنها، وأصرّ أن يبقي الأمر سراً بيننا إلى غاية الانتهاء من تشييدها. أترى ما يحدث ذلك؟ وزير بأكمله غير آمن علي مستقبله. ما رأيك في اقتراحي؟ وإذا اعترضتك عوائق مالية فأنا مستعد لتقديم كل المعونة اللازمة إلى أن تتحسن حالتك فمالي كثير والحمد لله.. آه.. ماذا تقول؟" حدّق في وجهه ملياً، يريد استشفاف الجواب في لحظتها، فيما بقي مصطفى يحفر في عمق مخه بحثاً عن سبب هذه المساعدة الهابطة من السماء التي يستحيل أن تمنح لوجه الله، وحينما لاحظ اصرار نظرة السرجان، قطب حاجبيه وقال بهدوء وثبات- "اسمع مليح ياسي أحمد، لو أردتُ امتهان التجارة لفعلت ذلك مباشرة بعد الاستقلال، كانت الصحة متوفرة والظروف مناسبة، وأنا ما شاء الله كنت في عنفوان شبابي أستطيع الحرث أحسن من الحصان، لربما كنت غنياً مثلك أو على الأقل تكون حالتي المادية أحسن مما هي عليه اليوم وأنا أشغل منصب أمين قسمة لبلدية صغيرة، لا يتعدى مرتبي الشهري ما تصرفه أنت في اليوم الواحد فقط. أما الآن وقد أشرفت على التقاعد وأنا بالفعل تراودني هذه الفكرة منذ مدة، فلا أرى ضرورة لفتح دكان مهما ارتفعت قيمته. من طمع في الغني والثروة فليبدأها في شبابه مثلما فعلت أنت، ولا ينتظر حتى يشيخ ويهرم ثم يقول بسم الله. إذا كانت نيتك فعلاً في المساعدة، فالقرية غاصة بالشبان الذين ينتظرون مثل هذه الغرض لهجرة الفقر والبطالة. أما آنا فقد فاتني القطار" - " أنا أساعد أصدقائي وأحبابي، أساعد الذين ذقنا الملح معاً أيام المحن، أيام كنا حقيقة نشتاق رغيف خبز نسترجع به الحياة إلى أجسادنا، أما اليوم، فهؤلاء الشبان التعساء الذين تحكي عنهم، كسالي، يبحثون عن الثراء السريع دون مشقة ولاعناء، إنهم  لا يحبون العمل. تجدهم في المقاهي يمددون أرجلهم حول طاولات الدومينو، والكرطة " ورق اللعب " أو على أرصفة الطرقات يقيسون المسافات وهم يجرجرون الخطى الناعسة، وحينما تقترح عليهم شغلاً يديرون عنك وجوههم.أحلف لك يا سي مصطفى بدم الشهداء الطاهر، بأنني كثيراً ما بحثت عن شبان للعمل في ورشاتي، وأدفع لهم رواتب تفوق رواتب الحكومة، ولكنهم يرفضونه، الجاد والخير فيهم يعمل أسبوعاً أو أسبوعين ثم ينصرف إلى غير رجعة وبدون إذن".
انتظر مصطفى عمروش أن ينفجر السرجان ويلفظ السر الذي أوصله إليه ولكنه لم يفعل. وحينما غادرا معاً المكتب وقطعا الشارع الكبير راجلين وقعدا حول طاولة في مقهى هذا الأخير لشرب القهوة، تكلّم الناس وأطلقوا العنان لخيالهم وهواجسهم وقالوا متنهدين بأن الرجل الخير النزيه والأمين في القرية سقط في وحل نقود السرجان ومغرياته، لقد اشترى السرجان كل الناس في هذه القرية بما فيهم رجال الدَرَكْ،  فهو يملك نصف المحلات التجارية.والقصر الذي يقطن فيه ، الواقع في الاتجاه الغربي للقرية لم يشاهده الناس إلا في المسلسلات التلفزونية الأمريكية وأثناء بنائه، تسربت أخبار لا تقل غرابتها وطرافتها عن تلك التي تروي في قصص الملوك والأمراء في الحكايات الشعبية، كثر الكلام عن نوعية المواد المستوردة من المرمر والزجاج المدخن والخزف المزخرف والزرابي والأثاث العصري مثل ذلك الذي يحلم الناس برؤيته وهم يبحلقون في الصور الملونة للمجلات النسائية المستوردة من وراء البحر سواء بطريقة رسمية أو مخفية تحت الملابس وبين ثنايا الحقائب المعبأة. أثناء الصيف في حين ينقطع الماء عن سكان القرية كلها، فيقضون جل أوقاتهم في حمل الدلاء "والقَزادِرِ" والجِرِيكانات" من زَنْقَة إلى زنقة بحثاً عن قطرة ماء صالحة للشرب، فداخل القصر يجري الماء أنهاراً، ويفرغ المسبح مرتين في الأسبوع حيث تلجأ العائلة إلى السباحة يومياً لازالة العرق وإبعاد الحرارة الميَهجة.
في ذلك اليوم، فقد الناس البسطاء في القرية، خاصة منهم رفاق السلاح الذين رافقوه في السراء والضراء، الأمل في امكانية الافلات من قبضة السرجان القوية. ماذا يفعل مصطفى عمروش مع السرجان؟ شخصيتان لا تلتقيان، ويعرف الكثير من مسني القرية ماذا حدث بينهما قبل سنتين فقط من وقف اطلاق النار. إنها حكاية قديمة ولكن الناس يتذكرون مثل هذه الحوادث ولا يتورّعون عن سردها كلما سنحت الفرصة. جلس الرجلان طويلاً في المهقى وخاضا في شتى الأمور ثم انضم إليهما آخرون وتشعب الحديث وديانا وانهارا إلى أن خيّم الظلام الحالك على القرية وافترق الجميع، والسرجان لم يبح بسره. كان مصطفى عمروش يدرك بأن لحظة الاعتراف الحميمية غير بعيدة، إذ من الصعب استمرار الوضعية على هذه الحالة وتمضي لقاءاتهما في ثرثرة عادية دون أن يجني السرجان ثماراً ما، وهو المشهور بأنه لا يشيد اتصالاته إلا تحت دافع الغريزة المصلحية وهو لا يمل من ترديد المثل الشعبي "اللي ما ينفع ادفع ". في اليوم الثالث بعد اللقاء الثاني، كان مصطفى عمروش يستعد لمغادرة المكتب، فشاهد سيارة السرجان اللامعة تتوقف على الرصيف المقابل لمقر القسمة، ابتسم في سريرة نفسه ولم يندهش لحضوره، بل كان يتوقع رؤيته في أية لحظة خلال الأيام الثلاث الماضية، أغلق باب المكتب واتجه صوبا نحو السيارة، لم يثرثر السرجان طويلاً هذه المرة، فبمجرد الابتعاد عن القرية، بحث عن مكان واسع وهادئ بمحاذاة الطريق وأوقف السيارة في اهتزاز طفيف. أطفأ المحرك والتفت نحو جليسه قائلاً.
- " سأكون صريحاً معك ياسي مصطفى، ولا أظنك غبياً بحيث لم تدرك بأنني سأطلب منك خدمة ما. وأظنك متشوق إلى معرفة قصدي"
لم يعلق مصطفى عمروش بحرف واحد بل اكتفي بابتسامة ضيقة كاد يبلعها لولا أنها فلتت منه.
سكت السرجان لفترة قصيرة محدقاً في المقود. ابتلع ريقه ثم أردف قائلاً:
- " أحتاج إلى أمضائك كي أحصل على شهادة المشاركة في الثورة. لا أخفي عنك بأنني اتصلت ببعض المجاهدين وقالوا لي: إذا أمضي لك سي مصطفى، فنحن مستعدون وفي أية لحظة"
صعق مصطفى عمروش وكاد يختنق غيظاً ولكنه كتم غضبه ولم يقل شيئاً، كانت كل الاحتمالات ممكنة إلا هذه.
يريد السرجان أن يصبح مجاهداً بعد ربع قرن من الاستقلال .. هذه نكتة العصر ..لِمَ لا وكل الخونة أصبحوا يملكون هذه البطاقة كأنها خاتم سيدنا سليمان، تفتح الأبواب الموصدة وتنطق الجماد وتحيي الأموات. سي أحمد السرجان مجاهد.. ها..ها.. بعد أن ملك القرية وما عليها، أراد أن يعيد الاعتبار إلى نفسه، اشترى كل شيء، فلماذا لا يشتري البطاقة ومعها البطولة والشرف والاعتزاز، ولكن ماذا يفعل بها؟ يتهافت الفقراء عليها كي يكسبوا امتيازات مادية، هذا معقول! أما هو فماذا يفعل بها؟ ربما يريد ترشيح نفسه في انتخابات المجلس الشعبي الوطني. لا أظنه يفكر في مثل هذا الأمر. سؤال وحيد خلط مخ مصطفى عمروش بعد أن أفرغ السرجان أخيراً بالسر المكنون في طياته بعد الصداقة المفتعلة والاغراءات المتكررة. ماذا يفعل بالبطاقة؟
- أنت تمزح ياسي أحمد! ماذا تستفيد من امتلاكك لهذه الورقة؟
- لا أحتاج مالاً ولا سلطة ولا تخسرون معي ديناراً واحداً. إن عدم امتلاكي هذه البطاقة جعل الألسنة تتهمني بالخيانة أثناء الثورة، ويعلم الله أنني لم أبع أحداً ولم أخن.
كنتُ تاجراً أميناً وساعدت الأخوة بالمال والمؤونة، وأصارحك بأنهم كانوا يترددون على داري في ليال كثيرة وكنت في كل مرة أزودهم بالمواد الغذائية اللازمة.
قاطعه مصطفى عمروش بعنف وانفعال ظاهرين.
- لمن تحكي تاريخك ياسي أحمد، أنا أعرف عنك وعن رجال القرية ونسائها كل ما ينبغي أن يُعرف، المرة الوحيدة التي دخل فيها المجاهدون إلى دارك، جاؤوا لانذارك وتهديدك لأنك كنت ترفض البيع لعائلات المجاهدين والشهداء الله يرحمهم برحمته الواسعة وكنت أنا ضمن الفرقة ولكنني آثرت البقاء خارج البيت للحراسة. اترك البير بغطاه، ولا تحرك المزبلة، فقد تنبعث منها روائح نتنة لا ترضيك.
خيم صمت مفاجىء وأصبح المكان يضيق بالرجلين كأن السيارة اقفرت فجأة بحيث لا تتسع لجسميهما المكهربين، اقتربت شاحنة ضخمة مكدسة بالأعمدة الخشبية فغطى ضجيجها المكان كله، مرت مسرعة قرب السيارة التي اهتزت قليلاً وتحرك جسما الرجلين بداخلها، مما جعلهما يتنفسان قليلاً ويستردان توازنهما.
أضاف مصطفى عمروش مكسّراً الصمت الثقيل.
- إنك تعيش في عزّ ونعيم ولا ينقصك شيء وحتى إن امتلكت هذه البطاقة التي تبدو لك سحرية، لا تغير من الوضع شيئاً.. الناس تعرف وتحكي في كل مكان، هل يمكنك منعهم من الكلام؟ طبعاً لا، لا أحد يمنعهم من الكلام حتى إن كان يضره ويهدد وجوده وكيانه.
إن امتلكها، يقول الناس أنك اشتريتها بمالك مثلما تشتري أية بضاعة. تريد رأيي صراحة، دعك من هذه البطاقة، فهي لا تزيد فيك شيئاً.
انكمش السرجان في مكانه خلف المقود، فقد شجاعته وكبرياءه وأصبح يشبه المومس التي تذل نفسها وتتضرّع أمام " شيكورها " تاه مدة يسترجع قواه ثم قال في نبرة صوت هادئة هي أقرب إلى التوسل منها إلى الطلب العادي.
- كن عاقلاً يا سي مصطفى.. لا يكلفك الإمضاء شيئاً، بل ستريح الكثير معي، فخيري كالبحر.. هي بطاقة أضعها في جيبي وكفي.. لا أطلب منكم خدمة ما، فكثير من الناس في القرية وأنت أول من يعرفهم، يملكون بطاقات النضال وهم لم يغادروا ديارهم خلال السنوات السبع. فلماذا ترفض لي أنا بالضبط؟
إحتار مصطفى عمروش في الأمر. هل يقول له بأن هذه الأفعال ليست من مسؤوليته وحده بل يوجد من المجاهدين من  لا يتردد عن الإمضاء مقابل قسط زهيد من المال. خطرت إلى ذهن السرجان فكرة تواني في البرح عنها. خاف من رد فعل خصمه الذي يعرف بنزاهته. فهو لا يباع ولا يشتري. أدار الفكرة في رأسه مراراً ثم تجرأ وأفرغ الإقتراح دفعة واحدة:
- أنا مستعد للدفع أطلب ما تريد وسأحضرها لك في الحين.
إندفع مصطفى عمروش وتحرك في مكانه، أراد النهوض، لمس برأسه السقف الداخلي للسيارة: نسي أنه بداخلها، فتح الباب وقبل أن يخرج أدار رأسه كلية نحو السرجان وصرخ بغيظ:
- المسألة مسألة ضمير وليست مسألة مال، ثم اسمع لي جيداً، سأبوح لك بسرٍّ طالما كتمته في قلبي. من باع "سعيد سِتْواح" المجاهد الجريح الذي كان مختفياً في دارلالة فطومة آه.. قل لي.. من أوصل الخبر إلى "مِسْيو غُومِيز" الذي أوصله بدوره إلى الجيش الفرنسي؟
أنت محظوظ، وعمرك طويل.. عرفت الخبر بعد الاستقلال بسنوات، لو عرفته في حينه لـ.. وبانفعال شديد، غادر السيارة ضارباً الباب بقوة واتجه نحو القرية راجلاً وغاضباً يأكل نفسه من الندم لأنه لم يعرف الخبر في الوقت المناسب، ولو عرف الخبر في حينه لذبح السرجان بسكين صدئة كي يطلق شخيراً مثل شخير الحلوف البري ويصارع الموت ليلة كاملة قبل أن يلفظ أنفاسه.
لم يلتفع نحو السرجان الذي خرج هو أيضاً من السيارة راكضاً وراءه، صائحاً:
- إنك تظلمني.. أقسم لك بشرفي وأمي المدفونة تحت التراب وبدم الشهداء الطاهر أنني لم أبع أحداً.. من قال لك هذا الكلام؟ أنا مستعد لمواجهته.. أنا بريء.. أنا بريء.. كان يتوسّل يتضرّع، يريد أن يبكي، أن يفعل أي شيء لاثبات براءته أمام مصطفى الذي واصل سيره ولم يهتم بكلامه. كان مقتنعاً بفعل الخيانة، اقتناعاً راسخاً لا يزحزحه زالزال مهما كان عنفوانه، كان يفكر بسرعة جنوينة، ومخه يغلي غلياناً بركانياً وصوت العجوز التي اعترفت له بالسر يرن في أذنيه، مدوياً ومتحدياً كل الأصوات، كأنه يستمع إليه في اللحظة نفسها، رغم مرور سنوات طويلة منذ ذلك اليوم الذي قاده الطريق إلى إحدى الدشور المجاورة للقرية، وأثناء عبوره الدروب الملتوية، صادف عجوزاً ترعى بعض الماعز فسلم عليها وردت عليه منادية إياه باسمه، فسألها إن كانت تعرفه فأجابته: تعرف الأسود في كل مكان.
كان متعباً من المشي، فاغتنم الفرصة ليستريح قليلاً، وتجاذب معها أطراف الحديث فاتضح أنه يعرف ابنها الشهيد ابراهيم الذي قتل في احدى المعارك. وقالت أن لها ابنا آخر هاجر إلى فرنسا ولم تعد تسمع عن أخباره شيئاً، فلولا بناتها الخمس لماتت جوعاً وافترس الذئاب جثتها الهزيلة الناشفة. كانا على قمة رابية، والقرية تبدو واضحة المعالم في الأسفل وكانت الأشغال قد انطلقت في تشييد قصر السرجان وكان قد كثر الحديث العجيب عن أسرار قصره من الداخل. نطقت دون مقدمات:
- الخونة يمتلكون نفس امتيازات المجاهدين أو أكثر، أما عائلات الشهداء فقد نسيها الجميع ولم يهتم بها أحد. السرجان الخائن الذي باع الشهيد سي السعيد أصبح اليوم آمناً ومرفها يبني القصور،وزوجة سي السعيد تعمل خدامة في المدرسة مع النشاف والمكنسة.
تساءل مصطفى عمروش مستقصياً:
- ماذا تقولين؟ السرجان هو الذي باع سي السعيد للجيش الفرنسي، من أين لك هذا الخبر الخطير؟
- نعم يا سي مصطفى السرجان التاجر العظيم اليوم هو الذي أخبر مسيو غوميز بمكان اختفاء سي السعيد يرحمه الله برحمته الواسعة.. كنت خادمة عند "مسيو غوميز المير" وكان السرجان يتردد باستمرار على داره ليفيده ببعض أخبار المجاهدين، ثم مباشرة بعد انصرافه، يتصل "مسيو غميز " هاتفياً، بالقبطان الفرنسي في "لاصاص" ليتخذ الاجراءات اللازمة ضد الجبهة.
وذات مرة كنت أستعد للخروج من عند مسيو غوميز حين دخل السرجان لاهثاً وبعد التحية مباشرة عرفه بمكان وجود المجاهد الجريح، وفي لحظتها رفع مسيو غوميز التليفون واتصل بالقبطان، انصرفت وكاد الغضب ينسيني لباس "الحايك"، آكل نفسي من العجز والضعف أقلهم ، وقبل أن أغادر القرية، كانت السيارات العسكرية تحاصر دار لالة فطومة، عدت إلى هذا القربي الذي تراه أمامك، فهو لم يتغير وما زال على حاله منذ بناه زوجي رحمه الله بعد حرب الألمان، بت ليلة سوداء وبكيت بكاء مراً علي سي السعيد وعلى زوجي الذي كان قد توفي قبل ذلك بأقل من نصف سنة وهو يتقبأ الدم من صدره المهرس.
في تلك الليلة لم أكف عن طلب الله بأن ينزل عقوبة جهنمية على السرجان يسخطه ويحوله إلى كلب أجرب أو جيفة نتنة. ولكن حكمة الله فوق الجميع. عاش السرجان وكل يوم يمر يزداد غني وتجبرا.
- ولكن لماذا لم تخبري المجاهدين؟
- من أين لي أن أعرف وجه المجاهدين؟ كنا نسمع عنهم ويصلنا دوي الرصاص في الجبال والوديان ولكننا لا نعرف أحداً منهم. كان ابني ابراهيم معهم ولم أره بعد صعوده أبداً.
أخبرنا أحدهم بأنه سقط شهيداً في أحد الوديان ولم نتشرف حتى بدفنه ولا نعرف قبره إلى حد الآن، كنت عجوزاً خفت من بطش "مسيو غوميز" والسرجان، كنت مغلوبة على أمري وحيدة مع بنائي الخمسة وابني الذي لا يتجاوزالخامسة من عمره. كنا نسكن في هذا الكوخ وحدنا، لا رجل يحمينا، كانت الظروف قاسية.. والآن تعرف الحقيقة ولكن لا يمكن أن نتكلم. لو يسمع السرجان يستعين بالدرك ويطردوننا من كوخنا وربما يدخلوننا الحبس.. إنه قوي والحكومة معه.. انظر إلى قصره فقط كيف يبنيه بدون مساعدة الحكومة.
تنبه مصطفى عمروش إلى السبب الذي أدى إلى عدم ضبط السرجان متلبساً بالخيانة، كان يتصل برئيس البلدية الذي يتصل بدوره بالجيش والدرك. حسب لها حسابات ملتوية. في تلك اللحظة فكر في ذبح السرجان أو قتله بالرصاص وراودته الفكرة أياماً ثم اندثرت.
كتم السر لنفسه، إذ لا تفيد إذاعته في شيء. العفو الشامل يحمي كل الخونة والحركة إلى الأبد.
أدرك سكان قرية عين الفكرون المتراصفين داخل المقاهي حول الكارطة والدومينو والمتسكعين عبر االشاعر الكبير الوحيد يذرعونه ذهاباً واياباً في استمرارية رتيبة لقتل الوقت وجلب التعب لأجسامهم الرخوة كي يتمكنوا من النوم في هذه الليالي القائظة،أن خلافاً حاداً دبَّ بين الرجلين وأن الصراع لا ينتهي بخير منذ شاهدوا السرجان راجعاً وحده في سيارته بعد أن غادر القرية برفقة مصطفى عمروش.
ارتعدت أوصالهم وتخيلوا أشياء لا تحدث دائماً إلا في أفلام العنف والمغامرات التي يشاهدونها يومياً مسمرين أمام أجهزة التلفزيون، هذه الأجهزة التي انتشرت مثل الجراد حتى أصبحت العائلة الواحدة الساكنة في شقة واحدة تملك ثلاثة منها تفادياً للمناظر المحرمة اللاأخلاقية حفاظاً على مظاهر الشرف والأصالة، فيختلي الأولاد بجهاز في غرفة وتتحاشر البنات أمام جهاز ثاني وينفرد الأب مع زوجته بجهاز ثالث في غرفته كي يشاهد ما يقدم من الأفلام دون خجل أوحرج من أي نوع. أما العائلة التي قابلتها الدنيا بأستها وتتحاشر مرغمة في غرفة واحدة، فيكتفي أفرادها بالتنحنح والانشغال بالحديث المفتعل كما ظهرت فاتنة على الشاشة تعرض مفاتنها المغرية.
وخافوا أن يكون السرجان قد عملها وتخلص من مصطفى عمروش في لحظة غضب، ولكنهم سرعان ما تنفسوا الصعداء وهم يشاهدون هذا الأخير قادماً تجاه القرية يمشي بسرعة على حافة الطريق منشغل البال ومضطرب الحال يكتم غيظاً عظيماً، أصر مصطفى عمروش على العودة إلى القرية راجلاً رغم توسلات السرجان الذي تبعه، واقتفى أثره راكضاً على قدميه أول الأمر ثم امتطى سيارته ولحق به طالباً منه الركوب تفادياً لكلام الناس وتمتماتهم القائلة.
ماذا يكون موقف أهل القرية بعدما يشاهدوا الرجلين عائدين منفردين وقد  غادرا القرية في سيارة واحدة، ولم ينطق مصطفى عمروش بحرف واحد ، تابع سيره مطرقاً رأسه ومقسماً مع نفسه أن لا يمتطي سيارة السرجان أبداً حتى ولو عاش قرناً ونيفاً من الزمن وأصيب بشلل كلي ووجدنفسه منعزلاً في مكان قفر خال تماماً من السيارات إلا سيارته لما ركبها ولتحمل الزحف على البطن مثل الدودة التي لا حول لها ولا قوة عبر كل الدروب الملتوية الوعرة إلى أن يلفظ آخر أنفاسه ويستريح.
كتم الرجلان سرّ الخلاف ولم يروياه لأحد. ورغم ذلك روى الناس حكاية الاختلاف بتفاصيل كثيرة، كأنهم كانوا محلقين حول السيارة يشاهدون ويسمعون ما يجري بداخلها أو أنهم يسردون حكاية شاهدوا وقائعها في التلفزة.
عرف أهل القرية أن السرجان طلب شهادة نضال في صفوف الثورة وأن مصطفى عمروش رفض الامضاء، واتهمه بالخيانة.
ولم يتوقف الصراع عند هذا الحد بل تعمق وتشعب مع ما يرويه الناس من حكايات من ماضي الرجلين حيث ارتفع عندهم الحماس في نبش قبور الذاكرات ونفض الغبار ونزع خيوط العنكبوت عن كل صغيرة وكبيرة تخص حياتهما. يترقب الجميع تصرف كلا الرجلين ويتشوقون لروايتها كل مساء كنشرة أخبار يومية، في البداية كان الصراع ملغماً ولكنه صامت دون مواجهة، ثم تجذر موقف السرجان وتطرف، حيث إنفلت من السر والكتمان إلى الجهر والعلائية. فراح يعلن في الملأ لزملائه وبصوت جهوري مرتفع في نبرة متحدية:
- سأخذ البطاقة بالمليح أو القبيح، سأخذها رغم أنف مصطفى عمروش الذي يحسب نفسه المجاهد الوحيد في هذه القرية.. كلنا ساعدنا الثورة..المجاهدون كانوا يترددون على داري ونجلس الليالي الطوال نتحدث في أمور تخص استقلال البلاد. كنا نخطط إلى ما بعد الثورة وكنت أزودهم بمعلومات سرية عن الجيش الفرنسي، وخططه العسكرية، كنت أعرف كل شيء عنه، تعلمتها أيام كنت في صفوفه.. في حرب الألمان.. وفي حرب الأندوشين.. ماذا كان مصطفى هذا؟
- حارساً لمغاور لاغير ، ولم يشارك في أية معركة بل كان يعجن مع زوجته ويحضران الأكل للمجاهدين الحقيقين . كان مثل المرأة تماماً .. واليوم ينصب نفسه وصياً عن الثورة
سنرى من هو الأقوى.. سأتصل بأصدقائي المجاهدين الحقيقيين في العاصمة وسيطردونه من مكانه، إن لم أكن أنا السرجان.. وإلا ما كنت أنا سرجانا.
كان يتكيء على الجانب الخارجي للكونطوار الطويل داخل مقهاه، يحيط به مجموعة من الرجال من أصدقائه ومن بعض المعارف البعيدين الفضوليين، يتعمد رفع صوته كي يسمع الصالة بكاملها، يتظاهر الجالسون بلعب الدومينو ولكن كل جوارحهم متيقظة لاستقبال حديثه والتمتع بعد ذلك بروايته. ويصل الخبر إلى مصطفى عمروش مباشرة بعد اذاعته، لربما يكون السرجان لم يغادر المقهي بعد، تنتشر الأخبار بسرعة البرق. ولا يُخفي خبر مهما كان خطيراً، بل بالعكس نوعية هذه الأخبار غير العادية هي التي يتسارع الناس ويتلذذون في روايتها. الكل يعرف الكل عن الكل، لم يتسرّع مصطفى عمروش إلى الاجابة عن اشاعات خصمه بل تريث وانتظر أن تمر الزوبعة بسلام، رغم الانفعال والغضب الظاهرين على قسمات وجهه وأصابعه المرتعشة قليلاً وبريق عينيه السوداوين اللتين تحلمان بانتقام ما، يكون لون الدم الأحمر القاني هو اللون الطاغي على كل الألوان مهما تضاعفت كثافتها. نصحه بعض أصدقائه المقربين بتجنب شر السرجان وبطشه. إنه قوي بماله وعلاقاته المتشعبة مع مسؤولين كبار في الدولة بل منهم من قالها صراحة دون التواء، الامضاء والتخلص من الأشكال، إنها بطاقة بسيطة لا تنفعه في شيء ولا تضر منظمة المجاهدين، هو شيخ بدأ يخرف يملك كل شيء إلا هذه البطاقة التي يتصور أنها ستعيد إليه الاعتبار، ربما يشعر بالندم من تصرفاته إبان الثورة ويريد إراحة ضميره. كاد مصطفى عمروش يعترف جهراً بواقعة الخيانة وأن الذي باع مجاهداً جريحاً مصاباً بخمس رصاصات إلى الجيش الفرنسي يستحق الذبح أو الشنق أو الدفن حياً.
فكيف يمنح بطاقة نضال لخائن كان يتبختر في النعيم فيما كان الثوار مطاردين كالذئاب عبر الأودية والغابات الموحشة، هروباً دوماً من القنابل المحرقة والتمشيط العسكري الشامل متحملين البرد القارس وارتفاع حرارة الطقس والجوع والعري والحفى، ولكنه تراجع في نهاية المطاف متحججاً بعدم تعميق وتوسيع الجرح، بعد أيام سيصمت السرجان وينشغل بأعماله وينسي قصة البطاقة، نهائياً، خمن هذا الكلام دون أن يحسب حساباً لتعنت السرجان وإلحاحه على أخذ البطاقة مهما كلفه ثمنها.تعود ريح كل القضايا التي يخوضها، فما معنى أن يخسر هذه بالذات؟ فلم يتراجع ولم يتنازل عما أسماه حقاً شرعياً له، بل طفق يعلن جهراً في كل مناسبة وفي كل مكان عن نيته في أخذ البطاقة النضالية ومن امضاء مصطفى عمروش نفسه مستعداً لاستعمال كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة فهو قادر على صنع المعجزات.. إنه السرجان سي أحمد تكوش.. من لا يعرفه في المنطقة؟ تجاوزت أخباره قرية عين الفكرون وتسربت إلى غاية العاصمة، ابتدأ من لا شيء وجمع ثروة ضخمة تعجز عن عدها الحاسبة الالكترونية ويمكنه الافتخار بدون خجل أنه من بين أكبر أثرياء البلاد إن لم يكن أثراهم جميعاً مثلما يحلو له أن يعلق مزهواً.
اتصل بالمجاهدين واحداً واحداً وكلمهم عن نيته التي وصفها بالشرعية وأن مطلبه حق من حقوقه مثله مثل غيره من الناس، ثم ذكَّرهم بأسماء رجال يملكون البطاقة النضالية وهم لم يغادروا ديارهم طوال السنوات السبع، بل كان بعضهم يغازل السلطة الاستعمارية ولم يكن يتردد في افشاء أسرار مهمة تسيء إلى الثورة، ومن هذه النقطة توسع الصراع ولم يبق بين الخصمين بل مس مجموعة من الذين تحصلوا علي البطاقة بطرق ملتوية مع فوضي الاستقلال. هدد السرجان بفضح الأسماء المزورة إذا رفضت له البطاقة، وأضاف أنه يملك معلومات خطيرة عن بعضهم.
بعد مد وجزر، قررت المنظمة عقد اجتماع طاريء لتدارس الوضع تفادياً لتدهور وتسرب بعض المعلومات إلى السلطة العليا التي ستوفد لجنة للمراقبة والتحري في القضية، هكذا خرج مصطفى عمروش مبكراً في هذه الصبيحة القائظة متوجهاً نحو مقر المنظمة ليترأس الاجتماع المصيري الذي سيفصل في الأمر بصفة نهائية حينما التقي في طريقه بالسرجان والحاج محمد مجبور. لو كان الأول وحده لما توقف. كان الحاج مجبور طاعناً في السن يتجاوز السبعين ومجاهداً قديماً من السنوات الأولى للثورة، اعتزل الحياة في السنوات الأخيرة وبالضبط منذ أدائه لفريضة الحج لم يعد مصطفى عمروش يراه إلا نادراً ، تقدم نحو السيارة  سلم علي الحاج مجبور، متجاهلاً السرجان الذي اشتم بدوره توتر الجوّ ولزم السكوت مكتفياً بالسماع. قال الحاج مجبور في نبرة الخاشع والواعظ الديني.
- صلي على النبي ياسي مصطفى.. وقدر الموقف برزانة وحكمة، بطاقة تُرضي غرور شيخ مسنّ، لا تضر أحداً... فهو لم يخن علي أية حال وأكد أنه دفع الاشتراكات للجبهة.. نحن لا نريد مشاكل في هذه القرية، وبماله يساعد البلدية في اتمام مشاريع متعددة وهو مستعد لبناء مسجد كبير بثروته وعماله وألاته دون مساعدة من أحد، إنه يطلب التوبة.
فكن حكيماً وقف بجانبه في الاجتماع أو على الأقل التزم الحياد واترك الجماعة تقرر..
لم يكن مصطفى عمروش ينتظر مثل هذا الموقف من صديقه القديم. تأمله قليلاً، هز رأسه بمرارة وقال: الله يهديك ياسي الحاج... أنت زرت بيت الله وقبر النبي المصطفى، وانعزلت للعبارة، فما الذي حشرك في هذه الزوبعة؟ عد إلى دارك ودعك من المشاكل... قفل راجعاً بعد ذلك وأتمم بقية المسافة دون أن يتوصل إلى تنظيم تفكيره وازالة الاضطراب والتوتر، استرسل في خطاب داخلي منفعل تكاد الكلمات تطفو على شفتيه اليابستين من ارتفاع الحرارة:
" إذا أراد التوبة فليطلبها من الله، هو وحده الذي يقبلها أو يرفضها... أما البطاقة فما دمت حياً وفي هذا المنصب أقسم بروح كل الشهداء الأبرار أنه لن يراها... سأفضحه في الاجتماع بحضور الجميع، أتوقع أن يسانده كثير من أخواننا المجاهدين الذين لا يعرفون الحقيقة أو أشباه المجاهدين الذين لا يملكون من الجهاد إلا البطاقة، ولكني سأرفض رفضاً قاطعاً، أن أتنازل عن موقفي، لن ألطخ ذكرى سي السعيد ومعه كل الشهداء.
قاوم البطل التعذيب المرعب أسبوعاً بأكمله رغم الجرح ولم ينطق الا صراخاً وأنيناً.
يتصور مسيو السرجان أنه يشتري كل شيء بماله.. فليبن مسجداً بل آلاف المساجد... ماذا تفعل قرية عين الفكرون بالمسجد؟ يصلي المسلم في أي مكان... ومسجدنا يكفي لجمهور المصلين، توجد أشياء لا تشترى حتى بالذهب الخالص. لم أبع كرامتي بالأمس ولن أبيعها اليوم وأنا لم يبق لي من الدنيا إلا القليل."
أشرف علي مقر القسمة فلاحظ جمهوراً غفيراً من الرجال كهولاً وشيوخاً وافقين وسط الساحة في حلقات ثنائية وثلاثية ورباعية يتجاذبون أطراف الحديث في حماس ظاهر وملفت للانتباه، لحظة تشبه فترة انتخابات المجلس الشعبي البلدي. حينما اجتاز سياج الحديقة هرع الجميع يسلمون عليه، مصافحين ومقبلين، فأنشغل بالحديث مع رفاق السلاح وأصدقاء الطفولة متناسياً لفترة ما قلقه وترتر أعصابه وملاحقة السرجان له حتى في أحلامه.


الفصل الثاني

تمدد بطوله الفارع على الفراش يستريح قليلاً من الحرارة المضطرمة خارج البيت، وربما يستغرق في نوم ينسيه القلق والحيرة والتعب. كان الضوء يتسرب خافتاً من الفتحات الضيقة للنافذة الخشبية ولكنه لا يصل إلى حد اغراق الغرفة كلية. فبقي الجو بداخلها مظللاً ودافئاً يرخي العضلات ويجذب النوم باغراء أينما كان مختفياً هارباً هو الآخر من الاضطرام السائد وسط القيلولة، أدار الراديو الموضوع بجانبه، فأنطلق صوت المذيع، وتيباً متنأوماً يذيع الأخبار الوطنية والعالمية، بنفس الوتيرة المتواصلة لا يفرق بين أخبار مهمة وأخرى تافهة، بين أحداث جديدة وأخرى قديمة ما فتىء يكررها ويلوكها منذ أيام دون ملل أو سأم. انساق مصطفى عمروش خلف الصوت لدقائق معدودة ثم هاجره بدون وعي منه إلى هواجسه الباطنية التي تلاحقه وتطارده وتجذبه إليها بقوة المغناطيس أو الجاذبية الأرضية. بعد مدة لا يعرف كم استغرقت من الوقت أعادته موسيقى صحراوية رتبية مثل الجو الحار ساعة الظهيرة إلى الاحساس بالعالم المحيط به، فانبعث صوت المغني الجهوري، صاحب النبرات الخشنة في مد طويل يليق بالفضاءات الشاسعة الممتدة إلى ما لانهاية، فلاة مسطحة وخط مستقيم لا يكسره حاجز مهما كانت أهميته من أشجار باسقة أو تلال شامخة أو واحات منقذة. موسيقى صحراوية بسيطة، تلك هي المقاطع المفضلة عنده، يسرح خلفها في فضاءاته الممتدة إلى أقصى ما تصله العين النافذة والمخيلة الجامحة، لحظة لذيذة، غرق في ثنايا أحابيلها حالماً بأشياء جميلة مزينة بكل الألوان الناصعة ما عدا الأحمر القاني. وفجأة انتقطعت الأغنية وعاد صوت المذيع مزعجاً ومعه استيقظت آلامه وعامت على السطح مضطهدة لحظات السكينة المجلبة للنوم المريح.
من ساحة المنزل تواصل إليه صراخ ابنه الأصغر المدلل ثم صوت الأم ناهراً مزمجراً، ومهدداً ابنها الثاني الذي يكبر الأول بسنوات قليلة ويكون قد تخطى سياج الحديقة، بمجرد ظهور الأم علي عتبة الباب قادمة من المطبخ. يختفي حتى تهدأ أعصابها ثم يعود مختلساً محاذياً الجدران كالذئب الخطاف. انقطع البكاء وهدأت الأصوات وعاد الصمت الثقيل من جديد ومعه الحرارة الجافة التي يبدو أنه تصاحب السكون فترتفع بارتفاعه وتضعف بضعفه، وعاد مصطفى عمروش إلى القلق والحيرة والذكريات المحزنة والمؤلمة.
كان صدره عارياً ويداه مضمومتين خلف رأسه ومسندتين إلى المخدة الصوفية ويمسح ببصره وجه الجدار المقابل وبالضبط الصورة الكبيرة المعلقة في وسطه، صورة محمية من التمزق والبلي داخل إطار زجاجي من الوجه الأمامي المكشوف وإطار خشبي من الوجه الخلفي المخفي. تمثل رجلين وامرأة شابة تبتسم بخجل وحشمة، يلبس ثلاثتهم زياً عسكرياً، وهم واقفون بثبات وافتخار قرب أشجار الصنوبر وبعض النباتات المتوحشة المورقة التي توحي للناظر بأن الصورة التقطت في يوم من الأيام الربيعية الزاهية وسط غابة ما. كانت الفتاة تتوسط الرجلين، قصيرة القامة لكنها ممتلئة وعلى رأسها قبعة كبيرة وفي وسط ذراعها الأيسر قطعة من القماش الأبيض رُسِمَتْ عليه خطوطاً بالأحمر، فهي فارغة اليدين فيما كان المجاهدان يحمل كل واحد منهما بندقية حرب على كتفه، محكماً إياها بشدة واعتزاز كأنه يخاف أن تفلت منه وتسقط على الأرض وتتركه يتيماً بدون حماية. كان مصطفى عمروش يقف على يمين الفتاة فيما وقف على يسارها صديقه الحميم صديق الصبا والطفولة والشباب علي زغمار الذي استشهد بعد أسبوع فقط من أخذ الصورة، استحضر الوجه البشوش، الوجه الذي تشبثت قساماته بكل تفاصيلها في ذاكرته حياً نابضاً، يتدفق حركة، وبريق العينين الشديدة السواد رغم مرور سنوات طوال منذ اليوم الذي استشهد فيه صاحب الوجه العزيز، حيث تمزق جسمه إرباً إرباً وأصبح كومة مشوهة من اللحم والعظام والدم المخثر والتراب والحصي بعد أن أصيب باحدى القنابل المميتة المنبعثة كالصاعقة من الطائرات العسكرية المسربلة المحومة فوق رؤوس المجاهدين المذعورين الذين لم يعرفوا أين مسلك النجاة من الجحيم الجهنمي قتل الكثير منهم في تلك المعركة ، وجرح مصطفى عمروش بشظايا متفجر جروحاً خفيفة التئمت آثارها بعد أسابيع . كما استحضر صوته وضحكاته المرتفعة المدوية ، وطريقة مشيه وركضه فعاش لحظات مفرحة وأخرى محزنة  ، في حنين قاتل إلى العودة إلى الماضي الذي كانت فيه الحياة غالية يضطر الانسان إلى الدفاع عنها بكل ما يملك، ماض يعرف دوي الكلمة وقيمة الوعد وحرارة الدفاع عن قيم لاقيمة لمال الدنيا كله بجانبها. بعد سنوات من الاستقلال الوطني حينما انتشرت موضة البحث عن جثث الشهداء واعادة دفنها في مقابر جماعية جميلة مزينة بالورود المتفتحة والرسوم النحتية المعبرة، عاد إلى ميدان المعركة التي قتل أثناءها صديقه. كان ضمن وفد كلف رسمياً بالبحث عن الرفاة، فاتصلوا بسكان الناحية وعثروا على رجل ما زالت ذاكرته نابضة بالحياة فأعادهم إلى تلك الأيام البطولية الراسخة، يومها، اندس الرجل وسط الغابة يقطع الديس الأخضر ليغطي به سقف غرفة جديدة يخصصها لابنه البكر الذي كان سيتزوج في تلك الصائفة فسمع دوي الرصاص المتعالي وصوت "الله أكبر" الرهيب فأدرك بالعادة أن اشتباكاً قد واجه المجاهدين ضد الجيش الفرنسي.
ابتعد عن المكان متسللاً بين الأشجار والأحراش لكنه لم يذهب بعيداً حينما تواصل إلى أذنيه خرير محركات الطائرات الحربية التي تمطر ناراً ملتهبة، يرعد المنطقة كلها، فانحتى وسط "ضَرْوَة" يبسمل ويحمد الله ويطلب النجاة متمتماً بين شفتيه عبارات متلعثمة غامضة. استمر القصف مرعباً، يزرع الموت والدمار والعقم، والطائرات محلقة في ذهاب واياب دون توقف. انفجرت قنبلة أولى لم تصبه شظاياها، بقي مختفياً في مكانه طيلة يوم كامل ولم يتحرك إلا مع غروب الشمس، بعد أن تأكد من السكون الكلي وانسحاب العساكر من المكان فخرج متسللاً من مخبئه عائداً إلى الدشرة، وأثناء الرجوع سمع وقع أقدام ثقيلة ومتعثرة فانحنى جانباً ينتظر خائفاً وقلقاً، وإذا بمجاهد جريح يتشبث بأغصان الأحراش بيد ويمسك بندقية بيد أخرى يحاول تسلق منحدر متجهاً نحو عمق الغابة.
وقال الرجل باعتزاز أنه ساعد المجاهد الجريح على الخروج من المأزق فأدخله داره وقامت أمه بمعالجته ثم اتصل بمسؤول الدشرة الذي أخبر المجاهدين فأرسلوا رجلين في ليلة الغد أخذا معهما الجريح مسرجاً فوق بغل قوي، محملاً بالقمح والشعير والعدس. وأضاف الرجل في رواية مستفيضة أمام الجميع مشاركته في دفن القتلى مع سكان الدشرة، فهالوا وذعروا للمناظر الوحشية التي عثروا عليها في ساحة المعركة، أجسام مهمشة، ممزقة، جثث ضائعة المعالم، أذرع وسيقان مرمية وحدها، انفصلت بعنف عن الأجسام وبقيت تنزف دماً، حلف الرجل وأقسم بالرب والأنبياء أنه وجد الدم دافئاً لم يتخثر بعد، وجوه ملطخة بالدماء المخلوطة بالتراب والعرق والندى، أعين مفتوحة وثغور تبتسم للسماء الصافي، لم تفقد من حيويتها وفرحها وذعرها شيئاً. وأضاف الرجل باصرار أنه رأى لأول مرة في حياته فرحاً ممتداً لا نهاية له وخوفاً رهيباً على أحد الوجوه الفتية لشاب لم يتجاوزالعشرين، قتل برصاصة في قلبه، وهو الشهيد الوحيد الذي بقي جسمه سليماً، لا جروح عليه ولا تراب. احتار الرجل في تلك اللحظة ولكنه طمأن نفسه بأن الدنيا مليئة بالعجائب وأن الله يخلق من الغرائب مايشاء، دلهم الرجل على القبور المتراصفة تحت أشجار مظللة دون أسماء، قديمة، كان ترابها يستوي مع الأرض، ولم يعرف أهل الدشرة إلا اسم شهيدين كانا من المنطقة . أما بقية القبور فهي مجهولة لا يعرفها ولايزورها أحد لم يعرف مصطفى عمروش أي العظام لصديقه، فالعظام كلها متشابهة، أما الفتاة الشابة الواقفة بين الرجلين فقصتها كانت تروي على غرار الحكايات الشعبية التي تجمع الناس الفقراء في الليالي الشتوية الباردة الطويلة حول الموقد الدافيء. سمع كل أهل المنطقة بقصتها، قصة رددتها بافتخار واعتزاز وأضافت إليها أحداثاً فرعية كي تصبح متكاملة وحلوة للرواية، تغري السامعين.
تنهد مصطفى عمروش بعمق، اقتحم الحنين فجأة صدره الذي أصبح يضيق بمثل هذه الذكرايات القاسية كلما تقدم في العمر. أصبح يتألم كثيراً كلما استرجع هذه الذكريات وفي أحيان متعددة تطفح الدموع على سطح عينيه الذابلتين المتعبتين وهو يجهد نفسه لمعرفة نوع الأحاسيس والأفكار والخواطر التي راودت صديقه وهو يحتضر ويلفظ أنفاسه. كانوا جميعاً يستهترون بالموت ويذكرونه في أحاديثهم كشيء عادي. والغريب في الأمر أنهم ينسونه كلياً أثناء المعارك. يفكرون في قتل الأعداء وفي كيفية النجاة والعودة إلى القواعد المخفية وسط الجبال في المغارات المهجورة منذ الأزمنة البعيدة سالمين فرحين، وإذا أصاب الموت المحتوم أحدهم، يتألمون قليلاً، يشعر بعضهم بالفراغ وربما بالخوف ولكن سرعان ما يغادرهم هذا الشعور إذ يقنعون أنفسهم بأن الموت ضروري لربح المعركة الكبرى، وأنهم يقينا سيلتحقون بأصدقائهم وهناك يغمرهم نوع من الابتهاج والسكينة ويتصورون الجنة بمختلف الأشكال في مناظر مبهجة حميلة. حيث النوم العميق والأكل الوفير والدفء والراحة. في السنوات الأخيرة، بدأت خواطر مفزعة تطارد ذهن مصطفى عمروش وتلاحقه دوماً. في ماذا كان يفكر علي زغمار في اللحظة التي أصيب بها بالضربة القاتلة؟ هل مات بالرصاص أم تمزق جسمه بالقنبلة وانفصلت ذراعاه ورجلاه بعيداً عن بقية الأعضاء؟ هل بقي يقظاً ينظر إلى الدم المتفجر من أحد أجزاء جسمه الملقية قربه؟ وتمنى مصطفى من صميم قلبه أن يكون الموت قد أدرك صديقه الحميم في رمشة عين تجعله لا يشعر بوخز الألم وضغطه.
وحينما تنهال عليه المشاكل ويكثر القيل والقال حول نزاهة قدماء المجاهدين الذين انساقوا خلف الامتيازات المادية وتحايلوا وتشاجروا وتآمروا من أجلها، ونظرة الناس إليهم وخاصة الشباب الذين يتذمرون ويرون فيهم السبب الرئيسي للبطالة التي ما فتئت تنتشر يوماً بعد يوم، يفضل لو استشهد في احدى المعارك ومات شهيداً ليبقى اسمه نبيلاً طاهراً يذكر باجلال وشموخ أما وهو حي بين أصدقاء تغيروا كلياً وأصبحوا يعتبرون هذه الامتيازات التي يسمح بها القانون حقاً شرعياً، مكافأة لهم تعويضاً عن الجوع والعري والتعب والخوف أيام الثورة التحريرية فلا مفر من السكوت وتقبل الانتقادات بصبر وتبصر.
سمع مرة شاباً يحاور صديقه، وهو داخل الحافلة ذاهباً إلى العاصمة يتكلم بصوت مرتفع يملؤه الحقد والغضب، قائلاً بأن المجاهدين استولوا على كل شيء، سيارات مساكن محلات تجارية، مناصب شغل ولا يمكنك أن تحاسبهم على فعل خاطىء أو تغيّب. انتفض بداخله واستشاط غضباً لحظتها ولكنه صمت ولم يقل شيئاً إذ في انتقادات الشاب كثير من الصواب. حينما كانوا يجوبون الجبال والأودية، راودهم أمل وحيد، ليلاً ونهاراً، أكبر مكافأة تمنح لهم استقلال البلاد والعودة إلى عائلاتهم والتخلص النهائي من المطاردات والانتظار القاتل.
حورية، طفلة مرحة، ضحوكة دوماً، يعرفها منذ كانا صغيرين يركضان معاً ويجلبان الماء من الوادي عبر دروب وعرة ملتوية موحلة في قر الشتاء ومغبرة في قيظ الصيف. كان يكبرها بثلاث سنوات لاغير. ونمت بينهما صداقة متينة مليئة بالاعجاب والتفاهم، وكبر هذا الشعور معهما إلى أن أضحى حباً قوياً يتحمل المصائب والتضحيات، يلتقيان علانية ويتحدثان طويلاً عن كل شيء يخطر على بالهما، لم يكن الحديث يهمهما بقدر ما كان هاجسهما الوحيد هو المكوث معاً ولأمد طويل بما أن لا شيء يخفي في القرية الصغيرة، فما هو سبب التستر والحذر؟ كانت عائلتهما على دراية بكل لقاءاتهما، ولم تمانعا منتظرتين اليوم الذي تحين فيه الظروف لإقامة عرس كبير لإسعادهما ولكن هذا العرس لم يتم أبداً، أو على الأقل لم يتم بالصورة التي تصورتها العائلتان.
في تلك السنين تغيرت حياة السكان في المنطقة كلها رأساً على عقب، كما تغيرت أحاديث الناس واهتماماتهم، فبعد أن كانت الحياة عادية، رتيبة، يتخبط سكانها في البحث عن لقمة الخبز دون الجرأة على رفع أصابعهم للاتهام الصريح والجهوري، وكادوا يفقدون الأمل في تحسين ظروف معيشتهم ويقنعون أنفسهم زوراً وبهتاناً بأن ما يتخبطون فيه من وحل ملطخ بالشر، إنما عقوبة الهية شرسة عن ذنوب اقترفها أجدادهم في يوم ما من الأزمنة الغابرة ولا مفر من التكيف معها والصبر على منوال النبي أيوب.. ربما في يوم ما...
وفجأة طفق أهل القرية يغلون ويفورون داخلياً، ويترقبون الأخبار بفارغ الصبر. اندلعت الثورة لتحرير الوطن وطرد المستعمرين بصفة نهائية، امتلأت الجبال المجاورة لهم بمجموعات مسلحة من المجاهدين أتوا من كل مكان واتصلوا ببعض الرجال من القرية. كان مصطفى عمروش شاباً قوياً وشجاعاً فتحمس كثيراً لما يحدث حوله. استهوته الأخبار وحب المغامرة وهاجس التخلص من المعمرين الذين يشتغل في مزارعهم مقابل ثمن زهيد. تكلم مع صديقه علي زغمار واقترح عليه الالتحاق بالأخوة في الجبال الشاسعة المحيطة بالقرية فوافق الصديق على الفور.
ومكث مصطفى متردداً لأيام فيما إذا كان يحق له مصارحة حورية بمشروعه، أم لا. وانتهى إلى رأي يقضي باعلامها. انتظر خروجها لجلب الماء فرافقها مسافة قصيرة، وهو صامت لا يعرف من أين يمسك الخيط. تنبهت حورية إلى حيرته وتساءلت عن السبب بدون مقدمات ودفعة واحدة، أجابها مرتبكاً، بنبرة فخورة لا تعرف الخوف أو التراجع:
- سألتحق بالمجاهدين في الجبال لتحرير الوطن.
لفظ العبارة بخفة، تماماً مثل مطر الإعصار الذي ينهمر فجأة وبكميات كبيرة ثم ينقطع بعد حين، لم تجبه مباشرة. توقفت عن السير، طأطأت رأسها فترة وجيزة ثم نظرت إلى التلال المقابلة لهما، وقالت بصوت ثابت ونبرة حادة:
هل يقبل المجاهديون النساء في صفوفهم؟ ابتسم مندهشاً وحدق في بياض عينيها قائلاً:
- أنا أتكلم بجد، لا أمزح.. الحياة في الجبال صعبة للرجال، فكيف يقبلون النساء أنهم يحاربون بالبنادق والرصاص..
أراد أن يقول لها أكثر من حياة الجبال لكنه يجهلها. ولكن رغم عدم معرفته بها فهو متأكد أنهم لا يقبلون النساء لأن المحارب ينبغي أن يكون خفيفاً كي يتنقل بسرعة ويسير في الليالي وينام وسط الأحراش والأودية، هل تتحمل المرأة هذه الحياة الشاقة؟ طبعاً لا.. خيم الحزن والمرارة على وجه حورية البريء.. ومكثت تفكر ملياً ثم فجأة برقت عيناها وقالت بخفة كأنها خائفة من تبخر فكرتها:
- ومن سيحضر لكم الخبز والطعام؟ أعرف. كل هذه الأشياء... تعلمت من أمي جيداً...
- اسمعي يا حورية... دعك من الكلام الفارغ، واكتمي السر ولا تخبري أحداً... نحن نذهب لنحارب فرنسا، أفهمت... لا نصعد إلى الجبال لجمع الحطب بل لمحاربة فرنسا، وهذه مسألة تخص الرجال دون النساء...
- بعد أن تلتحق بالمجاهدين، سأجيب من يسألني بأن مصطفى مجاهد كبير...
أجابت باعتزاز وكبرياء، رافعة رأسها باستقامة ثابتة. سكتت ثم قالت بخجل وارتباك موجهة بصرها نحو التراب:
- سأنتظرك يا مصطفى حافظ على نفسك والله يكون معك.
بعد يومين من هذا اللقاء الخاطف اقتفي مصطفى عمروش وصديقه علي زغمار آثار الدروب المُثعبنة وسط الأحراش التي لا تغطي جسميهما كلية ثم دفا وسط غابة من أشجار الصنبوبر والبلوط كثيفة الورق والأغصان، والتي لا توحي بوجود حياة إنسانية بداخلها، تأبطا معهما كيساً خيشياً يستعمل للقمح والشعير، رمياً فيه بعض اللوازم الخاصة من اللباس والأكل، وطافا وسط التلال والأودية بحثاً عن المجاهدين.
كانا يتصوران أنهما بمجرد الولوج داخل أول غابة، سيصادفان أفواجاً من الرجال الأشداء مدججين بكل أنواع الأسلحة، وسيستقبلان بالأحضان المفتوحة على مصراعيها، وتمنح لهما الرشاشات والبدلات العسكرية، ومباشرة تنطلق المعارك ويعيش الصديقان البطولات العجيبة. غدرا القرية في الصباح الباكر قبل انبلاج الفجر، فأشرقت الشمس مبتسمة ودارت دورة كاملة وأوشكت على الغروب، ولم يعثرا على شبح مجاهد واحد. أصابهما القلق والتعب والجوع، فاختارا لهما مكاناً آمناً تحت شجرة بلوط ضخمة، أكلا قليلاً وجلسا يتساءلان حائرين عن المكان الذي يخفي المجاهدين. توقعا مختلف الاحتمالات الممكنة حتى التي مفادها أن وجودهم اشاعة باطلة اخترعها الناس لتخويف المعمرين. ولكن ايمانهم بوجود "الخاوة" كان قوياً لا تزعزعه الشكوك ولا يضعفه يوم كامل من البحث الدؤوب. بقيت تساؤلاتهم معلقة في الفضاء بلا مجيب، ناما تلك الليلة بالتناوب مسترقين السمع إلى عواء الذئاب ونعيق الضفادع المنبثق من كل الأرجاء. وفي الصباح الباكر مع انقشاع أول خيوط الظلمة، كان الصديقان مستعدين للبحث وباصرار أكبر هذه المرة. المنطقة جبلية، تغطي الأشجار مساحتها، وهي خالية من السكان. بلّل الندى ثيابهما أثناء الاحتكاك بالأغصان المورقة وأصاب وجهاهما وأذرعهما بخدوش بسيطة، أسالت بعض قطرات الدماء. حينما ارتفعت الشمس وكونت زاوية مستقيمة مع الأشجار، تضاعفت حرارتها مما اضطرهما إلى الاستراحة تحت ظل غصن مورق يحجب رؤية أديم السماء. لم يسمعا أي صوت حتى وجدا رجلاً واقفاً على رأسيهما متسائلاً بنبرة حادة:
- ماذا تفعلان هنا في هذه الغابات البعيدة؟ صعقهما الرجل بسؤاله وهيئته الوقورة. كان واقفاً بثبات يرتدي قشابية صوفية بنية اللون، غطت كل جسمه ما عاد ذراعه الأيسر، وعلى رأسه شاشية حمراء. تبادلا الصديقان نظرات حائرة وأدرك مصطفى بحدسه أن هذا الرجل منهم بلاشك  فوقف بخفة وقال:
- جئنا عندكم.. كنا نبحث عنكم منذ صباح أمس: تبحث عن من؟
- المجاهدين... جئنا نحرر الجزائر... نحارب فرنسا..- ومن قال لكم بأنكم ستجدون المجاهدين هنا؟ أنا أسكن المنطقة ولا أعرفهم ولم أسمع عنهم شيئاً. احتار مصطفى أي الإجابة الملائمة يقدمها للرجل الغريب. تردد قليلاً، تلعثم ولكن سبقه صديقه علي في الرد السريع العفوي- في قرية عين الفكرون سمعنا بأن "الخاوة" يسكنون الجبال ويقاتلون لطرد الفرنسيين من بلادنا فجئنا نلتحق بهم.
حدق الرجل في سحنتهما بإمعان. بقي لحظة شادر الذهن كأنه يفكر في قرار ما ثم أخرج يده اليمنى من تحت القشابية وأدخل ابهامه وسبابته على شكل دائرة داخل فمه وأطلق تصفيرة مدوية. وما هي إلا ثوان حتى امتلأ المكان برجال مسلحين ينظرون إليهما مثلما ينظر الصياد إلى غنيمته. سر الصديقان سروراً عظيماً وتبخرت الشكوك والأتعاب وحل محلها الحماس والاستعداد الأعمى. تضاعف سرورهما حينما تعرفا على ثلاثة رجال من قريتهما وقويت عزيمتهما واطمأنا لحالهما أيما اطمئنان، وهكذا أصبح الصديقان في صفوف الثورة يشاركان في التدريبات والرحلات والأعمال الخاصة بتحضير القواعد الجديدة وتحسين أماكن الراحة الآمنة، وبعد مرور أشهر قليلة أصبحا جنديين متكاملين وبدأت المعارك والبطولات والمآسي..
ومكثت حورية في منزل أبيها حزينة لفراق حبيبها، وسعيدة لأنه رجل شجاع ومجاهد، لم تدرك مكانته في قلبها إلا هذه المرة. قبل ذلك كانت العلاقة عادية، تستطيع رؤيته ولو خلسة من بين يقوب الأبواب والجدران والجدران أثناء دخوله أو خروجه إذ كانت العائلتان متجاورتين في المسكن. أما وهو غائب فاشتاقت إليه كل الاشتياق وحنت إلى كلامه وإلى وجهه وإلى نظراته.
عند القيلولة حينما يهدأ الضجيج، وتقل الأعمال المنزلية تتمدد على الحصير وسط باحة الدار وتسرح خلف الذكريات الجميلة وتتخيل مواقف سعيدة، ترفض نهايتها وتتمنى لو تستمر الأحلام بلا انقطاع إلى مالانهاية تضجر وتفور قلقاً وارتباكاً حينما تداهمها أمها بأمر ما، فتضطر إلى النهوض والانصياع مكرهة، مكفهرة الوجه متناعسة. فكانت تتخيل مصطفى بلباس المجاهدين وببندقية تلمع لمعاناً ساطعاً، يباغتها في لحظة ما، يقف أمامها فجأة دون سابق انذار. وفي بعض الأحيان تتشجع مخيلتها وترى نفسها مجاهدة تطوف الجبال مع مصطفى ورفاقه، تحضر لهم الأكل وتغسل ملابسهم. وتلوك هذه الأحلام مراراً وتكراراً في أوقات فراغها حتى أضحت حقائق تلتبس مع الواقع الملموس.ومع الأيام تباعدت لحظات الأحلام ، واكتسى الضباب وجه مصطفى مفاوت لا تتذكره إلا حينما تستيقظ ليلاً تحت دوي طلقات الرصاص القريبة من القرية
مرت أربع سنوات ثقيلة، مرعبة، ولم تتلق حورية إلا أخباراً خاطفة عن مصطفى، جمعتها مناسبات متعددة بأمه فحاولت أن تتلصص بعض الأخبار عنه دون دوى، إن الأم مثلها لا يصلها عنه خبر يذكر. كل ما تعرفه هو أنه مازال حياً يرزق ويتمتع بصحة جيدة، وسيعود إلى القرية بعد استقلال البلاد. نفس العبارة يرددها زوجها كلما استحضر الحديث عن الابن مصطفى، ويقسم لهم الأب بأنه سمع النبأ من "مسبل" القرية الذي يتصل بالمجاهدين في الجبال كلما سنحت له الظروف. فهو يعرف مصطفى ويلتقي به دائماً هناك. تصر الأم لمعرفة تفاصيل أخرى، سواء بالأسئلة الملحاحة أو بالنظرات الحائرة القلقة، ولكن يجيبها الأب مكرراً نفس العبارات التي ما فتيء يرددها منذ سنوات.
كبرت حورية ونضج جسمها وتفتحت أنوثتها فأصبحت محل أنظار العجائز اللاتي يترصدن عروساً لابنهن أو حفيدهن أو أحد فتيان العائلة الكبيرة. وصارت أمها تمنعها من الخروج وحدها. ولا تسأم من أسماعها النصائح اللازمة، في كل الأوقات الليل والنهار حتى حفظت حورية كل عبارات وحكمها، فترددها معها بصوت مسموع، كي تقنعها بأنها استوعبت الدرس جيداً ولا داعي للتكرار الذي أصبح مملاً.
وفي احدى المرات، زراتهم عجوز من معارفهم وقت الظهيرة، اختلت بأمها في زاوية من زوايا الساحة المظللة ودخلت معها في حديث طويل، بصوت خافت، هامس، انقطع كلية عند اقتراب حورية وبين يديها صينية القهوة. حطتها على المائدة وعادت إلى المطبخ، فانشغلت بالكنس والغسيل لمدة معينة ثم عادت إلى الساحة كي تجالس المرأتين وتسمع منهما أخباراً مفيدة، فساد السكوت بمجرد اقترابها. تنبهت حورية للانقطاع المفاجيء، فبررّت ذلك لكون الحديث يخص بعض شؤون النساء المتزوجات، ويحبذ أن تبقى المراهقات خارج أسراره الملتوية. جلست معهما على "هيدروه" صوفية بيضاء، سكبت لنفسها فنجاناً من القهوة يكتنفها فضول لسماع أخبار جديدة من العجوز التي سبق أن تعرفت عليها وتجاذبت معها أطراف الحديث العام، ولكن هذه الأخيرة، بذكاء محنّك، غيرت مجرى الكلام السابق وتوجهت بأسئلتها إلى الفتاة، وهكذ1 استرسلن في درب مخالف من الكلام العادي اللجوج. ومرة ثانية، وبمحض الصدفة، استمعت خلسة إلى حديث بين أمها وأبيها يخصها. لم تستشف الأمر جيداً، ولكنها فهمت بأنهما ينويان تزويجها إلى رجل ما في القرية.وهنا انفتحت ذاكرتها بعنف، تماماً مثل الجرح القديم الذي ينشق بعد سنين من شفائه أثر صدمة مباغتة، فاستحضرت صورة مصطفى واضحة المعالم كأنه لم يفارقها أبداً، صورة امتزجت في خطوطها ما تبقى من وجهة القديم وما أضافته عبر التخيلات العديدة التي أضحت واقعاً ملموساً بالنسبة إليها. ارتعدت أوصالها وانزوت في ركن من الدار، حائرة، تحاول عدم تصديق الخبر، فلربما تكون قد أخطأت الفهم. كبر في ذهنها الوسواس والخوف من قرار والديها. فهي تعلم علم اليقين بأنهما إذا قررا تزويجها، فلا مفر، ولا تمرد ولا رفض. حينما يقرر الأب منح ابنته إلى رجل ما، انتهى الحديث وتبخرت الأحلام ودفن الأمل. قضت أياماً حالكة لا تعرف طعماً للأكل أو مذاقاً للنوم. فظهر ذلك جليّاً على جسمها ولفت انتباه الأم التي واجهتها بوابل من الأسئلة كي تكتشف السبب الضامر. وفي مشاجرة كلامية عنيفة، مرتفعة الصدى، باحت الأم بالسرّ المكتوم، واعترفت لها بأن أباها قرّر "اعطائها" إلى رجل مهم من أعيان القرية المعروف تحت اسم السرجان، يملك حانوتاً واسعاً يبيع فيه المواد الغذائية، متزوج وله أولاد وبنات. يسكن في منزل كبير وسط القرية في الشارع الرئيسي، ويقع حانوته في الرصيف المقابل لدار البلدية. قضي سنوات في الجيش الفرنسي، بعيداً عن أهل القرية لا يزورها إلا نادراً، يمكث فيها أياماً،يتبختر ببذلته العسكرية التي لا تغادر جسمه المتكامل القوي البنية رغم قصره نسبياًز وبها يزور الأهل والأصدقاء، ويجلس في المقهى حول  لعب الورق أو الدومينو، ولا ينسى تحية العلم الفرنسي المرفرف على باب مقر البلدية، كلما مرّ قربه، وإن فعل ذلك مرات عديدة في اليوم الواحد، كان يعتبر ذلك من واجباته الأساسية التي تعلمها داخل الثكنة. إذا كانت القبعة في يده أو على كتفه الأيسر، فيسويها جيداً على رأسه المدور ثم يحيي تحية عسكرية منضبطة مع ضربة قوية على الأرض برجله اليمنى. وحافظ  على هذه العادة بعد انفصاله من الجيش الفرنسي، وهجرانه للبذلة العسكرية، فأصبح يحيي العلم كل صباح قبل أن يفتح باب حانوته المقابل للعلم المثلث الألوان، ولم ينقطع عن هذا الوفاء إلا بعد أن تلقى انذاراً من المجاهدين، يهددونه بالقتل إن تمادى في ذلك السلوك الشاذ.
بعد خروجه من الجيش، عمل "شامبيط" في القرية وضواحيها لفترة وجيزة ثم فتح حانوتاً مباشرة بعد اندلاع الثورة. ومن موقعه الاستراتيحي، على عتبة الحانوت، يشرف السرجان على جميع ما يجري من أحداث. كما يعرف كمية المواد الغذائية التي يشتريها كل فرد، وهل يكتفي بالمقدار الخاص لعدد أعضاء العائلة أم يزيد فوقها؟ بهذه الطريقة يتعرف على من يبعث المؤونة إلى المجاهدين، وتصل كل هذه المعلومات ساخنة إلى الثكنة القابعة على طرف القرية منذ مدة قصيرة.
وعادة ما يجلس رجال القرية بمحاذاة الحانوت في نهاية الظهيرة قبل غروب الشمس، أثناء الأيام الدافئة، ويبحرون في أحاديث شتى دون قيد أو نظام، ويشاركهم السرجان مجهداً نفسه لاستشفاف بعض الأخبار التي تفيد "مسيوغوميز" رئيس البلدية، صديقه الحميم. في البداية كان يتصل بالسلطة العسكرية دون خوف أو مراوغة لأنه متأكد بأن هذه السلطة ستقضي على "الفلاقة" بكل سهولة. هي مسألة وقت فقط، تماماً مثلما فعلت مع المتمردين في السابق . ولكنه غير موقفه وأصبح يحتاط بحذر شديد في اتصالاته مع الادارة الاستعمارية منذ أن وجد " عبد الهادي رمضان " مذبوحاً على عتبة منزله. صادفه أحد الشيوخ في الصباح الباكر، مرمياً بطوله الفارع على الأرض، يتدلى رأسه على حافة الرصيف فيما اختفت رجلاه خلف الباب المفتوح، كان يرتدي "قندورة" بيضاء تلطخت ببقع من الدم المتخثر انحط رأسه على بركة دم كالتي يتحاشر حولها الأطفال في عيد الأضحى حينما يعلق الأب أو الجد الكبش المذبوح لسلخه وتفريغه. في الصباح، بعدما انقشع الليل، حينما حضر رجال الدرك والشامبيط، كان دم البركة لم يجمد بعد. سقط الرأس منفصلاً عن بقية الجسم أثناء تحريك الجثة لادخالها إلى البيت، وقع الوجه على البركة الصغيرة، فتطايرت قطرات كثيرة ملطخة بعض الأرجل، أصبح الرأس المستدير، الساكن أحمر كانه غطس كلية في كمية أوسع من الدم أو داخل الدهان الأحمر مثل الذي تدهن به الواجهات الخارجية لمحلات الجزارة. وبقي الحاضرون مبهورين ومذعورين أمام الكرة الحمراء ولم يتجرأ أحد على رفعها وادخالها البيت مع الجثة. تبادلوا نظرات فارغة مرتبكة ثم تنبه أحدهم وأحضر دول ماء ورش الرأس.
كان "عبد الهادي رمضان" "حركياً" يتعامل مع قائد الثكنة العسكرية المستحدثة في القرية شخصياً، وجهرا أمام الملأ وبمرأى من الناس جميعاً، ويعلن عداءه واستهتاره، واحتقاره للمجاهدين دون خجل أو خوف. كان وحيداً في منزله في تلك الليلة. في صباح اليوم الذي سبق اعدامه أوصل زوجته وأولاده إلى أهلها القاطنين في قرية مجاورة بمناسبة حفل ختان. لم يسمع أهل القرية ضجيجاً يذكر.
ولم يجد "عبد الهادي  رمضان" وقتاً للصراخ أو طلب النجدة. كانالإعدام سريعاً وفعالاً ولم ترتعش اليد التي أمسكت السكين الخاص ومررته بثبات على الرقبة السمينة كرقبة كبش الأغنياء.
شاهد السرجان الجثة الملقاة على الرصيف وتصور لحظتها أنه مذبوح وممدد في مكان الحركي، فارتعدت أوصاله وتضاعف خوفه من المجاهدين القادرين على اختراق حدود القرية المحروسة بالعساكر المسلحين تسليحاً عصرياً واغتيال أي فرد في بيته ثم الإنسحاب في صمت دون جلب نظر الحراس. عاد إلى منزله مباشرة يطارده هاجس غريب أقلقه وأضجره. وقبل دخوله غرفة النوم ليستريح قليلاً ويسترجع أنفاسه انحنى لينزع حذاءه فشاهد قطرات دم على أحداها. توقف عن الحركة. وفي تلك اللحظة قرر في نفسه التصرف بحكمة ودهاء كي يرضي الطرفين وأن يضرب عن التوجه إلى الثكنة. فذلك أمر مكشوف ومصدر للأخطار بل عليه أن يتصل بالسيد غوميز رئيس البلدية وهوالذي يوصل أخباره إلى قائد الثكنة.
حينما كان عاملاً في الجيش الفرنسي حضر دروساً حول الجوسة العسكرية وانبهر أمام ذكاء الجواسيس في مغالطة صفوف العدو والتصرفات السرية التي يسلكونها دون أن يتفطن لهم أحد حتى زوجاتهم، لم لا يقتفي أثرهم ويوهم الثوار بأنه يتعاطف معهم بل ويخدمهم بافادتهم ببعض الأخبار غير الخطيرة عن الثكنة التي يعرفها حق المعرفة لكثرة ماتردد داخلها، فيتعامل مع مخبر لهم في القرية لمعرفة تنقلاتهم ومشاريعهم على أساس السرية التامة في اتصالاته مع الطرفين كي يتوهم كل طرف أن السرجان من عملائه المخلصين. أجبره المنظر البشع على تغيير سلوكه ومراقبة كلامه والتفكير الحسابي المتقن قبل الاتيان على كل فعل مهما ظهر طفيفاً". أضحى لايختلف إلى منزل ( مسيو غوفير ) إلا إذا تأكد من خلو الشارع الفرعي من الأنظار المختلة أيضاً يستقبل أفراد العائلات التي لها أولاداً في الجبال بحفاوة وابتسامة عريضة مصطنعة. يتسامح معهم في عدم دفع ثمن المشتريات. وطفق يصارح بعضهم "الذي يشك أن له علاقة ما مع الثوار " في نيته بدفع كمية من المواد الغذائية وبمقدار من المال إلى ، "الخاوة"
ليقلل من صعوباتهم، وبالفعل تم الاتصال "بمسّبل" القرية فبردع له حماراً معبئاً، مع كمية من المال ووعد بكميات أكبر في الأيام القليلة القادمة.
ومن عتبة حانوته لفتت حورية نظره الثاقب وهي تعبر الشارع مع أخيها الصغير. فايقظت شهوته التي كبتتها ظروف الحرب، ترقبها مراراً متلهفاً إلى الوقت الذي تأتي فيه إلى حانوته لتشتري شيئاً ما فيملأ ذراعيها بكل ما تطلب مجاناً لاغرائها. ولكنها لم تفعل أبداً. كان أبوها يقوم باقتناء، لوازم البيت، وإذا اقتضى الحال يرسل أحد أخويها الصغار، بسهولة عرف أهلها واستفسر عن حالتهم المادية فخامرته فكرة سُرَّ لها واطمأن قلبه لأنه سيصبح من الأعيان الأغنياء الذين يملكون زوجات متعددات. فاتصل بعجوز من معارفه استقصت الأمر في سرية وفرشت الورود الفواحة أمام الأم. أوصلت للسرجان كل المعلومات اللازمة المفيدة ثم مباشرة انتهى إلى تنفيذ قراره فكلف وفداً من كبار أهل القرية ليقنعنوا أباها بمصاهرته رغم أنه متزوج وله أولاد. وإذا رأى الأب ضرراً في جمع الزوجتين تحت سقف واحدا فهو مستعد لاسكانها في منزل مستقل. إنه رجل ثري وسيقدم المهر الذي يطلبونه دون مناقشة ويستطيع تقديم مالاً يحلمون به .سيكون العرس من أكبر ما شهدت القرية في حياتها. كان أبوها "بوزهير حميد" رجلاً فقيراً وبسيطاً ينصهر في راي الجماعة بسهولة، خجولاً، محتشماً لا يقدر على رفض طلب وفد من كبار أهل القرية. يشتغل نجاراً في احدى ورشات المعمرين في المدينة الكبيرة المطلة على البحر. يقطع المسافة الفاصلة بين القرية والمدينة راجلاً عبر الدروب المثعبنة وسط التلال والأودية ولا يغادر مكان العمل إلا مع غروب الشمس بعد أن يكون قد امتلأ بغبار النجارة الكاتم للأنفاس يقوم بعمله في جدية ملحوظة ولايتغيب إلا في الحالات النادرة بعد أخذ الاذن من صاحب الورشة. أنه قليل الاتصال بسكان القرية. يفضل العزلة في نقش قطعة الأرض المحاذية لمنزله على أن يلتحق بالمقهى لاضاعة الوقت في لعب الدومينو أو الكرطة. رضي الأب بالمصاهرة. كبرت ابنته وهي صالحة للزواج فلماذا يفكر في الأمر إذن؟.
صحيح أن السرجان متزوج ولكن ما العيب في ذلك؟ فهو غني يستطيع اعالة أربع زوجات والدين لا يعارض تعددهن لدى الرجل الواحد. الرسول نفسه كان متزوجاً بتسع نساء... هذا كلام ردده أعضاء الوفد كثيراً وسط مديح وتهليل لخصال السرجان وثرائه. بهذه الكيفية البسيطة تقرر مصير حورية دون استشارتها.. ومنذ متى تستشار المرأة في زواجها في هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة؟ لم تعلم الخبر اليقين إلا بعد زيارة الوفد إلى البيت فوافق أبوها أثناء الجلسة وطمأن الرجال على أن المسألة بالنسبة إليه محسومة وليس من الرجولة أن يطلب رأيها فيما يقوله أمام نفر من الرجال، فهم قصدوا الرجل وعلى الرجل أن يجيبهم بمحض ارادته وحريته لاغير وحتى أن رفضت الزواج فلا يملك الشجاعة الكافية للتراجع عن قراره.
إن تراجع سيصبح أضحوكة القرية. رجل بشلاغمه يتراجع عن كلمته تحت تأثير زوجته أو ابنته، هذا عار فظيع سيلاحقه بقية حياته وسيحرمه من النوم الهادي ومن الافتخار برجولته أينما كان.
انهمرت دموع حورية على خديها الملونين بلون التفاح الأحمر، قوية كالأمطار الاستوائية بدون انقطاع لمدة سبعة أيام بلياليها مرّة مُجهرة رفضها ساخطة لا تفعل شيئاً سوى البكاء ممتنعة عن الأكل والعمل والكلام . ومرة أخرى تغلق الباب على نفسها باحكام وتترك اليأس يغزو تفكيرها المشوش ولا تفتح الباب لأمها العطوف كما أنها لا تجيب لتوسلاتها الرقيقة الحنونة، أما الأب فلم يعر أي اهتمام لهذا السلوك الصبياني مثلما سمّاه، كان واثقاً كل الثقة، بأن ابنته ستدرك مصلحتها بعد حين وستكف عن هذا الهراء. وحينما مرّ الأسبوع الأول ولم تغادر حورية حجرتها لسبب ما واجهها في ثبات قائلاً بنبرة حاسمة:
- دعك من البكاء كالطفلة الصغيرة وفكري بعقلك.. لن أتراجع عن موقفي وسأزوجك لهذا الرجل إلا إذا شاء الله وأماتك قبل ذلك.
اكتفي بهذه العبارات الصادرة عن ايمان عميق بأنه يتصرف على حق ولم يدرك في تلك اللحظة بأنه قد تنبأ بمصيرها دون معرفة وأن ابنته حورية ستموت دون أن تتزوج السرجان. وبعد سنة ونصف حينما أخبره أحد الرجال القاطنين في الريف بموت ابنته بتلك الطريقة المرعبة تذكر ما قاله هذا اليوم وندم أشد الندم على تصلبه واصراره على تزويجها رغم ارادتها.
بكت حورية طويلاً حتى أصبحت عيناها شديدتي الاحمرار ولا تفتحهما إلا بصعوبة فائقة.
أصابهما التهاب حار وقوي ولم تمنع نفسها من حكهما طول الوقت. كان يتغلب عليها اليأس في لحظات الانهيار العصبي ولكنها كلما تخيلت صورة مصطفى وذكرت الأيام السعيدة لطفولتهما انتفضت وقررت بعنف أنها تفضل الموت على الزواج الاجباري. أدركت في قرارة نفسها أن البكاء والعويل والانطواء لا يفيدها في شيء ولا يخرجها من المأزق. أطلقت العنان لخيالها وأحلامها تقترح لنفسها خطة توصلها إلى حبيبها. افترضت كل الامانيات المحتملة دون أن تتوقف  عند واحدة يمكن تنفيذها. رفضت الزواج الاجباري لسبب ظاهر واضح هو أنها تحب شاباً غائباً وتنتظر عودته. وبحثت في باطنها عن سبب آخر، به نقمت على أبيها لموقفه السلبي تجاه الثورة. هل هو جبان أم يتعاطف مع المعمر الذي يشتغل عنده؟ تفتخر بمصطفى أشد الافتخار. أنه بطل شجاع ولا يهاب أحداً. ولماذا لا يكون أبوها مثله ويرفع مكانة العائلة وسط أهل القرية. يتكلم الناس في الخفاء في الليل حول الموقد أو في عرصة الدار تحت سماء متلألئة بالنجوم، يروي أهل القرية ما يتسرب من أخبار من قمم الجبال الكثيفة الأشجار بطولات ومعارك ضارية.. كلما وصل خبر استشهاد أحد المجاهدين من سكان القرية إلا وتقرأ الفاتحة بصوت خافت في كل البيوت وتتلى الدعوات الطويلة المتوسلة للرحمن أن يدخله الجنة دون حساب أو عقاب مهما ارتكب من ذنوب وأتى من شر.
انقطعت دموع حورية الرقراقة وتسربت إلى قلبها المهزوز فكرة خطيرة لم تسبقها إليها فتاة أخرى. في البداية حينما خطرت على ذهنها أول مرة ارتعش جسمها والتوت مصارينها وأصيبت باسهال مفاجيء خفيف ولكن لم لا؟ ما المانع؟ سيطرت الفكرة حتى أضحت ولا تعرف شيئاً ثانياً. خلال ساعات طويلة انتابها خوف ثم سرعان ما لفظته جانباً وأقسمت مع نفسها بالالتحاق بحبيبها مصطفى أينما كان مهما كلفها من صعوبات ومهما كانت نتيجة ذلك. فإنها أحسن من الزواج المفروض عليها ومع من؟ حركي معروف عند كل أهل المنطقة. ماذا يقول عنها مصطفى لو قبلت هذا الزواج؟ سيحتقرها دون شك ويلعنها من أعماقه، ربما بصق على التراب متخيلاً أنه يلفظ بصاقه على وجهها، إنما لم تتقبل ذلك ولو على مستوى الافتراض الوهمي فقط. بعد أن أقنعت نفسها بضرورة الالتحاق بالمجاهدين، أصبحت حائرة في كيفية الوصول إليهم، هل ستذهب وحدها أو تبحث عن رفيق؟ ومن هذا الرفيق؟ سمعت مراراً عن اسم رجل يتردد على الأفواه الخافتة لنساء يزرن أمها في بعض الأحيان يقال بأنه يجمع المال ليوصله إلى المجاهدين. يسكن في الطرف الجنوبي للقرية. احتجت حورية بحجة عادية وقصدت بيته. استقبلتتها زوجته بكلام مليح وشاي ساخن دون أن يرغمها الفضول على طرح السؤال الإجباري المنطقي: ما سبب الزيارة؟ تعرف المرأتان بعضهما البعض ولكن لم يسبق أن تحدثتا معاً أو تبادلتا الزيارة. أفضت حورية بسرها كاملاً دون اخفاء نقطة واحدة، وفي نهاية حكايتها المختصرة توسلت الزوجة أن تكلم زوجها لعله يوصلها إلى المجاهدين. لقد سمعت بأنهم أصبحوا يقبلون النساء الممرضات في صفوفهم، وهي مستعدة لأن تكون مساعدة لهن، لم تجهر المرأة برأيها في القضية بل أبدت جهلاً مطبقاً بعلاقة زوجها بالمجاهدين ولكنها ستكلمه في المساء حينما يعود من العمل.
كانت المرأة على علم بمشروع الزواج ورفض حورية له.. ومن في القرية لم يسمع في وسط النساء؟ حسدتها بعض النساء لما ستلقاه من عز مادي ورفاهية في اللباس الفاخر والأكل المتوفر والمتنوع.. ستأكل الخبز الرومي ولا تقضي يومها في العجن والدلك واشعال النار، ولكن النساء اللائي يعرفن ارتباطها بالشاب مصطفى عمروش الغائب منذ أكثر من أربع سنوات، رثين لحالها ولحال البطل الذي يأكل نفسه من الشقاء ليحرر الوطن بينما يسلب له السرجان حبيبته دون أن يعرف طعم الجوع والبرد والتعب. قررت المرأة مساعدة حورية من إيمانها بأن السرجان خائن لا يستحق إلا الذبح، فكيف يتزوج فتاة تنتظر مجاهداً ضحى بشبابه من أجل استقلال الجزائر؟ فمن الواجب عليها أن تنغص حلمه الشرس في افتكار حورية من مغالبه بعد شرائها بماله وسلطته. بعد أيام قليلة، اتصلت بها وأبلغتها بأن زوجها يعرف مصطفى وسيتصل به في أقرب فرصة تجمعهما معاً. عليها بالانتظار والصبر. بعدج أيام قليلة أخرى بعثت لها أبنتها الصغيرة، وحينما حضرت حورية وجدت المسبّل في انتظارها فقال: اتصلت بمصطفى وأخبرته برغبة والديك في تزويجك وأنك رفضت رفضاً قاطعاً. فرح لموقفك وهو مستعد للقائك وسيقبلونك بين الممرضات لتتعلمي المهنه. سأنتظرك الليلة على الساعة الواحدة صباحاً، ينبغي أن تخرجي في سرية تامة بحيث لا يتفطن إليك أحد. سأنتظرك أمام الباب خذي معك أشياء قليلة جداً ستجدين كل شيء في المركز..

لم تصدق أذنيها. غمرها فرح وقلق كبيران. في العتمة الحالكة مكثت مفتوحة العينين على اتساعهما تحدق بقوة محاولة اختراق الجدار السميك. تبعثر تفكيرها ولأول مرة منذ سمعت زواجها انتابها فراغ مسكن. جلست على الأرض مستندة ظهرها إلى الحائط مختبية تنتظر في الظلام الدامس أن يحين الوقت المحدد للرحيل. حضرت رزمة ثياب في سرية تامة دون أن تغير من سلوكها شيئاً كي لا تبعث الريب في نفس أمها وأخوتها الصغار. تخاف من أمها أكثر لأنها الانسانة الوحيدة في البيت التي تهتم بتنقلاتها وتناديها باستمرار لتطلب منها القيام بعمل ما. أما الأب فهو غائب من الدار طول الوقت ولا يدخل إلا للأكل والنوم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire