أرجحتني الأحلام بين ردٍ وأخذ. غرقت في دوامة
الانفعال. ورغبات صغيرة جانبية.
في الساعة العاشرة صباحاً. اندفعت من
الباب الحديدي العريض للبنك إلى سلم حجري رخامي أوصلني إلى باب خشبي سميك
الضلفتين. وجدتني في صالون كبير، بل ورشة تعج بالناس وبضجيج آلات طابعة.
سددت أذني.
- يا إلهي كيف لا تدفعهم هذه الضوضاء
والجلبة إلى الجنون؟
كانت القاعة مقسمة إلى كابينات صغيرة
يفصل مابينها زجاج قصير يطل منه رأس الموظف أو الموظفة.
جلست في ركن أراقب عجقة الحياة
الغريبة، أهذا ماتذكرتني به يابن العم؟ انتابتني الخواطر المتباينة على نحوٍ عصي
غلاب، متى يفرغ السيد المدير من مراجعيه ذوي الحقائب المقفلة على الأموال؟ أذن لي
بالدخول.
وقف رجل مهيب أشيب الشعر على عينيه
نظارتان مربوع القامة ذو هندام أنيق جداً، زرر سترته باحترام ومدّ يداً طرية. ثم
انتقل من خلف مكتبة إلى أريكة مخملية خضراء وأشار لي.
جلستُ ، وجلس قبالتي..
- نعم آنسة سلمى الشريف، تريدين
عملاً. تحملين بكالوريا موحدة.
- نعم.. خفضت من بصري. عددتُ خيوط
السجادة وخطوط الطيور المغردة، عشرات المرات.
- طبعاً.. تجيدين الضرب على الآلة الكاتبة. عربي
وإفرنسي.
- طبعاً لا...
-هِمْ.. تجيدين إحدى اللغتين؟ مرر
إصبعه على شفته السفلى.
- مستوى البكالوريا عندنا..
- تجيدين المحاسبة.. أعمالنا تعتمد
على الأرقام.
- لا أعرف المحاسبة، ولا الحساب.
-لم تريدين الوظيفة.؟
تلكأتُ، كيف أشرح جوانيتي المخبأة،
كيف أوضح له رغبة العصفور بالطيران، من
قضبان القفص، كيف أشرح لهيب النيران المتراكمة بين ضلوعي، وأفشي سري الخاص.
- مجرد رغبة تزجية فراغ، أجبت.
- هل أنت بحاجة مادية.
انتفضت في مكاني كما لو أن صفعة حادة
حطت على وجهي، تملكني الغضب حتى رغبة الصدام، ثم انهمرتُ دموعي، ولم أقوَ على
كفكفتها ظلت أقوى من إرادتي. تفجرت ينبوعاً حاراً صافياً، شلالاً، يغسل إهانة ملأت
كياني ورأسي حتى العظم. عميتُ تماماً، ولم أعد أرى بعيوني شيئاً إطلاقاً. كل شيء
أضحى غائماً أسود.
صدم السيد المدير، ناولني علبة
المحارم، حرك يديه مضطرباً حائراً عدة مرات وهو يقول:
- يا آنسة سلمى افهميني.. لم أقصد..
حدثت نفسي:
- هل أسأل أنا سلمى الشريف هذا
السؤال، وأبي يقدم حبة عينيه من أجلنا.
تابع معتذراً : أسأت التصرف؟
هل أخطأت.. لكل إنسان ظروفه المالية،
كلنا نعمل من أجل عيشنا، اندفعت نحو الباب أمانع شهيقي، بكيت بحرقة محروم جائع.
همت في الطرقات دخلتُ في حارات وأزقة لم أعرفها أرغب في أن أجفف دموعي قبل أن أصل
إلى البيت، ويراها أهلي بماذا سيتهمونني عند ذاك؟
لازمني شعور الانكسار والعنف أمام
مدير البنك مدة طويلة، وقتئذٍ لم أفهم ولن أفهم لم بكيت؟ أكنت أخشى استغلالاً؟ بعد
فترة أحسستُ بأنني كنتُ بحاجة إلى من يكشط عني بريق اسم العائلة كي أصبح أصلب
عوداً في مواجهة الحياة. فالحياة ليست أماً وأباً وإخوة وحبيباً ونظرات هائمة
تظللها الأحلام. الحياة أن أكون أولا أكون. وهذا مايجب أن أقرره وحدي.
غضضتُ النظر عن البنك،وبحثت عن معلمتي إلهام
حداد أيام الابتدائية. توسطت المدرسة فم سوق ساروجة. بيت عربي قديم ينفتح بباب
صغير على باحة مربعة، على جانبيها غرفتان ثم غرفة الإدارة تدلف منها إلى باحة
كبيرة تقع في صدرها غرف ثلاث على صف واحد ليخرج من خاصرة الباحة سلم حجري ملتوٍ
بأناقة إلى الطابق الأعلى.
كانت إلهام حداد سمراء حمراء الخدين
ذات شعر قصير منسدل فوق الأذنين بقصة موضة العشرينيات، وعينين كبيرتين جاحظتين
قليلاً ترنوان بود يثلج الصدر. كنت أثيره في صفها. لم تطوني الأيام من ذاكرتها.
تجددتُ معرفتنا يوم كبرت. صرت أذهب إلى بيتها مع ثلة من البنات نحمل الورد
اعترافاً بفضلها. كما حفظنا ودها، عندما التقيتها لاحظتُ تكدس الشحم حول بطنها
وركبتيها. بادرتني باسمة. وتجاهلت دهشتي:
- سلمى الشريف، ابنتي..
- هأنذي جئتك أطلب عملاً. وظيفة.
رفعت حاجبيها ثم ضحكت.
- ياللأيام ياسلمى، سلمى الصغيرة
تصبح كبيرة ومعلمة.
بادرتها:
- حظ طيب أنا في طريقي إلى الجامعة.
نجحت في البكالوريا.
- ألف مبروك . ماريك بالصف السابع.
أم تفضلين عملاً إدارياً؟
- أي شيء لا يعيقني عن الدراسة.
- يوجد في الصف السابع خمس عشرة بنتاً كأزرار
الورد. تبقى مهمتك صعبة قليلاً مع بنات البكالوريا. المدرسة مؤلفة من سابع، وثامن،
وتاسع، وبكالوريا صف وحيد للراسبات.
- ياويلي: همهمت.
توجست قليلاً في البداية فالبنات أكبر مني سناً.
لكنني سرعان ما تأقلمت. لم تمضِ أيام عشرة حتى عقدتُ صداقة معهن. وجدتُ أن الهدنة
أسلم طريق إلى قلوبهن، وبخاصة أنهن في سن الفوران والرغبات المكبوتة.
عندما دخلتُ صفي السابع هبّت في وجهي رائحة
الطفولة البريئة، كن بنات في أعمارٍ مختلفة بين الحادية عشرة والخامسة عشرة جئن من
حي شعبي ثرٍ بعواطفه، بسيطات الملبس، سليمات، مسالمات في اللعب، حكيتُ لهن قصة
أحلامي، فتعلقن بي بمودة وتعلقت بهن.
مضى الشهر سريعاً، قبضت أول راتب في عمري مئة
وخمسون ليرة، كانت كافية لشراء أشياء وأشياء،
وكتب وهدايا للأهل. حققت استقلالاً مادياً، وقريباً معنوياً، جرى تبدل طفيف
في نظرة الأهل لي صارت أكثر ثقة.
أضحى صف السابع بهجة حقيقية لي. غيرت
في لباس بعضهن. لفتت انتباهي من بينهن فتاة صغيرة القد نحيلة ذات عينين ذكيتين
براقتين. شعلة ذكاء وتفتح.
هذه أول سنة أترك فيها الدراسة،
وأتربع فوق كرسي، وأحمل في يدي مسطرة أدق بها على الطاولة لأزجر عبث الأطفال. وعبث
الأطفال كثيراً مايعن على باله أن يمد رأسه بين المقاعد ليظهر في وشوشة هامسة.
كتبت على اللوح الكبير بخط واضح عريض (وصف ورقة صفراء تروي قصتها)، لبثت لحظة
أنظر، ثم عاودت الكلام: الموضوع جميل يا آنسات نحن في فصل الخريف.
- آنسة خلصت. ارتفعت الرؤوس عن المقاعد. هل
أسمعك إياها. هل أقرأ ماكتبت.
أدرت رأسي حيث ارتفع الصوت، ورأيت
أصبع فادية ترتفع مستفهمة مترددة.
((بينما كنت أتنزه في الخريف بإحدى
الحدائق الملأى بالورق الأصفر سمعت صوت همسات تقول لي:
-كنت في إحدى الشجرات الجميلة- وهي
أمي- أعيش في لذة الحياة لأنني في فصل الربيع الذي كساني رونقاً. ثم جاء فصل
الصيف، وتنهدت بعدها. كنت أنعم بلذة حياتي لأني لم أفارق أمي الحنون. أمي التي
ربتني وغذتني وتعبت علي...))
وعاد صوتها:
((ولم أكد أنعم بشبابي حتى جاء فصل
الخريف فصل الفراق، فدفع نحو أمي البرد القارس، فاصفررت أنا وإخوتي، ثم جاء
بعواصفه الهائلة التي هزت أمي هزاً عنيفاً. ولكن أمي أمسكتنا بحنان خوف أن
يقتلعنا. غير أنه- آه.. فلم أكد أرد لها جواباً حتى جاءت ريح قوية... طارت بالورقة
تتلاعب بها.))
دق جرس الفرصة.
كنت أريد أن أقول لها:
بأنها ستصبح كاتبة، أو شاعرة. إذا
تابعت دراستها، ولتحيا في طمأنينة وأمان بعيداً عن شرور القنبلة الذرية.
بادرتُ مديرة المدرسة متفائلة: -
أجدني أتعلق بالتدريس.
دخلت ((إلهام)) في سهوم وتوحد،
انسللت إلى صفي، وبالي مشغول. ترى بماذا تفكر، وبمن، هل فشلت في إنجاز حب أو حلم؟
تقول عيناها الكثير من الحكايا الحلوة والمرّة. يا لبناتنا، تموت الواحدة منهن ألف
ميتة، ولا تبوح بسرّها لأحد.
تمنيت أن أدعو أحمد على الغداء، ولكن
أين، وأنا محاطة برماح تغرس في دربي كلما تجاوزت ذهنية الحارة، وحدود العشيرة.
استعرضت كافة الاحتمالات، تلاعبت بي خواطر غريبة أخافتني. عرضت الفكرة على أحمد،
فرفضها بشدة.
-الأيام القادمة أفضل من الماضية.
كلمة عابرة لفظها، مدت لي خيطاً من
حرير متين. أخفيت مشاعري.
قلت:
-أجدك مكبلاً أكثر مني. أيها
التقدمي.
بقينا حبيسي سريرتنا نتمنى لو نستحم
بضياءٍ لم تسمح به العادات أبداً. كبرت حلقة الأصدقاء حولنا وكبرت همومنا معهم،
وتشتت تساؤلاتهم المبطنة التي تكشف عن سلفية متأصلة كامنة في النفوس.
فيما كنا نبني أنفسنا، تلتهم دمشق
المعرفة، وتمد يدها الرخصة السمحة إلى الكنوز الإنسانية وإلى صداقات دولية ترجوها
حقيقية وتسعى إلى الحفاظ على السبيكة الذهبية قبل السقوط في خضم المعاهدات
والاتفاقيات وأهواء الرؤساء. حاولت بدوري قلب التربة في عقول زميلاتي المعلمات كي
تتجه نحو الشمس. بئت بالفشل. فقد حافظن على خطٍ أفقي غير قابل للتغيير أو الكسر.
أبقيت على شعرة معاوية بيني وبينهن
بعد نقاش حاد حول حرية المرأة ودورها كاد يودي بنا إلى ما لاتحمد عقباه صرن يتجنبن
الحديث معي. أذهلني الانطلاق على مفاهيم ساذجة وأحلام مريضة فالحديث عن الحب حرام، وعن الجنس مرفوض ومخزٍ،
والنصيب محتوم، وللإنسان حظه في الحياة أين، السعي، أين الكفاح؟ ياه.. ياه... أين
أنا؟ أحسست بالاحباط ونكوص إلى الوراء سنوات تلي سنوات.
رغم هذه العصي المتصلبة اليابسة في
مجلس الإدارة دخلت صبية إلى المدرسة. تخففت من حقيبتها المعلقة بكتفها، وضعتها على
الطاولة بتأن وقدمت نفسها:
-صفاء.. مدرسة الانكليزي.
كانت جميلة لونت جو الغرفة القاتم
وجو العوانس البارد. شعر عجيب كستناوي ضارب إلى الحمرة الداكنة، عينان زرقاوان
كحيلتان، قد نحيل طويل.
همست بصوت خافت:
-آسفة لتأخري، وصلني الرد البارحة
فقط توجهت بكلامها إلى المديرة.
لا أدري لم فرحت بوجودها هنا. لعلي
توسمت في شخصيتها هيأة حضارية. وقفتُ مرحبة مستبشرة.
-أهلاً آنسة صفاء، أهلاً بك في
المدرسة. أنا سلمى الشريف. التفتت نحوي بلطف ومدت يداً رشيقة تكاد تتقصف، قائلة:
أهلاً متى أبدأ؟
-الآن إن أحببت، فالحصة خالية.
والبنات موجودات. نهضت فلحقتني بخطوات قطة. تأملت هندامها، كان بسيطاً أنيقاً،
سترة وتنورة من الجوخ الكحلي. برز من القبة إيشارب زهري.
عند باب الصف قالت:
-أتمنى أن تتعمق صداقتنا، فأنا
جديدة، والأخريات مخضرمات.
-آنسة سلمى، هل تتابعين دراستك؟
-سنة أولى جامعة، الثقافة العامة.
-أنا في سنة ثانية إنكليزي.
عدت إلى غرفة الإدارة، ولحسن حظي كان
فارغة من القامات المهزوزة والعيون المغلقة على رواسب مئة سنة. ضممت أوراقي، ودخلت
صفي.
رغم ما اختلط من أحداث متسارعة، فقد
أفرز الزمن وعياً وتكاتفاً لدى فئات واسعة من الشعب دفع بنا نحو القضايا المصيرية
رغبة التخلص من التبعية الغربية وشق طريق قد تؤدي إلى الحرية المطلقة المرجوة.
وهكذا حبكت صداقتنا المتطلبات الوطنية، والتغيرات الاجتماعية التي خلفتها
الانقلابات المتوالية:
حدثت نفسي:
-أخيراً التقيت في هذه المدرسة بفتاة
ثابتة الخطو والموقف، في ظروف منطقة تتسم بإضطراباتها، موزعة متلاطمة متأرجحة بين
فكر ليبرالي واشتراكي، ورأسمالي.
كنت سعيدة بخروجي من عب الحارة
المتشددة على قيم متخلفة. نفضت عني تراخياً شكلته مهنة التعليم. فكرت بالجامعة
التي ملأت كياني بادئ الأمر خفت من التسمر خلف طوابير الطلاب للحصول على ((نوتة))
أو الانتظار أمام غرفة مدير شؤون الطلاب للتسجيل والتوهان بين المعاملات والطوابع،
فأنا أساساً لا أدري شيئاً عن الأمور الإدارية.
تلبس هشام دور المنقذ معلناً عن
وجوده كي لا أخرج من تحت إبطه، تبرع بالمتابعة والتسجيل، وحتى طبع البرنامج وساعات
الحصص والقاعات.
-سلمى، نبر بصوت حاد.
استجبت ملهوفة خائفة.
-خير إنشاء الله..
ضرب على جزمته اللامعة بقضيب خيزران
مصقول رفيع:
-كل شيء تمام مبروك صرت طالبة نظامية
وهذا هو البرنامج على الطاولة.
راقب تحوله السريع بخشية وحذر. ترى
ما وراء سعيه المشكور؟
أرجأت الجواب إلى حين تكشفه الأيام.
غمرني سرور طغى على ترددي..
لم يتغير شيء في مسار حياتنا البيتية
إلا انغمار أبي في عمل تجاري لم يخلق له. باع دكاناً أخرى في السوق القديمة من حي
القنوات. وقبض ثمنها ليرات ذهبية لماعة ما لبث أن خرجت من محفظة جلدية خمرية اللون
إلى يد زوج عمتي صاحب معمل الشوكولاه الشهيرة. دخل أبي مساهماً في شركة رابحة
مضمونة دون أوراق. مجرد كلمة. انتظرنا أشهراً مليئة بالوعود. وخرجت المدخرات من
زنار أمي لتصرف على حاجيات كمالية، يحدوها أمل
في سَعَة قريبة مباركة لمالٍ حلال يندلق علينا طيباً لذيذاً كطعم
الشوكولاه، يعيد الهناء لحياتنا العائلية التي اتسمت دوماً بالبحبوحة قبل تسريح
الفرنسيين لأبي من وظيفته. غير أن هذا الرخاء حين
جاء لم يتعد الأشهر القليلة فسرعان ما انطفأ نوره حين تناثرت كلمة التاجر
الكبير قريب العائلة الموثوق نيازك حارقة.. ضاعت الليرات الذهبية في بطن المحترم..
في ليلة غاب قمرها هرّب أمواله إلى بيروت وأعلن إفلاسه.
من كان يدري ما في الصدور وما يحمل
الغد؟ خيبة إثر خيبة. لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. تجربة مرّة لم تكن الأولى، تهز
كيان أبي وكياننا. رمى عادل كلمة غاضبة قاسية في وجه أبي:
-نحن أولاد اليوم. ماراح راح. هل
نبكي مثل العجائز، ما الفائدة؟ ثم نظر إلى ساعته، وصفر متعجلاً: أف. تأخرت، عندي
إجتماع.
لم يرفع والدي رأسه. بقيت عيناه
ثابتتين إلى الأرض.
طقطقت خالتي الزائرة بأسنانها
الاصطناعية.
-قال صهر، قال: قريب وحبيب وتاجر
محترم، لارده الله. انسكب على رأس أمي سطل بارد. ارتعشت شفتاها، وهي تلتفت إلينا.
-المال والبنون زينة الحياة الدنيا..
أنتم يا أولادي كنزي. لا يسمح أبوكم سوى صوته. أعلنت الصيام. ودخلت غرفتها، حبست
نفسها ضمن جدرانها إحتجاجاً على تسلط الحاكم المطلق في البيت، حتى شارفت على
الموت.
إنتصرنا على غدرات الزمن ومراراته..
دفعنا إلى سباق غير متكافئ معه. زحف ثقيلاً على آمالنا، وأجبر أبي على أن يعفي
سامي من الدراسة ويدفعه عاملاً متدرباً في محل تجاري بلا أجرة لمدة ثلاثة أشهر.
خلقت تلك النقلة البعيدة عن جو
المدرسة والدارسة من أخي شخصاً آخر.. غيّره جو الاحتكاك مع الناس تغييراً ملموساً
جذرياً في سلوكه وفي مفهومه للحياة. أحس بقيمته كرجل منتج، وبأهمية القرش. بدأ
يتدخل في شؤون البيت، وألوان الطعام متجاوزاً رغبة الآخرين،
والأنكى أنه فرض مسؤوليته وهيمنته
على سلوكي. أخضعني إلى نظام مراقبة يومية لزجة صارمة، أوقعتني بإشكالية مزعجة
منها: حرماني من رؤية أحمد، والجامعة، والندوة، صبرت على نار ريثما تنجلي الغيمة
السوداء من تلقاء نفسها، غير أنها ظلت تحوم فوق رأسي باستكبار.
قررت المواجهة والصدام والتشبث
بمكاسبي، وإن قدر لي أن أموت فلأمت واقفة كما الأشجار التي تموت واقفة كما يقال:
ضممت شفتي بقسوة، وأضربت عن الطعام
والماء أثار وضعي الصحي أمي وأربك أبي سمعت صوته الحنون:
-تكلمي معها أم هشام. هنا دورك. قد
تموت العنيدة.
-أقفلت الباب بالمفتاح، كيف ألج
الغرفة. ردت بكآبة.
-أفهميها...والله، والله إن لم...
صرخت أمي:
-لا تقسم... لا تقسم كل شيء بالحسنى.
أترك الأمر لي.
خرجت من الصيام منهكة واهنة خوفاً
على مشاعر المسكينة والدتي. كانت أعصابي مرخية وإرادتي مهيضة.
ذات صباح باكر لفّه الصمت، تسللت إلى
المدرسة، أمضيت نهاري كاملاً غائبة عن البيت. ضربت عرض الحائط بتعليمات أخي ومن
خلفه العائلة. أراد الحرب، فلتكن. خلق سوء التفاهم فليتحمل. قبيل الإنصراف وجدت
صفاء في غرفة الإدارة.
إقتربت مبتسمة: سلمى صار لي ساعة
هنا. أين أنت، مريضة؟
ارتسم سؤال على وجهي.
-خير.
هزت مجلة بيدها. ثم نشرت مجلة الجندي
قرب النافذة. وأزاحت الستارة كي يدخل النور هتفت فرحة:
-انظري.. تمعني، إقرئي، اسم من هنا؟
ضحكت من قلبي المرتعش.
-اسمي، طبعاً
-قرأت قصتك ((واحدة منهن)) أهنئك.
فعلاً رائعة.
-إن هي، إلا محاولة تحبو.
-بل مؤشر، نقرأ في الأدب الإنكليزي
قصص جويس... ذكرتني به.
-أرجوك يا صفاء، لا تنفخي في رأسي
حتى لا يكبر فيتضخم، فيطق.. حينئذ..هوب..
-لا أمزح... قطبت جبينها.
-لا أراك في الجامعة.. ألا تحضرين
الدروس؟
خجلت، تلكأت:
-مهمة جديدة أضيفت إلى مسؤوليتي
كمعلمة. دخلت في لعبة الإدارة والتوجيه.
غامت عيناها لحظة، ثم تبسمت.
الإدارة تنظيم، لا يحتاج إلى كبير
موهبة.
تأملت زرقة عينيها الداكنة، والنمش
الطفيف على وجهها. أجبت بألم.
-يا صفاء، الجامعة تعني تفرغ. ونحن
نمر الآن في أزمة مادية قاهرة من بعد يسر وعز.
-لست وحدك، أنا أعيل أمّاً وحيدة
غريبة جاءت هذه الديار من الشرق البعيد.
حملها أبوها إلى شام شريف. أما كيف
نعيش. وندبر أنفسنا. فالطابق مستور.
أقبض راتباً من الدولة كسبته
بعلاماتي الجيدة في البكالوريا. دروس خصوصية في البيت، وها أنا ذي في المدرسة.
-أنتِ، صعقتني كلماتها. مثلك من تحمل
ذوقك وجمالك يرصع البرلنت أصابعها وتمشي على الذهب.
حدثت نفسي: يا الله.. هذه إنسانة
تعانق النجاح ويعانقها، مسؤولة عن إطعام وإكساء وإيواء أم وما تزال غضة. أنا من
أنا. أنا لم أقدر قرشاً واحداً لعائلتي. شعرت بالخزى وبشاعة أنانيتي.
-هل نترافق اليوم نحو الجامعة، المشي
جميل في هذا الشهر ما رأيك؟
-أحب نيسان، يبدو أن سرتنا قطعت على
حب الكتب، ما رأيك لو نتدرج نحو المكتبات. طريقنا واحدة.
نسيت همي. سرنا الهوينا في الطريق
المشمس. من بوابة الصالحية إلى مكتبة اليقظة التي تعرض أحدث الإصدارات.
انحرفنا نحو مدرسة التجهيز الأولى
للبنين. هاجمتنا رائحة الفلافل الزكية، من موقع في زاوية الشارع.
فكرت بأبيها الهارب الجبان الأناني
كيف فر وترك إبنة كالوردة تهاجم الصقيع ويهاجمها. ومن جهتها تساءلت صفاء: ما هي
علة أبيها هل مات، هل تزوج أخرى، هل انتحر، لابد أنه وقع في هوى أخرى. دوامة من
الأسئلة. لاح في بالي أحمد. وما كان ليغادر خاطري رغم شراسة أيام حبلى بالألم. ترى
لو سألتني عمن أعز وأحب هل يسعني أن أراوغ، ولا أصدقها القول؟
سرقت نظرة جانبية نحوها، دخلت هي
الأخرى في حوار مع ذاتها بدا في تقطيبة الحاجبين وشبه إبتسامة حول الفم. فقط حركة
إنقباض من أصابعها داخل الكف الجلدي الأسود تنبئ بالغليان.
مزقتُ الصمتُ:
-حلوة الجامعة.... جو آخر أليس كذلك؟
-أراها ثانوية كبيرة، لم أجد فيها
تغيراً جوهرياً.
-أعني، بمحاضراتها، بأساتذتها،
بإختلاط الجنسين، بعوامل عديدة قد تساعد على الانفلات من الحبل المشدود على
رقابنا، وبالتحديد رقاب البنات.
رمقتني بوداعة:
-أتظنين؟! لن تجدي هذا في شهادة الثقافة
العامة. مدجنة تفرغ دجاجاً وديكاً.
توقفت أستروح هواء دمشق الذي هب من
الربوة ودمر وفتح رئتي- يا الله.. ندهت:
سألتني:
-وماذا بعد الجامعة؟
ضحكت:
-الزواج، كأي بنت.
-سلمى هل ثمة رجل في حياتك؟
-لم يفاجئني قولها. كنت أتوقعه.
دقرت لحظة، وأجبت بسرعة كمن يفرغ حملاً
ثقيلاً عن قلبه:
-أجل. صحيح.
أطرقت برأسها إلى الأرض.
-أما أنا، فلا، حياتي صحراء، كلما
غمرني الغيث عطشت.
أيقنت بأن أمها وجمالها عثرة. صفاء
مشرنقة بالمعجبين، والمتزلفين، والطامعين. لا تدري بمن تثق.
عندما دخلنا الجامعة، تباعد الطلاب
عن دربنا نحو الحائط. لاحقتها عيون جائعة ورغبات مكبوتة كانت نقطة الضوء الباهرة
في مجموعة نجوم صغيرة كسفت نورها. تدرك بنظرة عجلى مدى سيطرتها على الجنس الآخر.
أرجأت حديث قلبها إلى وقت آخر فانكبت تلمع فكرها. تصقله، تصهره معرفة.
-أمن مكان نشرب القهوة؟
-النادي. هلمي بنا. نادي الطلاب. تقابل
إنسانان مشهوران على السلم الحجري العريض، استأثرا بشهقة حسد وإعجاب من الطلاب.
مدت صفاء يدها مصافحة:
-الأستاذة رندة، أستاذة الأدب
الإنكليزي. أول إمرأة دخلت سلك التدريس الجامعي في بلدنا وشاعر الحب نزار، أشهر من
نجمة. فجأة لمعت شرارة في العيون، لكنها ما لبثت أن أنطفأت في بؤبؤي صفاء. هنا
الشاعر بجوانيته إليها، أسدلت ستاراً من الوقار بينهما، اختفت صفاء الناعمة خلف
كبرياء قاسية، بينما ظلت عيناه تأكلان وجهها وشفتيها.
استدارت نحوي مكابرة:
-كلاهما موهوب، متفوق، يرنوان نحو
كتابة قصة حب خالدة لا تعترف بحدود وسدود وعمر.
وعلقت متجاهلة رفة القلب في وجهها.
-وأنتِ، أين أنت منهما؟
تنهدتْ:
-لا أدري؟ أنا ضائعة.. الآن تحتاجني
أمي الأرمل المسكينة تحتاج حبي.
غيرتُ الحديث عندما لحمت ((غادة))
تتأبط ذراع ابنة خالتها السمراء سمية. اقتربت مني بلهفة.
-سلمى
رن صوت دلع رقيق بناتي في أذني.
غادة، فاتنة الجامعة، عانقتني.
-سلمى، قرأت قصتك في مجلة الجندي
((واحدة منهن)) أنت الواحدة منهن.
تفرست في عينيها:
-أتمزحين يا غادة؟
-سلمى والله أعني ما أقول، لك ما
يميزك. وسترين.
- يا لحظي الرائع اليوم، صفاء وأنت؟
أعتز برأيكما.
-حذار يا سلمى من التراجع، اكتبي،
اكتبي ولا تتوقفي.
لم تكن غادة معروفة على صفحات
الجرائد بعد. كانت طالبة ذكية تحمل عيني سوداوين شبقتين إلى الحياة، تفهم محرك
العالم، ومحرك العالم هو الذي قبض عليه وحكى عنه وكرسه فرويد.
تطير غادة، تدور حول نفسها تخشّ
تنورة القش الزرقاء حول خصرها النحيل المرصوص بزنار مطاطي عريض، وتبتسم ابتسامة
مسرحية مدربة. انظري حولك. يخضعون جميعاً
لفرويد.. ضحكت وأنت يا سلمى لا تكذبي.
أنا أيضاً مع فرويد.
للجامعة رائحة خاصة، كما للسينما
رائحة خاصة في كياني. تصب الحياة فيهما بزخم فوّار. دخلت مدرج الجامعة متهيبة. من منبرها
نسمع أشد البيانات خطورة ومن منبرها يعلو صوت مفكر، ومعارض، وسياسي، مع دعوات إلى
لملمة تبرعات لحركة التحرير في الجزائر.
يندلق الطلاب رويداً رويداً حاملين
صخبهم، وحيويتهم، فوضاهم، راقبت هذا البحر الحيوي. ملأني فرحاً.. يقترب شاب من
المكبر.
يدق الطلاب على المقاعد.
-يعتذر أستاذ علم الاجتماع عن الحضور
اليوم بسبب إنعقاد مجلس الكلية.
-يا لحظي التعيس؟
انشلع من المدرج كغصن عابث. أحمل
كتبي وأمشي خائبة نحو البيت. تزاحمني الأفكار، أتذكر نورس بقامتها المنمنة
القصيرة، ونظرتها المتسائلة.
-أين وصلت؟
أعرفها، ترمي جملتها، وتتركها مفلوشة
منفرجة نحو معان عدة تطال في صميمها علاقتي بأحمد، بينما تظل أحاديثها الخاصة
ملجوجة في صدرها.
في الطريق فاحت رائحة الفلافل.
تساءلت: ماذا لو صدمني شخص أحمد الآن. ماذا لو رآني أخي عادل معه الآن؟ هل يغض
النظر؟ كيف أتصرف؟ تُراني أهرب؟ أم أواجه، أقاتل، ما عدت أعرف نفسي. شغلتني أفكاري
عن المسافة الطويلة التي قطعتها مشياً من
الجامعة حتى المهاجرين... أحسست بالتعب وبرغبة النوم إلى الأبد.
على مائدة الطعام بادرنا أبي بنبأ
طازج كرغيف تنوري ساخن وفواح.
-سأعود إلى عملي...
قرر المعهد الوطني، إعادة وتعويض كل
من سرحهم الفرنسيون إلى وظائفهم. قامت قيامتنا. هللنا وجعلنا نقبل أبي وأمي. علت
طرقات الملاعق فوق الصحون.
حاولت أمي كفكفة دموعها فما استطاعت.
إنسحبت من المائدة ناشجة.
خلقت التغيرات الحياتية عندنا
بخِطّها البياني المتأرجح خوفاً من الفرح ومن الحزن على حد سواء. فالضحك مخيف،
واللهو مخيف، والحزن يقف خلف الباب، فما كنا يوماً لنقبض على السرور حتى يقبض
الألم على خناقنا. نعود بعد فترة فنتفتح براعم خضراء طرية، ثم زهراً مثمراً لا
تلبث ريح أن تلفحه فيسقط. ما أشقى انساننا، وماأقوى صدامه. يظل أقوى من الممنوعات
ويتفوق على اللاءات ويخترق التحديات.
بم أحلم؟
غرفة ومطبخ وسقف يظللني في رأس جبل..
مع أحمد. تعاتبني نفسي هازئة.
-ما أبسط أحلامك.
-لست أحلامي بسيطة أبداً، بل متنامية
متكاثرة، كالخلية، تنشطر ثم تنشطر وتولد من جديد.
إذن، قولي له صراحة أحبك، أتلاشى في
لحظة لقائك معك أسمع تمزق الأنسجة في جسدي.. أحبك كما تحب إمرأة، كما تقدر إمرأة
على الحب.
تدعوني رائحة الجامعة. بدأت أضيق
بالجو المخنوق كمعلمة ضمن مدرسة محدودة بإطار معين.. فاعل ومفعول وجار ومجرور.
أهذا ما أريده حقيقة؟ فكرت في أن أهرب كتبت قصيدة نثرية جديدة ((سأعود بعد الحصار))
تحكي قصة عاشقة تتحايل بسلة تين تحملها لترى حبيبها.
((هززت مهد الصباح الرضيع/ صعدت
الجبل، في يمناي سلة من تين يداعب أذيال ثوبي الهفهاف نسيم وادع ممراح/ توقفت أمام
بيته تتنازعني الأفكار. يا لدهشتي: لقد أطل علي حبيبي/ تملأ فمه إبتسامة حانية.
فكرت فيما عساي أن أفعل؟ أأترك السلة وأعدو هاربة/ أم أتريث لأراه؟... أراه/ وبين
الرهب والرغب تركت سلتي وانطلقت أعدو.. /وركض خلفي صوت حبيبي: ((عودي)) فسمعت صوتي
يقول ((سأعود بعد الحصاد)).
نشرت مجلة دمشقية القصيدة النثرية.
لفتت النظر. دعاني محي الدين ((المشرف على إدارة الندوة الأدبية)) إلى التعرف على
شلة الندوة والمشاركة في أمسية مقبلة قد يحضرها عميد كلية الأداب ووكيل الجامعة،
وبعض الأساتذة بمناسبة عيد الجلاء.
في الندوة تعرفت على الأذكى عادل،
واسكندر، ونصر، وهيام وناديا وعيسى هشام وعبد الله وعبد العزيز عكست الندوة صورة
مصغرة عن النشاطات الثقافية والفنية التي أخذت تعج في العاصمة لكنها بقيت دون ناظم
فكري محدد موحد، تستحم بفوضى الانفلاش الفكري الفاغمة.
استهوتني الانطلاقة من اليومي إلى
المقبل.. لهذه الندوة ونكهتها الفجة، تحمل المشعل غير هيابة. أحياناً، كانت الكلمة
تجمل قوة الرصاص ذات طابع قومي وإشتراكي تفجر الأسئلة في الأذهان الطلابية
النظيفة. كيف، ولِمَ، ومتى؟.
ما إن تنتهي الأمسية، ويغلق آخرنا
خلفنا الباب حتى يلتم شملنا ثانية فنهبط إلى النادي.. تسبقنا أصواتنا المتشابكة
بنقاشٍ حاد محتدم حول موضوع الندوة، حول الوضع السياسي والعقبة التي فتّتت الأنظمة
الرجعية، نتحلق مثقفين وشباباً طلعة طلاباً كنا وطالبات: رجاء نورس فرات، رضى، محي
الدين فرحات، قتيبة، نبيه، أدهم، ناديا، عادل، نصر، عبد الله، عمران، هشام.
كلهم بدؤوا نشطاء برؤوس حامية وأرواح
فياضة ومشوا في دربٍ وعرٍ شاق متجاوزين مطبات الأنظمة والعهود والانقلابات،
والتطلعات نحو امتطاء المستحيل.. تلك صفحة مشرقة لعطاء مبكر قدمته قلوب عرفتها من
ذهب.
ماكان الخميس إلا موعداً ووعداً يرش
عطره عليهم. في أمسية لمحت أحمد بين الحاضرين يرعى الشتلات الصغيرة، وإلى جانبه
عادل ومحي الدين.
لكزني عبد الله باسماً:
-جاء المعلم.
أرد متضاحكة:
-جاء يرعى الشتلات الواعدة أمثالك.
-دعك من ضلالك وتعبيرك المعهود.
أتساءل بيني وبين نفسي:
-ما الذي جاء به؟ عن اهتمام جاء، أم
كن يترصد خطواتي ليعرف كيف أقضي وقتي ومع من؟ لم يذكره مرة أنه حريص على معرفة ما
يدور في ندوتنا التي حدثته عنها. مثل أبي الهول هو... صابر، كتوم، سري، خفي....
قررت أن أفوت عليه فرصة إنتصاره.
هرولت مسرعة التقط خطواتي قفزت فوق درجات السلم الحجري. وجدتني في الحديقة. تنفست
الهواء بعمق.
ربتت يد على كتفي. جفلت.
-سلمى، لم تركت الندوة هكذا ألن
تحضري النقاش؟
همهمت مستفهمة: وأنت؟
ضحك.
-قلب المحب دليله، هل أرافقك؟
تلكأت هنيهة، لعله قرأ ترددي.
أضاف:
-نسير حتى مدرسة التجهيز الأولى فقط.
ترافقت خطواتنا متناسقة متكاملة في
نصف العتمة يداً بيد، كتفاً بكتف سرنا. أميل عليه ويميل عليّ. جناحاي صلبان. لم
أشعر بالدنيا. ولا الدنيا شعرت بي. مخلوقة خفيفة أنا تسبح في فضاء هلامي وصلنا
التجهيز. خفق قلبانا بشدة. من يغادر أولاً. كلما هممنا تراجعنا. وكلما تراجعنا
هممنا. ودوماً نتقدم.
بركت فوق أول كرسي صادفته في البيت.
هجمت أمي تلفني بحنانها.
-تعبانة، زعلانة، بردانة، ما بك؟
صبت علي فواجع الأمراض جميعاً. وأنا
غارقة في لجة المنتهى. كيف أشرح لها ما بذاتي وهي الخاضعة أبداً لسطوة التقاليد،
كيف أزف لها صبوات صبية عاشقة يتفجر الهوى في شرايينها، ولا يلقى مسيلاً له؟
غنت لورد كّاش في مسمعي: ((آمنت
بالله))
ترنمت: آمنت بالله. تكومت بعضي على
بعض وغفوت فوق الأريكة.
ربت أخي سامي على كتفي. كفى استرخاء.
لن تستطيعي النوم في الليل. أجبت وأنا ناعسة:
-عندي دراسة. وتلخيص، سأسهر الليل.
-تسهرين الليل، من أجل ماذا؟
تيقظت أعصابي كلها.
-من أجل الجامعة.
-جامعة طز في ستين جامعة.. هذه الحال
لم تعد تعجبني.
نهضت مثل لبوة أمعن النظر في خلقته..
أطلق من جهته صراخاً في خلقتي:
-بلا جامعة، بلا بطيخ.. دوام مسائي،
وعودة متأخرة... جنون هذا... ما عندنا بنات من هذا الصنف.
زعقت، انتفضت، لسعتني أفعى هيأتني
للشجار.
-نعم، نعم؟ لم أسمع. أعدها مرة
ثانية.. أنا لست جارية في بيتك وتنصاع لقوانينك المتخلفة. أعماني الغضب فأخذت
أرتجف.
رفع يده، وهوى بصفعة رنانة على وجهي،
أفقدتني توازني. شعرت بطعم مالح في فمي.. وبأقصى ما أملك من قوة وصبر وفوران
السنوات السابقة ركلته على بطنه. أنّ متوجعاً. هجمت على وجهه خرمشته بأظافري. سال
خيط رفيع من الدم من أظافري.
اندفع كل من في البيت نحونا... صراخ،
هلع. كنت أبكي وأنشج بحرقة الخيبة. أضرب الجدران بجسدي ورأسي... دارت الدنيا بي،
لم أعد أرى أحداً، أسمع أحداً، كل العائلة تجمعت أمامي في وجه واحد بشع، قاسٍ
معاد.
عندما أويت إلى سريري، جفت دموعي.
أضحت قاسية صلبة. تشنجت ملامحي. مقاتلة أنا أضحيت.. هذه معركتي ولن أتراجع..
لم أنم حاولت أن أقرأ فلم أعِ ما قرأتأأت...
مثُل أخي أمام عيني.. هل يعقل أنني فعلت ما فعلت معه، وهل يعقل أن أعود نعجة
يسيّرها هو أو غيره كما يريد.
ينشر الليل ظله. يخبئني، يطويني تحت
جناحه الأسود. أبوح بين يديه بما بقلبي متحررة، منطلقة، وأكتب على لوح خاطري، ما
في خاطري.
رغم الأقفال خابرني أحمد:
-وصلت المنشورات التي تدعو لانتخابات
حرة ديمقراطية تشمل اليمين واليسار معاً.
-إنتخابات حقيقية؟ يعني تخلص الزعماء
الكبار من عقدة الأبوة. إسمع، قد تكون هدنة مؤقتة تخدم هدفاً ما.
-لم لا؟
-ولكن الأيام حبلى بثارات وتطلعات
وعمالة وإنتماءات. هل ننسى.؟
أضاءت تلك الدعوة المباركة مصباحاً
في درب وعر المسالك بدأ تعبيده ملأت الإعلانات الجدران والأعمدة الكهربائية
وواجهات المحلات. إعترضت الشوارع يافطات خامية بيضاء كتب عليها بالأسود والأحمر: ((لا
للأحلاف، لا للمؤامرات، لا للعملاء)) من يعارض هذه الشعارات؟
ملَّ الشعب الانقلابات المتوالية
التي أورثته الإنقسامات والفوضى، وجردته من إنتماءاته الواضحة. بات أشد وعياً،
وأكثر حذراً في إندفاعاته العاطفية. يريد أن يجرب طعماً آخر للسياسة، طعم
الديمقراطية الصحيحة.
ضمت قوائم المرشحين فئات من أقصى
اليسار إلى أقصى اليمين المتطرف المحافظ. تثور الجامعة بخطب رنانة متعصبة لأفكار
أصحابها، ترفع شعاراً تصب في مطلب رئيسي: ((الديمقراطية))... ديموقراطية بألوان
متباينة بالطبع.
إزدحمت الحديقة الجامعية بالطلاب،
وقف نشأت طالب الطب على سلم النادي خطيباً ثم تناول الحديث يعقوب طالب الحقوق،
صياح طالب الآداب. وقفت خلفهم بنات متحمسات، منطلقات. تحدث الخطباء واحداً إثر
واحد، ناشدوا الطلبة بالسعي على إنجاح الإنتخابات المقبلة ورص الصفوف، والتصدي لأي
دخيل قد يزرع الفوضى أو البلبلة في طريقها.. كنت مستمعة لا تزال ترزح تحت وطأة
الصدمة التي تلقتها في البيت.. فكرت:
-لماذا الطلاب والعمال هم الوقود
الحقيقي المستمر، والوجه المضيء الذي يدفع الثمن ويدفع به إلى الصفوف الأولى في
ثورات العالم؟ ظل سؤالي معلقاً.
خلف السور الحديدي والباب المغلق
للجامعة وقفت ثلة من الشرطة لم يسمح لها بالدخول.
أدى المؤتمر العشرون في زمن خروتشوف
والتطورات السياسية الجديدة إلى انفتاح
البعثيين على الاتحاد السوفييتي وإنجاح الفئة اليسارية في الإنتخابات.
إنكسر الوهم. نبذت البلد الدعاية
الأمريكية التي أججت نيران الحقد عند الأنقياء البسطاء ضد بلاد الموسكوف. بدأت
روسيا الإشتراكية تفك الأغلال والأقفال عن شعوبها، وتفتح قلبها لاستقبال آلاف
الناس القادمين من بلادٍ غمرتها الأسئلة اللاذعة حول تجربة تاريخية امتد لهيبها
على نصف الكرة الأرضية.
دعا الإتحاد السوفييتي إلى ما سماه
((المهرجان العالمي الأول للشبيبة)) في لقاء أسطوري يجمع مختلف الألوان والمذاهب والعقائد والأجناس. في
المهرجان ستقدم مختلف الفعاليات والأنشطة والمسابقات: قصة، شعر وموسيقى، وغناء.
وفرق للرقص الشعبي تحمل تراث وتقاليد أمتها.
دفعني أحمد بقوله:
-سلمى، لم لا تشاركين في مسابقة
القصة لشباب العالم. تقدمي بقصة ((واحدة منهن)) شروط المسابقة واضحة. أن تكون
مترجمة لإحدى اللغتين الفرنسية أو الإنكليزية.
-سأغير العنوان ليصبح الورقة
الصفراء... ما رأيك؟
-فكرة، يؤدي المعنى.
-من يترجمها؟
-أنا أترجمها إلى الفرنسية. انبرى
متفائلاً.
غمرني خوف، فأنا بطبعي أخشى الفشل.
-وإذا فشلتُ
-فشلتِ، فشلتِ، ما المشكلة، هز كتفيه
لا مبالياً.
صفنت قليلاً. ملأتني أحلام النجاح،
أحسست بجذوري تتمدد في شرايين البلد. هجمت عليه، قبلته، عانقته.
-هل يسمح وقتك؟ دقرت أستشف صدى
كلماتي.
أطرق برأسه إلى الأرض متبرماً.
-لدي كل الوقت.
يحيرني هذا الحبيب، يضعني في حلبة
سباق مع الزمن وأنا لا أجيد الركض والقفز العالي، ألا يتعب؟
-سألني:
-أتودين المشاركة بمهرجان موسكو مع
شبان الجامعة. لديك فرصة كبيرة، أصبح اسمك معروفاً.
-أنت تمزح.
-لِمَ لا، حاولي، وسأحاول من جهتي.
سأسافر قريباً إلى بلغاريا لحضور العيد الوطني ومن هناك أتابع إلى موسكو. من يدري؟
وضحك.
تركني وحدي أواجه تحدياً، وقفزة
نوعية قد تودي بي إلى كسر رقبتي.
-يا إلهي، يا إلهي، هل أقوى؟
لا تقارب المشكلة هذه المرة أية
مشكلة أخرى، فإن تخطيت أشدها وعورةً وتملصت من الإنزلاق في هاوية الرضوخ حتى الآن،
فهذا لا يعني إطلاقاً بأن الحظ سيحالفني دوماً. السؤال الصعب الذي يطرح نفسه: كيف
أمهد السبيل مع عقول تؤمن بأن الإتحاد السوفييتي بلد الفسق والإلحاد وشيوع النساء،
وأن الأطفال أطفال الدولة، كيف أفسر لأهلي بأنها دعايات خلقتها وأشاعتها
الرأسمالية الغربية خوفاً من مدٍّ إشتراكي شعبي يرعبها ويهدد مصالحها في الشرق
الأوسط؟
كيف أباغتهم بطلبي هذا الذي لم يجرؤ
عليه إخوتي الشباب وآخرهم سامي الذي تلفح بعقلية تويجر.
اهتديت إلى أسلوب المباغتة. المباغتة
في الحرب طريق النصر نفضت أمام أهلي ما بجعبتي مرة واحدة.
-إختارتني الجامعة مع عدد من
الطالبات لتمثيلها في مهرجان موسكو، وهذه ميزة كبيرة وفرصة قد لا أنالها في سنوات
مقبلة.
استدرت متراجعة متشاغلة حتى لاتقع
عيني في أعينهم الدَهِشة لحظتها لن يسعني الانفلات من شباكها.
سمعت أمي:
-ما هذه البنت المجنونة- تطلع كل يوم
بفن جديد، تود لو تأكل الدنيا وتهبجها ليتها تزوجت ذاك البدوي، وبقي همها في قلب
زوجها. والله أنا خائفة عليها.
لم يرد والدي، ولم ينبس بكلمة. هل
سيجري عليّ الحد، ويمنعني من مغادرة البيت إلى الجامعة مثلما ود أخي لو يفعل؟ لعله
سئم تمردي. ماذا يبيت في سريرته؟ يلتزم صمتاً مريباً يطول، وقلبي يخفق ويخفق..
نجاحي وفشلي على كف عفريت..
لبث في زاوية أتنصت. لم أسمع شيئاً،
هربت إلى غرفتي، وفتحت كتبي، حاولت أن ألخص أفكاراً ليونع، وآدلر، اشتغلت بهمة
فائقة حتى خارت قواي، وتعبت عيناي ها قد دخل حياتي عامل آخر. السفر.
هل أسافر، أم لا أسافر....
من أجل أن أخفف من قلقي قرأت شيئاً
من غوركي في الأم مرة أخرى، ومقاطع من الحرب والسلام لتولستوي، فاجأتني روعة
العبقرية وصلابة الإنسان، كما أرعبتني سهوب سيبريا وصليل سلال ديستويفسكي.
-ترى كم مر على الإنسانية من حكام
وظلام وقطاع طرق نهبوا الأخضر واليابس.
من غرائب الصدف غير المقولة، أن تنقر
دجاجة رأس ديك. عارض أخي عادل، ودعمتني أختي هدى التي جاءتنا ضيفة لمدة يومين في
طريقها إلى مصايف بيروت.
أصبت بالإحباط من موقف عادل الإنسان
المثقف الهادي الذي يناقش وينظّر بخط قومي عربي مع أستاذه ميشيل... أخي عادل
المثقف المتفتح وصفني بالتهور والأنانية.
بدت ثورته العارمة غير خاضعة لأي
منطق. فجأة تحجر عقله وتبخرت نظرياته المبثوثة في زوايا الصحف حول دور المرأة
الرفيقة في نهضة الأمة. وحلت محلها تقطيبة دائمة بين العنين. أعقبها صمت وقطيعة
شبه كاملتين. لم يعد الحامي من شطحات هشام الفقاعية. بل أضحى المتسلط الذي يشن
الهجوم المركز آن يستطيع ذلك حتى يثبط همتي. قلبت الأمور على وجوه عدة علني أجد
تفسيراً لتحولاته.
-هل يخاف الجريء على اسمه من أخت
ستسافر إلى بلدٍ شيوعي لا يعرف الأخ أخته فيه وإلى مجتمع مجهول ملحد مليء
بالأخطاء. هل يخشى على منطلقاته التحررية من الإنهيار؟ ناقشت الأسئلة جميعاً.
زادني الازورار عناداً وتشبثاً. ورحت أرتب أموري شيئاً فشيئاً، فما عدت ألتقيه على
مائدة الطعام، أو في سهرة العائلة، خلقتنا جواً تعيساً في البيت لم يرض عنه والدي.
من جانبي بدأت انحت بإزميل دقيق حاد
في تزمت عادل أمام العائلة وأتكتك مع أبي. ناقشنا الإحتمالات. وجدتني أدخل في
دوامة محكمة صارمة وأمثل أمام قاض. قمت بدور المحامي بجدارة، تطوي الأيام أحلامي
وأنا أحارب على عدة جبهات محرومة من الجامعة والمدرسة ومنبوذة في البيت ضمن عشيرة
في قلب قبيلة لا تؤمن حقيقة بجوهر حرية المرأة إلا من خلال الكتب النظرية.
يشد أحمد أزري حتى لا ترتخي قوتي. برزت هدى بكل ثقلها وروائها
وهمينتها على العائلة التي غادرتها صغيرة لتعيش في جوٍ آخر تحوطها الأبهة
والارستوقراطية. رغم هذه المظاهر التي تستميت تحت أقدام المراسم، رغم هذه التبعية
الخالصة مدت لي أملاً حريرياً، ويداً أتوكأ عليها في نقلتي تلك، وتطلعني نحو
السفر، نحو الأفق البعيد.
أعلنت عن رأيها بصراحة وثقة أمام
الجميع. مهدت لحديثها بأمثلة كثيرة عن البنات والسيدات اللواتي يقمن بأدوار راقية
تعلو فوق المطبخ وإنجاب الأولاد والتنظيف.
-بابا، يجب أن تنزع سدادة الفلين عن
طموح سلمى. بابا الحياة لا تعود إلى الوراء في زمنٍ دخلت فيه المرأة ميدان العمل،
وخلعت الحجاب، هل تصدق أنني أدرس البروفيه مع أولادي هذه السنة سأتبعها
بالبكالوريا فالجامعة.. زوجي معي خلف كل خطوة صالحة أرجوها. فلماذا نكبت طموح زهرة
متفتحة نحو الجيد من اللامألوف؟
استدارت نحو أمي:
-ماما سلمى، مختلفة عنا، إتخذت
طريقاً، ما يسعدنا قد لا يفرحها ثم قامت من مكانها، وقبلتها من رقبتها، ودغدغتها
من خاصرتها. سألتها.
-أما كنت تحلمين بالسفر؟ يجب أن
تتعرف سلمى على العالم. وهذه فرصة لإختراق ألوان قوس قزح في سماء أخرى. صارت حكيمة
نفسها فلتواجه التيار وأنا على ثقة أنها ستطفو أما إذا أخطأت فعندئذٍ الحساب.
-هكذا ببساطة؟ ردت الوالدة.
أفعمتني الدهشة. بل سحرني بيانها. لم
أصدق ما سمعته أذني. هذا المنطق، وتلك القدرة على الإقناع أين كانا، لم تخبأت هذه
المرأة خلف الأستار طويلاً، ولماذا ابتعدت عني، وتركتني أواجه المشكلات وحدي. ما
هذه الأحجية؟ ما أغباني عندما فتحت عيني على الدنيا ولم أجدها، ظننتها ماتت،
رأيتها صبية مدللة بين يدي زوج يتقدمها بأشواط في العمر. يضحك بمقدار، ويأكل
بمقدار. إعتبرتها ميتة. كيف استطاعت أن تنتشل نفسها من سلاسل الرسميات، والدعوات
والنوادي المختلطة؟ وَعَتْ ذاتها وحققت شخصيتها من حيث لم تحتسب، ولا نتخيل البنت
المدللة وقد صارت ربة عائلة وسيدة نفسها. هل أرادت أن تحقق المزيد من ذاتها من
خلالي. أم تنتقم من إرث بالٍ حال دون استمتاعها بطفولة بريئة؟ أم أن تلك الحياة
الأرستوقراطية لم تكن حقاً فارغة ولا تافهة كما ظننت، وإنما أكسبتها صقلاً رائعاً
أضيف إلى ثقافتها الأجنبية الأولية؟
غادر ((عادل)) بمهمة مجهولة إلى
المحافظات في وقت كنت بأشد الحاجة إلى غيابه.. تنفست الصعداء.. فقد فك أسري،
وانفكت عقد العائلة.
ثبّتت دعوتي إلى مهرجان الشبيبة
ككاتبة شابة.
قرر أبي السماح بسفري، لكن ليس قبل
تأكده من أن الوفد يضم العديد من البنات ومن السيدات المعروفات.. وفاض علي فزودني
بالرسم الرمزي للرحلة وأجرة السفر: أربعمئة وخمسين ليرة سورية.
ملأت هدى حقيبتي الجلدية الرمادية
بالهدايا دون أن أدري، هدايا شامية، علب موزاييك، أقراط فضة مشغولة بصبر الدمشقي
الفنان، قطع بروكار، عباءات مقصبة.
تذللت فجأة كل العقبات، لم تعد الأرض
تحملني، صارت الرحلة هوس ليلي ونهاري. دارت برأسي الأحلام. حرة طليقة أنا، سيدة
قراري، ما من رقباء، ولا تعاليم...
بحر وماء وسماء، اللاذقية، البوسفور،
أوربا، ثم موسكو بالقطار، سأتفرج على العالم، أناجي القمر حرة مع أصدقاء العمر...
بيدي هاتين أمسك زمام أموري.
في السابعة مساء، التقت جموع
المسافرين في ساحة المرجة، هرج مرج وتجمع الباصات وكأننا في عيد.
لوحت لأبي وهدى من النافذة، لم أصدق
أنني وحدي، وحدي دفعة واحدة، ومن عرين الأسد أخرج؟
تحرك ركبنا في أجمل ليلة صيفية
مقمرة، هب نسيم عليل، وبدأ الشاعر محمد حديثه الضاحك، تفنن في رمي النكات الساخرة،
ما هي إلا لحظات حتى استقطب ركاب الحافلة فالتفوا حولنا ليشاركوا معنا في ايقاد
الفرح والظرف، النكتة تلو النكتة.
صباحاً شممنا رائحة البحر، رائحة
السمك، أجمل بحر في العالم، بحر اللاذقية، صفحة زيت تجعدت بشرتها بنسائم لطيفة،
قرب الشاطئ ربضت باخرة بيضاء أطل من سطحها بحارة بلباسهم الرسمي، رفرفت أعلام
وزينات، وعلا مكبر صوت باستقبال موسيقي مهيب.
من سطح الباخرة بدا صف من الملاحين
الشباب يتقدمهم الربان.
تجمعنا أمام السلم المرخى، وقفنا
ننتظر التوزيع، نادوا علينا بالأسماء، وجدتني في حجرة ضيقة بنافذة مدورة تلطمها
الأمواج تتسع لسريرين نضدا فوق بعضهما.
فوجئت بزميلة الندوة ناديا في الحجرة
ذاتها، مع انطلاقة الباخرة هرعنا عشرات إلى السطح نتفرج على اللاذقية مستحمة بشمس
الصباح وتبتعد عنا، فما غفوت بعض الوقت حتى صحوت على آلام في بطني ودوار في رأسي.
غالبته فغلبني، نهضت فدارت بي
الدنيا، تشبثت بالباب، لم أعد أميز ما حولي، لم يوفرني دوار البحر أبداً منذ
اللحظة الأولى للسفر، مثلي تساقط الرفاق واحداً تلو الآخر، والبحر يستل رويداً
رويداً القوة من أبداننا ويتركنا في حالٍ من الإنهاك والصفرة البشعة، عمل البحر
ضدنا ثلاثة أيام متوالية.
اكتشاف تلو الإكتشاف، ووجوه تترى خلف
وجوه، وصداقات تعقد، والسفر أحلى كشاف لنفسية الناس، تبادلنا العناوين والأحاديث
حول موائد الطعام، وتأرجحنا مع اهتزازات السفينة فوق موج البحر الأسود، شاهدنا
شروق الشمس وغروبها وراقبنا في الليالي القمراء السمك بتقافز فوق الماء، يماشي
سفينتنا ويناكدنا، ويماحكنا، يدعونا إلى الغوص معه، ثم يمل أعيننا، فيغيب، مع آخر
فجر أرخيت المرساة عند قدمي أوديسا المتعالية ببيوتها الجميلة وسلالمها الحجرية
المحفورة في التلال المشرفة على الطريق الملتف بطبيعته الخلابة، بدت أوديسا منارة
مضاءة بنجوم متلألئة عبر بيوت الناس، تنسرب ألحان راقصة من مؤخرة السفينة تطلق
وداعها الفرح بوجوه مستبشرة منطلقة، يرقص البحارة ويدورون، ينتشون، يتسلل الوجد
إلى أفئدتنا، نحاول أن نغني جماعياً، ولكننا لا نجيد الغناء، نحاول أن نرقص، فلا
نعرف كيف نرقص، فقط نعرف كيف نحزن، ونأسى ونبكي، شعرت بطعم المرارة في فمي.. هل
حقاً سألتقي أحمد في موسكو.
تجولنا في المدينة الرائعة في طريق
مسلط على البحر ثم انقلنا إلى محطة القطار، كان القطار أنيقاً جداً تشع النظافة من
ثياب الأسرة الجديدة والستائر البيضاء المنسدلة على النوافذ، أكسبتنا المظاهر
الحضارية راحة نفسية، تهالكنا على المقاعد، وقد عضنا الجوع، رتبنا حقائبنا، ومشينا
نبحث عن المطعم، اجتزنا عربات كثيرة، في مقطورة المطعم كانت في انتظاري مفاجأة...
وجدتني أمام أحمد... هل أفرك عيني؟
أحمد بشحمه ولحمه أمامي مع الشاعر سليمان، يا إلهي، كيف يفاجئني على هذا النحو؟
تجمدت مصلوبة في مكاني وإذ شعر هو بحرج موقفي نهض عن كرسيه واتجه نحوي.
-الحمد لله على السلامة.. سبقتك
بليلة كاملة.
-لم أجد كلمات أعبر بها عن دهشتي
وفرحتي في آن واحد. أخذ بيدي وجلسنا إلى مائدة.
-أنت سادي.
تدخل سليمان وهو يراقب الموقف الغريب
باسماً:
-قلت له ذلك قبلك.
-ألا يفرحك حضوري؟ على كل حال، اسمعي
التقيت بشاعرنا سليمان في صوفيا، وطلبنا من مضيفينا البلغار إيصالنا إلى أوديسا
لنرافقكم بدلاً من نقلنا إلى موسكو مباشرة.
-هكذا إذاً.
-أما كانت فكرة حلوة؟ أخذنا الطريق
مقاطعة.. واقترب مني هامساً: من أجلك... ما عاد بي صبر على فراقك.
-شد كرسي نحوه، وأجلسني قربه، قبلني
كعراب أمام الجميع.
نبرت خجلة:
-أراك تأقلمت مع جو صوفيا، وهات يا
حرية؟
-يا ستي تأثرت، عندك مانع...
-ضحك سليمان وقال:
-ما رأيت حبيبين إلا تخاصما.
تفرست في وجه أحمد:
-خمسة عشر يوماً أعادتك إلي رشيقاً.
تلمس صدره بيده، ثم قهقه:
-رأيت نحولي، ولم تلحظي اشتياقي، حظ
عاثر؟
ضحكنا ثلاثتنا.
-نشرب القهوة؟
-بل أنا جائعة.
دفعني من كوعي، تملص سليمان من
رفقتنا بلباقة بعد تناول الطعام مباشرة.
-إيه، أخيراً وحدنا لارقيب ولا نظير.
-لا يعرف الطائر الحبيس ماذا يفعل
بحريته، نبست.
-انس نفسك، ومن أنتِ. تنشقي الحرية بملء رئتيك.
وضع يده فوق يدي على الطاولة.
-مرحباً أستاذ أحمد.
ألقت ((نادرة)) تحيتها الخبيثة،
وكأنها تسجل نقطة علينا.
جلسنا قرب النافذة الملمعة، نحتسي
القهوة نطيل بقاءها في حلقنا، ونمتصها قطرة قطرة... غرقنا في لهفة التعبير، وتعثر
التعبير، عاد يمسك كفي ويعصره.
-تأكلنا العيون...
-دعيها... فلتأكل جوعها...
-قال بعد قليل ونظرته تعبر النافذة
الصغيرة المستدير.
-ما هي سوى أيام نقتنصها من فم
السبع.. بها نختصر حياة. الآن بدأ عمرنا هكذا يجب أن تفكري، كفانا تشرداً، وملاحقة
وخوفاً، أنت لي، وأنا لك.
هززت رأسي وجلة.
-هل رأيت بقية الرفاق؟
-جميعاً، إلا ليان، لم أره... البقية
رافقوني من دمشق حتى اللاذقية في الباص ذاته.
لكزني من كتفي منبهاً.
اقترب منا ثلاثة شبان، بنتان
سمراوان، وشاب منمنم، نهض أحمد مسلماً ومعرفاً.
-أهلاً بناديا بطلة الغساني، ونينا.
سهيل أصغر وأذكى مترجم في سوريا.
من ينسى سالومي؟
-تشرفنا: ابتسمت بود.
تعارفنا، توافقنا، ولم نفترق طوال
الرحلة.
عدت إلى سريري، وجدت مدرسة التاريخ
وقد لطخت الوجنتين بالأحمر الفاقع. تعثرت في رحلتي تلك بنماذج إنسانية متنوعة،
مختلفة المشارب والأهواء تحتاج إلى صفحات، أحببتها بأخطائها، وعقدها ومحاسنها،
بإقبالها وإدبارها، كلنا سواء، نحمل رواسبنا أنى حللنا ولا ننسى شرقيتنا تكومت،
غفوت على هدهدة القطار.
في الصباح، غيرت ملابسي، وتوجهت نحو
المطعم، وجدت أحمد بين مجموعة من رفاقه. حنا، شوقي، ناديا، محمد، سهيل، نينا،
شحادة.
-تتهادى هناء كنار الرحلة، بقامة
مهيبة، بيضاء غضة، مفعمة بالأنوثة، تتحرك بدلال، دارت بعينيها الزرقاويين على
الحاضرين ثم ارتدت خائبة.
علقت نايا بخفة:
-فشلت جولتها الصباحية، فتاها غائب
يعلم الله أين حط ومع من.
-تقصدين الضخم بطل الكمال الجسماني؟
سأل حنا مغتاظاً.
قام عن كرسيه، لحق بها، رص على
أسنانه، يطحن غيظه، يود أن يمزقها يشتمها، نبر بصوت متهدج: يحرق.... د.....
شده أحمد من كم قميصه مداعباً: ومن
الحب ما قتل، بهدلتنا يا رجل، تماسك، لم تتعب نفسك، ليست لك، عندها رفيق حلو جميل
ولست مثله.
يغرس حنا عينيه يائساً في وجوه رفاقه
وفي حبات المسبحة المرمية على الطاولة، يكورها بين كفيه، يضغطها... يتنفس ببطء:
والله ذبحتني، يحرق د... تعرف نفسها،
وتعرفني تريد أن تقتلني أن تمزقني، ذبحتني... والله ذبحتني أنا متهالك أمام هكذا
جسد، اتركوني، وحدي بالله عليكم،
ولكنه هو من ترك الطاولة،... غابت
قامته بين المجموع.
انضم سليمان إلينا...
-حرملك، وسلاملك هنا، ومثلها
هناك.... مللت هذه الرحلة بالله.
-دعنا من أحاديث البنات والشباب، ما
الجديد في الشعر؟
-((برتقالي معلق)) قصيدة جديدة، غداً
نصل موسكو، وفي ساحة الكرملين وتحت القبة الزرقاء.. حيث لاتنام موسكو، ولا تعرف
الليل، سأسمعكم إياها.
-وعد؟
-وعد.
أشعل سيكارة... طاتلي سرت....وسار
الهوينا نحو عربة التدخين. تدعونا أنغام الموسيقى، نركض معاً، نتكاثر في المطعم،
فجأة ينزلق من وفدنا جسدان غضان يرقصان، سرت عداوهما إلينا، حاولنا أن نحرك
أرجلنا، مسحت صدري بيدي، لأجفف العرق، فالجو حار خانق، والقطار يخب ويكاد يغيب
صوته. وصلنا محطة أخرى.
امتلأت عربات القطار بأنواع الورود،
دارت رؤوسنا من رائحة الأزاهير، تجمع في المحطة مئات الناس نساء ورجالاً تحت المطر
الغزير الصيفي، يرفعون رايات الترحيب، ينشدون أغان روسية حميمة، لا يمكن أن
نفهمها، ولا نستطيع أن نستوعب معانيها وأمداءها، غمرتنا المشاعر العميقة فبكينا،
تساءلت:
-هل يقبل الإنسان على إنسان غريب
بهذه اللهفة، هل تختلط الدماء مع الماء يوماً ليصبح الجميع أخوة، لا حرب، ولا
مؤامرات، ولا أسلحة، ولا قنبلة ذرية، مستجيبين لنداء السلم، يا لهؤلاء البشر، أية
قوة ديناميكية تحرك عواطفهم، وتدفعهم في الليل والنهار وتحت المطر كي يقفوا
الساعات الطوال في المحطة وليهتفوا لنا كفاتحين.
((مير.... دروجبا))) سلام صداقة
ماذا تريد الشعوب أكثر من سلام وخبز
وماء وحب وحرية...؟!
سماء زرقاء، طقس ربيعي في صباح موسكو
تجمعنا في ساحة كبيرة توسطت الفنادق المعدة لاستقبال الوفود، تفقدنا حقائبنا، ضم
فندق الوفد السوري غرفاً لا نهاية لها. صالون كبير أفضى بنا إلى متاهة دهاليز
امتدت طولاً وعرضاً التفت من حول طوابق حديثة بيضاء مثل الثلج، توزعنا الغرف
بالأسماء.
أنا، وعفاف، ومنيرة باقة منسجمة
امتدت جذور معرفتها إلى مقاعد الدراسة الإبتدائية.
ارتميت على سريري اتفقده، اتشمم
رائحة النظافة المنعشة على الشراشف البيضاء.
تباعد عن وعيي حديث الصديقتين، ورحت
في سابع نوم حتى صباح اليوم التالي، شبعت نوماً وراحة، هرولت فرحة نحو الشلة، كانت
بينهما الجثة الهائلة لصديق الكل، وحبيب الكل مئة و عشرون كيلو من الطيبة وروح
النكتة وخفة الدم.
قلت ممازحة بلهجة تمثيلية بطيئة
متوجهة إليه:
-لتكن دليلنا ونقطة تلاقينا يا
محمد.. الحيز الذي تشغله شكل نقطة علام حيثما كنت.... ضعنا ضمن الزحمة في هكذا
متاهة.
تنحنح في مقعده وخلص جسده منه
بصعوبة:
-من أجل عينيك، ونكاية بهذا الذئب
أحمد أنا حاضر.
مد لي يده السمينة كنبيل فرنسي ومددت
يدي. علق أحمد ضاحكاً:
-أين أين يا جماعة نحن هنا؟ نحن
هنا....
ضمن التنظيمات الهائلة للمهرجان خصصت
لكل مجموعة عرقية وجغرافية مطاعم تناسبها.
وجدنا أنفسنا ضمن مطعم سوري بكل
أطايبه ورائحته، ومطبخه، تجولنا في المطاعم الأخرى، هذا فرنسي، وذاك إنكليزي، وذاك
صيني، لكل وفد ذوقه وطعامه. بين الجموع المتلاطمة صدمت بالأستاذ ((رفيق)) صاحب
سوسن التي قتلت على عتبة المدرسة يتأبط ذراع طباخة روسية قمئية قصيرة، تذكرت
الرسائل الزهرية، ولعله تذكرها، احمر وجهه خجلاً.
وقفت مشدوهة أمام حرارة لقائه.
-أهلاً سلمى، يا للمفاجأة الرائعة؟
انغمسنا بلقاءات ثقافية وفنية معدة
مسبقاً، لقاء تاريخي مع ((بولغانين)) بحضور سفيرنا الدكتور جمال، والأستاذ خالد
والتلفزيون، وجهاً لوجه مع الزعيم السياسي الذي أوقف الاعتداء على مصر إثر تأميم
قناة السويس عام ست وخمسين وتسعمئة وألف.
رمى نكات غير متوقعة، وضحك ببساطة
آسرة نابعة من بساطة الإنسان الطيب لشعب طيب.
كرّم الشعبُ الطيب شعبنا الطيب. رأيت
على المسارح الكثيرة المتناثرة بين الأحياء، وجهاً سورياً، وفي اللقاء الثقافي
وجهاً سورياً، وفي المعارض الفنية وجهاً سورياً، خمسة عشر يوماً من الأعياد
المتواصلة المتكاملة التي لم يبهت لونها، وأخيراً أقيم حفل الختام في الكرملين،
قصر القياصرة، والأباطرة، والثوريين، آلاف من سحنٍ مختلفة رقصت على أغنية المهرجان
((مساء موسكو))، موسكو فيتشر.
هيمن الانبهار علينا، تساءلنا بخشوع
هل داست هذه الحدائق أقدام ايفان الرهيب، هل، هل،.....؟
بطلب من إذاعي سوري يعمل هناك سجلت
بصوتي قصة ((الورقة الصفراء)) اشتريت إسطوانات كلاسيكية لعباقرة الموسيقى.
لا يقوى وصفي أو قلمي على الإلمام
بالغنى النفسي الكبير الذي اختزنته ذاكرتي من تلك الرحلة، حملت تجربة لا يعدلها ما
قرأت من كتب، وحكايا إلى آخر العمر، التواصل الإنساني، التواشج، الصدق، في عالم
مغاير لعالمنا، بعيد عن عاداتنا، وتقاليدنا، قريب من طيبتنا واستمرارنا وصراعنا
وحبنا للحياة... فجأة انساحت القارات بحب في هذا المهرجان، وافعمت روحي هوى
بالحرية وباستقلال الإرادة.
رجعت إلى بلادي، إلى جوي، كنت سعيدة،
ممتلئة حتى آخر قطرة ممكنة.. لا شيء، لا شيء، وما من أحد يمكن أن يعيدني إلى
القمقم بعد الذي عشت ورأيت.
بدأت أتعرف على مهنة الكتابة كحرفة
موازية لدارستي في كلية الأدب، فلم أعد مجرد هاوية تغتبط برسم اسمها على صفحات
الجرائد، ربصت الكتابة بثقلها فوق كاهلي،
أصبحت مسؤولة عما أكتب، أحاسب،
وأنقد، وأقدم توضيحاً لأفكاري.
أيقنت بعد محاولات جدية، أن الأدب
ليس كتاباً يقرأ، ولا قصيدة ممتعة، ولا حديث عابر.
أريد، أحب، أرغب بزاوية لي في صحيفة،
غير أن الصحف في بلدي تلتهم العمل الفني التهاماً دون أجر، وعلى المرء أن يتبرع
مجاناً بأفكاره، قد تعقبها كلمة الشكر، أولا شكر.
تحاورت مع أحمد حول عمل في صحيفة
الفيحاء، لم ألق جواباً شافياً، قلب شفتيه وهز برأسه:
-كم بطيخة ستحملين بيد واحدة؟
ركبت رأسي معاندة، قدمت طلبي إلى
رئيس التحرير فائز. تملاني متيقناً من جدية القول ورغبة الدخول إلى عالم الرجال،
خجلت من الخوض في موضوع الراتب كالعادة، تركت الأمور سائبة، فأنا لا أشكو تقصيراً،
وماتزال الدنيا فسيحة مفتوحة أمامي. نبر الأستاذ مقاطعاً أفكاري:
-طيب، تبقين فترة تحت التجربة، أقترح
عليك موضوعين اختاري أحدهما:
تحقيق عن الطوالع السبع في دمشق. أو
يوم في حياة أسرة دمشقية من حي شعبي.
-ويلي، أين هي الطوالع السبع؟ في
دمشق، أم حماة؟
اكتشفت أني لا أعرف شيئاً عن دمشقي
ولا أحيائها، فقط مجرد أسماء أقرأ عناوينها في طريقي إلى المدرسة، وحتى الأحياء
الكبرى كالقيمرية، أو القصاع، أو باب توما، أو الميدان، ما كنت أدري عنها إلا
القليل.
هالني الأمر وأنا المحاصرة بمئة سؤال
وجواب في البيت. وقفت حائرة:
-من أين أبدأ، من الحارات المتفرعة
عن خط الميدان أم الشاغور أم السويقة، وباب الجابية. أم شيخ محي الدين وحي
الأكراد. كلها أماكن خلقت في ذاكراتي صوراً صوفية عن المروءة والكفاح لا تلطخها
عتمة الفقر والجهل.
ترددت في خطواتي.
-كيف سأدق الباب على عائلة غريبة لم
أزرها في حياتي، وأقول لها:
احكي لي عن همومك؟!
حملتني الخواطر إلى آفاق متشعبة صعبة
التحقيق في جو مغلق على أسراره. يؤمن أناسه بالفقر الأبيض ويرفض الخوض في الفقر
الأسود. يموتون ويعيشون بلا حكايا معلنة ترن في جنباتها الضحكة. رغم كل شيء اتخذت
قراراً صعباً بالولوج في حياة أسرة دمشقية من حي شعبي.
إلى ذلك الحي الذي لا يصله ترام، ولا
سيارة توقفت أمام عتبة منزل حجري سوداء خلع الأولاد أحذيتهم المهترئة خارجها. طرقت
الباب متوجسة. أطل صبي في الحادية عشرة يهرش عرنوس ذرة نيئة. تفرس في وجهي
مستغرباً. ثم وارب الباب، ثم عاد وفتحه.
-أمك في البيت يا شاطر؟
ندت كلمة ترحيب ممطوطة متكاسلة من
الداخل.
-تفضلي. تفضلي ناولني الغطاء يا علي.
تربعت على الأرض إلى جانب المرأة
التي اندلق ثديها على صدرها. ردت الرضيع عنه. ظلت قبة الثوب مفتوحةً، تحلق ثلاثة
صبية حولي حفاة فوق أرض عدسة اسمنتية تمددت فوقها طراريح رقيقة. على بعضها في
الزاوية غفا طفلان برز وجهاهما من غطاء أسود كالح. قرفصت البنات، أسندن ظهورهن إلى
الجدار الكلسي المشقق. ارتسمت في عيونهن دهشة. تفقدت الغرفة التي فصلها شرشف حموي
مخطط إلى غرفتين.
-لابد أنها غرفة الأبوين. وإلا كيف
بظّت كل الأفراخ.
صرخت المرأة:
-مية السلامات. خديجة فنجان شاي
للآنسة.
اعتذرت منها بكلمات خرجت من فمي
متعثرة جوفاء باردة فضحت كذبي. خجلة من ذاتي كنت وأنا أرفض زهورات أشربها على
مرارة هؤلاء؟!
فيما كانت المرأة تتحدث، أنا أسأل
وهي تجيب، تارة تنهر الأولاد وتارة تتعثر بهم، أحسست أني في سبيلي إلى الإغماء.
أهذه دمشق التي أعرف، على مبعدة قليلة من بيتي وحتى من مركز العاصمة في ساحة
المرجة. هربت من رائحة الرطوبة العفنة إلى شمس انبدرت في الحارة... بكيت. رثيت هؤلاء ورثيت نفسي؟ فشلت في تجربتي الصحفية
وخنقتها في المهد.
-ما أصغر همومنا!
حكيت لرفيقاتي، ولتلميذاتي، ولأحمد
عما رأيت. أطرق برأسه إلى الأرض ثم نظر طويلاً في عيني نظرة أسيانة.
-هذه عينة بسيطة. تذكريها إن أردت
الأدب مهنة.
حملت من مادة الثقافة العامة فقه
اللغة للدورة الثانية. أيقنت أنها ليست لعبة أبداً، ولا مجرد فاعل، ومفعول وإن وأن
وإذا وصرف ونحو.
مرت
الأشهر تباعاً وتخلصت من دبق الثقافة العامة التي أبعدتني عن الكتابة. سجلت
فرعاً قريباً من اللغة العربية. فرع آخر أحب: ((علم النفس)). كان من حقنا أن نجمع
الفرعين معاً آنذاك.
عبر أسلاك الهاتف نقل الأستاذ ليان
البشرى:
-مبروك آنسة سلمى. الجائزة الأولى في
مسابقة القصة لشباب العالم.
دبلوم شرف مكتوب بماء الذهب. وعليه اسمي، وعليه عنوان القصة.. وفي
الأعلى: المهرجان ((العالمي الأول للشبيبة)).
من فوري ذهب تفكيري إلى أحمد. فرحة
طاغية، بدأت ألهث، يجب أن يشاطرني أحمد فرحتي. لا تكون فرحة إن لم اقتسمها معه....
درت على نفسي، أختنق بلذة الانتصار،
أراقص الحلم الجميل الذي عشش في ذهني وقلبي أياماً وليال، ونقلني إلى ذرى صعبة
المنال.
تلاقينا أطلت شمس ذهبية من عينيه.
كان سعيداً وحزيناً.
ماذا هناك؟
-قبلك بلغني خبر فوزك بالمسابقة،
لكن...
-لكن ماذا؟
-انظري...
ونشر أمامي جريدة يومية كتبت الخبر
أسفل إحدى صفحاتها الداخلية وربما في باب الوفيات. الورقة الصفراء. قصة سورية تفوز
في مسابقات مهرجان الشباب العالمي وكأن الفائزة ليست سورية بل من واق الواق.
شرنقني وكبلني نجاحي. حد من حريتي.
أثناءها نشطت الأحزاب السياسية، رفدتها دماء جديدة نظفت شرايينها.
دعت جريدة ((الجمهور)) الطلاب
بالتفافٍ ذكي وسبق صحفي منها إلى اجتماع مصغّر خاص بالمستقلين الحياديين. كي
يعبروا عن رأيهم كاملاً، إزاء قضية مصيرية ملحة ستطرح قريباً على بساط البحث مع
الشعب. وهي ((الوحدة مع مصر)).
تفتحت الدعوة من قلبٍ مزقته
الانقلابات. فتفجر حماساً، فما كانت الأحلام الطويلة لتذهب هباءً. من لا يهلل لأرض
تكبر....ولوطن يتمدد، وبقاع تنتشر خصباً وحضارة ومنَعَة. من لا يهوى ولا ينادي
بوحدة متماسكة مدروسة تضم شعبين شقيقين مصيرهما واحد. ونبضهما واحد، وعدوهما واحد.
نقل أبي بعض أحاديث الرجال في
المقهى:
-كرست الحركة الناصرية. مصر عربية في
الدستور المؤقت.
-خطوة جريئة وخطيرة، هناك شائعة بأن
زعيم مصر سيشتري الأسلحة من الشرق.
-تأميم القناة وحدَّ العالم العربي:
رد رجل.
-أيجب أن تعم رؤوسنا المصائب حتى
نتجمع على بعضنا؟ علق أبي متسائلاً متشائماً.
-ولكن نداء استوكهولم للسلام بلبل
أفكارنا. فكيف نحارب إسرائيل وهي حربنا المصيرية ونشجب الاعتداء علينا والقتل
الجماعي بالقنبلة الذرية وننادي بالسلام؟
غمغم عادل وهو يضب أغراضه في كيس
قماشي علقه فوق السرير.
-التفسير صعب حالياً... ولكن الأحداث
تبشر بالغيث.
تنامت التحديات خلقت صراعات وصدامات
بعد شهر العسل إبان الانتخابات بين نشأت ويعقوب. المناضلين الشهيرين الخصمين لكن
العدوين اللدودين للأحلاف ولمشروع الهلال الخصيب.
كان الاثنان من حملة لواء تنظيم
الطلاب الجامعي كل في حزبه...
إبّان الانتخابات عملا معاً ضد أهل اليمين ودعاة الأحلاف. وبعدها عادا إلى
مواقعهما وقناعاتهما.
تأججت مظاهرات ضخمة أعقبها اعتقالات
في مختلف المدن السورية تدعو إلى الإحاطة بصاحب الانقلاب الثالث.
عقد المجلس النيابي جلسة أخيرة كثر
فيها الجدل. وفي الكواليس وزعت الكراسي على حكومة مؤقتة.
يدعو صوت إلى الوحدة الكاملة مع مصر.
عبر يعقوب عن رأيه بصراحة أمام مجموع الطلاب المحتشدة في حديقة الجامعة:
-الوحدة كنز ومطلب مصيري. الإطار
أولاً، ومن ثم التفاصيل، لحقه الكثيرون على شرفه النادي المطلة على بقايا فرع بردى
المنسربة بعد الربوة حتى المرجة. كنا جماعة الندوة الأدبية نشرب القهوة، نناقش
جوهر الوحدة ونتائجها سلباً وإيجاباً.
في تلك الفترة المشتعلة./ شغل أحمد
عن لقاءاتنا ضيوف أعزاء جاؤوا من مصر محمود أمين، إدريس، بهجت.
التقيت بأحمد في الشارع بادرني
معجلاً:
-تفهمين وضع البلد جيداً. أعتذر منك،
لابد أنك تقدرين ظروفي. هؤلاء ضيوفي وفي بيتي... بهجت يعمل في مجلة أدبية مهمة
سيلتقيك مع عدد من أعضاء الندوة الأدبية. ربما غداً، أو بعد غد..
سيتلفن إلى المدرسة أعطيته رقمك. لا
تتهربي من أسئلته. كوني مرتاحة وصريحة.
غادرني مسرعاً.
تدفق الكلام من فم بهجت كحبات
السبحة، نبعاً لا ينضب... يقفز مع أفكاره المتلونة السريعة بأمثلة تطال المستقبل.
وبالتكامل الاقتصادي والثقافي بين البلدين. يحكي ويبتسم. طلب فنجان قهوة آخر.
صب حديثه علي أنا وعلى مسابقة القصة
لشباب العالم.
شاركتنا نورس الجلسة ظلت مستمعة جيدة
ومستوعبة، تحكي بمقدار، وتتنقل بعينيها الصغيرتين بين وجهينا، وتتمتم: -أكيد، نعم.
كتب بهجت على ورقة اسمه الكامل وعمره
وتاريخ ولادته. واسم أمه، وخاله وعمه، وثقافة كل منهم. قرأها علي.
ضحكت ملء قلبي ما هذه الأحجية التي
لاعلاقة لها بموضوعنا؟
-هذه ترجمة حياتي.
كنت فعلاً خالية الذهن بعيدة عن
تشعبات ذهنه. غادرنا وهو يؤكد عودة سريعة إلى الشام
-ما رأيك فيه؟
-أرى فيه صورة الرجل النشط المتوثب.
-أما أنا، فأراه الرجل الخبيث الباطني.
-سلمى التي أعرفها، لاتقبل تحدياً
ولا تراجعاً.
مشينا الهوينا، عضّنا الفكر بنابه.
لم تحاول أية واحدة أن تخرق الصمت.
وأخيراً تنهدت صديقتي:
-انقضت العطلة سريعاً وهاأنذي أسافر
إلى السويداء حيث المدرسة والبنات وطعام وشراب ونوم مدة أسبوع قد أعود قبل رأس
السنة. كي أكسر رتابة حياتي بين أهلي وفي دمشقي. إلى اللقاء.
-طريقي غير طريقك، اسمعي لا تنسي
اللبن والزبدة والجبن من السويداء. ضحكتْ، ضحكتُ.
كرَّ ومر الأسبوع سريعاً. وفي ليلة
رأس السنة هتفت إلى أحمد من صيدلية دخلتها، كنت بحاجة إلى أن أسمع صوته.
-أحمد، مشغول أنت؟
-عندي ضيوف نحضر لأفراح رأس السنة
الجديدة، نتقاسم المهمات، وبعد قليل سيأتي حنا وشوقي، وسعيد والشلة... الدنيا
قائمة وقاعدة في بيتي.
-وأنا؟
-طبعاً لا. أبداً. جننت؟ أصلاً أنت
لا تستطيعين الخروج في الليل.
-متى نحتفل كالناس وأمام الناس بلا
خوف، ولا وجل؟
-قريباً. ليس الآن. تذكريني الليلة..
نلتقي في السنة الجديدة.
لم أنم. لا أدري بماذا انشغل ذهني...
كوابيس تتناوب على ألامي كلما غفوت لحظات.
عندما شق الفجر أول خيوطه. وامتدت
عبر نافذتي. وبدأت أغمض عيني، واستسلم لهدهدة الحمام في الديار، شممت رائحة حريق
نهضت كالملسوعة. أين الحريق؟..
وحدي في البيت من رأى الدخان واختنق
بالنيران.
لم نسبر حقيقة المقدمات التي سبقت
إعلان الوحدة، ولم أسأل أخي عادل حول آلية محركي مواضيع الساعة التاريخية
المصيرية، ولم أقل له أني معنية بوطني الكبير. كما هو معني بالتخطيط لوطنه. ونلعب
على رقعة الشطرنج ذاتها. قد يكون بأسلوب مختلف وتكتيك مختلف ولكن وصولاً إلى
الأهداف ذاتها التي أدت إلى توحيد الحزب الاشتراكي والبعث. بقيت أحاور وأناقش
المعطيات وحدي ومع رفاقي ربما لأني غير منظمة حزبياً، وبعيدة عن طموحات بطوليّةٍ
لست من قياسها.
تابعت نوعيات الوفود، والاجتماعات
المتوالية بتأنٍ.
بعد أشهر من غرق الجامعة بالخطب
واللقاءات والبيانات وتحويل صالة الرياضة إلى قاعة خطابية سياسية يتناوب عليها
الحزبان البعثي والشيوعي، عاد الصحفي بهجت ممثل مجلة صباح الخير وفي جعبته أسئلة وفي أهابه دور استطلاعي يلعبه.
تبادر إلي أنه اجتمع بناديا، ونصر
وعادل ومحي الدين. وصل الدور إلي. موعدي معه على شرفة النادي. حول طاولة مخلعة
دبقة. جلسنا أنا ونورس ننتظر. أطل. لاحظت أنه في الثلاثين، أسمر غامق، في مشيته
تؤدة وفي تقاطيعه الفرعونية تصميم وذكاء. فوق كتفيه مؤشر على انكبابه على الورق.
بدا كلامه كأي مصري خفيف الظل نكتي،
ساخر ينتزع الضحك والأسى معاً. موهبة حقيقية ودهاء صحفي كبيران، رمى على الطاولة
مجلة صباح الخير التي حققت انتشاراً، وبريقاً كشافاً برسومها الكاريكاتوريه بالغة
العمق والمعنى.
ماذا يحكي المرء عندما يلتقي غريباً
يؤم بلده؟ تعرجت الأسئلة فتلوت الأجوبة حتى دخلت مضامين الحياة الدمشقية، ومتاهات
الأحزاب السياسية وحول الوحدة لتخرج منهكة إلى الفضاء الرحب بعيداً عن تفاصيل
النتائج. ترتمي، تفتح ذراعيها معانقة رغبة شعبين أصيلين طالما وحدتهما الملمات.
رمى بهجت قشرة موز في طريقي، فما تزحلقت. طرحت أفكاري حرة فجة ساخنة دون تنميق.
فأعجبته لا بل تبناها... يجب أن يسبق إعلان الوحدة تمهيد مرحلي قد يدوم سنوات إذا
أردناها قابلة للعيش والديمومة.
أهي الحاسة السادسة؟ أهي إشراقة في
الوجد؟ أهي لغة التخاطر النفسي التي يتحدث عنها الناس؟
أحسستني محمولة على أجنحة بومة سوداء
تطير بي وتطير الكون. كله ظلام. استلقيت متعبة طردت الخواطر السوداء لفني
محلها توهج الشوق وهسيس موسيقى ناعمة تبعد
عن ذهني توقعات الشر.
غفوت على سرير هندي مليء بالمسامير.
انتصف النهار، انتظرت كلمة حلوة أنهي
سنة بها وأبدأ سنة مزهوة موارة. ولكن عبثاً انتظرت.
يلاحقني غول مجهول. يضربني الخوف
بسياطه. أصوات ثاقبة منغمة ممطوطة تنادي بعناوين الصحف:
-اعتقالات جماعية في ليلة رأس السنة.
أحمد، أتراك تتشبث بأمل التغيير
لترسخ حلماً محققاً.؟ أتراك تتغلب على التنين الأسود في الرؤوس الموصدة بالحديد
والمغلقة على الأنا؟
اندفعت نحو الطريق الإسفلتي، إلى
الجامعة. الدرب طويل ومتعرج ومقفر. الحرم الجامعي مغلق بقضبان سوداء، عيون سوداء،
رشت يد ساحرة شريرة الموت على المدينة فغفت بلا حراك. أضحت أحجاراً من أسمنت
وتراب.
أحمد، لست النعجة التي تمد رأسها
للجزار، وتستسلم للذبح. قاوم فلن تجرفك العاصفة.
قرب الباب الحديدي.. دفعها رجل خشن
من كوعها إلى سيارة عسكرية مصفحة تجمدت الدمعة أسى في عينيها. أضرمت ضراوة في
قلبها أبعدت التردد والتخاذل واللا إنتماء عن خطواتها لتتوحد مع خطوات الآخرين في
درب معشب بالأشواك. قدرها لا يلهو أبداً معها ولن يترك لها الخيار.
ينبثق عامود من ضياء أمام عينيها. لن
تضيق الأفكار عليها وإن لوى كتفيها حمل ثقيل بعيد من التخييل، فلتدخل التجربة مع
الأنبياء. تجربة لن ينساها، ولن تنساها. حالة الدخول في الذات الأخرى،.... دورات
الآخرين. فإن بدت تحركات الكائنات البشرية المأمولة كتحرك السلحفاة في الوقت
الراهن، فإنها حتماً لتتسارع نحو الهدف على نحو مذهل. استكانت إلى الحلم. وأغمضت
عينيها.
rrr
رقم الايداع في مكتبة الأسد -
الوطنية
بنات حارتنا :رواية/ ملاحة الخاني-
دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998-144 ص؛ 24 سم
1- 813.03 خ ا ن ب.
2- 813.009561 خ ا ن ب.
2- العنوان.
3- الخاني.
ع -2023/12/98
مكتبة الأسد
r
هذا الكتاب
مجموعة قصائد وجدانية مرصعة بالهم
الوطني والقومي، تحمل شحنات كبيرة من الحب والوجد والرؤيا البعيدة المدى منسوجة
على منوال قصيدة التفعيلة المضبوطة الوزن والإيقاع صاغها الشاعر بلغة معبرة عن بوح
شديد عما يدور في خلد الشاعر من أفكار ورؤيا وحلم وبوح.
هذا الكتاب
مامن شئ أصعب من أن يكون المرء حراً،
سيد مصيره ومبدعه كيف لفتى من أسرة محافظة وضاغطة في أربعينيات القرن أن يميز
معالم طريقه؟ وكيف لفتاة من الأسرة ذاتها - مع تنامي الطبقة الوسطى وتفتحها - أن
تؤكد استقلالها وتتحلص في الوقت ذاته من المسائلة والخنوع؟
ألا يجب استبعاد الخلط بين الحرية
والنزوة؟ وهل المرور بالخوف والضعف صورتان متلازمتان للثمن الذي يجب دفعه لبلوغ
النضج؟
أسئلة كلها تجيب عنها حكاية ناس من
دمشق تركوا بصماتهم على خط الحياة تأرجحوا مع الأيام الصعبة لكنهم لم يقهقروا أو
يطأطئوا..
ومن لا يقع لايقف ولايصل هكذا مات
بعضهم واقفين.