إنها مطمئنة من هذه الجهة لأن فكرة هروبها لا يمكن أن تخطر على بال أحد. إنها فكرة جنونية حقاً. لم يسمعوا بواقعة مثلها بقرية عين الفكرون ولا في القرى المجاورة. تحمست كثيراً للمشروع حتى أصابها الأرق. تبيت لياليها متقلبة في الفراش متنهدة بعمق تتخيل نفسها بصحبة حبيبها تمشي تحت ظلال أشجار باسقة وتشم روائح عطرة تنبعث في النباتات الغابية المتعددة وتستنشق فاتحة منخريها على اتساعهما محدثة صوتاً كأن هذه الروائح تسللت بالفعل إلى فراشها وعمت أجواء الغرفة الغارقة في سبات عميق.
أما الآن، وهي على استعداد كامل للرحيل لا يفصلها عن الموعد الحاسم إلا بضع ساعات تسربت بعض الشكوك إلى قناعتها. هل تتصرف تصرفاً سليماً؟ ألم تتسرع في اتخاذ الاجراءات اللازمة للتخلص من الورطة المفروضة عليها؟.
كيف سيستقبلها مصطفى وهل هو راض عن سلوكها؟ كيف يتصرف أبوها بعد اكتشاف هروبها؟.
هل سيدرك بأنها التحقت بالمجاهدين وهل سيجرؤ على متابعتها؟ إنهالت عليها أسئلة معقدة لا تعرف لها أجوبة. كادت تنهاربكاءاً وتتراجع عن الهروب ولكن صورة مصطفى أقوى من كل التبريرات الأخرى. تشوقت إلى رؤيته وإلى سماع صوته والحديث معه. تصورت أنها قادرة على قضاء شهور كاملة في الحديث عن أشواقها ووصف الليالي الطويلة في سهاد وأرق وخيالها محلق يطارد أدنى ملامح له. غرقت في تفكير متواصل وتحولت العتمة إلى نور والسكون إلى صخب وأصوات متباينة والمكان المغلق إلى فضاء رحب لا يحده البصر النافذ، ولم يعدها إلى جلستها المكورة الشخير المرتفع المستمر لأحد أخويها النائمين قربها في براءة مطبقة ولا الكلام المتقطع الذي ارتفع فجأة من أختها الصغرى تحت تأثير كابوس مزعج. عاد الصمت من جديد وحورية لم تبال بل هي غارقة حتى الأذنين في أحلامها وأشواقها. مكثت على هذه الصورة وقتاً طويلاً، إلى أن انتفضت وحدها كأنها تذكرت موعد الرحيل فقامت من مكانها متخطية الأجسام الممددة كالسردين. رفعت رزمتها على أحد ذراعيها وغطت رأسها بقطعة قماش مورد. فتحت الباب ببطء ملحوظ دون أن تحدث صوتاً أو خرخشة. قطعت مسافة الساحة الداخلية بحذر، ثم الحديقة وأخيراً جلست قرب السياج تمسح المكان المظلم بحدقتي عينيها الحادتين اليقظتين رغم نقص النوم البادي على وجهها المتعب. فلم تلاحظ شبحاً إنسانياً ولم تسمع وقع خطوات قريبة أو بعيدة. أبعدت عن نفسها الخوف ومكثت تحرس المكان في يقظة ثعلب. بعد دقائق اعتادت على الظلمة وأصبحت تبصر بوضوح أكثر من ذي قبل. بعد فترة لم تعرف حورية كم استغرق من الوقت انتصب شبح المسبل قرب السياج وكأنه مرق من تحت الأرض . لم تسمع حورية وقع خطواته ولم تشاهده وهو قادم من بعيد باغتها فارتعشت احشاؤها قليلاً ولكن ما أن تعرفت عليه حتى نهضت واقفة بخفة غير معهودة فتحت السياج دون أن تنبس بكلمة اتبعت خطاه الخفيفة الصامتة. غادرا القرية متدثرين بالعتمة والأشجار المورقة، مستدركين مراكز الحراسة. حينما ظهرت الشمس الصباحية بأشعتها الدافئة لتطرد النسمات الليلية الباردة كانا قد ابتعدا عن منطقة الخطر وهما يوغلان وسط الغابة الندية تجاه قمم الجبال الشامخة . في الصباح الباكر، استيقظ الأب بوزهير حميد كالعادة وغادر البيت بعد أن شرب قهوته في صمت وعادت الأم إلى النوم كالعادة أيضاً دون أن تتفطن للحادث الاستثنائي النادر.
بعد طلوع النهار وسط ضجيج الأطفال الصغار انتظرت الأم قيام ابنتها من النوم لتساعدها في العمل المنزلي ولكن هذه الأخيرة تأخرت وأحجمت عن الظهور فاتجهت الأم صوب الغرفة لايقاظها، لم تجدها، قالت مع نفسها بأن ابنتها ستكون في الحديقة أو عند الجيران عادت إلى المطبخ منتظرة دون قلق. أين ستكون؟ ستظهر لا محالة بعد حين.
ليست موجودة عند الجيران لم يروها قط هذا الصباح.
أين ستكون؟ تساءلت الأم بشيء من التوتر والحيرة. لم تتعود الغياب بهذا الشكل السري، قلقت الأم وخافت على ابنتها وعلى نفسها من زوجها ومن كلام الناس، خاصة أن ابنتها مخطوبة رسمياً. اقترب منتصف النهار ولم تظهر حورية بعد. فقدت الأم رزانتها وبقيت تترقب أدنى صوت في الساحة أو خارج البيت لعل حورية تداهمهم بعد هذه الغيبة المفاجئة، ارتبكت حركتها ولم تحسن القيام بالتنظيف المنزلي واحترق الأكل فوق النار لسهوها وترقبها المتواصل. انتصف النهار، دخل الأطفال كلهم لتناول الطعام ولم تظهر حورية بعد ولم يعرف عنها خبر عند أحد. خرجت الأم من هدوئها وانتابها ضجر وفراغ مرعبين.
وكيف يكون رد فعل أبيها في المساء إذا لم تظهر إلى ذلك الحين؟ غضبت على أبنائها وسخطت في وجوههم رافعة صوتها ثم أمرتهم بالذهاب للبحث عنها عند الأقارب في القرية، والطواف عبر الشوارع لعل وعسى.. خرج الأطفال بصمت داهمهم القلق هم أيضاً.
دخلت بعض الجارات على الأم للاستفسار وتهدئة الجو المكهرب والتخمين معاً في الأماكن التي يحتمل أن تلجأ إليها. روت الأم بصدق حالة ابنتها النفسية منذ خطوبتها وموافقة أبيها على مصاهرة السرجان، رغم ذلك لم تجرؤ الأم والنساء الوافقات حولها على الافصاح عما خامرهن وهي أن تكون قد هربت من الدار العائلي كرفض قاطع للزواج القسري، شيء فظيع أن تهرب البنت من بيت أهلها. ستكون فضيحة الدهر كله. كثر الحديث وكثرت الاحتمالات المشجعة لتهدئة الجو وارخاء الأعصاب المتوترة. عاد الأطفال بخيبة أمل ظاهرة على سحناتهم المتجهمة، لم يعثروا عليها ولم يسترقوا سمع خبر مفرح أو مشجع عنها. شعرت الأم كأن سقف البيت سينهار على رأسها المبلبل، بل ستتحطم السماء عليه وتصيره رماداً تنفثه الرياح الهوجاء إلى أعماق الربع الخالي.تلألأت عيناها بالدموع المدرارة، ولكنها امتنعت عن السيلان الجارف. جف حلقها وفقدت القدرة على النطق السليم المسترسل، والتصقت الجوانب الداخلية لمصارينها المتعبة من القلق والجوع كأنها في نهاية يوم رمضاني من تلك الأيام الصيفية القائظة الطويلة جداً.. ارتعش جسمها حتى كادت تفقد استقامتها في الرفوف، وهي حائرة تفكر بسرعة جنونية في احتمالات متنوعة، تحاول الكذب على نفسها بأن حورية ستظهر بعد حين وسيتبخر القلق والخوف ويتلاشى الهرج والمرج مباشرة بعد رجوعها. لم تتمكن من المكوث في مكان مستقر لدقائق معدودة، بل تتحرك دوماً وتكلم نفسها بصوت مرتفع مكررة عبارات واحدة مقتضبة، متوسلة مثلما تفعل الثكلى وهي تندب فقيدها.
طال الانتظار واقترب الليل ولم تعد حورية. كيف تواجه آلام زوجها وكيف تبرر غياب ابنتها؟
كلما اقترب وقت رجوع الأب من العمل وازداد خوفها وتعاظمت اسئلتها بو زهير حميد من العمل منهكماً لا يفكر إلا في فنجان قهوة ساخنة وابرام سيجارة ثم التمدد فوق الحصيرة للاستراحة الكاملة. وجد البيت غارقاً في سكون وصمت غريبين، أين صيحات الأطفال وركضهم نحوه، راوين ما حدث لهم في ذلك اليوم وشاكين من أفعال بعضهم البعض وطالبين تحقيق بعض رغباتهم المتنوعة؟ أين الأم وحركاتها الخفيفة لتقديم كرسي للجلوس وماء للغسل وقهوة للارتشاف وازالة التعب؟
ولكن الارهاق الجسدي أنهك الأب الهادي، بحيث لم يلاحظ التحول السائد. قررت الأم الامتناع عن افشاء السر إلا بعد أن يستريح قليلاً ويتلذذ برشفات القهوة الساخنة ولكن ابنتها الصغيرة سبقتها وكشفت لأبيها الفضيحة وهي جالسة على ركبته. ابتسم بو زهير حميد ابتسامة ساخرة من هراء ابنته وتخريفها. القي بصره النافذ تجاه الأم وطلب منها تفسير اللغز. ربما هناك شيء ما لم تهضمه الطفلة البريئة. ارتعدت الأم من جديد وانتحرت الكلمات في حلقها، تلعثمت وتلكأت لثوان ثم انهارت باكية ووسط الشهيق والدموع المنهارة، قالت بأن حورية اختفت منذ الصباح ولم يعثروا لها على أثر رغم الاستقصاءات المتكررة. ولتبديد الخوف أسترسلت في اسهال لفطي سريع رواية كل تفاصيل الحادث منذ بدايته. بقي الأب مصعوقاً،مذهولاً، صامتاً، مبلبل الذهن يحالو اقناع نفسه بأن ما يسمعه أكذوبة حضرتها الأم مع أبنائها ليعدل عن قراره بتزويجها للسرجان. لم يتحرك من مكانه وحينما صمتت الأم فجأة فاسحة المجال مرة أخرى للبكاء والشهيق والتوسلات الهامدة، أطرق رأسه مفكراً في اللعنة التي لحقت به، ثم نهض وفتش الغرفتين والمطبخ ودورة المياه، وبعد ذلك خرج إلى الحديقة،طاف حول أركانها وخباياها وحينما لم يعثر على حورية دخل على زوجته المطبخ، هز كتفيها بعنف وطلب منها التأكيد على صحة الحادث، لم يصدق ما سمعه، حورية لا يمكن أن تفضحهم بهذا الشكل المخزي، إنها عاقلة وناضجة ومسؤولة أيضاً. ازدادت الأم بكاء وعويلاً، استقصي الأب عن الأماكن التي بحثوا فيها، وبعد التأكيد من أنهم لم يتركوا جاراً ولا قريباً في القرية إلا وسألوه، قال بعصبية ظاهرة أنها ستكون قد التجأت إلى أخوالها في الدشرة أو عند عمتها في المدينة فلا ينبغي القلق.. أين ستذهب؟ إنها فتاة، فلا يمكن لها الهيام على وجهها عبر شوارع المدن ودروب البراري.
كان الأب مطمئناً نوعاً ما. ليس لها خيارات أخرى غير الاختفاء عند الأقارب، لعلهم يسمعون شكواها ويتدخلون لفسخ الخطوبة المكرهة. لبس قشابيته مستعداً للخروج والبحث عنها، إلا أن الأم نبهته لقانون حظر التجول السائد في القرية منذ مدة طويلة فكيف يفسر وجوده خارج البيت في الليل، سيتهم بمساعدة المجاهدين ويسجن أو يقتل برذاذ رشاش دون رحمة أو شفقة مثلما الذئاب أو الخنازير البرية.
قضي الزوجان ليلة بيضاء، لم يعرفا خلالها نوماً ولا أكلا، تبادلا عبارات نادرة، متقطعة وتأوهات مسموعة متواصلة عبر الليل الطويل الذي لم يرد أن يتجلي إلا بعد أن تطلع الروح من مستقرها المؤقت، تبدو الساعة متوقفة، تدور عقاربها ببطء السلحفاة. طلب الأب قهوة بعد مرور منتصف الليل بكثير، ارتشف منها جرعات قليلة وحطها جانباً، إنه معروف بالهدوء والتحكم في الأعصاب، ولكن في هذه الليلة بالذات، ومع المصيبة النازلة على جسمه النحيف المرهق تحت ضغط جبروت المعمر، فقد رزانته وانهارت قواه، رغم إقناع نفسه أن ابنته اختفت عند أحد أفراد العائلة، تشكو حالها، وإذا... هربت بالفعل فكيف يواجه السرجان وأعيان القرية الذين شرفوه في بيته وطلبوا مصاهرته؟ لايملك الشجاعة الكافية للنظر في عيونهم الساخرة، المحتقرة، لو كان رجلاً قوياً، متحكماً في عائلته بقبضة من فولاذ لما تجرأت ابنته على الهروب من المنزل العائلي، لو حدث هذا بالفعل وتبين أن حورية قد هجرت البيت إلى مكان مجهول سيرحل من القرية نهائياً وفي أقرب وقت ممكن إلى مدينة بعيدة لا يعرفه فيها أحد. فكيف له أن يمكث في قرية عين الفكرون وسط النظرات المستفزة الساخرة للرجال والتمتمات القاتلة للنساء. يتضاعف غضبه أحياناً ويقسم قاطعاً أنه لن يتراجع قيد أنملة عن قرارة، وسيضربها ضرباً مبرحاً ويترك آثاراً عميقة على جسدها خاصة في الظهر والفخذين، سيجرها من الشعر عبر أزقة القرية كي يثبت رجولته للملأ ويضع حداً للسخرية والاستهزاء الجماعي. ثم بعد حين يلين قلبه ويتعاطف مع ابنته، يشيد قصراً من التبريرات ليقنع نفسه بالعفو عنها، رفضت الزواج بالسرجان المتزوج بأمرأة أخرى له معها أطفال بعدد أصابع اليد الواحدة، ويكبرها سناً، فلماذا لا يحترم رفضها ويتوجه رأساً إلى السرجان ليعلن تراجعه، هل يملك القوة لمواجهة رجل ذي مال وسلطة مثل السرجان ؟ يشك في نفسه . يشك في أن ينهار بمجرد الوقوف أمامه . فمكث الليلة كاملة ، يتأرجح بين موقفي القبول والرفض، دون أن يستقتر على رأي نهائي منتظراً انبلاج الفجر كي ينطلق في البحث عن حوريته المتمردة. ولكنه لم يعثر لها على أثر. طاف اليوم كله ركضاً من مكان إلى مكان حيث زار كل العائلات القريبة والبعيدة دون جدوى، عاد مع غروب الشمس منهكاً ومنكسر البال متمنياً من صميم قلبه الممزق أن يجدها في البيت.ولكنه بعدما دخل منزله ، خاب أمله وتبخرت أحلامه ، انتشر الخبر بين أهل القرية كالوباء وأصبح الناس لا يعرفون من الحديث إلا هروب حورية وكان السرجان من الأوائل الذين وصلهم الخبر. في البداية لم يصدق، إذ مثل هذا السلوك لا يحتمل وقوعه في هذه المنطقة الجبلية المحافظة على قيم الشرف والرجولة البدوية.
سمع عن مثل هذه الاختفاءات المؤقتة أيام كان في فرنسا منخرطاً في الجيش. تهرب بعض المراهقات من المنزل العائلي، حينما ترغم كارهة على القيام بفعل ما. أما في الجزائر، وفي وسط هذه الجبال بالضبط فمما لا يصدقه العقل.
أخبر السرجان جميع أهله وأصحابه من العرب والأوروبيين بنيته في الزواج مرة ثانية وأنه قد وقع اختياره على فتاة جميلة عذراء وسيقام العرس في بداية الصيف.
انتشر خبر اختفاء حورية بسرعة مذهلة، واتفق لسان القرية على أن الهاربة رفضت الزواج بالسرجان وفاضت بعض الألسنة المغرضة، العارفة بأسرار الجميع أنها تعشق الشاب مصطفى الذي التحق بالمجاهدين في بداية الثورة وكان يتصل بها خلال كل هذه السنين الماضية، يأتي إليها في الليل ربما يكون هو الذي خطفها، بعد أيام من البحث والتحريات لم يجد الأب أثر لها في كل المنطقة، سافر إلى العاصمة وقضى فيه يومين يتجول عبر شوارعها يتفرس الوجوه لعله يتعرف على وجه ابنته، اقتنع الجميع بأن حورية التحقت بالمجاهدين، اختنق السرجان غيظاً واستشاط غضباً، كيف تفضل شاباً هارباً عن العدالة يهيم بوجهه عبر الجبال والأودية لا يعرف لنفسه مستقراً، معرضاً نفسه للموت المؤكد في كل لحظة وتترك العز المادي والرفاهية والأمن والاستقرار؟. احتار في أمرها... تعرض نفسها للجوع والبرد وتترك عائلتها في فضيحة لم تحدث قبل ذلك لأحد، وكان أمامها حل تحلم به كل فتيات القرية، شعر بالاهانة والاحتقار النفسي وصغرت قيمته، هو السرجان صاحب المال والسطوة فتاة فقيرة لا تساوي شيئاً أمام شخصيته الموموقة..
قدام الناس تظاهر باللامبالاة، كأن الأمر لم يمسه لا من قريب ولامن بعيد، قال بأنه كان صافياً في غرضه، أراد الزواج مرة ثانية مثلما يفعل أغنياء القوم، وبما أنه وقع اختياره على عائلة مهزوزة ورجل ضعيف لا حول له ولا قوة فإنه سينتقي عائلة أخرى يصاهرها.
وصب جل غضبه وسخطه على الأب الضعيف الذي تنعدم فيه صفات الرجولة، وإلا لما بقي مكتوف الأيدي ، ساكتاً، منهزماً مختفياً في بيته بين أحضان زوجته، أضاف أنه لو قدر أن حدثت له مثل هذه الواقعة، لطاردها في كل مكان حتى عند الغلاقة ولأحضرها ووفى بوعده لأن الرجل لا يساوي إلا ما تساويه كلمته ووعوده. تكلم السرجان كثيراً ليغطي هزيمته أمام الناس ويظهر أمام أهل القرية أنه شجاع ولم يعتبر حورية ألا كأية امرأة عادية.
انتطع الأب عن العمل مدة أسبوع وهو يبحث في كل الاتجاهات دون جدوى وحينما أراد استنئناف شغله، قابله صاحب الورشة في الباب ومنعه من الدخول صارخاً في وجهه أن الورشة ليست قهوة "خالي موح" يدخلها متى شاء ولما طلب راتب الأيام التي اشتغل فيها نهره المعمر قائلاً بأنه غيابه سبب له خسائر جسيمة لأنه لم يلب طلبات زبائنه.
محنة ثانية انهالت على رأس الرجل المسكين طرحته الفراش لأيام عديدة كاد يفارق الحياة، لولا زيارة مفاجئة في منتصف احدى الليالي الممطرة، قام بها أحد المجاهدين ليبلغه أن ابنته حورية تسلم عليه وتطلب منه العفو وأنها تتمتع بصحة جيدة وسط المجاهدين والمجاهدات تتعلم مهنة التمريض. إنها تقوم بواجبها تجاه الوطن والثورة وعليه التحلي بالشجاعة وأن لا يهتم بأقاويل أهل القرية.
استيقط مصطفى عمروش من غفوته والابحار في سرداب الذكريات البعيدة تحت طرقات قوية على الباب الخارجي وصوت رجل ينادي باسمه. نهض متثاقلاً، ألقى نظرة إلى الساعة الجدارية، وجدها تقترب من الخامسة، فاندهش لسرعة مرور الوقت خلال الظهيرة، لم يكن يعي إن كان بقي مستيقظاً طول الوقت أم غفا في نوم خفيف. لم يغير من وضعية تمدده. أمام الباب وجده "بو زهير حميد" أب حورية حبيبة شبابه وزوجته الأولى ، وجهه يتصبب عرقاً ويلهث من الصياح، يبدو التعب والغضب على قسماته، تقوّس ظهره من الكبر وما زال جسمه يحافظ على النحول. بمجرد ظهور مصطفى على عتبة الباب الخارجي قال شاكياً: السرجان الخبيث ياسي مصطفى..... أنه في المقهى يطعن في شرف ابنتي حورية وابنك جمال، يقول كلاماً جارحاً لا أتحمله..... أنها استشهدت منذ سنين فلماذا النبش في قبور الموتى.
ودون اجابة دخل مصطفى عمروش بيته، وخرج بعد قليل وبين يديه بندقية في وضعية الهجوم وأتم الاستعداد لاطلاق النار، لم يكن بو زهير حميد ينتظر مثل هذا الجواب.
كان أكبر ما يتوقعه أن يطلب مصطفى من السرجان الكف عن هذه الافتراءات بطريقة سلمية، صعقه المشهد، وسمره لثوان في مكانه أمام الباب. حينما تفطن للخطورة وركض خلفه لينهره عن القتل كان مصطفى عمروش بخطواته السريعة تحت تأثير الغضب والحقد والانتقام المشروع، قد انعرج عبر الشارع الرئيسي متجهاً صوباً دون تردد نحو مقهى السرجان مصمماً على ألا ترتعش يداه وألا يلين قلبه.
الفصل الثالث
خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مباشرة اليوم المشهود الذي سيتردد طويلاً على ألسنة أهل قرية عين الفكرون، مكّوناً اهتماماً أساسياً ومجالاً ثرياً لتكسير الرتابة المخيمة، هذه الرتابة التي أغرقت الجميع في شبه اكتئاب وتدهور نفسي حتَّى ارتفعت، صيّرت حركاتهم ثقيلة غير مبالية، وارتفعت الحرارة ارتفاعاً جنونياً انقطعت الأمطار القليلة والرياح النادرة في منتصف فصل الربيع، مما أسرع في تحويل اللون الأخضر إلى الأصفر الشاحب وانقراض الحشائش القزمة المتشبثة بالتراب في هيئة ذابلة هرمه، وسرعان ما ظهرت الحشرات النحيفة المتعطشة إلى الغذاء، أنواع الناموس بكل أحجامها حتى نوع الهليكوبتر، والذباب والفئران وبنات وردان أو "القَرْلَلّو" مثلما يطلق عليه أهل القرية، وعشرات الحشرات الأخرى الجريئة التي اقتحمت البيوت، خاصة المطابخ والحدائق ومخازن التموين، مما أجبر الناس على البحث عن المبيدات المضادة في كل المحلات التجارية التابعة للقطاع العام والخاص، للتصدي للغزاة الذين لا يبدو أنهم تناقصوا رغم الكميات الهائلة من السائل ذي الرائحة الكريهة، فوقع الناس في "حيص بيص" يتأرجحون طول الوقت بالليل خاصة بين إغلاق النوافذ والأبواب وأحكام الشرفات بأنواع من الباش السميك وسد كل ثقوب التهوية التي تتسرب منها الحشرات وتحمل الرائحة الكريهة الممزوجة بارتفاع الحرارة وتلألإ الجسم بحبات العرق وبين فتحها على مصراعيها لاستقبال النسمات الباردة ومعها هجوم الناموس باللدغات والامتصاصات التي تبعد النوم نهائياً وتزرع الدماميل المهيجة، ومما زاد الأمر خطورة وتعقيداً اختفاء سائل المبيد فجأة من الأسواق فعرف أهل القرية وظيفة أخرى شاقة وهي البحث الدؤوب عن المبيدات في كل مكان سمعوا بوجودها فيها. اختفت أياماً، فارتفعت الشائعات المعقولة واللامعقولة، ثم بدأ يظهر في السوق وبأثمان تفوق السعر العادي من ثلاث إلى عشر مرات، عند بعض التجار المؤقتين الذي يعرضون السلعة المفقودة على أرصفة الطرقات مطمئنين غير خائفين من جهاز الرقابة الموسمي الذي لا يراه التجار إلا مرة واحدة في الحول، يمر مرور الكرام في جولة سياحية ينتفع أعضاؤه لنفسهم دون الإكتراث بالطوابير اللامتناهية على أبواب المحلات الحكومية ذات المساحة الكبرى، المشيدة في سرعة مذهلة على طرف المدن والقرى، حيث يبيت الزبائن الدائمون الليلة متحاشرين ينتظرون الافتتاح للركض تجاه بسط البضائع مع كل ما تتخلل المطاردة من مشادات كلامية وجسدية وتكسير زجاج الواجهات الخارجية للمحل.
إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.
تحرك السرجان خلال تلك الأيام التي لم يخطر على باله بأنها الأيام الأخيرة في حياته ولو سمعها من أحد... وإن كانت الدرويشة لاّلة عويشة البوسعادية.. لا نطلق في ضحكة هستيرية مجلجلة بصداها الرجعي البعيد لساعات كاملة، إذ لم يتصور الموت وفي هذه الأيام بالذات وهو يلهث وراء كيفية يتحصل بواسطتها على بطاقة النضال أيام الثورة، متصلاً بكل معارفه المتفرعين إلى غاية العاصمة، بطاقة مزيّنة بالخط الثلاثي وعلى طرفها الأيمن صورته الشمسية انتقاها من بين مجموعة صور يظهر فيها شاباً أنيقاً ووسيماً، بدون شعرة شيب واحدة. يكون قد التقطها منذ سنوات واحتفظ بها لمثل هذه المناسبة العظيمة، فيغلف البطاقة في إطار زجاجي يصنع لها خصيصاً عند أحسن الحرفيين، وإذا اتقضى الأمر سيسافر إلى فرنسا ليبحث لها عن إطار ملائم في أروع وأفخم وأغلى المحلات . وسيدفع مقابلها رنكات أو دولارات خضراء مخرخشة . ثم يعلقها على جدار داخل مكتبة الخاص وراء ظهره كي يراها كل زواره، لم يكن يخطر على باله أبداً أنه سيفارق الدنيا دون أن تمنح له هذه البطاقة التي تبدو في نظره سحرية، بل لم يكن يشوبه شك في أن خصمه اللدود لا يمتنع طويلاً عن الامضاء بل سيرضخ بعد مدة قصيرة وسيوقع مثل العبد المطيع.
رغم الحرارة المخيّمة المرهقة وأزيز الحشرات المعلن في وضح النهار،لم يكف السرجان عن الجري والبحث عن وسائل يضغط بها على خصمه . ذكَّرته هذه المحنة بصديق قديم ، تعامل معه في السنوات الصعبة التي تلت مباشرة الاستقلال ، انتقل منذ سنوات إلى العاصمة واستقر بها في منصب مهم . وفيما ركن إلى لمقعد الخلفي الوثير لسيارته المتجهة إلى العاصمة مستمعاً إلى حكايات السائق العادية وثرثرته اللجوجة، عادت إلى ذهنه الزيارة المفاجئة التي باغته بها في احدى الأماسي في السنة الأولى للاستقلال وذلك قبل أن يسدل الظلام ستاره المعتم، أدخله إلى غرفة الضيوف وهو يرتبك ويبحث في خياله عن سبب الزيارة الليلية غير المنتظرة طرح تساؤلات مريبة ألا تكون، الزيارة لها علاقة بخياناته أيام الحرب القريبة؟ حافظ على سريتها ولكن من أدراه بأن شخصاً ما يكون قد تتبعه إلى غاية دار مسيو غوميز، واسمتمع إلى الحديث الدائر بينهما؟؟ تفحص الرجل جيداً لعله يكتشف سلاحاً مخفياً على حزامه أو داخل جيوبه، فلم يلاحظ شيئاً يزعجه، استرق النظر خلسة إلى تقاسيم وجه الزائر الذي غلس نحوه دون موعد، فلم تقابله نظرات الحقد والانتقام وبروز الأعصاب الغليظة على الخدين والصدغين، كان يبدو على الرجل الهدوء والانشراح وقليلاً جداً من الارتباك في تحركاته. يعرفه السرجان كأحد المسؤولين الرئيسيين على توزيع الفرينة والزيت والسكر على فقراء القرية، اسمه "بومالح عبد المالك" ويعرف السرجان أيضاً قصة التحاقه بالثورة. تخانق مع الشامبيط حول إشعال النار في الغابة لتحضير الفحم وبيعه. ضبطه وهو يحفر الأرض لوضع الحطب قبل وقوده، فأراد ربطه وجره إلى السجن، دافع الرجل عن نفسه. كان قوياً فتغلب على الشامبيط. صرعه بضربة حديدية على صدغه وانتزع منه البندقية وهرب إلى الجبال.
يتذكر السرجان كيف استقبله بحفاوة مبالغ فيها، مرحباً مهللاً، قائلاً بأن المنطقة كلها زغردت لموقفه الرجولي، فقد أحسن الاختيار، الحرية أحسن من السجن مهما كان ثمنها.
فاسترسل في ذكر خصال المجاهد ووصف فرحة الاستقلال، فأفاض في التفاصيل، لم يسمح للرجل بتلفظ كلمة واحدة حتى حضر الشاي وأضاف بأن العشاء جاهز وأقسم أن يشاركه الأكل.
كل هذا وهو يترقب بتلهف أن يفصح الرجل عن سبب الزيارة، وحينما أدلي الزائر بدوله لم يصدق السرجان أذنيه، طلب منه إعادة شرح طلبه لأنه بدأ يشيخ وثقل سمعه وضعف بصره. حضر المجاهد بومالح عبد المالك ليبيع له بعض الأكياس من المواد الغذائية، منحته الجبهة كمية تفوق حاجياته العائلية، فأراد بيعها لأنه لا يملك مكاناً لتخزينها.
فلم يجد إلا السرجان يتوجه إليه على أن يبقى الأمر سراً بينهما، لأن ألسنة الناس طويلة زيادة عن اللزوم وهم كثيراً ما يسيؤون الفهم ويتسرعون في اطلاق الأحكام الجزافية دونما التأكد من صحتها، في الوهلة الأولى، صدّق السرجان نوايا المجاهد، فقبل شراء الكمية التي كان يتصور أنها لا تزيد عن قنطارين أو ثلاثة، ولكنه حينما فتح الغشاية الكتيمة الخلفية للشاحنة الصغيرة ووجدها معبأة بالتمام والكمال بالأكياس والبراميل، ابتسم ابتسامة ماكرة مدركاً أن الكمية مسروقة لا محالة، وأن قصة المجاهد للتمويه فقط، وعلى من؟.
عليه هو السرجان الذي يلتقطها في الفضاء قبل أن تمس الأرض... احتار قليلاً من السلوك النادر بين صفوف المجاهدين، خاصة في السنوات الأولى للاستقلال، ثم فكر ملياً، وسرّ بداخله، هي فرصة للريح لا تعوّض، أن سعر الحمولة لا يناقش إلا بعد إدخال الشاحنة داخل المستودع الواقع خلف منزله وتفريغها، في ذلك الوقت، يصعب على المجاهد وصديقه السائق التراجع عن البيع إن كان الثمن المقترح منخفضاً، خلال فترة التفريغ، ما فتىء السرجان يشكو من صعوبة البيع والشراء، الناس فقراء لا يملكون المال فيُجْبَر على البيع ديناً، وذلك يسبب له مشاكل كثيرة في العثور على المال الذي يسمح له بالتموين، ثم أن الفرينة هذه الأيام لا تباع لأن كل عائلة تأخذ نصيبها من الجبهة، لذلك يصعب سيلان كل هذه الكمية في السوق، بعد الانتهاء من التفريغ أحضر السرجان فناجين القهوة، ثم حدد السعر بنفسه، سعراً منخفضاً عن الأسعار الرسمية المعمول بها، ولم يجد المجاهد نفساً للإحجاج، مهما كان الثمن، إنه رابح فهو لم يدفع شيئاً مقابل السلعة المعروضة،في الغد سافر السرجان إلى المدينة واتصل بصديق يملك مخبزة فباع له الكمية مع فائدة تفوق خمسين بالمائة ثمن الشراء، ثم اتفقا على موعد الشحن الذي ينبغي أن يتم في أقرب وقت ممكن. هكذا دخل السرجان باب التجارة الرابحة. لم يكتف المجاهد بالشحن الأول بل كرّر العملية مرات عديدة، مع الحرص على دفع ثمن البيع في كل صفقة، غير مبال بشكاوي السرجان، وحججه لإقناعه بأن حالة السوق متدهورة وأن خطورة اكتشاف الكميات المسروقة في بيته، سيدخله السجن بدون محاكمة، كان بومالح عبد المالك خروفاً فأصبح ذئباً.
تطورت الأمور في صالح الرجلين عين المجاهد مسؤولاً عن قسمة الحزب بقرية عين الفكرون، مما ضاعف نفوذهما وتقاربهما والإكثار من الصفقات التجارية بينهما.
انطلقت الذاكرة متموجة، تزيل الغبار وتبعد النسيان عن احداث كاد السرجان أن يردمها تحت أطنان من الغرانيت ويلفظها في أعمق حفرة بحرية وإن وجدت في أقصى شرق الكرة الأرضية قرب جزر الفلبين، لأنها تبعث في صدره ضيقاً خانقاً وتحجب بصره بغشاء سميك، فيفضل نسيانها، ولكنها لا تأبىالابتعاد بل تحاصره حتى في داخل سيارته من نوع 505 آخر موديل مكيفة ومجهزة بكل الوسائل المساعدة لتحمل السفر الطويل، انساق خلف الذكريات التي بنت مجده، فساقته تماماً مثل آلة السفر إلى عمق التاريخ عبر رحلة مرة، أيام كان يترقب يوم الإعلان عن وقف إطلاق النار، في حالة نفسية تشوبها عواطف متناقضة تتراوح بين الخوف من المجاهدين الذين سينحدرون أفواجاً أفواجاً، معبأة بالسلاح، حاقدين على الخونة والحركية، وبين سرور داخلي يغمره لأنه سيغدو الرجل الوحيد الغني في قرية عين الفكرون بعد أن أشتري ممتلكات كثيرة من عند مسيو غوميز وأصدقائه قبل سفرهم العاجل، قضى ليالي عديدة ممدداً على فراشه يخطط ويحلم بمشاريع لا نهاية لها، دون أن يغادره الخوف المبطن من اكتشاف بعض خياناته، رغم الحذر والحيطة والسرية التامة التي حاول جاهداً أن يخفى بها هذه "البيعات" الرخيصة.
لقد ساعد الجبهة بقليل من المال وبعض الأكياس من القمح والشعير، ولكن الإشكال المطروح هو أن المسّبل الذي تعامل معه باعه هو نفسه إلى الجيش الفرنسي، فعذب لاستنطاقه إلى أن لفظ أنفاسه فوق البلاط البارد، ومع استشهاد هذا البطل المناضل، اختفى الشاهد الوحيد الذي كان بإمكانه الإدلاء بشهادة تنقذه من الذبح.
إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.
في تلك الأيام كان خائفاً، لا يستقر في مكان، ويعلن جهراً عن فرحه لاستقلال الجزائر، بعد الاعلان الرسمي والنهائي الاستقلال، كان يغادر القرية ويقف على تربة تحاذي شجرة خروب باسقة مورقة تنسدل بعض أغصانها إلى أن تلامس الأرض، يمسح السهول المترامية أمام بصره من الأراضي الخصبة، ويتنهد بعمق وحسرة، من سيخلف المعمرين في فلاحة هذه الخيرات الذهبية؟ من سيمتلكها؟ آه... لو تبيعها الحكومة إلى من يملك المال لأشتري قطعة واسعة، تمتد إلى غاية البحر. أقتني مذياعاً من المدينة خصيصاً لالتقاط الأخبار المهمة، كاد يغمى عليه حينما وصله خبر تأميم كل الأراضي التي كان يملكها المعمرون وتحويلها إلى مزارع مسيرة ذاتياً من طرف الفلاحين والقرويين، وعلى إثر ذلك أنشئت تعاونيات فلاحية خاصة بالمجاهدين الراغبين في خدمة الأرض، تبخرت أحلامه وفقد أمل امتلاك قطعة أرض يستثمرها، بعد تفكير حسابي دقيق وجد أن التجارة لمن يدرك تحريك حبالها بدهاء هي الضمان الوحيد الذي يسمح له بجمع ثروة كبيرة، في خضم الاحتفالات المبتهجة للاستقلال، وجد نفسه يتظاهر عبر شوارع القرية وسط جمهور غفير من الرجال والنساء والأطفال يتدثرون العلم الوطني أو قطع قماش خضراء أو حمراء، تنبه إلى الأمر وعلق علماً وطنياً في قضيب حديدي فوق حانوته وأصرّ على التحية الصباحية، فيطيل الوقوف خاصة إذا شاهد مجاهداً يمر عبر الشارع، في بهجة الأيام الأولى للاستقلال حافظ بعض المجاهدين على ارتداء الجاكتة العسكرية وحمل البندقية على الكتف أينما توجهوا، لذلك كان من السهل التعرف عليهم والتكلم معهم، كانوا يكثرون من الطواف ليلاً عبر الشوارع والأزقة الضيقة تحسباً لعدوان محتمل، فترات حرجة عايش بعضها في عزلة سيارته الفخمة التي وإن رآها أحد المصطفين في محطات النقل العمومي تحت أشعة الشمس المحرقة وطيران الغبار الملوث "والذي يتجمع في منخاري الأنف مكوناً مادة عفنة يابسة تسد الممر للهواء، فيحتار صاحب الأنف المكدس عن الوسيلة المثلى للتنظيف". يمسح ببصره المكان وتتسمر عيونه على الأصابع المتعددة المنشغلة باصطياد المادة المزعجة في اطمئنان كلي فيتشجع ويدخل سبابته المظفرة المتسخة ويبدأ عملية تنظيف الأنبوبين المنسدين دون أن يلفت النظر إلى تلك الفتاة الجميلة المتحضرة التي أشمأزت من المنظر وابتعدت ولكنها أين تهرب؟ المكان كله تحول إلى نهر للاصطياد فتتقدم من الاسفلت تترقب أو تاكسي لتغادر المكان بسرعة" فأنه لن يتردد من الصياح "آه.. لو أملك سيارة فخمة من هذ الطراز لما اشتكيت أبداً.. إنها تبعد الغمّ والهمّ والنرفزة" جاهلاً هموم صاحبها وإغراقه في بئر بلا قاع، كما تذاكر السرجان مع صديقه بومالح عبد المالك صاحب المنصب الحساس، فعرجا على الأيام التي كانا يقدمان رجلاً ويؤخران أخرى، قبل الانطلاق السريع نحو السلطة والجاه بفضل دهائهما في تحويل بعض أموال الدولة إلى جيوبهما، خاصة تلك الكمية الهائلة من المصوغات الذهبية المتنوعة التي تبرع بها أهل قرية عين الفكرون بحماس صادق، صادف أن كان بومالح على رأس القسمة، فكلف نفسه بجمع المجوهرات المنقذة من سنوات الشقاء بعد تقطير واقتصاد كانا على حساب البطن وحماية الجسم من البرد القارس، وايصالها إلى الخزينة العامة بالعاصمة، فتاهت نصف الكمية عبر سراديب مظلمة، وسط الطريق الفاصل بين القرية والعاصمة، تطوّع السرجان بكل فرح وسرور بحراستها في حفرةٍ آمنة ومضمونة، بعيدة عن الأعين الفضولية على ألا يكشف عليها إلا بعد مرور سنوات - اسمع يا سي عبد المالك باسم الملح الذي أكلناه معاً، أطلب مساعدتك.. إن حاجتي عندك أنت، أنا أريد بطاقة قدماء المجاهدين، ولا تسألني لماذا مثلما حقق معي ناس عين الفكرون فكرةٌ خطرت ببالي وصمَمت على امتلاكها ثم أحتفظ بها في جيبي أو احرقها فهو شغلي أنا وحدي.. تصوّر أن سي عمروش رفض ملفي- سأحضر لك شاهدين هنا في البيت ويمضيان بالرحب والسرور ونملأ الملف مثلما يحلو لنا، وستصلك البطاقة إلى غاية عين الفكرون.
- أنت لم تفهمني.. أنا لا أعيش في العاصمة، لو كنت كذلك لما احتجت إلى البطاقة نهائياً.
"الدزاير" مدينة كبيرة لا يعرفك أحد ولا يهتم بك الناس، سواء كنت بطلاً مثل عميروش أو حركياً مثل البشاغا بوعلام، ولكن هناك في عين الفكرون، الناس تعرف، والعيون ثاقبة والأفواه ثرثارة لا تصمت. أريد بطاقة نضال من قسمة عين الفكرون بالذات وبامضاء مصطفى عمروش شخصياً، إنه مجاهد من الدفعات الأولى ومعروف بنزاهته، إذا أمضى على ملفي ستسكت الألسنة المغرضة المنافقة، التي تبتسم في وجهي وتسخر مني في ظهري... تصّور أن ابنتي شفيقة الموجودة الآن في الجامعة، عادت مراراً إلى البيت باكية، شاهقة لأنها وجدت من يشتمها بابنة الحركي... وأنا أقسم بالحجات الثلاث التي قادتني إلى البقاع المقدسة بأنني ما خنت أبداً، تعاملت مع المير "مسيو غوميز" لأنني تعرفت عليه أيام كنت عسكرياً وهو الذي تمادى في البحث عني للمشاركة في جلساته الشيقة حول بعض الكؤوس اللذيذة، كان يلح ويكرر الدعوة كي أسهر معهم وأشرب كأساً من "البوردو" الله يغفر لي ذنوبي.. انقطع عن الكلام، أطرق بصره على الزريبة المزركشة ذات الأصل الايراني، المستوردة حتماً من أسواق مرسيليا، كأنه يتابع دعواه ويطلب المغفرة والتوبة الكاملة، أم أنه حنّ إلى طعم النبيذ بأصنافه المتنوعة الجزائرية والفرنسية وإلى الأيام التي سكر فيها حتى النخاع وخبط خبطة الكلاب قبل أن يغادر الحانة متمايلاً، يصهل بصوته المبحوح متصوراً أنه يغني تارة أغاني جزائرية وتارة أخرى أغاني فرنسية رسخت في ذهنه من فترة المدرسة الابتدائية التي قضى فيها بعض السنين قبل أن يطرد، ارتسمت على ثغره الواسع ابتسامة ماكرة، أظهرت نواجده والأسلاك البلاتينية التي تشد بعض الأسنان الإصطناعية، هز رأسه من اليمين إلى اليسار ثم أردف قائلاً مستمراً في حديثه الداخلي، كان صديقه يسمع إليه.
- للأسف، لم تكن تعرفني قبل الثورة، لو كنت تعرفني لكوننا ثنائياً رائعاً.. كنت أتمتع بصحة جيدة وراتبي الجيد كان يكفيني، أصرفه بالدورو على نفسي فقط، نساء خمر، ولائم في أحسن المطاعم.. آه على تلك الأيام! لولا الحرب... لعنة الله كبيرة على كل الحروب، في أية بقعة من العالم، مهما كانت دوافعها.
استرسل السرجان في رواية مغامراته الحاناتية والماخورية في بعض المدن الفرنسية التي تنقل عبر ثكناتها، جاهداً نفسه في استحضار جل التفاصيل من تقاسيم الوجوه، ونبرات الأصوت ومحتوى الأحاديث بالضبط، بنفس العبارات والوقفات الايقاعية، فيما جلس بومالح قبالته على الفوتاي الوثير، يتابع بصمت دون تركيز أو اهتمام، محاولاً التوغل إلى أعماق عقلية هذا العجوز الذي يصرّ على قطعة ورق لا قيمة لها بالنسبة إليه، وهو المالك من المال والمحلات التجارية والسيارات والشاحنات باعداد يعجز المرء على عدها دون الاستعانة بالحاسبة، يهز رأسه بالموافقة كلما توقف السرجان عن الحديث مستدركاً اياه بعبارة مثل أتسمعني جيداً ياسي عبد المالك" أو حينما يذكر له اسم رجل ما غاب عن حقل معرفته منذ سنوات، ليستفسرعن مكان وجوده، استيقظت شهية الكلام عند السرجان وخامره حنين إلى استحضار فيلم حياته، خاصة اللحظات السعيدة، كشريط يتمتع برؤيته وهو مستلق على الفوتاي المريح، وأمامه مستمع نموذجي يكتفي بالاستماع وهز الرأس بالموافقة وإن كانت ظاهرية فقط، دون اللجوء إلى استفسارات محرجة وتعليقات أخلاقية جارحة واطلاق أحكام قاطعة لا تقبل الطعن، ورغم انهماكه في الحديث الحنيني، لم ينس السرجان ارتشاف القهوة، شرابه المفضل في كل الفصول وفي كل الأوقات، فيضاعف عدد الفناجين حينما يصاب بالأرق ولا يعرف طعم النوم بسبب مشكل من المشاكل التي يتلقاها في تجارته، يرتشف الجرعات ببطء ملحوظ، محدثاً تصفيرة حادة، ترتفع تباعاً، وبعد أن يحط الفنجان على الصينية النحاسية، يقول بافتخار "المتعة في شرب القهوة تكمن في التصفيرة التي يحدثها الشارب، وهو يبلعها ساخنة... أنا لا أشرب ماء بل قهوة.." ويحبها ساخنة، تسكب في الفنجان مباشرة بعد اطفاء النار ولا يقبلها دافئة، فيهيج هيجاناً ويصيح شاكياً- كم يتقن فن الشكوى من كساد السوق وتعفن البضائع في المخازن وارتفاع أسعار الشراء بحيث يقنع المتعاملين معه حتى إن كان غير صادق مع نفسه، وما أكثر هذه الحالات التي سمحت له بشراء البضاعة بأثمان منخفضة وبيعها بغلاء فاحش- ثم يقوم من مكانه ويتجه صوبا نحو المطبخ ويشعل الفرن الغازي ويحضر القهوة بنفسه، رغم الحاح زوجته التي تشكو هي أيضاً من روماتيزم في المفاصل- هي كذلك تتقن فن الشكوى عن تدهور صحتها وعجز الأطباء عن شفائها وأنه "أي زوجها" سيكتشفها في أحد الأصباح جامدة في فراشها، وعادة ما تسترسل في بكاء وعويل خافتين يستمر يوماً كاملاً تلعن زوجها الذي فضل الاهتمام بتجارته قبل اهتمامه بها وذلك منذ السنوات الأولى من الزواج، وأهملها مثلما أهملها الأطباء الذين ينسوا من برئها ونفروا من تذمرها وشتائمها اللاذعة لكل الأطباء دون استثناء.
تدهورت صحتها وتضاعفت آلام جسمها، كما انهارت أعصابها وأصبحت مثل المطاط الذابل المهتري، الذي لا يشدّ شيئاً، منذ تلك الحادثة الغريبة والعجيبة النادرة، بل يمكن القول بأن مثل تلك الواقعة التي عاشها زوجها السرجان ومعه كل أهل القرية في رعب وخشوع، لا تحدث إلا مرة في سبعة قرون ويمكن ادراجها ضمن طرائف الكون التي لا يوجد تفسير عقلي لها، في تلك السنة، تأخرت الأمطار عن السقوط وعمّ جفاف لم يشهده البلد منذ أعوام، انتصف شهر جانفي ولم تستقبل الأرض الظمأى قطرة ماء واحدة، فلم يتمكن الفلاحون وعمال المزارع الحكومية من زرع أو غرس نبتة واحدة، تجمع الناس في المساجد وقرروا اقامة صلاة الاستسقاء كل يوم جمعة وفي كل قمم الجبال العالية، لعل الله يستجيب لدعواتهم ويرسل غيثاً مدراراً ينقذ البشر من التهلكة والأرض من الخراب والبوار، فكان الناس يجتمعون مباشرة بعد صلاة الفجر أمام المساجد ويقصدون القمم أفواجاً أفواجاً، راجلين ومضربين عن امتطاء كل أنواع النقل الحديثة من سيارات وشاحنات وحافلات ودراجات، أعدوا وسرجوا الحمير والبغال للمسنين من الأئمة والأعيان، وذلك لكي تصبح الصلاة أكثر نفعاً لأن المسلم يتوجه إلى ربّه عارياً من كل اختراعات الغرب الكافر، فيقف أمامه طاهراً عفيفاً خاشعاً، بل غالي بعض المتطرفين من الشباب أصحاب اللحي المكثفة الخصبة الأنيقة المعطرة، التي يعتنى بها بدقة ويخصص مشط لها وحدها واقترحوا لفظ اللباس الغربي وارتداء الجلابية والقندورة والبرنوس وحماية الرأس بشاشية بيضاء ويستحسن أن تكون هذه الألسنة مستوردة من مكة المكرمة، لتكمل شروط القيام بصلاة الاستسقاء، وتمنى بعضهم لو كان الماء الذي يحملونه في زجاجات بلاستيكية مستورداً هو الآخر من بئر زمزم، حتى يستجيب الله لدعائهم في الحين وتمتلي الأرض ماء قبل أن يغادروا القمم، راجعين إلى الأحياء المعمورة، ولكن كل هذه الصلوات لم تنفع في جلب الأمطار، بقي الجوّ جافاً والحرارة مضطربة والأرض تزيد انشقاقاً والأشجار يباساً والآبار القليلة التي ما زالت تحتوي على ماء للشرب جفت، حتى ظن الناس أن يوم القيامة قد اقترب ومعه ساعة الحساب والعقاب، فغصت المساجد بالمصلين الخاشعين الخائفين، وأغلقت الحانات أبوابها وأضرب الناس عن ملاعب كرة القدم يوم الجمعة ليخصصوا اليوم كله للعبادة والصلاة.
في الهضاب العليا، انسلخت الحلفاء وكل أنواع الحشائش الأخرى وطفقت قطعان الغنم تموت بأعداد هائلة حتى خاف الناس من انقراضها، مما أجبر الحكومة على استيراد كميات ضخمة من الشعير والتبن لانقاذها، وصلت البواخر مصفرة ورست في طوابير دامت شهوراً كاملة لإنزال البضائع المنقذة، وهنا تدخل التجار بحيل ملتوية ولم ينساقوا خلف موضة العبادة الجارفة، فاستولوا على كمية كبيرة من البضائع بالتواطؤ مع بعض الموظفين المرتشين فكدسوها في مخازن سرية، في انتظار انقطاعها نهائياً من السوق لبيعها بأثمان خيالية، يلزم المحتاج نفسه على الشراء أو بيع قطيعه بالجملة مثل البضاعة الفاسدة، ارتفع ثمن الحمولة الواحدة إلى درجة أن المربي يستطيع شراء الشاحنة ولا يمكنه شراء البضاعة التي بداخلها، ولم تفت السرجان هذه الفرصة الذهبية، فركض إلى اقتناء أطنان من الشعير وحزم التبن المستورد من بلاد بعيدة مثل أستراليا وكندا وأميركا، ثم وزعها من مخازنه المبعثرة، منتظراً اشتداد الأزمة كي يضرب ضربة العمر.
شاءت الصدف أن شبّ حريق مهول في أحد المستودعات في ظهيرة قائظة، اقتربت درجة حرارتها من الأربعين فأسرع الناس إلى اخمادها ثم وصلت سيارات المطافيء مصفرة، وتبعتها لاندروفر الدرك، وكم كانت المفاجأة صاعقة حينما اكتشف الجميع أن البضاعة هي تبن وشعير، ماذا تفعل هنا هذه البضاعة التي يتهافت عليها المربون لانقاذ المواشي من الموت المحتوم والانقراض؟ قام أعوان الدرك بتحريات معمقة، فاكتشفوا المخازن الأخرى، وسبق السرجان للاستنطاق نفي معرفته بها نهائياً واتهم بعض عماله الذين أرادوا الإغتناء من ورائه دون أن يحدد أسماً أو يوجه اتهاماً ضد شخص بعينه.
سيق العمال المكلفون بحراسة وتنظيف المخازن وسائق الشاحنات، وبعد استجوابات واستنطاقات عنيفة دامت أسبوعاً كاملاً، اعترف أحد السواق بأن السرجان هو الذي أمره بشحن البضاعة من المرسى واخفائها في المخازن، توسعت التحريات وتجاوزت صلاحيات فرقة الدرك المحلية، ولكن فجأة نزل أمر بالافراج عن الجميع والتوقف عن التحقيق، يكفي مصادرة البضائع، وارسالها فوراً إلى إحدى مدن الهضاب العليا، أفرج عن السرجان وعماله بعد أسبوع من الحجز المؤقت، وطوي ملف القضية كأن شيئاً لم يحدث.
خلال مدة الحجز، لم يكف السرجان عن اتصال بمعارفه الأقوياء في أجهزة السلطة المدنية منها والعسكرية، يطلب المساعدة ويذكرهم بخيره السابق وخدماته المجانية في نقل مواد البناء واعارة عماله لأيام، بل لشهور كاملة لتشييد بعض الفيلات الخاصة، حينما كان محجوزاً لم يكن يفكر إلا في كيفية النجاة بنفسه والخروج في أقرب وقت ممكن، وبعد الافراج عنه، غمرته كآبة مظلمة وحزن عميق منعه من الكلام واستقبال أصحابه الذين أسرعوا لتهنئته على الافلات من يد العدالة ومن المكوث داخل أربعة جدران رطبة لسنوات، لولا الرجال الأقوياء الذين دافعوا عنه في أعلى مستوى لغاب عن القرية لسنين طويلة وفيما كان هؤلاء يتوافدون أفراداً وأزواجاً، يتجمعون في الحديقة مصرين على مقابلته، أختلى السرجان بنفسه كئيباً، محطماً، في غرفته، بعد أن أمر زوجته بألا تترك أحداً يدخل عليه، وغرق في بحر من الحسابات العسيرة، فوجد أنه فقد أموالاً باهظة، دفعها لشراء البضائع ورشوة مجموعات من الموظفين، تبخرت في ثوان دون أن يتمكن من تسويقها أو الانتفاع بها بشكل من الأشكال، ومع كل الخسارة، تلطخت سمعته في الوحل، خاصة عند أهل عين الفكرون الذين سيكثرون من الحديث عنه ويتهمونه جهراً بالاختلاس والسرقة والمتاجرة في السوق السوداء، وهوالمحافظ دائماً على أن تكون سمعته طيبة ظاهرياً.
لماذا لم يوزعها مجاناً للناس ينتفعون بها مثلما سمع الامام يروي عن أحد الصحابة، الذي تبرع بألف جميل محملة بالبضائع في سنة من سنوات انتشار المجاعة؟ ولماذا لا تكون هذه الكارثة عقوبة إلهية نزلت عليه؟ فكيف يستغل ظرفاً مأساوياً ليجمع مالاً حراماً؟ يشكو الناس من الجفاف وتموت قطعان الغنم طراداً، فيما كان قلبه منسداً لدخول الرحمة والشفقة، لم يكن السرجان متديناً في شبابه ولكن مع تقدم العمر، أصبح يتردد على المساجد للصلاة ويجالس الأئمة، يسمع منهم الوعظ والارشاد، فامتلأت نفسه بعاطفة دينية، أصبح يميز بين الحلال والحرام دون أن يطبقه في سلوكه التجاري، في خلوته تلك فكر في جميع هذه المسائل، مما زاد من كآبته وحزنه، فأصيب بنوبة قلبية، أفقدته وعيه وأدخلته في غيبوبة جعلت زوجته تعتقد بموته وتطلق صراخاً مدوياً، انتشر صداه عبر أرجاء البيت كله، دخلت غرفته بعد منتصف الليل، بعد أن تخلصت من النساء الزائرات فلقيته ممدداً على ظهره دون حراك، اجتمع الناس مرة أخرى في منزله وحضر الإمام، قلب الجثة بحذر فوجدها هامدة، ألصق احدى أذنيه على الصدر، فلم يستمع إلى ذلك الخفقان المنتظم، فاستغفر الله وتلا الفاتحة ودعا طويلاً، ثم أعلن للحاضرين أن السرجان انتقل إلى رحمة ربه.
وما أن أدركت القرية الصباح حتى علم أهلها كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، بوفاة السرجان تحت ضغط المصيبة التي نزلت عليه، ابتسم البعض فرحين معتبرين الموت في مثل هذه الظروف عقاباً وجزاء من الله الذي يمهل ولا يهمل، حضرت العائلة مراسيم الدفن في اليوم ذاته، وما أن آذن المؤذن لصلاة الظهر حتى انطلق الموكب الجنائزي نحو المقبرة الواقعة في طرف القرية الشرقي، توقف المشيعون عند باب المقبرة، بمحاذاة صف من أشجار السرو والتين لاقامة الصلاة على روح الميت، ما أن انتهى الدعاء الأول وانتصفت الوقفة الخاشعة، حتى حدث العجب العجاب الذي أرغمهم على هجر الصلاة قبل انتهائها والركض في جميع الاتجاهات تاركين أحذيتهم، وعيونهم زائغة لا تصدق ما تري، نعم، لقد تحرك جسم السرجان الممدد فوق التابوت الخشبي الأخضر اللون، وأصدر آهة ثم انتفض جالساً يتخبط في كفنه الأبيض الناصع، أزاح القماش من على وجهه وانتصب وافقاً يتفرس ببصر حائر الأشباح البشرية المهرولة عبر كل شبر من الأرض الحجرية المسننة والأشواك اليابسة وهي حافية القدمين، تاركة المساحة المسطحة بعناية، المخصصة للصلاة، مغطاة بالأحذية من كل الأنواع والمقاييس، سقط الكثير على الأرض من الارتباك والخوف، فنهضوا في لمح البصر دون أن يجرؤوا على الالتفات خلفهم والتأكد مما أفزعهم، بعد أن كان المكان غاصاً بالناس، أصبح خالياً مخيفاً مكث السرجان بغطائه الأبيض كشبح ليلي، يحاول هضم ما جري له، مسح ببصره المقبرة وأمعن نظره التائه في الكتان الناصع والتابوت، فأدرك لتوه أن الناس اعتقدوه ميتاً، فرافقوا جثته إلى مقرها الأخير، فارتعد لفكرة استيقاظه وهو تحت التراب على عمق مترين، لو حدث ذلك لعاش لحظات رعب وفزع حقيقية قبل أن يختنق ويستأنف موته بشكل نهائي، لا يقبل الشك.
قفز من فوق التابوت وجرى يريد اللحاق بالمشيعين الفارين صائحاً بصوت مستغيث: يا ناس.. يا أهل البلد.. انتظروني.. أنا حي، لم أمت.. لا تخافوا، أنا سي أحمد السرجان.. أنا حي.. أنا حي..
كان يصرخ بأعلى صوته ويحاول لم أطراف الكفن الذي انفصل عن بعضه البعض، فيشده بيد، فيما يشير بيده الأخرى رافعاً اياها فوق رأسه، دخل القرية عبر الشارع الرئيسي ماشياً وسط الطريق الاسفلتي الخالي من المارة على غير عادته، اختفى الجميع وحصنوا أنفسهم وراء الأبواب يطلون من خلال ستائر النوافذ أو الشرفات، يترصدون أخبار الميت الحي الذي سبقه صوته المدوي عبر الأزقة مستغيثاً طالباً الاعتراف به ككائن حي، وصل الخبر كالبرق إلى بيته الفائض بالنساء المعزيات، فتبعثرن عبر جميع الفتحاة الموجودة، يبسملن ويحولقن، مكثت زوجته وحيدة مع ابنتها شفيقة، تطل من الباب الخارجي في تلهف، غير مصدقة ما التقطته أذناها وسط العويل والبكاء المفتعل والدعوات والصلوات الخافتة، ولكنها حينما أبصرته قادماً نحو الباب، هربت راكضة وأغلقت باب المطبخ على نفسها تصطك أسنانها من الخوف، غمرها شعور طفيف من الفرح لرجوع زوجها حياً، ولكن هل يبعث الأموات أحياء؟ هذا ما لم تتمكن من الاقتناع به، شفيقة ابنتها هي الوحيدة التي تشجعت واستقبلت أباها على عبتة الباب، لأنها لم تصدق حكاية عودة الميت من الآخرة مثلما هو راسخ في أذهان الجميع، هي طالبة ثانوية، في الفرع العلمي، وقرأت في احدى المجلات عن أشخاص يصابون بسكتة قلبية ويبقى قلبهم نابضاً ببطء ومهل لا ينتبه له إلا الطبيب المختص وبأجهزة مساعدة، فيظن الناس البسطاء بأنه فقد الحياة ويقومون بدفنه، وقطعاً سيكون أبوها قد تعرض لمثل هذه الحالة النادرة، في ذلك المساء والأيام التي تلته، لم يقدر أهل القرية التطرق إلى حديث غير عودة السرجان من الآخرة، طار الخبر مع الريح إلى القرى المجاورة، فتكلف بعضهم عناء السفر للتأكد من واقعية الحادثة.
تكلم الناس وقالوا أشياء عجيبة، قال أحد الشيوخ بأن السرجان سيعمر أزيد من قرن، وقال الامام بأن هذه العودة الميمونة سر من أسرار الله الذي ليس للبشر الحق في الكشف عنه، ثم أضاف بأن السرجان له صفة الأولياء الصالحين لأن الله نبهه في دنيا الفناء قبل دنيا الخلود، لذلك، فعليه أن يكف عن التجارة بالحرام وأن يتصدق كثيراً وعبر كل أيام السنة، وأن يبني مسجداً بالربح الحلال ويحج بيت الله سبع مرات متتالية، ليغسل عظامه ويطهر روحه، وصل الخبر إلى الدرويشة لآلة عويشة البوسعادية، فقلبت أوراقها تسعاً وتسعين قلبة، ثم ترقبت النجوم سبع ليال متتابعة، وبخرت بأعشاب نادرة جلبتها من أدغال جزر بعيدة، وأخيراً وفي ليلة قمرة، ساطع ضوؤها، كشفت نبوئتها، قائلة بأن السرجان سيموت بالرصاص وسط جميع غفير من الناس، تسربت هذه النتيجة إلى أهل القرية الذين ابتسموا مستهزئين، فكيف يموت الانسان بالرصاص في زمن الاستقلال ووسط رهط من الرجال؟ هل سيعمر السرجان تسعة قرون مثل سيدنا نوح وتضطرم نيران حرب ضروس ويسقط ضحيتها؟ هذا كلام عجوز تخرف وتهذي وتقول طلاسم لا تفك.
وقال طالب فلسفة، تبحر في دهاليز علم الكلام، مسقياً بتمرد نيتشه وشكوكه، يكون قباض الأرواح قد أخطأ في الاسم أو الرقم، وحينما اكتشف عزرائيل الغلط أسرع لتصليح الوضع، فأرجع الحياة إلى السرجان ليسلبها من صاحبها الأصلي القابع في بقعة ما من بقاع الدنيا الواسعة، آمناً مطمئناً في التلذذ بمتاع الدنيا، غير آبه بمصيره المحتوم.
وتهاطلت على السرجان أسئلة لم يعرف كيف يجيب عنها، هل شاهد الآخرة؟ هل كلمه عزرائيل؟ هل خاطبته الملائكة؟ هل التقي بوالده أو جده أو أحد أعيان القرية الأتقياء؟ حادث عجيب بقي راسخاً في أذهان سكان المنطقة كلها، حتى أضحى فاصلاً تاريخياً، تحدد بواسطته الوقائع والوفيات والولادات.. ولد فلان في السنة الموالية لعودة السرجان من الآخرة، هاجر فلان إلى فرنسا قبل تلك السنة بكذا سنة، حج فلان بعدها بكذا سنة.
منذ تلك الظهيرة، أضحت زوجة السرجان مريضة باستمرار ولم تنفع الأدوية التي كثرت إلى درجة أنها خصصت لها ثلاجة منفردة، لا أمل يرجى من شفائها ولا قافلة الأطباء التي زارتهم، سواء في العاصمة أو في فرنسا، روماتيزم مع حالة نفسية متدهورة نغصت وكدرت حياتها، فعرفت الأرق وانقطعت شهيتها وتعكر مزاجها إلى حين أصبحت تنفجر ثائرة لأي سبب مهما كانت صغيراً أو تافهاً، فعادة ماكانت تستيقظ وسط الليل وتدور بين الغرف والابهاء كالنحلة العمياء، ثم تخرج إلى الحديقة باحثة عن تسلية تلهي بها نفسها من الفراغ والصمت والسهاد.
ولم يفقد السرجان الثقة في نفسه، وفي سلطة أمواله حتى في تلك اللحظة التي شاهد فيها مصطفى عمروش قادماً تجاه المقهى، يمشي بخطى سريعة بدا له أنه يجري فوق الاسفلت المحترق تحت الأشعة المنثالة كرصصات الكلاشينكوف.
كان السرجان وافقاً وسط المقهى متكئاً على الكنطوار الطويل بمرفقه الأيسر، فيما أمسك فنجان قهوة في اليد الثانية، وهو ما فتيء يتحدث إلى مجموعة من الرجال الواقفين في حلقة دائرية حوله، رافعاً صوته المبحوح كي يسمع جميع الزبائن المنتشرين حول طاولات الصالة العريضة، منهمكين في لعب الدومينو والكرطة، يحتسون زجاجات "الغازوز" الباردة لابعاد العطش الذي لا يفارق حلوقهم إلا لدقائق ثم يعود أشد الحاحاً واضطراماً، ليس من عادته الالتحاق بالمقهى إلا بعد أن تنزل الحرارة ويبرد الجو، أي بعد الخامسة.
بعد الغداء، تمدد قليلاً على فراشه كي ينام بعض الوقت، دون أن يجد له طعماً، كأنه استيقظ لتوه من سبات دام يوماًوليلة، لم يطق نفسه في هذه الوضعية، فنهض وغادر البيت بقندورته التي يرتديها دائماً وهو داخل الدار، دون أن يحدد في ذهنه مكاناً بعينه يقصده قبل أن يجتاز السياج الخارجي، فكر في ارتداء بذلته الصيفية، لكنه تكاسل عن العودة إلى غرفته وتغيير ملابسه، يبعد قصره الجديد الذي بناه في السنوات الأخيرة عن البنايات الأولى للقرية بحوالي كيلو متر ونصف، ظل واقفاً قرب الجدار الفاصل بين الحديقة والطريق البلدي، تردد في قطع المسافة راجلاً تحت الحرارة القائظة، فكر في اخراج سيارته من المرآب العائلي، لكنه عدل عن الفكرة وانطلق في مشي بطيء نحو وسط القرية.
بعد أن تحقق الجزار من شخصية السرجان القادم إلى القرية، وفي ذلك الوقت بالذات وتحت هذه الأسهم من النار المنثالة بلا رحمة، تشاءم وطلب من الله أن يمرر اليوم بسلام، إذ منذ أن سكن السرجان منزله الجديد لم يره قادماً مشياً أثناء الظهيرة بالجلابية والبليغة، كان يتأهب لغلق حانوت جزارته بعد أن تأكد من اختفاء جميع السكان في المنازل أوالمقاهي هروباً من الحرارة غير المحتملة، فانتظر مرور السرجان قرب حانوته، فبادره قائلاً والفضول يبرق في حدقتي بصره لمعرفة السبب المقلق الذي أخرج السرجان في هذا الوقت بالذات، خاصة بعد الاشاعات التي تحاك حوله هذه الأيام- واش ياسي أحمد، طردتك الحرارة اللعينة من الدار... - أيه ياسي محمد... إن هذه الحرارة لا تبشر بالخير، لو لم يخف الانسان أن يتهمه الناس بالكفر لقلت بأن الله نسي هذه القرية، وهذه البلاد نهائياً. ففي فرنسا ياسي محمد بلد الكفار مثلما يقولون، المطر ينزل حتى في الصيف، بقيت سبع سنوات ولم أشاهد نصف هذه الحرارة، أما الأنهار، فلا يعبرها الناس إلا بالزوارق الكبيرة.. أما في هذا البر الخالي فتقول أن الله غاضب علينا منذ الأزل.. كان السرجان منفعلاً وقلقاً، فاستحلي الحديث مع الجزار، متبادلاً معه بعض الأخبار، ثم أكمل طريقه نحو المقهى متحملاً العرق الذي بلل ملابسه الداخلية والصقها مع اللحم، كانت هذه المرة هي الأخيرة التي رأى فيها الجزار السرجان، إذ مباشرة بعد انهاء الحديث الثنائي بينهما، أسدل الستار الحديدي والتحق ببيته، تناول غذاءه، وتمدد في نوم لذيذ مريح، ولم يستيقظ إلا تحت صياح ابنه البكر، العائد من وسط القرية: بابا.. بابا.. قتل السرجان بالرصاص..
الفصل الرابع
كان الرواق طويلاً وعريضاً ومكتظاً بالطلبة المتحركين في ذهاب وإياب مستمرين، والواقفين أزواجاً وأفواجاً، ذكوراً وإناثاً، كان القلق والإرتباك ظاهراً على وجوه وحركات الكثير منهم، يبدو أنهم ينتظرون شيئاً ما، منذ الصباح والطلبة يختلفون إلى ذلك الرواق، ويحدقون بتفحص متلهف إلى الواجهات الخشبية، لعلهم يحظون برؤية تلك الأوراق التي تحمل اسم الناجحين في الإمتحانات النهائية للسنة الدراسية، كان الحديث كله يدور حول النتائج المحتملة وكيفية تصحيح الأساتذة، وتداول بعض الأخبار المتسربة من اجتماع الأساتذة للمداولات حول النتائج والتي يروجها بعض أعوان الإدارة الذين بدأت تصلهم القوائم الأولى للناجحين.
تعب جمال عمروش من المشي، فأسند ظهره إلى الحائط ثم فتح كتاباً كان يتأبطه تحت ذراعه الأيسر وشرع في القراءة بشكل متقطع، فلم يغرق كلية في القراءة لأن نظره كان يغادر الخطوط السوداء الساحرة، ويمسح الرواق جهة اليمين، وجهة اليسار، يتفرس الوجوه بتلهف، ولما لم يتعرف على قسمات أليفة، يعود بتثاقل وخيبة أمل إلى الصفحة المعروضة أمامه.
يقضي جمال عمروش أيامه الأخيرة في الجامعة قبل العطلة الصيفية والعودة إلى قرية عين الفكرون، كان طويلاً ونحيفاً يشبه أباه، وكان يطبعه خجولاً يميل الصمت والإنطواء، لم يكن باله مشغولاً بنتائج امتحانات آخر السنة، فقد اجتهد وسهر الليالي كعادته، لذلك كان واثقاً من النجاح إذ لم يرسب في مادة واحدة منذ السداسي الأول، وهو الآن يشرف على انهاء السنة الرابعة، ليتفرغ لعطلة صيفية هادئة بين غابات ووديان عين الفكرون، يفضل المشي والجلوس بعيداً عن ضجيج الناس والسيارات، فيقضى معظم أيامه في تفحص أنواع الحشرات والحيوانات البرية والمائية حتى كاد يتعرف على جميع عاداتها ومميزاتها الأساسية.
منذ صغره، وهو يتهرب من الركض بين المنازل والأزقة والصياح والصراخ، ويقصد الوادي القريب يسترق السمع إلى خرير الماء وزقزقة الطيور المتنوعة وأصوات الحيوانات الأليفة الصادرة من أماكن مجاورة، فيتلقاها خافتة هامسة، غير مزعجة ولا منفرة ولا مخيفة، في الوادي الذي يضيق في المنعرجات ويتسع في المساحات المستقيمة، يتتبع جمال عمروش حركات الضفادع والأسماك والأحناش غير السامة، يصطاد بعضها حية، تتلوى بخفة بحيث يصعب الإمساك بها باليد فهي لزجة، مبللة ، تتخبط بعنف وهي تغادر قاع الوادي، كان جمال يستعين بكيس خيشي، يربطه مع طرف قصبة طويلة ويجره داخل الماء ضد التيار الضعيف، في البداية، كان يتأمل الكيس ويتأمل الحيوان المائي بفضول عالم، ثم يعيده إلى الماء قبل أن يختنق ويلفظ أنفاسه، وبعد ذلك مع مرور الوقت، اطلع في كتاب علمي أن بامكان الانسان المحافظة على الأسماك والبرمائيات حية بادخالها في بوقال أو زجاجة مليئة بالماء وبعض الحشائش التي تنبت في قاع الوادي وعلى أطرافه، بهذه الطريقة، جمع عدداً لا بأس به من الزجاجات والبوقالات المليئة بأنواع شتى من السمك والحنش والسرطان، وخبأها وسط خميلة من القصب على الضفتين، عادة ما كان يمركز مكان سمكة كبيرة في بركة عميقة مغطاة بالحشائش البنية اللون، المائلة إلى السواد الطفيف، فينتظرها في وضعية ثابتة ساكتة مثل الصنم، لساعات يترقت لحظة بروز رأسها أو جسمها ويتأمل حركتها بلذة منقطعة النظير، وكان أيضاً يصطاد الطيور بواسطة الدبق الذي كان يصنعه بنفسه من الصمغ الصنوبري ، وكان يفضل العصافير الملونة . فيحتفظ بها داخل أقفاص صغيرة يصنعها أيضاً ويطلق سراح الأنواع الأخرى مثل الدوري والمرفو والجحموم... ففي حصص العلوم الطبيعية، اعتاد احضار، نوع الحيوان أو الحشرة أو السمكة التي يدرسونها إلى القسم وإبهار الأستاذ بمعلومات كثيرة حول حياة الحيوان وعادته وأمكنة تواجده.
إنساق جمال عمروش للحظات خلف ذاكرته والحنين إلى الطفولة الهادئة الثرية، والأماكن المظللة على ضفاف الوادي، حتى كاد يستحضر الأصوات والروائح ذاتها داخل الرواق المكتظ ولم ينتبه إلى الحركة الرشيقة لفتاة خمرية، تتقدم نحوه بابتسامة عريضة ترفرف على شفتيها الموردتين بالمُحَمَّر، تجرّ خلفها شعراً منسدلاً على كتفيها النحيلين وتحمل محفظة جلدية سوداء، قبل أن تباغته بتحية دافئة بصوتها الممتلىء العذب، رفع رأسه من على الكتاب كأنه أحس بقدومها، اعتدل في وقفته وهيأ نفسه للقاء الثمين، ارتخت قسمات وجهه وارتسمت على ثغره ابتسامة خجولة ومد يده للمصافحة.
- أهلاً بك شفيقة.. تأخرت كثيراً هذا الصباح .. حطت محفظتها على الأرض، تأوهت من التعب وقالت بعصبيه.
- مشكلنا الخالد.. النقل.. أخاف أن تتعدى سنة ألفين وأزمة المواصلات تطاردنا، تصور أنني وقفت في المحطة على الساعة الثامنة إلا لربع.. انتظرت حتى فقدت الأمل، وكدت آتي راجله أو أستعين بالأتوستوب، ثم عدلت عن الفكرة ورضخت لنزوة الحافلات.. ساعة ونصف وأنا مسمرة في المحطة.. الحافلات التي مرت كانت غاصة تكاد تنفجر، ولم تتوقف، وإن توقفت أنا لن أجروء أبداً على الركوب وسط الهجوم البشري، كأنهم يتأهبون للافلات من زلزال مهول أو هجوم نووي...
صمتت فجأة وهي ترد أنفاسها، كان التعب بادياً على وجهها المتلألأ بحبات العرق، تأملها جمال جيداً باختلاس نظرات خاطفة أثناء حديثها، ثم اقترح عليها البحث عن سلالم فارغة للجلوس وإبعاد التعب الجسدي، كان بدوره مرهقاً من الوقوف ولكن رغبة الاختلاء بشفيقة في مكان منعزل، بعيداً عن الأنظار الفضولية، هي التي أملت له الاقتراح، كان يشتاق المكوث معها في أمكنة غير مكتظة، كأن مجرد الوقوف بجانبها يعتبر فعلاً يجذب كل الأنظار المجاورة، لذلك يفضل اجتنابها بالاختلاء.. لم تكن علاقة جمال ابن مصطفى عمروش وشفيقة بنت السرجان حديثة العهد، تعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية في المدرسة المختلطة بعين الفكرون، التحقا مقاعد الدراسة في سنة واحدة، وكانا يتناوبان على المكانة الأولى في تنافس صامت أول الأمر ثم كبر التنافس ومع التحدي الصامت أيضاً.
جمال ، طفل خجول وذكي باعتراف المدرسين جميعهم، فيما اتسمت شفيقة بالاقدام وحب التفوق جهراً، تلميذة مشاكسة قليلاً، لكنها مجتهدة وتعلن دائماً لصديقاتها وأصدقائها في المدرسة إنها ستكون الأولى في الامتحان وذلك قبل توزيع النتائج، كانت تجلس في الطاولة الأولى أمام مكتب المعلم أوالمعلمة وتبتلع كل كلمات وعبارات الدرس، وإذا طرح سؤال ما، ارتفعت يدها قبل الآخرين مع الاصرار بـ" أنا سيدي.. أنا سيدي.." وعادة ما تقف في اندفاعها، بيدها المائلة تجاه المكتب حتى تكاد تلامس وجه المعلم.
كانت إجاباتها في غالب الأحيان صحيحة ولا تحتاج إلى الزيادة، لذلك كان بعض المعلمين يرتأون تجاهل الحاحها كي يمنحوا الفرصة لأخرين في المشاركة، وهي لا تمل ولا تيأس بل تبقى يدها مرتفعة وصوتها مدوياً حتى يطلب منها الاجابة، فيما كان جمال ينزوي في الطاولة الأخيرة قرب النافذة، فلا يحدث حركة أو صوتاً يجلب الانتباه نحوه، يكتفي بالصمت والاستماع، لم يكن يسمع صوته خلال الدرس وحينما يطرح المعلم سؤالاً، يجيب لنفسه لاغير.
في السنة الأولى، كان المعلم والتلاميذ قد رشحوا شفيقة إلى المرتبة الأولى دون منازع لما أبدته من حيوية ونشاط واهتمام واستعداد دائم للحفظ، وأول المندهشين هو المعلم ثم التلاميذ بعد توزيع كراريس الامتحان وتصنيف جمال في المرتبة الأولى، طلب منه المعلم الحضور إلى السبورة لأخذ دفتره، فتردد طويلاً قبل أن يغادر مقعده ويتجه نحو الجهة الأمامية للقسم، مطأطيء الرأس، خجولاً، لايعرف ماذا يفعل بيديه المتدليتين، أشبعه المعلم مدحاً واطراء وطلب منه المشاركة في اثراء الدروس مستقبلاً، انتفض قلب شفيقة وامتلأت عيناها بالدموع وهي تشاهد الطفل النحيل، الخجول يتقدم بخطى متعثرة لاستلام دفتره.
كيف حدث وانتزع منها المرتبة الأولى؟ من أين مرق كالجن؟ لم تنتبه لوجوده بتاتاً، بقيت تحدق في سحنته الهزيلة وسمرته القوية كأنها تشاهده لأول مرة، وفعلاً كانت تتفرس في وجهه، تحاول التذكر أن رأته قبل تلك الدقيقة، في ذلك الحين أقسمت في نفسها على التفوق عليه في الامتحان المقبل، ولكن لم يتم لها ذلك إلا في الامتحان الثالث والأخير حيث تساوت معه في مجموع النقاط واحتل الاثنان المرتبة الأولى.
كانت علاقة شفيقة بأبيها علاقة متينة وحميمة، إذ تروي له كل مساء ما حدث لها خلال اليوم في المدرسة أو خارجها.
في السنة الأولى، كانت دائماً تخبره بأنها ستتفوق على جميع التلاميذ وحينما لم يتم ذلك عادت إلى البيت تكفكف دموعها وتشهق بصوت مرتفع، في البداية قهقه أبوها استخفافاً واستهزاء بالموقف، ثم حاول تهدئة حزنها قائلاً بأن المراتب العشرة الأولى كلها جيدة وتستحق التشجيع، فينبغي لها أن تفرح كثيراً، أخذها من يدها إلى حانوته وملأ ذراعيها بعلب الشكولاطة والحلوى والملبسات، ولكنه بعد أن عرف اسم المتفوق سكت عن الكلام والضحك واسترجع ذكريات شعر فيها بالاهانة واحتقار نفسه وتمتم بخفوت مرتبك.
"بعد الأب، ها هو الابن يهين أيضاً ابنتي ويظهر لها قوته وغروره.. لولا الدنيا بنت الكلب، لكان هذا الطفل ابني، ولافتخرت به مثلما يفتخر السلطان بولي عهده".
أصبح السرجان بعد ذلك يعير اهتماماً مبالغاً بدورس ابنته ويستقصي أخبار جمال باستمرار، يحرض شفيقة على المذاكرة والحفظ كي تتفوق على الجميع بمن فيهم جمال عمروش، وليدرك أهل القرية جميعهم أن السرجان ذكي وخلف طفلة ذكية ستصبح في يوم ما طبيبة، وسيفتح لها عيادة كبيرة قرب حانوته تفتح على الشارع الرئيسي، كان جمال هو البكر، فيما كانت شفيقة هي الصغرى والبنت الوحيدة وسط جيش من الذكور، لم يفلح أحدهم في اجتياز الشهادة الابتدائية، فالتحقوا بتجارة أبيهم المتنامية باستمرار.
عاشت شفيقة مدللة، يغمرها الجميع بحب قوي، والويل لمن تعدى عليها أو ضربها من بين الأولاد في المدرسة أو في الطريق؟ كان شعور أفراد عائلتها موحداً حولها، إلى أن نالت شهادة التعليم المتوسط وجمعت المعدل الكافي للانتقال إلى الثانوية الواقعة في مقر الولاية البعيدة من عين الفكرون بمسافة خمسين كليومتراً، فوقف أخوها الكبير ومعه بقية أخوته ضد انتسابها إلى القسم الداخلي للثانوية، متعللين بأسباب أخلاقية، منطلقين من الشائعات المتعددة التي خيمت على المنطقة منذ فتحت الثانوية المختلطة أبوابها، قاومت شفيقة هذا الرفض بعنف وشراسة واتهمت أخاها البكر بالجهل والتخلف، محمية من قبل أبيها الذي لا يرفض لها طلباً، والذي يغذي شعوراً مبطناً أن يراها في يوم ما حكيمة تداوي المرضى، زيادة على أنه علم بنجاح جمال وانتقاله إلى الثانوية فكيف يتابع جمال دراسته فيما تركن شفيقة في البيت تنتظر عريساً ينقذها من السأم والملل السجن؟ حسم الأمر بجد وأسكت أولاده الشجعان الذين يحافظون على شرف العائلة، قائلاً بأن شفيقة تربت أحسن تربية وهي التي تحافظ وتصون كرامتهم وشرفهم فستلتحق بالثانوية، وإذا صدر سلوك شاذ، حينئذ لهم الحق في الكلام.
انتقطع الحبل الذي يربط رأي العائلة حول شفيقة فظهرت خصومات صامتة أحياناً، تحدي بالنظرات والابتعاد المتعمد، وبالمواجهة العنيفة أحياناً أخرى بين شفيقة وأخيها الكبير بعد عودتها في نهاية كل أسبوع من الثانوية ، تسلم على الجميع وتتبادل معهم الحديث، لكنها تتجاهل وجود الأخ الكبير الذي كاد يحرمها من الحلم الجميل الرائع إلاوهو الدراسة ومعها الحرية والعاصمة، أما جمال، فإنه عاش حياة عائلية هادئة، عرف منذ صغره بأنه يتيم الأم، عرف ذلك من جده لأمه الذي أخبره وهو لم ينه التعليم الابتدائي باستشهاد حورية أمه بين المجاهدين، وعليه أن يفتخر بها كثيراً، لقد ضحت بحياتها من أجل أن يعيش هو حراً طليقاً، يتذكر الصور الأولى الراسخة في عمق ذاكرته، تعيده إلى دار جده، في أحد الأيام حضر رجل بلباس المجاهدين وقال له جده بأن ذلك الرجل هو أبوه الذي هبط لتوه من الجبال، اكتفى جمال بالنظر إليه دون أن يتحرك، أصبح الرجل بعد ذلك اليوم يتردد على دار الجد ثم في صبيحة من الأصباح، غسلوا له جسمه بحفاوة كبيرة، ألبسوه ملابس جديدة وانتظر إلى أن حضر الأب وأخذه معه إلى دار جديدة بعد أن أفهمه بأنه سيقيم معه بصفة نهائية.
كان أبوه مصطفى عمروش حديث العهد بالزواج، فسكن في دار كبيرة، هجرها أحد المعمرين.
ترعرع جمال بين حنان الأب والزوجة الجديدة التي لم تبخل بالعطف والكرم والكلمات الطبية تجاهه، أصبح يحبها كثيراً ويناديها بأمي بصدق واعتزاز دون أن ينسلخ كلية عن دار جده، فكان يقضي فيه أوقاتاً طويلة يلعب مع أخواله الصغار الذين لا يكبرونه إلا بسنوات قليلة جداً.
في عمق عاطفته، كان يعتبر نفسه دخيلاً مزعجاً لحياة أبيه وزوجته، لذلك تعمد الابتعاد عن البيت طول الوقت، فكان ينزوي في ركن، فينشغل بلعب ما في صمت، يخال للحاظر أنه غائب عن الدار، لايظهر إلافي أوقات الأكل والنوم أو حينما تناديه زوجة أبيه لتطلب منه قضاء حاجة ما من السوق أو من عند أهلها، فيستجيب للطلب بأسرع ما يمكن، خائفاً من المماطلة أو الوقوع في خطأ ما، فلم يكن يكثر من الثرثرة وكان ينسحب بصمت وخفة حينما يشعر بأن الحديث الدائر بين أبيه وزوجته لا يخصه، بعد دخوله المدرسة، وجد ميداناً ثرياً لتحقيق صمته والهروب من الفراغ والانطواء الشاغر، فعكف على المطالعة والكتابة وحل التمارين الرياضية واللغوية كلها، حينما كان ينتظر شفيقة في الرواق الفسيح وعيناه تجولان فوق الخطوط السوداء التي لم ير منها إلا الرسم الخارجي الممتد عبر الخط المستقيم، استرجع اللحظة التي كلمته شفيقة بكبرياء واعتزاز لأول مرة، بعد ارجاع كراريس الاختبارات قائلة "سأتفوق عليك في المرة القادمة"، ثم وقفت سادة باب الخروج أمامه، فلم يعرف كيف يجيبها، لقد أخرسه خجله وبهره اقدامها، أراد أن يعترف لها بأنه لم يجتهد لأنه أراد المرتبة الأولى، بل كان يتقن الاجابة لفضوله في معرفة كل شيء عن الدروس المبرمجة، فلا يضع كراسه أو كتابه إلا بعد أن يستوعب كل الجزئيات ويحفظ كل الجمل والعبارات، وكان قبل أن يستغرق في النوم، يعيد بالذاكرة ما حفظه في تلك الأمسية، وإذا تعذر استرجاعها، ينهض لتوه من الفراش، ينير الشمعة أمامه ويراجع الدرس مراراً حتى يتأكد من حفظه جيداً دون تلعثم أو تردد ما، لم يكن يتطوع للاجابة عن أسئلة المعلم، ولكنه إذا سئل شخصياً، ينطق بها كاملة شافية، بسرعة ملحوظة، في خط واحد، ثم يسكت فجأة، وعادة ما كان المعلم يلجأ إليه حينما يعجز الجميع عن العثور على الاجابة الصحيحة، وخاصة في مادة الحساب والرياضيات فيما بعد.
ولما أصرت على التفوق عليه في الامتحانات، ولم تستطع، أصبحت معجبة بقدرته وذكائه حتى اقتنعت بتفوقه الدائم، وعادت تلجأ إليه عندما يستعصي عليها حل مشكلة ما وخاصة في مادة الرياضيات، فرضيت بالمرتبة الثانية، دون أن تفقد الأمل في خلعه عن العرش في يوم ما، بدوره، أعجب جمال بها منذ الصغر دون أن يمنح لهذا الاعجاب معنى واضحاً بيناً.
طفق جمال يحقق ذاته ويعيش لحظات صفاء وسعادة تكاد تكون كلية، بعد اكتشافه لثراء الطبيعة المجاورة لقرية عين الفكرون من غابات ووديان، فانغمس في رغبة فضولية ضاغطة تحثه على معرفة أنواع النباتات وأسمائها، كان يلجأ إلى أبيه أو جده يطلب معرفة اسم النبات، وإذا اتضح جهلهما، يخترع للنبتة اسماً خيالياً ويقوم بنفس العملية مع أنواع الحشرات والأسماك، حتى اجتمعت لديه أسماء لا حصر لها، بعضها مخترع وبعضها حقيقي، كان يتشوق لوصول العطل الأسبوعية والموسمية كي يتفرغ لعمله الخاص العجيب، في البداية نهره الأب عن الغياب المتكرر في الغابة والوادي خوفاً على صحته، ولكنه بعد أن عرف اهتماماته واستمع إلى أسئلته الملحة، تركه لحاله ولم يعد يقلق نفسه عن سلوك ابنه الشاذ في قرية عين الفكرون.
تحولت علاقة التنافس بين جمال وشفيقة أيام المدرسة الابتدائية إلى صداقة متينة، أصبح الاثنان يتعاونان على حل المسائل الصعبة وتبادل الكتب والمجلات، وفي المرحلة الثانوية، في القسم الداخلي، كانا يبحثان سوياً عن حل مشكلات الجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء، ولا يهميهما من المتفوق، بل الأهم هو أن يكونا معاً في المقدمة، في السنة النهائية، لم يفترقا خلال السنة كلها، كانا يلتقيان في قاعة الدوام للمطالعة معاً والمراجعة والحديث عن الماضي والمستقبل والأحلام، في اليوم الذي بدأت الاذاعة الوطنية الاعلان عن نتائج الباكالوريا، كانت شفيقة في البيت، جالسة مع أبيها وأمها وبعض أخوتها، كان السرجان مشتاقاً إلى سماع اسم ابنته ضمن أسماء الناجحين، كان قد وعدها بهدايا متعددة.
بعد أن سمع اسم جمال عمروش على رأس قائمة لجنة 21، انفعل انفعالاً شديداً وخاف أكثر على رسوب ابنته، وغرق في تأملات بعيدة، حتى فاته سماع اسم ابنته التي أيقظته بصياحها وقفزاتها، فيما كان جمال قرب الوادي تحت شجرة مظللة وعلى أذنيه سماعة بلاستيكية بيضاء متصلة بخيط رقيق إلى مذياع صغير وضعه بجانبه على التراب، لم تكتمل فرحته إلا بعد اذاعة الاسمين، ولم يظهر فرحه الكبير بالصياح والقفز والنط، بل وقف ببطء وعادر الوادي تجاه مكتب أبيه في قسمة الحزب، ليعلن له الخبر السار، وهو يضطرم لهيباً وشوقاً للقاء شفيقة وتهنئتها، أين سيلقاها في هذه القرية التي تحرم لقاء شابين مهما كان الهدف نبيلاً وبريئاً، مرّ قرب منزلها ببطء ملحوظ، يختلس النظر إلى النوافذ والأبواب لعله يبصرها ويشاركها الفرحة العارمة، تخطى الشارع كاملاً إلى نهايته وقفل راجعاً، فوجدها متكأة على حافة نافذة مفتوحة على مصراعيها تنتظر قدومه، إذ أدركت بحدسها الأنثوي أنه سيحوم حول منزلها بعد الاعلان عن النتائج مباشرة، توقف يلتهمها بعينيه النافذتين ثم تبادلا التهاني وأخباراً أخرى عن الزملاء الذين نجحوا واللذين رسبوا، وفيما هما على تلك الحالة، إذ خرج السرجان من الدار وشاهد الشاب النيحل يحاور ابنته العزيزة، أراد التدخل لكنه أحجم عن ذلك و تابع سيره مفكراً بأن لحظةالفرح غالية عندها بعد سنين من الدراسة والمواظبة والمراجعة ثم أطلق العنان لخياله، فتصورهما طبيبين متزوجين، ثم تخيل مصطفى عمروش يطرق باب داره مع مجموعة من الأعيان يطلب المصاهرة.
يعترف كلاهما أن اللقاءات الحقيقية بينهما بدأت في الجامعة، إذ وجدا حرية الاختلاء بعيدين عن الأعين المتهمة، وأمكنة يثرثران فيها طوال النهار دون أن يزعجهما أحد أو يقلقهما بالنظرات الفضولية التي تبعث في نفسيهما الشعور بالذنب وبارتكاب الفعل المحرم، أفشت شفيقة بصدق عن مكنون عاطفتها الجياشة تجاه جمال الذي لام نفسه على عدم السبق إلى الاعلان عن حبه لها، حلف الخجل ألا يفارقه نهائياً حتى في اللحظات الشفافة، تعلمت شفيقة منذ صغرها التعبير عن كل أمالها ورغباتها جهراً وبصوت مرتفع، عكس جمال الذي تعلم الانطواء وكبت مشاعره خوفاً من الرفض والاهانة العلنية، منذ أول يوم دراسي في مدرجات معهد الطب لم يفترقا أثناء النهار الالماما ولفترات وجيزة، يجلسان على طاولة واحدة داخل المدرج والقاعات التطبيقية والمكتبة ويقصدان معاً المطعم الجامعي ثم أخيراً يسرحان طويلاً راجلين عبر شوارع العاصمة المكتظة بالناس، مسرورين كطفلين صغيرين تمكنا من الافلات من الرقابة الصارمة لأهل القرية وعاداتها المحافظة، فيطوفان شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي مرات عديدة، يفترسان الواجهات الزجاجية المتلألئة بالأنوار والملابس الفاخرة، دون اهتمام بين وسط الازدحام المتعب، ولكن غبطة الحرية والغفلة الكاتمة للأسرار والتيه المجهول، كفيلة بابعاد كل ما من شأنه تعكير جوهما الحالم الآمل وهما لا يكفان عن مقارنة حياة القرية المملة الرتيبة في مقابل حياة المدينة الحرة الطليقة، ويدركان جيداً بأن شهادة البكالوريا هي فعلاً مفتاح الحرية قبل أن تكون مفتاح ضمان العيش الرغيد، وتوفير المهنة المحترمة، ويشفقان على شباب القرى الذين يعرفون عن الحب الاقشورة، في تلك السنة أيضاً عرفا متعة القبلة ولذة المداعبة الجسدية في الدهاليز المعتمة للبنايات الشامخة وطفقت أحلامهما تكبر وتعلو حتى أضحت لا تختلف عن الواقع في ذهنيهما، فالتبس الحلم بالواقع إلى درجة الائتلاف الكلي، تعلما التردد إلى قاعات السينما وانتقاء الزوايا الهادئة واستغلال الظلام استغلالاً لذيذاً، ممتعاً، لا تزعجه إلا الانقطاعات المفاجئة للأشرطة المهترئة وإنارة القاعة مباشرة، فينتفض العشاق والمحبون في أماكنهم ويصلحون جلساتهم كأن شيئاً لم يكن، ولا يعرف هؤلاء التعساء المضطهدون أن هذه الانقطاعات يتعمدها التقنيون على توشيع الأفلام، القابعين في الغرفة الصغيرة بفتحتها المطلة على الصالة الفسيحة، فيتمتعون بالفرجة على الحركات المرتبكة الخائفة للازواج الهاربين من الضغط البشري الخارجي والعيون القاتلة المضطهدة، فيتعمدون ازعاجهم مقهقهين بملء أقواههم، وفي أحيان كثيرة، يرافق جمال حبيبته إلى غاية سياج الحي الجامعي للبنات، وينزوي معها في ركن حالك وسط مجموعة أخرى من العشاق، ويمكثان هناك، يتمتعان أحلامهما ويحترقان شبقاً وغلمة، ملتصقين الواحد مع الثاني، متحدين النسمات الباردة الواخزة للعظام ورذاذ المطر المتهاطل الذي لا تقدر المظلة الصغيرة المزركشة على ايقافه أو تحويل سيلانه، ثم في الليل المتأخر حينما تلتحق شفيقة بغرفتها داخل الحي، يتيه جمال بين الشوارع حالماً مستحضراً الذكريات الرائعة دون شعور بطول المسافة أو تعب المشي أو رغبة في التوقف أو ركوب الحافلة أو التمدد للنوم.
في بداية كل عطلة صيفية، بعد انتهاء الامتحانات يشعر الحبيبان بالحزن والكآبة والحنين لأنهما سيفترقان عن بعضهما العبض لمدة شهرين كاملين افتراقاً كاملاً دون لقاء.
فيمكثان معظم الوقت صامتين، يتحسران على اضافة شهرين في قرية عين الفكرون، محتملين مع أهلها لسعات البعوض المتكاثر ولهيب الحرارة المرتفعة والفراغ القاتل بين أربعة جدران سميكة بالنسبة لشفيقة، التي لا يسمح لها بالخروج إلا نادراً لزيارة الأهل والأقارب وألف عين تحرسها من الانزلاق المحتمل وألف قدم تتبع خطاها خوفاً من الاختلاف إلى المواعيد المحرمة، أما جمال فيجر ملله وحنينه بين الأزقة الضيقة المغبرة المتربة أو على ضفاف الوادي الجاف الذي لا يحافظ في موسم الصيف إلا على خيط مائي ضعيف راكد، تتجمع فيه الأسماك والأحناش الذابلة، أما الضفادع فهي تخزن نفسها تحت الطين المبلل في نوم عميق منتظرة القطرات الأولى للمطر الخريفي.
عادت إليهما الكآبة في تلك الصبيحة لشعورهما باقتراب لحظة الافتراق، فانعزلا في آخر درجات السلم المركزي للبناية وجلسا صامتين، يفكران في العبارات المناسبة اللائقة لمثل هذه الحالات المحزنة، كان جمال مرتبكاً وقلقاً أكثر من اللازم لأنه يضمر في نفسه اقتراحاً مهما يخص مستقبلهما، طالما راوده في الشهور الأخيرة دون أن يعثر على الشجاعة الكافية ليبوح بسره إليها، وكم من مرة صعدت العبارة إلى غاية حلقه، في أهبة للافصاح دون جدوى حتى وصل به الأمر إلى التشكيك في جرأته، مما أدى به إلى القسم المطلق في ليلة البارحة حيث أصيب بأرق متعب، بأنه لن يتردد في الافشاء بحلمه في هذا اليوم قبل إعلان النتائج السنوية للامتحانات، وها هو الآن جالس بجانبها مطرق الرأس، يعيد في ذهنه العبارات المناسبة ومستغلاً الصمت السائد بينهما ليفكر في راحة واطمئنان، ورغم ذلك بقي يلوك اقتراحه، يبتلعه، يلفظه، ثم يعيد ابتلاعه بخفة قبل أن يصير صوتاً واضح المعالم، وفجأة ابتلع ريقه، تنحنح، اعتدل في جلسته، حتى ظنت شفيقة أنه يستعد لمغادرة المكان ثم لفظ في سيل متصل سريع بنبرات مرتعشة:
- شفيقة، ما رأيك لو أكلم أبي في هذه العطلة، وأجلب مخاطبة أبيك لطلب يدك رسمياً، كي نرمي عن أكتافنا السرية ونعلن حبنا جهراً، ونتخلص من التخفي والتصنع بالبراءة أمام أهل القرية، ونتمكن من الذهاب والاياب سوياً... آه... مارأيك.. أظنك لا تمانعين.. كان ذهنه يغلي بالأفكار والعبارات الجميلة التي طالما رددها وفي صيغ متنوعة، أراد اضافة أشياء لا حصر لها، لكنه عجز عن النطق وسكت فجأة ينتابه احساس بالمرارة، تنهد بصوت مرتفع كأنه توقف لتوه من العدو السريع، وغامره تعب وارتخاء في العضلات وشعر بجسمه ضعيفاً لا يقوى على تحريكه، لو طلبت منه شفيقة الآن القيام ومغادرة المكان لما استطاع تلبية الطلب المهين، لم تجبه في حينها، بل تمعنت لحظات في الاقتراح الذي لم يكن جديداً عليها، بل هي أيضاً فكرت في مثله مراراً، وبدت هذه الثواني لجمال قرناً حتى كاد يختنق من امساك تنفسه لسماع الرد.
- كيف تريدني أن أرفض أو أمانع على تحقيق حلمنا الجميل، حلم عاش معنا منذ المدرسة الابتدائية وما فتيء يكبر ويكبر إلى أن صار عملاقاً لا يقهر، حاول أن تقنع أباك، ومن جهتي سأكلم أبي بمجرد الوصول إلى البيت، لن يمانع أبي، فهو يحبني كثيراً ولا يرفض لي طلباً.. سنعلن الخطوبة ونتزوج بعد التخرج..
- طبعاً.. وهل نتزوج بالبَلّوط؟ بعد أن نأخذ الشهادة ونتوظف، سنفرض استقلالية زواجنا ونعتمد على أنفسنا في كل شيء... أنا شخصياً لا أريد ديناراً واحداً من أبي أو من أبيك.. كم سأكون سعيداً لو يقبل الطرفان... وان رفض أحدهما، ماذا نفعل؟
لم تخطر على جمال فكرة الرفض أبداً، كان يتخيل حلماً جميلاً تبتسم فيه كل الشفاه وتبارك وتولول كل الألسنة وتصفق كل الأيدي الكبيرة والصغيرة، أربكه السؤال واحتار في أي الأجوبة يخوض، فكر ملياً ثم قال بهدوء والابتسامة ترفرف على شفتيه، تنم عن ثقة مطلقة في المستقبل.
- اطمئني.. ولا تتحيري.. سنجعلهم يقبلون زواجنا بصدر رحب، سنقنعهم بالعقل والمنطق، وإن لم ينفعا، سنتحايل بشتى الوسائل، وإن لم يقتنعوا فسنبحث عن طريقة خاصة بنا وحدنا، نهتدي إلى وسيلة سينمائية مثل التي شاهدناها في ذلك الفيلم الايطالي.. المهم أن نحقق حلمنا الرائع، لأتهم الوسيلة، وإذا لم تنفع كل هذه الطرق سنجرب الطريقة الجزائرية، فنتائجها مضمونة مائة بالمائة.
قاطعته شفيقة باستغراب بين:
- وما هذا الانتاج الوطني؟ فهل يستحق التصدير؟
احمرت وجنتا جمال وابتسم بمكر واحتشام، ثم قال:
- ستعرفينه في الوقت المناسب... أما الآن مبروك علينا، هيا بنا إلى الرواق، تكون النتائج قد ظهرت... نهض بتثاقل ثم أمسكها من الذراع الأيمن وبدأ معاً هبوط السلالم، وهو يجرها وراه، اسعاد قوته بالخبر السار أراد التخلص من ضغط الأسقف الاسمنتيه ليجد نفسه مع حبيبته في لمح البصر وسط الفلاة الواسعة والفضاء الرحب يستنشقان الهواء النقي الخالي من التلوث الصناعي الجارف.
وسط الرواق تحاشر الطلبة في مجموعات متفرقة، مشرئبي الأعناق يطاردون القوائم المعلقة في سرعة جنونية، يبحث كل واحد منهم عن اسمه أولاً ثم أسماء أصدقائه ثانياً، تنشرح قسمات وجه الناجح ويتنفس الصعداء، يعيد قراءة اسمه كي يتحقق جيداً ويزيل الشك، ثم يبحث عن أسماء اصدقائه، وحينما ينتهي من ذلك، يتراجع إلى الخلف يتفرس الوجوه ليسترق لذة النجاح، فيما ينسحب الراسب خلسة من الجمع المتحاشر، لتجرع حزنه وندمه بعيداً عن النظرات الفخورة والقهقهات المتعالية للناجحين، ويحتج بعض الراسبين جهراً ويشتمون الأساتذة ويتهمونهم بالمحسوبية والحقد والتعصب لآرائهم تعصب المتخلفين، ويهددون بالانتقام ويحلفون بأنهم سيضربون عن الدروس مباشرة مع الدخول الجامعي الجديد.
يوم الاعلان عن النتائج هو يوم تفيض فيه كل العواطف المفرحة والمحزنة معاً، تذرف بعض الطالبات الراسبات دموعاً مندفعة كسيل جارف، ويغضب البعض إلى حد البحث عن الخصم ومبارزته جسدياً، زيادة عن الشتم والسب والتهديد بالديزة المحلقة في الفضاء.
قبل أن يصل جمال وشفيقه إلى مكان المعلقات، تقدمت نحوهما فتاة تلبس بنطلوناً من نوع "الدلافي"، وشعرها قصير مثل شعر الذكور والنور يشيع من وجهها المورد ومن بريق عينيها الصغيرتين، قبلت شفيقة على خديها مرتين قائلة "مبروك.. نجاح وبتفوق.." ثم صافحت جمال وهي تضيف "أما أنت أيها العبقري العالم، فإنك عدو الرسوب، لذلك لا أقول لك مبروك حتى تكتشف دواء السرطان أومَرْهَما يحافظ على شباب البشرة وعدم تجعيدها ويمنع شيب الرأس..".
نظر إليها جمال بفضول كأنه لم يهضم ما تفوهت به ثم قال بهدوء المعتاد.
- وأنت هل تحصلت على كل المواد أم..؟
قاطعته بخفة
اطمئن ياباستور... سأسرق عبقريتك عن قريب، تصور أنني تخلصت من ديوني كلها ونجحت في كل مواد السداسي!
تدخلت شفيقة بحماس وغيرة.
- سيصبح أكبر من باستور، بل أكبر من داروين نفسه، لم لا؟ هذه الأرض عقيمة أم غضب عليها رب العالمين، إذا لم يجد الظروف الملائمة للبحث في هذا الخراب، يسافر إلى أوروبا أو إلى أمريكا، هناك يكتشف دواء ضد السرطان ويصبح مشهوراً وعظيماً.. ها.. ما رأيك يا جمال؟
كانت تتكلم باندفاع ظاهر وهي تنقل بصرها بين جمال والفتاة ذات الشعر القصير.
- دعنا من الأوهام ولنلقي نظرة عن نتائج الامتحانات.. إن هذه الأرض تمنح الحياة للشعراء كي يرثوا موتاها وموتها القريب، أما العلماء... ربما بعد ألف قرن... نحن طلبة علم لا نعثر على المراجع الأساسية والآلات الأولية البسيطة، فكيف للباحث الذي يحتاج إلى أحدث الكتب وأحدث الماكنات الألكترونية؟
ضحكة الفتاة بصوت مرتفع، صادق، وأسرعت خطاها تنادي صديقة لها، فيما اقترب جمال وشفيقة من الملصقات وفسحا لنفسيهما طريقاً بين الرؤوس المشرئبة والأجساد المتحاشرة وسمرا بصرهما على النقاط، يتأكدان من صحتها، دونت شفيقة نقاطهما معاً على كناش صغير وغادرا الرواق ثم بنايات الجامعة لا يعرفان مقصدهما بالضبط.
أحس جمال بسكينة تغمره ليسبح في فراغ مريح، ويتخلص من التوتر الداخلي الذي يسبق إعلان النتائج وخاصة في الساعات الأخيرة، رغم أنه يجتهد في تحضير دروسه، والاستعداد الجيد للامتحانات إلا أن شعوراً طفيفاً بالمرارة يلاحقه حتى يتأكد من النجاح، في تلك اللحظة، يرتاح تماماً ويعيش أياماً من الخفة والسعادة ويهاجره التعب الأرق الليلي وقلق الانتظار، ما أحلى أن يشعر الانسان بسعادة مطلقة، ويكفي نفسه بنفسه مثل الله تماماً، لا يحتاج في ذلك إلى أي كان حياً أو جامداً، كان جمال يعيش مثل هذه الحالات الصوفية أيام اعتكافه في خلوة الطبيعة، ممداً تحت ظلال شجرة مورقة على الحشيش الأخضر، سارحاً في أحلام وتأملات يرفرف معها بكل كيانه حتى كأنه غادر المكان فعلاً وبجسده لا بخياله فقط، ويمكث على تلك الحالة ساعات طوالاً إلى أن يمزق الجوع أحشاءه أو تلفحه حرارة الشمس أو تلدغه نسمات البرد الثلجي، فيقوم ساخطاً، متمنياً استمرار الحلم إلى ما لانهاية، وقرأ لأحد الفلاسفة قوله أن السعادة الحقة هي حينما يصبح الانسان مثل الله، يكفي ذاته بذاته، فتوقف عندها وأعاد قراءتها مراراً وتكراراً حتى رسخت في ذاكرته، وهو يحاول مقارنتها باللحظات التي عاشها وحده منعزلاً وسط الطبيعة الحيّة، وهل الطبيعة هي مصدر هذا النوع من السعادة، وهل ينبغي اعتبارها رفيقة له، إذا لم يكن منفرداً بنفسه بل صاحبته الطبيعة بأصوتها الزاهية، ثم انغمس في تخيل الانسان الوحيد، المفرد الذي لا يحتاج إلى أي شيء فلم يتصوره الأوسط مجموعة أفراد يشبهونه أو راكضاً وسط أدغال يصطاد فريسة يطفىء بها مغص الجوع، هل يمكن للرجل أن يستغني عنها، وفجأة تداهمه صورة شفيقة، ويدرك بأن كل رجل على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى وجود امرأة في حضنه، فأين السعادة التي تحدث عنها الفيلسوف، بمعزل عن الكل، ويسترسل جمال في تأملات عميقة، يقلب مجمل الاحتمالات المكنة، وعادة ما كان يصل إلى وجهين متناقضين يراهما منطقيين ومقنعيين معاً.
كلما اقترب جمال من قرية عين الفكرون عائداً من الثانوية ثم فيم بعد من الجامعة يغمره شعور من الحنين الجذاب إلى أماكنها الجميلة الأليفة التي يستحضر معها ومع كل شجرة وحجر فيها ذكريات طفولية تعمق الكآبة السوداوية والوعي الحقيقي باندثار تلك اللحظات إلى الأبد عبر الزجاج الشفاف للحافلة- وهو يصر دائماً على الجلوس في المكان المحاذي مباشرة للزجاج كي يسرح شارداً عبر المناظر الطبيعية المتتابعة- يطارد الأماكن الأليفة بعينين براقتين بلونهما الأسود الذي يضاعف من قوة الضوء الساطع المنبعث منهما، قالت له أستاذة الرياضيات في الثانوية أن ذكاءه مختزل في بريق عينيه النافذ- ويلهث خلف كل المواقف الجميلة ويطيل في معايشتها إلى أن يباغته مكان آخر بنقله فجأة دون لحظة أو تفكير إلى حادثة سابقة أو لاحقة، كلما اقتربت الحافلة من القرية وعبرت الجسر الفاصل بين السهل والمرتفعات التي تحتمي وسط روابيها وتلالها القرية، وظهر الطريق المثعبن بمنعرجاته المتعدة الباعثة للغثيان والقيء، سكت جمال نهائياً عن الكلام واستغرق في حوار نفسي ثري وسريع مجمداً بصره في الزجاج الشفاف دون أن يكترث بالركاب الثرثارين حوله ولا باندفاعات الحافلة كلما أدركتها دورة ضيقة وأرغمت السائق على الضغط على الفرامل بقوة وادارة المقود دورة كاملة كي تميل الحافلة الغاصة بالركاب وتتفادى التدحرج نحو الهاوية تجاه الوادي عبر المنحدر المغطى بالجنيبات البرية المتداخلة الأغصان من الشوك والنخيل القزم والضرو...
- أحبس يا "الشيفور" يرحم والديك رايح نتقيَّأ.
نظر السائق إلى المرآة المثبتة على الزجاج الأمامي للحافلة وتعرف على الصائح المستغيث الذي كان يلوح بيد في الفضاء، فيما كانت اليد الأخرى تمسك منديلاً مضغوطاً على الفم يمسح اللعاب الذي يسبق القيء معلناً عن قدومه الحتمي، ولكن السائق لم يكترث لاستغاثة المسافر ولم يقلل من سرعة الحافلة ولم يجبه حتى بحرف واحد أو همهمة حنجرية هامسة وتساءل عن المكان اللائق للوقوف بين هذه المنعرجات الضيقة واستنكر على الركاب الذين يأكلون حتى التخمة ثم يركبون للسفر مسافة طويلة، لو توقف لكل مسافر أصابه الغثيان لقضي النهار كله في السفر بين العاصمة وقرية عين الفكرون.
" ليفرغ ما بجوفه أمامه.. أن بطن الحافلة متسخ وعند الوصول سنغسله بالماء ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، لماذا لم يحضر معه كيساً نيلونياً يتقيأ داخله ثم يلفظه عبر النافذة، كم فكرت في احضار أكياس أبيعها للمحتاجين ولكنني دائماً أنسى في المرة المقبلة سأشتري بعضها وأخفيها في الصندوق ".
تماسك المسافر بعضاً من الوقت ثم أفرغ ما في بطنه فجأة محدثاً صوتاً مزعجاً منفراً يبعث هو الآخر الجالسين حوله مباشرة على الغثيان والذين يبصرون الحادث غير مبالين ولا عابثين به، وكان بائع التذاكر هو الآخر جالساً على المقعد الأمامي سارحاً في همومه فلم يستجب لنداء المسافر المريض، انتشرت رائحة الحموضة داخل الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول المناخير المفتوحة المشمرة تثبت وجودها وإن كان وجوداً مقرفاً، أخرجت شفيقة الجالسة بجانب صديقة لها خلف جمال مباشرة منديلاً وأطبقته على أنفها الصغير ثم أزاحت زجاج النافذة إلى الخلف وأخرجت رأسها وجلبت بقوة ظاهرة وصوت مسموع كمية هواء تبعد عن نفسها الخناق سواء بعدم التنفس أو بشم الرائحة النتنة.
كانت قلقة وتمنت لو أغمضت عينينها لحظة خاطفة لتجد نفسها تفتح باب غرفتها وتلقي بجسمها على السرير لتستغرق في نوم هاديء حالم لا تستيقظ إلا بعد أن يهجرها التعب نهائياً كي تقابل أباها والسرور يقطر من بشرتها والحلم الجميل يتلألأ في بريق عينيها السمراوين، أرهقت نفسها في التحضير للامتحانات كعادتها بمراجعة دروسها إلى ما بعد منتصف الليل ثم رغم الانهيار الجسدي لم تكن تعرف طعم النوم اللذيذ إلا بعد استيطان عميق في حبها وهي تلوك العبارات الجذابة التي ستفاجيء بها الحبيب في اللقاء المقبل وتستحضر اللحظات الممتعة التي قضتها برفقته، تراجع سلوكها وكلامها لعلها تكون قد أساءت إليه أو جرحت احساسه المرهف.
كانت متحمسة للقاء أبيها ومفاتحته في موضوع الخطبة وهي واثقة من قبوله، وأن عارض فلن تراجع بخطوة واحدة، بل ستطارده ليل نهار حتى تقنعه وترغمه على الموافقة لاستقبال الخطاب.
ستعلن خطوبتها جهراً أمام الغابة العائلية من الأعمام والأخوال والعمات والخالات والأقارب وكل سكان قرية عين الفكرون، حينئذ يمكنها رؤية حبيبها دون خجل أو خوف، يمكنها الجلوس بجانبه في الحافلة التي تنقلهم إلى العاصمة أو الوقوف معه في المحطة أمام الناس جيمعاً وسيرافقها إلى منزل أهلها راجلاً بمحاذاتها عبر شارع أول نوفمبر، الشارع الرئيسي للقرية، على عكس اليوم، حيث امتطت مقعداً خلفه بجانب صديقة لها، وبعد توقف الحافلة، سيفترقان بنظرة تحسّر وأمل دون أن يعثرا على الجرأة للنزول سوياً والمشي على الطريق الاسفلتي في حديث ذي شجون وابتسامات، بل وقهقهات مرتفعة غير مبالين بالنظرات الثاقبة المتهمة التي تحاصرهم من كل الجهات، من الرصيف والمقاهي والمحلات التجارية، كأنهما بصدد ارتكاب أشنع الجرائم التي تلطخ سمعة أهل القرية وشرفها، بعد أن تتوقف الحافلة في المحطة، سيتجاهل كل واحد منهما وجود صاحبه، وبالتأكيد سيغادر جمال المحطة بسرعة كعادته دائماً ويختفي عبر الشوارع الخلفية، فيما تتمهل هي قليلاً ثم تنطلق وحدها مطأطأة الرأس تماماً مثلما يحب أهل القرية للبنات الشريفات، غير آبهة بما يجري حولها من الأمور، لا تلتفت يميناً ولا شمالاً، بل ستصوب بصرها في اتجاه مستقيم أمام رجليها، كأنها واقعة تحت جاذبية حقل مغناطيسي لا يتلاشى إلا بعد ما يصل إلى منزلها، حينئذ فقط تتنفس الصعداء بحرية ويتسرح لسانها ويتحرر بصرها من المغناطيس، كانت شفيقة تتحدث مع صديقتها بصوت مرتفع كي تسمع جمال، الجالس قدامها، الغارق في صمت مطبق يسترجع الذكريات الطفولية اللذيذة، لم يلتفت خلفه رغم الرغبة القاتلة التي لو انساق وراءها لما فارق بصره وجهها المورد وابتسامتها الشفافة ودوران حدقة عينيها بغمزاته ولمزاته تجاهه كلما جمعهما المقام.
لم يكن جمال يفكر كثيراً في موقف أبيه بعدما يخبره بنيته في طلب يد ابنة السرجان، لأنه لم يعثر في ثنايا ذاكرته عن أسباب مقنعة للرفض، انساق خلف الحلم اللذيذ متصوراً أن أباه سيطير فرحاً بعد أن يعرف رغبته في الزواج ولم يكن جمال يدري بالصراع الصامت الذي يزحف بين أبيه والسرجان، كما لم يكن يعرف حكاية أمّه حورية بالتفصيل ونية السرجان في الزواج بها وأنها صعدت إلى الجبال هروباً من هذا الزواج بالذات، امتنع جده وجدته لأمه عن رواية أحداث القصة إلا إذا سأل وهو لم يسأل ولم يتعود على الأخذ والرد في أطراف الحديث حول ماضي العائلة، كل ما يعرفه هو أن أمه استشهدت في الجبال دون أن يجتهد في البحث عن كيفية موتها، يتهرب من ذكرها كي لا يعمق حزنه وشعوره باليتم.
فحاول أن يحب زوجة أبيه تماماً مثلما يحب الأطفال أمهاتهم، وهي بدورها لم تشعره يوماً بأنها ليست أمه، ولم تذكر أمامه شيئاً يوحي بذكرى أمه أو غيابها، عاملته كبقية أبنائها، كان جمال يتسلل خلسة إلى غرفة أبيه ويقف أمام الصورة المعلقة على الحائط ويتأمل وجه أمه بلباسها العسكري ويتخيل صوتها ومشيها، ولكنه سرعان ما يغادرها خوفاً من إزعاج زوجة أبيه التي تنبهت بدورها إلى هذه الزيارات السرية دون أن تشعره بذلك، وأضحت كلما رأته يحوم حول الغرف دون اهتمام إلا وغادرت الغرفة تاركة بابها مفتوحاً ومكثت في المطبخ أو في الساحة العريضة كي تسمح له بالوقوف لحظة تأمل وحنين إلى أمه في حرية كاملة وهدوء تام. لا يعرف عن أمه إلا هذه الصورة التي حافظ أبوه عليها بعز وكبرياء مثلما يحافظ البطل الرياضي على الكأس التي فاز بها في منافسة دولية.
تخلصت الحافلة من المنعرجات الصاعدة لتشرف مباشرة على البناية الأولى للقرية، بناية مستطيلة الشكل بثلاثة طوابق وحديقة يحيطها سياج، تحتوي على مكاتب فرقة الدرك الوطني ومساكنهم.
خفف السائق من سرعة الحافلة وهو على أهبة الاستعداد للتوقف والاتجاه صوباً إلى المقهى الكبير في الشارع الرئيسي لارتشاف قهوة حالكة مضغوطة وساخنة، يتصاعد بخارها بقوة، يرتشفها ببطء مع سيجارة "الهُقّار" وهو واقف أمام المصرف، كي يلفظ الصداع وروائح البنزين والحموضة، استيقظ المسافرون من سباتهم وشرودهم وطفقوا يجمعون أمتعتهم في هرج ومرج وضوضاء، وقف بعضهم في الرواق الطويل الذي يتوسط الكراسي وتقدموا إلى الأمام، مستعجلين لحظة النزول والتخلص من الروائح المنفرة في الفضاء الداخلي للحافلة.
كانت المحطة تقع في شارع خلفي، تنعطف الحافلة نحوه بمحاذاة القهوة الفسيحة الواقعة في الركن، حيث استولت على بداية شارعين، ما أن اقتربت الحافلة من الانعطاف حتى شاهد جمال حشداً من الناس يركضون تجاه المقهى مذعورين، ثم احتشدوا على الرصيف قرب الباب العريض المفتوح على مصراعيه، فجأة بدأ الزبائن يغادرون الصالة بسرعة وعيونهم مصوبة إلى الداخل مشدوهين، مغزوعين، تصور جمال أن عراكاً جسدياً قد وقع بين شابين قويين، فذلك من الأمور العادية والناس يتحاشرون لأتفه الأسباب، في خضم هذا الموقف، انطلق دوي رصاصة داخل المقهى ثم تلته رصاصة ثانية فهرب الناس في كل الاتجاهات، توقفت الحافلة بعنف، وانفتحت الأبواب الأمامية والخلفية، وركض السائق ومساعده تجاه المقهى يغمرهم الفضول لمعرفة تفاصيل الحادث الذي لا يستبعد أن تكون جريمة وحشية.
اندهش جمال والتفت إلى شفيقة وصديقتها، متسائلاً بعينيه دون امكانية التعبير ما يحدث في قريتهم الهادئة وعن معنى هذا الاستقبال الغريب، وهو لم يدرك الكارثة الحقيقية التي ستلاحقه طوال حياته.
الفصل الخامس
رع الدركي بصره من على الأوراق المتراكمة أمام عينيه فوق المكتب واسترق السمع جيداً، قاطعاً أنفاسه لثوان، للضجيج والأصوات المرتفعة في الشارع، قرب البناية مباشرة، فوقف بخفة ونظر عبر الزجاج الشفاف، ليحط بصره على رهط من الرجال الواقفين أمام السياج الحديدي يرفعون حناجرهم ويستعدون للدخول وهم يتشاورون فيما بينهم بحركات حادة ومهددة، أسرع الدركي خطاه ليتحقق من هدف هذا التجمع، دون أن ينسى وضع القبعة على رأسه بخفة، في الرواق التقى بدركي ثان خرج من مكتب مجاور بعد أن سمع الأصوات والصخب، على الرصيف تجمع مجموعة من الرجال من مختلف الأعمار يتطاير الشرر من أعينهم، علامة الحقد وثأر العصبية العشائرية، يتكلمون بصوت مرتفع إلى درجة الصياح، كانت ذقونهم شعثاء، مغبرة وعيونهم شزراً، لم تعرف النوم منذ مدة.
كان يتوسطهم رجل أنيق الملبس طويل القامة وممتليء البنية، حينما وقف الدركي أمامهم خطبه الرجل الأنيق بصوت آمر وغليظ:
- نريد القاتل.. ونريده الآن..
أنبهر الدركي ولم يجد الجواب المناسب في تلك اللحظة، أخرصه الطلب الغريب والمفاجيء تدخل صديقه وقال بحزم بلهجة أرادها تبدو حاسمة مخيفة ومقنعة.
- اسمع ياسي.. "وهو يحدق في وجه الرجل الأنيق" أطلب من جماعتك مغادرة المكان فوراً وإلا..- نريد القاتل لنثأر بأنفسنا لكي نقدر رفع أنوفنا أمام الناس..
- القاتل بين يدي العدالة، وهي وحدها تملك حق الثأر والعقاب... الآن انصرفوا واتركونا نقوم بعملنا..
ارتفع اللغط ونطق ثلاثة رجال في وقت واحد بنرفزة ملحوظة، كانوا مصممين على الوصول إلى القاتل، اقترح أحدهم الدخول إلى غرفة الحجز والقضاء على المجرم وهو يرفع دبزته فوق رؤوس الجميع، محرضاً بحماس ظاهر، تراجع الدركي الأول إلى الخلف واختفى وراء الباب الخشبي الضخم، ثم ظهر بعد لحظة وجيزة وبين يديه رشاش وقف على عتبة الباب مستعداً لصد الهجوم المحتمل، تنبه الدركي الثاني إلى الخطورة فاقترح على الرجل الأنيق الدخول إلى المكتب والتفاهم معاً، تردد هذا الأخير برهة من الزمن ثم تشجع وتقدم نحو الداخل قائلاً للواقفين بأن لا يغادروا المكان إلى حين رجوعه.
داخل المكتب أجلسه الدركي قبالته، قدم له سيجارة ثم خاطبه قائلاً:
- أنت ابن المرحوم سي أحمد، أليس كذلك؟
أومأ الثاني برأسه دون أن ينبس بكلمة، أضاف الدركي.
- أتريد القضاء على عائلتك شاء القدر أن يموت الأب، فلماذا تضيف ألماً جديداً للعائلة بالقضاء، على نفسك، هل تدرك بوضوح بأن الثأر سيقضي على حياتك نهائياً بالسجن المؤبد أو بالاعدام.
أجاب الرجل بنبرة بائسة، وصوت منهار:
- لاتهمني حياتي الآن.. كيف يُقتل أبي أمام أهل القرية جميعاً وأبقى ساكتاً، مكتوف اليدين.
- نحن نتولى عقاب المجرم، ولا يأخذ كل قاتل إلا جزاءه حسب القانون، هل نحن في أفلام الوسترن ينتقم كل شخص لنفسه أولأفراد عائلته.. أعقل ياسي محمد وعد إلى أهلك، تساندهم في محنتهم ولا تشعل النار من جديد.. كل فرد وموته مكتوب على جبينه، هذه هي مشيئة الله، أصبر واترك العدالة تتولى أمر القاتل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire