الحركة الرابعة:
اتشح البيت بالسواد، نائحات جئن من كل مكان، كان زاعم يقف في غرفته يطل من الكوّة الصغيرة على النائحات.
وجوههن تحكي تاريخ فجيعة متصلاً لاينقطع.
دخلت صبيحة الخبازة، وصاحت (يبو)، فأجبنها النائحات وانهمرت دموعهن مدراراً، قالت عائشة زوجة اسماعيل الكهوجي وهي تلطم:
لو صحت عليهم عليّ صوتج حيل
هذول أهل الكرام الساريين بليل.
كانت مكة العمة العانس تضرب رأسها بالجدار، وتدق على ركبتيها، أما نورية فإن دموعها جفت في مقلتيها، ولم يعد يخرج من حنجرتها سوى صوت أنين مرّ.
عينا زاعم تطوفان على النسوة، تقطر منها دموع حارة سوداء، ويداه تمسكان حديد الكوة خشية السقوط، كانت الحاجة صبرية تجلس بين النائحات، بين أصابعها تتلاحق حبات المسبحة، صاحت نائحة (ياويلي) فارتفعت الأصوات ترد عليها، وظلت الأكف تلطم الوجوه.
في زاوية الغرفة كانت ناجية تولول وتبكي، وناجية تزور المعادات، فتبكي الميتين كأنهم أهلها. النسوة يتعلمن منها التعديد، وإلى جانب هذا فإنها تقرأ الموالد. وتكتب الحجب، صاحت ناجية:
شلّي بالديار من بعد أهلها
لحطها بيد دلاّل وأبيعا
ردت عليها صبيحة الخبازة، وهي تنتف خصلة من شعرها المحنى:
لو صحتي عليهم عليّ صوتج حيل
هذول أهل الغنايم الساريين بليل.
كانت أذناه مصغيتين، أصوات تشق حاجز البكاء المخنوق، وتفتح الثغرات في النفوس الملتهبة حزناً فيصير النواح حاضراً يوشيه هدوء الحاجة صبرية وتماسكها.
وشجرة النارنج تهتز في الحوش فوق الرؤوس المنتوفة، والوجوه التي فارقها النوم وسكن البكاء عيونها.
**
هامش الفصل الرابع:
1ـ السعلوية: السعلاة، وحش خرافي
2ـ الغَرَب: شجر فراتي
3ـ يبو: ياويلتاه.
4ـ المعادة: مجلس عزاء النساء
5ـ التعديد: ما تقوله النساء أثناء البكاء على الموتى.
***
الفصل الخامس
الحركة الأولى:
استمر الحزن أربعين يوماً بنهاراتها ولياليها، كان زاعم خلالها حبيس غرفته، رهين الصراخ والسواد.
في اليوم الأربعين، أنار الغرفة نور شديد بعث فيها دفئاً، وارتفعت قامة أخو زهيّة يبتسم ابتسامته المطمئنة، عانقه زاعم واسند رأسه إلى صدره وصار يبكي، قال أخو زهيّة:
ـ وما أدرك أباك غير حق، أدرك الجميع من قبله، إلاّ من خصهم الله بالخلود. فلاتحزن وابحث عن روحك الخائفة المرتعشة. علمتك كيف تقرأ عالمك، فتعلم كيف تكتبه.
ثم غادر أخو زهيّة دون أن يسمع كلمة من زاعم، الذي شعر بالطمأنينة وارتاحت نفسه.
نظر من الكوة إلى السماء، كانت النجوم تخط خطوطها الضوئية البديعة، وتتقاطر حاملة أسرارها، عربات تخبئ دهشة في عقل المراقب الطفل، الذي بدأ جسده يقشعر وطغت عليه حالة من اللاوعي، فرأى أجداده يصعدون إلى تلك العربات ويقذفون التنين الممتد فوق النجوم بالماء، فيهطل المطر الناري على الأرض ويحيل الحجارة نجوماً تتصاعد ضمن مجرة تمتد حتى تشمل الأرض بأشجارها وبيوتها وجبالها لكن البحور التي كانت تظهر فجأة وتختفي بين النجوم، جعلت الغلام يقفز مانحاً يديه حرية التقاط النجمات الصغيرات ورميها مباشرة إلى الماء حصى يصنع دوائر تتسع وتتسع ثم تختفي...
حين أخبر أخو زهيّة بما رأى، قال له:
ـ رجّ عقلك، الفضاء يتسع لك، وتحيط الملائكة بأغصان معرفتك رجّ عقلك، خلصه من جدب الأرض وجفافها، حينها ستصل إلى رحمته، دون وسيط بينه وبينك.
الحركة الثانية:
في المدرسة ازداد التصاق زاعم بمقعده، وضاقت المسافة بينه وبين الكلمة التي صار يلتهمها، كان يروي لأقرانه حكاياه، فيقودهم معه إلى عوالمه، ويغرقهم في بحور لم يألفوها، ولم يعتادوا سماع أصوات حيتانها.
تجمع حوله أساتذته، واندفعوا إليه، يحرضهم كلامه للولوج أكثر فأكثر إلى قصصه، واكتشاف حيوات سابقة، حيوات أشخاص جابوا الأرض، واجتازوا اللجج المخيفة، غير هيابين أو مرتعدين. لم يكن يتعلم بل كانوا جميعاً يتعلمون منه، صامتين يصغون إلى أحاديثه التي ماحدثهم آباؤهم بمثلها.
كان يعود من مدرسته كل يوم، ويسير إلى غرفة أخو زهيّة تدفعه نفسه دفعاً فلا يستطيع التوقف.
عمّ الخير البوكمال، فكثرت أمطارها، وقل عجاجها وقيظها صارت نخلاتها تبدو للناظر من بعيد مآذن تتلى فيها صلوات الشكر لله، واحتوت المدينة الوافدين إليها فتغيّرت معالمها، وازداد عدد بيوتها، وانتشرت أخبار زاعم في كل المدينة، وصار الناس يتناقلون قصصه الغريبة التي يرويها، فيضيفون عليها ماتيسر لهم، يقولون مثلاً: كان زاعم جالساً مع أخو زهيّة، فأمطرتهم السماء، وبلل المطر رأسيهما، فبقيا أياماً طويلة لايشربان الماء ولايأكلان الزاد، لأن بركة الله تحيطهما.
كان زاعم مولعاً بصيد السمك، يحمل دلوه وصنارته، ويسير إلى النهر تحركه شهوته لمراقبة الماء المنساب منذ ملايين السنين، والاستماع إلى هذا الخرير الأبدي.
كان يجلس على سفينة آبائه، ويمد خيط سنارته إلى الماء فلايعود إلى البيت إلا وقد ملأ دلوه بالأسماك.
في إحدى المساءات جاءه أخو زهيّة وأخبره بأنه مغادر ولن يعود إلا بعد سنة، فانفصل زاعم عن شيخه وتلبسه عقل غريب. لقد كان جلوسه مع الشيخ يجعل حضور العقل أمراً استثنائياً بل إن الشيخ كان يطلب منه قبل كل شيء أن يضيع ولايفكر بشيء، وحينما يبدأ الشيخ بالنقر على الدف كان يهز كيانات مختلطة يأتي بعالم أشد شفافية، إيقاعه ينتظم مع استمرار النقر على الدف والتنشيد، وجهه الأحمر الممتلئ يزداد انسيابية وتصير ملامحه هادئة جداً، يذهب الغلام معه، يغيبه تماماً، فلا يستطيع الرجوع، إلا منطفئاً، وكان الشيخ بعد هذا يحمل جرته التي لاينفد ماؤها، ويسقي الغلام حتى يرتوي.
أما العودة إلى البيت فكانت أشد إيلاماً للبدن من مفارقةالروح لأنها كانت تعني الانفصال، ولو مؤقتاً، عن كوخ تتراقص فيه ألوان قوس قزح محتفية بجلال الخالق، باعثة الدفء والرعشة في الخلايا الملتصقة بأرض مهما امتّد بقاؤها، فإن الفناء مصيرها.
فكيف يبعده عنه عاماً؟ كيف يخرجه منه، وينثره كأنهما ليسا كياناً واحداً؟ ظل زاعم واجماً بلا شيخه، مصاباً بالذهول، هي حالة تمزق تصيب عقلاً مازال معلقاً بين بين، فلماذا يتركه؟
ولماذا يريد أن يجعله يصارع أسئلته وحيداً؟
الحركة الثالثة:
اختفى الشيخ من البوكمال تماماً، ولم يعد يسمع صوت عصاه تدق الأرض أثناء مروره، وقد حاول بعض الناس زيارته لكنهم لم يستطيعوا الدخول إلى غرفته لأن هواء غريباً أغلق بابها فجعلها محصنة لايدخلها أحد ولايرى مابداخلها أحد.
صار زاعم أشد عزلة، وانصرف عن كل شيء إلى كتب كانت مكدسة في البيت يقرؤها، ويراقب النجوم في الليالي، وكان يغادر البيت ساعات، ولايخبر أحداً بمكانه.
مرت سنة ثقيلة على المدينة، تمنى خلالها الناس أن يأتي أخو زهيّة، لحظات فيرى ما يحدث في غيابه: غبار ثقيل على الأسطحة، ورياح عاتية تباغت الناس في لياليهم، شتاء جاف بارد أحرق الأشجار فانقطعت ثمارها، وجاع الناس. كانت هذه سنة الجوع الثانية، ويذكر بعض الناس أن آباءهم حدثوهم أن سنة الجوع الأولى جاءت حين كان أخو زهيّة غائباً عن المدينة، أيام راحل العاني رحمه الله، وقال بعضهم: حين عاد الشيخ، أرسل راحلاً إلى الآستانة ليحضر الطعام.
في ظهيرة أحد أيام أيلول، نهض زاعم فزعاً من قيلولته، كان أخو زهيّة يحيط به ويقبله، سرى الدفء بين الشيخ وبين الغلام وعلا صوتهما يقرآن معاً آية الكرسي، لم تكن نافذة الغرفة مفتوحة، لكن أخو زهيّة دخل مخترقاً الجدران كأنه الطيف، وكأنه الحلم العذب المنتظر بفارغ الصبر.
بدأت الغيوم تملأ فضاء الغرفة، تحيط بكل غيمة هالة من ضوء غريبة خاطفة للبصر، تمنح الناظر إليها شعوراً بالطمأنينة، انتشرت الفرحة في قلبي المتعانقين، ومرت لحظات كأنها انسياب جدول صاف، تحول زاعم إلى حالة من التساؤلات القلقة، تغطي حجم حنينه لزائره الطيفي المنتظر ذي البركات والشفاعات، معلم المعرفة:
ـ أين كنت؟، جعلتني أتثاءب باسمك، وأقضي الليالي مستحضراً كلماتك. أين كنت؟ مامرت غمامة في سمائي، إلاّ رأيتك في بياضها، فرجوتها أن تمطر، فتمنحك لي، ولو قطرة، قطرة واحدة، للحظة واحدة، كانت كافية لتجعلني أعود فأحبو على الأرض، باحثاً بين الحشائش، وبين ذرات الرمل عن صوتك الدافئ. بهت الشيخ، وهز الغلام هزاً عنيفاً، كان الغلام يرتجف، وكانت يداه قد تحولتا إلى قبضتين جبارتين تمسكان يدي أخو زهيّة الهزيلتين، تردد صدى بكائهما في الغرفة الملتهبة قيظاً، لكن الشيخ تمالك نفسه، وكفكف دموعه ثم قال:
ـ يابنيّ، قد أنطقك الله، فيسّر لك لغة شيوخ تقاة وعلماء، فما أنت الآن سوى آية من الكلمات الربانية، فامض في معرفتك، وابحث عن خلاصك من طمي الأرض لتصل إلى عمق المعرفة الإلهية في جوف المحيطات العظيمة، وأهرب من شمس تحرق بضوئها صفاء سريرتك وجهل ذاتك، كن مع الله يكن الله معك.
وأما أنا فكنت عنده يهدهدني جواره، وتطفئ نيرانَ قلبي رحمته، قد شابت روحي بابتعادي عنه، وقد غفوت في أعماق يمكث فيها أسلاف لي يبحثون عني، واستأذنتهم لأجلك، وها أنذا عدت إلى البيت.
التصق جسداهما، وفاضت عليهما أنسام عليلة، وتلاحقت صور الذين راحوا، يشيرون إلى الفتى العاني، وجوههم الباسمة تثيره، تجعله يلتصق أكثر فأكثر بصدر الشيخ الذي كان يسلم على صورهم، ويتلو آيات من القرآن، صار يتعرق وهو يمسح جبين زاعم، ثم انطلق صوته يردد مرتجفاً:
ـ أبرأ جسدي، جل جلاله، وعافاني، نفض عني هموم عمر عشته بين جسوم لاتشعر، وجدتك ياضالتي، فارتحت من ضياعي، ووجدتني بعد أن كنت مضيعاً. اختارك الله، واختاروك، فاخترتك كي تكمل مابدأته، هذه الأرض، غايتي، وما جئت إلا لأخلصها، وما جئت إلا لتفعل الفعل نفسه.
اختفت كلمات أخو زهيّة، وصار يتلاشى، تحول إلى مياه، ثم إلى طيور، فسكنت زاعماً رعشة جعلته يغفو، تتلاحق في مخيلته صور الذين راحوا، ينادونه ليتبعهم.
***
الفصل السادس
الحركة الأولى:
تجاوز زاعم السابعة عشرة، ومازالت أخباره تنتقل بين الناس صانعة له حكايا غريبة، كثرت القصص عن إيمانه الشديد وانصرافه عن الحياة إلى البحث في أسرار الخليقة حتى صار له مكان بين كبار الشيوخ والأتقياء، وحلّ معلماً في الجوامع لتلاوة القرآن، فكان يقوّم اعوجاج سلوك تلامذته، وانحرافاتهم في سبيل الله.
ولم يكن يبدو للآخرين متكبراً بما يملك من مزايا وثروات تركها له أبوه وجده بل كان بسيطاً رقيقاً هادئ الطبع وقد ظل باراً بوالدته حتى ماتت حين كان يقوم بزيارة لمقام أحد الأولياء في تركيا، كان يطلع على علوم الناس وثقافاتهم من خلال الكتب التي يجلبها له رفاقه من سفراتهم، وقد استمرت لقاءاته الحميمة بأخو زهيّة فلم ينقطعا عن بعضهما أبداً.
بينما كان زاعم منشغلاً بقراءة احياء علوم الدين للغزالي فاجأه المذياع بنبأ الحرب، فأصابه مسّ ، وارتج جميع بدنه. هذه الغابة التي تسمى الأرض مازالت ضباعها طليقة تنتهك حرمة أرانبها، وتنشر روائحها الكريهة في كل مكان، تباً لهذا العالم الذي لايقيّد هذه الضباع وينزع أنيابها ومخالبها، لابد أن تزول هذه المخلوقات النتنة التي تلتهم الجمال كي يعود للعالم صفاؤه وحريته.
لابدّ أن المذياع يمزح، كانت الشمس تطوق المدينة بسياطها، فتجعل النفس يضيق.
استمر المذياع يعلن البيانات العسكرية ويبث الأغاني الثورية وكان صوت هادئ دافئ يندفع بين الحين والآخر يبعث الرعشة في صدره ويجعله يقفز من على كرسيه ثم يعود فيهبط بوجهه على الأرض، محدثاً ضوضاء لاتحتمل.
دخلت الحاجة صبرية الغرفة، فوجدته يتطاير كورقة خريفية تتناهبه ريح خوف وموجات مذياع لايهدأ.
حاولت الحاجة صبرية، التي كبرت كثيراً، إمساكه، لتطمئنه، لكنه استمر حتى صار رأسه يصل إلى السقف فيضربه بشدة باعثاً صوتاً أشبه بقرع على طبل، سال الدم من أنفه، ومن قمة رأسه فأحدث بركة دموية على أرض الغرفة.
سجدت الحاجة صبرية ودعت الله أن يعيد إلى حفيدها هدوءه وينير بصيرته المرتبكة بسبب مايقرأه من الكتب التي أثقلت عقله المضاء بنور من الله وبركة من أنبيائه.
قال المذياع: استمر القصف الجوي طيلة الليل الفائت، ويقدر الخبراء أعداد الشهداء بالمئات، وأما الجرحى فقد ملأت المستشفيات أجسادهم، إنهم يقتلون الإنسانية، وسنرد كيدهم إلى نحورهم.
وعاد ذلك الصوت الدافئ الذي يشبه أصوات الملائكة ينساب كنهر صغير تلامس قطرات مائه الصافي رمال قلب زاعم المحترقة، فتعيد إليه توازنه، وتجعل من هيجانه حالة كانت، ولم يبق من أثرها سوى دماء تشكل دائرة على أرض الغرفة.
جلس على الأرض، وصار يضمخ يديه بدمائه، ويمسحها بزجاج النافذة المطلة على الشارع، وقالت جدته وهي تمسك رأسه وتحاول ايقاف نزيف الدم الشديد:
-العين، أصابوك بالعين، لا يصلّون على النبي حين تمر، لعنهم الله، ووضع النار في عيونهم.
رفع رأسه إلى الأعلى ونظر إلى عيني جدته الدامعتين وصار يردد كلاماً لامفهوماً، ثم أمسك يدها ونهض، وقال وهو يسير معها إلى خارج الغرفة:
الحرب ياجدتي، قال الشيخ إنها تأكل الأخضر واليابس.
ثم خرجا من الغرفة، وسارا عبر باحة الدار حتى وصلا إلى غرفة جدته، وهناك استلقى، وغطّ في نوم عميق تخلله صوت مذياع يعلن نهاية الحرب، وصوت مذياع آخر ينبعث منه نشيج أخو زهيّة.
حين استيقظ من نومه أيقظ جدته وطلب منها أن ترافقه إلى غرفته، نهضت الحاجة صبرية وتبعتها العمة العانس وحين دخلوا الغرفة لم يجدوا أثراً لبركة الدم، وإنما وجدوا بعض سنابل القمح المحترقة تغطي جثة عصفور مرَّعلى موته أيام. دهشت الحاجة صبرية والعمة العانس، أما زاعم فأنه سار ببطء، فحمل جثة العصفور ووضعها على حافة النافذة فجاء عصفور جميل وحمل العصفور الميت وطار عالياً، حين التفت زاعم إلى الوراء رأى سنابل القمح المحترفة تطير في فضاء الغرفة، وتندفع واحدة بعد الأخرى من النافذة، وكانت كل سنبلة منهن تقطر دماً أثناء طيرانها، لكن قطرات الدم لم تكن تكاد أن تصل إلى الأرض حتى تتحول إلى حجارة صغيرة، جمع زاعم الحجارة ووضعها في جيبه، ثم قال:
ـ انظروا القمح والطيور رحلوا، ستكسو وجه الأرض الحجارة، وعلينا أن نغادرها لنصير طيوراً أو ضفادع أو أي شيء.
أنا سأرحل قاطعاً المحيطات، باحثاً عن أرض لايقتتل أهلها. اندفع صوت المذياع: وكان على الأطفال أن يختفوا في جحورهم لكنهم خرجوا، فأصابتهم القذائف، ومزقتهم.
الحركة الثانية:
بدا كل شيء أمام عينيه خراباً، عفناً، لاجدوى منه، وكان قادراً على الصمت والمكوث، رغم رائحة القذارة التي يشعر بها تملأ خياشيمه، صار يحس بأنفاسه الثقيلة تصدر فقاعات وقد جعل بينه وبين جميع الناس حاجزاً من ضوء يحجبه عنهم، ويحجبهم عنه، فلا يراهم إلاّ أطيافاً، ولايرونه إلاّ سراباً مستلقياً على ظهره، رافعاً ذراعيه إلى الأعلى.
تردد عليه الشيخ كثيراً، وكان كلّ مرة يسحبه، فيخرجه قليلاً من خلف حاجزه الضوئي، حتى نجح أخيراً في جعله ينبض ثانية، ويشرق وجهه.
نادت جدته العابرات السماويات اللواتي يقبعن على شجرة النارنج، وهي تقول:
ـ اهبطن، إنه ينهض الآن، اهبطن، ترين بساتينه الخضراء فلتنقرن حبوب الحنطة التي أعدت لكنّ، ولتغسلن ريشكن النوراني بمياه جسده الطاهر.
هبطت عصافير ملونة، وصارت تخترق جدران غرفته، وتحوم فوق رأسه مصدرة أصواتاً تشبه أصوات الصقور الجائعة.
دار زاعم في الغرفة، ودارت الطيور حوله، ثم اندفعت مادة مناقيرها باتجاهه، مخترقة جسده، ثم خرجت من الجانب الآخر يحمل كل واحد منها حبة حنطة بمنقاره.
انتشرت الروائح الغريبة كأنها روائح الحروب، وظهرت صور لاحصر لها على جدران الغرفة، ازداد تنفس زاعم صعوبة وسال دم أحمر قانئ من بطنه، صارت السماء تمطر فتدخل قطرات المطر من سقف الغرفة وتغسل بقع الدم.
كان يرتعد، والطيور تحوم حوله بسرعة، أصوات أجنحتها تصم الآذان، وصراخها أشبه ببكاء الأطفال، تخبط زاعم بين الطيور ولوّح بيديه يطاردها، حتى فرت ولم يبق لها أثر.
قالت جدته، وهي تدخل حاملة صينية عليها أطباق الطعام:
ـ هبطوا فطهروك، وتطهروا. باركوا روحك، وتباركت أرواحهم. جاؤوك من آخر الدنيا لتعود إليها. لقد غبت عنا أياماً، كنت فيها من الأموات ولست ميتاً، هائماً، وآن أوان نهوضك، فانهض وعد إلى شمسك.
عاد إليه لون وجهه، وهدأت نفسه، جلس يراقب عيني جدته، يلوح في مخيلته طيف أخو زهيّة.
بعد أن تناول طعامه، قام فصلى لربه ركعتين، ونام قرير العين ثم استيقظ، واتجه مباشرة إلى غرفة جدته.
كانت مكة عمته العانس تفرك ظهر أمها وهي تغني:
غريبة من بعد عينج يايمه محتارة بزماني
يهو اللي يرحم بحالي يايمه لو دهري رماني.
وكانت الحاجة صبرية تسبح بمسبحتها الطويلة وتهز رأسها. انتفضت العمة العانس حين رأته، وسترت ظهر أمها وهي تلومه لأنه دخل دون أن يستأذن، أسكتتها أمها، وعانقت حفيدها، وقالت له:
ـ معليش ياولدي، لاتزعل من عمتك، وادخل أي مكان تريده، ولاتفكر يوماً باستئذان أحد.
قبل زاعم جبين جدته، وانحنى على كفها العظيمة فضمها، ثم رفع رأسه إلى حضن جدته وصار يغني مع عمته، التي واصلت فركها لظهر أمها. كان يراقب بطرف عينيه ثوب جدته الذي بدأ ينحسر عن نهدين جافين متهدلين، جلدهما متغصن، اقشعر بدنه، وأشاح بوجهه بعيداً، تذكر ثديي أمه، كانا أملسين، لونهما أبيض مثل لون الحليب الذي كان يخرج من حلمتيهما الريانتين نزلت دموعه على وجنتيه حين تذكر أمه، التي ماتت دون أن يقبلها، حتى أنهم دفنوها قبل عودته من سفره، قالت جدته حين رأت دموعه:
ـ لماذا تبكي، افرح لقد خلصك الله من همك، وجعل لك أناساً يساعدونك، حيثما اتجهت، فاتبع شيخك تغنم.
نهض، في قلبه تجتمع رغبة قوية لمعانقة أخو زهيّة، وفي عينيه قلق، تبعته، أثناء سيره، غمامة سوداء، ولم تفارقه، كان يتعثر في خطواته، مرتبكاً، تمنى أن يصل أن يعانق شيخه الذي يخلصه دائماً والذي يضيء الطريق أمامه ليمضي دون خوف.
الحركة الثالثة:
كان يحث خطاه، مبيحاً لنفسه، للحظات فقط، الوقوف والنظر إلى الخلف لرؤية الغمامة السوداء، التي خالها نذير شؤم فتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، وحين ابتدأ يوغل في بساتين البرغوث أكثر، صارت الغمامة تتضاءل حتى لم يبق منها شيء حين وصل إلى غرفة الشيخ التي كان ينبعث منها صوت رقيق يتلو آيات من القرآن تتطاير كلماتها عابرة فوق أشجار الزيزفزن والحور والصفصاف حتى تعانق رأس أعلى نخلة تنتصب على ضفة الفرات، إلى جانبها نخلات صغيرات ينظرن إلى شموخها، ويلوحن بأكمامهن للطيور المتجمعة بين أعذاقها كأنهن يرددن: متى سنعلو، فنصير مثلها؟.
ولج الغرفة فلم يجد شيخه، وإنما وجد طفلاً صغيراً يشبهه تماماً حين كان صغيراً، كان طفلاً يجلس مثل أخو زهيّة. ويضع على رأسه العمامة نفسها، فجأة صار الطفل يكبر وتنبت له لحية ثم يشيب شعره وتملأ التجاعيد وجهه حتى يصير أخو زهيّة.
تمايل زاعم في مكانه وسقط مغشياً عليه في حضن شيخه، كانت شفتاه ترتجفان ويداه تمسكان بركبتي شيخه الذي لم يحرك ساكناً، وإنما ظل يتلو آيات من القرآن وهو يراقب نجوماً تتهاوى في نهر الفرات، فتضيء ماء النهر وتزيد جريانه.
وضع أخو زهيّة كفه على جبين زاعم، وردد:
ـ أمثل أمامي، أيها الروح الحائر، أنقلك خارج هذه الأرض لاتكن إلا ما أرادك، فإنني كائن ماأراد، قدّامك تزهر معرفتي، تخضّر أشجارها الغضّة، وما أنا سوى أنت، فامثل أمامي، أبارك كل نقلة قدم تنقلها.
انهضه واجلسه أمامه، لم يفتح زاعم عينيه، كان مغيباً تماماً، مأخوذاً بحالة سكر غريبة، يدور رأسه مع كل كلمة تنطق بها شفتا الشيخ الجافتان.
استمر الحديث ينقله إلى أماكن جديدة، ساعات مرت سريعة، زار خلالها بلاداً وعرف أشخاصاً، وحين خرج من غيابه إلى حضوره، غادر غرفة الشيخ، وحكى للناس عما رآه، قال: ـ وهناك كنت أمر بالناس، وأحكي لهم عنكم، وعن مدينتنا لقد أمضيت أياماً في مدينة كبيرة يلاحقني رجال شرطتها، لأنهم حسبونني فارّاً منهم، التجأت إلى بيت علم وأدب، فتعلمت الحساب، وقرأت من الشعر الكثير.
قال شجاع السالم:
ـ يازاعم، البارحة رأيناك في الجامع، فكيف غبت وسافرت، وأنت لم تغادر البوكمال؟.
تابع زاعم كلامه وكأنه لم يسمع:
ـ قررت أن أستقر، لكن أخو زهيّة طلب مني الرجوع، فركبت سفينتي وعدت إليكم.
قاطعه مجيد العلي الذي يدرس التاريخ في جامعة حلب:
ـ ماتقوله دجل، وكذب، أنت تحلم.
كانت أذناه مغلقتين، لاتصغيان، حديثه لم يتوقف، كان يقص على المجتمعين قصصه المثيرة، في كلامه سحر غريب جعل الجميع لا يفارقونه، يتكلم بلغة مهذبة جميلة، تدفع المتحلقين حوله للبقاء والاستماع، حتى ناصر بن زهري الحايج الذي عرف في البلد بأنه لايحب الكلام والمتكلمين، والذي حارب أخو زهيّة واعتبره دجالاً وحاول كثيراً أن يؤلب الناس عليه، لكن الناس نفروا منه وقاطعوه واضطر أبوه مرات عديدة للاعتذار من اخو زهيّة ومن الناس مدعياً أن ولده فقد عقله.
حين نهض زاعم من مجلسه، رأى الذين كانوا حوله غمامة سوداء تتبعه، فتحجبه عن الأنظار.
قال شجاع وهو يشعل سيجارة:
ـ ياجماعة، زاعم لايكذب، ربما يكون وقته لايشبه وقتنا، وأنتم كلكم تعرفونه، انه مؤمن يصلي ويعبد ربه.
قال تمام الشريف:
ـ والله صحيح، قال لي أبي يجب أن أصير مثل زاعم ليرضى عني، ضحك مجيد، وهز كتفيه، تفرق الجميع إلا ناصر فقد بقي جالساً في مكانه تحت شجرة التين العتيقة، يفكر ويعيد على نفسه سؤالاً متكرراً: ربما، ألا يمكن أن يكون زاعم امتداداً لهذا الشيخ العجيب الذي لايعرف أحد من أين جاء أو متى؟.
الحركة الرابعة:
عاد ناصر إلى بيت أهله يجر خطاه الثقيلة، بيت زهري الحايج يعملون منذ زمن بعيد في (حياكة البسط)، وفي حوش بيتهم توجد (جومتان) يعمل في واحدة أبو ناصر وفي الأخرى يعمل ولداه أيوب وناصر.
جاء زهري الحايج إلى البوكمال منذ سنوات مع زوجته، فاشترى بيتاً، واستقر في النّكرة أحبه الناس ووثقوا به لأنه كما يقولون طيب وابن حلال.
وقد نشأت بين زهري وعاصم العاني صداقة فسافرا سوياً وتاجرا بالسمسم والتمور، لكنه بعد وفاة عاصم عاد إلى عمله السابق، فحبس نفسه في جومته يعمل ليلاً ونهاراً، ويقولون ان زهري الحايج إذا خرج من بيته إلى السوق تاه في البلد لأنه لم يعد يعرف شوارعها نتيجة انقطاعه الطويل.
كان ولداه يعملان معه، رغم أن ناصراً يعمل موظفاً في مصلحة النفوس، إلا أنه يرى دائماً أن مهنة أبيه تشرفه، وعليه أن يتعلمها جيداً حتى تؤمن لهم حياة هانئة.
دخل ناصر غرفته، استلقى على سريره، يطارده شبح زاعم الشاب الغريب الطباع، ناداه من داخله هاتف وطلب منه أن يصدق زاعماً وأن يبتعد عن التصرفات السيئة التي يعلمه إياها رفاق السوء الكفرة.
على الجدار قبالته كانت صورة ما تمد لسانها له، نهض ناصر وانقض على الصورة فمزقها، وعلى الكتب المكدسة على الطاولة الخشبية العتيقة فصار ينثرها أرضاً، كأن يداً قوية تدفعه ليفعل كل هذا. تراجع إلى الجدار وصار يلهث، سيطر عليه التعب، وأرهقته ثورته المفاجئة، لم يكن يعرف ماالذي عليه أن يقوم به، فتح باب الغرفة وخرج.
قادته قدماه إلى بيت العاني القريب من بيتهم، دخل غرفة زاعم الذي بادره بالقول:
ـ علمت أنك ستأتي، لأنك طيب، هم حاولوا إفسادك، لكن أصلك الطيب أعادك إلى صوابك، يقول لك الشيخ: اطع ربك، تنل ماتبتغيه، ولاتكونن من العصاة المكذبين.
أجهش ناصر بالبكاء، وأثقلت صدره هموم سنين ضياعه، وفساده بين الكتب المخربة، والأصحاب الشياطين، احتضنه زاعم الذي كانت عيناه تحملان بريقاً سحرياً، بريق انتصار لايمكن أن يمتلكه أحد سواه.
جلسا في الغرفة ساعات، يقص زاعم خلالها حكايات أسفاره، فيثير خيال سامعه ويجعله مأسوراً له.
حين خرج ناصر من البيت، كانت قبرة تحط على رأسه، لكنه لم يحاول إبعادها، أحس بأنها دليل خروجه إلى عالم جديد وشعر مع كل خطوة يخطوها أن قدميه تسيران إلى سبيل فيه خلاصه، ربما يكون مخطئاً، وربما يكون قد أسلم نفسه لدجال وساحر، لكنه على كل حال لن يخسر أي شيء.
لم يكن يؤمن أبداً بالخرافات والمحتالين، لكنه سيتبع زاعم العاني حتى النهاية....
ارتبك تنفسه، وتردد قليلاً، أراد أن يعود إلى بيت زاعم ويحطم رأسه، لكنه رفع يديه إلى الأعلى وتابع طريقه وهو يردد في سره: على كل حال لن أخسر شيئاً، لن أخسر.
**
هامش الفصل السادس:
1ـ حياكة البسط: حياكة السجاد المحلي، المصنوع من قطع القماش.
2ـ الجومة: نول الحياكة، وهو عبارة عن حفرة في الأرض لوضع القدمين، يثبت فوقها النول الخشبي المتحرك.
النكرة: حي قديم من أحياء البوكمال.
***
الفصل السابع
الحركة الأولى:
اعتاد زاعم في الآونة الأخيرة الخروج إلى الشارع، والاجتماع بالناس، وكان كل يوم يزداد قرباً من بعضهم، وبعداً عن بعضهم، حاربه الكثيرون لأن الكلام الذي يقوله عن فسادهم وضياعهم كان يثيرهم، وصدق الكثيرون ما قاله فرددوه، وصاروا أصحابه المقربين، وكان ناصر الحايج قد ابتدأ يأخذ مكانه على أنه الصديق الأقرب لزاعم.
زارا معاً غرفة أخو زهيّة، وصارا يعملان في التجارة التي تركها آل العاني لابنهم، وقد لاحظ الناس أن ناصراً لم يكن يفارق زاعماً إطلاقاً، بعد أن كان يحاربه ويحارب أخو زهيّة.
كان أصحاب زاعم حوله يحيطون به وكأنهم جنوده، يقفون إلى جانبه أثناء الصلاة، ثم يتحلقون تحت شجرة التين القديمة يستمعون إليه يحدثهم عن ليلته الحافلة التي تجول خلالها وسافر إلى مصر وتونس ولبنان، لم يشكوا بكلامه، وكان لديهم إحساس قوي بأنه يقول الصدق، وكان أخو زهيّة يظهر أمامهم فجأة فيركضون إليه ويقبلون يديه فيقودهم إلى غرفته حيث يعلمهم علوم السنين، وأخبار الناس السابقين.
جاء رمضان فاعتكف زاعم وناصر وتمام الشريف في المسجد، فلم يعد يراهم أحد، حتى الذين يذهبون إلى الجامع أو يقيمون فيه، فظن الجميع أن أحد أبواب غرف جامع عمر المظلمة، التي تفوح منها روائح الرطوبة صيفاً، شتاء، قد أغلق عليهم، ولم يعد بإمكانهم الخروج.
وفي الليلة العشرين من الشهر المبارك، ارتفعت ثلاث غمامات سوداء وأمطرت فوق مئذنة الجامع، فانبعث الثلاثة متشكلين من قطراتها، وهبطوا إلى فناء الجامع يحمل كل واحد منهم في يده قرآناً، وبين شفتيه حبة تمر يمصها.
انتشر الهرج والمرج بين المصلين، وعلت أصوات التكبير، والشهادات، قال الحاج قدوري:
ـ سبحانك ياربي، ولا إله إلا أنت، أرسلتهم إلينا مع الغيم وقد أصابنا اليأس من عودتهم.
أعمل الثلاثة أيديهم في الأرض، وصاروا يحفرونها حتى تدفق ماء من الحفرة الكبيرة التي لم يستغرق حفرها سوى دقائق معدودات.
تقدم أخو زهيّة منهم، فصلى على النبي ومسح وجوههم ثم أشار إليهم فتبعوه، وخرجوا من الجامع تظللهم غمامة سوداء كبيرة ويرافق سيرهم الهادئ الواثق صوت مقرئ يقرأ سورة النور استمر سيرهم أياماً لم يتوقفوا خلالها إلاّ للصلاة، وظلت أصواتهم تسمع في الجامع تدعو الناس إلى الخروج والنهوض من الرقاد الذي طال.
رأى الثلاثة بأعينهم أخو زهيّة يسير على الماء، ويطير في الجو كأنه أحد الطيور، لم يكونوا مندهشين مما يرونه، لكنهم ظلوا صامتين يجولون بأبصارهم يراقبون حركات الشيخ، وأفعاله، ويصغون إلى أية كلمة يقولها لهم.
في صبيحة عيد الفطر، أثناء صلاة العيد، كانوا يقفون بين الناس خلف امام الجامع الكبير الحاج صادق الذي خطب في الناس بعد انتهاء الصلاة، وحدثهم أن أخيراً وفيراً سوف يصيب مدينتهم، إذا طردوا شرورهم، وأحقادهم وتبعوا طريق الله.
قال زاعم للناس حين انتهى الحاج صادق من خطبته:
ـ أيها الناس، أبلغني الشيخ أننا هالكون إن لم نصلح حالنا، ونرجع إلى خالقنا.
هتف الجميع: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله.
وساروا خلف زاعم ورفيقيه، خرجوا إلى الحسيان، وسجدوا لله طويلاً حتى ملأ التراب عيونهم، كان رائد الخلف ينشد والرؤوس تهتز وتترنح الأجساد كأن أصحابها سكارى، تعالت أصواتهم يكبرون حين انبعثت من خلف جبل الحسيان، إمرأة، ملاك بجناحين نورانيين، وتاج كأنه تاج إحدى الملكات الأسطوريات، قد تعرت تماماً من ثيابها، وانتصب نهداها الرمانتان الجميلتان، وأنساب فخذاها نهرين رقيقين، كانت شفافة ترى التلال البعيدة من خلالها.
ذهل زاعم لرؤية جسدها الأبيض المتلألئ، وتدلى لسانه من فمه أحس بجسده تشعله نار قاتلة، ونسي ماكان يردده من كلمات صار يركض إلى الجسد الشفاف ويحاول بلوغه، لكنه كلما اقترب، كان الجسد يبتعد عنه.
تبعه الكثيرون وكان من بينهم صديقاه ناصر وتمام، ظلوا يركضون ساعات، والجسد ينسحب من أمامهم شيئاً فشيئاً.
أخيراً، هبط زاعم على الأرض لاهثاً، وضاق تنفسه، كان يشعر برغبة جامحة تعشش في صدره وبين فخذيه، تمنى أن يلمس الجسد الشفاف أن يخترقه بكليته، كان يراقب الصدر الجميل ويتذكر صدر أمه وصدر جدته، أحرقته، الشهوة، فابتعد عمن تبعه، وعاد وحيداً إلى بيته، وهناك انزوى في غرفته، يتقلب في سريره، وكان يرى الجسد في منامه ويقظته، يطوف حوله، وقد نام إلى جانبه مرات استيقظ بعدها ليجد نفسه متعرقاً يحتضن الوسادة أو البطانية.
الحركة الثانية:
مرت الأيام ثقيلة عليه، حتى جاءه أخو زهيّة عابساً غاضباً، وصار يؤنبه لأنه نسي ربه، وانشغل عنه بالخطيئة التي لاتغتفر، تلعثم ولم يجد جواباً، كان الشيخ يحاصره بالكلام، حتى أنه شتمه، وأطلق عليه صفات لم يعتدها، ثم قال له:
ـ يافاسق أغوتك نفسك الأمارة بالسوء، فابتعدت عن ربك ولكن اعلم أنه يراقبك، ولن تخلص من عقابه لأنك نسيته، هل تريد أن تهدم كل مابنيته لك ولآبائك التقاة الورعين؟
كان يمص شفتيه، يتلذذ بلعابه المالح، وأخو زهيّة يقرأ آيات من القرآن ليهدئ روحه، لكنه لم يكن يفكر أو يسمع شيئاً، عيناه شاخصتان على الجدار، ثمة تقبع المرأة ذات الجسد الفضي والنهدين الرمانتين.
طاردها أخو زهيّة ، حمل عصاه وضربها، لكنها ظلت تنير بابتسامتها الغرفة الموحشة، بينما زاعم يمد لسانه ويلعق جسدها، كان لعابه يملأ سرتها ويسيل على فخذيها.
بعد أن تعب أخو زهيّة غادر الغرفة مطأطأ الرأس، يلفه صمت خيم عليه وصار يسحبه كي يغادر، سار: خطواته فقدت أثرها وبدنه الصلب يتمايل كشجرة طرية في العاصفة، تحطمت قواه فسقط على الأرض وصار يتفتت: امتزج بالتراب، وارتفعت عصاه المباركة شجرة ملأت رائحتها العبقة جو الغرفة، كانت المرأة تدور حول الشجرة وتحمل التراب/ أخو زهيّة وتنثره ليتطاير مع الهواء البارد الجاف الذي صار يدخل صدر زاعم فيحوله إلى كهل يشبه شيخه تماماً.
كانت المرأة تضحك وهي تعرّي زاعماً / الكهل ثم تضاجعه فيزداد كهولة، ويشحب لونه، ضغطته بثقلها، وتراقص جسدها الجميل فوقه، كانا يتعرقان، كلاهما متصل بالأرض، تنتشر الزهور الجميلة حولهما.
وضعت بين شفتيه حلمتها الكرزية، فصار يرضع الحليب ويصرخ:
ـ جئت تخلصيني، ياأماه، من خطيئتي، جسدي ماامتد عروشاً لولاك، وعيناي الذابلتان، ما كان لهما أن تتوهجا لولا ضياؤك.
ابتسمت المرأة وهي تنهض عنه، وتغادر الغرفة دون أن تتكلم. حل ظلام دامس، وبقي أخو زهيّة واجماً ينظر حوله، يبحث عن زاعم والمرأة.
الحركة الثالثة:
لم يعد زاعم موجوداً، اختفى كأنه لم يكن، حاول أصدقاؤه البحث عنه، لكنهم لم يجدوه، كأن الأرض انشقت وابتلعته بينما اعتزل أخو زهيّة الناس وقبع في غرفته لايحدث أحداً.
وكان الحاج قدورى مؤذن الجامع يقف كل يوم ويدعو الله أن يعيد الغائب الذي يحبونه.
في إحدى ليالي الأربعاء، قادت الحاجة صبرية النساء وهبطن عبر البساتين إلى نهر الفرات، وكانت كل واحدة منهن تحمل بضعة شمعات وقطعة من الخشب، كانت الحاجة صبرية في المقدمة حاملة القرآن، تتبعها ابنتها العانس.
دموع تسيل من عيونهن، والتصاق أقدامهن بالطين الدبق يؤثر في حركتهن، فيتدافعن ويتقاربن، يلفهن سواد الليل وسواد عباءاتهن.
حين وصلن إلى الضفة، وضعت كل واحدة منهن شمعاتها على قطعة الخشب، وانتظرن انتهاء الحاجة صبرية من صلاتها، انهت الحاجة صبرية ركعتيها، ووضعت القرآن أمامها ثم بدأت تقرأ سورة ياسين بصوت مرتفع، لم تكن أية واحدة من النسوة المجتمعات خلفها تستطيع القراءة مثلها، كن واقفات بصمت، ينخر البرد عظامهن، وتلسعهن ريح كوانين بسياطها.
نهضت الحاجة صبرية وسارت إلى الأمام حتى لامس الماء طرف ثوبها. انحنت وغسلت وجهها، ثم أشارت إلى ابنتها العانس فأشعلت عود ثقاب وطافت به على الشمعات.
تقدمت فتاة جميلة من النسوة، واقتربت من الحاجة صبرية، ثم جلست قربها، وقالت:
ـ يعني سيعود الغايب ياعمتي؟
هزت الحاجة صبرية رأسها، وهي تردد: إن شاء الله، يرجع...
صارت كل امرأة تدنو فتناول الحاجة صبرية قطعة الخشب وعليها الشمعات المضاءة، ثم ترجع إلى الخلف، وكانت الحاجة صبرية تضع القطعة الخشبية على سطح الماء، فتطفو وتمشي مع التيار اندفع موكب الشموع وسار مهتزاً، والنسوة ينشدن:
يارب ياعالي ترجع الغايب
يارب ياعالي يعودوا الحبايب.
وبحت أصواتهن وهن يطلبن من زاعم أن يعود، لأن الناس يحتاجون إليه كما هم بحاجة إلى الماء والهواء.
وبينما هن كذلك، جاء أخو زهيّة يحمل بيده شمعة، وصار يقترب من الحاجة صبرية، ثم ناولها شمعته، فأشعلتها، ورمت بها عالياً في الجو، فصار أخو زهيّة يكبر ويدعو الله أن يخلص النساء من جنونهن، وأن يحبسهن في بيوتهن لأن في خروجهن فتنة للصالحين.
كانت الشمعة ترتفع، وتنشر ضياءها فوق وجه النهر الهادئ.
كن يبكين من فقدن، ويتمسحن بثياب أخو زهيّة ويطلبن منه أن يعفو عنهن، لأنهن عصين ربهن.
الحركة الأخيرة:
ظللته سحابة قلق، وأحاط به إرهاق شديد، لم يكن العالم سوى حفنة تراب متبقية، وعليه أن يجتاز حدوداً كثيرة حتى يبلغ ماأخبرته به الأحلام.
سوى دوائر سقيمة لم يتبق له، ومداره الشاسع الذي تخيله وطار لأجله، تهاوى وحطمته أسئلة تبثها، فزعة عيناه المغروزتان بجدران مبكاه الأخير.
كلما التصق بجدار أسند رأسه، وانهالت عليه ضربات موجعة تمتد من سماء بعيدة. عليه أن يبدأ الآن، أن يسافر مع الحلم الذي تعلمه، ثمة عوالم تنتظر هبوطه عليها مبشراً بمياه تتدفق من عينيه العسليتين، فتحيل اليباس خضاراً.
آن للمخزون الذي في داخله أن يخرج، ويبث صفاءه في عالم حرب وقتل، أجساد مدماة تتناهبها طرقات شاحبة، تثير عقله، طرقات طينية على جوانبها نخيل وامتدادها هبوب نسائم الحرية، طرقات طينية على جوانبها جثث تسمو رافعة أذرعها، تتوسل إلى هذا القادم من جوف بحر عميق حاملاً أسراراً لم يطرق أبوابها أحد، جسده تتقاذفه أمواج من كلمات، رددها وعلمها عصاه المباركة التي تدق الأرض وظهره المحني هما ارثاه اللذان يؤرقانه.
نهض، تقوده قدماه، سيره الهادئ تجمع فيه عشق غريب، كان الطين الذي ألف قدميه، صغيرتين، يألفهما، فجأة كبيرتين، تتركان أثراً على الطين الذي صار يتمسك به ويحاول أن يبقيه ملتصقاً أكثر فأكثر به، اندفعت ذرات الطين وعانقت قدميه، فجعلت حركته صعبة، أراد أن يتخلص من هذا السحب القوي الذي يدفعه للوقوف والنظر إلى القمر الممتلئ بوجهه الفضيّ المجعّد، لماذا لم يفكر بتأمل القمر طيلة أعماره؟.
تحركت داخله كائنات غريبة واثارته. صار يحصي دقات قلبه ويقارنها بالحصى المتناثر على جانبي طريق البساتين الموحل، ملّ مراقبة القمر، وداهمته رغبة في البكاء، دفعت هذه الرغبة صورة زاعم الذي رحل ترتسم على وجه القمر، يبتسم ثغر الصورة له، فيرى نفسه ينطلق بجناحيه يرفرف ويحوم، ويحاول إمساك القرص المتلألئ / زاعم الذي كان شاحباً.
وانطلق عائداً إلى الجامع الكبير، انضم إلى المصلين...
صبياً في لباس شيخ وجسد عتيق لايتبدل، وكان يفكر أين سيجد روحاً جديداً يسكنها جسده الذي لايبلى.
***
مخرج
- 1 -
تروى في البوكمال الكثير من القصص الممزوجة بالأسطورة
أشياء لاتصدق
طقوس كربلائية
أعياد وثنية
نساء خارقات
ورجال ليس لهم مثيل في الدنيا.
طرقات البوكمال وبيوتها مجمع الأسرار، وليعذرني الياس خوري.
إنها مدينة نسيها الجميع، حتى أهلها، ولم تعد الخرائط تهتم بأمرها، أو تكترث لما يحدث فيها.
وإذا كنت تسير في أحد شوارعها فقد يصادفك أحد سكانها الحالمين ليحدثك عن سنة الجوع وسنة الحالولة وسنة الجدري، والثكنة الفرنسية، ووووو....
يستطيعون بسهولة أن يجعلوا قطرة المطر تملأ برميلاً، وثغر فتاة جميلة أصغر من حبة الرمان.
- 2 -
طقس الشموع المذكور في الحركة الثالثة من الفصل السابع يسمى (نذر شموع الخضر) وهو نذر لله ان أعاد الغائبين.
هو طقس خاص بالنساء الفراتيات، وكثيراً ماشاهدت النساء يطوفن الشموع على وجه النهر وهن واقفات على الضفة.
وقمت هنا بتغيير صيغة الطقس فصار للطلب، لا لإيفاء النذر.
- 3 -
فصل من حوار حقيقي مع أخو زهيّة
ـ من أين جئت؟
ـ ما أعرف وجدت نفسي هكذا
ـ كم عمرك؟
ـ ما أعرف، يمكن ثمانين، تسعين، أكثر، أقل، ماأعرف
ـ ياحاج...
ـ أنا لم أحج
ـ لكنك تقول بأنك زرت مكة؟
ـ لا ياولدي، هم قالوا، والحقيقة هي أن مكة هي التي تزورني (ثم غادرني ولم أره بعدها).
- 4 -
القارئ المهتم بالنحو سيجد عندي خطأ يتكرر، وهو تعاملي مع اسم (أخو زهيّة) دون مراعاة حالاته الإعرابية، كونه من الأسماء الخمسة التي يتغير حرفها الأخير بتغير إعرابها،
ولقد تعمدت ترك الاسم على حاله حفاظاً على خصوصيته التي رأيت إخلالاً بمكانة صاحبها تغييرها، فلو قلت: أخا زهيّة، أو أخي زهيّة، لما استطعت كتابة كل ما كتبت.
***
قصص ملحقة بــ " رحلة زاعم"
قصة الرجل الذي صار لونه أحمر
-1-
حين عاد الشيخ فتحي الراضي إلى بيته ، كانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها الأولى لتغير المدينة التي تجللها عباءة سوداء منذ يومين تقريباً .
فبعد ظهر الثلاثاء الماضي هبت عاصفة قوية لم يرَ أحدٌ مثلها ولم يسمع أحدٌ عن مثلها . وغابت الشمس مباشرة واختفت خلف جبل كبير صخوره بازلتية .
وبما أن الجميع مستغرقون في النوم . فلم يستطع أحد سوى الشيخ فتحي ، أن يلاحظ بأن هذه الأشعة القرمزية التي تبثها الشمس ليست هي الأشعة نفسها التي اعتاد الناس رؤيتها في كل مكان .
دخل غرفة المؤونة وأخرج كتاب الظواهر المدهشة الذي كان قد استعاره من الأستاذ عبد الله مدرس الفيزياء في الثانوية وجلس قرب شجرة الزيزفون العتيقة التي زرعها جده الحاج فياض الراضي يوم ولادته ، وهو يرى في هذه الشجرة أختاً له . لأنها ولدت في اليوم نفسه الذي ولد فيه .
كان عليه قبل أن يبدأ القراءة أن يوقظ الناس الذين لن يعرفوا بأن الشمس عادت إليه بعد يومين من الغياب، لأنهم ينامون في غرفهم يملأ قلوبهم الرعب من قيام الساعة ، لكنه فضّل ألا يثير فزعهم حين يشاهدون ما يحدث .
كان يقلّب صفحات الكتاب بهدوء ، واضعاً السواك بين شفتيه ، حين رفع عينيه إلى الجدار المقابل له . كان لون الجدار أحمر مثل لون الدم ، جال ببصره على كل الأشياء . فشعر بالخوف . للمرة الأولى في حياته .
كان اللون الأحمر يغطي كل شيء ، وكانت شجرة الزيزفون - أخته ، تقطر أوراقها دماً .
نهض من مكانه فزعاً . وفتح الباب وخرج من البيت . كانت الطرقات تمتدّ أمامه حمراء اللون . وقد رأى لها أذرعاً تعانق قرص الشمس الأحمر الملتهب .
كانت حركته صعبة بسبب الدماء التي ملأت الشوارع وتجلطت بسرعة . دخل المسجد ، واندفع إلى المئذنة . لكنه ارتطم بأحد الأعمدة الأسطوانية المزخرفة بخطوط حمراء . شعر بالغثيان وودّ لو أنه يتقيأ لكنه لم يفعل حفاظاً على طهارة المكان .
كان اللون الأحمر في كل مكان على السجاد الصيني الفاخر الذي تبرع به أبو محمود الخليل تاجر الأقمشة . وعلى مكبرات الصوت الحديثة ماركة ( فيليبس ) التي أحضروها من الشام ، وبين الكتب الكثيرة الموجودة على الرفوف مرتبة ترتيباً عشوائياً .
وهناك قرب الباب ، في الخزانة المخصصة لوضع أحذية المصلين . بذل جهداً كبيراً حتى استطاع الخروج من المسجد ، تلمس طريقه واتجه إلى منزل الأستاذ عبد الله الذي يقرأ كثيراً . والذي ربمّا يجد عنده تفسيراً لما يحدث .
دفع الباب الخشبي القديم ، ودخل ، فرأى الأستاذ نائماً في زاويته المعتادة ، وقد تحول إلى قطعة دمٍ كبيرة متجلطة .
هزّه هزّة قوية فلم يتحرك . وإنما اندفعت رائحة الدم نفاذة فلم يستطع ، بعدها ، مشاهدة شيء سوى ذلك اللون الأحمر .... غادر منزل الأستاذ وسار ببطء حتى وصل إلى بيته، فتح الباب واتجه مباشرة إلى غرفته التي ينام فيها . كانت الغرفة الهادئة المطلية بالكلس الأبيض قد تحول لونها هي أيضاً إلى اللون الأحمر ، فلم يستغرب الشيخ فتحي الأمر واعتبره عادياً. فخلع جبته وعمامته . وارتدى كلابية النوم ( الحمراء ) واستلقى على فراشه ذي اللون الدموي الأحمر .
لقد كان متعباً ، وعليه أن ينام قليلاً ليرتاح . وحين يستيقظ لابدّ أن حلّ هذه الأمور كلها سيكون في رأسه .
-2-
تأخر الشيخ فتحي الراضي عن موعد صلاة الظهر . وقد استغرب جميع الناس هذا . فالرجل الذي كان إمامهم مدة تزيد على عشرين سنة . والذي لم يتخلف عن الصلاة أبداً منذ أن كان طفلاً . يغيب اليوم عن الصلاة . أجمع المتواجدون على رأي واحد ، وهو أن يذهبوا لزيارته والإطمئنان عليه بعد انتهاء الصلاة .
بعد أن صافحوا بعضهم البعض بعد الصلاة . ووضع كل واحد حذاءه في قدميه خرج الجميع من المسجد وتوجهوا إلى بيت الشيخ فتحي.
كان صوت طرقهم على باب البيت يترافق مع هبوب ريح قوية جداً ومع تلون السماء باللون الأحمر القانئ الذي يشبه لون الدم تماماً .
حين لم يُفتح البابُ . دفعه مروان الصالح ذو الكتفين العريضتين فانفتح ، ودخل الجميع . كان الخوف من أن مكروها قد حلّ بالشيخ مسيطراً عليهم . فلم يعرفوا ماذا يفعلون .
دخلوا غرفته فوجدوه مستلقياً على فراشه نائماً ، كان وجهه أحمر مثل قطعة من الدم المتجلطة . هزوه وحاولوا إيقاظه ، لكنه كان قد فارق الحياة .
وبعد أن غسلوا جسده الأحمر بالماء الساخن والصابون ، كفنوه ثلاث مرات ، وكان الكفن الأبيض الذي يضعونه عليه لا يلبث أن يتحول إلى اللون الأحمر . وقد نصحهم الحاج مهدي بأن يتركوا الكفن على حاله فقد تكون هذه رغبة المرحوم . ساروا به إلى المسجد وصلوا عليه ، ثم حملوه على أكتافهم إلى المقبرة ، حيث كانت حفرته بانتظاره ، فوضعوه فيها وطمروه بتراب لونه أحمر .
-3-
بعد مرور عشر سنوات على وفاة الشيخ فتحي الراضي إمام مسجد الصحابي الجليل ، أنس بن مالك / صار لون البيت الذي كان يسكنه أحمر تماماً وتحول الشارع الذي يقع فيه البيت إلى منطقة مهجورة لايدخلها أحدٌ، وقد نشط رؤوساء البلدية المختلفون الذين جاؤوا إلى المدينة في تحسين أحوالها وكان كل واحد منهم يصرف نصف الميزانية في استيراد أفضل أنواع الطلاء من مختلف دول العالم لطلاء بيت المرحوم الشيخ فتحي الراضي ذي اللون الأحمر ولكنّ أيّاً منهم لم يستطع إخفاء ذلك اللون الواضح وضوح الشمس . وعند هبوب ريح العجاج القادمة ، صيفاً ، من الغرب محملة بالأتربة . كان لون المدينة كلها يتحول إلى اللون الأحمر ، ويقال بأن بعض سكانها قد هجروها لهذا السبب .
***
الفائز الأعظم
كان يريد القيام بعمل ما ، قبل دخوله المشفى للعلاج من آثار الحروق التي أصابته حين انفجرت عليه تلك الآلة اللعينة التي كان يصلحها في مصفاة النفط .
الأطباء فقدوا الأمل ، حتى من نقله إلى المشفى ، كان يستمع إليهم ويضحك . لا يعلمون بأنه يستطيع الآن القفز مثل الأرنب .
وحتى أنه يستطيع إصلاح تلك الآلة اللعينة . بكل سهولة . زوجته كانت تلطم وجهها وتصيح ، وأمّه كذلك ، أما أبوه فقد ظل صامتاً متشنجاً، إنه يراقب ولا يعلّق على شيء .
" هؤلاء الأغبياء ، سأجعلهم يذهلون حين أقفز أمامهم ، وأصعد السلم ، وأقف لأخطب فيهم ، ربّما سأقول كلمتين فقط ، أوثلاث كلمات ، وربما سأجعلها خطبة عصماء لم يسمع أحدٌ مثلها ".
كبير الأطباء تحدّث مع مدير المصفاة ومع كبير ضباط الشرطة الذين كانوا يملؤون المكان ، وكان هو مازال يفكر بمعجزته التي ستجعلهم مثل "المساطيل".
وبعد قليل وصلت سيارة المشفى، وضعوه على نقاله وساروا . وكانت زوجته تصرخ وتبكي وتنتف شعرها .
فتح أحد الممرضين باب السيارة الخلفي ، وأدخلوه ، كانت غرفة السيارة باردة جداً. وكان هو أيضاً يشعر بان جسده باردٌ ومتجمدٌ أيضاً . لم يشعر بهذه البرودة من قبل ، حتى حين كان يدخل عنابر أنابيب الغاز المبّردة . بعد مسير طويل توقفت السيارة ، أنزلوه وكان كل شيء مظلماً ، أدخلوه بيته" لماذا لم يأخذوني إلى المشفى ؟" وصل أقاربه جميعاً . وكان الحزن بادياً عليهم ، جسده بأكمله مشوّهٌ وبارد .
ألبسوه ثوباً لونه أبيض ، وأخذوه مرة أخرى . وصلوا إلى مكان تجمع فيه الكثيرون كانوا يقفون بخشوع في حضرته . ويرددون عبارات لم يفهمها ، أخرجوه من ذلك المكان الذي لم يدخله قبلاً . وساروا خلفه ، كان في المقدمة موضوعاً على الأكتاف " يبدو أنهم اعتبروني بطلاً . لا أعرف كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحالة البطولية ؟" أنزلوه أخيراً إلى مكان عميق ، وبدأوا يهيلون عليه التراب .
***
حُلُمْ
جميع خلاياه كانت مركزة على الشجرة . دوران جسده توقّف وجهه شحب حتى صار لونه مثل لون الليمونه ، نبض قلبه ارتبك كان جسده يرتجف بشكل ملحوظ
أحسّ للحظة بأن العالم قد تغير ، وأن هذه المسافة التي تفصله عن الشجرة هي المسافة نفسها التي تبعده عن وعيه للأشياء .
حرّك قدميه بصعوبة وحاول أن يخطو ، لكنه كان ثابتاً في موضعه. كان الطين يمزج خلايا جسده بالأرض ، صار قطعة واحدة مع طين الأرض ، وأحس بأن قدميه تتحولان بشكل سريع إلى طين لزجٍ لا يلبث حتى يتجمّد ، لوّح بيديه وصرخ بشدة . لكن صوته لم يخرج من جوفه . جال ببصره على الأشياء المحيطة به . كأنه يريد أن يوّدعها .
شيئاً . فشيئاً ، كان يتحوّل إلى كتلةٍ من الطين منتصبةٍ لم يبق منه سوى رأسه . كان يقاوم هذا ( التطين ) المفزع من خلال تنفسه .
تنفّس . تنفسّ بعمق ، وكان يضغط رئتيه بشدة محاولاً التهام الهواء فجأة . سمع صوت انفجار شديداً ، فتح عينيه بسرعة ، فرأى وجه زوجته باسماً أمامه . حاول أن ينهض من سريره لكنه لم يستطع . كان جسده متصلباً وقدماه لا ينبض فيهما الدم . صرخ مخاطباً زوجته :
- قدماي متخشبتان . لا أستطيع أن أتحرك .
قبلت زوجته جبينه ، ثم قالت وهي تفتح نافذة الغرفة المطلة على الشارع:
- وما الجديد في الأمر ، ؟ منذ عشر سنوات وأنت مشلول
***
قصص قصيرة جدّاً
مرثية
لم يكن أول الميتين ، لن يكون آخرهم ، غير أننا حزناً عليه حزناً عظيماً وبكينا كثيراً حتى جفت دموعنا .
كان يجلب معه الهدايا والحلوى من المدينة ، يوزعها علينا بالتساوي.
وحين استيقظنا ، ذلك الصباح ، ووجدناه مستلقياً على سريره لايتحرك فتشنا جيوبه جيداً ، وأخرجنا قطع الحلوى منها ، وبعد أن التهمناها ، بدأنا بالنواح .
العصفور
فتح النافذة ، وأطلق العصافير كلها ، وحينما جاءت أمّه ضربته لهذا العمل الشنيع ...
استلقى على السرير، وحلم بأنه عصفور صغير ، وعندما فتح صاحبه النافذة له حلق عالياً . ثم حط على الشجرة وبدأ يغني .
جاء الصياد ، أطلق عليه النار ، فقتله .
الظّل
كانت تسير على الرصيف وحيدة ، لا ترى أحداً في الشارع سوى ظلها الذي يلاحقها .
نظرت إلى أسعار الملبوسات في المحلات المنتشرة على جانبي الطريق وتحسّرت ..
زمّت شفتيها ، وتابعت مسيرها . تطلعت إلى الوراء .. فلم تجد ظلّها .
الطفل والملك
هدم الملك المعبد ، ونظر إلى الناس بتحدّ ، ثم خطب فيهم خطبة ، نهى فيها عبادة سواه . هزّ الجميع رؤوسهم موافقين ، إلا طفل صغير كان يحمل الصليب ، ويرفعه إلى السماء .
حكاية رجل
سار الرجل على الرصيف ، بمحاذاة النهر ، بين الجموع الكثيرة ، وقت الظهيرة ، أواخر شهر نيسان الغائب ، وكان جائعاً ، لأنه مفلس ، لأنه يفكر....
العيد
كانت المدينة تحتفل ، وكان الخطباء يكبرون في الجوامع . كل الناس كانوا فرحين ، يرقصون . ويجهزون الحلويات والألبسة . وكان الحاكم يجهزّ الجيش . سراً - لحربٍ جديدة .
يسقط
وقف الرجل في المقهى وصرخ " يسقط " رددّ الجميع " يسقط " في اليوم الثاني ، وقف الرجل نفسه وصرخ " يسقط " ردّد الجميع " يسقط " في اليوم الثالث . سقط الصرصور ، الذي كان معلقاً بشبكة عنكبوت على السقف .
الحالم
بعد أن دفنوه ، وبكوا عليه كثيراً ، عادت زوجته إلى البيت ، ونامت مع الأولاد بعمق ، لقد كان يضحك بصوت عالٍ ، وكانت أحلامه صاخبة ضاحكة ، لذلك كان البيت كله لا ينام .
المطر
قال العاشق لحبيبته : المطر يبلل أرواحنا ، ويجعلنا أقرب إلى الطهر. قال الفلاح لزوجته: المطر يروي الأرض ويزيد المحصول .
قال الفقير : صلوا لربنا كي يتوقف المطر ، إنه يجعل سقف الغرفة يرشح فوق رؤوسنا بشدة .
مناضل
قال المحقق : تعترف بأنك توزع المنشورات ، وبأنك أنت الذي تكتبها وتقول بأنك رئيس خلية ودبّور فحل ، وبأن الأوراق التي وجدت مع باقي المتهمين قمت أنت بكتابتها ، ومع هذا تقول بأنك أمي ، لا تقرأ ولا تكتب .
تقليد أعمى
كان أبو مهند حكيماً . لقد مات فجأة دون مقدمات . هكذا قال المعلم لتلاميذه .. بعد يومين . قالوا بأن المعلم مات فجأة دون مقدمات .
التابوت
حين كنت صغيراً ، كنت أركض خلف الجنازات وأراقب التوابيت بدهشة . بعد أن كبرت قليلاً . قال أبي : كل الناس حين يموتون يحملون بهذه الطريقة . فصرت أخاف مراقبة التابوت .
ومرة - وقد صرت رجلاً . جاءني في الحلم تابوت يضحك .
قرار
" الراتب لا يكفي يا امرأة . الأطفال يكبرون ولا أعرف ماذا ينبغي أن نفعل " قال الرجل لزوجته ثم أردف ، قررت أن نتوقف عن الإنجاب " ثم عصر نهديها بقبضته ، حتى أختفى صوتاهما ولم يبق مسموعا غير صوت لهاثهما المحموم .
الأصدقاء
بينما كنت أجتاز النفق ، سمعت فحيحاً مخيفاً ، ورأيت قرني تنين يندفعان باتجاهي . تراجعت بسرعة وكاد قلبي أن يتوقف . استمر تراجعي وتقدمه . بعد هذا انطلق الضحك من كل مكان : ياخواف
***
المحتوى :
مدخل..............................................................................
1ـ اســـتطراد:................................................................................................................
2ـ اســتطراد:.................................................................................................................
3ـ استطراد:...................................................................................................................
4ـ استطراد أخير:.........................................................................................................
5ـ فاصلة:....................................................................................................................
6ـ تنويه:.....................................................................................................................
الفصل الأول...................................................................
الحركة الأولى:..............................................................................................................
الحركة الثانية:.............................................................................................................
الفصل الثاني...................................................................
الحركة الأولى:..............................................................................................................
الحركة الثانية:.............................................................................................................
الفصل الثالث...................................................................
الحركة الأولى:..............................................................................................................
الحركة الثانية:.............................................................................................................
الحركة الثالثة:..............................................................................................................
الفصل الرابع...................................................................
الحركة الأولى:..........................................................................................................
الحركة الثانية:..........................................................................................................
الحركة الثالثة:..........................................................................................................
الحركة الرابعة:.........................................................................................................
الفصل الخامس................................................................
الحركة الأولى:..........................................................................................................
الحركة الثانية:..........................................................................................................
الحركة الثالثة:..........................................................................................................
الفصل السادس................................................................
الحركة الأولى:..........................................................................................................
الحركة الثانية:..........................................................................................................
الحركة الثالثة:..........................................................................................................
الحركة الرابعة:.........................................................................................................
الفصل السابع..................................................................
الحركة الأولى:..........................................................................................................
الحركة الثانية:..........................................................................................................
الحركة الثالثة:..........................................................................................................
الحركة الأخيرة:.........................................................................................................
مخرج...........................................................................
قصص ملحقة بـ " رحلة زاعم"............................................
قصة الرجل الذي صار لونه أحمر..................................................................................
الفائز الأعظم..........................................................................................................
حُلُمْ.......................................................................................................................
قصص قصيرة جدّاً.........................................................
مرثية....................................................................................................................
العصفور................................................................................................................
الظّل......................................................................................................................
الطفل والملك...........................................................................................................
حكاية رجل.............................................................................................................
العيد......................................................................................................................
يسقط.....................................................................................................................
الحالم....................................................................................................................
المطر....................................................................................................................
مناضل...................................................................................................................
تقليد أعمى..............................................................................................................
التابوت..................................................................................................................
قرار......................................................................................................................
الأصدقاء................................................................................................................
***
رقم الايداع في مكتبة الأسد الوطنية :
رحلة زاعم : رواية / ثائر زكي الزعزوع - دمشق : اتحاد الكتاب العرب ، 1997- 116ص ؛ 24سم.
1- 813.03 ز ع ز ر 2- 813.009561 ز ع ز ر
3- العنوان 4- الزعزوع
ع - 1337 / 9/ 1997 مكتبة الأسد
r
هذا الكتاب
دعوة إلى الإيمان والاتحاد مع الطبيعة وصولاً إلى نبذ القتل والعنف والعودة إلى الله وهزيمة من يخالف شريعته السماوية بالعقل والعلم والفكر.
وقد عبّر الكاتب عن ذلك بلغة موشحة بالشعر مستفيداً من العناصر الاسطورية والشعبية والدينية المتوارثة والمتشبثة بالرموز والدلالات المعبرة.
r
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire