samedi 17 novembre 2012

أعاصير في بلاد الشام1




د. ناديا خوست





أعاصير في بلاد الشام


- رواية -



من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1998







Zone de Texte: الحقوق كافة 
مـحــــفــــوظـة 
لاتـحــاد الـكـتـّاب الــعـرب
 









تصميم الغلاف للفنان : وائل صيداوي







الاهداء


إلى السوريين الذين وهبوا حياتهم لفلسطين، منذ شكري العسلي إلى القسّام والعاص وإحسان كم ألماظ، وإلى كل من بقي منهم في ترابها!
وإلى شجر فلسطين المزروع والمقلوع، إلى مساجدها وكنائسها وأضرحتها، إلى شعبها، في الذكرى الخمسين من احتلالها!










تستند هذه الرواية إلى شهادات شخصية، وإلى موسوعات ووثائق ومذكرات وكتب تاريخية.
لكن كل مايعبر رؤية الروائي يتلون بألوانها. تلونت حتى الشهادات بهوى رواتها. ولعل في المذكرات التاريخية نفسها أطياف من رؤى أصحابها. لذلك قاطعتها بالوثيقة، كيلا يسجل المؤرخ أن مناخ الرواية وأحداثها غير صحيحة. مع أني لم أقصد تأليف رواية تاريخية.
لكني أبحت لنفسي أن أستقرئ وأن أشيّد الممكن والمستحيل، بحقوق الروائي الذي يريد أن يصوغ مثلا جميلة ومؤثرة، وخالدة أكثر من أصولها وظلالها. مندفعة برغبتي في أن تكون محبوبة. وأترك للمختص البحث في الصلة بين النماذج وأصولها، بين الوثيقة وأدائها، بين الحقيقة الفنية والحقيقة الواقعية.







عاد إلى مدينته! لا، عاد إلى إحدى المدن التي عاش فيها! مدينته مطمورة تحت التراب. ولاتقع في جزء الخريطة الذي قد يفاوض عليه! استخرج فيها من رماد القرون مسرح من الزمن الروماني، وفسيفساء، ونقود أموية. لكن عقد بيته والشرفة التي تفرج فيها على غزالة الراجعة من العين، والفونوغراف الذي سمع به أغنيات أسمهان لن تستخرج من أنقاضها.
هل كان من قرب ومن بعد يحوم حولها متنقلا بين بلاد الشام واوربا لاجئا من اليأس أو الشوق؟ لو بقيت لخرج منها كالشباب الذين يقصدون المدن الكبيرة، يتبع عطشه إلى الدنيا. لقصد المدن التي قصدها أبوه دون أن يتاجر بالغنم مثله، باحثا عن النساء محاولا أن يمسك بجوهر الحياة، يتصور أنه يزيد عمره وهو ينفقه. ولاستمتع بكل عودة إلى بلدته الصغيرة، حاملا حقيبته على حضنه في سيارة تنط وتترنح على الطريق الترابي، وإذ ينزل منها بين أشجار الزيتون تكون النساء قد لمحنه وهن يبعدن الشمس بأكفهن عن عيونهن، ويكن أرسلن صبيّة تركض لاهثة لتعلن لأهله ولكل من تصادفه: رجع! رجع! فتنطلق الزغاريد ويخجل قيس بها، ثم يستسلم لأفراح لها طريقتها في التعبير عن فورانها. لن يصبر! سيخرج إلى البيادر والبساتين متفقدا طريق العين، باحثا عن الصبايا اللواتي لمسهن أو قبلهن أو نظر من بعد إليهن. سيأتي حشد منهن في ذلك المساء. وسيقرأ طموح الأمهات: لو يطلب بناتهن! لن يسألن عن النساء اللواتي عرفهن في غربته، فأي رجل لايفعل ذلك! سيكتفين بما ترسمه أمه وكأنه كان بطلا وحيدا في البلاد البعيدة، ناجحا ومحترما ومعشوقا، حتى أن تلك البلاد نفسها لم تتركه يفلت منها إلا بعد إصراره على العودة إلى بلدته العزيزة! سيصدقن كل ماترويه وهن يحاولن أن يرسمن بصورهن الخاصة البلاد التي كبر فيها وتجول في طولها وعرضها. وسيستقبلنها في احتفال وهي تبحث له عن عروسه التي وصف لها تفاصيلها المرغوبة !
لكن ذلك لم يكن مصير قيس! وصل إلى مطار رأى فيه موظفين جديين، ولم يسمع الزغاريد. كان المعسكر الاشتراكي قد ألغي فلم يعد قيس مشبوها بل أصبح مواطنا في بلاد صارت كلها ضحية. وصل في الزمن الذي كان اليساريون فيه لايزالون يفسرون الانقلاب العالمي كأنه إصلاحات ضرورية، ويشعر القوميون والمؤسسات الرسمية فيه بأن كارثة نزلت بالدنيا، أفقدتهم سندا يتكئون عليه ولو لم يحبوا طرازه. غرب ثلث الأرض وبدأت العتمة! فشعر حتى "رجل الشارع" بأن الكون يترنح. وصل قيس وقتذاك فأصبح استجوابه جلسات يفسر فيها ماحدث لمستمعين يريدون أن يعرفوا التفاصيل علّهم يستنتجون مصير بلادهم الصغيرة. ألا يبدو أنها عاشت بالتوازن بين اليمين واليسار وبين الغرب والشرق لأنها ليست بعد "معسكرا" قوياً !
مرض قيس منذ أول أيامه في الدنيا. كي ينجو، نصح الشيخ أباه بأن يبدل اسمه فيتغير نجمه، فسماه قيسا! كان أبوه كأهل بلاده مسحورا بهوى قيس الذي رددته ألف سنة مديدة. مفتونا كالرجال بهوى ليلى التي يحبها الرجال لكنهم يتزوجون أخرى، يعشقونها وهم يعرفون أنها لايمكن أن تكون زوجة. قال لابنه وكان بعد صبيا: ياقيس، النساء زينة الدنيا. لكل امرأة مذاقها. اسرح بينهن لكن تزوج امرأة صغيرة لم يقبّل فمها غير أمها، ولتكن لك منها أسرة. لاتبخل على زوجتك بحقها فيك! ولكن لاتقصّر على نفسك في حقوقك! ولتكن غنيا فدون مال لن تأتي النساء إليك ولن تستطيع أن تدللهن!
نفذ قيس وصية أبيه؟ روحه دعته إلى ذلك! هام قيس القديم في الصحراء، لكن المنفى فتح لقيس الجديد مدى واسعا كي يهيم. عرف فيه اللوعة وهو سعيد بالنساء. لذلك كان معهن رقيقا وفظا. ولو عاد أبوه الآن لقال له قيس: يابا، كثرة النساء لم ترو العطش إلى الحبيبة!







هل أراد قيس أن يودع ثلاثة عقود من عمره في مقهى ماريا؟ أحب ذلك المقهى المزين بصور الفنانين والكتاب الذين جلسوا فيه، وجمع المرايا والثريات في الطابق العلوي، إلى المقاعد الخشب في الطابق الأول. كان يجلس فيه كل يوم ولو قليلا. ومنه التقط المرأة التي فرط لها تسعا وتسعين وردة حمراء. كم مرة التقى هنا بطوران روبرت زميله في قسم الفلسفة! كان في الصف عشرون طالبا من اليهود وطالب واحد غير يهودي. كانوا يستعينون بقيس في الدروس. فقال قيس لطوران روبرت مرة: تدّعون أنكم الشعب المختار مع أنكم لستم أكثر ذكاء منا. هاأنت مثل زملائك تستعين بي! غاب طوران سنتين. أدى الخدمة العسكرية في إسرائيل. فسأله قيس:
- أنت ابن هذا البلد أم من إسرائيل؟
- لاتعرف ياقيس أن إسرائيل نفسها لنا؟ في هذا البلد ولد هرتزل ونوردو. ومن هنا أكثر قياديي إسرائيل! اسمع ياقيس! لك أنت قرية في فلسطين. لكن لي جبل كامل هو جبل طرعان!
- مع ذلك لم تبق على الجبل! لماذا عدت إذن؟
- عدت في مهمة ثقافية.
- مهمة ثقافية أم تجسسية؟
- ثقافية ياقيس. ثقافية! مهمتي أن أجمع كل كلمة تكتب عن الشرق الأوسط. وسأرصد كل رصاصة يمكن أن ترسل إلى بلد عربي!
كان طوران يقصده كلما رآه في مقهى نرسيس قرب الجامعة. رأى حذاءه مرة ملوثا بالوحل فسأله: أين غطست؟ فسر له قيس أنه يعبر منطقة موحلة من بيته البعيد. بيتك بعيد؟ هل تريد بيتا في وسط البلد؟ أستطيع أن أؤمنه لك في أسبوع! تأمله قيس. له مثل تلك السلطة؟! كم الخرق متسع إذن! أبعد قيس نظرته عنه إلى فتاة جميلة مرت. فسأله طوران: تريدها؟ تكرر ذلك في مقهى ماريا أيضا. نادى طوران الفتاة التي نظر إليها قيس: تعالي، يريدك قيس! جفل قيس: ياسيدتي، نتحدث حديثا خاصا سنكمله أولا! عادت الفتاة إلى طاولتها. وسأل قيس طوران: هل أنت موساد، مهمتك أن تقدم البنات اليهوديات لمن يريدهن؟ ياطوران أعرف أن راكوشي اليهودي الذي عاد بعد الانتصار على النازية صفى قيادة الداخل، قتل رايك ووضع اليهود في المراكز القيادية "لأنهم الوحيدون الموثوقون". لكني أتساءل هل ستلعبون الدور نفسه الآن؟ ضحك طوران:
- لك نظرة استراتيجية ياقيس! أنا معجب بك! تعال معي لنلتقي بشينغري ايرفين! صار صاحب دار نشر!
- كما أصبحت أنت مخرجا مسرحيا في أشهر مسارح البلد؟! لاأريد أن أراه!
- لم تنس أنه حارب العرب في سلمة قرب يافا؟ لكنك لم تقصر فيه. قلت له لاتهاجم النظام الاشتراكي لأنكم أنتم تحكمون فيه.
- لو كان هناك نظام اشتراكي حقيقي لاعتقلك!
- نحن لسنا أكثرية هنا، ياقيس!
- صحيح! النور أكثر منكم عددا. قوتكم كيفية وليست كمية. تحكمون المال والفكر والسياسة!
مر بالمقهى فيكتور الذي انحاز ضد تيتو ذات يوم وهرب من يوغوسلافيا. وكان مختصا في الشؤون العربية. ويسر له قيس السفر إلى لبنان والأرض المحتلة مرات. زار إسرائيل وكتب عن العرب. وضع فيكتور الرسائل التي وصلته على الطاولة الصغيرة أمام قيس: اقرأ: "أتى اليوم الذي ستعلق فيه على المشنقة أيها الفاشي عدو الساميين"! يهددونني أيضا بالهاتف! اشترى اليهودي ميكسا روبرت، يعني روبرت ماكسويل، الجريدة الناطقة باسم الحكومة. وضع رئيسا لها يوسف كوفاتش وطردني منها في اليوم نفسه. لم يجلس فيكتور وقتا طويلا. لايستطيع أن يبقى في مكان واحد! هل سنلتقي ياقيس مرة أخرى؟ ربما، ربما!
مر بالمقهى بعده غابور ناج الذي يحب العرب. كان رئيس قسم العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية. أخذ مكانه اليهودي يوسف كوفاتش. وطار هو إلى أعلى فصار نائب وزير الخارجية، ثم أبعد سفيرا ثم طرد. ماهو مصيري؟ أبحث عن عمل! ربما نلتقي ياقيس مرة أخرى!
أتى صديق قيس المحبوب، جورج ماكاّي. يهددونك أيضا؟ اسمع ياجورج. يصر الصهيونيون على تبرئة اليهود من دم المسيح، مع أن بطرس بين في إنجيله بصراحة أنهم سلموا السيد المسيح. فإما أن الإنجيل الذي تدرّسه الكنيسة كاذب، وبطرس كذاب، ويجب أن يلغى حتى اسم كنيسة القديس بطرس مركز البابا في روما. أو أن الكنيسة مخترقة بالصهيونية. قال ماكاّي: صحيح! لكني لاأجرؤ أن أكتب عن ذلك. لو كتبته هل أجد من يشنره؟! ربما نلتقي ياقيس ذات يوم! ربما! كان جورج ماكاّي مستشارا للشؤون العربية في اللجنة المركزية كان!
لمح طوران وهو يدخل إلى المقهى جورج ماكاّي فلم يقترب من قيس إلا عندما ابتعد ماكاّي. سأل قيسا وهو يجلس إليه: استمعت إلى خائن الشعب اليهودي؟! فليجد الآن من ينشر كتبه! وهل كانت تنشر كتبه حقا ياطوران؟! كان كتابه ينزل إلى السوق فتجمعونه في اليوم نفسه! وهكذا تفعلون حيثما تستطيعون ذلك. لكنكم تصرخون إذا مسّ النسيم قبر يهودي. فيالحرصكم على الحرية! كتب جورج ماكاّي عن آنا سينتش بطلتكم! نسيت ذلك ياطوران؟ يذكّره قيس بتآمر المنظمة الصهيونية على اليهود! كانت آنا سنتش من القلة التي رحّلت بالاتفاق بين ايخمن النازي وكستنر الصهيوني، شرط أن تمنع المنظمة اليهود الباقين من مقاومة النازية. وصلت آنا سنتش إلى فلسطين، ونظمت في الكتيبة اليهودية، ثم أنزلها البريطانيون بالمظلة في منطقة الريف الجديد، ووصلت إلى كستنر في بودابست فسلمها للنازيين الذين عذبوها حتى الموت! مع ذلك انتخب كستنر نائبا في إسرائيل. لكنه اغتيل خلال محاكمة ايخمن كيلا يكون ممن يمكن أن يعترف ايخمن بتعاونهم معه. فهم طوران مايقصده قيس! لكنه معجب بمتابعة قيس تلك الدقائق. ياقيس، لاتضيع وقتك في الحقد! أحبك، لذلك أقول لك ارحل اليوم قبل الغد! صارت هذه البلاد لنا! انتفض قيس. قيلت هذه الكلمات نفسها لأبيه وقيس مايزال في المدرسة ومايزال يسكن في بيته وبلدته! قالها لأبيه في فلسطين صاحبه اليهودي يوسف. ياطوران، يبدو أنكم لن تتركوا لنا إلا خطا أرقّ من حدّ السيف!
هكذا ودع قيس أصحابه وأعداءه. فماذا يستبقيه؟!    






هل فهم قيس حدس الأنبياء وبصيرة المنجمين يوم قال:  مابدأ به الثوار نسيه السياسيون فكان هذا الخراب؟ أم توحّد كالصوفيين بما يفكر فيه ويحبه فشعر بوهنه! قال لأبناء بلده في المقهى: أمّنت الاشتراكية للإنسان العلم والمسكن والصحة والراحة والثقافة. إنجازها الأمان! امشوا في الشوارع حتى الصباح! لكن كل ذلك الآن في خطر. في هذا البلد الاشتراكي متحف هرتزل ومتحف نوردو الصهيونيين العنصريين! تتدفأ الصهيونية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأن اليهود ضحايا النازية. تملك الإعلام والسياسة وربما اللجنة المركزية! يوم ينهار الاتحاد السوفييتي سيسبقه هذا البلد في الانهيار. قال له رئيس الوفد الزائر: كلامك خطر، وقد يرميك في السجن! رد: ليتني مخطئ وليكن مصيري السجن! فالبلاد العربية والفلسطينيون سيخسرون سندهم العالمي إذا سقط المعسكر الاشتراكي! 
انتبه عبد الله قبل عقود من السنوات إلى قدرة قيس على قراءة الزمن. قال: تتجاوز نظرته الشاملة التفاصيل إلى الجوهر، وتلخص في دقة المسار الممكن. كان قيس وقتذاك في السادسة والعشرين، يحتاج أن يرعى موهبته، وأن يحميها فيه الآخرون. لكن عبد الله قتل، وتشرد قيس. فبقيت تلك الموهبة له حدسا يستمتع به أصحابه. يوم حلمت ياقيس بأن أبا محمد اغتيل في رأسه برصاصة الموساد، فنهضت من فراشك لاهثا وقلت في ثقة: لابد أن الاغتيال حدث، كان الاغتيال حقا قد حدث. لكن الكارثة التي تتنبأ بها الآن لاتصدق! رد قيس: بل صدّقوا! لم ينجح تدمير المعسكر الإشتراكي من الأطراف، من برلين وبودابست وبراغ. لذلك سيدمر من المركز. ليس مسار التاريخ مؤامرات. لكن المؤامرة جزء مهم من التاريخ. في عصرنا تخطط الأحداث تخطيطا. وسنكون شهود كارثة آخر عقد من القرن!
لم يتنبأ قيس بخراب المعسكر الاشتراكي فقط، بل بخراب بيته الشخصي. يوم شعر بأنه عاجز عن تأسيس وطن، وعاجز عن تأسيس منظمة أو ناد أو تجمع، تصور أنه يستطيع أن يؤسس أسرة على هواه. نفذ وصية أبيه! فتزوج شابة من أسرة كاثوليكية محافظة. فاته أنه لايستطيع أن يحبس في سجن السعادة الصغير، وأن الأسر دون جدران في الرياح العاصفة! عندما لعب لعبته القديمة فخاطب زوجته بينه وبين نفسه ولم تستشف حواره، كان ذلك متأخرا. قال لنفسه: سأعدّ حتى العشرة كي تحزري ماأريد! عدّ حتى الخمسين. احتجبت روحها عنه! فلم تعد تقرأه ويقرأها!  سترت سنة كاملة أن ابنه لايداوم في المعهد الذي سجله فيه، واستقبلته في الأعياد كأنه يعود في عطلة. اكتشف قيس مجموعة متضامنة تسوّره، أسرته وأسرة زوجته. هو الغريب! افترقا فراقا عاصفا. لم يعترف لنفسه بأن علاقته بها مرت في غروب طويل لابد أن ينتهي. وأن ذلك لم يكن فقط علاقة بين شخصين، بل بين عالمين كانا منذ البداية مختلفين. أوهمه الشباب بأنه يستطيع أن يخترع أسرة ووطنا في مجتمع غريب! فإذا به يكتشف بعد عمر أنه بين مجموعة يصلّي كهولها للأمس وشبابها للخلاص من الاشتراكية!
تجول غرباتشوف يومذاك في الغرب يطلب مساعدات. مساعدات للاتحاد السوفييتي الذي يستدين منه خمسون بلدا؟ قال قيس: يشهّر بوطنه، ويفعل مايعفّ عنه بلد من بلاد العالم الثالث! واستمع إلى ندوة تغنى فيها فالين، مسؤول العلاقات العامة في الحزب الشيوعي السوفييتي، "بالتخلف الاقتصادي". وإلى لقاء بمخرج سوفييتي في مهرجان اوربي قال فيه: كل حرب قذرة حتى حرب التحرير! وعرض فيلمه عن اليهود. تابع قيس في التلفزيون السوفييتي الانبهار بالمخازن اليابانية التي تبقى مفتوحة طول الليل. والأبحاث التي تدعو إلى "اقتصاد السوق". ورحلات غرباتشوف. وصل غرباتشوف إلى برلين الشرقية فتجمع عشرون شابا صرخوا متحمسين: غوربي، غوربي! وطلبوا جوازات سفر إلى الغرب. قال غرباتشوف لهونيكر لاتعتمد على الجنود السوفييت لحماية ألمانيا الديمقراطية! فهل رد هونيكر كما رد عليه سياسي عربي عندما قال إن المساعدات لحركات التحرر ترهقه: يكفينا أن تلجم عنا القطب الآخر! وصل غرباتشوف إلى بكين فتظاهر الطلاب وصرخوا: غوربي، غوربي! وكانت الكاميرات التلفزيونية الغربية تنتظر غرباتشوف هناك. قال قيس لنفسه: حتى التفاصيل محبوكة في مهارة! سيفرض غرباتشوف سقوط البلاد الاشتراكية! سيقتل شاوشيسكو وسيسجن هونيكر، لكنهم لن يطالوا كاسترو الذي انسحب من المؤتمر وقت أعلن غرباتشوف "إعادة البناء" !
في ذلك اليوم كانت زوجة بوخارين مدعوة إلى اجتماع كبير في مسرح، حضره ابن قيس. قرأت المرأة العجوز وصية قالت إن زوجها تلاها عليها حتى حفظتها، وظلت تحفظها منذ موته، ولم تسجلها على الورق خوفا من الإرهاب! وتكلم الرجل الذي قدمها في تفصيل مؤثر عن الجرائم القديمة، والخسائر الإنسانية، واحتفى بزمن جديد للحرية والديمقراطية. وكأنما هب إعصار قوي على القاعة لم يعرف منذ زمن الثورات الكبرى، وانفجر الحقد الذي ملأها بنشيد هادر. وجد ابن قيس أباه، عندما رجع إلى البيت، جالسا يتفرج على محطات التلفزيون التي تبث زيارة غرباتشوف إلى الصين. فجلس بعيدا عنه. رأى الطلاب يتظاهرون في الساحة ويصرخون: غوربي، غوربي! ثم وقفت الكاميرا على الدبابات. ياللفظاعة! ياللوحشية! نهض عندئذ ابن قيس وهو يصرخ كالطلاب: فاشيون، إرهابيون! هذه هي الاشتراكية! قلب الطاولة نحو أبيه وقال له: أنت مثلهم، تستطيع أن تفعل مايفعلونه هناك! أنت حتى في البيت ديكتاتور فاشي!
امتدت بين قيس وابنه مسافات أبعد مما بينهما وبين الصين. ماأعمق الغربة بينهما! لايشعر ابنه بما عاشه ولايعرف العالم الحزين خارج مدينته الهادئة، خارج البيت الذي ينعم فيه بما يريد. هل قصر عليه قيس يوما بما يرغب؟! غمره بما لم ينعم به قيس في طفولته وشبابه. يقول لقيس وهو خارج ليسهر، أريد قرشا فيقول له قيس خذ قرشين. يقول له سأعود في الثانية عشرة فيقترح عليه قيس بل عد في الساعة الواحدة. لكن ابنه لم يحترم أبدا موعدا، ولم يقدّر أن أباه يريد أن يعلمه الدقة. في مثل عمره كان قيس يشعر بأنه مسؤول عن بلاد ومستقبل! فهل لابنه مشروع جدي؟ شاب لايشغله غير التمرد الأحمق، والتسلية وشتم الاشتراكية! لايقدر الجهد الذي يوفر له الراحة في البيت والأمان في المدينة ! 
تناول قيس منفضة السيجارات ورمى ابنه بها: أيها الأحمق لاتعرف مايرتب للعالم! لاتقدّر النعمة التي عشت فيها، ولن تعرفها إلا عندما تسلب منك! هل يتمنى أب لابنه الجوع؟! في تلك البرهة تمناه قيس لابنه كي يصحو ويفهم الحقيقة! وفي تلك البرهة شعر بأنه وحيد وغريب في بيته نفسه، وأنه خسر ماأنفق عليه عمره!
غشت ابتسامة غرباتشوف اليساريين الذين رافقهم قيس في تلك الأيام فقالوا له في حفاوة: "نحتاج بريسترويكا عربية". ولم يصدقها الرسميون العرب. فهمس لنفسه: اليمين التقليدي وحركات التحرر هي التي تشعر بالكارثة لأنها تفهم ماتفقد! واستمع إلى حديث هيث عن خطر كسر التوازن الدولي!
يتفرج قيس كثيرا على التلفزيون؟ نعم! لأنهم يحاربون به! لكنه أطفأ التلفزيون نصف ساعة ليقرأ مرة أخرى مقابلة مع موري، سكرتير الحزب الشيوعي النمساوي، نشرتها جريدة يمينية نمساوية. سئل: كيف تفسر مايجري في الإتحاد السوفييتي؟ رد: أفسره بندرة الشيوعيين هناك. سئل: لكن الشيوعيين هناك يعدون 16 مليونا. رد: لم أقصد عدد الأعضاء. سئل: وكم عدد الشيوعيين هناك في رأيك؟ رد: لايتجاوز أصابع اليد. تقصد أصابع اليدين؟ رد: بل أقصد أصابع اليد الواحدة.
قال قيس: والآن ستبدأ التصفيات! لكن التصفيات كانت أنيقة! في زاوية مهملة من الجريدة خبر صغير. "ظهر أن الجثة التي وجدت طافية في الدانوب منذ أيام هي جثة..." تأوه قيس! هذا وزير الدفاع الذي يحب العرب! يالهذه الديمقراطية التي تحاسب على الماضي وتنتقم منه! استعاد قيس أسماء القتلى والمنتحرين في ذلك الشهر. نخبة كاملة! عشية رأس السنة الماضي انتقى قيس زجاجات فاخرة من النبيذ والشمبانيا والكونياك والليكور، صفها في صندوق، وحملها إلى مكتب وزير الدفاع. تعرف السكرتيرة قيسا. قالت له: غير موجود، لكنه سيعود. تفضل انتظره. قال لها: أرسلي من يحمل بعض الأشياء له. قالت: سأنزل بنفسي. ضحك: لا، أرسلي من يستطيع أن يحملها. في ذلك اليوم خابره وزير الدفاع وقال له: هديتك كبيرة. أرجو أن تقبل هديتي التي تناسب دخلي وهو أقل من دخلك. رمز صداقتنا وتقديري المقاومة العربية! هديته هذا الغطاء المطرز المفروش على هذه الطاولة! كيف قتل هذا الإنسان المثقف الذواقة؟ لاتبالي هذه الديمقراطية بثروة وطنية ولاتعتد إلا بالولاء! مع ذلك لم يتصور قيس وقتذاك أن ثروات وبنى ثقافية ومؤسسات ستقتسم وتوزع وتدمر. ستتناثر حتى المجموعات الموسيقية والعلمية والرياضية في أنحاء الأرض! سينتحر جزء من أرض البشر!
في زاوية صغيرة من الجريدة خبر آخر صغير: "ظهر أن جثة المنتحر التي وجدت في الغابة هي جثة.." هذا صديقه العزيز! قال له قيس مرة: عندما كنت أدخل مع الوفود العربية إلى بناء الجبهة الوطنية  التي تستضيفهم كنت أقرأ "هنا كان يسكن المستشرق المجري إرمين فان بيري". عرفت أنه أول رسول من هرتزل إلى السلطان عبد الحميد كي يبيعه فلسطين! يهودي كان يجيد العربية والفارسية والتركية وغيرها! فهل تغرس الصهيونية ذاكرتها حتى هنا لديكم؟ ماكس نوردو الذي كرستم له متحفا هو الصهيوني شيمون شوتفيلد، ابن حاخام بودابست. تغرس الصهيونية ذاكرة هنا أيضا! رد: ربما، ربما! لكن أليست دعوة الوفود العربية إلينا الشاهد على أننا نقاوم الصهيونية؟ ياقيس، اسمع! لاتمش على طرف الرصيف! نعم، توجد هنا صهيونية! ونصحه: لاتحمل أنت رسالة كارلوس إلينا. قل له سنقبلها، لكن ليرسلها مع شخص آخر!   
رمى قيس الجريدة. كم يشعر بأنه وحيد وغريب وحزين! كل مالديه راح مع عالم طوي. في هذا العالم الجديد لاشيء له، لاأحد له، ولامكان له، وقد يكون ذات يوم هو الجثة الطافية في الدانوب. نعم، بلاده هي الآمنة في هذا العالم المضطرب! اكتمل الحصار! اجتمعت الهزيمة الخاصة والعامة. اكتملت أيضا الحقيقة. أنه ليس من هنا، ومايزال مريضا بهواه!
قيس وحده في البيت الذي استقبل فيه سفراء، وقادة سياسيين، ولاجئين سياسيين، ومنفيين، وأصدقاء منهم كارلوس وزوجته ليلي  وصديقه ستيف. رتب ثيابه في حقيبة. على الرفوف الكتب التي انتقاها، حوله الكراسي والطاولة الخيزران الخضراء التي يحبها، "الفازات" التي اختارها من مخازن المعروضات القديمة، في الخزانة الكؤوس الكريستال المحفورة التي كان يستمتع بالشراب بها! أشياء تجسد العمر الطائر في مادة تلمس وترى! يتركها! يجب أن يرحل!
رافقه إلى المطار بعض أصدقائه. رحل دون أن يلتفت. لم يتنبأ مودعوه بعد بأنهم يجب أن يرحلوا. سيفهمون فيما بعد أن العالم القديم انتهى!
في ذلك الغروب، شعر وهو يحط في مطار فيينا بأنه آمن وحر. جلس في مقهى صغير في المطار. أمامه حول طاولة صغيرة مستديرة شاب وفتاة كأنها ليلى. في عنقها حلية في شكل عشتار. ذهل. ماذا أتى بعشتار إلى هنا؟! قال في يقين: تلك بشارة! سأجد ليلى! فهل يخيب حدسه الذي ماخاب حتى اليوم؟ طلب فنجانا آخر من القهوة. فنجانا ثالثا. انصرف الشابان فنهض. تجول أمام واجهات المخازن في المطار. ياللذوق والألوان! فجأة، رأى أمامه في الواجهة حلية في شكل عشتار. دخل وطلبها. وأكد ذلك له بأنه سيلقى ليلى. في حقيبته الهدايا التي جمعها لها خلال أربعين سنة.  مسافر ألف ليلة وليلة الذي اغترب باحثا عن الكنز، تكسرت سفنه وظنوه فقد. عاد بصندوق صغير، يبحث عن الكنز في بلده! فهل يجده؟  






عبرت امرأة غجرية صالة المطار إلى البوابة التي ينتظر قيس قربها طائرته. فتوهجت الصالة بألوان ملابسها، ورددت هسهسة حليها. لم ينظر قيس فقط إليها، نظر إليها آخرون أيضا! تلفتت واختارت مقعدا قرب قيس. تسافر إذن معه على الطائرة نفسها! مصادفة أخرى؟ لكنه خمن أنها ستنزل في محطة بعده. سألها: إلى بيروت؟ ابتسمت: كيف عرفت؟ ابتسم: أقرأ الكف دون أن أفحص خطوطه! رفعت حاجبين مرسومين في أناقة: وخمنت أيضا أني من أصل غجري؟ هز رأسه. ينحني قيس لهذا الزمن الذي فتّح جمال الغجر فأطلق شعرهم الكثيف، ووضح عيونهم السوداء، وعرض أقمشتهم المجنونة! وجعل أغنياتهم من أغنيات الملاهي الفخمة. فهل يستطيع أن يمد كفه لهذه الغجرية ويرجوها: اقرئي، ليملي عليها مايتمناه؟!    
يوم جلس في الليدو على شاطئ طبرية، في طريقه من صفد إلى صفورية سنة 1947، تنبأت له غجرية بحظ كبير عند النساء! فزها بذلك. بعد عشر سنوات، قال له رجل فحص كفه في مطعم الريّس في دمشق: أنت محظوظ بالنساء. فأطربه ذلك! لكنه كان يريد واحدة منهن، واحدة مشغولة بالدنيا كأنها لاتراه! بعد عشر سنوات أخرى استهوته في فيينّا شاعرة أكبر منه بعشرين سنة. نظرت في ضوء الفجر إلى يديه وقلّبتهما. لم تتأمل خطوط كفه، رأت خفقاتها. سمع القصيدة التي بدأت تصوغها. وضمها إليه وهو يتصور أنه يضم ليلى في الخمسين من العمر. لمس ليلى وتفقد شعرها وقامتها، ثم ابتعد إلى طرف الغرفة ونظر إلى قوامها الذي تكور على السرير. أهكذا ستكون ليلى يوم يلتقي بها؟ ليته يلتقي الآن بغجرية موشومة الجبين والذقن تهز بيدها الودع ليجلس على الأرض أمامها ويرجوها: ابحثي عنها! أين هي الآن؟ لن يسخر من نفسه لأنه يستمع إليها! سيتطلع إليها ليصدق ماستقوله وهي تنبش بأصابعها حياته. سيصغي إليها وهي تقول له: علم الله، لاهي طويلة ولاهي قصيرة، لاهي سمينة ولاهي نحيفة. قلبك هناك لكن بينك وبينها سبعة بحور وسبعة جبال. فكرك عندها، لكنك لن تلتقي بها إلا بعد سبع إشارات قد تكون سبع أيام أو سبع سنين أو سبعة عقود. قل إن شاء الله! سيجفل: لا! فتسأله: عندك شيء من أثرها؟ يتناول من جيبه صورتها ويتفرج على الغجرية وهي تتأمل ليلى، ثم تقول: بينك وبينها سؤال. عينها عليك وهي تدير لك ظهرها. لكنك ستلتقي بها بعد أربع إشارات، قل إن شاء الله! سيفرغ قيس كل مافي جيبيه على كف الغجرية، ليغريها بأن تقلل عدد إشاراتها!.
حكى للمرأة ذات الأصل الغجري حكاية غجرية طبرية. أخرج صورة ليلى من جيبه فقلبتها بين كفيها. وهسهست أقراطها مع حركة رأسها. أمها مغنية مشهورة، لكنها لاتذكر أبدا أن أحدا من أقربائها يقرأ الكف أو يهز الودع! أعاد قيس صورة ليلى إلى جيب صدره، أغمض عينيه وعاد إلى أزمنته.






عاد قيس من غربته الطويلة ليعيش في بلدة صباه. على مسافة خمسين كيلومترا من بلدة طفولته. خمسين كيلومترا أطول من خمسة ملايين سنة. لكنه كالمتحضرين الذين ينصبون خيامهم في الصيف، وكالبدو الذين كانت خيامهم حول مدينة صباه وكان يسهر عندهم شاعره المحبوب عرار، زيّن بيته ورتبه، فرشه بالسجاد وزرع حوله الورد، وجمع فيه أصحابه القدماء وأصحابه الجدد واستعاد بهم ديوان أبيه المطمور تحت التراب. فحص معهم الأمل والتعاسة، صرخ معهم وبكى في الليل على آخر سنوات القرن الذي عاش فيه. ورش على مرارة الهزائم هوى ليلى. يجب أن تبقى ليلاه من شهب القرن معلقة في السماء كيلا يعتم النهار! دفن القرن عدله وجماله، وأمسك قيس بليلاه كشمس لاحق لها في الغروب!.
وهاهو قيس العصر، أمير فاتن دون محظيات. شاعر دون منبر. سياسي دون حزب. رائد غاضب على الحاضر. مهاجر من بلاد قلبت وجهها إلى بلاد تصوغ وجوهها. مدى تحبسه المدن. ملك غاضب لأن الحاضر لايسترد انتصارات الأمس. ماض عملاق أمام حاضر قزم. صحو يشتهي الغيبوبة لينسى الحزن. رجل يقف على عتبة الألف الثالثة، كأسه في يده، وعلى رأسه المكلل بالزهر الأبيض تتوهج مدن ونساء وغابات بقيت في الألف الثانية. طوى أصحابها صورهم وابتعدوا على مساراتهم، لكن النسخة الاولى بقيت في يديه مع دويّها الرائع. هل سيجد مجد غرناطة على عتبة  الألف الثالثة، تردد له نغمات أعوادها، وهو يتنقل بين فنادق الدرجة الاولى وغاباتها ليبذّر هداياه على النساء فاتنا ومفتونا؟ لماذا يحزن؟ كان في القمة في مملكة جمهورها منتقى، ليلها منشور لخطواته العلنية والسرية!  لكن تلك الجمهورية انتهت! والزمن الذي صفّ فيه أعشاشه المجنونة والمزوّقة غير ألوانه ونصّب ملوكا آخرين!
يقف صاحيا، في لياقة، وكأسه في منتصف الطريق إلىالنخب. لو عادت جميع محباته ومحبوباته لتوسدن مرة أخرى فراشه المتجدد، ولكان ماهرا مرات أخرى في ابتكار ليال تظل على ذرى الأشواق حتى يصل النهار واهنا مرة أخرى. لو عدن لرواهن بشهده، ولسحرهن بانتباهه إلى كل خفقة في بشرتهن وفي أعماقها. لكن القرن مضى. جمع صناديقه، طوى فيها العاشقات والمعشوقات وصفّها على بوابته الكبرى. والجديدات اللواتي تسللن تحت نوافذه وقرعن أجراسهن منتظرات أن يفتح الباب لن يجدن قاعات ينتظرنه فيها، ولن يجدن كراس ينتظرنه عليها. رحّلتها الألف الثانية، والألف الثالثة لم تصفّ كراسيها بعد!
يقف قيس مدثرا بكنوزه، مرصعا بأوسمته، مزركشا بجروحه. ملكا متوجا أمام ممالكه الراحلة، والهالكة، والمبعدة، المنتصرة والمهزومة. محبوبا مرة أخرى بأمجاده المكبوتة وبأمجاده المنجزة، بجروحه الملتئمة وجروحه المفتوحة، بأناشيده الخابية وأغانيه المتوهجة. وينسج ذلك له عروشا في فراغ بين قرنين تهاوت فيه العروش القديمة ولايوجد فيه مؤمنون بعروش جديدة. يقف إلها فريدا، خالقا متألما، بطلا دامعا. لايندم على عمره المديد حيث تستلقي في غاباته معشوقاته الدائمات والعابرات، وتومض مقاهيه التي يعبق فيها سحره، ومدن الصيف ومدن الشتاء التي مشى فيها أربع عقود  ناثرا أكياس الخلفاء المعقودة على الذهب. ليس نادما على السحر الذي عطر به الفتيات السعيدات! ليس نادما على الفتنة التي بهر بها النساء وأثار بها أحقاد الرجال، واستصفى بها فقط الفريد من الأصدقاء! ليس نادما! لكنه يحلم  بأن يجمع قطرات عسله المنثورة على زهور الحدائق ويحبكها واحدة إلى جانب الأخرى ليصوغ بحيرة صافية لمحبوبته المفقودة! تحلم؟ كيف ستنسل خيوطا من نسيجك الذي نشرته في كبرياء أمير عربي ويظل ذلك النسيج سليما، مستلقيا على سجادك الأحمر المفروش هناك، وهناك، وهناك؟ في تلك المروج الشاسعة لم تكن ليلاك موجودة! على جميع السلالم التي صعدتها، في الفنادق التي سهرت فيها، في الدلال الذي غمرت به محبوباتك الشرعيات وغير الشرعيات، لم تكن موجودة! ولن يكون لها مهما سقيتها من عسل الملكة، ومهما قدمت لها من تفاح الجنة، مانثرته عليهن! تبحث عنها، يتلامح سرابها، وفي تلك اللحظة تهس العقود التي زينت بها نساءك، وتهف عطورهن، تحف معاطفهن، وتسقط مع الندى دموعهن وترن في قمر الشرق ضحكاتهن. رغم حبك العظيم لم يبق لليلى الأسطورية من القصور التي احتشدت فيها مملوكاتك الملونات والبيضاوات سوى السنوات المعتمة الأخيرة في ذيل قرن أقفل صناديقه وأطفأ ثرياته واستدار. ماأعجب ذلك! امتدت جميع حدائق قيس وجميع سنواته الذهبية للعابرات، ولم تبق لليلى المقدسة إلا أطراف مروجه..





ولد قيس في قرية تبعد عن الناصرة سبعة كيلومترات، اسمها صفورية. كانت مكللة بالتاريخ الذي يكلل قرى بلاد الشام. فكانت في أيام الرومان صفوريس، عاصمة الجليل كله. وكانت طوال الأربعة القرون الاولى من المسيحية عاصمة مقاطعة واسعة. وكانت قاعدة للفرنجة ضد صلاح الدين الأيوبي في سنة 1183، بنوا فيها قلعة، وأخذها صلاح الدين منهم بعد حطين. وبنى الشيخ ضاهر العمر سنة 1745 قلعة على تلّتها. وبنيت كنيسة القديسة حنة فيها على أنقاض كاتدرائية من القرن السادس. وذكر ياقوت الحموي في معجمه أنها قرب طبرية.
يوم ولد قيس كانت القرية قسمين. قديم وحديث، بينهما البيادر وحولهما بساتين الزيتون. تطل عليها القلعة. في مدخلها خزان ماء كبير. هنا سكّ  الاسكندر المكدوني نقودا. وسكّ عبد الملك بن مروان نقودا عليها أحرف عربية إلى جانب الأحرف اليونانية. وجد قيس بعضها وقت حفر أبوه تحت العقد في بيته ليستخرج الكنز. اكتشف في صفورية فيما بعد، تحت القلعة مباشرة، مدرج روماني لخمسة آلاف متفرج،  واكتشف شارع الأعمدة، وفسيفساء الحارة الشرقية، وفسيفساء قصر عذراء صفورية: سجادة فيها مليون ونصف قطعة.
في العشرينيات من القرن العشرين، قبل عقد من مولد قيس،  بني فيها دير راهبات صفورية على أرض وقف إسلامي، فيه عيادة طبية، ومركز يعلم الفتيات الخياطة. وقع الدير في الحرب العالمية الثانية في ضيق فقرر المجلس البلدي في جلسته في 26/10/1946 مساعدة الدير بخمسين جنيه فلسطيني. وكانت في الدير وقتذاك خمسون طالبة من قرى فلسطين. وكانت في صفورية وقتذاك مدرسة ذكور تنتهي بالصف السادس الابتدائي درس فيها قيس. ومدرسة إناث.
يوم ولد قيس كان أخوه قد مات طفلا، ودفن في مقبرة الكركي، مقبرة الأطفال التي لعب فيها قيس فيما بعد وامتطى فيها ضريح سيدي اللويسي. كانت للقرية مقبرة أخرى عامة تمتد على 15 دونما دمّر المستوطنون اليهود جزءا منها بعد الاحتلال. ومقبرة الأشراف عند سور القلعة الشرقي، التي حمتها في التسعينيات جمعية تراث صفورية. ومقبرة السعدية في منطقة باب المطلّة حيث دخلت المصفحات الإسرائيلية على الطريق المعبدة واحتلت البلد.
كانت القرية وقت ولد قيس تشرب من نبع يسمى القسطل. على طول مجراه طواحين تديرها المياه، كان بعضها مايزال يعمل في أول القرن. مشى قيس قربها آخر مرة كأنه من "قطافي الزيتون" يوم تسلل إلى صفورية. وفي سنة 1948 قبيل التهجير، عرف قيس في صفورية عشر معاصر للزيتون، تدير حجارتها البغال أو الخيول. كان الزيتون يعصر أيضا في البيوت بحجر مخروطي يدار باليد على حجر مستدير، ثم ينقع الدريس بالماء الساخن فيطفو الزيت ويجمع من وجه الماء ويسميه أهل صفورية "زيت الطفاح".
ركب قيس باصات شركة الناصرة التي أسستها في السنوات العشرين مجموعة من شباب صفورية، وسارت بين حيفا وطبرية والناصرة وإربد. وباص العفيفي الذي يملك ألف رأس غنم، صديق أبيه، وأبي غريمه فيما بعد. ورأى الشاحنات التي تنقل المحصول إلى حيفا وإربد وبغداد والناصرة وبيروت. يوم نزل قيس مع أبيه إلى دمشق وهو في الثامنة من العمر سحرته السيارة التي عبرت به الطرقات، وأمسك بها المدى. لكنه أحب الخيل، وأدهشته الجمال. أدهشته لأن لدى أبي صبحية العرّابة الطفلة التي كانت تقطف من حاكورته الصبار، ستة جمال؟!
لا، لاشيء يعلو على الخيل! كأنه وعى مكانة الخيل الأصيلة في صفورية، التي يتناقل هويتها الإبن عن أبيه. تفرج قيس على أناقتها محبوس النفس. استمتع بالفرجة عليها ورأى في الخيل قمة المهارة في الحب والتعبير الرشيق عنه. هل كان يحلم بأن يركب فرس أبيه المعنّقة يوم يصبح شابا، ويتجول بها في القرية أمام الفتيات؟
كان أبو قيس تاجر أغنام، يستوردها من الشام ومن تركيا. تبقى في حظيرته برعاية الرعيان حتى تباع. يملك دونمين من الأراضي الزراعية في جهة، وفي الجهة الأخرى ثلاثة دونمات. وفرسا أصيلة اسمها المعنّقة. يسّر له السفر بين الشام وتركيا سعة في الحياة، فلم يقصّر في الاستمتاع بها.  كان راضيا على حياته؟ أقلقه فقط أن ابنه الأول مات. وأن ابنه الثاني كان في الأشهر الاولى من حياته ضعيفا، يوحي بأنه ميت، فتوجه أمه فراشه إلى القبلة  مستسلمة للقدر. هل يستسلم هو له؟ نادى الشيخ. فحص الشيخ الطفل النحيل وقال لأبيه: غيّر اسمه، ليكون تحت نجم آخر! أي إسم أكثر شقاء من إسم قيس؟ فليكن سميّ الذي هام في الصحراء عاشقا معذبا،  ومات من الوجد! ليكن مالم يستطع أبوه أن يكنه رغم غرامياته المتناثرة في دمشق وفلسطين! يوم قرر أن يسمي ابنه قيسا كانت تنزل في بيته امرأة من حيفا، تغيب في غرفته ساعات، فتخرج زوجته من البيت صامتة لاتعبر عن غضب أو رضا. إذن فليسمّه قيسا!
تعافى قيس، كأنه مشتاق للحياة التي سيعيشها فيما بعد! وأصبح الأكبر بين إخوته. لاحظ أبوه شوقه المسرع إلى الحياة، فأرسله إلى كتّاب الشيخ. وأكرم الشيخ، فكأنما كان الدرس لقيس فقط. فختم القرآن مسرعا، وتعلم القراءة والكتابة مسرعا. غير أبوه سنة ميلاده كي تقبله مدرسة صفورية في الصف الثاني وهو بعد في السادسة من العمر. التهم قيس صفوف المدرسة القليلة. وملأ الفراغات فيها بحكايا أبي زيد الهلالي وعنترة والظاهر بيبرس وبالشعراء..
 خلال ذلك كان يلعب في مقبرة صفورية متحديا الليل والعفاريت. ويتفرج على التشباية وقت يخيم النّور في ظاهر صفورية. ويخرج إلى البيادر حيث يكوّم البرتقال ويباع كوم البرتقال بقرش. ويلعب بالبرتقال مع أصحابه كأنه كرة. ستظل نكهة برتقال فلسطين في فمه، وعبقه على كفه طوال السنوات التي عاشها فيما بعد. بعد نصف قرن من خروجه من صفورية حلم بأنه سيمسك ببرتقالة يافاوية كأنه يمسك بحجر ثمين، وأنه سيقول لليلى: "لامثيل لبرتقال فلسطين"، كأنه بائع البرتقال اليافاوي الذي كان ينادي قبل نصف قرن في حارات دمشق.
أحب قيس في بلده شجرة الخروب. عبرت شجرة الخروب الفلسطينية الوارفة الحكايا التي سمعها. تحتها يختبئ الغول، ويلتقي العفاريت. في أغصانها الكثيفة الانتصار والهزائم والحب والخوف. جرب الخروج إليها في المساء، وامتحن نفسه بظلمتها في الليل. وفي النهار استلقى تحتها مع أصحابه فلم يشعر بالشمس في عز الظهر. تلمّظ مستمتعا بدبس الخروب. وأكل قرون الخروب الخضراء المسحوقة، "أم قيق".
في طفولته تفرج على أمه وهي تنتقي السليم من الرمان، وتنتقي البطيخ، وحمله إلى "السدّة" فوضعه وسط الحنطة ليحفظ للشتاء. أتى أبوه بالعنب الحلواني، ذوّب الرمل الأصفر، ووضع فيه العناقيد ثم علقها. في الشتاء غسل عنها الطين الأصفر فإذا هي طازجة وسليمة، عنب في عز البرد!.
طفولة قيس سهر تحت النجوم، ركض في البيادر، فرجة على الحياة في القرية، وحب مبكر يلوّع ويمتع. رغبة في القبض على الحياة بالكفين، وزهو فرح بالنفس. يعرضه أبوه أمام أصحابه ليتلو أمامهم الشعر والحكايا والقرآن! ويطلبه أهل القرية من أبيه كي يغني في الأعراس بصوته الدافئ الرخيم. صوت كأنه خزن عمرا من الوجد والحب. غنى في العرس، واستمتع بالدلال. في الصباح عرف أن العريس أعاد المرأة التي تزوجها إلى أهلها لأنها لم تعجبه. قال لنفسه: لكنها حلوة! قال أبوه للعريس: علّمها! وسمعهما يسمّيان أعضاء الجسم بأسمائها. وفي ذلك المساء سمع النساء المجتمعات على المصطبة يتحدثن عما جرى بين العروسين حديثا مقطعا بضحك ونكات وحكايا. فاستمع في انتباه وبدأ يصوغ الصور كأنه يرتب المعلومات في دفتر.
في ذلك النهار مرت قرب القسطل امرأة من القرية، جميلة كالقمر. أبناؤها مثلها، جمال وحلاوة، بعضهم شقر. زوجها بشع، قصير. سمع قيس أهل الضيعة: دخلها الجن! رد آخرون: لا، البطن بستان!.
عاد قيس من وسط القرية. بين صفورية القديمة وصفورية الجديدة يخيم النّور أحيانا. يقصدهم من يريد الشراب والفرجة على الرقص والغناء! قصد قيس المرور قرب خيامهم! ليلمح من بعد رقصهم. تفرج مع الأولاد على التشباية عند النّور. وستبقى في ذاكرة قيس المقدمات الطويلة التي يتقرب فيها الحصان من الفرس. مرت وقتذاك امرأة راجعة من العين، رأت التشباية فانقلبت جرة الماء من رأسها وانكسرت. ضحك قيس بملء قلبه، وضحك الأولاد فاحمرت المرأة: كان يجب أن يحزمكم أهلكم بالحبال ويحبسوكم في البيوت! نبقى في البيوت ياخالتي؟ من يتفرج إذن على التشباية؟! يجب أن يعلقكم آباؤكم من آذانكم! لماذا ياخالتي؟ لاسرّ في القرية! حقا، يخبأ فيها فقط  من يبحث عنه الإنكليز، فيقفز من سطح إلى سطح حتى يصبح في آخر القرية ويهرب من العسكر! تخبأ الأسلحة التي يحكم الإنكليز بالإعدام على من يحملها ومن يخفيها! مع أن اليهود يبنون تحت الأرض في مستعمراتهم معامل للأسلحة! لكن هل يعرف قيس أن في حظيرة بيته مسدس في حفرة فوقها حجارة؟
عرض قيس أمام أصدقاء أبيه مايحفظه من الشعر. لكن عينيه على الأولاد الذين ينادونه بالإشارة من بعد. ترك أباه مستمتعا باعتداده بابنه، ولحق الأولاد مع أنه يدرك أنه أذكى وأهم منهم. حكت النساء أمس وهن جالسات على المصطبة، وحكى الرجال في المضافة، وهم يضحكون، عن المجنون الذي مشى نصف عار. فمرت به امرأة راجعة من النبع، ونظرت إليه. من يخشى من الإعجاب بمجنون وسيم! قالت: هذا هو السعد! فغضب المجنون: من سمح لك بأن تتحدثي عني. سأشتكي عليك! سمع قيس النساء يفخرن بأزواجهن أو يندبن حظهن. هل التقط يومذاك أن النساء لايبقين في السر تفصيلا حميما، لذلك كان مع كل امرأة كأنه أمام جميع النساء؟!
فيما بعد قال لنفسه: القرية هي الصراحة، والمدينة هي التحفظ. كل شيء في القرية طبيعي وبسيط، ولذلك لاداعي للخجل منه. كأن الانسان في الزمن الذي عاش فيه دون التعقيد الذي غمر علاقات الرجال والنساء فيما بعد بالمكر والكذب وبالخجل والذنوب!
في ذلك المساء في صفورية، سمع قيس أول مرة الأغنية التي سمعها في إربد فيما بعد: شامية وجايه من الشام! كانت الشام حلمهم، عاصمتهم. ردد: شامية؟ وتفرج جالسا بين أصحاب أبيه على رجل تزوج من شامية. كان وسط الرجال كالمحظوظ، ورآهم في صمت يغبطونه. أغمض قيس عينيه ليتصور الشام التي يحكي عنها أبوه. المدينة الجميلة ذات الورد والريحان، ذات المياه، مدينة الحضارة الرخية التي يتطلع إليها البدوي والريفي كما يتطلع المؤمن إلى الجنة. تساءل فيما بعد: لماذا يتمنى الرجل في بلده أن يتزوج شامية؟ هل المرأة هي الصورة الأخرى من المدينة المرغوبة، عاصمة بلاد الشام التي يحنون إليها؟ العاصمة المفقودة؟ عرف أمرا آخر فيما بعد: تصبح اللغة نفسها رقيقة وسحرية، مناورة ومغرية عند الشاميات. وكأنه لمس وقتذاك آثار آلاف السنوات التي شيدت حضارة في مدينة وفي ذوق وطباع.
عاش قيس في صفورية حتى السنة التي سماها العرب "سنة النكبة". في ليلة 15 تموز 1948 قصفتها ثلاث طائرات إسرائيلية. ووصلت في الليلة نفسها إلى محيطها فرقة شيفا وفصيلا مدفعية تسللت خمسة عشر كيلومترا في أرض عربية. عند الفجر احتلت صفورية كمقدمة للهجوم على الناصرة في "عملية ديكل". هاجر بعض سكانها إلى سوريا. وطرد من بقي فيها في أيلول 1948. ووضع في كانون الثاني 1949 من عاد إليها متسللا في سيارات وأجلي إلى الرينة وكفر كنا. أعلنت منطقة عسكرية مغلقة، ونسفت. رأى قيس بيته ركاما عندما رجع متسللا. لماذا نسفت صفورية؟ لماذا؟ خمن قيس السبب فيما بعد.





سمية من المعجبات بأبي قيس. جارة، خارجة داخلة إلى بيته كل يوم. يجب أن يبتكر وضعا يغطي ترددها على بيته. لذلك ألبس قيسا ملابس جديدة، وأعلن: قيس لبنت سمية! أصبحت سمية حرة.. حقها أن تطمئن على "عريس" بنتها المقبل!
عادة معروفة، لكنها ليست وعدا قاطعا: ابن فلان لبنت فلان. إذا ولدت بنت كانت لابن فلان! ملأ بيت أبي قيس بريق عيني سمية، صوتها المغني، ولونها الأبيض. لماذا سترت أم قيس ذلك الهوى؟ كانت تراه نزوة لاخطر منها لأن كلا منهما لن يهجر أسرته؟ لكن ماهو الحب الذي يفقد أبا قيس الصبر ليغزل لسمية طريقا إلى بيته، وهو يحفظ لامرأته أن تبقى زوجته الوحيدة؟ 
الحب؟ كان في أغاني أسمهان وعبد الوهاب ولور دكاش! نور القلب وضوء العين! الإنسان دونه كالوردة التي لاتراها عين، كالجرة الفارغة من الماء، كالعقد الذي لايزين عنقا! كيف سيكون الحب لقيس؟ ينظر إلى الأشجار والمدى والسماء ويتساءل عن الحب الذي سيلقاه! أيها الساعي إلى الحب ستجده على عرض حياتك، وستجد فيه الجنون والشقاء! الحب؟ بحر يمكن أن تغرق فيه فتفقده! هل سترشف الحب كالذواقة متمهلا، أم ستكثر منه حتى تشك فيه، وحتى تطلب مايحرضك عليه؟
كانت صبحية العرّابة في الثامنة. تجلس قرب أمها بجانب التنور، تلعب بقطعة من العجين وتتعلم كيف تخبز الخبز. تشكل من العجين لعبة. رجلا ستحبه؟ طفلا ستنجبه؟ ستحب ذات يوم شابا من شباب البلد تصادفه في طريق العين أو عند موقف الباص الذي ينزل من البلد! سيكون شابا وسيما تخبز له الخبز، وتنجب له الأولاد. كيف؟ متى؟ تنظر إلى المدى خلف الفرن وتقول: الله يعلم!
كان قيس يسكن بيتا سياج حاكورته من الصبار. وياللصبار! يتفتح زهره الأصفر فيزين السياج. يخضر ثمره، ثم يتورد فينتظر الفتيان قطافه بإذن صاحب البستان ودون إذنه! قالت له صبحية قرب باب البستان: اقطع لي صبارا! قال لها: أعطيك ملء الصحن إذا..! سألته: ماذا إذا؟ قال: إذا أحببتني! لم ترتعش. نظرت برهة واحدة فقط إلى الأرض. تفاوضا كما يتفاوض طفلان يلعب أحدهما مع الآخر. كم مرة تفاوضا قبل ذلك؟ اعطني الدحلة الزرقاء! إذا أعطيتك الدحلة ماذا تعطيني؟ أعطيك "كرديلة"! أي "كرديلة"؟ التي فيها الرجل الذي يرفع السيف! لا! أريد التي فيها المرأة ذات الشعر الأشقر! قبلت صبحية العرّابة الشرط. دخلت معه إلى "الحاكورة"، قطع لها الصبار، غامر بيديه، علق الشوك بقميصه، وتحمل وخزه حتى انصرفت صبحية. ملأ قيس الصحن بالثمار. كانت صبحية تقف حاملة له الصحن. عندما امتلأ وضعته على الأرض. قبّلته على خديه بسرعة وركضت. تركته سعيدا وانصرفت بصحن الصبار سعيدة. بصحن الصبار؟ بالحب! أصبح الصبار فاكهتها المحبوبة. تأتي حاملة صحنا وتقف قرب قيس. يسألها: تريدين صبارا؟ فتهز رأسها موافقة. والصبار لايعني الصبار. أكان قيس يحتاج إلى عقود من الزمن كي يتذوق نضارة تلك الأيام؟
في صفورية الجديدة التي بنيت على مطل صفورية القديمة، لاصبار على سياج بيت قيس. لكن للبيت شرفة تطل على طريق العين. تمر البنات بها حاملات جرارهن. تفرج عليهن. ميز جرة كل واحدة، حفظ مشيتها، وقفتها، ضحكتها، جرس صوتها. استحلى منهن قريبته غزالة. صار يعرفها أكثر من صاحباتها. كانت في مثل عمره. وربما في التاسعة من العمر.
في تلك الأيام كان قيس كالناس مفتونا بأسمهان. تبكيه أغنية "ليت للبرّاق عينا"  كأنما في أعماق قلبه آبار سرية للحزن فتحتها الأغنية! لماذا يلمسك، ياقيس المدلل، الأسى أكثر من الفرح؟ ألأنك تستشف الحياة التي سترمي نفسك فيها؟ أم لأن الحزن أكثر رسوخا في الدنيا من الفرح حتى اليوم؟ لأن في الهواء الذي تتنفسه قهر عريق كجبال هذه البلاد، كأنقاض حضارتها المنثورة في الحجارة والرمال؟ هل ورثت الحزن فتسرب إليك في الدم من المدن المحروقة قبل عصرك والتي ستحرق في زمنك؟ من القتلى الذين كانت تكوّم رؤوسهم أبراجا عند بوابات المدن؟ من الرؤوس المقطوعة التي كانت ترسل كالهدايا من بلد إلى بلد، دليلا إلى أن الانتقام حدث والحكم نفذ، أو تملقا من محكوم لحاكم فظّ؟ من المصلوبين على أسوار المدن؟ من السبايا اللواتي كن يوطأن في عجل قبل أن تدفع فديتهن أو قبل أن يوزعن على المنتصرين توزيعا آخر؟ من أغاني الجواري الحزينات على السيد المحبوب المقتول، الراغبات عن القاتل الوارث؟ أم هذا الحزن الذي لاسبب له صدى من أحزانك المقبلة؟
أخرج قيس الغرامافون إلى الشرفة. لكنه لم يضع كوانة "ليت للبراق عينا". بل اختار "اسقنيها بأبي أنت وأمي" ووجه بوق الغرامافون إلى طريق العين. صدحت أسمهان: "املأ الكاس ابتساما وغراما". وصل صوتها إلى البنات عند النبع في جو لاصوت فيه إلا صوت العصافير. التفتن ولاحظ أنهن أبطأن. نظر إلى غزالة! هل تتبين غزالة أنه ينظر إليها، وأنها المقصودة بالأغنية؟ أيمكن أن تظن كل واحدة أنها المقصودة؟ لا، عرفت غزالة أنه ينظر إليها، أنه وجّه بوق الغرامافون نحوها، وأنها هي التي يتمنى أن تملأ له الكأس. وضاع قيس في الالتباس بين كأس ماء من الجرة وكأس خمر محرمة، لم يذقها بعد ولم ير أحدا يذوقها حوله. نظرت غزالة إليه، ولمح طيف ابتسامتها. يعرف أن هذا الحب لامدى له، ويستمتع بما يسببه ذلك من الحزن. كيف ستصل ياقيس إلى غزالة المحاطة برفيقاتها؟ هل ترغب بهذا الحب من بعد كي تستمتع بعذابك؟ وتجد به مبرر حزنك؟ غزالة قريبتك فما أسهل أن تذهب معها إلى الحاكورة! هاهي غزالة! تمشي وحدها إلى النبع حاملة جرتها. وضع الكوانة منذ رآها في أول الطريق، وصدحت "اسقنيها" لكنه تمسك بالشرفة. لم يخرج إلى الطريق كي يلتقي بها! رأى ابتسامتها كاملة. له! له! ربما اختارت أن تمشي إلى النبع وحدها كي تعرف هل هي المقصودة بأغنيته؟ تلكأت قرب شرفته. وعبأ عينيه منها. فهم كل منهما أنه يحب الآخر. يحبه؟ هل لذلك اسم آخر! أكملت غزالة طريقها إلى النبع، وبقي قيس واقفا قرب أسمهان. ظل يتابعها حتى كادت تغيب عنه. انتظر عودتها. وراقبها وهي تصبح أكثر وضوحا كلما اقتربت من شرفته. كانت الكوانة قد انتهت فعبأ زنبرك الغرامافون وأعادها مرة أخرى. أنزلت غزالة جرتها عندما أصبحت موازية شرفته، ونظرت إليه. فهم أنها تقول له: هل تريد أن تشرب؟ واندفع إلى حافة الشرفة يملأ منها عينيه. لماذا لايأتي ليشرب من جرتها؟ أليست أسمهان تغني باسمه اسقنيها؟ لم يتحرك! فرفعت غزالة الجرة إلى كتفها ومشت وهي تلتفت إليه وتبتسم. وبقي قيس واقفا عند حافة الشرفة.
لكنه في مرات أخرى جلس تحت شجرة السدر الوحيدة في البلد، على بعد مئة متر من العين. فوقه ثمر الدوم الأصفر يزين شجرة السدر. هناك العين بين الحارة الغربية والحارة الشرقية، التي تستقي البنات من حنفياتها، وتشرب المواشي من الران الواسع قربها. ستمر البنات الراجعات من العين أمامه! هاهن! وغزالة تعبره وهو يصغي إلى رنة خلخالها. غنى كأنما لنفسه: "ياحليوه طاب حمامك، وأنا ع الباب بستنى، يامحلا رنة خلخالك، رنة خلخالك جنّنا.." سمعته فقط غزالة؟ لماذا تضحك إذن رفيقاتها وينظرن إليه؟ كان قيس يومذاك وحده تحت شجرة السدر التي يتسع ظلها لأربعين شابا. فالشباب مشغولون بالتشباية على بعد خمسين مترا من العين حيث ينزل النّور. سيرى قيس غزالة مرات في البيادر والناس منهمكون في درس القمح وتذريته. وسيأتي إلى هناك فلاحون محملون بثمار الزعرور التي قطفوها من الشجر. ستركض غزالة وسيتبعها وهي تتفرج على المقايضة: مدّان ونصف من القمح بمدّ واحد من الزعرور! بعد صب الزعرور بالمدّ الخشبي سيغرف قيس ملء كفيه منه لغزالة.
- تحبين الزعرور؟
- وأنت؟
- أحبه! كم أحبه، ياغزالة!
- تحبه؟
تسأله عن الزعرور أم تسأله عنها؟ سيسعى قيس إلى شجر الزعرور، ليقطف لها ملء قميصه، ويعود موشى الذراعين بالجروح!         





صار قيس يحب كرم ابن عم أبيه! في الكرم دوالي عنب وشجر زيتون. وفي طرف البستان المرتفع شجرة توت كبيرة، قربها عين ماء. لابد أن تأتي غزالة إلى هنا! لابد! لكنها لم تأت في ذلك اليوم. أتت أختها خديجة. وكان قيس وقتذاك على شجرة التوت. رآها من فوق، في طرف البستان تنكش الأرض. ثم جاء شاب لايعرفه قيس. لابد أنه من قرية أخرى! فتركت الأرض ومشت معه حتى الشجرة التي تسلقها قيس. بقي زمنا حابسا نفسه. ورأى الشاب يتناول يديها ويضعهما على صدره ثم رآه يقبلها. غصّ قيس بريقه وأغلق فمه بيده. نهضت خديجة وتلفتت حولها. لم ترفع رأسها إلى أعلى! لماذا ابتعدت؟ خافت؟ وانصرف الشاب. 
لم تظهر غزالة بين البنات الذاهبات إلى العين. فقدر أنها في الكرم. ركض، ركض حتى انقطع نفسه. رآها على شجرة التوت في طرف البستان، فوقف حتى هدأ. ثم مشى حتى الشجرة. لم تكن غزالة في عمر خديجة لتلبس شنتيانا، فرأى ساقيها العاريتين..
- كنت مارا بالصدفة فقلت أطل على الكرم..
- كنت مارا صدفة؟
- نعم، صدفة!
من يربط زمبرك الفونوغراف إذن ويضع كوانة أسمهان، فتقول البنات: لك ياغزالة! تحادثا وهي ترمي له حبات التوت حتى وصلت خديجة. رأتهما فصرخت: غزالة، انزلي! لم تنزل غزالة بل ارتفعت غصنا إلى الأعلى. هجمت خديجة على قيس رافعة قضيب الرمان بيدها. صاح: لن تضربيني! وإياك أن تضربي غزالة! سأقول لأهلك إنك كنت هنا مع..! رأيتك.. رأيتك! ذهلت خديجة وارتخت يدها عن القضيب.
كانت هي التي ترعى الغنم وتحلب الماعز. منذ ذلك اليوم صار قيس حرا في الجلوس مع غزالة على شجرة التوت. وحاولت مرة أن ترمي حبات التوت في فمه تماما وهي على الشجرة فلوثت قميصه. وصارت خديجة تحمل له الحليب الطازج، وتخصه بالشمندور، وترسل له الهريسة الطيبة. بقي ذلك الحب بينه وبين غزالة حتى انشغل عنها بالغزال. كان حبا كالزهر يتفتح في الربيع على أغصان عارية، ثم يترك مكانه للورق الأخضر. غاب عن غزالة أول مرة وقت زار عمه في مستعمرة بيت لحم الألمانية.  
المستعمرة قرب صفورية. لكن الطريق إليها يتلوى فيصل قيس على الحمارة في ساعة ونصف. يشتغل ابراهيم، عم قيس، هناك. المستعمرة فيلات كل منها من طابقين. في طرف المستعمرة بناء متصل من طابق واحد، فيه لكل عائلة من العمال العرب غرفتان. في أيام الصيف تنام الأسر على السطح المتصل فتكاد تتجاور. ينام قيس عند عمه أحيانا، ويمتعه أن يملأ عينيه بسماء واسعة كثيرة النجوم. يستلقى على الفراش ويحاول أن يعدها. فيقول له عمه في حنان: تعد النجوم؟ ستظهر الثآليل في يديك! يضحك قيس. لن تظهر! يلتفت قيس بعد ذلك إلى النائمين ويخمن متى يغفو ذاك ومتى ينام هذا.
في المستعمرة أشجار فاكهة، أشجار زيتون، وحقول من القمح والذرة. وحول المستوطنة غابات من شجر البلوط. يسرح قيس  متنقلا مع عمه، متفرجا على البساتين التي يرتبها الألمان، وعلى الزهور التي يحشدونها حول بيوتهم. 
يستقبل العم قيسا عادة في فرح. ويسعى قيس إلى ذلك الحب ساعة ونصفا على الحمار، قاطعا البساتين والبيادر، صاعدا وهابطا مع الدرب. لكنه هذه المرة استعجل الحمار طول الطريق لأن عمه أرسل له خبرا: التقطت لك شيئا ظريفا. تعال!
برقت عينا قيس: ماهو هذا الشيء ياعمي؟ جرّه عمه من يده: تعال! في الليل وضعت الأفخاخ في غابة البلوط. فأمسك فخ بقدم غزال. غزال صغير، صغير ظل يتأوه حتى الفجر. نقله العم إلى بيته وقال: هذا لقيس! قال العم: لعل عمره لايتجاوز الشهر. خذه واعتن به! احتضن قيس الغزال. لو عرفت ياعمي، لحملت له سكاكر! كانت الإقامة تطيب لقيس في المستعمرة. لكنه الآن يريد العودة فورا إلى بيته، ليعانق الغزال، ليطعمه، ليدلله، ليحبه!
ركب قيس الحمار. وضع عمه الغزال بين يديه: مع السلامة! عاد قيس إلى صفورية مبطئا من الخوف على الغزال. لمحته أمه من بعيد فخرجت. سألته: أين ستضعه؟ سمعها أبوه. لماذا رجع قيس مبكرا؟ وقف في الباب. احتفوا بالغزال. لكن هذا غزال قيس! لايخفى على قيس أن غزاله حزين، وحيد. لاتخف، ياغزالي! سأحبك أكثر من أمك! ربّت قيس على جبين الغزال، على عنقه ورأسه. نظرت عينا الغزال الواسعتان إلى قيس. وتفرج قيس على أهدابه. حلو، حلو! عانقه. مدّ له كفه المليء بالسكر وشعر بلسان الغزال عليه. هذه أول إشارة رضا منه! في الليل أفاق قيس مرات ليتفقد الغزال. فنهض أبوه وجثا إلى جانبه: غزال حلو! الحق معك! لكن نم. الغزلان أيضا تحتاج النوم!
طار صيت غزال قيس. غزال يتبع صاحبه أينما مشى. فيزهو به قيس أمام الأولاد. يطلبون أن يلمسوه، يرجون أن يطعموه. لا! لايأكل إلا من يدي! تفرجوا! رافق الغزال قيسا وأصحابه إلى البيادر، واكبهم وهم يمشون في القرية، ويصلون إلى الزيتون. استمتع قيس بالركض والغزال يركض خلفه. سبقه الغزال واستدار إليه. أتت غزالة وتفرجت على الغزال. سألها قيس: حلو؟ قالت: لذلك ماعدت تأتي إلى الكرم؟ قال: سأحاول أن آتي غدا! سألته: مع الغزال؟ رد: لاأعرف! إذا أراد الغزال أخذته معي! سألته: صار يفهم كلامك؟ رد مزهوا: يفهم! انظري! ناداه: تعال! فحرك الغزال أذنيه واستدار إلى قيس. قال: شفت؟! جثت قرب الغزال: اتركني ألمسه! قال: المسيه! نظر إليها الغزال. قالت: ماأحلى عينيه! زها قيس. كأنها تقول له ماأحلى عينيك!
في تلك الليلة سرق الغزال. بحث عنه قيس في البيادر والكروم. قال له أبوه: لن يتركوا أثرا يدلك إليه. لو عرفت من سرقه ياويله! وكان صادقا. هو أيضا أحب الغزال! لكنه لن يبوح لقيس بما يظنه: أكلوا الغزال! يقال إن لحمه طيب! ذاق مرة كبة في الشام من لحم الغزال!
قطفت غزالة آخر حبات التوت لقيس. تدلله؟ شاركته حزنه على الغزال. وفي ذلك اليوم نادته ليصعد إليها على شجرة التوت. وهناك عانقته: لاتحزن ياقيس! كنت أعرف أنهم لن يتركوه! عرفت؟ كيف؟ ردت: لأنه حلو! هل كانت تدرك أن الجميل مهدد، وأن مصير النقي مرّ؟ كيف خمنت مالاتستطيع ولايستطيع بعد التعبير عنه؟    






لعل أحلى أيام قيس وقت كان يتنقل بين عالم النساء وعالم الرجال. فيسمع حكايا النساء وأساطيرهن، ويلحق أحلامهن، ويضحك من نكاتهن، ويعرف منهن الوجه الخفي من رجالهن. ويشرف في مضافات الرجال على المدن ويعرف حوادث البلاد ويسمع الشعر. يتعفف الرجال عن ذكر النساء، ولعلهم لايعرفون إلا ظاهرهن. لكن النساء يفصّلن في حديثهن عن أزواجهن وأولادهن. فينشرن المخادع والأسرة في صراحة، ليعلن السعادة أو التعاسة أو يطلبن النصيحة أو ليضحكن. فيرى قيس خفايا الرجال الذين يظهرون في المضافة، ويعرف ظهر الصورة. ويتبع مؤامرات النساء الصغيرة، ويكتشف فيها صبرهن ومثابرتهن.
انتظرت أمه سفر أبيه مع التوبي الذي كان من  مسؤولي منطقة الجليل الأعلى في ثورة 1936 وخرجت مع زوجته عائشة. ركبت كل منهما حمارا، وأردفت عائشة قيسا وراءها فلف ذراعيه حول خصرها. رحلوا إلى قرية المشهد، بين كفر كنّا والرينة. في الطريق وضع قيس خده على ظهر عائشة، وعندما التفتت إليه في حنان شد ذراعيه حول خصرها. تعرف أنها تعجبه، ألم يقل لها أمام النساء: لماذا لست أمي؟ كانت بيضاء، ممتلئة، بضّة، في وجهها رضى السعادة. وهي الوحيدة بين النساء التي لم تكن تتحدث عن تفاصيل حياتها مع زوجها. تقول فقط: هنيّ، رضيّ، لم يرفع صوته أمامي مرّة! كانت عائشة وقتذاك في الخامسة والعشرين من العمر. لكنها منذ تزوجت لم تنجب. لذلك قصدت مع أم قيس الشيخ المشهور في قرية المشهد. انتشرت شهرة الشيخ منذ داوى طفلة مشلولة فخرجت من بيته تمشي. كيف داواها؟ روى أبوها أن الشيخ سأله كيف أصيبت بالشلل، فقال له: أفاقت مشلولة. قرر الشيخ أن يداويها بالتي كانت هي الداء. كان المرضى يقيمون يوما عند الشيخ فيأكلون وينامون الليل عنده. فطلب من أمها أن تمثل خلال الأكل أنها تختنق. عندما مثلت دور المختنقة بالطعام صرخ الشيخ للفتاة: هاتي كوب ماء! فهبت البنت واقفة. داواها بالرعب الذي شلّها! وداوى النساء العاقرات بشاش مضمخ بسائل، فانتشرت أخبار من حملن ولم تنتشر أخبار من فشلن.
تفرج قيس على الشيخ المهيب وتناول من زوجته الغداء تحت شجرة الخروب التي تظلل البيت كله. سهر تحت سماء موشاة بالنجوم حتى غفا، وفي الصباح ركب الحمار خلف عائشة. في الطريق عبرهما خيّال مسرع فجفل حمار عائشة ووقعت على الأرض، ووقع معها قيس دون أن يفلت خصرها من ذراعيه. على الأرض ضحكت فأضحكته وبقيا مكانهما ضاحكين زمنا وأمه واقفة تتفرج عليهما. ثم ضحكت هي أيضا. فاستسلم قيس للحمرة البراقة التي غمرت وجهها، وانقلب على ظهره لتملأ عينيه فلايرى سواها. وبقيت فوقه على زرقة السماء متألقة، وغمرته السعادة لأنها ليست في تلك البرهة أقل جمالا ونضرة من عائشة. عندما امتطت المرأتان حماريهما سارتا متوازيتين وفهم قيس من حديثهما أن أمه طلبت من الشيخ أن يبعد زوجها عن النساء. فأعطاها الشيخ ورقة مكتوبة لتنقعها في الجرة التي يشرب منها زوجها الماء. لكنه أوصاها: يابنتي، يبطل هذه الأوراق الوجه العبوس، وتقوّيها النفس الرضيّة! فهل أضحكت أمه فقط عائشة وقيس المتشبث بها؟ أم الفلاة الرحبة التي تصغّر الهموم وتذكّر الإنسان بأن مايفسد حياته عابر وتافه؟ أم كانت مستسلمة لنصيحة الشيخ، ولوهمها بأن زوجها لن يرى من النساء غيرها، مثل عائشة الحالمة بطفل؟    
لم تستبق تلك الرحلة الممتعة إلى قرية المشهد قيسا عند أمه. فلازم أباه في الأمسيات. وبدا لأمه أن أباه هو الذي يربيه ليكون مثله. فلوّحت له بتجمع النساء على المصطبة وبهسهسة حليهن وأحاديثهن المسلية، وقالت له، وهو يبحث عن متسع ليجلس قرب عائشة، كأنها ستحرمه من الجنة: كبرت! رح إلى مضافة أبيك ففيها مايسليك أكثر من مصطبتنا! هل تدري أنها كانت تعلن حقيقة، فقريبا لن يستطيع قيس أن يستمتع بقبل النساء اللواتي يرغبن بأن تكون أجنتهن مثله، ولن يستطيع أن يحيط خصر عائشة بذراعيه، ولن يسمح له بأن يدخل الحمام مع أمه. سيحرم من عالم النساء الملون الفاتن. تلومه أمه لأنه يلتصق بأبيه؟ وتهدده بأن تحرمه مبكرا من جنة النساء؟ لو تفهم حاجته إليها وإلى أبيه معا! عند أبيه يتفرج قيس على الحياة! يراقب أباه ويتعلم منه الحكمة والسياسة! ابتعد قيس عن المصطبة متألما. وسمع عائشة تلوم أمه: لو كان عندي ابن مثل قيس لاستبقيته قربي!






طلب رجل من أبي قيس أن يجحّش زوجته! ينتخب عادة للتجحيش صديق موثوق أو رجل وضيع لايمكن أن يمسك الزوجة. الرجل صاحب أبي قيس. ويفترض أن يقوم هو بالتجحيش. لكنه لن يفعل ذلك! اعفني من هذا، زوجتك مثل أختي! والتجحيش لايقنعني. على الرجل أن يتحمل نتيجة تسرعه! لكن اختر من تشأ أكن شاهدك!
قال أبو قيس لابنه: التجحيش درس للرجل الذي يرمي القسم بالطلاق على زوجته ثلاث مرات. لاتجوز له إلا إذا تزوجها آخر ثم طلقها. في الشرع يجب أن يذوق من يعقد عليها عسيلتها، وأن يتحمل زوجها القديم ذلك. لكن لاأحد يذوق عسيلة أحد! شهد أبو قيس ذلك الزواج الشكلي. لكن زوجة صديقه أطالت الخلوة بزوجها الجديد، وزوجها القديم يحترق قرب أبي قيس. ثم خرجت وأعلنت أنها لاتريد الطلاق من الرجل الذي تزوجته "على سنة الله ورسوله"! سترحل معه إلى قرية أخرى لأنها خرقت العرف، وهي تقبل ذلك! من باعني بالفول أبيعه بالقشور! 
كان أبو قيس وهو يلملم الفضيحة ويهوّن على صاحبه المصيبة، مشغولا بأخيه ابراهيم. من حظه أنه أنجز شراء الغنم من تركيا وسلّمه للراعي قبل أن ينغمس في مشاكل من حوله! تزوج ابراهيم، أخو قيس، من ابنة السعدي، بطل انتفاضة 1936 الذي يسكن قرب القلعة. يقول السعدي إن أخا قيس كبّر الكلام، ولم يحترم المقام. لذلك سحب بنته واستعادها إلى بيته. أرسل ابراهيم "جاهة" إلى السعدي، فردها! أرسل أبو قيس "جاهة" أخرى فردها السعدي. تريد المرأة العودة إلى بيت زوجها لكن أباها عنيد. غضب أبو قيس وقال لأخيه: سأخطب لك امرأة أخرى ولتبق بنت السعدي عند أبيها! أعلن أبو قيس في تلك الليلة أمام المجتمعين أن البطولات التي يدعيها السعدي فيها كثير من الخيال، وفيها مالايقبله قلب المسلم كقتل الأبرياء ولو كانوا أعداء. ودعا الحاضرين إلى عرس أخيه ابراهيم.
تجمع الناس في الباحة أمام غرف العقد في منتصف الليل. غنوا ورقصوا وأكلوا. وفي منتصف الليل دخلت أم العروس إلى الغرفة التي اجتمع فيها العروسان تحمل صينية فيها طعام. ثم خرجت وأغلقت عليهما الباب. بقي الناس في الباحة. عندما سمعوا صرخة المرأة أطلقوا الرصاص في الهواء وزغردت النساء. ثم مد رجل منديلا أبيض من الباب، تناوله العروس وأعاده بعد أن غمسه بدم عروسه. فأطلق الرصاص مرة أخرى وارتفعت الزغاريد.
كان ابراهيم يعرف في تلك الليلة أن بنت السعدي تبكي، وأن أباها غاضب ومغموم. تعرف ذلك النساء المحتفلات بالعرس ومنهن أم قيس. يعرف ابراهيم أنه  سيستعيد زوجته بنت السعدي عندما يلين أبوها. لكنه منساق في الحياة، ولايمكن أن يعارض رغبة أخيه الأكبر. يجب أن يولد له أبناء، يجب أن يدافع عن كرامته أمام أهل البلد. لايستطيع أن يكون عاشقا يبكي على امرأة يحجزها أبوها عنه. مع أنه في الليلة الاولى مع امرأته الجديدة فهم ماكان بينه وبين بنت السعدي من السعادة. وميز الفرق بين بنت السعدي التي تبدو كأنها نحتت لأجله وبين هذه التي تفيض عنه.
تفرج قيس على العرس منذ بدأت الاحتفالات به. مشى بين بيت عمه وبين بيت العروس. غاص بين الرجال وبين النساء. استمع إلى الأهازيج. لم يدعه أحد كي يغني كما يدعوه الغرباء في أعراسهم. فبدا صغيرا في بيته. لكنه تأمل المنديل الأبيض المرقش بالدم، وأنصت إلى الفرح الذي امتد في طلقات الرصاص. هل أفهموه في ذلك اليوم أنه يجب ألا يتزوج إلا بكرا؟ أم أشربوه زهو الرجل بأن يكون الفاتح الأول؟ جلس إلى جانب أبيه في آخر الليل. رأى الناس ينصرفون بعد أن أعلنت لهم شهادة الدم شرف الفتاة التي تزوجها عمه. واندفع في قلب قيس حب للنساء اللواتي بدأن ينصرفن. نظر إلى قاماتهن وملابسهن الزاهية وسمع أساورهن وأقراطهن وعقودهن، وحط نظره عند غزالة التي كانت هي أيضا بين برهة وأخرى تنظر إليه. احتفلت البلد بالعرس، فهل سيتزوج قيس هكذا ذات يوم، فيدقون له الطبل وينفخون له بالمزمار ويطلقون له الرصاص ويمد يده إليهم بمنديل أبيض مرقش بدم عروسه؟ هل سيعرض دم امرأته المحبوبة للغرباء؟ نظر إلى غزالة ورأى في عينيها سعادة ونعاسا. وكان هو أيضا سعيدا لكنه يشتهي النوم.
توسطت النساء فأعدن بنت السعدي إلى بيتها بعد أن ولد لزوجها ولد من زوجته الثانية. عاشت مع ضرتها في بيت واحد. وانتقلت معها وقت الهجرة من صفورية إلى دمشق، وسكنت معها في المزة. أما السعدي فبقي في صفورية! قاوم الإسرائيليين حتى قتلوه تحت شجرة البلوط المعمرة أمام بيته قرب القلعة.





هل تستطيع أم قيس أن تملأ عيني رجل يتنقل بين بلاد الشام متاجرا قادرا أن يلبي مايشتهيه ويروي أهواءه؟ ماذا يستبقي رجل معتد بشبابه، بعيد عن أيام المرض وأيام الشيخوخة، مخلصا لزوجة واحدة؟ أوهمته قوته وغناه بأنه لن يضعف ولن يفتقر، وكانت نساء المدن التي يعبرها مغريات وممكنات.
لمح قيس أهواء أبيه، فهل فهمه وهو بعد في الثامنة من العمر؟ أمسك قيس بمكانة الولد الأكبر لدى أبيه. وربما كبّرته في العمر الصداقة التي أشعره بها أبوه، والمكاشفة بينهما. وكأنه قبل ماعرضه أبوه دون كلام: واجب رب الأسرة أن يشبع امرأته ويكفي بيته، وحقه في  حياة متسعة لاتطالها زوجة مشغولة بأولادها وطبخها. المسرات حق الرجل، شرط أن يعود بعدها إلى أسرته! بين الناس والأهل مكان الزوجة. لامكان هناك للعشيقة! فهل قبل قيس مبكرا، أن يجمع الرجل بين حقه في التنقل بين النساء وبين واجباته في الأسرة؟ أم دفعه إلى المسار ذاته فيما بعد، حبه المفقود؟
في ذلك العمر راقب قيس أباه معجبا به. سجلت أمه له ذلك. وغشها أنه معتد بنفسه، فلم تفهم حاجته إلى أن تحتضنه وتربت على رأسه حتى ينام، وتعانقه حتى يشعر بنفسها الحار على رقبته، وبصدرها على صدره، وبذراعيها حول كتفيه. فظل عطشه إلى الأم قويا، قاهرا، مع أنه رفض بكبرياء أن يتصور أنه كان دائما يشتهي في المرأة، الأم! فهمت كونستانس ذلك بعد عقود، فتحملت من الشفقة والرحمة إهانته مرة، وبحثت له مرة عن صديقته، واستقبلت مرة صديقته الأخرى. لو انتبهت ليلى ذات يوم إلى عطشه إلى الأم لتندت عيناها وأغضت. ولسألها: وأنت؟ ولردت: شبعت من أمي!
كان في الثامنة يوم رأى أمه جالسة على كرسي الحمام المنخفض. غرفت الماء من الجرن. تفرج عليها ذاهلا وهي تسكب الماء على شعرها الطويل وتغمض عينيها رافعة رأسها إلى أفق لاتراه. لمعت كتفاها، وتابع قيس سيلان الماء على صدرها وبطنها وركبتيها. عندما شهق قالت: قيس، أنت هنا؟ همهم: هنا! قالت: ناولني إذن صابونة. هذه صغيرة! وضع الصابونة في كفها ورأى ذراعها تمتد إليه بطولها، فيصبح كتفها أكثر جمالا. تساءل: لم يرها أبي وهي تغتسل أبدا؟ أمتعه صوت الماء المنسكب عليها، ومد يده فلمسه. ماذا تفعل ياقيس؟ ألمس الماء! ضحكت. كانت في تلك البرهة رائقة. كأنها لاتفكر إلا بنفسها، ولاتحس بهزيمتها الدائمة أمام أبيه. كأنها تمخر الدنيا وهي تستحم، فرحة بجسمها، بالماء، بالصابون، وتسمع تنفس بشرتها. قالت له: ماتزال هنا؟ إذن افرك لي ظهري. تناول قطعة الليف التي زرعتها وجففتها ونظفتها. لمس رقة الليف الذي امتلأ بالماء والصابون وخشونته. فرك ظهرها من أوله إلى آخره مبهورا ببشرتها. تكاد تكون دون عظام. في مكان العمود الفقري قناة ضيقة منخفضة قليلا عما يجاورها. لايوجد لوح الكتف! انتبهت إلى يده. كم أنت ماهر ياقيس! سأجعلك تساعدني في غسل إخوتك!
هل فهم قيس هناك أن الحمام في الشرق وقت للراحة والسعادة، للنفس؟ تنوس فيه المرأة بين المفرد والجمع. تحزم بقجتها المطرزة، تحمل معها "الترابة" الطيبة وصابون الغار، تحمل طعامها ومخللاتها وتدعو جاراتها، فيتجمعن معا في الحمام. تتنقل ليلى، كالفتيات الصغيرات، بين النساء في حمام عمره خمسمائة سنة، وتتوه بين نساء عاريات، بين ضجة طاسات الماء، بين نوافير البحرة تحت القبة، وبين نجوم الوسطاني والجواني. قبة سماوية أخرى، مصاطب ومناشف مطرزة بالخيوط المذهبة والفضية، ملابس زاهية، صحون الطعام، نكات وأحاديث وحكايا، أجران وقباقيب ومياه. تهرب ليلى كلما نادتها أمها لتفركها. تجلسها في حضنها وتغطيها بالصابون. تنزلق هاربة. تمسك بها إحدى النساء وتقودها إلى أمها لتسكب عليها الماء.
ترك قيس باب الحمام مفتوحا. لفّت أمه نفسها بالمناشف. لذلك هب قيس واقفا عندما قال أبوه سنذهب إلى حمامات طبرية: عظيم! سأله أبوه مداعبا: تعرفها؟ لم نأخذك بعد إليها!
نزل قيس وأسرته في بيت في طبرية ذي فسحة واسعة تظللها دالية كبيرة. في طرف الفسحة ليوان يرتفع عليها. رأى قيس صاحبة البيت جالسة ولمح أباه يلمس كفها التي تمسك بفنجان القهوة. وخمن أن أباه يعرفها. لايعني نزول أبيه إلى طبرية التجارة فقط إذن!
استبقي أخوه الصغير معه وذهبت أمه إلى الحمامات. تنزه مع أخيه على شاطئ طبرية. وجد أصدافا صغيرة جدا. ثم ملّ ذلك. فعاد إلى البيت يجر أخاه مرة ويحمله مرة. تركه عند صاحبة البيت ومشى إلى بركة النساء. بركة واسعة، الماء فيها إلى الركبة، ماء ساخن متدفق جار. احتجت بعض النساء: كبير! اخرجيه! ردت على المحتجات نساء أخريات: صغير لكن قطعته كبيرة! قالت أمه: لم يبلغ بعد الثامنة! قالت امرأة ساخرة ماتقوله عادة النساء: هاتي أباه معك في المرة التالية! بقي قيس هناك خلال ذلك الحوار وبعده. جلس على أرض البركة القديمة وغرف منها الماء، تمرغ بالماء. وتفرج على النساء. يالهذا المخلوق الراقي! ماأملح النساء! بدا له أن الرجال مساكين لأنهم ليسوا كالنساء. زاغت عيناه وهو يرى نساء يغرفن الماء، ونساء راكعات في الماء، ونساء مستلقيات أو جالسات على طرف البركة، ونساء يتنقلن. ويوم رأى فيما بعد في اوربا لوحات تسجل الحمامات الشرقية تنهد: ناقصة! دون أصوات وبخار وحركة، دون طيب! غاب عن اللوحات أيضا عبق التاريخ الذي تنفسه قيس يومذاك. فحمامات طبرية التي وصل إليها بين آثار طبرية القديمة، تذكّر بحمّات الكنعانية، بمشيدات الرومان، بالفتح الإسلامي الذي هندس الحمام العتيق، والجزار الذي شيد الحمام الكبير. ليت رجلا أمسك بيد قيس يومذاك ودلّه إلى الفضاء الخفي في تلك الأمكنة، وحدثه عنها ليزيد من نشوته، ويقول له ليس سببها المياه المعدنية الحارة، ولاالنساء المتمرغات فيها، بل المكان الذي احتضن كل ذلك!   
بعد طبرية رافق قيس أباه إلى القدس. تجول معه في المدينة. انتظره حتى اتفق مع التجار وحاسبهم. صعد أدراج القدس العتيقة، تفرج على الأسواق، وتوقف أمام السبلان وفتنه سبيل قايتباي. مشى إلى المسجد الأقصى. أذهلته باحة المسجد الواسعة، والسجاد والثريات والسقف المرتفع. صلى في المسجد الأقصى مع أبيه وهو ينقل نظره بين الجدران والسقف والأرض. ثم تفرج ذاهلا على قبة الصخرة. قال له أبوه: سقطت الصخرة من نيزك ما قبل أن يوجد البشر! فرفع ذراعه كلها مشيرا إلى الزخارف. كان ذاهلا، كأنه عاجز عن التنفس، فلم يستطع أن يتكلم. وبدا لأبيه أنه ضيّق عينيه كمن بهره ضوء ساطع. فتلفت مستطلعا. لايوجد ضوء مبهر! الضوء عنصر في الزخرفة، يرتمي بمقدار مايحفظ سحرها. لكنه هو أيضا رفع عينيه إلى الفسيفساء التي ترسم أشجار نخيل أسطورية، وثمارا ذهبية، وزهورا وأوراقا أجمل من كل مافي الدنيا من زهر وثمار وأشجار. وضيّق هو أيضا عينيه. بقيا زمنا صامتين. وضاع قيس في خضرة وزرقة الفسيفساء. لم يخمن أبو قيس أن ابنه سيقع مغمى عليه! قال له وهو يلفه بذراعه ويعبران باحة المسجد الواسعة: يفتح الرجل عينيه على الجمال ويتقصاه، ولكن لايغمى عليه! هل واجه قيس هناك أول مرة في عمره السحر الذي يخلقه الفن ويتوج به الحضارات وهو يزيح الواقع العادي ويصوغ آخر فاتنا للسعادة؟ وضع أبو قيس كفه على كتف قيس: احفظ ياقيس! لم يصلّ عمر بن الخطاب في كنيسة القيامة كي يحميها. نظف الصخرة بيديه وصلى هنا. في هذه المدينة بويع أول ملك عربي كبير. بنى الوليد بن عبد الملك المسجد الأقصى الذي نهب الصليبيون كنوزه واستعاده صلاح الدين ووضع فيه المنبر الذي هيأه له نور الدين الشهيد. سنصلي هناك الآن معا! دار أبو قيس حول نفسه تحت القبة ودار معه قيس: احفظ ياقيس! بنى قبة الصخرة عبد الملك بن مروان سنة 691 هذه السقوف المذهبة، والجدران المرخمة، والنوافذ الزجاجية، والفسيفساء التي أوقعتك اشتغلها كلها المعماريون السوريون! ردد قيس مسحورا: دمشق! قال أبوه: نعم، كانت عاصمتهم دمشق!
سألته أمه عن جولاته فارتبك. ثم حذف قبة الصخرة وحكى لها فقط عن باحة المسجد الأقصى الواسعة جدا، جدا، وعن الصلاة على السجاد القديم. خلال صلاته رفع عينيه وتأمل النوافذ والسقف وكاد يستدير إلى الأعمدة. فتنه المنبر الذي قدمه للمسجد نور الدين الشهيد. قالت له أمه: تستدير وأنت تصلي؟ حرام! آه، عجز إذن عن التعبير عما فعله المكان في روحه! لم يستطع في ذلك العمر أن يفهمها أن الصلاة قد تكون ضيقة إذا كان المصلي ضيقا، وقد تكون واسعة، رائعة، إذا شعر بالكون! كان عليه أن يقطع عمرا كي يفهم ذلك. بعد عقود قال لنفسه: كل مانراه يغتني أو يفتقر بنا. فينا يوجد الشطر الآخر من جوهر الكون!
قرر أبو قيس أن يبدد ذهول ابنه فأخذه في القدس إلى السينما. شاهدا فيلم قيس وليلى. ابتسم أبوه: سميّك كان عاشقا مشهورا! لم يلاحظ قيس أن أباه تفرج عليه في السينما. بعد الفيلم قال له: الرجل الذي لايعرف النساء ليس رجلا! لكن لاتسلّم امرأة حياتك! لم يبح قيس لأبيه بأنه أحب مجنون ليلى، وبأنه لايخجل لو كان مثله. لكنه عندئذ قاس أباه بمجنون ليلى ورأى نمطين من الرجال واحدا مثل أبيه يتنقل بين النساء حرا، وآخر كالمجنون يهوى واحدة!
لكن هل كان ابو قيس يجر ابنه معه إلى القدس وحيفا ودمشق كي يعرض له الدنيا ويجعله في سرعة رجلا؟ أم كان يتستر به؟ لم تستطع أم قيس أن تفهم من قيس هل يلتقي أبوه بالنساء في حيفا أو القدس. فقدرت أن ذلك يحدث في الليل وقت ينام قيس. كانت محقة! في دمشق نزل قيس وأبوه في فندق أمية في المرجة. أفاق قيس في الليل، لم يجد أباه في الغرفة فبقي ساهرا حتى رجع. قال له: لاتتركني وحدي! خذني معك! أخذه الأب معه تلك الليلة. مشيا في الحارات. ووصلا إلى باب كبير فيه باب صغير كأبواب ألف ليلة. دقه الأب بحلقة كبيرة من النحاس المزخرف ففتحته مواربا امرأة بضة. مشيا خلفها في دهليز، وانفتحت أرض دار واسعة في أطرافها أشجار وفي وسطها بركة. جلسوا تحت سماء الليل الساجي. نظر قيس إلى المرأة بملء عينيه. رآها في ثوب ملون. وفاح عطر لاشبيه له، فاح من ضحكتها، من بشرتها البيضاء، من قامتها الممتلئة، فاح من الياسمين الذي عرش فوقها، فاح من الورد ومن بركة الماء ومن الأحواض ومن أصص النباتات المحتشدة بين أرض الدار والليوان. فاح من بيت لم ير شبيها له من قبل. قال له أبوه: قبّل خالتك! فاقترب منها، وفتحت هي ذراعيها له. ارتعش؟ خالته؟ هذه المرأة البضة البيضاء الرخية خالته؟ كل مافيها سعيد ومستريح. كل مافيها نعمة. كانت مختلفة عن النساء اللواتي رآهن في بلده. وكل ماحولها مختلف.
عاد من تلك الجنة مع أبيه إلى بلده. سألته أمه: ماذا رأيت، أين كنت؟ قال لها: زرنا خالتي. خالتك؟ شكلها؟ كيف رأيتها؟ وصف قيس المرأة البيضاء البضة الرخية. وصف البيت. قبّلتك؟ في الأيام التالية ظهرت حبوب حول فم قيس. فأمسكت أمه بفرصة لن تضيعها! هذه الحبوب دليل مرض جنسي! طبعا تنتقل الأمراض الجنسية بالملامسة! بدأ قيس مساراته إلى الأطباء في حيفا وطبرية. وسار معه أبوه الذي وقع في المصيدة. لم تضيع أمه الفرصة! جرّت زوجها كأنها تقتص منه.
انحاز قيس إلى أبيه في تلك الأيام، وفقدت أمه سحرها الذي بهره في الحمام. لمس غضبها عليه لأنه يرافق أباه. قالت: يربيه أبوه كي يكون مثله! وقالت: لو لم أسأله عمن رأى لما باح لي بتلك المرأة! شعرت بانبهار قيس بمغامرات أبيه. هما حزب واحد! فليأخذه! فهم قيس أنها أبعدته. وستر ظمأه إلى الأم بالتكبر. وأنسى نفسه أنه حتى في تلك الأيام تمنى أن تضمه إلى صدرها! 
فهل أبعد عنه في جلافة النساء اللواتي أحببنه، لأنه كان ينتقم من أمه التي لم تفهم شوقه إلى حنانها؟ هل تعلق بكونستانس، وعمرها ضعف عمره، لأنه شم فيها أما؟ وبدالّة الإبن طلب أن تستقبله مع ايرينا في بيتها، وأعجبه أن تقول لها: أنت الآن صاحبة البيت فأرجو أن تقومي بواجب ضيافة قيس؟ لا! لايستعاد حب الأم الذي حرم منه. هناك، تحت الخروبة الوارفة، في البيدر، تحت الزيتونة، تحت السقف العقد، كان يريد أن تحتضنه أمه، وتشبعه من حبها! وهناك لم يحدث ذلك!







لم تستوقف أبا قيس إلا برهة جولات زوجته بين الأطباء لتتهمه بعلاقاته بالنساء! عاد إلى الديوان! وكان يستمتع برواية الحوادث القديمة روايات متنوعة كي يمتع أصحابه. يقول لهم: نقلب حكاية تعرفونها كي نجددها! في إحدى رواياته فسر لماذا سمى ابنه قيسا: قال لي الشيخ، كي يعيش غيّر اسمه! سألته، أي اسم يهبه العمر الطويل ياشيخنا؟ غرق الشيخ في التفكير. كان في شبابه يحب فتاة اسمها ليلى يصادفها على حافة طريق العين. كاد مصير الشيخ يشبه مصير مجنون ليلى لو لم ينتقل من القرية! لايعرف أحد سر الشيخ! التقط شيخنا فرصة أن ينادى شخص في قريته "قيسا"، فيذكره بأيام شبابه! قال الشيخ، قيس عند العرب أسطورة. سمّوه قيسا لعله يعيش بمقدار ماتعيش أسطورة قيس! على كل حال، يعرف شيخنا أنه هو الذي سيعلّم ابني، مهما كان اسمه! ألم يقل هارون الرشيد للغيمة، اذهبي فأينما هطلت أتى إلي خراجك؟!
ابتسم أحد أصحابه: قبلنا الرواية! مع أن الشيخ قال إنك أنت اخترت الإسم! لايخطر لغيرك مثله! فهم أبو قيس الوخزة فقال: هنيئا للقادر! 
في صفورية التي يسكنها خمسة آلاف شخص تقريبا، مدرسة الخطيب حسن حلابو، ومدرسة الخطيب الشيخ يوسف. ومدرستان أميريتان واحدة للبنات وواحدة للبنين. التعليم في مدرسة الذكور من الصف الأول إلى الصف السابع، طلابها من صفورية والقرى المجاورة. بعد المدرسة ينتقل الأولاد إلى مدارس الناصرة أو القدس. وقد تنتقل البنات إلى مدارس راهبات الناصرة. لن ينتظر أبو قيس سن دخول قيس إلى المدرسة! فليدرس عند الشيخ الخطيب! أغرق أبو قيس الشيخ بهباته فأصبح الدرس لقيس. من بقي من التلاميذ يستمع الى مايقرأه قيس أو مايشرحه الشيخ لقيس! فحفظ القرآن قبل السادسة من العمر، وحفظ بعض الشعر.
لم يبق عند الشيخ مايقدمه لقيس ذي السادسة من العمر. كبّره أبوه في النفوس سنة، وقدمه للمدرسة: هاهو في السابعة من العمر!  ماذا يفعلون في الصف الأول بتلميذ حفظ القرآن؟! سيحرج المعلم لأنه سيهمس للتلاميذ بما يعرفه! المدرسة ليست زريبة للأولاد، بل مكان للعلم! امتحنوه! فوضعوه في الصف الثالث! وقرّب ذلك رحيله من بلدته.
سأل أبو قيس صديقه المعلم شكري يوم أنهى قيس المدرسة: مارأيك؟ هل نرسله إلى كلية في القدس أم إلى الناصرة؟ رد: الناصرة قريبة، وفيها أقربائي. لن يشعر قيس فيها بالغربة. سيعنون به ولو كان "داخليا".
ياأبا قيس، يفرحك أن يشعر قيس بأنه رجل قبل الأوان! يطربك طموحه إلى حياة واسعة! تحمّل إذن! قرأ قيس إعلانا في الجريدة عن الحاجة إلى موظفين للبريد في حيفا. فقدم طلبا للوظيفة دون أن يستشير أحدا. ظهرت النتائج، نجح! سينفق على نفسه كالرجال! سيكون موظفا ذا هيبة!
جنّ أبوه عندما وصله الخبر. موظف في هذا العمر؟! نرصف أحلامنا بأولادنا حجرا فوق حجر فتسوقهم أحلام أخرى! لايهمه مصير ابنه الأصغر. لايبدو فيه ذكاء لمّاح. لكن قيسا يجب أن يكرّس لمصير عظيم! شرط ذلك: العلم! نعم، جنّ أبو قيس! لاشيء ولاأحد يمكن أن يهدئه! جرّ قيسا إلى شجرة الزيتون في بستان البيت وربطه إليها، وهدر: سيعاقب كل من يقدم لقيس طعاما أو شرابا! ضربه. ضربه انتقاما مما يخفيه في رأسه الصغير، انتقاما منه لأنه هدم الأحلام الكبيرة به، وعقابا على إهماله الدلال الذي رفل فيه. ضربه من كل قلبه. وضربه انتقاما من نفسه لأنه اضطر إلى ضربه! وفي البرهة التي تركه فيها مربوطا إلى الشجرة تمنى أن يرجوه جار أو صديق: فكّه! وتمنى أن يقول له قيس: أخطأت! انصرف وفي غضبه الهائج ألم لأنه ضرب ابنه المفضل!
بقي قيس مربوطا إلى شجرة الزيتون من الصباح إلى المساء. شعر بالقهر أكثر مما شعر بألم الضرب والجوع والعطش. في المساء أتى شكري وفكّه من الشجرة. سمعه قيس يقول لائما أباه. ماهكذا يعامل قيس! ناقشه وأقنعه! وهل يرضى شاب ذكي مثل قيس أن يترك المدرسة ليغلق مستقبله بيده! فهم قيس أن شكري لايحدث أباه فقط، بل يحدثه أيضا. مسّته كلمات شكري: "يغلق مستقبله"! قيس الذي يريد الدنيا في راحته، يغلق مستقبله؟ ماهذه الوظيفة التي بهرته بوجاهتها؟ يريد أن ينطلق بعيدا عن البيت؟ الدراسة خارج صفورية تطلقه إلى مدينة أرحب من قريته ذات الخمسة الآلاف شخص! آه، ياقيس لو عرفت أنك ستحرم من قريتك وأنها ستصبح ذات يوم أنقاضا لما ضقت بها! ستتمنى ذات يوم أن تعود إليها لتمشي في الطريق قرب النبع!
في تلك الأيام صار شكري يزور أبا قيس يوميا، وينادي قيسا ليتحدث إليه. سمع قيس اقتراح شكري: سأسجله، إذا وافق، في المدرسة الثانوية في صفد. هناك أقرباء زوجتي، بيت الحاج عيسى. سيكونون مثل أهله، يقصدهم متى رغب، ويطلب منهم مايطلبه الولد من أهله. لن يكون غريبا في صفد!
لكن قيسا كان قد جرح جرحا عميقا. أبوه الذي دلله وفضله على أولاده يضربه؟ يضربه بقسوة كأنه ينتقم منه؟ عرف أهل البيت وعرف شكري أنه ظل مربوطا طول النهار إلى شجرة الزيتون كما تربط الدواب! هل يستطيع قيس أن يتحمل ذلك القهر؟
السلاح ممنوع على العرب. يعاقب الإنكليز من يجدون عنده رصاصة عقوبة صارمة قد تكون الأشغال الشاقة المؤبدة وقد تكون الإعدام. لايبالي اليهود بذلك. يكدسون الأسلحة ويصنّعونها في معامل السلاح السرية في مستعمراتهم. يستوردونها بالبواخر مموهة. يحملون الأسلحة باسم الشرطة وباسم حرس المستعمرات الشرعيين ويهربونها. ينتج اليهود ذخيرة لرشيش ستن. يستخدمون في ذلك الآلات القديمة التي نقلت من بولندا وبريطانيا وخلّصت من مستودعات ميناء بيروت كآلات صناعية بمساعدة البريطانيين. ينتج اليهود الرصاص من عيار 9 مم. لديهم بناء لإنتاج العيارات النارية بنته الهاغانا على عمق خمسة أمتار ونصف، مغطى بالتراب، يدخل ويخرج منه العمال من مصبغة ومخبز تابعين للكيبوتس. أنتجت معامل السلاح اليهودية في سنة مئة مدفع هاون، و44,500 قذيفة هاون. أنتجت رشيشات، وقنابل يدوية، 53 ألف قنبلة. يجوب موفدو اليهود الولايات المتحدة ويشترون بأثمان رمزية معامل للسلاح. يشترون الآلات باسم تجار يهود وبأسماء  شركات عربية وهمية. وترسل الآلات كأنها آلات صناعية عادية إلى عناوين مشاريع صناعية. تنزل في ميناء حيفا وينقلها عمال عرب. في اوربا اشترت الوكالة اليهودية السلاح وخزنته في مخبأ في مارسيليا. أرسل الجنود اليهود في الوحدات البريطانية شحنات من السلاح، أيضا. تحرس الفرقة اليهودية التي تعسكر في بلجيكا، مخابئ السلاح السرية. في تولوز بفرنسا "مخبأ العناية بلاجئي ويتامى الحرب" بناه أعضاء الحركة المعادية للنازية. هناك مخبأ الأسلحة. بعد الحرب، ستنقل الأسلحة من بلجيكا في قوافل كأنها تنقل لاجئين يهودا من ألمانيا بسيارات الفرقة اليهودية إلى مرسيليا تتقدمها دراجات نارية.. ستسير ثلاث قوافل إلى مرسيليا وتولوز وفيلنوف. وعندما يكشف الأمن الفرنسي مافيها من أسلحة سيصرخ الصهيوني المسؤول عنها متهما من يعرقلونها بالعداوة لليهود: قتل ستة ملايين يهودي في اوربا.. الشعب اليهودي في إسرائيل صمم على الدفاع عن نفسه! فتمر شرط أن يكون مرافقوها  بزي عسكريين بريطانيين. صفقة مهمة: 300 مدفع برن، 600 بندقية بريطانية، 300 مسدس، مدفعان مضادان للدروع، 500 رشيش ستن، 4,15000 رصاصة.
تفتح اعتمادات في المصارف، ويتنكر اليهود باسم رجال أعمال عرب. يخفى السلاح داخل مراجل بخارية، آلات إسمنت، هيئت في ورشة ووضب فيها السلاح. في ميناء حيفا تسلم إلى الهاغانا.
العرب؟ يستطيعون فقط أن يخفوا مسدسا هنا وبارودة هناك! وبعض الفشك! لدى أبي قيس مسدس. يعرف قيس مكانه! مخبأ في حظيرة الغنم، في فجوة في الأرض مغلقة بحجارة.
أخرج قيس المسدس من الحظيرة، جلس تحت شجرة الزيتون التي ربطه أبوه إليها. في تلك البرهة لم يفكر في قريته أو في البلاد. فكر في نفسه. بدا له أنه اكتفى من القهر. وأنه سينتقم من الظلم الذي وقع عليه، من أحلامه الواسعة التي لايدري هل قصد أن يحققها بوظيفة في البريد وبهجرة إلى بلد كبير مثل حيفا أم كان باحثا تائها عن الطريق إليها. يريد أن ينهي الاضطراب الذي يشعر به الإنسان الحساس عندما يقف على التخوم بين مرحلة من حياته ومرحلة أخرى مجهولة. يريد أن يقطع بحدّ باتر الأمس المعروف عن الغد المجهول. في تلك البرهة أحب الحياة إلى حدّ مؤلم، إلى حدّ أنه يرفض ألا تكون كما يريد تماما. مع أنه لايعرف بعد كيف يريدها أن تكون. يعرف فقط أن الحاضر انتهى والمستقبل غائب. جلس إلى شجرة الزيتون التي ربطه أبوه إليها، وتجولت نظرته في البستان دون أن يرى شيئا منه. رفع المسدس بيده وسدده إلى صدغه، وضغط الزناد. سمع الزناد، لكن الرصاصة لم تنطلق. أنزل المسدس وتفرج عليه. مد ذراعه وضغط الزناد في الهواء. انطلقت الرصاصة، فذهل. سكن. لماذا لم تنطلق الرصاصة على رأسه وانطلقت في الفراغ؟ وضع المسدس إلى جانبه. وغمره شعور غريب لايستطيع أن يحيط به. رهبة مشوبة بالفرح، اضطراب مشوب بنبوءة غريبة. لم تنطلق الرصاصة من المسدس لأن عمره يجب ألا ينتهي الآن! لأن القدر يريده أن يعيش تجربة لم يعشها بعد! قدّر له أن يحقق أمرا لاأحد يعرفه بعد! سيظل هذا الشعور يلازمه طول حياته، ويتقدم لينجده في أيامه الصعبة. عندما أتى شكري قال له قيس: أقبل ياعمي أن تسجلني في مدرسة صفد الثانوية!
غاب عنه ذلك الشعور وقت أحب شهرزاد. وكان يومذاك أيضا على تخوم أخرى. لكن ذلك حدث فيما بعد.






أدهشته صفد يوم وصل إليها في الصباح. كانت الشمس تتوهج على عشرات النوافذ في بيوت من الحجر الأبيض وسط الخضرة على جبل مرتفع. تبع إشارة أبيه: حارة الأكراد، حارة الجورة، حارة البرج، حارة السوق.. وهناك قلعة صفد التي استردها صلاح الدين من الفرنجة يوم استرد قلعة كوكب. واستردها بعده الظاهر بيبرس. دفن بيبرس شهداءه في ظاهرها واستقدم البنائين من دمشق ليعمروها، واشتغل معهم بنفسه. بعد ذلك العمل الصعب نقشت قطعة صغيرة من الحجر تذكّر بأنه خلصها من الفرنج الملاعين. لكن الزلزال هدمها فيما بعد.
سكن قيس مع الطلاب الغرباء في البناء الضخم الذي كان سرايا وكان في أيام الحرب ثكنة عثمانية، ويسمونه "المنزل". لم يشعر بالغربة، بل كان سعيدا بحريته. رتب على السرير فراشه، وفي الخزانة ثيابه، وعلى الطاولة كتبه ودفاتره. تجول في "المنزل" مستطلعا، وخرج إلى المدينة. اكتشف فيها الطريق الذي يتنزه فيه أهلها في المساء دائرين حولها. والأزقة الضيقة المرصوفة بالحجر الأسود. أحب صفد الجبلية. من أرض القلعة أطل على جبل الجرمق في غربها، أعلى جبل في فلسطين، وعلى جبل طابور في جنوبها. هناك في البعد جبل الكرمل وبحيرة طبرية وجبال حوران والجولان. في الدفتر على طاولته في "المنزل" حدود قضاء صفد: قضاء مرجعيون في شماله، قضاء طبرية في جنوبه، قضاء القنيطرة في شرقه، وقضاء عكا وصور في غربه.
تجول قيس في الأسواق التي تعرض الخضار، واشترى الليمون الحلو المقطوف من وادي الليمون. وفي يوم الجمعة نزل مع الطلاب إلى وادي الطواحين، ومشى بين أشجار الفواكه. "تأتي مياه وادي الطواحين من نبع قرية ميرون ، وتصل إلى طبرية. تدير طواحين أهل صفد هنا. في الموسم نقطف من هذه الأشجار التوت والخوخ". أعجبه وادي الطواحين فغنى "حول ياغنام حول، بات الليلة هين". ففاجأ زملاءه بحلاوة صوته. صمتوا مستمعين إليه. ومنذ ذلك اليوم في وادي الطواحين صار شريكهم في نزهاتهم. رافقهم إلى قرى صفد، بيريا، الجاعونة، الجشّ، سعسع، الصفصاف، قدس، ماروس، ميرون. يريد أن يرى كل شيء، ويلمس الأنهار والجبال والشجر! لو تؤكل لأكلها! لو تحتضن لاحتضنها! قال له يسار: ياقيس، تريد أن تشربها كلها؟ كأنك ستتركها غدا!
خلال تلك النزهات، استصفى قيس من زملائه في الصف يسارا، شابا أشقر مهذبا مرحا من أهل صفد. دعاه يسار مرات ليتغدى عنده في أيام الجمعة. فرأى صورة أبيه في إطار من خشب، وبعض الأوسمة على طاولة مرتفعة تحت الصورة، وشهادات مكتوبة بالتركية بأحرف عربية. كان أبو يسار قاضيا في صيدا وعجلون. درس في صفد ثم في بيروت ثم في القدس ثم في استنبول. التحق بفيصل ورجع إلى بلده بعد دخول الفرنسيين إلى دمشق. وكان مرة رئيس بلدية. وحضر المصالحات والأعراس والمآتم. قال قيس وهو يتفرج على الكتب المصفوفة على الرفوف، والشمس تتوهج على الثريا الكبيرة: يعجبني بيتك يايسار! رد يسار: البيت الذي نسفه الإنكليز كان أجمل! لكن قيسا لم يكن رأى بعد أجمل مافي البيت: أخت يسار، أميرة. فهم قيس ذلك عندما دخلت تحمل صينية من الفواكه. تسمرت عليها عيناه. بعد أسابيع صار الثلاثة يصعدون أحيانا إلى السطح ويستمتعون بالمطل على القرى والطرقات التي تمتد تحت صفد. ويجلسون أحيانا على طراحة قرب القماش الأبيض الذي نشر عليه العدس والبرغل، ويتحدثون سعداء بأنهم معا. شعر قيس بأن زميله لاحظ أن أميرة تستهويه وأنه يرحب بذلك الهوى ويحرسه. لم تعد صفد لقيس مدرسة فقط. أصبحت زملاء العمر الجميل، وبداية حب يرجفه الشوق كما يرجف النسيم ورق الليمون الحلو. 
تعلن أميرة وهم على السطح متى ستزور أختها. تنتقي وقت الزيارة بعد المدرسة. فيفهم قيس الموعد. بيت أختها مقابل "المنزل". يسرع قيس إلى الدكان المجاور "للمنزل" منذ يلمحها، مستعدا لشراء أي شيء لايحتاجه. يطلب أقلاما أو سكاكر أو صابونا من صاحب الدكان، وتقف هي قربه لابسة عباءتها الصفدية البرتقالية المخططة بخطوط سوداء. تمتد بينهما البرهة التي يدير لهما فيها صاحب الدكان ظهره باحثا عما طلبه قيس. فتفتح أميرة عباءتها لمحة خاطفة وتريه عنقها وصدرها، كأنها تفتح باب الجنة له.
أميرة في عمره، شقراء، في وجهها الأبيض ضوء، رضا، سعادة هادئة بالصبا. يطلب قيس شيئا آخر من البائع، لتطول وقفتهما معا. ثم تستدير أميرة إلى بيت أختها، ويظل واقفا أمام المنزل حتى تغيب خلف الباب. يعود إلى "المنزل"  مسحورا بحركة الملاءة التي كشفت جزءا فقط من قدها الذي يراه عندما يزور زميله في بيته. ينظم شعرا فيها ويقرأه لزميله في الغرفة. منذ تلك الأيام كان ينشر عواطفه لأصحابه ويستمتع بها وهو يعرضها!
من يحفظ سر حب بطلاه في بلدة صغيرة؟ انتشرت قصيدة قيس في أميرة بين أصحابهما، ووصلت إلى أخيها وحطّت على طاولة الأستاذ. ابتسم أخوها، وكتم السر. قال الأستاذ لقيس: اقرأ علي شعرك! شعري؟ نعم آخر قصيدة نظمتها! ارتبك. اقرأها! قرأها مترددا. راقب قيس قصيدته على وجه الأستاذ. وفي نهاية القصيدة كان ينشد حرا ويهب الكلمات روحها. ماذا تعني الأطياف السعيدة على وجه الأستاذ؟ الفرح بتلميذ يجيد صياغة الهوى في هذا العمر؟ نضارة الشباب؟ أم ذكرى حب بعيد جرف الأستاذ في صباه؟ هب نسيم على الأستاذ والتلميذ. وبقيا صامتين زمنا. لكن قيسا لم يشعر بارتباك من ذلك الصمت. فهمه، مع أن الشباب يحبون التدفق الذي يحرق الساعات. سمع كلمات الأستاذ قبل أن يعلنها! سمعها في رضاه. "ياقيس اكتب دائما! لاتكتب فقط وقت يدفعك الهوى أو القلق. أتمنى أن يكون الشعر هو الريح التي تدفعك لتجعل النسمة مركبا!"
تحوم الكلمات التي يسمعها الشباب. لاتبحث عن مكان تحط فيه! فالدم الحار عاصفة، والثقة بأنه سيصوغ حياة لم يصغها أحد قبله هي التي تدفعه. تطير الكلمات التي يسمعها الشباب كالحمام حوله حتى تصادف سطحا تحط عليه ذات يوم. هل سيكون قيس من الناس الذين يثبّتون حياتهم بكلام مكتوب، أم من الذين ينثرون حياتهم في الفلاة كبذور زهور الربيع؟ أيهما تختار ياقيس؟ أتكون محراثا يشق التراب، أم طائرا مغردا ينتقل من أغصان إلى أغصان؟





رغم إعجاب قيس بصفد كانت تبهجه العودة إلى صفورية. يحب الطريق! يركب من صفد باصا من باصات شركة أبي عثمان الأسدي. يمر بالجاعونة، جب يوسف، سعيدة. وينزل في طبرية. يتجول فيها على شاطئ البحيرة. يقفز على درجات المقاهي إلى الشاطئ. يبقى هناك حتى موعد الباص من طبرية إلى الناصرة. ثم يركب باصا من باصات شركة ايفيد الإسرائيلية أو باصات العفيفي. ومن الناصرة يركب باص شركة العفيفي إلى صفورية. بين الناصرة وصفورية طريق حلزوني جبلي يمكن أن يقطعه ماشيا في ساعة.
 سكن قيس في غرفة مع صديقه صبري الحمود في "المنزل" الذي يسكنه الطلاب الغرباء.  بناء قديم من طابقين. في الطابق العلوي غرف للطلاب والأساتذة. وفي السفلي باحة واسعة، وقسم فيه خزائن للطلاب، يضعون في أكياس فيها ثيابهم فتغسل وتنشر. قرب "المنزل" بيت أخت أميرة، ودكان أبي ناظم حيث تتوقف أميرة ويتوقف قيس ويتبادلان النظر وأبو ناظم مشغول بتحضير ماطلبه كل منهما!
أمس أتى أبو قيس إلى صفد، أخذه إلى دكان أبي رياض وطلب منه أن ينتقي قطعة قماش، فاختارها قيس خمرية. قاس أبو رياض ذراعي قيس وطول بنطاله. وقال له: تعال جرب طقمك بعد يومين! ودع قيس أباه في ذلك الدكان مقابل البريد، ومشى إلى "المنزل" تاركا البريد إلى اليسار. مر بشركة باصات أبي عثمان الأسدي، وانحرف نحو الجسر، ثم مر ببيت العسكري تحت القلعة مباشرة، ثم ببيت زكي قدورة رئيس بلدية صفد، ودار مع الطريق إلى "المنزل". لم يجد رفيقه صبري الحمود فركض خارجا من "المنزل". يمر عادة بدار النقيب، ليصل إلى مدرسته الثانوية، "كلية الجرمق". بين دار النقيب وبين المدرسة ملعب واسع محاط بسلسلة من الحجر، هناك توقف قيس. جلس على "السلسلة" مع المتفرجين على مباراة كرة القدم. مقابل الملعب وادي الطواحين. والمدرسة نفسها على مرتفع تطل منه على وادي الطواحين. مدرسة قديمة من طابقين، ذات أقواس. من صفد يمدّ قيس نظره كيفما تلفت. وكم يحب ذلك المدى من الجبال والقرى والأشجار!
جلس قيس على "السلسلة" التي تحيط بالملعب. تفرج مع زملائه على مباراة بين الطلاب. أمامه ابن الأسدي، صبي أشقر جميل. نط الصبي كلما أدخل هدف. كانوا جميعا يلبسون كالطلاب بنطلونات قصيرة تظهر سيقانا مسمرة. تساءل قيس مبهورا بجمال أهل صفد: هل يوجد فيها إنسان بشع؟ مرت بينه وبين المباراة فتيات ونساء وأولاد ورجال. بيت الأسدي، بيت الخضرا، بيت النحوي..... عيون حلوة، قدود ممشوقة، وجوه بيضاء. انتبه إلى أنه يستعرض الجمال لاالمباراة. فنهض مع أصحابه ومشوا. لهم الطريق، والسماء، والأشجار، والحدائق التي تحيط البيوت، لهم المرتفع والمطل على وادي الطواحين والجبال. عادوا إلى العم أبي ناظم ليشتروا من دكانه مايلزمهم لرحلة الغد إلى عين الزيتون. ودعوا يوم الخميس بمباراة كرة القدم.
ذهبوا إلى عين الزيتون مشيا. قطعوا المسافة إليها من صفد في خمس وأربعين دقيقة في طقس حلو، لاحار ولابارد. عين الزيتون، بين ميرون وصفد، على قمة شمال صفد، كأنها ضاحيتها، على سفح وادي الدلب، الذي سماه الجغرافي العربي القديم الدمشقي وادي دليبة. قال يسار: يتدفق الماء من عين في الوادي ساعتين ثم ينقطع فينتظره من يستسقي. ويظن الجاهلون أن الجن تحكم ماءه. لم نعرف يايسار أنك موهوب بالخيال! إذا لم تصدقوني انزلوا إلى هناك! سننزل في المرة القادمة! عبروا بيوت عين الزيتون المبنية بالحجر، جامعها ومدرستها. صادفوا حولها حجارة أثرية. لم يتوقفوا إلا برهة أمام تلك الأحجار. فلسطين مليئة بها! والتاريخ لهم فلماذا يفكرون فيه وهم في عمر الشباب؟ البلاد لهم، والزمان لهم! ولد آباؤهم هنا، ولد أجدادهم هنا، وهذه الأحجار موجودة. لم تستوقفهم لكنهم تنفسوا عبقها، استندوا إليها بظهورهم، واتكؤوا عليها بأذرعهم وهم يمدون سيقانهم على العشب الربيعي. تأملوا أزهار الربيع التي بدت من بعد مساحات صفراء وبيضاء وحمراء. تلك الحمرة شقائق النعمان! كم يحبها قيس! يقول اليهود إن المسيح سيظهر هنا عندما يعود في آخر الزمان! يسمي اليهود القرية عين زيتيم. عين الزيتون مرتفعة، يمر الطريق من عكا إلى صفد تحتها. أمام قيس مساحات واسعة مزروعة بالزيتون. في القرية 820 عربيا. لهم كل تلك الأشجار التي يراها على مدّ العين. غابات من شجر الزيتون! قرب الطلاب عين استقوا منها، لذلك لم يحملوا معهم ماء في رحلتهم إلى عين الزيتون. فالنبع صاف، بارد، طيب. جلسوا تحت شجر الزيتون، أطلوا على طيطبا والجشّ. في الأسبوع الماضي رحلوا إلى قرية بيريا التي تجاور عين الزيتون، أطلوا منها على صفد وقابلوا جبل الجرمق من الغرب وانحدروا إلى واديها. بيريا صغيرة، فيها 240 شخصا فقط، بيوتها من الحجر. في الأسبوع القادم سيرحلون إلى الجرمق. سيرون منه حتى حيفا! سيمدون أذرعهم ويقولون: هناك لبنان! ويصعدون إلى القمة. في القمة فوهة واسعة كأنها فوهة بركان، أحيطت بسياج خوفا على الحيوانات والناس. سيتوقفون خلف السياج ويرمون في الفوهة حجرا وينتظرون زمنا.. ثم يسمعون صوت ارتطام الحجر بالماء. وسيقول شخص: هذا الماء يجري حتى قبرص! هل كانوا يتصورون في ذلك العمر أن إسرائيل التي لم تكن موجودة يومذاك، ستبحث حقوقها في المياه وتفرض بالقوة أن تأخذ مياها عربية من الليطاني ونهر الشريعة؟ لم يعرف قيس إلا فيما بعد أن المذكرة الصهيونية إلى مؤتمر السلم في سنة 1919 طلبت حق اسرائيل في المياه، وإسرائيل لم تكن بعد موجودة إلا في وعد بلفور! لذلك لم يشعر قيس في تلك الأيام إلا بالفرح بالدنيا التي كان يراها. لم يعرف بعد مايتركه الظلم من مرارة تشوب كل مايتذوقه ويشاهده! استرخى كزملائه على حقوقه في بلاده وهوائه ومائه، وتصور أن كل مايراه سيبقى موجودا حيث يتركه وسيعود إليه وقتما أراد.
بعد تلك الرحلة إلى عين الزيتون، بدأ أسبوعا عطلة الربيع في سنة 1947 ترك قيس، كالطلاب، صفد ليعود إلى بيته في صفورية. في طريقه من صفد إليها مر بالجاعونة. وصل إلى طبرية. سينتظر الباص ساعتين على الأقل، ليأخذه من طبرية إلى الناصرة، ومن الناصرة إلى صفورية. جلس في الليدو على شاطئ طبرية تحت شجرة وارفة ضخمة. حوله السماء والماء وجبال بعيدة. لعل المتنبي جلس في مكان قيس نفسه يوم صاغ قصيدته عن البحيرة! رفع قيس ذراعيه في الفضاء. أي مصير سيكون لي، قولي أيتها البحيرة! طلب بيرة. وذاقها أول مرة في حياته. نيسان والربيع أخضر، واليوم دافئ. والنساء يسبحن في البحيرة. أي عالم مبهر! صحا على خطوات. رأى غجرية، قصدته ومدت يدها له: هات كفك! أصرت أن "تفتح" له. أعطاها مبلغا كبيرا: عشرة قروش. فحصت خطوط كفه وقالت: ابحث عن حظك عند النساء! هناك حظك! لكن هل يحزنك أن أصارحك؟ قولي! ستموت مبكرا. في الثانية والثلاثين من العمر. هل قصدت أنه سيتزوج في تلك السن؟ لكن الغجرية التي تنبأت بأنه سيفقد حياته مبكرا، لم تتنبأ بأنه سيفقد وطنه!     

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire