dimanche 18 novembre 2012

الماء....والأسماء1




محمد أبو معتوق




الماء....والأسماء

- رواية -







من منشورات اتحادكتاب العرب
1998








الاهداء


                إلى المدينتين.
                               حلب.... وموسكو
                                               وقد اضطربت فيهما العناصر
                                                                                            


المؤلف








إنني أرغب في تعليق كل شيء، كل شيء، حتى ولو ترنحت الجدران من وطأة المسامير والثياب والذكريات المعلّقة. وعندما تمر العصافير.. أرغب أن أسير حافياً حتى نهاية الممر الطويل.. الممر الموصل بين غرفتي وغرفة العميد... فالسير حافياً يشعرني بالأرض وبأنها ما تزال موجودة.
أما السيكارة التي أسحبها بأصبعين مدربتين من جيب القميص لأشعلها، هذه السيكارة تشعرني بالأمن، وبأنني موجود قُرب صوت زوجتي الشقراء الأجنبية المتفرغة الآن وغداً وإلى أبد الآبدين، لتنظيم الحديقة، وتخريب عقلي.
لقد اضطررت مرات كثيرة لإحراق مراكبي وإعلان الحرب ضدها، بسبب استنكارها الشديد لتمسكي بعادة التدخين في غرفة الجلوس المغلقة، واستطعت أن أكسب الحرب، وأضمن لنفسي حرية مطلقة في التدخين في جميع الغرف بما فيها السقيفة. لقد كان انتصاري في هذه المواجهة كاسحاً، إلى درجة أن المسكينة اضطرت (من أجل أن تبتلع الإهانة إلى تتعلم التدخين وقد تقصدت ونكاية بي أن تختار دخانها من أشد الأنواع المحلية غلظة وكثافة، وأن تقعد قبالتي، قبالتي تماماً لتنفث دخانها في وجهي دون النظر إلى مكانتي العلمية، والدور الذي نذرت نفسي لألعبه في الحياة السياسية العامة. كثيرون انتبهوا إليّ وأنا أدخن، وصارحوني بحقيقة لم يلحظوها مع غيري، وهي أنني عندما أسحب من اللفافة نفساً، أخرج كميات من الدخان أكثر بكثير من التي سحبتها من السيكارة، وقد همس لي صديق متفقه في شؤون الدخان ومعتقداته بأن هذا دليل على وجود حريق، وأين تساءلت ضاحكاً؟ قال داخلك: عند ذلك بدأت أنتبه إلى الدخان، وأهز رأسي كما يفعل الفلاسفة، لأقول، إن أخطر الحرائق تلك التي لا نلمح دخانها، وقد أردت بذلك أن أقدم لنفسي العزاء رغم اعتقادي بأن حرائقي التي يظهر دخانها بكثافة عالية. حرائق رديئة. وتبعث على السعال والهذيان.
هذه الرغبات والأسئلة انتابتني جميعاً وأنا أقرأ الرسالة، لقد اضطرت زوجتي وبسبب من إصابتها ببوادر ذبحة صدرية إلى الذهاب إلى بلادها لتلقي العلاج. وبعد مدة من سفرها شعرتُ بضرورة أن تكون قرب واحد هشٍ مثلي امرأة صلبة مثلها، وها هي ترسل إليّ صرختها من وراء الثلوج، وقد كتبت صرختها بالعربية، رغم أن بقية الرسالة كانت بلغة زوجتي الأم.
كتبت بين قوسين:
يا عواد. يا زوجي، تعال إليّ.
وقد بررت صرختها تلك بلغتها فقالت في الرسالة: إنها تشعر بوحدة مميتة وأن وحدتها ستقتلها، ربما قبل أن تفعل الذبحة الصدرية، ثم تابعت، لقد اعتدت على الحياة الرديئة معك. لذلك تريدني أن أكون معها لنعود معاً في أقرب فرصة، وقد طلبت مني أن أصطحب معي ثلاثةٍ كروزات من الدخان الذي اعتادت عليه حتى تنفخها جميعاً في وجهي لأنها تشعر بحنين قوي إليّ.
ثم سألتني عن أخبار ابنتنا علياء، وهل أنجبت طفلها ولست أدري ما هي الدوافع التي شدت رأسي إلى النافذة لأمسح حديقة بيتنا بنظرات متفحصة لأتذكر حركة ثوبها وقدميها واستدارة مؤخرتها وهي تنحني على الأحواض لتقوم بأشياء لا أفهمها. ولكنها تملأ الحديقة بالخضرة والحياة.
-أنت في الخمسين يا شامل([1])
-وأنتِ في الخمسين يا كاتيا.
-هل يمكن أن تكون الحياة سخيفة وغالية.
-يمكن ما دامت أغلى المتعات أقصد القهوة والسجائر، غير مستحيلة. ثم ينفث كل واحد منا دخانه في وجه صاحبه بود، ونحن نشعر أن أحداً منا يكاد أن يحقق أهدافه في النيل من صاحبه.
-عندما ستموت يا شامل سأحزن عليك كثيراً، وعندما لا تموت، سأحزن أكثر، ثم ترفع طرف ثوبها لتريني تجاعيد ساقيها.
-منذ خمس سنوات لم تضع يدك علي.
كانت كاتيا تكره أصدقائي، نكاية بي، وكنت أدعوهم إلى بيتي نكاية بها. أول الأمر، تفتح الباب فأدخل ويدخل الأصدقاء، فتنظر إلى وجهي دون أن ترد على تحيتي، وتنظر في وجوه أصدقائي ولا ترد على تحياتهم، ثم تخبط الباب باهتمام زائد خلف آخرهم فترج البناية من شدة الحفاوة والترحيب، ثم تذهب إلى المطبخ لتحضّر القهوة، كانت امرأة منظمة بطريقة مدمرة.
تعد القهوة وتدخل حاملة الصينية ثم تنظر في وجوه الأصدقاء، وتضع الصينية على الطاولة وسط الغرفة وتعود، وكنت أتابع المهمة وأوزع الفناجين، بابتسامات مضاعفة لأعوّض على الأصدقاء النقص الفادح الذي يحسون به، بعد ذلك، تقوم زوجتي بتحضير الصحون، والكؤوس والمقبلات لتبدأ السهرة، وكان جيراننا في الطابق الأعلى يعرفون عدد الصحون التي تضعها زوجتي على الطاولة لأنها تحاول أن يصدر عن كل صحن خبطة كأنما على الطاولة راقص فلامنكو، لذلك يزداد انشراح أصدقائي بفضل آذانهم الموسيقية الحساسة ويحاولون مع الإبتسامات المرافقة أن لا يكون وقت السهرة طويلا، وأحاول أن يمتد ويطول حتى تنام زوجتي، خلال ذلك كانت كاتيا وخلال كل نصف ساعة تطل علينا لتسألنا بلهجة غاضبة هل تريدون شيئاً. وكنت أعرف قصدها، كانت تريد منا أن نطلب صحوناً إضافية لتخبطها على الطاولة غير أنني وبقية الأصدقاء لم نكن نمكنها من تحقيق هذه الرغبة.
وعندما يهرول الأصدقاء مودعين، كانت تقترب مني وتمسح بكفها على ذراعي وتقول في شبه اعتذار، المسلسلات المعروضة في التلفزيون غير جيدة ولا أحب أن أتفرج عليها وحدي، عندها تشعر زوجتي وأنا بأننا من ضحايا المسلسلات المحلية، لذلك يغمرنا شعور عميق بالتضامن فنجلس متقابلين ويخرج كل منا علبة سجائره ويبدأ بالتدخين، والنفخ كل في وجه صاحبه حتى تلفّنا غيمة من السعال ويتطاير الرذاذ الحنون من كلينا، فنبعد علب الدخان، ويحمل كل منا منفضته ويذهب إلى المطبخ ليفرغها ويعود بعد أن يحس بأنه أزاح عن قلبه هماً مقيماً.

شيء آخر يدفعنا للتوقف عن التدخين، أنه صوت سعال ابنتنا علياء، في الغرفة الشمالية المطلة على الحديقة، فرغم ذهاب كاتيا والتأكد من إغلاق الباب للبدء باحتفال التدخين الأولمبي المشترك، رغم ذلك، كان الدخان العنيد يتسرب من أضيق الفتحات ليصل إلى رئتيها فتسعل وهي نائمة، فيدفعنا سعالها للخروج إلى الحديقة ومتابعة التدخين بضمائر مرتاحة، هذا طبعاً في حال أننا لم نأخذ نصيباً وافياً من التدخين وظلت منافض السجائر مملوءة بالعقوب حتى وسطها، في كثير من المرات وفي ليالي الشتاء البارده كنا نسمع صوت سعال ابنتنا (علياء بالعربية، وفالنتينا بالروسية) فنخرج إلى الحديقة بعد أن نغطي رأسينا أنا وكاتيا ببطانية ونبدأ التدخين وجهاً لوجه، وكان الدخان المشترك هو الشيء الوحيد الذي يقرب بيننا، وكانت زوجتي تحاول أن تستنشق أقصى ما تستطيعه من الدخان الذي أنفثه في وجهها في حالة من الوجد والتلذذ كأنما تحاول أن تتصل بي عن طريق دخاني، وعندما كنت ألمح الرطوبة على أطراف عينيها، أتشاغل بالسعال، أو بإشعال لفافة جديدة ثم أهرس عقب السيكارة القديمة على الأرض، وأنحني لالتقط العقب من الأرض لأضعه في كفي حتى لا تنتبه الحديقة إليّ.
عندما كنت أنحني لأحمل عقب اللفافة كانت كاتيا تنحني لأن طرف البطانية الآخر يجرها معي إلى الأرض، فيقترب وجهها من وجهي فتبرق في رأسينا ذكريات الأيام القليلة التي حاولنا أن نتبادل فيها القبلات.
عشرون عاماً عمر ابنتنا (علياء بالعربية، وفالنتينا بالروسية). عندما ولدت ابنتنا علياء في موسكو، وكنت في سنوات الاختصاص الأخيرة، كانت رائدة الفضاء السوفيتية فالنتينا تيرشكوفا حديث الناس في العالم أجمع، ها هي امرأة تغزو الفضاء، وقد استطاع الغزو أن يمتد بآثاره إلى بيتنا، لذلك أحبت زوجتي أن تتم فرائض الغزو وتطلق على ابنتنا اسم (فالنتينا) وهو اسم لا أنكر جماله وجاذبيته.
المهم أن ابنتنا دخلت حياتنا فجأة كأنما هي كائن من الفضاء الخارجي، ولتعزيز هذه الحالة أسميناها فالنتينا، غير أن الاسم الذي سجل في سجلات السفارة السورية في موسكو غير ذلك، فعندما ذهبنا بالصغيرة إلى السفارة أنا وكاتيا زوجتي. إنفردت بموظف السفارة المسؤول وكان من معارفي وقلت له بالعربية عندما تسألني عن اسم المولودة سأقول لك أمام زوجتي (فالنتينا) وعليك أن تقوم بدورك الوطني اللازم وتسجلها (علياء).

وهكذا تم، وصار لابنتنا اسمان فالنتينا بالروسية. وعلياء بالعربية، وقد فعلت ذلك دون أن أحسب حساباً (لوطأة حرف العين وصعوبته، وعدم قدرة زوجتي ولا أية زوجة أجنبية أخرى على لفظه صحيحاً صريحاً كما نفعل في بلادنا وقد تقصدت أن أطلق على ابنتنا اسم علياء مخلصاً في ذلك لمعاني العلو والارتفاع القريبة كثيراً من غزو الفضاء الذي قامت به فالنتينا الأصل، وقد قلّص ذلك من إحساسي بالذنب تجاه زوجتي. لقد اعتبرت كاتيا وهذا من حقها، أن انجابها لابنتنا أكثر أهمية من الفضاء كله، ذلك الفضاء الذي قامت بلادها العزيزة بغزوه.
عندما تعلمت كاتيا الحروف العربية، وحاولت قراءة الوثائق، عرفت أنها كانت ضحية مؤامرة وأن ابنتها كائن لا علاقة له بالفضاء ولا الغزو، لذلك اعتكفت شهراً برمته في المنزل دامعة العين، تمارس تدريبات شاقة على ضرب رأسها بالجدار ومحاولة تعلّم لفظ حرف (العين) الذي تفتتح ابنتنا اسمها به.
وبعد شهر من التدريب والفشل المستمر اقتنعت كاتيا بالاسم بعد أن شرحت لها المعاني العظيمة التي ينطوي عليها. رغم مواظبتي على مناداة ابنتنا باسمها الفضائي الروسي تقديراً لمشاعر زوجتي التي باتت تشعر أن ما يربطها ببلادها الأم شيئان (اسمها واسم ابنتها) ضاربة عرض الحائط بالعلاقات الحميمة والاستراتيجية التي تربط بين حكومتينا وبضمانة زوج مثلي وابنة مثل ابنتنا.
-ماذا تنفعني العلاقات الحميمة والاستراتيجية بين حكومتينا إذا كانت العلاقة بيننا غير حميمة.
هكذا كانت زوجتي كاتيا ترد عليّ عندما أطالبها بضرورة أن تكون مخلصة لموقف حكومتها وساعية لتمتين علاقتها معي على أساس تقديم بعض التنازلات، كأن تسمح لي بالذهاب إلى المقهى مرتين أسبوعياً، وكان ردها دائماً هو الرفض وكانت لها وجهة نظر مثيرة للانتباه، تتلخص في التالي:
إذا وافقت أنا كاتيا على تقديم التنازلات من يضمن لي أن لا تصاب حكومتنا بعدوى التنازلات فتنظر إلى أعدائكم في الشرق والغرب نظرة رضا وتضطر ابنتي لتدفع الثمن في المستقبل من حياتها وحياة أولادها.
بهذه النظرة الشاملة كانت كاتيا تنظر إلى الأمور لتحول بيني وبين النزول إلى المقهى مرتين أسبوعياً.
ابنتنا الفضائية (علياء) ولدت بيضاء شقراء على لون وملامح أمها، غير أن تغيّراً مُلفِتَاً طرأ عليها بعد أن اجتازت سنواتها الأولى، وهو ظهور تباين في لون عينيها، إحدى العينين كانت زرقاء، والثانية بنية، في لون بشرتي أنا. وكان ذلك مدعاة للغرابة وللكثير من الكلام والانتباه.
أما أنا فقد نظرت للأمر نظرة أكثر عمقاً واعتبرت هذا التباين انتصاراً لطبيعتي وأفكاري، فأنا مثلاً كائن بني، لكنني أحمل أفكاراً شقراء تميل إلى الإحمرار وبخاصة في حالات الغضب وإلقاء المحاضرات والمداخلات في المقهى وعلى مدرجات الجامعة، وهذا الاختلاف بين لون البشرة والمعتقدات دليل غنى وتفتح، ودليل على وحدة المصير البشري رغم تباين الجغرافيا والألوان، والبشر.
وقد أرغمت نفسي على الاعتقاد بذلك، رغم التعارض الفاضح بين مزاج زوجتي ومزاجي، هذا التعارض الذي يخلخلني ويفكك معتقداتي. فأبذل الجهد والعَرَق لإعادة ترتيب الأمور.
بعد أن كبرت ابنتنا (فالنتينا) ودخلت المدرسة سرعان ما نَظَرتْ للأمور بعينها البنية، واستطاعت رغم طفولتها أن تحسم الأمر وتفرض علينا شروطها وقرّ قرارها على اعتماد اسم علياء اسماً وحيداً لها واستطاعت أن ترغمنا جميعاً على النزول عند رغبتها لأنها كانت لا تجيب على الاسم الآخر، حتى ولو صرخنا به بكامل قوتنا قربها.
-أنت تلاحظين، ابنتنا لا تحب غزو الفضاء، تريد أن تظل على الأرض لتتمسك بها، هكذا كنت أمازح زوجتي.
-الذين يفكرون بغزو الفضاء يعرفون جيداً كيف يتمسكون بالأرض ويعرفون أيضاً كيف يدافعون عنها.
هكذا ترد زوجتي كاتيا على سخرياتي، في محاولة مقصودة منها للنيل مني. وكنت أضطر للصمت بعد كل رد صمتاً لا تقدر عليه الكائنات الفضائية.
-بعد أن حسمت ابنتنا معركة الاسم لصالحها بدأت تزداد سمنة مؤكدة بذلك لأمها وبصورة غير مباشرة أنها غير جديرة بأن تكون رائدة لأي فضاء حتى ولو ولدت في محطة لاطلاق الصواريخ.
إنني رغم تباين لون عيني ابنتي وشراهة زوجتي للتدخين وابداء الملاحظات، أتمتع بسمعة أدبية وأكاديمية طيبة في الجامعة وفي قسم العلوم الإنسانية حيث أعمل وحولي مجموعة من الطلاب اللامعين يعتبرون أن الدنيا قد ضحكت لهم عندما واتاهم الحظ وأشرفت على تخصصاتهم العالية ورسائلهم لنيل شهادات الدكتوراه والماجستير، وهم مستعدون لقلب المدينة رأساً على عقب من أجل البحث عن الأدوية المفقودة التي تحتاجها زوجتي من أجل الضغط والتجلط والتمييع والكولسترول وأشياء كثيرة أخرى. وقد بدأت زوجتي ورغم مرضها تشعر بالاعتزاز بعد أن صارت تحس أن زوجاً يستطيع أن يؤمن لها مثل هذه الأدوية لا بد وأن يكون رجلاً مهمّا وعلى درجة عالية من الكفاءة العلمية والمعرفية، وقد أغبطني إحساسها الذي لم تكن لتصرّح به أبداً، أغبطني لأنه يساعدها على الموت بروح مطمئنة.
فاتني أن أقول أننا أنا وزوجتي وبعد أن دخّن الواحد منا سجائر تستطيع أن تغطي خطوط العرض والطول، حول الكرة الأرضية وبعد أن شرب الواحد منا خلال حياته صهريجاً من القهوة السوداء عالية التركيز، بعد أن فعلنا ذلك ونحن نراقب الأحداث السياسية والاجتماعية التي تعصف ببلادنا والعالم، ونمتعض ونتهم الآخرين بالتقصير واللاوطنية، بعد أن فعلنا ذلك أحسسنا بحسن نية أن حياتنا قد حققت أهدافها، لذلك اتفقنا وقد رافق ذلك ظهور البيروسترويكا في بلاد زوجتي، على أن يحاول كل منا أن يقتل صاحبه بالطرق السلمية. وقد عقدنا هذا الاتفاق البريء بعد أن نظر كل منا في وجه صاحبه، ثم اغرورقت أعيننا بالدموع فحالت مشاعر الكرامة لدينا أن نتركها تسيل إلى الأسفل لذلك ذهبنا إلى المياه لنغتسل ونشعر بالتجديد الغريب الذي أدخلناه على حياتنا.
أن يقتل إنسان إنساناً آخر يكاد يحبه. تلك مسألة فيها الكثير من الهجاء للسياسة، والزمان، وقد أردت أن أوضح الأمر لزوجتي بالطرق السلمية ذاتها:
-إننا عندما نقتل بعضنا بعضاً، بدون دماء وطعنات، ثم نموت ونتفسخ فإننا نحقق انتصارين في آن واحد، انتصاراً على الحكومة بمعنى أنها لم تعد قادرة على الزامنا بأية برامج وسياسات وممنوعات وضرائب ومدائح وإصغاءات للمناسبات والخطابات والأجهزة. إنها بكل صراحة أعني الحكومة ستكون بالنسبة لنا غير موجودة، وهذا الأمر كاف ليجعلها تحس بالندم على فقدان آذاننا.
التحدي الثاني نوجهه للزمن، فهو بدوره لن يكون موجوداً بما فيه الكفاية ليؤثر علينا.

إنّ الديدان عندما تقوم بنحت هياكلنا العظمية بطريقة ماهرة يَعْجَزُ أَمهرُ القصابين عن انجازها، إن هذه الديدان، تعمل لصالحنا، فبعد أن تلتهم كل دودة ما تلتهم، وترفع رأسها الشره لتنظر إلى الأعلى إنما تحاول ذلك لتغيظ الزمان الذي لم تعد له أية سلطة علينا.
بهذه الحفاوة، والمشاعر الطيبة بدأت حربي ضد زوجتي لأزين لها فضائل الموت وأهميته وجماله من الناحيتين السياسية والفلسفية.
-انظري إلى التجاعيد وكيف تنام على بعضها بحنان كأنما تمسك كل واحدة عكاز لتستند به على أختها.
-إذا تابعت حديثك بهذا العمق وهذا الشمول فإنني سألقي بنفسي من النافذة لأموت. هكذا ردت زوجتي على كلامي العميق.
-ولكن أنت تعرفين أن بيتنا في الطابق الأرضي والمسافة التي تفصل بين حافة النافذة والأرض ليست كافية.
أجابت كاتية بمزاج حاد.
-عندي من الغيظ ما يكفي لأموت حتى لو قفزت من فوق علبة كبريت.
-هذه الطريقة أسميها انتحاراً، وهي عمل غير شجاع وفيها خروج على الاتفاق.
إن المزاج الحاد، يعتبر من فصيلة الأدوات الحادة. واستعماله غير مشروع في اتفاقيتنا، يمكنك الصعود إلى بيت أحد الجيران في الطابق الثالث وشرب فنجان من القهوة على شرفتهم، والنظر إلى الحديقة من أعلى...
ثم عندما استمعت ابنتنا الفضائية علياء لبعض من حواراتنا وكانت تعيش مشكلة عاطفية لم ترد أن تصرّح بها، تبرعت من أجل فض الاشتباك وإنهاء المعركة، أن تنتحر نيابة عنا لتتخلص منا ومن مشكلتها، ثم انخرطت بالبكاء العميق حتى جرّحت الشهقات قلبينا.
لذلك انصرفنا عن تطبيق معاهدتنا، واتجهنا إلى ابنتنا التي كبرت بمفردها دون أن يتيح لنا انصرافنا الأكاديمي للتحديات والصراخ. أن ننتبه إليها وإلى طفولتها ويفاعتها. ودرجة الاختلاف بين لوني عينيها. وفي محاولة منا للتعويض قررنا أن نتقرب من ابنتنا ونلاطفها. لتقص علينا ما ينغص عينيها ويدفعهما معاً، الزرقاء والعسلية للبكاء بدمع من لون واحد. وكنت أعرف القاعدة التي تدفع الأشياء المتباينة في اللون والمزاج والمعتقد للتوحّد والتضامن في الأزمات.
غير أن ابنتنا الفضائية أنكرت علينا الحق بسؤالها واعتبرته انتقاصاً من حريتها، وقد دفعني ذلك لأوضح لها بأننا لا ننوي مصادرة حريتها ولكننا نرغب في مشاركتها، والمشاركة تخفف من ضغط الأزمة وتشعر الطرف المأزوم بأنه يحظى بالحب والتضامن. وكان من نتيجة ذلك أن نظرت ابنتنا إلينا ومسحت دموعها بظاهر كفها، ونهضت ودخلت غرفتها بعد أن خبطت الباب في وجهينا.. فاعتبرنا هذا التصرف من ابنتنا بمثابة إعلان للحرب. وباعتبارنا الطرف الأضعف في هذه المواجهة فقد قررنا اللجوء للمفاوضات، هذا الأمر قدرته كثيرا في زوجتي لسبب هام هو أنها مواطنة لدولة عظمى، وتستطيع أن تستخدم الأسلحة الثقيلة التي تستخدمها ضدي، وتربح المعركة غير أنها أدركت أن ذلك لن يفيد، لذلك نهضت وضربت الباب على ابنتها وصاحت: فالنتينا، فاليا، فاليتا، لتترك استجابات طيبة في وجدان ابنتنا من خلال استخدام اشتقاقات محببة من اسم فالنتينا، وقد لعبت النداءات دوراً طيباً في تحريك مفاصل الباب وقبضته فانفتح ودلفت الأم إلى الداخل.
خلال ساعة من الانتظار بينما كانت زوجتي كاتيا في حالة اجتماع مع ابنتنا علياء، راودتني أفكار كثيرة عن أسباب الأزمة، لكنني وبسبب من الشك الأكاديمي المزمن، قررت أن أنتظر النتائج التي ستصدر عنها المباحثات.
بعد قليل، وبما أن الأم مستودع أسرار ابنتها فلا بد وأن تخرج كاتيا بالحقيقة كاملة لتخبرني بها فنضطر لتأجيل اتفاقنا والانصراف معاً لحل معضلة ابنتنا. الشابة التي بلغت منذ شهور الواحد والعشرين عاما، بالإضافة إلى الطول الفارع والشقرة الحادة التي تدير الرؤوس، وربما كان لهذا العمر وهذه المواصفات دور في الذي يحصل معها. ربما تعيش حباً، من طرف واحد، وهذا ما يعذبها، وربما لم تكن تحب، وتعيش انتظاراً مرّاً، وهذا يعذبها أكثر ويعذب فتوتها ويفاعتها الصارخة.
بعد أن حصلت ابنتي علياء على الثانوية العامة بمجموع متوسط قررت الذهاب إلى الاتحاد السوفييتي لمتابعة الدراسة، لدراسة المسرح، وقد رغبت ذلك بعد أن شاركت بدور صغير في مسرحية قدمتها المدرسة. ودخل في روعها أنها ستكون ذات شأن إذا تابعت الدراسة في هذا المضمار. والذي عزز إرادتها على متابعة ذلك اتقانها اللغة الروسية بسبب أمها. والذي يتقن اللغة الروسية ليس ضرورياً أن يتقن الحياة الروسية، حتى ولو كانت أمه كاتيا، لذلك عارضت السفر وطلبت من علياء أن تبقى لتتابع دراستها في بلدها. فلا بد قلت في نفسي إذا ذهبت وهي فتاة وحيدة وطويلة، من أن تعود إلينا بعد سنوات تحمل بالإضافة إلى الشهادة عدداً من الأولاد من قوميات مختلفة شقرا وزرقا ورماديين، وهذا الأمر يتعارض مع الدوافع السلوكية والاجتماعية في بلدنا.
لقد وجدت نفسي أميل لأن أعارض بشدة سفر ابنتي للدراسة، غير أن تحالف الأم والابنة طوّح بمقاوماتي ورفضي، فاندفعت زوجتي لترتيب السفر والاتصال بالسفارة السوفيتية في دمشق، وقد أقنعتني زوجتي كاتيا بأنها ستسافر مع علياء لتحرسها، غير أن ردة فعل علياء كانت شديدة فقالت لأمها موضحة: إن سبب سفرها هو رغبتها في الهرب من البيت ومنا. يعني من أمها ومني، فأكبرت في ابنتي موقفها واعتقدت أن فتاة مثلها قادرة على صناعة مستقبلها دون وصاية من أحد، وبذلك بدأت أميل للاعتدال، وانصرفت لترتيب أغراض السفر لابنتي بعد أن رفضت زوجتي متابعة ذلك.
خلال مضي ثلاثة أشهر على سفر علياء لمتابعة دراسة المسرح، وصلتنا منها رسالة تخبرنا فيها أنها ستعود، بعد أن أقلعت عن التفكير بمتابعة الدراسة هناك. وقد سررنا أنا وأمها لهذا القرار.
صحيح أننا في حضورها لم نكن نحس بها كثيراً، غير أن غيابها ترك فراغاً كبيراً لم يكن ممكناً أن نملأه سوى بالتدخين وضرب الرأس على الجدار.
والحديث عن الحتمية التاريخية والتفاؤل الثوري، وكنت من طرفي في حالة انتظار وترقب لعودة ابنتي من الاتحاد السوفييتي لأختبر من خلالها أسلوب الحياة الجديدة حتى أتمكن من فهم الأمور على حقيقتها وقد جاءت ابنتي بأخبار غريبة انعكست على حلمها ودهشتها، فلقد ذهبت ولديها تصوّرات كبرى عن الحب والمشاعر، والعلاقات الدافئة والمقدمات الطقسية التي لا يتقنها الأولاد في بلادنا غير أنها وجدت عكس ذلك. كان الشبان هناك مُباشرين في التعبير عن رغباتهم وليس لديهم الوقت ولا الرغبة لإظهار الحفاوة وتقديم المقدمات وإظهار الحماسات أو الانتباه إلى الاختلاف بين لون عيني ابنتنا هذا الاختلاف الذي قررتْ أن تستثمره. وتضعه كشرط ضروري ووحيد للبدء بالتعارف مع أي شاب. وكان الشبان هناك لا يحفلون بالعيون واللغة الحارة التي تصدر عنها، فقط كانوا منشغلين بما دون ذلك، مستعجلين أكثر من اللازم كأنما تطاردهم فصيلة من الذئاب، وابنتنا في بلادنا ملكة متوّجة، وهي قبلة أنظارالقاصي والداني من شبان الحي، وكانت تتعالى عليهم جميعاً وتضطهدهم وتسخر منهم، وبخاصة أولاد الأسر الموسرة في حي المحافظة حيث نسكن.
عندما عادت إلينا كانت فتاة أخرى، صارت أكثر حفاوة بالحياة والدراسة بعد أن قررت إعادة تقديم البكالوريا للانتساب للجامعة. والاختصاص بالحقوق. أما أولاد الحارة ومن هم في سنها فقد صارت أكثر انتباهاً إليهم وأكثر استعداداً لمطارحتهم الكلام.
وقد تقدمت إلى الامتحان، وحصلت على البكالوريا. ثم انتسبت إلى الجامعة وها هي في الغرفة مع أمها تبكي وتتعالى شهقات أحداهما، وأضطر للتوقف عن الاسترسال في التذكر، واضطر للانتباه إلى عقب السيكارة الذي يلسع اصبعي فإزداد صفرة واندهاشاً.
فأنا عندما أسمع صوت البكاء دون أن أتمكن من تمييز مصادره أصاب بالحكة وأميل بأصبعي لسحب لفافة أخرى والبدء بالتدخين والسعال من جديد.
بعد عدّة لفافات انفتح الباب وخرجت زوجتي غاضبة.
-لم تصارحني بشيء قالت زوجتي: ثم مسحت دموعها بظاهر كفها، تريد أن تخبرك أنت أولاً، كأنها ليست ابنتي، كأنما الدم الروسي لا يجري في عروقها وبين فخذيها، كانما هي ليست في يوم من الأيام ابنة شقراء، وعينيها من جهة اليسار زرقاء مثل عيني والدي الكسي تريد أن تراك أنت لتصارحك بالحقيقة، إنني لم أعد أفهم طبيعتكم ودماءكم حتى وهي تجري في شرايين ابنتي. ابنتي أنا يا تشيخوف العظيم... فادخل وافهم منها ما هي علتها. ثم قعدت.. وقد غلبتها التنهدات. وكان الأمر محيراً لي فأنا أعرف أن الأم مستودع أسرار ابنتها، والمثل عندما يقول.. (إقلب الطنجرة على تمها بتطلع البنت لأمها..) ولكن هل يعقل أن تنعكس الأمور.. يبدو أن الطنجرة انقلبت على قفاها فصارت البنت تشبه أباها.. قفاها.. يا للعار. ثم بدأت بإعداد العدّة للدخول ومحاولة الفهم. بعد أن اختارتني (علياء) ابنتي لأكون أنا شخصياً مستودع أسرارها وليس أمها، وقد انتبابتني بعض المخاوف، هل يمكن أن تكون قضيتها أعني مشكلتها وثيقة الاتصال بالمسألة الوطنية والقومية، وأن إفشاء سرها لأمها من شأنه أن يدفع حلف وارسو للاطلاع على أشياء تخصها وتخص بلادها وليس من حق أحد أن يشاركها ذلك غير رجل صلب الملامح والعقائد مثلي ينتمي إلى هذه البلاد، ويستطيع أن يفهم ويرى، يا أبا العلاء المعري العظيم.

إنني بصراحة ورغم ما أتمتع به من سمعة أكاديمية عالية كنت في حالة استغراب شديد، عندما دخلت إلى الغرفة مبللاً بدموع زوجتي وشهقاتها، فالدموع لا تضعف صاحبها وإنما تضعف الكائن الذي يجاور صاحبها ويلمح بريقها وهي تنساب على ظاهر الوجه، وبخاصة إذا كان الوجه.. وجه زوجة وحيدة تَعْتَبِرُ البكاء عاطفة تخص دول العالم الثالث.
لذلك اقتلعت نفسي من ذكرياتي التي لم يعد يحتملها المقعد القماشي الوثير. ودخلت إلى الغرفة التي جلست ابنتي في صدرها مثل ملكة، وقعدت قبالتها وبدأت النظر إليها.
على وجه ابنتي كانت الصلابة وليس الدموع، الدموع كانت من نصيب زوجتي التي لم أكن أشاهدها تبكي حتى بمناسبة مرور الذكرى الخمسين لإلقاء القنبلة الذرية.



rrr


أنا الفتاة الفضائية علياء كما يحلو لوالدي أن يدعوني و(فاليتا) كما تحب أمي أن تناديني. ولي عينان حلوتان واحدة عسلية والأخرى زرقاء. وهذا مصدر اعتزاز لي. واستغراب من الجميع، والدي ووالدتي يحبان بعضهما لكنهما طيبان كثيراً إلى الحد الذي لا يعرف فيه أحدهما كيف يعبّر للآخر عن محبته ويرجع الفضل في ذلك لوالدي في المرتبة الأولى وللمداخلات السياسية الحادة التي يحاول أن يدفع بها أمام كل حوار، فهو يعتقد أن سبب إعجاب طلاب الجامعة به وبأسنانه التي أكلها الصدأ، هو ذهنه اليقظ الذي يستطيع أن يبتكر لكل ظاهرة تبريراً سياسياً، وعلى ذلك صار من الواجب عليه أن يعمم أسلوبه الجامعي في كل مكان، ولأن والدتي لم تكن برتبة عميد في الجامعة لذلك كانت تسيء فهمه وتحاول أن تستعين بالقوة الجبارة لبلادها في محاولة لتذكيره ببلاده وأهله وعدد الخيبات والهزائم التي أصابتهم مقابل الانتصارات التي حققتها بلادها، وكان يبتلع الإهانات الموجهة إليه مثل قذائف الكاتيوشا، ومن شدة الابتلاع والامتعاض صدأت أسنانه وقلبه وما عاد الحب يعرف إليهما سبيلا.
كان والدي طيباً إلى الحد الذي يحب فيه أن يحاط بالبهجة والفرح في كل مكان، ولأن الآخرين كانوا غير قادرين على صنع الفرح لأنفسهم حتى يتمكنوا من صنعة لغيرهم فقد حاول والدي أن يصنعه بنفسه ولنفسه، غير أنه عجز أيضاً بسبب عدم امتلاكه ملكة الخيال، لذلك حاول أن يفتعل المرح افتعالاً، فسعى وبتخطيط مسبق لأن يضحك بعد كل كلام يقوله وأحياناً قبله، وكان يتقصد أن ينتبه لملامح الآخرين ليرى تأثير كلامه. وتأثير ضحكاته فيهم، ولكنه غالباً ما كان يضحك وحيداً. وحيداً دون أية ضرورة، وكنت أفهم مشاعره وأحب طبيعته وروحه ودخان وحدته الذي ينفثه من فم حائر وعينين غائمتين، لذلك تقصدت أن أدخله إلى محنتي لأسمع رأيه.
أما أمي، فالناظر إليها للمرة الأولى والثانية، يظنها من نساء الـ (كي- جي- بي)، لكن الذي يعاصرها ويعيش نبضها ووجدانها يحسها أقرب إلى أن تكون من معتقلات الـ (كي جي بي). وليس منهم، غير أنها مع أبي ودون أن أفهم لماذا، تتعمد أن تكون على غير طبيعتها، خشنة وحاسمة كأنما تعامل تلميذاً ضبطه الأستاذ متلبساً بعدم كتابة وظائفه، وقد قام أحد أصدقاء والدي بتحليل هذه الظاهرة بطريقة مرحة عندما أكد أن التعامل مع الزوج بهذه الطريقة دليل على الحب الشديد.
بعد عودتي من الدراسة في موسكو شعرت أن مستقبلي هنا قرب أهلي وليس هناك. لذلك قررت إعادة الثانوية للتسجيل في الجامعة، وقد قدمت أوراقي إلى ثانوية المحبة الخاصة وانتظمت في صفوف الدوام اليومي وتعرفت على صديقتين في الصف ليستا من الطالبات الراسبات، هما: لمياء، ومروهْ.
كان للمدرسة باصات خاصة لنقل الطالبات إلى البيوت، غير أنني رغبت أن أذهب وأنصرف من المدرسة بطرائقي الخاصة.
تقع المدرسة في زاوية ينتهي طرفها الشرقي بمحطة انطلاق الباصات، وطرفها الغربي بالحديقة العامة وسط حلب. في حي العزيزيه.
في وقت الانصراف، يتجمع عدد من الشباب وطلاب المدارس المجاورة قرب باب المدرسة، بعضهم من أقرباء الطالبات وبعضهم الآخر من الشبان الذين حضروا بهدف بذل محاولات للانفراد بفتاة والحديث إليها عن الأحوال والأحلام، وكانت الفتيات في الغالب يسئن تقدير هذه المحاولات وينظرن بغضب إلى أصحابها.
الفتاة في بلادنا تحتاج لمطاردة طويلة والكثير من المقدمات حتى تقع في الشرك، وهي تحتاج إلى ذلك لأنها عندما تقع، يطالبها الجميع بالثمن الباهظ الذي ما عادت تستطيع أن تدفعه، أنا من طرفي لا أحمل خوفاً يمنعني من القيام بما أريد لكنني أحمل كبرياء شديدة الوطأة تمنعني من الانصياع، أسمع الكلام وأنظر إلى صاحبه وأرد عليه بمثله إذا تجاوز الحد. وكان من شدة كبريائي أنني تقمصت عادات وطرائق في المشي تدعو للسخرية، فقد كنت عندما أخرج من البيت أو المدرسة أضع كتبي على صدري وأحياناً تحت أبطي وأمشي مشية منضبطة، مشدودة الصدر والرأس، إلى درجة دفعت أحد الشبان المرحين الذين لحقوا بي في إحدى المرات لأن يسخر من مشيتي ويصيح خلفي واحد اثنين، واحد اثنين، إلى اليمين در، إلى اليسار در، إلى الأمام سر، كأنما يخاطب جنرالا. وعندما التفتت إليه لا لأشتمه وإنما لأتبين ملامحه هرول راكضاً، فحزنت وكدت أن أناديه ليرجع ولا يخاف، لكن صوتي لم يبادر إلي، فانفجرت ضاحكة حتى اغرورقت عيناي، فانتبهت وتوقفت وأعدت النظر في مشيتي وأعضائي وحالة الانتصاب التي كنت أفتعلها في صدري وحركة ساقي، والتي تدفعني لتعب لا ضرورة له. وبعد استرخاء متعمد وتدريب طويل تخلّصت من مشيتي المشدودة ودخلت مرحلة الليمونة والعفوية في المشية والنظرات، في وقت كانت فيه المدينة تدخل مرحلة الشدِّ والطلقات.
بعد ملاحظات الشاب، تغيرت علاقتي بالأشياء وبدأت أحس بأنني غيري. وأنني كنت أعيش مرحلة مفتعلة لم ينتبه إليها أحد، لا أمي ولا أبي. ولم تساعدني ثقافتهما الشديدة الوطأة على معرفتها وتجاوزها، حتى جاءت كلمات الشاب الغريب وإيعازاته لتقدم لي وصفاً جارحاً وحقيقياً، أدركت بعدها بعمق أنني فتاة جميلة ولي نهدان وعينان ملونتان وساقان، وشعر أشقر شفاف، على الجسد والمفارق، ولي أصابع وأحلام، ولقد حافظت بعد التحوّل الذي أصابني على عادة وحيدة تمت بصلة للمرحلة السابقة (مرحلة الجنرال) هذه العادة هي ربط شعري الكثيف وعدم تركه منسدلا على ظهري وكتفيّ، وقد كان ذلك مقدمة لحدوث ما حدث.
في أول الحي الذي نسكنه وعند موقف الباصات، لمحته. شاب تملأ الحيرة ملامحه وعينيه، لم يكن شديد الوسامة ولكنه يمتلك روحاً شديدة التأثير، حركات وجهه وعينيه فيهما إيحاء كبير، ولكنه يكاد يفتقر إلى شيء.. ربما إلى الجرأة التي لم أكن أفتقر إليها، ويبدو أنه انتبه مرّة عن قرب إلى اختلاف لون عينيّ، فتابع الانتباه والاهتمام.
كثيرة هي المرات التي شاهدته يقف في انتظار الحافلة في مواعيد ذهابي وإيابي، وقد ضبطته في مرات عديدة في حالة انتباه إلي، وعندما كنت أنتبه إليه يتشاغل عني ويلتفت إلى الجهات الأخرى المعادية.
قلت في نفسي مرات كثيرة إذا لم يبادرني بالكلام سأبادره، غير أنه وفي المرات التي تقصدت فيها الحديث إليه كان يترك المكان ويمضي، كأنما يحس بمبادراتي ويخافها ولا يرغب أن أصرّح بها. وقد طال الأمر حتى شعرت بالسخط والانشغال وبدأت أرمقه بنظرات غاضبة زادت في مخاوفه وأقلقته وبدأ بسببها يفقد بعضاً من وزنه. وبسبب ذلك كنت أمعن في ربط شعري بقوة لينسدل بإنضباط على ظهري.
لو أن أمه مثل أمي لما تردد كما تردد، ولكانت نظراته أكثر قوة وثقة، وليست أكثر عمقاً وخوفاً، ولربما كان أيضاً مثلهم، مثل شبان موسكو غير جدير بالحب كما هو الآن، فالجرأة تحقق الرغبات لكنها لا تصنع الحب.
في إحدى المرات وكنت في طريق العودة إلى البيت عند الظهيرة، كان الحر شديدا وكان عدد الناس في الباص قليلاً، ومن عادتي أنني لا أقعد على الكراسي في الممر حتى ولو كان أحدها فارغاً. أحب أن أقف في الفسحة عند الباب الخلفي للباص حتى أتمكن من الانتباه إلى حركة الناس في الحافلة أو حركتهم في الطريق وحتى أتمكن من النزول بسرعة عندما يتوقف الباص.
في هذه المرة كالعادة وقفت في آخر الباص، وعندما انطلق الباص ووصل إلى الموقف الذي يلي محطة الانطلاق، انفتح الباب الخلفي وصعد منه الشاب ومعه أحد أصدقائه، كنت مستديرة بظهري إليهما وكانت جرزة شعري الأشقر الطويل في مواجهتهما. كانا صامتين ثم سمعت صوت أحدهما وقد تقصد أن أسمع الكلام.
-شعرها جميل.
لم يرد عليه الشاب.. وربما نظر في وجهه بغضب
-ما رأيك أن أشدها من شعرها، كأنما ربطت شعرها بهذه الطريقة.. ليشدها أحد منه. الجملة وصلت إليّ كاملة فشعرت بالتأهب والإثارة وتمنيت أن يفعلها أحدهما ويشدني من شعري. وقد استقام جسدي في انتظار الخطوة التالية ورهفت أذناي ونهداي.
-ما رأيك أن أشدها من شعرها، أعاد صاحب الاقتراح الكلام ثانية.
-إياك؟
-لن تتألم كثيراً، وربما لن تمانع.
-لا تفعل.
إنها تسمع ولو كانت تمانع لغيّرت مكانها.
وكأن شيئاً خاصاً وغريباً أن تسمع من يقرأ أفكارك ويحاول معك شيئاً أنت تريده وتنتظر منه أن يفعله، وقد تسمرّت في المكان منتظرة النتائج ولأثبت للشاب المتردد كيف تتكوّن المبادرات وكيف يتم صنعها.
بعد دقيقة من الصمت والترقب والانتظار شعرت بكف تقبض على شعري فانتبهت للخطوة التالية، يبدو أن كفاً أخرى منعتها من الشد، غير أن الكف الأولى كانت مصممة، ثم تابعت الكف الأولى مبادرتها وشدت بقوة فتراجع رأسي إلى الخلف ثم استعاد مواقعه ثم توقفت للحظة حتى أختزن انفعالات الحالة الطارئة، ولأستدير إلى الوجهين الخاطئين، ثم لأرفع يدي وأنهال بصفعة قوية على وجه الشاب الذي لم يغامر بشعري، ولأستدير بعدها ثانية كما كنت في وضعيتي السابقة دون الانتباه إلى رؤوس الركاب التي استدارت جميعاً لتتعرف على الخد المصاب بالإحمرار.
عندما توقف الباص وكان ذلك قبل محطتين من الوصول إلى حينا وانفتح الباب الخلفي، نزل الشاب وتبعه الآخر مستغرباً، وكانت بيني وبين نفسي وقفة استغرقت المسافة الفاصلة بين محطة الباص التي نزل فيها الشابان بشكل مفاجئ، والمحطة التي تلتها، تساءلت فيها لماذا تقصدت صفع الشاب الذي بدأ يثير اهتمامي ولم أصفع الشاب الذي شدني من شعري. ربما لأن الشاب الأول لم يفعل ذلك، لذا أثار غضبي ففعلت ما فعلت، ربما لأنه سمح لشيء طارئ أن يعتدي علي، وكان ضرورياً أن يشعر بأنني أخصه وعليه أن يمنع صديقه أن يفعل، ولكن لماذا أضع المحاذير والأسئلة وقد كنت أرغب أن يحصل الذي حصل وكنت في حالة انتظار له، لكن الأدهى والأمر في هذه الحالة هو لماذا ارتفعت كفي وهوت، وعلى وجه بدأ يثير مخاوفي وانتباهي، هل عاودتني حالة الجنرال، وهل يمكن لشاب مثله في رتبة عاشق مذعور أن يحب جنرالاً. مثلي. لذلك داهمتني الوحدة والأحزان، وشعرت بالارتجاف والبرد، وصرت مثل شيء قاس وحزين.. وربما مثل جنرال فقد آخر جنوده وقلاعه، ولم أجد نفسي إلاّ وقد قفزت من باب الباص الذي انصفق خلفي وتركني وحيدة على المحطة التالية. كانت ضرورية تلك القفزة في الفراغ التي داهمت نفسي بها، بعد أن شعرت فجأة أن الوقت قد حان وأنني أصبحت مدينة للشاب بتوضيح وربما باعتذار، لذلك توقفت وحيدة على محطة الباص في انتظار عبور الفتى.
دقائق قليلة وأطل الفتى في الظهيرة اللافحة، كان وحيداً، وقد فرحت لاقترابه ووحدته ووقفت أنتظر عبوره حتى يبادرني، ولكنه اكتفى بأن نظر إليّ بغضب شديد وعبر دون كلام، فلحقت به.
-توقف، إنني آسفة.
غير أنه لم يتوقف، فأسرعت خلفه وأمسكته من زنده.
-قلت لك أنني أسفة.
-أنت غير محتاجة للأسف، وأنا لم أمدد يدي إلى شعرك
-أعرف
-تعرفين؟.. لماذا إذن؟..
-لا أعرف، ربما لأنك تركته يفعل.
كنت أحب أن تبادر أنت وتشدني من شعري بدلاً منه.
-كنت تريدين أن أفعل أنا.
-من مدة طويلة وأنا أنتظر منك أن تفعل شيئاً
-أنت غريبة مثل لون عينيك، وكنت أخاف منك
-والآن؟
-ما عاد فيك شيء يخيف.
-ماذا تقصد.
-عندما يفعل أحد ما فعلت في الحافلة يكون ضعيفاً وتافهاً ولا يخيف أحداً.
ثم تركني ومضى مستعجلاً. وبدأت أفكر عندما يفعل أحد ما فعلت يكون ضعيفاً وتافهاً ولا يخيف أحداً، وأحسست بالكلام. بصدقه وبالصراحة الجارحة فيه، وأنا أتابع الطريق إلى البيت.
في الليل، جلست على السرير وحيدة أفكر، خلعت ثيابي كلها وتابعت التفكير، تفقدت جسدي، وتذكرت الشاب وكلامه ثم مشيت إلى المرآة، وبعدها إلى دفتر المذكرات، وكتبت على صفحة خاصة، هذا الشاب خطر ولا يستحق الحب، ثم مزقت الصفحة وقررت أن أتابع الاهتمام به وأنا أقلب كفي التي ما زالت تحتفظ بذكريات خده.
في اليوم التالي كان ينتظر على موقف الحافلة، وكنت في طريقي إلى المدرسة صباحاً، فاغتبطت لمشاهدته، لكنني فجأة قررت تجاهله ومتابعة الطريق ماشية. وقد حرصت على إمساك جسدي حتى لا يخرج علي. ويلتفت إليه، وقد أعيتني هذه المحاولة التي بذلت من أجلها جهداً واضحاً، وبعد أن شعرت بأنني ابتعدت مسافة كافية وأفلتت جسدي وظهري من نظراته، أخذت نفساً عميقاً، وأخرجت منديلاً ورقياً ومسحت اللهات عن قلبي ومشيتي وتابعت الطريق، ورغم ذلك وعندما انتبهت لم يكن في عقلي وصدري وعيني سواه، كأنما كنت ذاهبة إليه وليس إلى المدرسة.
لماذا شعرت فجأة أنني أحبه، ألأنه اعتبرني ضعيفة وتافهة، لو أنه اعتذر إلي ودمعت عيناه كما يفعل المحبون مع حبيباتهم لكنت ازددت تماسكاً وشموخاً، لماذا أحس بأنني فتاة أخرى غير التي تعودتها، لماذا أكون غريبة عني، وحاملة لأشكال من الضعف لا حدود لها، فعندما أصفع أحداً، أصبح متهافتة وضعيفة، وعندما أحب أصبح ضعيفة، وعندما أذهب إلى موسكو أصبح وحيدة وضعيفة، وعندما أدخل المدرسة أحس بنفسي وحيدة وضعيفة.
المكان الوحيد الذي أحس فيه بالقوة هو البيت ربما لأن والديّ يحباني، لذلك هما ضعيفان أمامي، وعندما وصلت إلى هذه النهاية من التحليل والمقارنة، أحست أن الضعف ليس شيئاً بغيضاً في كل الأحوال، وأنني قد وقعت في الجانب العظيم منه. في الجانب المؤدي إلى الحب، وقد اغتبطت لذلك فرفعت الكتب إلى صدري وضغطت، وقد تندت عيناي من الإحساس بجمال الطريق، والأشجار.. وحركة الناس والسيارات.
أيام مرّت وأنا أتجاهل الشاب، وأزداد اهتماماً به وأنا ذاهبة مشياً إلى المدرسة، لم أحاول استدراجه ليلحق بي رغم علمي أنه يفعل، وأحس به خلفي. وها أنا أمشي لأعبر الحديقة الكبيرة الفارغة وحيدة ومضطربة، كأنما لا يوجد خلفي شاب أعرفه وتنتابه رغبة موجعه في أن يشدني من ربطة شعري.
في الأمسيات وعندما أكون وحيدة كانت كفي تستحضر وجه الشاب كأنما لتعانقه وتعتذر إليه عن الصفعة التي اقترفتها بحقه ولأن كفي تعرفت إلى وجهه، قبلي، لذلك كانت حركة أصابعها تزداد نزقاً وعصبية عندما أفكر به أو أمر قربه، لكأنها تعيش إثماً خاص بها، وتود أن تقدم اعتذار كافياً إليه لتجعله ينسى.
في حرب التجاهل وخلال مشوار العودة إلى البيت بعد الانصراف من المدرسة، كان واقفاً على الرصيف الثاني مقابل باب المدرسة، انتبهت إليه انتباهاً خاطفاً وانعطفت لمتابعة الطريق، مررت قرب بائع الفطائر، كان الدكان خاوياً. والسيارات تعبر بنزق، والشارع خاو، ولم أكن أعير ذلك انتباهاً، وأنا أقطع الطريق إلى باب الحديقة العامة، الواسعة والعظيمة، والتي تشبه مقدمتها وباحتها، حديقة قصر الشتاء، هذا ماقالته أمي نقلاً على لسان خبير روسي تعرفه. وقد بدأت بعد هذا الكلام أنتبه لجمال الحديقة وأحس بها، وقد ازدادت محبتي لها عندما صرت أشعر أن أحداً يتبعني فيها، الحديقة أيضاً خاوية، لا أدري ما الذي يحصل في المدينة، يقولون: المعارضة التي تسمي نفسها أصولية تتحرك وقد قامت بقتل عدد من الناس لاحراج السلطة. وربما لترك الحديقة بدون بشر، وقد نبهني والدي إلى ذلك وطلب مني الحذر، لكنني لا أعرف كيف يمكن للإنسان أن يكون حذراً، كيف يمكنه أن يركض من باب المدرسة إلى الحافلة دون أن يتلفت، وكيف تنطلق الحافلة مثل قطة مذعورة دون أن تنتبه للأشجار والبشر العابرين.
ثم أن المرور في حديقة فارغة ليس أمراً سيئاً، لكنه يغري بالمخاوف، هل يخطر ببال الأشجار مثلاً أن تخطف فتاة وحيدة مثلي وتزرعها في الأرض لتزداد الخضرة في الحديقة، وهل كانت الأشجار فتيات وحيدات مثلي، تم اختطافهن بحسن نية وغرسهن. الحديقة الخاوية تغري بالتفكير والانتباه إلى ضربات الحذاء على الأرض الإسفلتية الخشنة، وهذا الإصغاء الشديد الذي أحاوله حتى أحس بالشاب الذي يتبعني ولأعرف هل يزداد اقتراباً أم ابتعاداً عني.
غادرت باب الحديقة الثاني، وعبرت شارات المرور باتجاه رصيف شركة الكهرباء، واجتزت مبنى الشركة إلى الرصيف الثاني عند جسر سكة الحديد.
لماذا يتكرر ذكر الأرصفة في الكلام، ربما لأن الرجل وقع على الرصيف بعيداً.
كنت أمشي على الرصيف، وعلى بعد عشر خطوات. كان رجل سمين يمشي بعصبية وعلى وجهه نظارة ثم فجأة وقفت قربه سيارة نزل منها إثنان واحد أخرج المسدس وأطلق النار، والثاني كان خلفه يتلفت إلى الجهات، ألا توجد عشر خطوات أخرى على الأرض تمنع واحدة مثلي من الإبتعاد عن القتل مسافة كافية تمكنني من تجاهل الجسد وحركة القتلة والسيارة. ثم انصفقت النوافذ وفغرت الشوارع أفواهها من الدهشة وفرغت. سوى مني ومن الجثة التي كانت يد صاحبها تمتد ليس إلى صدره الذي ثقبته الطلقات ولكن إلى النظارة التي سقطت عندما وقع بجسده السمين على الأرض، لكن لماذا ترك دمه وبحث عن نظارته ربما، ربما ليرى الجناة، فالضحية كما شاهدت في فلم أمريكي مأخوذ عن قصة يابانية. تظل مشغولة بقاتلها، تريد أن تختزن صورته ونظراته لسبب واحد حتى تبادله عن بعد الشعور بالاحترام والتبجيل، والرغبة في المجاورة والتعايش المشترك. غير أن حماستي في التحليل لم تعجب والدي فضحك من كلامي بقوة اربكتني وأشعرتني بأنني الضحية، ودون أن ينتبه والدي إلى قلق عيني، تابع موضحاً موقفه فقال:
هذه العلاقة تنفع كثيراً في السياسة ويحرص عليها الأمريكيون وهم يرغبون بقوة أن يبادلهم ضحاياهم الاحترام والتعايش، غير أنني انزعجت من والدي وصرخت في وجهه، ولكن الذي حصل في الفلم يناقض ذلك تماماً، كان القاتل في الفلم يابانيا وكانت الضحية انكليزية، وكانا يحبان بعضهما وقد جاءت الأوامر للياباني فقتل الانكليزي بعد أن بكى من أجله طويلاً.
-إنهم يجعلون القتل أمراً جذاباً وضرورياً، ذلك هو الفن العظيم.
أحسست بأن والدي ما زال يسخر، ثم أخبرني: لا يوجد بشر لا في اليابان ولا أمريكا ولا تحت الأرض، يَقْتلون كما يَقتُلُ هؤلاء، والمحزن في الأمر أن القاتل لا يحترم ضحيته ولا يكن لها أية مودة وهو مستعد من أجل ما يحصل من معتقدات أن يكرر القتل ثانية وثالثة للضحية ذاتها، ثم غامت عيناه، واختنق صوته، الرجل الذي وقع أمامك صديق لي، وهو دكتور في كلية الطب واسمه (يوسف اليوسف) ثم صمت طويلاً وقال: لا يوجد شيء يستحق القتل سوى المعتقدات التي تحض على القتل.
رجفتان ثلاث رجفات وكما يحصل في السينما تماماً ويد ممدودة بحثاً عن النظارة وصدر مثقوب، ودم، وفتاة واقفة ربما على بعد عشر خطوات، وعالم فارغ، وعينان تكادان تقفزان من محجريهما من الهول والمفاجأة. ثم جاءت قبضة وقبضت زندي بقوة ودفعتني فاستجابت قدماي وجسدي وتحركتا رويداً وانحرفتا قليلاً عن الجثة، وعندما انسدلت كفه إلى كفي بدأنا نركض أسرع من لهاثنا. وعند منعطف المشفى، تحت الأشجار الكثيفة الغامقة وقفنا وتبادلنا النظرات، ثم أمسكت بكفه ووضعتها على نهدي الأيسر، وقلت له انظر إلى قلبي.
-أنت شديدة الانفعال.
-ليتنا أخذنا نظارة الرجل.
-هل تعرفين لون القميص.
-أي قميص.
-الذي يرتديه الرجل.
-عندما حاول أن يسحب يده أمسكت بها بعصبية ووضعتها مرة ثانية، وقلت:
-سأقع من شدة الانفعال.
-حاولي أن.
-ليتني أقعد على الأرض، ثم أطلقت سراح يده وقعدت.
-ألا تخافين.
-ما دام الإنسان يموت هكذا، فمن أي شيء سأخاف.
-وفجأة أمسك يدي وشدني إلى الأعلى وتابعنا المشي، وكفه تعبر قرب كفي ولا تمسكها، ربما كان يفكر أيهما الكف التي صفعته، ترى هل يفعلها وينسى الجثة لينصرف إلى هذا الأمر.
إنني وأنا أسير قربه محاولة أن أضبط خطواتي على خطواته، منتبهة إلى حركة نهديّ، وقد حجب القميص ضوءهما.. أنني وأنا أفعل ذلك توقفت عن التفكير تماماً... فقط صوت الطلقات كان يحز صدري ويعيدني عنوة إلى الرجل وحركة أصابعه باتجاه النظارة التي ما كان لها أن تفعل شيئاً لتنجده به..
لذلك غامت عيناي بالدنيا.. وبدأت ذقني تهتز بمفردها، وحتى لا يفضحني النشيج ويظهر ضعفي قربه.. ركضت سريعاً سريعاً... حتى وصلت البيت والتفت إلى جهته. وعندما لمحته.خلفي فتحت الباب وأغلقته بقوة...
في اليوم الذي أمسكت به كف الشاب ووضعتها على نهدي ليتعرف على إيقاع قلبي... في ذلك اليوم دخل إنسان سمين عصر الموت الواسع المهيب، دون أن تمكنه المباغتة والطبيعة من مشاهدة ظلال قاتليه. وفي الآونة ذاتها دخلت عصر الحب من بابه العجيب المفتوح على الغرابة والمفاجآت، ربما روح الرجل وقد تسرّب إليّ من ثقوبه منحني طاقة أن أحب وأركض وأبكي وأتذكر، وأقعد على الأرض وأرفع نهدايّ إلى السماء وأنا أتذكر الكف التي تجاوز كفي ولا تلامسها. ربما لأنني دخلت وحيدة وحيدة، كان ضرورياً أن أحتفي بوحدتي حتى آخرها... فرؤية الموت دفعتني للمزيد من الوحدة، والموت والوحدة دفعاني للتخلّص منهما معاً، ولم يكن هذا ممكناً إلاّ باستنفار الجسد وملامسة عناصر الحياة والاستجابات فيه.
كثير من الرجال عبروا ذاكرتي- ممثلون في السينما والتلفزيون، وسياسيون وأساتذة وزملاء في موسكو، كثير منهم وفي وضعيات من التلفت والانتباه والاستثارة، عدا وجهه، وجه فتاي.. غير أنني كنت محتاجة إلى نفسي وانفعالاتي محتاجة إليهما بقوة. لذلك تابعت الطريق بدونه حتى تعالت شهقاتي.. ربما تقصدت أن لا أرغم ذاكرتي على البحث عنه حتى أوفره للأيام القادمات دون جثث وثقوب ويد ممتدة ورصيف ليكون معي تاماً مكتملاً وليس مجرد ظل أو خيال، وربما لأنني أحب فيه أن يكون أكثر من جسد عار وأعضاء مستجيبة، أحب فيه إضافة إلى جسده، صمته البليد، وكلامه الجارح، ومخاوف كفه من أن تبادر إلى يدي فتلمسها، أحب انتباهه إلى عيني وخوفه من تبادل البرق معهما..
غير أنني وعندما التفت إليه وانتبهت إلى وجهه عندما كنت في مواجهة الباب أحسست بأعماقه ومخاوفه تامة كاملة، كنت أنظر إليه نظرة إعتذار مركّب، فيه صلابة وفيه إلتماعة حزن  ولم يكن ممكناً لي أن أنظر في الأمور وأحللها بهذا العمق لو لم أفعل ما فعلت وأتوج نفسي بوحدتي وشهقاتي وبعدها لأضبط إيقاعات روحي وصدري وأبدأ بعدها التفكير والتأنيث والتذكير.
هل الحب مذكر أم مؤنث.
الموت أيضاً هل هو مذكر أم مؤنث.
والدم... هل هو مؤنث أم مذكر، ما دام يصيب الجميع.. ويسيل من الجميع... لماذا خطرت ببالي هذه المقارنات.
فالمرأة تنزف برهة الحب الأولى.. وبرهة الولادة، والرجال ماذا يفعلون... أجاب أبي عندما سألته:
-ينزفون أيضاً، على الأرصفة وفي الأسواق، وفي الأحزاب والمؤسسات.. ألم تشاهدي الرجل.. وارتطام رأسه ونظارته البعيدة.. وثقوب صدره.
عندما فكرت في الرد الذي داهمني به أبي تذكرت أنني عندما تحدثت إليه عن الرجل، لم أذكر له ارتطام رأسه، فكيف أعاد بنفسه تصوّر المشهد وتحليله وتركيبه مرّة ثانية.. يبدو أن رأس الرجل ارتطم على الأرض فعلاً، وإلا ما كانت نظارته اندفعت بعيدة عنه كل تلك المسافة، ويبدو أنه أحس بابتعادها عنه فامتد بيده إلى جهتها دون أن يتمكن من استعادتها.
لقد انتبهت إلى النظارة، إلى الأثر، ولم أنتبه إلى الفعل الذي طوّح بها أن رأس الرجل وحده يتذكر ذلك جيداً.. ورأس أبي أدرك ذلك.. لذلك صرت إذا استعدت المشهد في ذاكرتي لا أستطيع إلاّ أن أرى الرجل في ملامح أبي وهيئته. وبدأت أحس بالإرتطام العنيد وقد أصاب رأس أبي فأشهق من الخوف عليه... وفي مرات وضعت رأس والدي على صدري وبدأت أتفقده وأتفقد تدرج الشعر الأبيض وتناسخه في رأسه.. ثم شرحت له الأسباب والدوافع.. فصار ينصاع لذلك كلما طلبت منه أن أفعل.
-أخاف عليك، قد يكون رأسك مصاباً دون أن تعرف.
-لو أنك تعرفين؟.
-ماذا؟
-لا يوجد فيّ شيء غير مصاب..
لوالدي صديق في عمر طلابه، تخرّج من الجامعة حديثاً، يكاد يكون في الثلاثين من عمره، وهو موظف في البنك العقاري.. ويتابع دراساته العليا في كلية الآداب ويشرف والدي على (رسالته في النقد الأدبي) وقد استلم عدداً من مناصب الحد الأدنى في اتحاد الحرفيين، هذا ما قاله والدي عنه وقد صرّح والدي أنه يحب هذا الشخص الذي يعتبره تلميذاً وصديقاً بآن واحد، وقد أثارتني حفاوة والدي بتلميذه وصديقه، فحاولت أن أنتبه إليه في الفترة ذاتها التي كنت منشغلة فيها بالشاب وقد انتبهت إلى صديق والدي لأفهم طبيعته لم يكن وجهه وشعره الجعد يثيران النفور، لكنني وبعد عدة كلمات ومجاملات ومبالغات صدرت عنه، أحسست بالامتعاض، وقد صارحت والدي بذلك.
-لماذا التسرّع في إطلاق الأحكام، والشاب يحترمك، وقد وعدني بتأمين قرض من المصرف العقاري حتى أعيد تأثيث غرفة نومك.
-لتذهب غرفتي إلى الجحيم.. وأقترح أن تنصح صديقك وتلميذك بأن يضع نظارة على وجهه.
-لماذا.
-لأن نظراته لا تعجبني.
-وماذا تفيد النظارات في هذه الحالة.
-لا أعرف، ربما لا تفيد.
لا أدري لماذا كنت حادة وقاسية، في الحكم على الشاب... ربما لأنني كنت أعيش فترة حاسمة وعصيبة.
-ألا يمكن أن تنتبهي إليه أكثر، إنه يحبك وقد صارحني بذلك.
يبدو أن والدي لم ينتبه إلى عينيه أبداً، لذلك أوقعه في فخ الكلام والمجاملات.
-ما رأيك، تابع والدي الكلام.
-في أي شيء.
-في الانتباه إليه...
-صورة الرجل الذي ارتطم رأسه على الرصيف تمنعني من الإنتباه.
-أمر عجيب أن يصدر عنك هذا الكلام.
-لقد قرأت كل ما في مكتبتك من كتب بالروسية والعربية ويحق لي أن أفكر على طريقتي الخاصة.
-ليتك تعرفينه عن قرب.
-ليتك تعرفه أنت.
-هل تعرفين.. خلال الأزمة التي عاشتها المدينة كان يأتي إلى الجامعة خصيصاً لمرافقتي إلى البيت، كان يقول لي أخاف عليك منهم... وكان يرافقني ويدخل معي.. ويظل معي إلى ما بعد الغروب ثم يمضي.. وعندما شرحت لأمك مواقفه بدأت تحتمل حضوره على مضض رغم أنها في البداية لم تحتمله على الإطلاق.
-لماذا لا يكون العكس.
-لم أفهم.
-ربما كان يخاف هو أن يذهب وحيداً إلى بيته فحاول أن يقنعك بأنه يخاف عليك.
-هذا غير معقول.
بعد أيام جاء أبي إليّ وقال.. معك حق يخاف على نفسه أكثر مما يخاف علي، ورغم ذلك ما زلت أحبه.
-أن تحبه هذا يخصك، أما أن تخطئ في تفسيره فهذا غريب من رجل مثلك.
-أنت تبالغين.. ثم أن أكاذيبه ليست مؤذية.. وقد طلب يدك مني.
-يدي أنا.
-هل تعتقدين أنه يمكن أن يطلب يدي أنا أو يد الباب، قال أبي ممازحاً.
-ربما قصد أن يطلب يد الباب.. قد يكون البيت قد أعجبه.
-هو معجب بك أنت...
-معجب بي.. يا للحظ.
-قلت له أطلب يدها منها.. وعندما توافق يمكن أن نتحدث في الأمر.. لكنه أخبرني أنه يخاف منك.
-عندما يتوقف عن الخوف أخبره بأنني غير موافقة.
رغم إجادتي الحديث باللغة الروسية، كنت أحس بالرغبة في مصارحة أبي أكثر من أمي... وكانت أمي تحس بذلك فتزداد غضباً ومرارة وينعكس ذلك على علاقتها بأبي.
أيام مرت وأنا ألتقي بالشاب.. تحدثت له فيها عن صديق والدي.. وطلبه، ليدي وموقفي منه.. وعندما ذكرت له اسم الشاب انتبه إليّ.. وقال أعرفه عن بعد.. حضرت له بعض الندوات على مدرج الجامعة، كلامه مثير للانتباه... كذلك بدايات الكرش المبكر عند حزامه.. يحس من يستمع إليه بأنه رجل مؤهل لأن يكون ذا شأن...
-والدي تعرّف إليه في المقهى.. ثم في الجامعة.. ثم حصل بينهما الحب الكبير بالمناسبة لم تقل لي ما هو اسمك.
-اسمي عامر (الصائب)... وأنا طالب في كلية الهندسة في السنة الأخيرة.
-أنا فالنتينا بالروسي.. وعلياء بالعربي.. وكنيتنا (السمني) والدي له اسمان.. عواد اسم الولادة.. وشامل اسمه الذي اختاره لنفسه وأمي اسمها كاتيا وهي  روسية، وأنا أعيد تقديم الشهادة الثانوية لأدخل في الجامعة وكان من الواجب أن أكون في السنة الثانية في كلية الحقوق ولي جرزة شعر وعينان كل واحدة بلون.
-ولك صديق اسمه عامر.
-ولكنه لا يخبرني شيئاً عن نفسه، وأنا وبعد أن وضعت يده على صدري لا أعرف سوى اسمه.
-هل تذكرين لون القميص.
-القميص الذي كنت أرتديه.
-قميص الرجل الذي
-أنت واسع الخيال.
-لذلك سأتحدث عن نفسي وأهلي...
-إنني أسمع.
والدي يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم الهندسية، وهو يُدرّس في الكلية التي أَدُرْسُ فيها، وقد درس وتابع الاختصاص في ألمانيا الديمقراطية، وعندما عاد.. تزوج من أمي.. وهي ابنة أسرة هامة في الماضي ولها أملاك.. والدي لم يكن عضواً في أي تنظيم حزبي.. غير أن والدتي وبعد أن تصاعد المد الديني وتصاعد الخلاف الزوجي بينها وبين والدي قررت مثلها مثل طبقتها الاجتماعية الارتداد.. فتحولت من سيدة مجتمع وصاحبة صالون يجتمع فيه رجالات العلم والسياسة في المدينة للمناظرة والحوار والتسلية إلى امرأة من نوع آخر، فارتدت الثياب الرمادية المحتشمة وتوقفت عن استقبال أحد... وقد أربك هذا الأمر والدي وبخاصة بعد أن عاصر التحولات الغريبة في البلد.. فكان ضرورياً أن تنشأ بينهما القطيعة، ولأن البيت الذي يقطنان، يمتلكانه مناصفة ولأن والدي تابع تحصيله الدراسي في ألمانيا فقد اختار الحل الألماني للمشكلة وبنى جداراً قسّم فيه البيت إلى بيتين ليحول بذلك دون أي اتصال يمكن أن يتحقق مع والدتي.. وبقيت أنا الوحيد الذي أتمتع بسلطات استثنائية لا يستطيع الجدار أن ينال منها، كنت أستطيع أن أنتقل عبر البابين بين الشطرين الغربي والشرقي.. وقد مكنتني حرية الحركة تلك من نقل رغبات ووجهات نظر كل طرف للطرف الآخر وخاصة أن والدتي قد احتفظت بالمطبخ كاملاً في القطاع الذي يخصها وعلى ذلك استمرت في فرض شروطها وتقديم الوجبات من خلال فتحة في الجدار.. وقد اقتنع كل واحد منهما بالطرف الذي يخصه ولم تحصل أية ارباكات ولا عمليات تسلل سوى تلك التي أقوم بها بين الطرفين المتنازعين.. لنقل بعض الرغبات ووجهات النظر...
ورغم ميول والدتي الغربية فإنها كانت تتسلل في الليل إلى الجدار وتضربه بقبضتها وتبكي وخدها على حجارته.. مثلها تماماً مثل الألمان الشرقيين... ويخيل إلي أنها ما زالت تحب والدي رغم كراهيتها الشديدة لأفكاره ومعتقداته وهي في ليال كثيرة عند آذان الفجر ترفع كفيها بالضراعة مثل رابعة العدوية وتبدأ بالدعاء على حلف وارسو والسوفييت دون أن تضع في اعتبارها أن أُمَكِ واحدة منهن، لذلك فأنا أعتقد أن حبنا مثل حب روميو وجولييت محفوف بالمخاطر والمنازعات المحلية والدولية والجدران.
-تقول حبنا.. إننا لم نزل في مرحلة الصداقة.
-بعد كل ما كشفت لك من أسرار تقولين صداقة.
-إن كنت تحب أن تطلق عليها اسماً آخر فلا مانع عندي.
-يا للمعجزة لقد بدأت تباشير الانفراج الدولي، ثم أمسك كفي، وذهبنا معاً إلى الحديقة القريبة.. وبحثنا عن كرسي فارغ.
رواد الحديقة في غالبيتهم من طلاب الجامعة بأقسامها المختلفة.. وعلى كل كرسي قعد اثنان، شاب وفتاة.. يرتدون الألبسة الجامعية الموحدة.
-تعرفين رغم قرب الحديقة من حينا.. لم أكن أنتبه إليها، كأننا في كرنفال...
-انتبه إلى الرواد.. هل تعتقد بأن الحب هو الذي أحضرهم إلى الحديقة.
-لا يمكنني أن أعرف بسرعة..
-معك عشر دقائق.
-عشر دقائق؟
-هل تعتبر المدة قليلة.
-أبداً.. عشر دقائق تكفي لقيام حرب...
-يا لخيالك يا أخي.
-الخيال ضروري.. حتى يتمكن الإنسان من الانتباه إلى النظارة عندما تسقط بعيداً عن يد الرجل الممدد على الأرض.
-كل هذه الأسى من أجل سؤال.
-الأسئلة شيء سهل.. الأجوبة هي المعضلة.
-الزمن بدأ يتحرك لغير صالحك.. ثم ركزت علياء أنظارها على الساعة.
-عشر دقائق دون كلام ودون أن أنتبه إليكِ.
-ودون أن تنتبه إليّ.
-هل تقدرين على ذلك.
-هل تقدر أنت
-هذا أمر سهل
-أنت ملعون وضربته على صدره، فوضع يده فوق يدي.. وأعادها إلى حضني... ونظر إلى الساعة وقال: هل نبدأ.
-نبدأ.. كان وجهي ملتهباً بنار لا أعرف مصدرها وبدأت متابعة المشهد دون أن أرى شيئاً.
بعد مدة من الانتظار الطويل.. الطويل.. نظر إلى ساعته وقال: لقد انتهى الوقت.. وأنا جاهز لإعطاء الجواب.
-لم تعد عندي رغبة للمتابعة.
-الوقت ما زال مبكراً على الأحزان.
-لست حزينة.. لكن الأجوبة توحي بوجود امتحان.. وأنا لا أرغب في ذلك. ثم مرّت فراشة بيضاء، وتبعتها فراشة أخرى، وعلى الكرسي المقابل نهضت فتاة محجبة بعصبية ومضت وبقي صديقها وحيداً، لم يفعل كما فعلت الفراشة الثانية وهي تتبع الأولى.. ثم مرّ حارس الحديقة.. وذهب إلى صنبور الماء وفتحه... وبدأ الرذاذ يتناثر من مرشّات خاصة فوق العشب.. وعلى أطراف البحيرة المدورة وسط الساحة.. ثم انتبهت إلى أصوات العصافير كانت يدي ما تزال منتظرة في حضني دون حركة.. كأنما تود.. وكان ينظر إليّ وأنا أتلفت إلى غير جهته، ما زال الوقت مبكراً على الأحزان، تذكرت كلمته.. وقررت أنني لست حزينة، غير أن الرجلّ العجوز القاعد بعيداً.. بعيداً يشبهني، لذلك نهضت.
في البيت كانت أمي تعد طعام الغداء.. لم يكن للوجبات التي تحضرها طعم أو رائحة، كثير من الأطعمة الحلبية التي نأكلها في بيوت المعارف والأصدقاء محذوفة من برامجنا الغذائية.. الخضار المسلوقة مع اللحوم المقلية والمايونيز والشوربات المختلفة تشكل معظم وجباتنا في المساء والصباح، كان بوسع أمي أن تتعلم صناعة الأطعمة المحلية لكنها لم تكن تريد، فما دامت تشعر بوجودها منقوصاً في المجتمع كونها ليست منه، لذلك كانت تريد أن تجعل بيتها روسياً من ألفه إلى يائه حتى تشعر باكتمال حضورها وشرعيته وربما كان لها الحق في ذلك غير أنني ووالدي كنا ندفع الثمن ونأكل الطعام مثل بشر معلقين في الهواء، وقد سعينا معاً بالاعتماد على الملح والتوابل للالتفاف على إرادة أمي وتقريب المسافة من خلالهما بين طعامنا المحلي وطعامها، وكانت تتجه إلينا وتنظر بغضب إلى صحن والدي وتخطفه من أمامه وتزيل بطرف السكين الأملاح والتوابل وتعيد قطعة اللحم إليه وهي تقول بالروسية.
-ذوقكم ضعيف.
وكنت أقول لوالدي.. لا تشغل بالك، يبدو أن ماركس ولينين لم يتحدثا عن التوابل والأملاح ودورهما المؤثر في صناعة التاريخ.
-وينتبه والدي.. ودون أن يفهم قصدي يرد علي غاضباً، وما دخلهما بالملح والتوابل.
هذه المرة لم أتوقف طويلاً في الصالة، ولم أنتبه إلى الطعام وطبيعته... مباشرة دخلت إلى غرفتي وأغلقت الباب.. وألقيت بجسدي على طرف السرير، كنت نزقة ومتعبة.. كان اللقاء غنياً ومربكاً، فيه تفاصيل غريبة ولغة خاصة... صحيح أنني نهضت كأنما كنت غاضبة، لكنني لم أكن كذلك، وقد تبعني ومشى قربي ترى هل انتبه مثلي إلى الفراشتين وإلى الفتاة المحجبة الغاضبة.. وإلى العجوز الوحيد.. ربما انتبه أكثر مما انتبهت، مثلما فعل والدي وانتبه إلى ارتطام رأس الرجل على بلاط الرصيف.. عندما أستعيد مشهد الفتاة الغاضبة أتساءل هل كانت تبكي، ربما لمح هو ذلك أكثر مني.. عندما تنتبه الفتاة إلى فتاة أخرى تبكي، لا يثيرها ذلك، تشعر نحوها مثلما تشعر نحو فتاة تأكل أو تقرأ أو تقوم بتنظيف البيت.
يبدو أن الفتيان يمتلكون مشاعر مختلفة، فيتنبهون أكثر إلى انفعالات المرأة وتقلبات مشاعرها، لكن لماذا لم ينتبه إليّ.. لماذا لم يحاول معي.. كان يستطيع أن يتكلم.. أن يترك يده في حضني.. أن يجيب علي دون أن أطرح الأسئلة، فبعد عشر دقائق من الصمت والانتباه لم يقل أحدنا شيئاً، ثم نهضت فجأة.. ومثلما نهضت فجأة ومضت في رأسي فكرة.. الذي يحب عليه أن يتوقف عن هذه الأوهام.. لذلك نهضت ثانية وذهبت إلى المائدة وشاركت بحماسة في تناول الطعام... وقررت رغم قرقعة الملاعق والصحون.. ورغم صمت والدي ووالدتي.. أن أنصرف لتحقيق رغباتي، وأن أعطي ما لقيصر لقيصر وآخذ من قيصر ما هو لي.. التفلسف يقتل الحب.. كنت جائعة.. وكان الطعام في متناول يدي.
رواد الحديقة وبعد عشر دقائق من التأمل أحست بهم.. لم يكن يشغلهم الحب.. الجوع هو الذي يشغلهم وعندما أدركت ذلك توقفت عن الأسئلة.. وتوقف عامر عن الإجابة.. وما دام الأمر كذلك أي عيب في الجوع.. وما هو الذي يميزه عن الحب... كل منهما يحمل الآخر إلى ذروته.. كل منهما يحمل الآخر ليطوّح به.. ثم انتبهت إلى أمي وقلت لها: كان الطعام لذيذاً..
-دهشت أمي: لم أسمع منك هذه الكلمة أبداً.
-علياء معها حق.. طعامك اليوم لذيذ، تابع أبي الكلام
-ماذا تقصد.. هل كان رديئاً في الأيام السابقة؟
-الذنب ذنب فاليا لأنها لم تكن تنتبه، أجاب والدي ممازحاً.
-وأنت أين كان عقلك، ردت أمي على والدي بعصبية.
-نظرت في وجهيهما بحزن.. ما داما لا يحسنان الكلام إلى بعضهما فليصمتا.. فليصمتا تماماً، كلمة واحدة تكفيهما طوال العمر، أن ينطق الواحد باسم الآخر مرة واحدة عندما يموت، ليتهما يبنيان جداراً مثل والدي عامر، عندها سأحس بهما أكثر.. وسأمد لهما لساني من نافذة الجدار.. حتى أغيظهما. يمكن اقتسام غرفة المعيشة (الصالون) لتكون ممراً لكل منهما، الحديقة والمطبخ وغرفة النوم والضيوف لأمي.. المكتبة وغرفتي لوالدي.. يمكنه أن ينام في المكتبة على الكنبة، وهو لا يمانع في ذلك، فلقد تعوّد أن ينام عليها عندما يكون مع أمي في حالة خصام.. ولأنهما في خصومة دائمة، فقد اعتاد أبي النوم فوق الكنبة، غرفة النوم التي تخصه يمكن أن نستعملها أنا وهو بالتناوب، ويمكن أن أنام في غرفة الضيوف في جمهورية أمي المستقلة.. أما الحمام والتواليت، فلا يمكن أن يكونا في قطاع أمي لأنها بعد تحرير المطبخ ستحصل عليهما لضرورات هندسية، يمكن أن يدفع والدي تعويض بدل استخدام.. وسأحاول أن يصلا إلى صيغة تفاهم.. وإذا تشددت أمي ورفضت قائلة باللغة الروسية (الحمام والتواليت بالتمام أو الموت الزؤام) فإن ذلك سيدفع والدي إلى استئجار حاملة طائرات من أحد المعسكرين ليزيح عليها ضروراته.
مساء ذلك اليوم وجهت الدعوات إلى اجتماع عاجل في الصالون نوهت فيها إلى أهمية المسألة وحذّرت من مغبة الحَرَد والتغيّب، وحددت الساعة التاسعة موعداً للاجتماع حيث يكون والدي قد عاد من المقهى بعد أن شبع من الأصدقاء الذين أدمنوا عليه وأدمن عليهم.
وقد وردتني ردود مشجعة من الطرفين فيها موافقة على حضور الاجتماع، وحاولت أن أحضّر للاجتماع تحضيراً كافياً مثلما يحضّر المعنيون لمؤتمر دولي.. فهذا الاجتماع، ستترتب عليه نتائج هامة، وسترسم حدود وتزال حدود، وتسلخ مناطق وتضم مناطق وسترتفع جدران ورايات وربما سينصرف كل طرف لتأليف نشيد وطني يخصه وسيكون لكل طرف علم يشير إلى بداية استقلاله عن الطرف الآخر.
بدأت الاجتماع وفي ذهني أنني أقدم  خدمة جلّى للطرفين... أقوم خلالها بتحرير كل طرف من صاحبه، مستلهمة تجربة مماثلة اعتقدت أن أصحابها لديهم من الشجاعة ما دفعهم للقيام بأفعال عظيمة...
بعد أن طرحت عليهم المشروع وفردت أمامهم المخططات، الهندسية ووزعت المساحات والممتلكات، وعدت معهما بالذاكرة إلى خمس سنوات خلت، لم يستطع أي منهما أن يجعل الآخر يبتسم لمرة واحدة، ونوهت إلى وجود نقطة ضعف في المشروع من شأنها أن تحكم عليه بالفشل والخذلان، وأنهما وبعد الاتفاق على المشروع من حيث المبدأ يحتاجان من أجل الحمام والتواليت لمفاوضات خاصة يجب أن يتحلى فيها كل طرف بالصبر والجلد ونظافة المقاصد ونبل الأهداف.
عندما انتهيت قفز أبي من مكانه وأعلن موافقة غير مشروطة وأكد أنه مكتف بغرفة المكتبة وأنه غير محتاج لاستخدام التواليت إلا في العطل الرسمية لأنه سيدرب نفسه على استخدام تواليت الجامعة صباحاً، والمقهى مساء، أما الحمام فإن المدينة تعج بالحمامات العامة وهو من محبذي ارتيادها لأنها تذكره بالطفولة وأيام الحارات والأصدقاء.
لقد أذهلت أمي سرعة استجابة والدي وتنازلاته الفادحة، واكتفائه بشروط الحد الأدنى التي لا يمكن لأحد سواه أن يقبل بها، وأحست بلؤمه وسوء سريرته وأدركت أنه كأنما يتنازل عنها هي وليس عن البيت، ثم نظرت في وجهينا نظرات أفقدتنا بهجة الانتصار وقالت بهدوء وروية وعيناها ترقصان من الغضب، أمهلوني اسبوعاً وبعد ذلك سيصلكم قراري، ثم ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
-لماذا طلبت أسبوعاً للتفكير؟
-لست أدري.. أجاب والدي.. من عادتها أنها لا تتسرع في اتخاذ القرارات،
-هل تعتقد أنها طلبت هذه المدة لتتمكن من استشارة السفارة.
-لا أعتقد.. كان أبي يفهم موقف أمي أكثر مني، لذلك عندما مازحته بالكلام ظل واجماً.. عند ذلك أدركت أن دعابتي لم تحقق الأهداف والنوايا الطيبة التي أردتها، وإنما أذابت طبقات الجليد الكثيفة التي غطت الحقائق المرّة طويلاً.. وعندما حصل أصيبا معاً بالفزع. لذلك تذكرت كلام عامر.. أعتى الجدران تلك التي نرفعها داخلنا وليس حولنا.
-أسبوع كامل مضى وأمي في غرفة النوم لا تبارحها، وأبي في المكتبة، يصابان بالفزع عندما يلتقي أحدهما بالآخر... ويصابان بالفزع عندما يعزل الواحد نفسه عن الآخر.
لكن الفزع الذي أصاب أمي أعمق وأشد مرارة، فالأب الكريم لديه عمله ولقاءاته بالطلاب والطالبات.. وله أصدقاء المقهى.. أما أمي فليس لها سوى البيت، والعزلة وخارطة الاتحاد السوفييتي في غرفة النوم هذه الخارجة التي كانت تتقلص وتضيع.
كان بناء الجدار مجرد فكرة لكنه ما لبث أن أصبح عالياً وشامخاً دون حجارة ولا بنائين، وحال الجدار بين أمي وممارسة أهم هواياتها ألا وهي اضطهاد والدي والقصاص لنفسها وحياتها منه.
عندما أخبرت عامر بالنجاح الذي حققته دون قصد في بناء الجدار ومخاوفي من نتائج ذلك.. أجابني: ليس الذنب ذنبك.. الجدار كان موجوداً من أيام بعيدة.. يا الله إنني أتحدث مثل العرافين وحيتان البحر، هكذا صاح عامر ثم قال:
-إن رواد الحديقة لم يحضروا بسبب الحب.. وإنما حصْروا وفي ذهن كل واحد منهم خطة لبناء جدار يليق بصاحبه.
-مثل هذا الجواب.. يحتاج لعشرة أيام وليس لعشر دقائق.
-تلك هي المدّة التي يتطلبها بناء الجدار.
ثم ضحكنا معاً.
لم أكن أُقدِّر، أن الجدار سيلعب دوراً هاماً في ذكرياتي... أول قبلة حاولناها أنا وعامر كانت على سطح بيت عامر قرب جدار، وكان رأسي متروساً إليه كأنما كنت أحتمي به، كانت القبلة عميقة خفيفة ورغم ذلك كان الجدار يشاركني هذه القبلة، وقد تقصدت أن أضغط جانباً من رأسي إليه ليتغلغل سطح الجدار الخشن إلى المسام البعيدةِ في رأسي وعندما انتهينا أسدلت رأسي إلى كتفه وأغمضت عيني.
ليست الجدران كلها متشابهة، جدار للقبلات يخصني، وجدار للعزلة يخص سواي.
 عندما ذهبت إلى بيت عامر وطرقت الباب خرجت إليّ أمه...
-ماذا تريدين
-عامر.. موجود
-من أنت؟
-أنا فالنتينا، صديقته.
نظرت إليّ أمه نظرة قوية.. ثم خبطت الباب في وجهي، بعدها انتقلت إلى الباب الثاني.. وضغطت زر الجرس.. فخرج إليّ رجل...
-مساء الخير.
-مساء الخير.
-عامر موجود.
-ليته كان موجوداً
-لماذا.
حتى لا تعود فتاة جميلة مثلك خائبة، ثم تابع:
-أنت هي فالنتينا.
-أنا علياء، وأحياناً فالنتينا.
-قصّر ابني كثيراً في وصفك...
-شكراً.
-يمكنك الدخول وانتظاره.
-أنا مستعجلة..
-سأخبره بحضورك.
-شكراً
-مع السلامة.
أيهما يقف خلف الجدار.. وأيهما يقف أمام الجدار.. الأم أم الأب. ومن الذي يقف أمام الباب أو خلفه. أنا أم الزمان.. أم عامر.
الأم كانت جذابة وهي تخبط الباب، الأسرة كلها كانت ساحرة وشجاعة.. لم تكن أسرة عاطفية وضعيفة، أسرة بنت جدارها بنفسها، ولم تحاول أبداً أن تهرب إلى جدران من صنع أوهامها.
-كثير من أشجار حديقتنا وغراسها ذبل بسبب الحزن الذي أصاب أمي والوحشة التي جزءتها، ولم يكن والدي ينتبه لشيء، لكنني انتبهت إلى أشياء الحديقة وحاولت أن أمد يد العون للخضرة المستغربة.. وقد دفعني ذلك للدخول في مرحلة جديدة في حياتي أسميتها مرحلة الحديقة، فبعد القبلة الأولى والجدار الخشن وكرات الهباب السوداء الصغيرة وهي تتلاعب على سطح بيت عامر الواسع بعد هذه القبلة، صرت أجد نفسي أشد خضرة وطراوة وأكثر حناناً وتفتحاً، حتى خبطة أم عامر العنيفة للباب بعد استقبالها لي ودهشتها من سؤالي، لم تجعلني أحس نحوها بالقسوة، لقد تذكرت خلال الخبطة وبعدها أنني أعيش مرحلة الحديقة وأن الباب الغاضب قبل أن يكون باباً كان شجرة، حتى عندما خرج إليّ أبوه أحست رغم صفرته وجفافه أحسست به مباركاً وأخضر مثل حديقة نسيت خضرتها داخلها، بعد ذلك شعرت أنه بوسع كل شيء أن يكون جذاباً وضرورياً دون جدار سوى للقبلات، ثم التمعت في رأسي حركة اليد الممدودة وجسد الرجل السمين المملوء بالثقوب والدم فارتعدت من الموت وهوله. لذلك هرعت إلى الحب.. إلى الحب.. وصار ضرورياً أن التقي بعامر لأصارحه برغباتي.
عندما التقينا لم نتحدث في شيء، تجولنا في الغروب والشوارع المتقاطعة... ودون انتباه أمسكت بذراعه ومشيت.
الكلام الذي لم أقله فهمه. والكلام الذي لم يقله فهمته كأنما نقلت أصابعي وذراعه ما لدينا من كلام، ثم رجعنا معاً إلى سطح بيته الواسع الرحيب.
عندما يقف الإنسان على السطح.. أي سطح ينتبه إلى السماء، خلافاً للذي يمشي على الأرض، فإنه ينتبه إلى الأرض، في السماء كانت النجوم تلتمع وكان القمر قريباً ومدوراً وشديد البياض.. سطح المنزل الواسع كان مثل السماء مملوءاً بالليل وبالأغطية البيضاء المنتشرة على حبال الغسيل في هيئة كرنفال وممرات وسراديب.
تجولنا على السطح وفي الممرات التي صنعتها الأغطية البيضاء على الحبال الممدودة واستندنا على الجدارن وترسنا رؤوسنا إليها وإزددنا لهاثاً وتعرقاً.. تطاولنا إلى بعضنا حتى تركت حلمتاي بقعتان رطبتان على صدره.. ثم وبحركة موحدة أمسكنا شرشفاً أبيض وفرشناه على الأرض وتمددنا عليه. لم أكن منتبهة إلى يدي ولا إلى يديه.. كانت الألبسة تتراجع والأجساد تتدافع ربما بتأثير من مغناطيسية المد والجزر التي يطلقها القمر على البحار والأجساد الظامئة وحبال الغسيل.. ثم شعرت به قوياً وشاسعاً كأنما لا أستطيع احتواءه، لذلك أدخلته إليّ لأحتمي به.. ثم لم أستطع أن أمنع نفسي من الصراخ بسبب ألم مباغت ولذة عاتيه.
كنت في حالة انتباه واصغاء شديدين إلى حركة جسده وكان القمر والنجوم في عيني.. غير أنني لم أنتبه إلا لدهشة التحوّل التي أعيشها وغرابتها. مع كل حركة منه كنت أزداد استغراباً وتقلّصاً.. وازداد رغبة في اختزان الحالة حتى لا تبارحني أبداً، كان مرتبكاً وعندما ازدادت حركاته انفعالاً وقسوة.. تساءلت عن السبب.. ولماذا يكون الاستعجال، ثم رأيته ينهض ويزرر نفسه وألبسته ويتأمل السماء...
عندما نهضت أسدلت ألبستي وارتديت الجورب والحذاء. ولم أنسى الشرشف الأبيض الذي مددناه على الأرض، انحنيت إليه وطويته، ووضعته تحت إبطي وذهبت دون كلام.. بعد أن شاهدت انصراف عامر العميق للسماء ومتابعته لحركة الضوء بدهشة كأنما يشاهدها للمرة الأولى.. الرجل يشاهد الأرض عندما يحتوي المرأة.. والمرأة تشاهد السماء عندما.. عندما تعانق الرجل. والشرشف يرى الدم.
عندما سمع صوت نزولي على الدرج استدار إليّ وقال:
-هل تعرفين يا فلنتينا؟
-أي شيء؟
-أنت أعظم رائدة فضاء على الأرض.
-تقصد على السطح..
-ولماذا على السطح.
-ربما لأنني أحمل الشرشف.
-كنت منذ قليل تحملينني إلى النجوم.
-هل انتبهت إلى النجوم.
-تبدين حزينة.. انظري قليلاً.. السماء جميلة هذه الليلة.
-هذه الليلة لي.. وأحب أن أكملها وحدي...
-ما دام الشرشف معك.. لن تكوني وحدك..
عندما دخلت إلى البيت كان الشرشف تحت ابطي وكنت مثل طالبة محافظة تحمل كتبها.. كان والدي في الصالة ولم يكن منتبهاً إليّ.. وكانت أمي في غرفة نومها، ذهبت إلى غرفتي دون كلام، ورغم الإحساس الغامر بالجوع.. لم أكن قادرة على تذكر الطعام.. ألقيت الشرشف على الأرض واستلقيت على السرير... وعميقاً عميقاً شعرت بالتعب وعميقاً عميقاً نمت، بعد ساعات نهضت كأنني في بئر.. نهضت من قلب الليل وأشعلت الضوء وارتميت على الشرشف الذي أحضرته معي، وفردته وبدأت أتفقده... لامست البقع الغامضة... ثم نهضت إلى الخزانة وأخرجت المقص وقصصت الجزء الملوّن.. وطويته ووضعته تحت الفراش.. وعدت إلى السرير.. الدم بداية الحب، ولأن الفتاة هي التي تنزف فهي لذلك تتذكر أكثر، وتحب أكثر.. ثم صرخت بعصبية.. لماذا أبحث عن الكلام الذي يجعل مني بطلة.. إذا كانت الفتاة تحب أكثر وتدفع ثمناً أكبر فماذا يعني ذلك.. هي اختارت ذلك ولم ترغم عليه.. والرجل لم يلعب دور الجلاد..
ولا مطلق النار. ولم تكن الفتاة تمد يدها من خلال الدم لتمسك بالنظارة وتراه... لقد قام عامر بعمل رائع.. رائع يا أمي، رائع يا أبي، ونهضت إلى المرآة وأنا أصيح والماء الفَرِحُ يملأ عينيّ. ثم استلقيت على السرير وبدأت أستعيد المشهد ورغم سقف الغرفة تمكنت من مشاهدة النجوم والتماعة عينيه وحرارة عناقه ورمانتي كتفيه وهما قرب لهاثي... ثم حملتني الغبطة إلى المطبخ فذهبت إلى الثلاجة وبدأت بالتهام كل ما يقع تحت يدي من طعام.
مرات عديدة تكررت اللقاءات على سطح البيت.. لكن لم تكن ترافق لقاءاتنا الجديدة سماوات صافية ولا شراشف أو دهاليز بيض كالتي رافقتنا في المرّة الأولى. وفي غياب الشراشف ووجود السماء المتجهمة كنا نضطر أن نفعل ذلك مستعينين بالجدار. لذلك كانت الجدران المتعارضه تقتحم صمتي واضطرابي. جدار للحب... وجدران للعزلة والعماء، ولم تكن هذه الوضعية تتيح لأحد منا مشاهدة السماء لذلك فضلت رغم المحاذير ورغم كثافة كرات الهباب السوداء على السطح أن أستلقي على الأرض لأتمكن من مشاهدة النجوم البعيدة والغيوم المستعجلة.
في المرات التالية لم أتمكن من أن آخذ أشياء للذكرى كما فعلت بالشرشف في المرة الأولى، فالجدار لا يمكن أخذه ولا السطح أيضاً...

وكانت المناديل الورقية المشعثه تتحرك على السطح مثل نجوم كئيبة ضالة رطبة تحمل إلى ذرات الهباب مشاريع أولاد ضيعوا فرصتهم وأضاعوا مداراتهم، وكانت المحارم الورقية الخالدة تستجيب لحركة الهواء فتتحرك مندمجة بحبات الهباب الصغيرة فيتحقق التفاعل وتتغير الألوان من الأبيض الفُلّي إلى الغامض الرمادي، ورغم ذلك كانت ذرات الهباب ترتسم على ظهري.. وعلى ظهر القميص.
أنا أعرف أمي.. وأعرف أنها بدأت تحس بي وبالتحولات التي تنتابني ولعلها تخمن أنني أعرف صديقاً وربما لا يزعجها ذلك.. الذي يرعجها اتساخ قمصاني الدائم وتلوثها بهباب الكربون الأسود واضطرارها بسبب عناد الهباب أن تقوم بغسل القطعة الملوثة وغليّها عدة مرات حتى تستعيد رونقها.
بعد إعلان نتائج الثانوية العامة نجحت بعلامات أهلتني للانتساب إلى كلية الحقوق بعد أن قرر السيد الكومبيوتر ذلك، وقد لعب البرد وانشغالي بقراءة المواد المقررة دوراً في الإقلال من فرص اللقاء بيني وبين عامر. البرد... نعم البرد... أصبحت اللقاءات على السطح في أيام البرد غير معقولة. ولم تعد مخلفات الكربون والهباب الأسود وحدها في الساحة. ثم أن المتغيرات وعدم توفر المحارم الورقية في الأسواق، لعبت دوراً كبيراً في تبريد المشاعر، أصبح عامر ودون أن أعرف لماذا.. قليل الكلام.. يجيب إجابات مقتضبة على الأسئلة.. ويميل إلى الشرود الطويل.. لا يسألني عن أحوالي وأسباب انتصاب حلمتي صدري. وأنا بدوري لم أكن أقدر على كبريائي.. لذلك واجهت البرود بالبرود والشرود بالشرود.. والصمت الطويل بالصمت الطويل. وكان من حقي أن أفعل.. فعامر شاب غامض لا يمكن فهم طبيعته ونوازعه، وهو ينتمي إلى عالمين منقسمين.. عالم أمه.. وعالم أبيه. ولم يحاول أن يوضح في صف من هو.. أما إذا كان ينتمي لأمه ومعتقداتها فهو لا يقر أن تقيم الفتاة أية علاقة قبل الزواج. وعلى ذلك فهو ينظر إلى من تفعل ذلك على أنها شيء تالف معطوب، وإذا كان ينتمي لمعتقدات والده فلا بد وأن يكون أقل تشدداً في الاتهام، ولكنه وبعد أن عاصر فشل والده فلا بد وأن يكون ضد الزواج أصلاً.. والجدار الذي أقامه والده شاهد على ذلك.
لكنني وبعد أن خَبِرْت عالم والدي ووالدتي وتعرفت قليلاً على عامر وعالمه، صار ضرورياً الاكتفاء بمنجزاتي ودراستي وعدم الانتباه سوى إلى كتاب القانون الروماني للتأمل فيه وفي طبائع البشر الذين أنجزوه، وفي رأسي تضج الكثير من الأمثلة، وبخاصة حلبات المصارعة.. وهياج الناس وإصبع الإمبراطور التي تمنح الحياة والموت مستجيبة لغرائز الناس وهياجهم... وفي مرة ثانية مستجيبة لغرائز الإمبراطور ومزاجه، وممارسة الحب بين الرجل والمرأة تشبه عملية مصارعة دون جمهور ودون امبراطورية.. لذلك يخيب إحساس المنتصر بانتصاره.. ويشعر الخاسر أن أحداً لم يلتفت لدمه المهدور.. ذلك هو الحب.. والأرواح هي التي تدفع الثمن وتغرق بالدم، أيها الإمبراطور العظيم.
عندما يقرأ إنسان ما.  القانون الروماني والخطابة الرومانية يصاب بلوثة البلاغة مثلي وينصرف للمقارنات والأوهام ويصنع من كل شيء نقيضاً لشيء آخر ويدفع بهما للمعركة حتى يقوم هو ذاته بدور الإمبراطور رغم أنه في الغالب لا يستأهل دور الضحية.. بسبب غياب شروط ضرورية هامة.. منها عدم وجود يد ممدودة ونظارة بعيدة.. وثقوب.
لقد شدني القانون الروماني.. كأنما هو إنجاز خارق شاركت الآلهة والبشر في صنعه.. لأن البشر آنذاك كانوا يشبهون آلهتهم ويرتدون الألبسة ويطلقون لحاهم ويجتمعون في الأعالي كما يجتمع البشر في السفوح... تحت قبة المجلس أو (البرلمان) أو تحت العراء. دون حقوق أو قوانين تستر عوراتهم، لذلك يجدون المبررات للإنصراف للحب أو للمصارعة.
وها أنا أشعر بما أمتلكه من طول فارع. وعينين ملونتين وذكريات عن سطح مملوء بالشراشف البيضاء والهباب أنه يحق لي الإدعاء بأنني من السلالات العريقة التي لا يمكن ولا يحق لها أن تنصاع أو تهون.
عندما تقدمت إلى الامتحان في مادة القانون الروماني خرجت مزهوة كأنما أنجزت تأليف كتاب وليس مجرد إجابة على أسئلة.. وعندما أعلنت النتائج فوجئت برسوبي في المادة نفسها وحملي لها للسنة القادمة.. في تلك الآونة.. كانت بوادر الحمل تظهر على بطني. وكنت في حالة تفتقر إلى أي غطاء قانوني.. من أية حقبة من الحقب التاريخية المعروفة. حتى الرومانية منها. وكان المجتمع بصفته الهاأو إمبراطور يستعد لأن ينزل بإبهامه من أجلي.
-عامر انتبه إلى التحولات التي أصابتني وانتظر مني أن أصارحه.. لكنني لم أفعل. وعندما أحس بما يداخلني.. صارحني بعد أن شعر بالبروز الضئيل الذي أصاب بطني.
-أنت حامل..
-نعم.
-كيف حصل ذلك.
-لا أعرف.. ربما لأنني قرأت القانون الروماني مرات عديدة.
-ماذا تقترحين؟
-لا شيء، هل تستطيع تغيير القوانين.
-أمر غريب.
-أبداً... تنتظر مني أن آتيك لأقول لك تزوجني، حتى لا ينكشف أمرنا.. وسترد عليّ قائلاً: ظروفي لا تسمح.. وأنا غير مستعد، وأشياء أخرى لا أعرفها.. ثم أبكي على ركبتيك وتنتابني الشهقات ربما أكثر مما شهقت وأنا أعد النجوم، في ليلة الحب الأولى. وبعد ذلك تخبرني أن الأمر صعب ما دام الجدار موجوداً.
-أبداً.. الأمر يعنيني.
-فماذا تقترح.
-لا أعرف.. يجب أن أفكر في الأمر.
-وإذا كان الزواج هو الحل الوحيد.
-عند ذلك سأوافق.
-لكنني غير موافقة، غير موافقة..
-هذا غير معقول، رد بعصبية.
-معقول جداً.
-أقنعيني.
-هذا أمر صعب..
أقصد.. البرد على سطوح بيتكم صار شديداً ولم أعد أحتمل...
-إنني أتحدث عن الصغير..
-الصغير لا يحتمل أيضاً... البطن كانت بطني وأستطيع أن أكشفها متى أريد... والآن أصبحت له.. وما عاد يحتمل البرد.
-نبحث عن بيت.
-البرد موجود في كل البيوت.
-ماذا تقصدين بالبرد. ما عدت أفهم.
-ألم تلاحظ الجدار.
-لاحظته.. ثم برقت في أطراف عينيه الحيرة والماء.
عندها تركته وعدوت.
كثيرة هي المرات التي حاول عامر فيها أن يلاقيني.. وفي مرات جاء إلى بيتنا وطرق الباب.. وكنت في حالة غريبة.. لقد جعلني هذا الشيء الصغير الذي يكبر في بطني قوية وعنيدة أكثر مما أحتمل. لذلك كانت تداهمني نوبات من الاعتزاز والقوة، تتلوها نوبات من التقلصات والوحدة الشديدة. وقد انتبهت والدتي وانتبه والدي رغم الجدار الهائل الذي يحجب الرؤيا والمودات.
بعدها قررت أن أصارحهما بالحقيقة.. وقد سعت والدتي إليّ لتعرف التفاصيل لكنني رغبت أن أبدأ بوالدي، ودون أن أقصد أفزعت أمومتها فارتعدت وأجهشت بالعواء الأمومي العظيم كأنما أحست فجأة أنها لم تعد أماً وربما غمرها شعور هائل بأنها فقدت ابناً وحيداً غالياً وليس ابنة طائشة مثلي.
لقد بدأت أحس بأنني لم أعد جديرة بالحب قبل أن تنتفخ بطني بالجنين، كنت بحاجة للحب، أما الآن فأنا أصنع الحب وأمنحه. لقد صرت أماً ولم أعد فتاة وحيدة.
عندما قعدت قبالة والدي.. سكتنا.. ونحن نتفرس في أشياء لا تخصنا ولا تعيننا على البدء ثم تابعت النظر إليه..
-لم يكن معك حق.. كان الأفضل أن تتحدثي إلى أمك قال والدي معاتباً.
-دراسة القانون شوشتني فلم أعد أعرف أي حق معي وأي حق ضدي.. هناك شيء واحد أعرفه.. أنني متعبة.
-لاحظت ذلك.
-إنني حامل، هل لاحظت ذلك أيضاً.
-حامل.. ماذا تقصدين.
-ارتبطت مع شاب بعلاقة.. وأنا الآن حامل.
نهض والدي مستثاراً من مقعده ورفع كفيه إلى السماء وصاح.. يا رب وكانت مؤلفات ماركس وانجلز ولينين تملأ رفوف المكتبة.
-الشاب الذي تورطت معه روسي أم عربي.
-عربي.
-كيف فعل ذلك ابن الحرام.
-أنا طلبت منه.
-أنت.. يا للعار. نهض ثانية ثم عاد وقعد، ماذا ستقول عني العشيرة. والناس والجامعة، وبدأ يضرب كفاً بكف، ويقول.. الحل الوحيد هو الزواج بأسرع ما يمكن وبأي شكل.. إذا لم يوافق الشاب نفكر بالتخلص من الجنين.
-لا الطفل لا. صرخت في وجه أبي.
-ليس طفلاً، إنه.. إنه، هناك حل آخر.. صديقي.. يمكن أن يوافق على الزواج منك.. حتى ولو كنت أقصد بعد أن تورطت.. والولد اللعين يمكن التخلص منه ومداراة الفضيحة.
-الولد ليس لعيناً، وانخرطت بالبكاء، كل شيء يمكن اتهامه وإهانته وإلحاق الأذى به إلا هذا الشيء الذي يخصني والذي يكبر فيّ.
-لماذا لا يوافق هذا الابن حرام على الزواج منك لننهي هذه المشكلة.
-هو موافق.
-موافق، فماذا ينتظر إذاً، ليتقدم لخطبتك.
-أنا غير موافقة على الزواج منه.
-لا توافقين على الزواج منه، فكيف وافقت على...
-أنت لم تشاهد يد الرجل الممدودة، ولم تسمع صوت الطلقات، كان يمكن.. ثم أمسك ذراعي وأخذني بعيداً، وكنت أبكي وكانت الدموع قد وصلت إلى سرْتي كأنما لتمسح عن الجنين دهشته.
-ولماذا لا توافقين؟
-لم أعد أحب الشاب.
-فلماذا تورطت معه.
-كنت أحس نحوه إحساساً مختلفاً. ربما لأنني كنت أحتاج إلى ولد، لذلك أحببته بشكل مؤقت، وعندما جاء الولد.. والبرد وتكاثف الهباب الأسود وما عادت السماء تلمع بالنجوم كما كانت قررت أن أحتفظ بالولد.
-أنت مجنونة.. شيء فاسد، لا عقل له.
-أنتم تحتاجون للطفل أكثر مني.
-ماذا تقصدين.
-أنت وأمي...
وجود طفل بينكما سيكون مفيداً وسيعيدكما إلى الحب والمودة، فتهدمان الجدار الملعون ثم إنكما علمتماني أن الزواج شيء لا يمكن احتماله.. لذلك قررت انجاب طفل من أجلكما وليس من أجل أي شيء آخر.. ومن أجلي أيضاً، ليتك تراه وتتعرف إليه.
-إلى من.
-إلى الطفل...
-وهل تعرفينه.
-طبعاً أعرفه.. أنا أمه.. أراه وهو يتحرك ويرفس على جدار بطني.. انظر وكشفتُ ثوبي وأمسكت يد والدي ووضعتها على بطني.. فتلألأت الدموع على أطراف عينيه، ثم قال.. معك حق.. الزواج شيء لا يحتمل.. والأطفال ضروريون غير أن وجود طفل بدون زواج وبدون أب شيء غير معقول.. نحن في هذه البلاد.. ولسنا في بلاد الموسكوف.
-أرجوك لا تذكر لي اسم صديقك مرة ثانية.
-أنا لم أذكره.
-أحسست بأنك ستذكر اسمه حتى يخلصك من هذه الورطة.
-صديقي يحتاج إلى من يوصله إلى البيت ولا يحتاج إلى زوجة.. ثم لماذا..؟.. صاح والدي غاضباً.. لماذا تحاولين ابعادي عن الموضوع.
عندما صرخ والدي صرخته تلك في وجهي أحسست به مختلفاً وشعرت بالظلم الفادح الذي أوقعته بأمي، وبعد قليل من الانتباه أحسست بالصرخة كأنما لا تتقصد إهانتي أنا وحدي وإنما تتناول ابني معي، فركضت إلى البيت وقصفت الباب.
أيها الوالد العزيز.. يا صاحب الصرخة العشائرية المفزعة، من أجل هذا الطفل تحملت برودة الجدران والأسطحة وتحملت سواد الهباب وتجهم السماء، وشعرت بالعالم كله معي عندما تصالبت إلى عنق عامر وتقاطع خدي برمانة كتفه الغامضة. وكنت أريد الصغير لأعيد الحياة إلى عش العناكب الذي تعيشان فيه.. لذلك هرعت إلى الغرفة، وكشفت عن بطني وبدأت بمناغاة الصغير وهدهدته والاعتذار منه.
ويا طفلي.. لا تحزن.. لا تحزن.. خذ كل حاجتك من الأمومة.. فما زلت رغم بطني فتاة طائشة ولها عينان مختلفتان مع الدنيا.. ولكن هذه الطائشة تحبك كأنما لم تشاهد في حياتها سواك، ويا طفلي.. لتنزل مني مكتملاً، ولتلتفت إليّ مَرَةً واحدة وبعدها فلتهرب بعيداً، فأنا لا أضمن لك طفولة ترضيك، ويا طفلي.. لو أنني أستطيع.. لمددت لك الإقامة في روحي ونبضي مئتين وأربعين شهراً حتى تخرج مني شاباً مكتملاً.
ولكنني
ولكنهم
ولكننا نكاد لا ننتبه لشيء حتى للدم.. ثم أسدلت ثوبي وأغلقت ساقيّ ونهضت إلى المرآة لأزيل الرطوبة التي غُبشت عينيّ.


rrr






اسمي في البطاقة الشخصية (عواد السمني) أنتمي لبيت (حماد السمني).
وهو رأس عشيرة السمانة التي تشكل أكثرية سكان حي باب النيرب، وهو حي شهير من أحياء حلب، وشهرته جاءت بسبب قيام الحكومة بالمداهمات الكثيرة لهذا الحي من أجل ضبط عمليات الثأر الكثيرة التي تقع بين عشيرتنا وباقي العشائر والأسر الحلبية الأخرى، كما وأن حيّناً يعتبر مركزاً رئيسياً للتهريب في المدينة.
تتداخل مع حينا بعض البيوت للأسر الحلبية المغمورة، والتي طلبت اللجوء السياسي إلى حمانا فقدمنا لها الحماية، وقدمت لنا الولاء.
أهل العشيرة يعملون في تجارة وتربية الأغنام والأشراف على صناعة مشتقاتها من سمن وجبن وحليب وأصواف مختلفة.
ويعتبر سوق (جب القبة) (وول ستريت) العشيرة، حيث تتقاطر أربعة أركان حلب إليه يومياً للتزوّد باحتياجات أبنائها من المواد المختلفة.
ولعشيرة والدي سلطة وسطوة، ولها قانون خاص يخضع له الجميع وهذا الموقع الذي ضمن لنا السلطة والنفوذ لم يضمن لنا الأمن  والسلام الذي تنشده الأمم أو الأفراد، أو الحارات المتطرفة... أو العشائر والأغنام.
عندما قتل أحد أبناء عشيرتنا شاباً من بيت القزاز في كبارية الطاحونة الحمراء بسبب استهانة الراقصة (لواحظ) بدعوته لها وتفضيل ابن القزاز عليه والذهاب إلى طاولته بعد انتهاء نمرة الرقص.
بعد أن تم قتل ابن القزاز والاعلان على رؤوس الأشهاد أن الراقصة التي ترفض طلباً لشاب من (السمانة) لم يخلقها الله. وأنه لو لم تكن الراقصة راقصة، وهي ناقصة عقل ودين، لألحقها ابن العشيرة بعشيرها، ولسيّح دمها كما تسيح المنكرات من قناني الشمبانيا والويسكي على الطاولات وعلى أقدام الفنانات، ولأن قتل الراقصة لا يرفع مقاماً ولا يسمو بنسب، فقد تركت  الراقصة لحالها عسى أن تتعظ وتتفرغ لأبناء العشيرة ورغباتهم في المستقبل.
عندما وصلت أخبار المعركة واسم الضحية وأصله وفصله ونسبه، بدأ الاستنفار العام، ونزح أهل القاتل إلى البراري والآكام، وبدأت مراقبة الحي، واجتمعت أركان عشيرة السمانة وعلى رأسهم والدي.. والدم يغلي في عروقهم، وفي الاجتماع العاصف أقرت الغالبية من المجتمعين أن ماقام به (نعسان الزكور) وهو شاب من العشيرة.قد رفع رأس العشيرة وجعل لها مقاماً كريماً في الحارات والكباريهات، وتم إعطاء التعليمات باستضافة البطل في بيوت رجالات السمانة حتى تتغير الحكومة ويضيع الأثر وتسجل القضية ضد مجهول.
وقد أقر الكبار بغالبية العاقلين منهم، أنه يمكن أن تدفع دية مضاعفة لآل القزاز أهل القتيل، حتى يتناسوا ثأرهم ويسحبوا شكواهم، ويقفل الموضوع، وتعود الأمور إلى نصابها.
وبعد جمع وتقسيم وطرح وتقويم تبين أنه على كل واحد من أفراد العشيرة أن يدفع مبلغ (نصف ليرة) وبذلك يمكن تغطية الديّة التي ستبلغ (عشرة آلاف ليرة)، وهذا مبلغ كبير في عرف تلك الأيام، ومن شأن هذا المبلغ أن يكفي لافتتاح كبارية بالتمام والكمال، كما يزيد منه لتحسين الأوضاع فيه، واستقدام عدد من الراقصات من بيروت ولندن وباريز، ومن بنات القرباط والعشائر الشاردات.
وعندما يقرُّ مجلس العشيرة أمراً، يلتزم الجميع به دون سؤال أو استفهام، فلقد كان المثل القديم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) يعيش مجده في عشيرتنا مع اجتهاد واضح في التحليل والتفسير، فنصرة الأخ الظلالم. تتم عن طريق دفع دية ضحاياه ونصرة المظلوم عن طريق استنكار ضعفه، فالعشيرة ليس لها أن ترفع رأسها إذا كانت تظهر للمظلومين رأفة أو انتباهاً.
غير أن بيت القزاز وهم من الأسر الحلبية التي يُؤمن جانبها ويُتقى شرّها ولها دور بارز في حماية باب جنين وباب انطاكية من الغزو الداخلي والخارجي ولهم صولة وجولة في الكباريهات وعند الراقصات، السافرات، وأفراد هذه الأسرة يتقاضون مبالغ معلومة بمثابة (خوّة) يتم مقابلها الدفاع عن أمن تجار الخضار والفواكه والمكسرات من أول سوق باب جنين وحتى السقطية.
* لذلك أحس رجالات العشيرة بالخطورة، وبدأت أنصاف الليرات تتدفق بشكل محموم إلى بيت والدي (زعيم العشيرة) من أجل جمع ديّة ابن القزاز القتيل الذي دفع ثمن وسامته غالياً، عندما فضلته الراقصة على بطل العشيرة ومجدها نعسان الزكور القاتل الذي طعن المغدور طعنتين على بِزِّه الأيسر فسقط مضرجاً بالدم، وقد انشغلت عيناه قبل انطفاءتهما الأخيرة، ليس بمتابعة وجه الجلاد، (القاتل) وإنما بالنظر إلى سيقان الراقصة المستغربة، التي ألقت الطعنات برأس القتيل، مصادفة قرب ساقيها العاريتين... لذلك وعندما انصرف إلى العالم الآخر بقيت صورة الساقين في عتمة عينيه، بقيتا حتى يتمكن من الاستغاثة بهما أو التعلق ببريقهما، عندما يهوى بجسده إلى القرار السحيق.
عندما تراكمت أنصاف الليرات في طنجرة النحاس في بيت (عواد السخني)[2]انتبه إلى أصوات الرنين وشارك وأختيه عبلة وعاتكة في إعادة عدهما وهو يصفّر من كثافة المبلغ... وقد دفعه ذلك لأن يسأل عن أسباب اجتماع شمل أنصاف الليرات بهذه الكثافة، فحكت له أمه -الحكاية كما رواها لها أبوه- فكبر القاتل في عينيه وعيني أختيه الكبيرتين وتمنتا في سرهما أن يستضيفه والدهما في بيتهما ليسترقا النظر إليه، وربما ليتحدثا معه، أو... أو قالت الأختان الكبيرتان اللتان عنستهما سلطة الوالد وغياب الجمال: ربما فعل معنا أشياء أخرى...تؤدي إلى موتنا فنخلص من هذه الحياة وهمها.
كان حميد السمني والد عواد، مالكاً لطرش من الأغنام يُقدر بألف وخمسمئة رأس، وله في البادية بين حماة وتدمر ودير الزور قطيع من الجمال يقدر بستين رأساً، لذلك كان البيت واسعاً، والضيوف كثر، والنسوة اللواتي يأتين يومياً للخدمة كثيرات، غير أنه رغم الثراء الملحوظ ووجود سيارة بيك آب لمتابعة القطعان، تشبه طنابر هذه الأيام، ويستعين بها الوالد على أداء بعض الأعمال رغم وجود هذا المظهر المتحضر، الذي هو السيارة، غير أن الحياة في البيت الواسع بدائية كأنما هي في البرية، ففي طرف باحة الدار المرصوفة بالحجارة ترقد عشرة رؤوس من الخراف والنعاج بشكل شبه دائم من أجل تموين المطبخ. وفي المطبخ يرتفع الموقد الذي يعمل على الحطب وعليه ثلاث طناجر خاروفية كبيرة، تنزل واحدة وتصعد أخرى، وتتوسط الطناجر الثلاث واحدة لسلق اللحم وحولها وصيفتان، واحدة للرز وأخرى للبرغل، والنار لا تخمد، وروائح الشحوم والدهون لا تغادر جدران البيت وأنوف ساكنيه.
كان والدي يرغب في قرارة نفسه أن يجاري الأسر الحلبية الموسرة، بسبب من أهمية موقعه في السوق والعشيرة.... وقد أهله هذا الإحساس للنزول عند إرادة الخلصاء، والأصدقاء الحلبيين والسعي لتغيير السكن، فاشترى في حي المحافظة الراقي غربي حلب شقة أرضية واسعة في بناء مهيب، وانتقلنا إليه وتبعتنا الأغنام والضيوف والطناجر والبخار والروائح.
وقد تطلب هذا أن أنتقل إلى مدرسة أخرى قريبة من البيت الجديد، وكانت المدرسة الأقرب، مدرسة أهلية خاصة اسمها (التير سانت) أي (الأرض المقدسة)، يشر ف على التعليم فيها رهبان وقسس وأساتذة فرانكوفونيين ولها مناهج مختلفة.
وقد استطاع والدي الحصول على موافقة انتقالي إليها بعد أخذ ورد وتوسط من كبار أعضاء (نادي الشرق) نادي الصفوه من رجالات الصناعة والتجارة بحلب، وقد اضطر والدي لدفع، مبلغ كبير لدعم النادي مالياً، ولمبلغ أكبر لدعم المدرسة روحياً.
غير أن وضعي في هذه المدرسة الغريبة لم يكن يطاق لأسباب كثيرة.
كانت زرافات من الذباب تتقصد صفنا دون بقية الصفوف.. وتتقصد المقعد الذي أجلس عليه دون بقية المقاعد، وتتقصد جسدي المبارك دون بقية الأجساد، فترف فوقه وعلى جوانبه مثلما ترفُ الفراشات على جسد بوذا صغير.
وقد انتبه الأساتذة إلى الأمر، وانتبه الطلاب فذعروا وطلبوا اللجوء السياسي إلى أطراف الصف والمقاعد البعيدة، وهكذا بقيت على المقعد وحيداً من الأمام والخلف والجوانب، كأنني جزيرة وسط محيط شامت وممتعض من البشر، ولو لم يتابع الذباب التدخل لاخراجي من العزلة لكانت الوقائع الكبار وقعت. ولأنني كنت أستغرب طبائع هؤلاء الناس، وأستغرب عنجهيتهم، فقد دفعتني مشاعر الاعتزاز بالذباب وبالنفس لمعاملتهم بالمثل وقلت بيني وبين نفسي هذه الامتيازات التي أعيشها يجب أن توزع بالقسطاط المستقيم على الآخرين.... فصرت أرفع كفي وأختطف قبضة من غيوم الذباب المحيطة برأسي وألقيتها على من هم حولي حتى ينعموا بما أنعم من البركات ولأسهم في تخليص وجوههم من حالات الانقباض والانحسار التي تصيب ملامحهم فتحوّلها إلى ملامح قرودية كئيبة.... فالناظر إليهم دائماً مثلي يحس أن تقلصات دائمة في المعدة والأمعاء تصيبهم فتمغص وجوههم وأخلاقهم وتدفعهم ليكرهوا غيرهم ويكرهوا أنفسهم، وقد تقصدت أن أتابع مسيرة انفعالاتهم خلال مرحلة الذباب التي عشتها فلم ألمح واحداً منهم يتجرأ على الضحك كأنما يخشى كل منهم أن يسمعه صديقه فيشي به إلى الإدارة، عند ذلك تكون الطامة الكبرى التي يتم بموجبها تحرير قائمة العقوبات من خزانتها، كأنما كان الضحك عندهم ينتمي إلى العهود الوثنية القديمة وعليه فإن ممارسته توازي تهمة الالحاد بالنسبة للمتشددين الدينيين، وكان وضعي لا يطاق أبداً.
لذلك تريثت الإدارة في استصدار قرار بطردي من المدرسة بعد أن عملت بنصيحة أحد المقربين وقررت استدعاء والدي لتوضح له الأمر من أجل البحث معه عن حلول.
في تلك المرحلة، كانت عمليات البحث عن بطل العشيرة، قاتل (ابن القزاز) في ملهى الطاحونة الحمراء في أوجها من أطراف الحكومة ومن طرف آل القتيل، وعلى ذلك صار ضرورياً البحث عن مكان آمن لإيوائه، لأن القبض عليه صار لا يعني شخصه الكريم وسمعته وإنما شخص العشيرة وسمعتها لذلك تمت استضافة المدعو نعسان الذكور في بيت حميد السمني في حي المحافظة الراقي، وأعطي بذلك الغرفة القبلية التي لها باب على الحديقة، مطل على مرابط الأغنام التي تنتظر أدوارها في الذبح، كان وضعنا في الحي الجديد، مثل وضعي في المدرسة الجديدة شيء يكتنفه الغموض والذباب، وقد أقام القاتل في البيت معززاً مكرماً، والحزن لا يفارق وجهه، ولم تكن روحه تشتهي شَمّ الهواء بسبب تكاثف بَعرِ الأغنام قرب باب غرفته، لذلك نصحه حميد السمني لكي يخرج نفسه من عزلته أن يهتم بتربية الأغنام وأن يقوم بحلبها وجمع البعر من تحتها، فتحوّل الرجل بلمحة عين من عنترة العشيرة إلى راعي أغنامها ومدبر بقية شؤونها، وكان حاله يشبه حال عنترة في الحكاية المعروفة، غير أن القصة حتى تستكمل شروطها تحتاج إلى فتاة جميلة اسمها عبلة، وهنا تحققت الاطاحة بهذا الشرط والخروج على الرواية خروجاً فاضحاً، كانت عبلة، الأخت الكبرى موجودة في البيت، ولكنها لم تكن جميلة ولا بيضاء، كانت سمينة وقصيرة وسمراء، وكانت عاتكة أختها تصغرها بسنة واحدة وكانت رفيعة وطويلة وصفراء.
لذلك وجد عنترنا نفسه أمام عبلتين دفعة واحدة، ولأنه انتبه إلى وجهيهما فقد قرر بينه وبين نفسه أن يوثق علاقته بالأغنام فهذا أفضل له ولمستقبله، ولكن (عبلتا) الحكاية الجديدة، وبعد تشاور وبكاء، وتذكر وتنهد قررتا ودفاعاً عن أنوثتهما الضائعة، أن تراود (1) البطل عن نفسه أولاً، فإن لم يستجب فستسعيان إلى  اغتصابه، وكان البطل منصرفاً بكليته إلى تذكر زوجته وولديه وساقي الراقصة التي أهدر من أجلها دم رجل، وهاهو الآن يهدر طبيعته وروحه، ولكي تستكمل المأساة البدائية شروطها، كان بطل العشيرة عكس عنترة، وسيماً طويلاً ويميل إلى البياض وعيناه حادتان، وشارباه دقيقان وشفتاه على عكس الأختين لا توجد فيهما غلظة، ولقد أعطت تقاطيع الرجل وملامحه الدقيقة الشرعية لسقوط الأختين سقوطاً مدوياً، بعد أن أعطاهما الجوع والدمامة الحق في التخطيط لاغتصابه إذا تشدّد ومانع.
أما إذا فعلها واستجاب، قالت إحدى الأختين لأختها:
- سيكون يوم المنى... أجابت الثانية...
- وإذا حملنا منه وافتضح أمرنا...
- سيكون يوم المنى أجابت الثانية...
- وإذا قتلنا أهلنا ليغسلوا عارنا...
- سيكون يوم المنى.. أجابت الثانية، فمثل هذه الحياة لا يوجد من يحزن عليها.
- وإذا لم يوافق أن يفعل معنا ما نريد...
- عندها يكون قد جنى على روحه ومستقبله، أجابت الثانية بعد أن اغرورقت عيناها بالحب والحاجة إلى الرجل.
كانتا تتمنيات أن تتحولا إلى نعجتين لتحظيا منه بالاهتمام الكافي الذي  تحظى به بقية الأغنام التي وجد نفسه مسؤولاً عن رعايتها، وكان من موقعه يتابع مرور الفتيات الوسيمات من الطرف القريب لسور البناية وهو منشغل بالاهتمام بالأغنام، والأختان تتغامزان وتراقبان بغيرة وحسد وتحاولان تقديم فروض الطاعة والاهتمام وأطايب الطعام إليه لينتبه، وكانتا معاً تدخلان غرفته وتقومان بترتيبها، وفي مرة تقدمتا إليه وطلبتا منه أن يخلع نعليه، لتغسلا له قدميه، وأشارتا إلى المياه والطشت والصابون، لكنه رفض.
لذلك اضطرتا لارغامه، فبطحتاه على الأرض وقعدتا على صدره، وعندما أحس البطل بالاختناق والعجز عن نطق الشهادة وبأنه سيموت ميتة الكفار والعياذ بالله، قرر الموافقة والرضوخ عند ذلك، وضعتا تحت قدميه الماء، وانفردت كل واحدة منهما بقدم وبدأت تلامسها وتعالجها حتى أصيب الماء الفاتر بالإثارة وتعالت فقاعات الصابون من شدة الفرك والانفعال، وهاهو الصابون يفهم.... والبطل لا يفهم، ثم بحركه موحدة، رفعت كل أخت قدماً ووضعتها على وجهها ونامت بكل خدها وجسدها وجوعها فوق سطح القدم التي بين كفيها.




([1]) -شامل وعواد: اسمان لشخص واحد.
([2]) يلاحظ القارئ تبدل ضمير الخطاب الروائي، من المتكلم إلى الغائب... وبالعكس، ,هذا الأمر سيستمر حتى نهاية الرواية. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire