vendredi 16 novembre 2012

جسر الموت1


باسم إبراهيم عبدو




جسر الموت

- رواية -



من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1997









Zone de Texte: v
لاتحاد الكتاب العرب
 










تصميم الغلاف للفنان :
 
المحتويات :

القسم الأول               
- القسم الثاني-           
القسم الثالث*
جسر الموت *           
* الرحيل*               
عائشة فوق جسر الموت             








-1-

الحاسة السادسة لم تخيّب ظني. كانت صادقة معي. ساعدتني على اكتشاف المجهول. فعندما أتصوّر أموراً غير مرئية، تتحرك أوتار السمع، تبدأ الصور تتقلبّ، والخيال يرسم الحوادث.
قالت لي: أحمل نفسك إلى البيت في إجازة، لأن الأيام القادمة ستكون صعبة، وتنبئ بحرب وشيكة. أجواؤها مشحونة بالبارود.
وهكذا حصلت على إجازة من قائد الكتيبة لعدة أيام. خلعت بذلتي العسكرية. خلعتها عن جسم، كجلد ثور جاف. قلبي يرفرف بجناحيه كطائر أُصيب بطلقة صياد.. لا أعرف من أين يأتي النزيف. أحياناً يدقّ باب الفرح، ومرات تجترع نفسي أنّات حزينة، ضباباً داخلياً مشحوناً.
عدت من إجازتي. بدأت أحزاني تتغلب على آمالي، عندما أقبلت صباحاً على باب الكتيبة، المفتوح للأرض والسماء. حركات غريبة تجاه قسم المهمات. مجندون يشكلون حلقات. تتصاعد قهقهات. ومجندون خرجوا متفرقين توّاً من مهاجعهم المتناثرة، يحملون أكياساً محشوة، وصرراً مربوطة، ممتلئة بالثياب والبذلات العسكرية، وبطانيات مستلقية براحة فوق الأكتاف. أحذية مربوطة بقوة. رؤوس تتحرك بين الدروب الترابية والصخرية. تتوزع في كل الاتجاهات أكواماً من الحجارة السود، وعلى الطريق المرصوفة، الواصلة بين ساحة الاجتماع الصباحي، ومقرّ القيادة، تظهر الفصائل متناثرة على جانبي الطريق، وأرتال من الجنود يسيرون على نحو غير منظّم.
وقفت فوق تلّة، ترتفع قليلاً خلف غرفتي. أبحرت ببصري في الجهات الأربع. رأسي يدور كأنه رشاش مثبّت على قاعدة متحركة. رافقتني في تلك اللحظات  صور حَملْتها من المدينة التي تضجّ بالسيارات والباعة والجنود والمرضى والحرارة المرتفعة. هنا في هذا السهل، الهواء الجاف، تدفعه غيوم بيض، تنبض رطوبة وندى. رنَّ جرس الهاتف. بدأ يعزف موسيقا خشنة، مزعجة.
هل تصدق الحاسة السادسة؟هل ما أتوقعه  سيحمله هذا الهاتف المفاجئ؟. لا.. لا شيء جديد! لقد تعودت دون أوقات محددة على رنين الهاتف، لكوني في قيادة الكتيبة. بدأت الاحتمالات تتوارد، والهاتف يستمر في رنينه، ويصطدم في جدران البلوكوس الأسمنتي.
أسرعتُ هابطاً من فوق التلّة..  ألو.. ألومين. ردّ المساعد أبو هشام : "وينْ أنت ياأخي. ساعة وأنا أعيّط عليك"
مالأمر يا أبا هشام! ماذا تريد في هذا الصباح الندي؟ لم يحن موعد الاجتماع الصباحي!
ذهبتْ الاجتماعات الصباحية يارقيب محمود دون رجعة. الوقت كان قصيراً، وأعشاش من الزنابير تئزّ فوق رأس المساعد وحول مكتبه الجنود وصف الضباط ينتظرون أدوارهم.
قال : أسرع حاملاً معك ثيابك العسكرية كي أبدّلها لك.
دخل رئيس القلم الرقيب الأول محمد. استقبلته بعينين واجمتين وسؤال:
ما الخبر؟
أجاب: الأمور طبيعية. هل من أوامر جديدة؟
كان محمد يخفي عني شيئاً. لايريد أن يعكر عليّ صباحي، وإنما استكمل جوابه بكلمة " الحمد لله على سلامتك". صحيح الإجازة قصيرة لكنها مفيدة. فيها راحة وسمر بين الزوجة والأولاد.
كان محمد فرحاً لقدومي، لأنه منذ فترة ينتظر دوره في الذهاب إلى مدينة حمص، وربما سيحصل على يوم زيادة عني.
دائماً كان يتحدث عن ابنه الوحيد. ينقل إليَّ حركاته، وكلماته المتقطعة... الآن أصبحت الإجازة في جيبه.
أسمع ضجيج الآلة الكاتبة. تتقاطع رنّات حروفها مع نبضات قلبي. الشمس ترتفع، وتنهض فوق كتف السماء، وقطرات الندى تمتصها الحرارة. تنحدر قطرات العرق منزلقة فوق جلد وجهي. حروف الآلة الكاتبة تنهض، وأخرى تلتوي بين أصابع أبي بسام " الرنكوسي".
تباشير فيها لحظة وداع، تحتضنها تجاعيد وجه "الرنكوسي"، لكنه لا يريد البوح بها. عِشْرة  سنة ونصف لا يريد أن يطويها في دقيقة. هو ليس مسؤولاً عن ذلك. مجند حريص على حفظ الأسرار العسكرية.كأننا في لحظات الوداع، هكذا نطقت الحاسة السادسة. .. لا يا محمود! لم أصدّق أن أمراً إدارياً مازال في بطن الآلة. "ينقل الرقيب محمود من الكتيبة رقم. .. إلى الكتيبة رقم.. التابعة للواء. . ويأتي بدلاً عنه الرقيب عصام، دون أسباب مدوّنة في الأمر الإداري".
سبب النقل يحتفظ به قائد الكتيبة وحده، ومن حقّه، ولكن السؤال:
لماذا النقل يا ترى؟
في الوقت الذي تتحفز الكتيبة إلى جنوبي لبنان "صيدا" وتستعد لصد العدوان الصهيوني! ظلّ السؤال يؤرقني لماذا الأمر بنقلي. . أنا الرقيب محمود ؟!! وبقي يرافقني، وأنا في طريقي إلى مساعد المهمات، أحمل أمتعتي. أنتظر مع الجنود المجتمعين أمام غرفة المهمات. وضعت الكيس فوق كومة من الحجارة. جلست فوقه. مسحت العرق التموزي عن وجهي. أشعلت السيجارة العاشرة. حدقت مطّولاً أتأمل. تأكدت من الخبر، من خلال الكلمات المتقطعة بين فواصل ضحكات الجنود.. إلى صيدا. .. إلى جنوبي لبنان.. الناقورة. .. فلسطين. . العدو.. الأسلاك المكهربة.. الكيبوتسات!!..
تداخلت الأمور في ذهني، بل اختلطت! الأمر الإداري للرقيب محمود فقط، ماذا عن البقية؟
لم يحضر الجواب على الفور، لكنني تنبهتُ إلى أمر آخر، حَضَرتْ تفاصيله في لحظة غضب.. تذكرت  "أنهم "  طلبوا من الذاتية معلومات البطاقة الشخصية. . الأسم. الكنية. . تاريخ الولادة. . رقم المسكن.
أدرت وجهي باتجاه جندي يحمل الصمت والهدوء في بريق عينيه.
تذكرت اسمه من كثرة إجازاته المرضيّة، ونقاهاته الطبيّة. كاد أن ينهي خدمته الإلزامية. وهو يقيس الطرقات بين السهل والمدينة وبين الكتيبة والمشفى العسكري، معلول، يشكو من أمعائه.لايستطيع أن يأكل كما يشاء. يعيش على اللبن الحلو، والبطاطا المسلوقة. طال شرودي، وأنا أتمعّن في وجهه الأصفر، كالشوك اليابس.
تتداعى أفكاري. اقترب من معرفة أسمه، وكنيته "رياض شحادة"..
ارتحت قليلاً حينما سألته عن موعد الانطلاق إلى صيدا. تيقنت من الخبر، وبدأت أهذي هذياناً مشوباً بالغربة. احتقرت نفسي..
 الوجع يعود إليّ وبصماتهم تلاحقني!.
ماذا يارياض بعد؟. . ألم تسمع بقوات الردع! أصبحنا من قوات الردع، وهذه الحواجز المنصوبة في أرض الكتيبة يتدرب عليها الجنود. . الرياضة صباحية، ومسائية. . القفز من فوق السطوح.. تدريبات مكثفة على القتال القريب.
البارحة كُسرت ساق بشار، عندما قفز من علو أربعة أمتار، وشُرطت يد آخر حينما كان يشدّ الحبل، وغيرهم  يتلقون العلاج في مشفى المزّة العسكري. لقد سّماها بعضهم  "مجزرة شد الحبل"..أرهقتنا التمارين السويدية، والجري، وسباق الضاحية، ولكن أجسامنا أصبحت تتألق، وأكثر أناقة. قطع حديثنا أبو هشام، عندما صرخ، ورفع  يده " خلصوني منكما، لم يبق غيركما. هيّا أسرعا"
الوداع صعب يا أبا هشام. قلبي الذي كان يقفز على حدود الكتيبة، وفوق صخورها البازلتية، من الصعب أن يعود إلى مكانه.
الخبز والملح والسفر الطويل والعذابات الحلوة.. هل تذكر عندما تركنا دير الزور، وانطلقنا من أرض "المالحة " على طريق تدمر؟
يومان يا أبا هشام حتى وصلنا "إركيس" جنوب غربي دمشق. كيف أنسى هذه الفترة؟ من ينسى ذلك، يشبه نبتة تميد مترنحة في أرض رخوة! أرضنا صلبة يا أبا هشام، والخندق الذي يجمعنا، يقف خلفه شعب يسند ظهرنا، وسنداننا يتصلب من شدة الطرق عليه.. فلماذا اليوم تطرقون رأسي؟ وقعّ يا أبا هشام على دفتري. أصبحتُ بريء الذمّة الآن. . أمهر  خاتمك وتوقيعك هنا.
في طريق عودتي إلى قيادة الكتيبة شربت آخر كأس من الشاي صنعته يد "الرنكوسي"..
ودعتهم مع قبلات ودموع. . إلى اللقاء. . إلى اللقاء!!...

-2-

الأيام تتسارع، وتمضي الشهور. سنتان أو ثلاث ستمضي. العمر همزة وصل مكسورة. سطور ملونة، كسهول بلادي، مجعّدة كتلالها.
يكاد الدم ينفر من وجهي. لم أنظر خلفي، حينما ودعت أصدقائي. . بصري يمتد. يسوح في الربوع الواسعة. يقطع الخنادق الأمامية. أفكاري كالسواح تنتقل بين المناطق الأثرية. حملي ثقيل. في بطن كيس البحارة أحلام ووطن وربوع، ومياه آسنة، وهواء أكسدته الحروب، وفوارغ طلقات. في السلم يفتشون عني، في البيوت، وبين جدران الجامعة. يوقعون مع قسم اليمين أنهم شاهدوا ضوء بيتي، باليوم  والتاريخ. وفي الحروب يحمّلونني كيسي وأمتعتي وحذائي.
قلبي جزء من هذا التراب. وصلة من هذه الطرق الطويلة. قسمة من السهول الممتدة حتى مشارف التلال. . أينما ذهبت سأغرد مع أحلامي، سأضرب أوتاد خيمتي فوق أية تلّة أو جبل، أو بجانب الوادي... الأحلام تتطاير من رأسي كعصافير الشتاء.
الحاسة السادسة بدأت تتكلّس. لم تَعُد صادقة. أصبحت تعكس الأمور. تكذب علّي. تحوّل الكذب الأبيض إلى كذب أسود. اصبح الذي يعمل يُعاقب. مكروهاً، انعزالياً ذليلاً، حقيراً، مثل كلب شارد يصطاد الذباب من قلّة الحيوانات النافعة.. أنا ذبابة أو حيوان نافق.. أَمُنافق الذي يصرخ في وجه الريح! أمتحايل الذي يفتح ذراعيه للعواصف! جبان مَنْ يسرق قوتي! مَنْ تعوّد على حبّ الناس تسمو نفسه. " لا تعود نفسك يا محمود على كرُه الناس، إكْراه الأمر القسري. إلعن التوقيع على أمر نقلك الرابع".
قلت هذه العبارات لنفسي.. ثقبت أمعائي كي تخرج آلامي الداخلية لوّنت بؤبؤي عينيّ، بلون السماء والأرض. كالعسل على قلبي أن تفتح الأودية بطونها للراقصين حُبّاً في خنادق المواجهة، التي تعكس خوذاتهم شمس الوطن. وتمتلئ قلوبهم من ألحان السنونو الهاربة من برد الشتاء.
أنهيت تداعياتي عندما قفز إلى محطة ذكرياتي شريط طويل من الصور. بدأت أتطلع إلى محطتي الجديدة.. إلى كتيبتي الرابضة خلف الوادي، تحتضن أرض الجولان. تطلّ عليها التلال والجبال.
ارتقت نفسي مع هذه القمم. انبسطت روحي. تزهو، والهواء القادم من التلال يمسح بأصابعه وجهي، يُضفي على جسدي ثوباً قاتم اللون، يحمل بقع الدماء الجافة.
قعقعت في دواخلي طلقات خلبيّة، ملونة، وتحوّل ضباب الشتاء القاسي إلى مطر.
مطر يغسل جسدي الذي أوهنته متعاعب الطريق، وتبلل حملي الثقيل. أصبح كثوب معصور.



 -3-

بيروت تئنّ مجروحة. رقصت فوق مسرحها عشرات التنظيمات المسلّحة.
دوختها القذائف. لوّنت بحرها آلاف الطلقات، وآلاف المذبوحين والمدعوسين ليلاً ونهاراً.
جفّ نهر بيروت من كثرة الذبائح والولائم، ونحن نستمع إلى نشرات الأخبار، تعزّينا أحياناً الجمل الإخبارية من إذاعة " مونتي كارلو" تجذبنا في أحيان أخرى تصريحات القادة العرب.
بدأت الأحاديث والمناقشات تضيع في متاهات. أصبحت القرارت المكتوبة والشفوية تترافق مع الموت بالجملة.
سمعتُ في إحدى نشرات الأخبار الصباحية. " إن قوات الردع في جنوبي لبنان تعرّضت لقصف إسرائيلي.. وردّت قواتنا على العدو وأحدثت خسائر مادية في صفوفه".
بينما كنت متوجهاً إلى كتيبتي الجديدة، أحمل محفظة فيها أدوات الحلاقة، وغيارات داخلية، ومنشفة، وزوج جوارب احتياط، وراديو صغير. أكدّت إحدى المحطات الأجنبية صحة الخبر.
تتدحرج إلى مخيلتي صور أبي هشام، ومحمد، والرنكوسي، وغيرهم. ثم وقفتْ أمامي صور أخرى. . توابيت ملفوفة بعلم بلادي، وتوابيت ممتلئه بمواد مهرّبة..سيارات محطمة، وخنادق تضجّ بالجنود، ونهر " الأوّلي" يقطع المسافة من مرجعيون، يصل إلى البحر المتوسط، شاهد ٌ صادق على ماجرى، ومايجري. يغتسل فيه الجنود ويتركون عرق أجسادهم المالحة..
قطعت مسافة طويلة فوق طريق أسفلتي. الشمس تقذف حرارتها فوق رأسي. يضحك النسيم من الجهة الغربية، يجفف قطرات العرق الواقفة على أطراف حاجبّي. كلما اقتربت تفتش عيناي بين الحفر، والتراب المرتفع خلف الخنادق. لا وجود لبشر. لم ألمح الجنود الرّصاد، ولا المناظير، كانت التلال تقترب مني، وأنا اقترب منها، وتبقى المسافة طويلة‍.
ياإلهي ‍ ما أقرب  الأفق الذي يشكل ستارة وراء الجبال.. بعيدة التلال. أمشي يا محمود. تنعّم بهذه التربة الذهبية، والأعشاب المتيبّسة جوانبها.
وصلت إلى "رسم خميس". الصيف في نهايته، وأيلول يحبل بالأمطار. وجوه الجنود ليست غريبة عني، مثل وجه الرنكوسي، ومحمد، وأبي هشام، آخر سلّمني بطانيات، ووسادة، وسرير صدئ وضَعْته في فم الخيمة، أسندته بالأحجار، وجعلت منها صينية للطعام. أتكئ عليها. أفتش في ثقوبها. أنكش الأتربة المتجمدة فيها. وتنبسط أمامي مناظر متباينة. . لا وجود للأشجار. قرية متناثرة البيوت، ورُعاة يسيرون خلف مواشيهم. أجراس تصدح، ونعاج تجتر. أنفاس العشب المهضوم، ورائحة البول، تنقلها الرياح كلما هبّت علينا.
ساعات الغروب في هذا اليوم تمرّبطيئة. المناوبة في آخرها، وسيحدث التبديل بعد شهر.
خلال هذا الشهر أصبحت أعرف كل عناصر السرّية، لكنني كنت أتحاشى قائدها...قرأت في ملامح وجهه قساوة الطبيعة. في صرامة أوامره المكروهة، خشونة وجفافاً. لا يحترم أحداً. حليق الرأس، يهتم بعضلاته وحمل الأثقال. يقضي اليوم يفتش عن الحجل والأفاعي. ومن خلال رحلة الصيد اليومية، يتفقد السرايا والفصائل. عندما تعرّف إليّ مساء، قال:
أترى تلك النقطة؟. توجد هناك جماعة، وقائد هذه الجماعة في إجازة.. مهمتك الآن، المبيت هناك، خلف النهر.
لم أتمكن من تسليم الأمر الإداري إلى قيادة الكتيبة. أمر جديد، ومهمة جديدة. ألا يحترمون الضيوف!!...
حصلت على بعض الإرشادات، منها : انتبه! ‍ الأرض ملغومة‍! أمامك نهر.. أسرع قبل أن يحلّ الظلام.
مشيت باتجاه النقطة، أتنقل بين الألغام. أقفز بحذر. أقطع الحقول المسوّرة بالحجارة المكوّرة. الشمس توزّع  آخر حزمها الضوئية على مياه النهر. يمتد ظلّ التلال. استطعت بعد محاولات، ومعاناة، وحوارات، أن أجد بعض الحجارة التي ساعدتني للوصول إلى ضفة النهر الآخرى.
اختفت الشمس وراء الجبال، ولم يبقَ سوى بقعة حمراء تلامس حدود الليل.
صعدت، وأنا ألهث. ثيابي تعصر ماء. وبصري يتقدم نحو الأمام. أبحث عن مكان الجماعة‍
تتلاشى موجات التعب. . أخذ قلبي موقعه الصحيح، حينما اقتربتُ من حارس النقطة العسكرية.. أوقفني.. مَنْ أنت ‍ كلمة السرّ‍.
لم تنفع الابتسامة في مثل هذه الحالات. أصرّ الحارس على معرفة كلمة السرّ، وعندها قلت له " تفاحة" أشار بالأمان، ورّحب بالضيف الجديد.
نشرت ملابسي. ارتديت بذلة عمل من أحد الجنود. انتظرنا البطاطا المطبوخة مع البندورة. أكلنا، وشربنا الشاي.
كان الليل بعد العشاء يلفّ الأرض والسماء. يجثو بثقلة ورعبه فوق التلال المجاورة، وبين فترة وأخرى تظهر الأنوار الكاشفة، وأصوات جنازير الدبابات، وأنين السيارات والبلدوزرات، وقذائف مدفعية، كأنها تُعلن بداية حرب. . لم تتوقف طوال الليل !‍.
غسل الصباح تعب الليلة الفائتة. تسابقتُ مع زخات الأمطار الخريفية، متجهاً إلى خيمتي. لمحت قائد السرّية بلباس الصيد.. بارودة تستلقي فوق كتفه. يغطي رأسه الحليق بطاقية ذات رفٍّ ممدود للأمام.
استلقيت على سريري أبحث عن أسرار الأيام القادمة. مللتُ من اليوم الأول.. أكل ونوم ولعب ورق وشرب شاي.. أحاديث فارغة، وهواء نقي جاف، يختلف عن هواء المدينة الملوث. هدوءَ ونوم عميق. كسل مكروه. ابتسامات، وقهقهات يصدرها بعضهم، ملوثة كمياه بردى.
أفكار تدور في رؤوس فارغة دون معنى. تخرج تعليقات، وأحياناً أحلام، بالذهاب إلى لبنان. غنى وفقر. الفقير المتروك في الخنادق الخلفية، يصبح غنياً، وذا صحة جيدة إذا التحق بقوات الردع. مهمات ورواتب إضافية.
البحر نهب العقول، جعلها صغيرة كبيض السمك. البيع والشراء.. الأجساد المحروقة من شمس الشواطئ الرملية. . نفوس مطاطية يسيل لعابها بارداً على إيقاع وتموجات الأحاديث، عن البرج، والروشة، والبقاع، وساحل مدينة صيدا، عن الفتيات اللواتي يبحثن عن أزواج، عن العوانس والعاهرات.
مضى الشهر الأخير من فترة المناوبة على هذه الحال. أصبحت كروشنا تثقل أجسامنا، ووجوهنا موّردة، كالأغنام في ربيع دسم المرعى.
لفّتنا موجة العودة، وسيارات محمّلة بالأسرّة الحديدية، والخيم الكتّانية، والبطانيات، والأسلحة الفردية.
كانت رحلة قصيرة في الكتيبة الجديدة. وهل ستكون أوامر وتعليمات جديدة؟
كنّا نشاهد، ونرسم بيروت في أحلامنا، وهل تتحقق الأحلام؟ ومتى نذهب كقوات ردع إلى بيروت؟
اصطدمت أحلامنا بالمقرّ الجديد. أرض صخرية، وأشواك، ودروب ضيّقة رسمتها الحيوانات. ... حُمرٌ سائبة، وطريق أسفلتي يحمي حدود الكتيبة من جهة الغرب، وقرى متباعدة.
أصبحنا في أرض جرداء. . الهواء البارد، الجاف يحمل معه شتاء قاسياً كيف سنقضي هذا الشتاء، وأين؟

-4-

" الرنكوسي " له ثلاث خصى. الخصية الثالثة تصعد وتهبط، أحياناً تهاجر. يفتش عنها دون أن يجدها، لكنه لم ينجب. يأكل " الصَدَف" ساقيه. وجهه مدوّر كليرة فضية. جسمه نحيل. أبيض البشرة مع اصفرار. اسم زوجته " لطيفة" وهي كذلك. هادئة. تحمل هموماً موجعة. تتنقل بين عيادات الأطباء.
" الرنكوسي"، الملقب بأبي بسام يحبّها، وهي تحبه. جمعهما الفقر. حياتهما بسيطة. وحينما زرتُ أهله في وقت سابق، كانت جلسة هادئة. والده خادم جامع في منطقة المزرعة بدمشق.
غريب أمر الرنكوسي، بثلاث خصى، ولم يُنجب. . أمر هذه الدنيا محيرّ!! بعض الناس يئنّ من كثرة الأولاد، وبعضهم يفتش عن سبب عدم الإنجاب.
عندما تنبسط أسارير الرنكوسي، ويفكر تفكيراً جدياً، يقول : لماذا الأولاد؟
أمن أجل الميراث الذي يتركه والدي! ثم يقف، وينهق كالأتان. .. الحمر تلد ‍ إن الله خلقني كبغل أمشي على قائمتين. . البغال، يامحمود لا تلد، لماذا ركبتُ هذه البغلة، وضاجعتها ثلاث سنوات متتالية؟...
تحتفظ لطيفةبالسر. تخبئه عن عمّها، وامرأة عمّها. يخجل الرنكوسي من قول الحقيقة أمام والديه. ومن كثرة إلحاح الوالدين على ابنهما كي يطلّق لطيفة  ويتزوج.
جاء ذهابه إلى صيدا مُفرجاً لحالته، ومبرراً تأجيل الطلاق. أصبح الوالدان يفكران به، وحين يسمعان ما يحدث في الجنوب من قصف صاروخي، ومدفعي، وهجوم إسرائيلي، يتقرّبان من لطيفة، ويحاسناها. ينسيان الأولاد يراقبان العائدين من صيدا، ويسألونهم عن ابنهما.
تكتفي لطيفة بالصمت، والنواح. تصلّي. تشتري العسل، وتخلطه بالأعشاب، كدواء عربي لزوجها.. هكذا قال لها الشيخ، وطمأنها بأنها ستُنجب صبياناً وبنات، وسيملؤون البيت بضجيجهم، وصراخهم.
الحلم في صيدا يا محمود ‍ أحلام الفقراء تتكسر على شاطئ المتوسط الرملي. بنات صيدا أشهى من فواكه الغوطة‍!
كانت لطيفة تسمع، وتتمتم، وتظهر ابتسامة جافة على ثغرها.
تقول في سرّها :" بسيطة. . الأيام القادمة ستكشف الحقيقة يا أبا بسام  سأقول لوالديك إنك عقيم، وخيرك مسحوب من ظهرك"
هل تعرفون أن صيدا كانت تسمى " صيدون" وصيدون معبد حضاري مرّت على شواطئه شعوب وشعوب.
أصبح الرنكوسي يتحدث عن التاريخ والحضارة. . الذهاب إلى صيدا ثقّف الجنود، وعلّمهم أيضاً فنّ التجارة. صيدا مركز تجاري فينيقي، وميناء نفطي هام. النفط المكررّمن مصفاة الزهراني أغدق على السعودية الدولارات. الذهب الأسود، يتحول إلى ذهب أصفر.
قلت : لا تغرقنا بأحاديث التاريخ والتجارة. مهما ربحت من تهريباتك الصغيرة يا أبا بسام، فعليك أن تنسى وضعك، ولا تسبح في مياه أعمق من مسبحك. السبّاحون الماهرون يصلون إلى الأعماق. مازلت تنكش في رمال الشواطئ، وتصيد صغار السمك. هل ذقت طعم الكافيار؟ جرّب هذه الأكلة‍. هل تعلمت شرب العرق والويسكي؟
لم أستطع قول ذلك أمام والديه، ونحن نجلس في غرفة ملحقة بالجامع. استغفرتْ لطيفة الله" سبحانك يا الله، يا إله الحق والعدل"
- لا تخافي يا لطيفة. ليس كل ما يحدث مع زوجك تعرفينه بالضرورة. خلّي همّك على قدر حالك. سيعود زوجك بعد شهر، ومع بداية الصيف سيتم تبديل قوات الردع. فهذه فترة استجمام دافئة، ربما مياه البحر المالحة ستشفي زوجك من هذا المرض، ويتخلص من هذه الأدوية، وربما إذا أكل الكافيار، سيعود خيره إلى ظهره، وربما إذا تخلص من الخصية الثالثة سينجب ‍ إنها احتمالات ‍
- دخيلك يا محمود اعتبر نفسك لا تعلم بأن زوجي عقيم. أنا التي لا تنجب، وأخرجت ورقة طبيّة، مصدّقة من وزارة الصحة، بأن لطيفة بنت أسعد، أمّها زينب، سالمة صحيّاً، وزوجها عقيم.
الحياة مفتوحة لجميع الناس.. الدنيا واسعة لمليارات البشر، والحيوانات وتتسع لمثل هذا العدد أيضاً، فيها العقيم، والمنجب، الأسمر والأبيض، الأسود والأصفر.
قارات العالم.. هذه الكرة الأرضية، بجبالها وسهولها، وناسها، متنوعة. كل يوم يتعرف الإنسان إلى جديد في هذا الكون، وأبو بسام، ولطيفة جزء من هذه الدنيا. يحتاجان إلى بسمة طفل. إلى طفل يداعبانه يُناغي على فراشهما. يبول على سرير النوم. يصيح كعصفور حين يجوع. يغني. ينطق.
يبقى الأمل يدغدغ الأبوين الحالمين الشاردين في تفكيرهما. وعلى الرغم من أن البحر امتص قسماً من هموم أبي بسام، اتسع البعد بين لطيفة وزوجها.
يظلّ الأمل يتضورّ جوعاً. وتبقى الشهوة ناقصة، لا يتممها سوى طفل أو طفلة، سمراء أو بيضاء، لا فرق بذلك!.
أنتم يا أبا بسام السابقون، ونحن اللاحقون إلى صيدا، أو المنطقة الغربية من بيروت. ولا أحد يعلم أن كتيبتنا سيكون مركزها قرب المجلس الحربي الكتائبي، أم قرب الصيفي ‍.
ملعونة الأرض التي تطرد أبناءها. " طوبي لكم لأنكم ترثون الأرض"
طوبى للجنود الذين يغتسلون بمياه البحر المالحة. ويفترشون الرمال. تغسل السماء خَدَرِها بضوء نجومها. يوزع القمر ابتساماته على سكان الأرض. تحرق أشعة الشمس كل مَنْ يعتدي على حدودها.
أفكار تنقلني من الأرض الوعرة. تمسح روحي بالرذاذ المندفع الذي يترنّم عشقاً للصخرة المشهورة الجاثية قرب الشاطئ. يغسل الناس همومهم فوقها. ويتربّع العشّاق، يتلطّون في خدوشها. يقف فوق رأسها المنتحرون الذين أوجعتهم مآسٍ مجهولة.
قلت مطمئناً : "ستذهب يا محمود إلى بيروت. . بيروت العاصمة، ولكن إلى القسم الشرقي منها"
أسمع عن بيروت، المدينة المفتوحة على العالم. .. بيروت التي يحجّ إليها العمال السوريون، والمصريون. يلجأ إليها الذين يخالفون القانون.. محطة للسياسيين. ملجأ أمين للمطاردين.
بيروت تغفو على رأس بيروت. ترسو بقربها السفن. ويرتاح في فنادقها البحاره.
بيروت أصبحت راكعة أمام القذائف، والصواريخ. . ليلها المكحّل بالفرح صبغته الحرائق بلون الموت. ونهارها الذي يضجّ بالضحكات، والباعة المتجولين، والمحلات الأنيقة، والشوارع النظيفة. تتكدّس في شوارعها وشواطئها آلاف الجثث المحروقة.
صفارات البواخر أصبحت أجراساً حزينة. وتعتلي موجات بحرها الزوارق المطاطية، القادمة من الجنوب، من المستعمرات الصهيونية. ألف ليلة وليلة يابيروت، آلاف الأيام. انهكت قواك قذائف الرذيلة. لم تّعُد كما سمعت عنها، لكنني سأعرفها. أمشي في شوارعها، لأنزع إبر الآلام المغروسة في جوانبها، قلبها.
هيروشيما المدماة مازالت، ومنذ عقود تنزع من جسدها شظايا القنابل. بيروت مثل هيروشيما. تسكن مثلها فوق الشاطئ. تحلم مثلها بسعادة أبنائها، لكن ليست هذه مثل تلك!
جسد بيروت مثقوب بملايين الطلقات والقذائف. ملايين الفوارغ النحاسية في بحرها. ستتحول شواطئك إلى مناجم للنحاس. ستصبحين " سانتياغو" عربية.
تسابق على عشقك مئات الحكام، والناس المهووسون. أصبح طفلك تاريخاً كاملاً يعض على ثدييك. حلمتا ثدييك مقضومتان. تسيل منهما الدماء. تحوّل حليبك إلى دمامل. أبناؤك حرقوا جسدك. أصبح جسدك مطيّة لكل مَنْ يشتهيه. ضاجعوك حتى أصبحتِ لا تشعرين برعشة الأنوثة. حرموك من أمومتك. تحوّلت أعراسك إلى مآتم، وأعيادك إلى مجازر، وتل الزعتر مقبرة جماعية. . جسورك الواصلة بين أعضاء جسدك تنزف دماً.
جفَّ نهرك. يبست شواطئك. . قنبلة موقوتة في خاصرتك الحدودية، ومزارع الليمون والبرتقال مقابر لأسلحة الدمار والموت.
أسمع أناتك الموجعة، وصريف أسنانك ياحبيبة الشعوب والدول.
كم رقصتْ أشعار " حاوي "، وكتب " نعيمة "، ومُناجاة "جبران" على دفّات قلبك، فأصبح قلبك ينبض بالعشق والحب. هل تعودين إلى حبيبك الأول؟ متى؟ كيف؟.
بدأ العقد الثاني، وجلدك يُسلخ كل يوم ألف مرّة. ترسم عليه الأسواط دروباً. تصبغه بالحروق. تحفر فيه الدمامل حفراً، ومآوي للثعبان، والمخمورين والحشاشين. امرأة ثكلى. أولادها يجرفهم السيل. أشواك مراعيها تركت خضرتها في بطون الحيوانات النافعة.
أعلك أحلامي بعيداً عنك. أسمع عزفاً رحبانياً جنوبياً.. لحناً ونواحاً. . لم أَعُد أقدر على  التمييز بين موسيقا الموت، وموسيقا  الفرح.
تظلّ بيروت تهزّ مشاعر الليل.. متى يابيروت نشرب نخب ولادتك ؟
يجتمع أبناؤك من أقطاب الدنيا. يصلّون  في كنائسك ومساجدك.
متى يكسّر أطفالك ألعابهم الحربية، ويلقون بالمسدسات والدبابات البلاستيكية في بحرك؟
أنت أيتها الراقدة على ساحل شرقي المتوسط، ستغتسلين من جديد بمياه البحر يوم زفافك. وينتشر شعرك المنثور على شواطئك.. تلبسين ثوب العرس الممهور بخاتم السلام.
اطمئني يابيروت أن عرساً قادماً سيأتي، وتعودين إلى نشوتك. . إلى أنوثتك، تتأبطين عريسك، وتغنين مع جداول الصباح.

-6-

 فتحت بيروت الشرقية لنا صدرها ضاحكة. استقبلتنا، ونحن نعزف لحن الجنازير. مُثقلة سيارتنا بأحمالها.. وجوهنا تلمع بالفرح، مصوّبين سلاحنا نحو الخلف، لأن اتجاهنا بعكس مسير السيارات.
الطريق طويلة إلى بيروت، رغم قصر المسافة. السنة تقترب من نهايتها الشتاء بارد. تزهو ظهور الجبال، تضحك للثلج القادم، لكن هل من أمر إداري جديد؟
أخيراً تأكدت أن القيادة صممت أن تنقلني معها في هذه المرة لكوني خفيف الوزن، ولا أُثقل أحمال الشاحنات. وسيلف بنا الطريق باتجاه "الكرنتينا"، قرب " المجلس الحربي".
لم يَطُل الزمن بين الكتيبة المتجهة إلى صيدا، وكتيبتنا المتجهة إلى شرقي بيروت ضَمُرت المسافة. اختصرت التدريبات لمدة أسبوع، ولأن معنوياتنا عالية. . كتيبة معززة بفصيلة دبابات، وفصيلة مدفعية، وأسلحة وذخائر كافية.
قبل عدة أيام من رحلتنا التي يمكن أن تطول، لا نعرف ماذا يحصل في المستقبل !
التقيت الملازم " بركات"، كانت صلة قرابة تجمعنا، هو من كتيبة الدبابات.
كان الّلقاء ودياً، ولكن إشارات بدأت تقفز فوق وجهه. شككت بالأمر. سألته عن صحة خبر مشاركتنا بقوات الردع، وذهابنا القريب إلى المنطقة الشرقية من بيروت. ابتسم قلت : أتمم! ضحكتك أجعلها طويلة على اتساع هذا الصباح الفلاحي، حيث السماء تبشر بهطول الأمطار.
- لا.. لكن!!..
- ولكن ماذا يا ملازم بركات؟ هل من أشياء جديدة.
- الرجاء ألاّ تخبر أحداً، وبخاصة النقيب، أبو صطيف، مسؤول الأمن.
- لماذا ؟
- لأننا نحن " الاثنين" نعلم بالأمر.
وما الأمر سيدي!.
 أعتقد أن أمر نقلك، سيصلك في الأيام القادمة. لم تأكل وجهي المفاجأة. تربّعت على فمي ابتسامة ثقيلة. بدأ الوطن يدور بين مقلتيّ، واتجه قلبي إلى الخط الأمامي.
قلت لنفسي : " ما أجمل وطني الذي يكرّمني، بمعرفة حدوده، حينما يهبني تذكرة السفر. سأستقل أول سيارة إلى أي مكان "
وتابع الملازم بركات.. أعتقد أن القيادة، رغم التقرير الذي وصل عنك من إدارة الجامعة التي درست فيها. سيطمسون الأمر ويتجاوزونه. وستبقى ضمن قواتنا.
وماذا في التقرير؟ هل لّوثت سمعة البلاد في حياتي الدراسية، وكيف؟
- لا. .. لم تصل الأمور إلى هذا المستوى!.
قاطعته. .. قلت كلمتي الأخيرة: على كل حال، خدمة الوطن شرف للمواطن في أية بقعة من أرضه، هما سنتان ونصف، وتمضيان.
ودّعني.... تهاطلت الأمطار بغزارة، تعانق أرضنا الطيبة.
وصلت استعدادات الكتيبة إلى أوجها. وتمّت كل التجهيزات، أحضرت الشاحنات.. ونظفت الأسلحة، وزينت. سُلمت عناصر الكتيبة بذلات عمل جديدة، كذلك أحذية. بدأت التعليمات والتوجيهات تتوارد بالتتابع.
قال "قا.ك": "موقفنا هو الدفاع عن عروبة لبنان، ووضع حد للقوى اليمينية، ومواجهة العدو الرئيسي الذي يعزّز قواته، لشن هجوم مفاجئ على لبنان".
في ليلة الوداع، تصلّبت أذناي. وقف شعر رأسي. تسطرت أمامي صفحات طويلة من المعاناة. تذكرت المقابلة مع أبي صطيف، حينما قال لي: "إنه لم يؤذِ أحداً، وعدّد بعض الأسماء.. إبراهيم. .. جابر. .. رامز. .. كلهم أمضوا خدمتهم الإلزامية في الكتيبة، وأنا أعرفهم، والمعلومات مسجلة في أضابيرهم، ولكنهم كانوا قدوة في العمل والانضباط".
دعاني مرة لتناول طعام الافطار  معه. استغللت المناسبة، وأدليت له بالحديث الذي دار بيني، وبين الملازم بركات. طمأنته بأن هذا السرّ سيظل حبيساً بيننا، ولم يخرج من دائرتنا.
قلت: الشجرة الخضراء، عندما تتعرض للرياح تسقط بعض أوراقها، وتبقى  الأوراق القوية ملتصقة بالأغصان، ومثبته فيها بحنان.
- ما المقصود من هذا القول؟
- أقصد، أننا من وطنية واحدة، وتنبت تربتنا أزهاراً ملوّنه. لك لونك. ولي لوني. . اللونان تحت سقف واحد، وفي صحن واحد. .. السماء تغطي الجميع.
أخذت الضحكة العريضة مكانها فوق وجهه الأسمر اللامع.
قال: سترافقنا إلى بيروت الشرقية. أما بيروت الغربية، والجنوب، فمحظوران عليك!
شربنا الشاي. . كان الهواء في الخارج يضرب بقوة أركان " البراكيّة" ويزمجر، أسمع أصوات التوتياء تنبئ بقدوم غيوم من شرقي المتوسط... وقذائف، وقنص مسموم. ستكون الأيام القادمة شرسة، وستحلم بيروت، وتغفو مصلوبة فوق الجمر والحرائق، وستعيش قلقاً ودماً ودخاناً، يغطي قلبها، وبحرها!.

- 7-

الرتل طويل. الشاحنات تتقاطر، ونحن مستلقون فوق أكوام  البطاريات، والأسرّة، ونودّع العاصمة المثقلة بالغيوم والضباب والهموم. والأشجار تصفّق على جانبي بردى، الذي ارتفع منسوبة بعد صيف حار.
الطريق ضيّقة. .. اتسعت بعد أن قطعنا مدينة "الهامة"، ثم أخذت تضيق ثانية، كلما حاصرتها الجبال من الجانبين.
يمتد بصرنا. تضيع االغوطة بين التضاريس. تفصلنا عنها منحدرات ووديان سحيقة. المصفحات تتقدم الرتل، والرشاشات المتحركة تدور في كل الاتجاهات، مثبتة على السيارات.
الجاهزية عالية خوفاً من كمائن مسلحة، أو مفاجأة ما من العدو الصهيوني! وبعد أن قطعنا  "ضهر البيدر"، بدأت تطلّ علينا رؤوس الأشجار، والفيلات الحجرية، والقرى الجبلية الحالمة، والدمار، وبقايا سيارات محترقة، وجدران مطرّزة بمئات الطلقات، أو مصدّعة. . أسواق مفتوحة، ومواد استهلاكية مكدّسة أمام المحلات. . جنود سوريون، وحواجز متنقلة من عناصر تابعة للقوات الوطنية. وماذا بعد هذه المشاهد واللوحات والصور!.
- لا أحد يعرف من صف الضباط أو المجندين شيئاً!
رفع المجند " حيّان" يده. اعتقدتُ أنه يعرف الطريق، لأنه ساهم هو وعشرات العمال ببناء الكثير من الأبنية والقصور لخليجيين، ولبنانيين ومغتربين، حتى قال: أنه ساهم ببناء المجلس الحربي الكتائبي، وبقي عامين في "الكرنتينا".
- أنت يا حيّان دليلنا في هذه الغربة، وفي هذا المشوار الطويل.
- نعم. . ومستعدّ لتسمية جميع المناطق... فهذه الفيّاضية، وهذا جسر الباشا، ثم سن الفيل، وجسر الموت. . نهر بيروت. . النبعة، ثم انعطفت الشاحنات.. وقف حيّان.
مدّ رأسه. .. ردد بهمس. .. هذه بقايا البيت الذي أمضيت فيه أجمل سني عمري! ألا ترون. .. تمعنّوا! إنها " الكرنتينا"، وأشار بيده إلى المجلس الحربي "القيادة العسكرية لحزب الكتائب ".
كانت " الكرنتينا" التي حدّثنا عنها حيّان، ممسوحة عن وجه الأرض. أصبحت ذكرى تعشش في رأسه. ترك فيها أشياء جميلة، وصرّة ممتلئه بالحب والسمر والعشق والتعب، كما قال لنا.
- فما هو أجمل شيء تركته في هذه التربة؟.
كان يضع كفّه ركيزة لخدّه... انتفض مثل كلب أكلته البراغيث، ثم دار باتجاهي، همس بحزن : تركت جزءاً من قلبي !....
- ماذا؟ أَعِدْ !
- فلقةٌ من قلبي.
- أصبح قلبك ناقصاً.
- كرغيف الخبز يا محمود. . وجهها مدوّر. يطفح بالأنوثة. سمرتها جذابة، وقاتلة، بل مميتة. كانت تتسمّر جامدة كقرص الشمس، تنتظرني.
- هذا كلام فارغ، مستهلك.
مطّ كلمته. فا... ر. ..غ...
- أنا " صاخوري"، هل تعرف حي الصاخور في حلب ؟
- " أنتم كدعان، وأبضايات".
- لماذا لا نكون ؟.
- لم أتزوجها، لأنها. .
- ماذا؟ أقلقتني!
-لا يامحمود. لا تقلق. أصابتها شظيّة قطعت ساقها. وانتحرت، أو نحروها!.
الشمس تهبط نحو الغرب. البحر يتشبث بأشعتها كطفل رضيع..
وخيالات السفن تنهض من الأعماق. الدفء يخيّم على طرف بيروت الشرقي- وكانت الأمطار تغسل شوارع المدينة.
خلعت المعطف العسكري. أخذت نَفَساً طويلاً وممتعاً . . هذه بيروت التي حلمت برؤيتها يا محمود... هذه بيروت التي قرأت عنها، أو لمحت صورتها في بطاقة معايدة.. هذه بيروت التي حدثني عنها عمال المواسم.
قلت " تحدثتُ مع قلبي، وذكرياتي": " صورة يتيمة أحتفظ بها.تغطيها نفحات وردية. تذكرت أني عندما كان عمري خمس سنوات. .. حملتني أُمي معها إلى بيروت لوداع خالي المهاجر إلى البرازيل. . من ذاك اليوم عرفت بيروت، ومازالت تسكن مطمئنة بين نبضات قلبي".
مرّت هذه الصورة، كشريط عابر، ونحن نقفز من الشاحنات العسكرية إلى محطتنا الجديدة على كتف الشاطئ اللاهث. الذي أتعبته الأمواج وأسكرته القذائف. .
هذه محطتنا، هذا مقرّنا. بناية عالية. سبعة طوابق فوق الأرض، ثلاثة طوابق تحت الأرض، يشغلها معمل مسعود للشوكولا!
 في صباح اليوم الأول أحضر حيّان فنجاني قهوة. جلسنا في شرفة، ينبسط أمامنا البحر. سرحت عيناي فوق الأمواج الهادئة.
قال: أشمّ رائحة الموت. . سنة كاملة تنقلت فيها من حي إلى حي. لا حقتني عشرات الطلقات. نَجوْت منها بصعوبة وكيف نجوت لاأعرف؟
فتح علبة سجائر أميركية جديدة. تلمّس شاربيه الخشنين. أشعل سيجارة. رائحة القهوة، رائحة الدخان، ونسيم يعبق، يحتضن وجهينا.
-بيروت هادئة ياحيّان!
-حرب السنتين ستمتد إلى عقدين، وربما حتى نهاية هذا القرن!
- العلم عند الله، وعند. .. أعتقد أن القرن القادم هو قرن السلام والمحبة!
- أكمل. . لماذا توقفت عن الحديث ؟
- العلم عند الذين يسكرون على رائحة الموت.
- لماذا سكتّ يأخي؟
- لم أسكت يا محمود!
- ماذا جرى لك؟. .. تابع، وإلاّ سرحت مع ذكريات الماضي.
- الماضي يدغدغ أحشائي، ويرفع بوابة قلبي إلى باب السماء.
-أراك انتقلت من الأرض إلى السماء !
- لأن المحاصرين على الأرض تشرئب آمالهم نحو الأعلى.
حاولت استفزازه ببعض العبارات، حول خطيبته " سمر".
قلت: أتعتقد أن انتحار " سمر" كان بسبب قطع رجلها، أم أنك ظلمتها، وأحببت غيرها!..
وقف حيّان متأثراً دون أن يشعر. اقتربتْ تجاعيد وجهه من بعضها، وكادت تقفز إلى وجهي.
خففت عليه الأمر، بقولي: لا أقصد أنك لا تحبها.
لكن.. ماذا؟
حدّثني عن قصة حُبّك.
 أدلى حيّان باعترافات حُبّه، كأنه يقرأ قصيده. تخرج من فمه عبارات شاعرية.رغم ضعف ثقافته. علمته التجربة، فتح البحر ثقوباً إبداعيه في رأسه، ثم أخذ يسرد قصته، وأنا أراقب حركاته، وتلاوين وجهه المغبر.
" انتقلت يا محمود من حي الصاخور بحلب- حيّنا فقير، كالكرنتينا - إلى بيروت، وتعرفت على"  أبي  داني، وهو صاحب تعهدات. أحبّني وأحببته. بقيت أعمل في ورشته سنتين. هذا " المجلس الحربي" الذي تراه، أصبح مقرّاً لقيادة حزب الكتائب. عملت فيه نحو سنة ونصف. ولم أكن أعرف أن هذا البناء سيكون على ماهو عليه الآن، وإنما كنت أسمع أنه بناء لوزارة الدفاع اللبنانية، وأنا لا أتعاطى الأحزاب، والسياسة. حالتي على قدّها".
-لا تحاول أن تبتعد عن جوهر السؤال: كيف تمّت قصة الحب مع سمر؟ " أخذت غرفة بالكرنيتنا بأجرة خمسين ليرة لبنانية شهرياً، ووصلت أجرتي  اليومية في تلك الفترة إلى نحو مئة ليرة "
- قبل أن تتعرف عليها كما قلت - وهي من عائلة فلسطينية الأصل- كم فتاة سكنت قلبك؟
" البنات لاتحصى أعدادهنَّ، لكن القلب، عندما يهفو إلى شابة ناضجة، سمراء، عيناها عسليتان، جذّابة، هادئة، تسقط النظرات العابرة. كانت بقعة ضوء قطعت عليَّ كل محاولات المراهقة التي كنت أفكرّ فيها. وهذا الشاطئ الذي يتراءى لك اليوم حزيناً، كان يضم عشاقاً.. شريط بشري يلوّنه، والبحر يُغدق عليه من خيره. تنثر الأمواج رذاذها، ويتطاير شعر سمر، يمسح وجهي. يقبّل وجنتيَّ. يغطي عينيَّ.
قطعت الحرب الأهلية رجلها. كانت الشظية مقصّاً حاداً مزّق أوتار قلبي، ورغم هذا كله، لم أشعر يوماً أنني سأتركها، هي التي فاتحتني بالموضوع.. بدأت حديثها بدمعتين تتقاطر منهما الأوجاع، ثم انفتح مجرى الدموع. بكاء وكلام، يحملان مشاعر إنسانية شفافه، مازالت خالدة، ومؤثرة في نفسي، ولن تموت! وحتى هذا التاريخ أجد صعوبة في نسيان تلك اللحظات المرتعشة من حياتي. . أجد صعوبة في البحث عن وجه جديد وقلب جديد!".
- ماذا قالت: إنك تسترسل !
" قالت : لم أعد أصلح لك يا حيّان. أنت شاب في مقتبل العمر وأنا مُعاقة..
في تلك الليلة الحزينة، بعد أن عادت من المشفى لم أرها، لأن الجرافات "الكتائبية"، والدبابات، مجموعات الموت خرجت جميعها من  المجلس الحربي. زحفت على الكرنتينا، ومسحت بيوتها. أصبحت سهلاً منبسطاً، وانطمرت سمر في تربتها..
هذا هو الانتحار! لكنني مازالت أحتفظ بساقها المقطوعة.."


-9-

مرّت ثلاثة أشهر، بيروت تسبح في فضاء هادئ. الحياة طبيعية. . الناس في أعمالهم. التلاميذ في مدارسهم. . البحر ساكن. أمواج خفيفة تقترب من الشاطئ بصعوبة. البواخر تفرغ حمولتها. ويعجّ الميناء بالبضائع والتجار والسماسرة، والمرتزقة.
كنت مع حيّان في دفعة مبيت واحدة. .فكل أسبوع يذهب هو إلى حلب، وأنا إلى دمشق، نقضي ثمانياً وأربعين ساعة عند الأهل والعائلة. أصبحت لدى كل واحد من قوات الردع، بطاقة  تُثقب عند الحواجز. كانوا يسمحون بشراء مواد لبنانية بقيمة مئة ليرة فقط.
كانت السيارات العسكرية المنطلقة من بيروت تمرّ في طريق إجبارية " نهر بيروت" وعلى يمينه " كرم الزيتون" و" الأشرفية"، ثم تقطع جسر الموت، باتجاه " سن الفيل"، حيث كانت هناك " قيادة اللواء". هذه المنطقة هي مكان اللقاء بين عناصر الكتيبة الموزعة في عدة مناطق، على خط سير واحد تقريباً. أما السرايا فتتوزع بين بناية " فتّال" و" نهر الكلب "وقرب "المجلس الحربي"، وسرّية رابعة في منطقة "الضبيّة"، سرية الهاون في " برج حمود"، والدبابات سرية ملحقة بقيادة الكتيبة.
تدور القصص والحكايات، والنكات في لحظات قدوم السيارة، قبل أن تتوزع العناصر، الذين يحمل كل منهم، ما جلبه معه من السوق من أدوات منزلية، وثياب وغيرها، فلا يدخل أي شخص بيته إلاَّ ويُسأل :
ماذا تحمل معك من بيروت؟
ورغم الدماء النازفة في شوارع بيروت، ونزوح الناس بمئات الألوف عنها، كانت تغرف من البحر وتسقي أبناءها. تمدّ يدها إلى السماء، تفتح ثغرات ومزاريب من الأمطار. أما جبالها، فكانت تحمل بقعاً من الحزن.. بقعاً ترقّط سفوحها، كمدافن. طلقة واحدة، أو قنصة من متمرّد تخرّب هذا السكون الذي يتحول إلى فوضى، وضجيج، وهروب في كل الاتجاهات. تنعدم صور الجمال. تتحول إلى لوحات ضبابية. تختلط ألوانها، ليس بإمكان أي فنّان أو عالم آثار أن يفصلها عن بعضها.
تنقطع المياه والكهرباء. عيون الناس ممتلئة بالحزن.. ينبعث ضوؤها عبر الجدران المثقوبة. رجال الموت يجوبون الشوارع، يتوزعون على سطوح الأبنية، يقطعون الطرقات الرئيسة، والفرعية، يربضون خلف تحصينات من أكياس الرمل. مرابض المدفعية مزروعة كأشجار سود، وراء القرى، والمدن، وفي بطون الجبال. صفارات الإنذار تعُلن للناس الانتقال إلى الأقبية.
إنها بداية لقتال ودمار، وحصار، وجوع، وعطش.. تختفي أضواء بيروت. الليل في مضجعه، وتقطع القذائف الشمس، وتبعثرها. . وتُدمي البحر. وتغسل الدماء الشوارع الأسفلتية. . تتصاعد في السماء أناّت، ويتعالى الصراخ والضجيج، ولا يسمعه سوى الله الساكن في السماء السابعة.





-1-

برقية عاجلة " تمنع مغادرة المكان.. سنوافيكم بأوامر جديدة"
استنفرت عناصر الكتيبة بحالة قصوى. تمركز الجنود في حفرهم، خلف السواتر الرملية والسطوح. اتخذت قيادة الكتيبة الطابق الثاني مقراً لها، حيث تنتصب راجمات الصواريخ فوق سطح البناء.
انتشرت السرية الثالثة حول المجلس الحربي. عناصر الإشارة يتلقون التعليمات. أخذت فصيلة الدبابات موقعها. وجّهت سبطانات المدافع إلى المجلس الحربي والصيفي، والأشرفية. تجمّدت الشمس في قبّة السماء. . الساعات تمرّ ثقيلة. . طال النهار!.
أخذت عناصر الكتيبة مواقعها في ثلاثة اتجاهات، جنوباً وغرباً وشمالاً. . وتحمي القيادة من الشرق سرية من المشاة، ومن الغرب تسع دبابات.
الليل يجوب الشوارع، والأحياء المقفرة، الخالية. احترقت الأضواء. وما تبقى سوى أضواء خافته. القمر كهل، كشيخ يُلقي على كتفه زوادته. تحجبه غيوم عابرة، وزخات من المطر... طائرات ركاب عابرة. الجنود بلباس الميدان الكامل، يتحفزون لأية إشارة. . الساعات القادمة تبشر بقدوم أمطار نارية، ورعود صاروخية، واحتكاكات أسلاك الكهرباء..
سبطانات الدبابات والمدافع، ستحصد الجدران الأسمنتيه والبشر.
برقية عاجلة جداً " ساعة الصفر، الثانية عشرة ليلاً. استخدام جميع الأسلحة النارية". كان "قا.ك"في إجازته الأسبوعية. ورئيس الأركان ترافقه عناصر الإشارة، فوق سطح البناية العالية.
تُرسل أوامر القتال بالشيفرة عبر الأجهزة إلى السرايا وقيادة اللواء. القذائف الأولى من راجمات سلّطت نيرانها على المجلس الحربي.وجّهت الدبابات قذائفها، باتجاه الصيفي.. الأربيجيات" فتحت في الأبنية طاقات. .. حرائق أدخنة. نيران. تلتقي مع بعضها. شقّت طريقها من النوافذ والأبواب... صراخ وعويل وبكاء. نساء وأطفال، يجرجرون أقدامهم، يتلطون متخفّين بجانب الجدران، يتنقلون بين الأشجار. يحملون صرراً وبطانيات. الهواء المحمّل بالأمطار يتدفق صارخاً من البحر. حبال المطر المائلة تقفز قطراتها، وتنط فوق الإسفلت البارد.
قطّب رئيس أركان الكتيبة حاجبيه.. أشار إليَّ بالكتابة. " اكتب يا محمود برقية إلى " قال" أخذت مكاني خلف عمود الأسمنت، ويقف بجانبي مجند يحمل شمعة فستقية اللون... كتبتُ البرقية التالية :" نيراننا تحصد القوى المعادية. . نيران قادمة من البحر. لا خسائر حتى الآن بين قواتنا. . سنعلمكم بعد قليل بآخر التطورات على جميع المحاور". - "قا.ك"-
تحترق ساعات الصباح، وتطول، وحينما يشقّ الضوء الفضاء المجاور للبحر، كانت الطلقات تشعشع، وسيارات الإسعاف تصرخ بحدّة، ويمتد نعيقها على اتساع الأفق، فوق الماء واليابسة.
صرخة حملتها موجة هواء حزينة إلى السماء. طرقت أُذنيَّ ثم انقطعت. هبطت السلّم، أقفز الأدراج، ومدخل البناية، والطوابق مرصوفة بالجنود، وصف الضباط. وعلى جانبي الشارع المرّوع تصطف السيارات للرحيل!.
روائح كريهة تفوح، منبعثة من الشاحنة المحملة باللحوم والخضروات.. رائحة الخوف والموت تملآن المكان. وجوه حيرى. تركت السرايا أماكنها، وبدأ النهار يحبل بمواليد جديدة. جرحى يئنّون، وموتى في العراء. تركوا آمالهم في جوف بنادقهم.
حملتُ المنظار. ثبّته فوق عينيَّ. انطلق بصري يفتش عن " أبي ماركو" الذي بدا واقفاً وراء رشاش. تواجهه زخات من القذائف. لاتُحصى أعدادها. ينتقل من مربض إلى آخر. يتحاشى بصعوبة الطلقات الهاطلة فوقه. ينبطح، ثم يقف. يميل على هذا الجانب أوذاك. سلّمت المنظار إلى حيّان، مؤكداً له: متابعة رصد  مواقعنا، ومواقعهم. أعْلِمْ القيادة عن أي طارئ أو تحرك جديد للعدو.
تنهّد. كادت الأنفاس المرتجفة تربكني.. فهمت منه "إصابة الملازم قائد فصيلة الدبابات"..
- نعم سمعت صرخة شقت الفضاء!.
- قنصة غادرة استقرت في صدره.
- أصابته حينما حاول الانتقال من دبابته إلى دبابة أخرى.
- لماذا؟.
- كيف يتحرك والقذائف الغزيرة كالمطر تئزّ، وتلفّ الفضاء.
لا أدري، وإنما هذا ما حصل!
- علمت أنه كان يجهد من أجل مساعدة قائد الدبابة الثانية، لفك حالة الاستعصاء.
- وماذا جرى بعد ذلك؟
- مازال ينزف وينزف، ولم يستطع الطبيب إنقاذه.
- إذا، عبد الستار، الملازم النشيط، الشجاع. يكاد يفارق الحياة!
- لاتقل ذلك، ولكن الطبيب يعمل بكل إمكاناته لإنقاذه.
-لكنه، كما سمعت يحتاج إلى عملية جراحية.
- معك الحق. . الطبيب غير مختص بالجراحة.
فما دور سيارة الإسعاف؟
- كيف تصل إلى المنطقة الغربية؟.
- عن طريق " البور".
-والحواجز المسلحة!.
كان حيّان يؤشر بيده، ويصرخ ملء فمه. . محمود. . محمود بين الازدحام والاختناق البشري، والموت، والأنين، والغوغاء، والروائح الكريهة، ولكني فقدت السمع، استدركت متأخراً. صعدت السلّم الطويل درجتين درجتين.
برقية عن نتائج معارك النهار. فتحت لوحة الشيفرة. رمّزتُ الكلمات التالية وُصغتُ البرقية: "استشهد الملازم عبد الستار أُصيب بجروح بليغة، أربعة جنود. الطريق مقطوعة. لم نستطع إخلاء الجرحى. فَقَدت كتيبتنا ثلاثة جنود من سرّية الإشارة - وهم من الاحتياط - في اليوم الذي سبق المعارك، بسبب مخالفتهم للتعليمات".
- مَنْ هؤلاء الجنود. ألا تعرف أسماءهم؟
-إنهم من الاحتياطيين.
كيف فقدوا.
لم يلتزموا بالأوامر. خرجوا باتجاه الشارع الخلفي. يُقال إن جثثهم مازالت هناك.
ظلام وعطش، وهواتف مقطوعة. تشويش على أجهزة الإرسال. . وجود إسعافات أولية للجرحى. .. عبد الستار، الملازم الشهيد، جثّة صامتة فوق لوح خشبي.. يغطيه شرشف. . تتابع مدافع الدبابات القصف، متناوبة في إلقاء القذائف.
يتحرك حيّان كلولب بين الحشد البشري، يصعد وينزل كالمكوك، ويتفقد وصول السرايا والفصائل، والخرائط، والتعليمات السرّية للغاية، والكتب العسكرية، وكل شيء.
- ماذا نأكل يا حيّان؟ لاخبز، ولا برغل! ولا. . ولاشيء يسد رمقنا!
-لا تيئس. ستنفرج قريباً!
- إنها حالة صعبة، يمكن أن تستمر أسبوعاً آخر!
- هل تصدق أن القيادة لا تؤمن لنا الطعام!
- ستحاول بأية وسيلة.
-أذهب ياحيّان. . ثلاثة أيام والجوع يفرم مِعَدَنا. .. أذهب وفتش في براميل القمامة عن الخبز اليابس.
-لا يامحمود. . أبقى دون طعام ولا أقترب من البراميل.
- لماذا؟.
- وجود فئران، وجرذان حيّه وميتة.
- الجوع. . الجوع اللعين، وإذا جاع الإنسان، ماذا يعمل؟ وماذا يأكل؟
- الحالة صعبة، قاسية جداً!.
- الله كبير! سيفرجها!.
وإذا لم تنفرج!
- سنرى!
- نصوم!
ارتفعت حرارة الليلة الثانية. نداءات الموت صارخة. قذائف من أنواع مختلفة. . البناية طرزتها الطلقات. .. أصبحت كالغربال، مما يذكرني بـ " غربال نعيمة " سيتغربل الناس في هذه المعارك!
- هل تلاحظ أن عدد المصلين يأخذ بالازدياد؟
- الخوف. . الخوف من الموت. . الحياة غالية.
- بعضهم يقرأ الفاتحة.
- وأنت!
-قرأتها مرة في الكرنتينا، حينما كانت نهاية سمر.
- أكره يا صاحبي تواريخ الموت. . أكره رؤية القذائف والرشاشات والرصاص، وموسيقا الجنازات. . مسلسل أحتفظ بشريطه منذ سنوات. . سنتان تسكنان، وتقبعان في قلبي وداخلي بكل ما تحتويان من حلاوة ومرارة ؟، من مجازر مهلكة، موت بالجملة. . الآن حين ألمح الدماء، كأنني أحرّك حبّات سبحتي بين أصابعي.
- ألم تحزن؟
- كبقية الناس، لكني أكره الموت والجبناء.
- ما موقف " أبو ماركو" وهو من منطقتكم ؟
- يقاتل برجولة، وتفانٍ دفاعاً عن عائشة. لم يغادر موقعه. وفوّت الفرصة على مجموعة من المسلحين  المتسللين، وأعطب " ملاّلات" تابعة لحزب الكتائب.طُبعت عليها نجوم سداسية.
وفي منتصف الليل، برقية عاجلة من (قال) هذا نصّها :" سيتوقف القتال في الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً.. التزموا بالأوامر، والتعليمات. سيكون ضابط الارتباط عندكم في تمام الساعة الرابعة صباحاً. ستتلقون تعليمات جديدة. بعد نصف ساعة"
تساءلت: كيف وصل "قا.ك" من دمشق في هذا الوقت؟ تجنبتُ سؤاله، عن كيفية وصوله. لقد نزع الرتب عن كتفيه. ينمُّ وجهه عن أمر ما حصل له، لكن، بعد أن شربنا الشاي، وبللنا الخبز اليابس الذي جلبه حيّان من البراميل، ظهرت ابتسامة عريضة، أنيسة فيها عزة النفس - فوق ثغره! طلب إعادة قراءة البرقية. قرأتها للمرة الثالثة. لم يصدق ماذا يحصل! همس :" أمَنْ المعقول أن القتال سيتوقف بهذه السرعة؟"
هنأه رئيس الأركان بالسلامة أولاً. . تابع طالباً منه استكمال ماجرى معه. اقتربنا منه، وتحجرنا حوله "أنا وحيّان، وعناصر الإشارة والحاجب "السواس" "قال: "وصلت إلى مقرّ الكتيبة بصعوبة. تسللت من بيروت الغربية بين الطرقات. والزواريب، والزوايا. حاولت الابتعاد عن الحواجز المسلّحة الثابتة، مررت على بناية "فتّال" فوجئت بفراغ المكان، ومغادرة السرية. . مساند رملية ودواليب سيارات تحترق. . هذا ما جرى. . وسأخبركم بما تبقى من مشواري في الأيام القادمة إن سمح لي الوقت".
برقية جديدة :" احتجزوا الشاحنات المدنية، وقبيل طلوع الشمس ستنتقلون إلى مكان آخر. لا تنسوا الشهيد عبد الستار، والجرحى. أنقلوهم في سيارة إسعاف".
تبادلنا الحديث والمشاورات. هبطت أنا وحيّان إلى طابق الثاني. جهزنا الخُزن والأسرّة، والبطانيات، وأشياء عديدة.
وفيما كان الصباح يعزف لحناً جنائزياً، كان رتل طويل من الشاحنات والسيارات الصغيرة، يستعد للتحرك والرحيل. استمر القنص، ولم يتوقف طوال ساعات. رافقنا طوال المسير فوق طريق محفرة. قطعت السيارات جسر نهر بيروت - تتقاطع في هذه المنطقة عدة جسور - سلك الرتل الطريق المؤدية إلى برج حمود، وتتفرع منه طريق ثانية إلى منطقة "الدورة ". تطلّ "الأشرفية" علينا و" كرم الزيتون " يواجهنا. أبنية فوق مرتفع تشرف على الطريق الذي يربط نهر بيروت بجسر الموت!

-2-

 ربطات الخبز الأبيض  المقمّر كانت هدية سكان "برج حمود"، غالبيتهم من الأرمن. . هذا رمز لصداقة قديمة تعود إلى أيام السفربرلك!
التفتُّ إلى حيّان. . ابتسم. . أشرق وجهه، كغير عادته! وهو يُدخل نصف رغيف في فمه دفعة واحدة..
- مارأيك بهذا الخبز الذي يعوّضنا عن جوع الأيام الفائتة! لا نريد سوى الخبز"الحاف" دون لبن أو بيض. سنملأ بطوننا ونشبع. . ثلاثة أيام من الجوع والسهر والموت البطيء.
توزعت الشاحنات والجنود على الأبنية، كنصف قوس امتدّ من البحر حتى برج حمود. أخذت السرايا مواقعها الجديدة. بقايا رائحة بارود. . طلقات متقطعة. . صدى قنص من المناطق المجاورة.
كان الليل يغطي جميع المقتتلين. توقفت الأمطار. انتشر الدفء القادم من الحرائق ومن البحر والسماء وحديد السيارات والقلوب والرؤوس. العرق يجف فوق أجسامنا. ملح البحر يمسح وجوهنا وجلودنا.. بذلاتنا العسكرية تقزز النفوس.. لحانا طالت وتدلّت كسولة ملبّدة بالعرق والغبار والملح والبصاق. التصقت جواربنا بجلود أحذيتنا. . هكذا وهكذا . هذا ما حصل، ولا أحد أحسن من الآخر!.
تسللنا إلى شركة "التبريد" المهجورة. . شركة تتسع لجيش جرار.. طوابقها معتمة زوابع من البعوض. أفواج تأتي، وأخرى تهاجر. مياه آسنة. راقدة أمام الشركة. رائحة عفونة ورطوبة قاتلتين. . لكننا عندما صعدنا إلى السطح الواسع، كانت النسمات الغربية تحمل الهدوء والراحة، وبقايا قطرات من الدماء، وأنفاس ثكالى، وأنيناً، وأوجاعاً لم نعرف مصادرها.
أخذ القمر الجميل يؤنسنا، وديعاً، مسالماً، يفيض بالحب والحنان. يزيح الغيوم من طريقه بيدين جريحتين، واهنتين. يبعث ضوءه الخافت، وتطوقه أدخنة، وشظايا، وطلقات فارغة، وقذائف مدفعية ثقيلة، وصواريخ، وحمم تحرسه نجوم مبعثرة، موزعة في قبّة السماء. وعلى أطراف الغيوم وذيولها، خرائط، وبين كتلها المتراصة والمتباعدة مدافع، وراجمات، وخوذ جنود، وسواعد مقطوعة، وأصابع مفرومة، وأكفّ أطفال، وعيون ملوّنه، وجثث محمولة فوق حمّالات، جنود يصعدون سلّم المجد إلى السماء. عجائز وأطفال من حيّ الأرمن يحملون الخبز، يوزعون العشاء لضيوفهم، وهم يضحكون ويهمسون بكلمات الترحيب. ليلة هادئة، مسكونة بإشارات الانفجار القريب.. استراحة قصيرة للمقاتلين.. استجمام مؤقت بعد ثلاثة أيام من القتال.. هجم النوم في هذه الساعات، وكانت الأرض فراشاً مُريحاً. . أجساد مُنهكة، تلفّها بطانيات لم تتعرض بعد للاحتراق.
وضعتُ حذائي تحت رأسي. تعالى الشخير.. الحراس على مداخل الشركة.
ثُبّت رشاش " 14.5مم" في منتصف الشارع المنحدر نحو " الدورة " وصواريخ، ودوريات محمولة وراجلة تجوب المنطقة من البحر إلى البرج.
الصباح يشرق، ويشدّنا الدفء والحبّ من أهدابنا. نهضنا نحمل أسلحتنا. قنصٌ يداعب الشمس. تندس الطلقات السامة بين خيوطها المربوطة في قلوبنا. ظلت محاور القتال تتبادل التحيات من قذائف مدافع الهاون، والرشاشات. سيارات تنقل المدنيين، وتمرّ من "برج حمود" باتجاه " المجلس الحربي". مئات ومئات الشباب " ذكور - إناث" - زوارق حربية تعوم فوق البحر. تراقب الشواطئ والأبنية تقترب من مواقعنا.
عاد القتال شرساً. تدوي القذائف، يرتطم صداها بجدران الأبنية. كان الجنود يملؤون الأكياس بالرمل، وينقلونها إلى مواقعهم. يحضرون صناديق الذخائر. يأخذون أمكنتهم بهدوء.
توزعت مرابض المدفعية بين الجسور. حدّد كل مدفع اتجاه سمته. أما الدبابات فربضت موجهة سبطانات مدفعيتها إلى البحر. قبعتْ في حفر. لا تظهر إلاّ فوهات المدافع. . وحولها تكدّست صناديق القنابل بعناية وترتيب.
أوامر شديدة، بعدم الردّ على القذائف القادمة من مختلف الاتجاهات. استغلّت عناصر الكتيبة هذا الموقف، لتنظيف الأسلحة، وتزييتها، وتوزيع المهمات القتالية. بدأت عناصر المطبخ تُحضر المواد، وتوزعها على السرايا " علب لحمة وفاصولياء، وأحجار فوسفورية"، لتسخينها. تمَّ الاستعداد والجاهزية العالية، مما يبعث في نفوسنا الأمان والأطمئنان، خاصة بعد تأمين الخبز من "برج حمود".
قلتُ. . تبادلتُ الحديث مع نفسي :" هذه المنطقة أقرب إلى جسر الموت، سيكون الرصد دقيقاً، وصائباً. كنت أجرّب، محاولاً رؤية الجسر من نافذة ينبسط أمامها نهر بيروت بجوانبه الأسمنتية التي تحتضن أوتوستراداً عريضاً".
سأرصد جسر الموت حتى آخر ساعة، فما دامت المعارك قائمة ومستمرة، سيرافقني المنظار كصديق في هذا الوقت الملتهب.. ومادمت في بيروت الشرقية، سأرصد محاور القتال والمناوشات.. هذا الجسر يشكل منطقة التقاء ومقبرة جماعية. اغتسل بالدماء. انبطحت وارتمت فوقه عشرات الجثث، ومن مختلف الأعمار والجنسيات. .. أصبح مدفناً مكشوفاً دون سقف أو جدران سوى السماء  البعيدة البعيدة، جثث متفسخة عشش فيها الذباب والحشرات والديدان تحرثها تغوص بين اللحم والأضلاع، والسيقان والسواعد.
هذا ما تمَّ رصده الآن من موقعي في "برج حمود"، ومن نافذة في شركة التبريد‍.

-3-

يرافقني حيّان في مشواري الطويل. لايمكن، ومهما كانت الصعوبات أن يتخلّى عني، وأنا كذلك. رسمتْ صداقتنا صوراً من الجوع والقحط والخوف، خرائط من المحبة.
كان حيّان كالدولاب ينتقل من سرية إلى أخرى. يجلب الأخبار. يتابع الرصد. أصبحت صداقته مع / أبي سركيس/ متينة وصلبة، وقوية.
تعرّفت على قصة حياته من أولها إلى آخرها. كفى يا حيّان، كفى أشبعتني قصصاً، وحكايات، لكنها كانت مشوقة ومحفّزة للاستماع، والإصغاء، كأنك عجّانة ماهرة، تصفّ الكلمات، وترصف الجمل المحبوكة بعناية ومهارة فائقتين، كما تصفّ العجّانة أقراص العجين. تمهّد للقصة كأديب بارع. إنك صاحب ذهنية وقّادة. . أنت الآن على نار حامية وحارة. أعرف لماذا تدخّن كثيراً، وتبتسم، ويتراقص شارباك الكثيفان، وعندما تضغط بشفتيك على كعب السيجارة تنهض وجنتاك، وتتسع غمازتاك كبيضتين صغيرتين.
بهدوء ودون استعجال عرف ما يدور في ذهني من شوق للاستماع لحديثه.. وتابع.. أبو سركيس أمضى عشر سنوات في حلب بعد هجرته من تركية. طفل رفس الموت صدفة، بعد أن حصدت المجزرة اللعينة أكثر من مليون أرمني. حملته إحدى العائلات معها، واستقرت في حلب الشهباء، ثم أصبح شاباً وسيماً، يعمل في إصلاح السيارات. ها هو يبلغ من العمر الخامسة والستين. تزوج وأنجب صبياناً وبناتاً. البنتان تزوجتا. أما الولد البكر فسافر إلى امريكا، والولد الثاني ذبحته إحدى العصابات. عمر زوجه نحو خمسين عاماً، ولكن مظهرها الخارجي لا يدل على هذا.
عند وصولنا إلى "برج حمود" كان الملازم هشام قائد السرية الأولى ينزف بسبب قنصة مميتة استقرت في الجهة اليسرى، وقنصة ثانية اخترقت بطنه واستقرت بين فقرات ظهره. حاول أبو كيس إنقاذه، فنقله إلى عيادة طبيب في برج حمود، لكن الموت كان سبّاقاً!
أُصبت بحزن عميق لأني أعرف الأثنين، وأنا الذي نقلهما، وأحضرتهما إلى "قا.ك"، حينما التحقا بالكتيبة، إنهما من الدفعة الأولى " دورة السنوات الثلاث". أتذكر أنهما عندما وقفا أمام "قا.ك" وأدّياله التحية بقوة، حينئذ طلب منهما "قا.ك" تكرار التحية لأن الأرض لم ترتجّ من ضربة أقدامهما فوق البلاط النظيف اللامع.
أضاف حيّان قائلاً: إذا لم يشرب القهوة مع أبي سركيس كل صباح يظل ينتظره حتى المساء، فيحضر له العشاء وبعض المشروبات. ولاتستغرب فالمشروبات مع الطعام شيء عادي جداً في بيروت. وإذا لم تشارك يضحكون منك، ويسخرون، لكنني لا أُكثِر، فعندما أبلغ النشوة الأولى أتوقف.
تمرّ الأيام حلوة، ومرّة. . الشوارع رطبة، الأبنية متباعدة، ومناظر الجسور تمتّع الرؤية. . لقد منح الشتاء - وله الفضل نهر بيروت- الماء، فامتلأ المجرى. وكان الربيع يرسم خيوطه الخضر صباح، مساء. أخذت الشمس تظهر، فلا أدخنة، ولا حرائق.خرجنا نتدفأ بعد شهر ونحن في هذه الأقبية!
تساءلتُ : متى يُسمح لنا بالنزول إلى دمشق؟ طوال هذا الوقت ونحن نحيا بالأمل. كدتُ أنسى أهلي. ولم تَعدُ تتوارد إلى أذهاننا صور مدننا وقرانا الجميلة، وزوجاتنا وأمهاتنا. يفقد المرء قلبه، وعاطفته ويخسر أحلامه وأشجانه.. إنها حالة صعبة تتخللها مرارة وحرمان. أرى مواقد الحزن، والهمس الداخلي اللعين، خاصة حين يأتي المساء لاهثاً، محملاً بالغبار رديئاً، جاثياً فوق أفق الليل، تزدحم الأفكار المجنونة، وتتصاعد حاملة خلايا ميّتة، ودوائر، وأشكالاً هندسية، كفنّ تشكيلي معقّد.
صورة موجعة وقفت ولم تتزحزح. _ والدتي تقلّب طفلتي الصغيرة بين يديها. تقطر من عينيها دمعتان".
أعرف أُمي. قلبها طري كالعجين. تمتص اللوعة دون ضجة، صامته. تكدّس في قلبها وصدرها الأوجاع، كذلك أُمّك ياحيّان! قلب الأم لايبخل بالعطاء، وهل نحن هنا ندافع عن أُمّنا؟
أجواء أخرى أقلّ بشاشة وحبوراً تطغى علينا. الوجهان واجمان، كدفتي زورق، تقاومان الأمواج.. الشمس في هذا اليوم تودع الأبنية والمقاتلين  والبحر. تهاجر مع الناس الهاربين من ويلات الحرب إلى بلاد بعيدة. قفزت أشعتها فوق السفن والبواخر.تركت بقعاً كبيرة من الألوان الخمرية، ترسم فوق الأفق إشارات وأشكالاً.
يلوح الغروب بلحظة الوداع. يهبط قرص الشمس. تعلّقت أبصارنا بالأفق الممتد الذي يحتضن بيروت، بدفتيها الشرقية والغربية. موسيقا تهطل علينا مع زخات المطر الربيعي. ينشر الليل دفأه الحالم. يوزعه على الجنود الرابضين وراء أسلحتهم بين أكياس الرمل..
 وكان الشاطئ يتمنى أن يُغطس في رماله أقدام العشاق. وآذان الصخور تتفتح. تُصغي إلى صوت الموج الذابل في خدوشها. ترتطم مُنهكة القوى. تغادر البواخر مودعة، تحمل المغادرين. ولم تبقَ إلاَّ الأمهات، يحملن المناديل السود. تغطس في وجوههنَّ  العيون المتفجرة الحالمة بعودة فلذات الأكباد.
تدور رحى الحرب من جديد. يسيل  الدم. تتفسخ الجثث. يصلب الأحياء. وتقطع آذانهم، وألسنتهم. وتُنتهك الأعراض. تغتصب الفتيات الأبكار أمام أهلهنَّ. يصطف الأطفال بجانب ألعابهم الحربية، ويستمر إغلاق المدارس والجامعات.
نهض حيّان يتثاءب، حينما سمع دوياً مرعباً. حمل سلاحه، ومنظاره وبدأ يرصد من فتحة ضيقة، يلاحظ ما يدور بين الأبنية، وأحياناً يدوّر المنظار نحو النوافذ التي مازالت أنوارها الخفيفة وراء الستائر الشفافة. يدور ويتحرك، ثم يرفع المنظار عن عينيه ليتأكد من أمر ما. يكون الليل أنيساً رغم القذائف، ويخفف عنّا متاعب النهار.. وأنا أدفن قلقي وضجري، شريطاً من الصور بين دفتي قلبي. يتابع حيّان حراسته. يفتش بين طيات السكون عن تسلية. يتمنى مثلي أن يصرخ بصوت عالٍ. أن يخترق صوته الفضاء حتى يستيقظ الكسالى ويتوقف الشخير، لأن القتال ابتدأ شرساً‍


-4-

دبابة تصعد ملتوية بجسمها الثقيل فوق جسر الدورة. أطلقت عشر قنابل متتالية. . المرة الأولى التي أكون فيها قريباً من مركز إطلاق القذائف.
اعتقدتُ أن العالم تغير، وأصبحت بيروت جزيرة في البحر. طلقة هادرة كطوفان أصابت صورة تغطي نصف البناية، مثبته بحاملين. تواترات الطلقات، وتتابعت. ازدادت حدّة القتال. وكان تمزيق الصور وتقطيعها أحد أشكال التحدّي والمواجهة. وتكاثفت نيران القوات اليمينية من الاتجاهات كافة. تراجعتُ إلى مكاني. وضعت وجهي في النافذة، أراقب السماء المشتعلة، والقذائف المتساقطة. . أقواس من اللهب. دخان يتحلزن. يفتح دروباً، متجهاً نحو السماء. تدفعه هبّات الهواء باتجاه البحر.
بيروت ساكنة، يعتصر قلبها، جاثية، كأنها تصلي. ساقاها يغطسان في مياه البحر. يداها مفتوحتان، لفت نظري دبابة تتراجع بعد أن نفذت مهمتها بنجاح. انحرفت نحو اليمين. هبطت خلف الجسر. جاءت واقفة تمد ذراعيها تطلب النجدة. وبقيت نائمة وفي حالة نزف ثلاثة شهور منتظرة من ينقذها من هذا المصاب.. وحين خرج طاقمها سالماً، تبددتْ شكوكنا، لكن تساءلنا : كيف خرجوا سالمين؟
اندفع عشرات الجنود، وصف الضباط. تجمهروا. استمرت طاحونة المعارك بشراسة، ونحن ننقل المصابين بجروح إلى أحد الأبنية القريبة.
سألت سائق الدبابة " شربو" : كيف تنحرف بهذا الاتجاه؟
أنت الذي ترك الخابور، ولبّى نداء الاحتياط‍
- زاغت عيناي أيها الرقيب محمود.. أصابني الغثيان. وكان اعتقادي أنني أتراجع في الاتجاه الصحيح.
- الحمد لله على سلامتك.
مرت لحظات ساخنة، مفاجئة حينما أصابت الطلقات طفلين كانا يقطعان الجسر. الدماء تنزف من ساعد الطفل الأول. أما ساق الطفل الثاني فقد انكسرت.
يوم حافل، وعمل مضنٍ للممرض الذي لم يبخل بالجهد والدواء، ثم نقلهم بالسيارة إلى برج حمود.
كان حيّان يسجّل البريد الوارد والصادر. أشار إليَّ بإدخال مصنّف البريد إلى "قا.ك".
فعلتُ كما أراد، ونفذت طلبه، ولا يمكن أن أخالفه مع أن بإمكانه تنفيذ هذا العمل الجماعي في حالات القتال والحروب تذوب الفوارق بين الرتب الأفضلية للتعامل الأخوي والعمل. تتراص القوى أمام الأخطار، حتى الموت في  مثل هذه اللحظات يقفز من الذاكرة، ويهاجر بعيداً.
كالعادة بعد أن طرقت الباب. أديت التحية. قدمت مصنف  البريد. كان رئيس الأركان جالساً بجانب "قا.ك". يبسط أمامه خريطة بيروت ذات مقياس كبير مُحمّلاً عليها مواقع القوى المناوئة. تظهر عليها الشوارع والمحلات والأسماء "شارع فارس الخوري -شارع الجميّل - بناية شمعون".
تعبتُ كثيراً حتى أنجزت هذا العمل، خاصة تثبيت مكاتب الأحزاب" الكتائب - الأحرار -حرّاس الأرز"، وأهم المواقع المؤثرة، والحساسة " الصيفي - المجلس الحربي- بناية البرج في الأشرفية".
قلّب " قا. ك"  البريد الوارد. توقف مليّاً عند قراءته للبرقية التالية: "غداً سيفتح باب الإجازات للذين مضى على وجودهم في بيروت ثلاثة أشهر".
رفع رأسه. حدّق في نائبه، وهو يقول: " هل تصدّق؟". تأكد يارقيب محمود من هذا الأمر. واهتف إلى القيادة‍
- حاضر سيدي: ثم قدمتُ إجازة لمجند في الذاتية " قرية شبعا في الجنوب" ضحك ساخراً.. - الجنوب ثانية يامحمود‍
- لا علاقة لي بهذا الأمر، ومن حقّه أن يحصل على إجازته
-كفى‍
أعاد إلى جيوب ذهني، وذاكرتي الممصوصة، الأمر الإداري، عندما نُقلت فجأة من الكتيبة المتجهة إلى صيدا. وتابعت قائلاً: هناك في الجنوب قتال ومواجهة، وفي بيروت الشرقية أيضاً قتال ومواجهة‍
- ماهو طلبك الآخر، والأخير. . أسرع لأن ورائي أعمالاً كثيرة!
 -أريد إجازة قصيرة لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة.
- لماذا ؟
- من أجل إجراء المقابلة الشفوية، وتحقيق النجاح في المسابقة لحملة الشهادة الجامعية.
وقف "قا.ك" كأنه يستقبل رتبة أعلى من رتبته!
-أتعتقد أنك ستحقق النجاح؟!
- تقدمتُ إلى هذه المسابقة أسوة بزملائي. ودرجتي  العلمية تؤهلني..
-ستُرفض حتماً!
- إذاً، ما العمل! ألا أستحق، كوني مواطناً، العمل في مؤسسات الدولة!
ولم أفهم ماذا تمتم من كلمات، وجمل مقطعه. شعرت أن غيمة حزينة تمسح أوجاعي بأصابع قاسية، وجافة. . قلت في نفسي" لا يكفي أن الفقر لاحق والدي حتى القبر، وأمضّ سني حياته خلال أكثر من  ستة عقود. كان يهرب  من سنوات القحط إلى فلسطين  قبل طلوع الشمس".
خطيئة والدي تلاحقني أيضاً حتى الممات، لأنه كان يرفض المساومة، وأنا لن أساوم أبداً، سأترك الأمر للقدر، وقد أؤمن بالحظ أيضاً.
بدأ الاثنان يتهامسان " رئيس الأركان وقا.ك"، ثم طفحت فوق وجهيهما ضحكتان ودودتان.
دخل الحاجب " السواس" يحمل الشاي، ولحق به الممرض. رفع "قا.ك" قميصه، وظهر جرح في بطنه. . غيّر الممرض الضماد، وانسحب، وتركنا !
- هل يؤلمك الجرح سيدي؟ هكذا قال نائبه.. لا.. لقد مضى عليه أكثر من شهر، لكنه بقي مفتوحاً، بسبب الحركة والتنقل، وصعود السلالم.
استدرك. . وهذه تتمة القصة! وسأكملها لكم. " حينما وصلت إلى المنعطف، أردت النزول إلى رصيف الميناء. أوقفني حاجز من المسلحين. وقبل أن يسألوني عن اتجاه سيري، ومَنْ أكون، أطلق أحد المسلحين النار فتراجعت إلى الخلف قليلاً، مما خفف الإصابة، وحين تعرّفوا عليَّ، تركوني".
عدتُ إلى مكاني بعد جولة سريعة من المعارك الكلامية والمناقشات. كان حيّان يرصد فتحة "ثغرة" بين حيين في برج حمود، يمكن أن تشكل خطراً علينا. وطلب مني أن أرتاح هذه الليلة من المناوبة، ورغبة منه في متابعة التلصص بعد منتصف الليل، في أجواء هادئة وساكنة!
عرفت قصده وماذا يفكر " تختفي وراء الستائر الشفافة نجوم، تتراقص فوق أسرّة دوّارة"، تختلف عن أسرّتنا التي ما إن يستلقي عليها المرء حتى تحدثُ صريراً، وأصواتاً مزعجة، وأحياناً تلعلع كالرصاص. رغم الحرب اليومية وحوادث القتل والموت، والخراب، والدمار، نراهم يستغلون  الوقت، عندما يتوقف القتال ويذهبون إلى النزهات. يأكلون أفضل المأكولات، ويشربون أطيب المشروبات. ينامون على أسرّة مخملية دوّارة، وأجسادهم عارية.
أكدّ لي حيّان من خلال رصده الطويل، أنه شاهد عروسين في شهر العسل يتعاركان، ولم يرَ غيرهما في المنزل. كان زفافهما قبل وصولكم بأيام.
وفي اليوم الثاني  سأل حيّان أبا سركيس، فأكدّ له صحة حديثه قائلاً "لم يمضِ على زواجهما سوى فترة قصيرة وأشار إلى الكنيسة التي تهدّمت قبّتها. هنا تمَّ زفافهما! "
هكذا، ياحيّان أشعر أن صمتك يُخفي أشياء كثيرة لاتريد البوح بها. أنت تستمتع في رطوبة الليل وهدوئه، لكنك ستبقى محروماً زمناً طويلاً. ستظل اللوعة تصدّع روحك، وتحرق قلبك، ويدوس الحرمان على أضلاعك..
ضحك ببرود، والرذاذ يتطاير من فمه. . أجابني، وهو يمسح لعابه:
حدثني الحاجب " السواس" عن أمور كثيرة " أفلام دعارة، وألبومات صور، نساء عاريات". أيقنتُ انه يبالغ، ولن أصدّ ق هذه الأقوال.
ساد الصمت. وجوهنا واجمة. تتلذذ بسماع الأخبار الجديدة.
وكانت رائحة البرغل تملأ الأنوف. النهار يولد في كل ساعة، ويظلّ الليل يحبل بالآلام والأوجاع.. تمر الأيام متسارعة، راكضه، لانستطيع اللحاق بها، لكن الذكريات لن تموت.
لن تموت الذكريات المجبولة بالعرق والسهر والتعب والخوف. يبقى اليسار يقاتل في الجنوب، ونحن نقاتل اليمين، بعضنا يساري، وآخرون يكرهون اليسار واليمين والوسط. آخرون يدّعون أنهم أقرب إلى الله من غيرهم، وقت الشدة، فيكسرون زجاجات المشروبات، لكنهم في المقابل يبيعون ( ورق الشدة ) إلى تجار بيروت الغربية. آخرون يتسابقون إلى الموت، فهذا قُطعت يده، وذاك يُقتل بسهولة. وهذا " عدنان" الجندي المتطوّع تقتله قنصة عندما كان يتأمل الحياة في ذاك المساء، وهو واقف أمام شركة التبريد، يحدّق  متفائلاً. يحلم بإجازة طويلة أو بلقاء حبيبة، لم يره منذ زمن، أو يفكر في أمُّه الوحيدة في قرية نائبة‍‍!  حتى هذا التاريخ كان التموين يؤمّن ذاتياً عن طريق الأسواق المحلية في برج حمود، أصبح أبو سركيس مسؤولاً عن شراء مئة ربطة من الخبز يومياً. وبلغ عدد الشهداء ستة، ثلاثة منهم بقوا في العراء، ودُفن ثلاثة في أرض قريبة من الكتيبة، حينما يأتي موعد تبديل القوات سيُنقلون مع العائدين.
أصبح القنص أمراً عادياً، ولم نَعُد نُصاب بالارتباك منذ الآن. تعودنا على أصوات القناصات والمدافع والقذائف الصاروخية. ننام طوال الليل، ومهما ارتجّت أرض البناء والشرفات نظل نياماً حتى الصباح، ولايبعث في نفوسنا الألم والحزن، مشاهدة القتلى والجرحى، ومن كثرة ماروعتنا المعارك والقتال، بأشكاله المختلفة، خلال الشهور الماضية.
فاجأني حيّان بهذا الخبر، وأرهق مسامعي وهو يردده، فرحاً.
" فتح " المبيت" أبوابه، وستكون دفعتنا الأولى. فقد مضى على وجودنا نحو أربعين يوماً، ونحن نشمّ روائح صادرة عن الأموات ومن الأحياء"
السفر إلى حلب بالنسبة إلى حيّان يعني الكثير، فهو أصغر اخوته ومازال عزباً، وتفكر أمّه بأن تخطب له ابنة خالته.
دافع حيّان عن نفسه أمام أهله، وأهلها، وأصدقائه، مدّعياً بأن أنفاس سمر تحاصره، حصاراً شديداً، وأن ابنة خالته بمثابة أخته.
كان الصباح وردياً. اختفت أجواء الحرب.. روائح عطرة يقذفها الهواء من كل الجهات، وتختلط زرقة السماء بزرقة الأمواج.
بواخر قادمة تزعق زعيقاً موجعاً كالبوم، تدفع أمامها كتل الماء،بواخر تغادر الشواطئ نحو جزيرة قبرص.
بدلتُ رائحتي حينما اغتسلت. خلعت بذلتي العسكرية. أغلقت عليها محفظتي الجلدية. ذقني حليقة، ناعمة. فرحة السفر أنستني أوجاعي وهمومي، وحرّكت كوامن هواجسي الدفينة في أعماقي. أحضرت من الدكان القريبة  دزينتين من الزبادي والكاسات، تفقدت حوائجي  ومشترياتي. همست في أذن حيّان " مرحباً يادمشق سيستقبلني الربيع بعد أن أتجاوز الحدود. تهتف الأشجار المنتصبة على جانبي الطريق، بقدومي. بردى يضحك، ويغني، بعد ذوبان الثلوج. تهبط مياهه هادرة من " الزبداني"، عذراء، لايعكرها سوى الذين يغسلون أجسادهم العفنة فيها، أو الذين يغسلون أوعيتهم، وثيابهم النتنه".
سألت حيّان : هل تتمّ هذه الرحلة ؟. بينما كنت أسرح، وأمرح مع أفكاري وأحلامي الساخنة، سألته هذا السؤال، لكنه كان مثلي يغرق في بحر من التأملات.. أجابني : - أعتقد بأن عقبات جديدة ستحول أو تقف في وجه رحلتنا. وسنفقد جمال هذه الأفكار الراقصة في قلبينا..
- ألا ترى الأجواء والفضاءات، هادئة، صافية !. أجواء بيروت يا محمود تتقاطع مع شاطئ ملوث، وكلما ظهرت غيمة  في السماء، سرعان ما تفرغ حمولتها من الأمطار، وسرعان ما تتغير حالة الطقس. ألا تشاهد مثلي، " الدُشم" المزروعة في الجانب الثاني من النهر! ألا ترى أنها فارغة  فلا يوجد فيها إلاَّ أكياس الرمل، فلا رشاشات أو قناصات. كل الأشياء اختفت من الواجهة المقابلة لنا، لكنني غير مطمئن، فهذه خدعة. . أنظر جيداً وركز المنظار،  ثبته إلى رأسك، ووزع بصرك، ألا ترى السيارات المحمّلة بالرشاشات، والتي تدور في كل الاتجاهات..
 تحركت سيارة المطبخ لجلب حصّة الكتيبة من المؤونة. استنفر الجنود، ووجهوا أسلحتهم إلى الخط المعادي، المواجه لنا، حتى إذا قطعت حدود الكتيبة، ستُطلق النيران بكثافة، حماية لها، إلى أن تتجاوز نقاط الخطر، وبينما كنّا نتحلّق فرحين حول سيارة  "المبيت"، كان الرصاص يدوّي، ويغنّي في الفضاء. لم ينجح هذا العمل، لأن قذائف "آر. ب. ج" اخترقت مقدمة السيارة، فاشتعلت النيران. هرب مَنْ استطاع، ونقل السائق - إثر إصابته في ذراعه -إلى أقرب مشفى. وضعف الأمل- ولارجاء بشفائه، لأن شظية اخترقت رئته اليمنى
حلّت المصيبة، بل مصائب جديدة تزحف نحونا. تبدلت ملامح  الوجوه وبدا الغضب عليها. بعضهم أصرّ على الذهاب. ولو تحت النيران، وآخرون لا يتحملون الانتظار أكثر. . لماذا إذاً المخاطرة ؟
كنت، أنا وحيّان لا نرغب في المخاطرة! حمل واحد محفظته. عدنا إلى غرفتنا سالمين، آمنين. لحظات، سمعت جهاز اللاسلكي يتكتك ويئنّ.. آلو. . مين. . حوّل!
فتحت خريطة بيروت. تابع " قا.ك" توجيهاته، وإرشاداته إلى قائد القوات الخاصة ( خمسون متراً نحو اليمين. . إلى الأمام. . نحو الغرب ) وجهت السرية المنتشرة قرب الشاطئ نيران أسلحتها بكثافة، وبدأت القذائف تحصد عشرات المسلحين الذين باغتونا  بالهجوم، وهم يختبئون في البراميل، كلما أصابت قذيفة برميلاً أو اخترقته، يتدحرج، ثم يتوقف، أخفق الهجوم الُمباغت لنا، وكانت ليلة حافلة حمراء، أو سوداء مكحّلة. تابعنا الرصد، وجميع التحركات، وإرسال التعليمات حتى الصباح.
بَدت الشمس حزينة تغرف الماء من البحر، وتلقيه فوق النيران، فاختلط دخان الحرائق بالأشعة الذهبية، وكان الليل يبسط أجنحته، كالخفافيش.
استمر حيّان يتلصص على بيوت الناس في هذا الجو الملّبد، لو كان عنده الإحساس لغسل وجهه بهذه الأدخنة، وجلس في ركن من الغرفة يفكر وحيداً.. يترك الناس، ينسون الموت والمفاجآت..
- تأمل! اكتب مذكراتك. استمع إلى نشرات الأخبار!
كان حيّان يستمع إلى إرشاداتي، وانتقاداتي اللاذعة، وهو يغطس في نوم عميق، يحتضن المنظار، وينتظر قدوم الليل، لعلَّ القمر ينثر حُبّه من جديد بعد غياب طويل.
تحدثتُ مع نفسي. الصوت اليتيم في داخلي يزيح عن قلبي ضباباً. يغسل متاعبي، ويرنّ في أذنيَّ.
الغروب الأصمّ. الشوارع الهادئة. لا سيارات أو مارة، عدا ناقلات جنود تتحرك، كأنها تنطح الأفق. تودع الشمس. الأحلام تصافحني، فهي قريبة من ذاكرتي وقلبي، لكني لم أشبع منها، فهاهي تتوارد وتتكاثف متزاحمة لترديد النشيد الوطني، أو أغنية لفلاح لم يترك أرضه.
كان الليل يرسم في أفكاري أحلام المستقبل!
- لاتناطح الجبال يا محمود! لا تقترب من البحر، إذا كان في حالة هيجان. أكتب إلى الناس. اطبع على جبين كل طفل خاتماً مغموساً بالحب. عُدْ إلى طفولتك، وأنت تطارد العصافير، وتقفز فوق الأحجار في البيادر. اقرأ مرة أخرى "غربال" نعيمة اسرح في خيالك، ولاتبتعد كثيراً، لأن في البعد جفاءً للذاكرة، ووجعاً للقلب. قاتل الذين قسموا بلادهم، وقسموا أنفسهم !"
لماذا يمتد الزمن، ويستغرق هذه العقود والقرون؟ لماذا لا يضمر ويتقلص؟ تطول الخدمة العسكرية " الإلزامية " وتطول. اليوم في بيروت يساوي شهراً! وتقابل السنة عقداً! تمنيات عتيقة على مشارف الروح. أيام صعبة تحبل بالبعد، وتولد موتاً صفيقاً..
لو كانت مياه البحر أكثر حلاوة، لغسلت ُ جسدي فيها، وأخرجت ُ قلبي من قُنه الحجري، وتركته يعوم فوق الماء، ويتعلمُ السباحة، ويقاوم الموج! كلّ شيء أصبح مالحاً.. ملوحة. الأرض مالحة. السماء تمطر ملحاً، وباروداً. دبقتْ أجساد الناس من الرطوبة الزائدة. الموت مالح، والجرح يحترق من أملاح الجسد.. هذا الجرح المفتوح، ينزف دماً وصديداً!
تنكوي النفس المظلومة، وحين تتألق الروح ينفتح الجرح، ويضحك. . يضحك وسط الجثث المطمورة. يصبح البكاء حسنةً على الميت.. هذا البكاء يحمل البلادة والتكرار، فقط يغسل العيون، ينزع منها الأوهام المخزونة. وإذا انفتح مجرى الدمع يزداد البكاء، ويتحول إلى ضحك. نحن نضحك من أنفسنا. نضحك من ذواتنا المهدورة. . نضحك ونضحك، ولكن إلى أي وقت نظلّ هكذا؟ ومتى تتجّمد الابتسامات المقهورة فوق أفواهنا !.


-6-

في المرة الأولى حينما صعدت في طريق مرتفع، وملتوٍ، ضيقّ، يصل جسر نهر بيروت بكرم الزيتون. لم أعرف خالي أو يعرفني من قبل. كانت أُمّي تصفه لي، وتحكي قصصاً عن طفولته، فترسخت صورته ولون عينيه وطول قامته وشكل وجهه في ذاكرتي. أصبحتُ أملك المعلومات الكافية عن عدد أولاده وأعمارهم، وأولادهم، وزوجاتهم، وأعمالهم... . وحين ودعتني قبيل الرحيل إلى بيروت أوصتني :" اتصل بأخي أبي سمير. تعرّف يا أميّ إلى أولاد خالك. ولدوا في فلسطين وبيروت. وفي عام 1956، انتقل خالك إلى بيروت، وترك حيفا، حيث كان يعمل إطفائياً مع خالك سالم الذي هاجر إلى أمريكا".
أحضرتْ والدتي عُلبة من الحلويات المتنوعة هدية إلى أخيها، وهي تعرف أن اللبنانين يحبوّن الحلويات الشامية، وكنّا نراهم في أسواق دمشق، يقومون برحلات يومية، ويتبضّعون. وكان فرق العُملة في تلك الأيام، يتيح للزائر شراء أشياء كثيرة. أما بعد الحرب الأهلية الثانية، فأصبحت الليرة اللبنانية لاقيمة لها، وانقطعت زيارتهم ورحلاتهم إلاّ ماندر. . هاجروا. . وحوصروا..
أول مرة أصعد الطريق المرتفعة. . أخذ العرق يغسل جسدي. أثقل حملي عُلبة الحلويات، واللباس العسكري، الشتوي.. أثناء هذا المشوار الطويل لم يعترضني أي مسلّح.
كان لقاء حميماً. دموع وقبلات، وأسئلة. استغرب خالي وقال:" ارتدِ اللباس المدني ياابن أختي. . المسلّحون كالذباب الأزرق. بذلتك العسكرية إشارة واضحة. . وقتلك لا يساوي  في هذه المرحلة ليرة لبنانية. . انتبه أكثر إلى حالك" "!!
أفكاري تزاحمت آنذاك. تقاذفتني أمواج هادئة من الخوف. ومنذ ذلك الوقت أصبح ابن خالي الصغير.رفيقي وفي كل يوم من أيام الآحاد أرافقه، في سيارته الخمرية. أمضي يوماً هادئاً، هناك في الجبال وغابات الأرز والصنوبر.
جميلة الجبال، والأجمل الطبيعة التي تسرق الألباب، وتفتح أمام الروح فضاء رحباً.. الطرقات معبدة، تصل بسهولة القرى والمدن وأماكن  المتنزّهات. .أشجار السرو الباسقة تعانق رؤوسها المخروطية السماء الأولى، ويسرق الهواء البارد، الجاف حرارة الجسد. يوم حافل أشعر فيه بالسعادة تلامس شغاف القلب، وتعانق أجمل الذكريات. . راحة واستجمام ينسى المرء الأوامر، ويتخلص من ثرثرة الجنود، ومشاكلهم، وقضاياهم المكررة. راحة في الصعود والنزول على المدرجات الجبلية. .. أتخلص من تسجيل البريد القادم من الكتائب الأخرى. .
لابدَّ لي من تغيير الأجواء وتجديدها، وذلك لتجديد نبضات قلبي، وجعلها تتراقص، وتغني وحدها المواويل، فتتجدد الذاكرة، وتنشط، وتتحرك. تتحول إلى خزانة للحكايات التي أتلوها على مسامع حيّان
كان حيّان يدقق في ساعة يده المهشمة. يقف أمام البناء. يمدّ بصره نحو كرم الزيتون. يتفقد الأزقة و أوتوستراد نهر بيروت. يهمس، غير مطمئن على تأخري. و"قا.ك" يسأل، ويكرر الأسئلة عن وصولي. حتى إن حيّان كان يعجز عن الرد عليه، إلاَّ أنه قال له :" عندما يعود سأرسله إليك فوراً"
اليوم كان يوم الأحد. الحياة عادية، تسير سيراً طبيعياً. لم يعكرّ صفوها أي شيْ. لقد تأخرت، وبعد هبوط الليل بساعتين، أوصلني ابن خالي إلى مقرّ الكتيبة. "شفّط" بسيارته. كان "قا.ك" يفتح النافذة. ينتظرني.. أشار بيده إليَّ تابعت صعودي إلى الطابق الثاني. سرعان ما تبدلت ملامح وجهه. . أرى بين الحاجبين لغة جديدة، وسأسمع لهجة قاسية في هذا المساء، هكذا كنت أردد... وسيعكر صفاء نفسي!..
قال بغضب : -اجلس ريثما انتهي من عملي..
- بقيت واقفاً، وقفة عسكرية. يداي سابلتان بجانبي، ورأسي مرفوع
أشعل سيجارة. أحضر له الحاجب فنجان قهوة. .رائحة هيلها ملأت أنفي.أغلق الباب؟. وقف كأن حرباً جديدة ستبدأ بيننا.. لكنه استدرك قائلاً:
" عندما تقدمت بطلب إجازة، لتقديم المسابقة لم أبخل عليك، لكن ما معنى أن تغادر طوال النهار، ولم تَعُد إلاَّ في ساعة متأخرة من الليل".
حاولت ُ مقاطعته. .. أشار بالسكوت، وإلاَّ!!.
بدأ الدم يتدفق بسرعة. استنفرت أحاسيسي. كلام استفزازي.. " عُدَّ إلى العشرة يا محمود"، لأن كل غلطة ستؤدي إلى دخول السجن، وربما إلى سرّية التأديب. . ثبتُّ أعصابي ؟، وبلعت كلاماً كثيراً. . أقلعتُ عن تفكير جهنّمي.
وحينما سمح لي بالكلام واستمع إليَّ، كانت أعصابه تعود إلى هدوئها، وعاد لون وجهه الطبيعي كما كان...
أجواء بيروت هادئة، لا تعكرّها سوى النقاشات الحامية والمقالات على صفحات الجرائد والمجلات. تُقدَّم المبادرات والحلول المختلفة. عادت الحياة اليومية إلى طبيعتها.. كل هذا مؤقت، فالمعارك الطاحنة قادمة!..
كل شيء يتحرك عدا الشمس التي تراقب الموقف بحذر. بدا القمر في تلك الأيام أكثر حزناً مما كان. وجه مُضاء، ووجه معتم. وجه للسلم، ووجه للدماء والدمار. وجه يضيء الشوارع، ووجه أسود يضمّ الضحايا، وبقايا أبنية، ومعامل مهجورة، وسيارات  معطوبة اناس مقهورون، وفوارغ موزعة فوق الأرصفة، بعضها قابع في الحفر..
سمرٌ وضحك، و أصوات. . دوائر وحلقات، جنود يلعبون " الورق" يمدّون أشرطة أحاديثهم الطويلة في سهراتهم. يتحدثون عن الأفلام السينمائية. هذا يتفاخر بأنه يشرب البيرة، وذلك يتمدّد فاتحاً صدره للهواء، يعدّد أسماء لم أسمع بها لأنواع الويسكي" وايت بلاك - وايت هورس " سجائر فاخرة، وإتقان الجلوس في مقاهٍ، ومطاعم رفيعة المستوى. . إجادة لترديد كلمات ناعمة بالفرنسية. ..
أحلام تحققت، وأحلام تضيء دروبها. . أحلام تتفجر، وأخرى تتكئ على بعضها، كان الفرق واضحاً بين قادم من المدينة وقادم من الريف.. الأول سرعان ما تلاءم مع الحياة وأتقن ممارسة مظاهرها المبهرجة.. أما الثاني فمن الصعب أن يتلاءم بهذه السرعة. ولكنه يحاول التقليد، والمشاركة أحياناً بخجل.
بيروت، المدينة المفتوحة على البحر والعالم صقلت من يحتاج إلى الصقل.
كانت عنيده. . لم ترضخ بسهولة، فالمدافع والصواريخ، والقذائف المعادية عجزت عن فرض الطاعة، وتركيعها..
وحينما كنت أقول لحيّان:" أنت من الريف وأقل تطوراً من أبناء المدن كان يشمئز، معتقداً أنني أُعيّره أو ألُبسه عاراً أبدياً ".. يجيبني " أنا ابن حلب الشهباء، لكن والدي باع المنزل، عندما ارتفعت الأسعار، واشترى خمس قصبات من الأرض  في منطقة الصاخور بنى فيها أربع غرف، وثلاثاً في الطابق الثاني. أصبح البيت واسعاً وكبيراً، يتسع لنا.. كل أخ له غرفة، وإذا تزوج يدبر رأسه، ويخرج من البيت. يفتح بيتاً جديداً"  قلت له بعد استقرار الهدوء واستمراره: جاء دورنا. . جّهز نفسك للسفر. . الآن. . لاحاجة إلى  التغطية النارية الكثيفة حتى تقطع السيارة منطقة الخطر. سنكون في سعادة طوال الطريق..
لوّح حيّان بيده، عندما انطلقت السيارة باتجاه  "سن الفيل".
- هل تعتقد أن لحظة الوداع، أجمل من لحظة اللقاء؟.
- لا يامحمود! سنعود بعد يومين. . الأرض الحامية تنتظر عودتنا. . إنها بحاجة إلينا الآن أكثر من السابق. سأعود إلى المنظار أتلصص على بيوت الناس، وهذه مهنة جديدة. أن تعرف ما يدور في داخل غرف النوم! ستُفتح النوافذ، وتُشعل الأنوار الملونة. الصيف حار، والرطوبة عالية. . وستمتد الهدنة، حسبما أعتقد. إن نواباً وأحزاباً. ومسؤولين، وقادة ميليشيات يتباحثون حول إنهاء القتال، وعودة الأمن إلى ربوع لبنان.
تحركت قافلة المبيت في تمام الساعة التاسعة صباحاً. قطعت السيارة جسر الموت. صعدت الطريق المرتفعة تلهث، ثم هبطت. . ارتفعت قلوبنا معها، وهبطت مع هبوطها. انفرجت اساريرنا. . كانت آخر محطة لها، فنزل الجنود يصفقون. كل منهم يحمل محفظته. يترنّم فرحاً...هنا في "سن الفيل" مكان التجمع، والانطلاق من جديد إلى سورية. حيث تجتمع العناصر من جميع المناطق التابعة للواء. تسير السيارات برتل واحد.
الجميع يتحفزون. ويرغبون ركوب الباص الجديد. كان حظي مع حيّان معقداً واحداً في باص قديم مهترئ. . صوت محركة كمروحية حربية عاصرت الحرب العالمية الثانية.همستُ بودّ ومحبة - قبل أن تتحرك السيارات -بأذن المساعد أبي فارس، أن يبقى معنا في هذا الباص، لكنه أصرّ متفائلاً بأنه يريد الوصول إلى دمشق لإنجاز عمل ما.
ألححتُ عليه -فرفض، وحدث ما حدث بعد ذلك!!.
قطع الباص منطقة  "الفياضية". تجاوز الباص الجديد، يخطف الطريق، ويكاد يبتلعه، ونحن نتمسك بالمقاعد نحاول دفع الباص نحو الأمام. نريد أن نتجاوز محور الخطر.
"رحمة الله عليك يا أبا فارس"  لم تسمع نصيحتي، هكذا قلت لصديقي حينما وصلنا إلى منطقة "بحمدون".
كان الباص واقفاً على يمين الطريق. الزجاج متناثر. الهيكل محطّم بقايا دماء فوق الأسفلت.. حديد محروق. بقايا ذيول لنيران مازالت تشرئب، وتتصاعد من سيارة صغيرة كانت تلتصق بجدار الفرن.. الزمن بين الباصين لا يتجاوز نصف ساعة، والمسافة نحو أربعين كيلو متراً تقريباً.
أحاديث، وتساؤلات عما جرى، منهم مَن قال: "إن كميناً من مسلّحي حزب الكتائب فجرّ الباص. آخرون أكّدوا. " أن التفجير تمَّ باللاسلكي عن بُعد.".. موتى وجرحى وضحايا! صور تمرّ أمامنا تحمل أنيناً ووجعاً ودماء. . تمرّ بطيئة. تلتقطها أشعة الذاكرة، ومغناطيس القلب. فرّت الفرحة، وطارت أهزوجة اللقاء المنتظر. حلّت مكانها صور الجثث.. يومان يتيمان سأقضيهما. يومان سيمران سريعاً.. إذا لم تنتهِ الحرب يا حيّان. . هذه هدنه مؤقتة لاستعادة القوة من جديد. وإذا لم تنفجر الحرب في بيروت الشرقية، فستنفجر في مناطق أخرى. وستسيل الدماء في كل بقعة، ويتلوث جمال الطبيعة والكون، ويتعكرّ صفو الإنسان وحياته، ويتلوث الأمن والاستقرار..
لا أمان! بيروت لم تَعُد بيروت الأولى التي عرفناها. المغول يحرقونها. ينهشون أحشاءها. الصليبيون يهدّمون كنائسها. لم يأتوا من البحر، وإنما جاؤوا من قلب بيروت، يرفعون إشارات الموت، ومعاول  التهديم.
افترقنا في دوّار "ساحة الأمويين ". ودعتُ حيّان " إلى اللقاء بعد يومين في هذه الساحة " !. سيحمل حيّان إليَّ بعد يومين الأخبار الطيبة عن أهله وزوجه. سيحدثني عن أشهى وأطيب أكلة، وبدوري سأصف له لقائي مع الأهل، والعائلة. . سنمضي في طريق العودة، نلوك الأحاديث والقصص، ونخبئ بعضها إلى وقت آخر، وثم نعود ونكرر البدايات من جديد.
صور نصرُّها، ونحتفظ بها في الذاكرة، وسنفكّ عقدها عند العودة. " الزجاج المحطّم. . هياكل السيارات. الجثث التي أصبحت رماداً في جوف السيارات. . الجثث الأخرى المتفسخة في الأبنية المهجورة، تنشر رائحتها. . تتقاذف عظامها الكلاب  الشاردة".
" رحمة الله عليك أيها المقاتل الشجاع. لم تصل إلى " دائرة النفوس" لتتابع أوراقك. أصبح ابنك البكر ربّ العائلة، ومُعيلها. هو الذي أسقط اسمك من السجلات، وجهز معاملة الوفاة، وسيبدأ بعد ذلك بتحضير معاملة راتبك. جسدك الآن ينغمس في تربة الوطن. " من التراب وإلى التراب"
لم يُصَبْ في الحروب كلها بأذى، سوى شظية صغيرة لامست بطنه، عندما كنّا في المرفأ، وأثناء لقاء السرايا. وتجمعها للانتقال إلى برج حمود. كان الجرح بسيطاً. . ولكن لم تكن حادثة الباص خاتمة الأحزان. . الموت في كل يوم. . الصباح يغني للموت. . المساء يدفن الموت. ويلبس الليل ثوب الحداد، حزيناً، فلا ضوء يزينه، ولا قمر! اكفهرّ وجهه. تقاطرت دموعه إلاَّ نجمة الصبح الحالمة بالحياة التي تضحك للصباح. تبعث الأمل. يستنجد بها الأحياء. ويظلّ الأمل بالحياة أقوى من الموت. . مات أبو فارس، ومَنْ منّا لن يموت!!.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire